ما إن خرج عامر وأولاده، هبّ عمران الجد. كان ضعيف الشخصية أمام أولاده. وقف عمار ينظر إلى ولده بغضب: "انت إيه جاحد؟ ليه أكده؟ منك لله بتضرب عيل صغير؟ بتضرب أخوك الغلبان اللي جاي يستسمحنا؟ منك لله. إني كنت هجرص ودنه بس." وقف جابر غاضباً واستدعى أخيه سلطان الذي كان معه في كل شيء. صرخ عالياً: "تعالوا شوفوا عمران أبو الدهب عايز يحط وشنا في الوحل عشان ابن زينب. هاه؟ واحد جاي ياخد جرشينات للرجاصة." فصرخ الجد: "مالك؟
انت تاخد وتهبب؟ مش بتاعي؟ فصرخ جابر: "لا، مالنا وحالنا بتاع إيه؟ تاخدهم الغزية وولادها؟ شفت عيال ما تربوش؟ الواد يجي يقف يتبجح ويشتم ويقول علينا واغش ابن الغزية؟ بيقول ويتوعد؟ دي آخرتها؟ انت السبب كنت قتلته وتاويته. لا والعيلة اللي ما طلعتش من البيضة جاية تضرب؟ أمال لما يكبروا هيعملوا فينا إيه؟ لاااا، دول تربية صاجات لو عتبوا هنا هدَفنهم مطرحهم." صرخ الجد: "انت إيه؟ ما بتحسش؟ أخوك عيان، نادي عالغفر يرجعوه. منك لله."
وقف جابر وصرخ: "أنادي عالغفر؟ وماله؟ أنادي. واد يا مسعود، هات الفرد وتعالى." بهت الجد. فنظر إليه جابر: "اسمع بقى، تفتح السيرة دي لو عاود هقتلهولك، فاهم؟ وانت خابر جابر زين، ممكن يعملها." تراجع الجد ونظر إليه بخوف: "هتقتل أخوك يا محروج؟ فصرخ جابر: "أيوه هقتله اللي جاب لنا العار ده. وابقى رجعه بقى ولفلف عليه عشان أحسرك عليه بالمرة. تفكر تجيبه؟ يمين الله لأكون مخلص عليه ويبقى انت اللي قتلته."
تنهد الأب وهو يعلم جيداً أن جابر سيفعل ذلك، وقلبه ملئ بالسواد. وضع يده على رأسه. فاقترب سلطان: "مشي الدنيا يا أبوي، ده خرج عن طوعنا خلاص. لا تفكر فيه ولا تسأل عنه أحسن، لأننا مش هنسكت." وتركوه ورحلوا.
ظل الجد جالساً لا يعلم ماذا يفعل. فهو يعلم أولاده جيداً. تمنى أن يتصل به ابنه، فهو رحل ولا يعلم مكانه. أحس بالوجع وتمنى كلمة منه، وأنه سيخفي أي أثر اتصال بينه وبين ولده. وظل جالساً يمني نفسه أن يعود ولده الحبيب ويتواصل معه مرة أخرى. *** رحل عامر إلى بيته محتضناً أولاده. ركبوا القطار. أي قطار؟ قطار رحلة بدأت في قلب الشبل وأخته. قلب النديم والمهره. ركن الأب وشد نديم أخته ناحيته، ومسك يدها يتأملها وهي تنظر إليه بوجع.
ابتسم وقال: "بتوجعك يا مهره؟ هزت رأسها ببطء. انحنى عليها وهمس مشيراً إلى قلبها: "الوجع بينحفر هنا يا خيتي، هاه... نظرت إليه دامعة. فهمس بقسوة: "بصي عالطريق كويس، احفري البلاد فيه. بصي يا مهره كيف رحنا ليهم بالخير وكيف راجعين والجلب محمل ومعبي، عشان أنا وانتي هنعاود تاني." همست بخوف: "لا يا نديم، مش عايزة. أنا خايفة." اقترب ومسك يدها بقوة، فتألمت. فقال: "لا، اصحك الكلمة دي تتقال. دي كلمة ماتت من حياتنا، فاهمة يا مهره؟
ماتت." تنهد الأب بحسرة: "سيب خيتك يا ولادي، دي صغيرة. بتجول إيه؟ خلاص أكده خلصت." ضحك نديم: "هو إيه اللي خلص؟ بص عالطريق، احنا لسه في أوله. اسكت يا أبوي بلا خلص." وركن نديم مغمضاً عينيه. اقتربت مهره من أبيها هامسة: "أنا خايفة." تكلم نديم وهو ما زال مغمضاً: "نديم ما يسيبش الخوف يخش عندنا. اركني ونامي، لما نعاود ليا كلام مع الكل." ***
كان عامر أهله في الأقصر، ولكنه كان يسكن بعيداً في القاهرة. كان يهرب من أهله ويخاف على أولاده ليعود إلى بيته ساحباً أولاده. وما إن دخل البيت ليفجع في مصيبة جديدة. فكان هناك صريخ في بيته. اندفع إلى البيت ليجد الجيران يتجمعون في حجرة زوجته، فزوجته شمس حياته قد غادرت الدنيا بعد أن أصابها المرض.
اندفع يحتضنها ويبكي كالطفل الذي فقد أمه. وتندفع مهره إلى أمها صارخة. والنواح والعويل أصبح سمة البيت. إلا من شخص كان الصمت والجمود حليفه. كان البكاء والنواح لأهل الدار عالياً، ونواح الذئب من داخله ينهش أوصاله ويزيده غلا. ليقف الطفل، أو ما يظن الآخرون أنه طفل. وقف وقد قَدّ من حجر، يقف شامخاً لا يبكي ولم ينطق. ينظر إلى أبيه الذي ينوح بفقدان حبيبته.
لتستدير مهره وتندفع لأخيها تشده وتصرخ. إلا أنه شدها إلى أحضانه بقوة، يحاول أن يهدئ من روعها ويربت على رأسها وهي تتشبث به. كان يضغط عليها، فهو اتخذها عوناً وسنداً رغم صغر سنها، فليس له أحد يسند من أزره. ليمر وقت من سواد إلى سواد كاحل. دفنت الأم وجلس الأب منهكاً، لا يعلم ماذا يفعل. كيف سيعتني بأطفاله؟ فهو مريض قلب، وهناك طفلة صغيرة لم تأخذ من حنان أمها. جلس محني الرأس. ليقترب ابنه ويهتف بقوة:
"ارفع راسك يا أبوي، ما تحنيش راسك أكده. عامر أبو الدهب ما يحنيش راسه." نظر عامر إلى ابنه: "أمك راحت يا ولدي، ومين هيراعي البنت؟ قال بجمود: "ما تحملش هم يا أبوي، إني سداد." شعر عامر بالقهر على ذلك الطفل الذي تحول إلى رجل صغير، ليهتف: "حسبي الله ونعم الوكيل يا ولدي." اقترب يحتضنه بقوة، ويحتضنه الطفل، ونظرات الغل في قلبه ويده على وجهه من آثار تلك الندبة الذي تولدت من ذلك الجاحد وضربه له. همس:
"اطمن يا بوي، نديم كبر خلاص. جاي يوم الحجوج يا أبوي، جاي. نام وارتاح وسيب نديم يمشيها بمعرفته." وقف نديم مربتاً على أبيه، كأنه في قمة رجولته وليس طفلاً. "ولدك ما هوش هين واصل." ظل يلمس على خده. "اطمن يا أبوي، حق دم الغالي جاي من دم الرخيص." ترك نديم أبيه ودخل على مهره. كانت تلعب بأحد العرائس. كانت تحب عروسة سندريلا وتعشقها. دخل نديم وجدها تبتسم بحنان للعروسة. اقترب منها ووقف وهي على الأرض. رفعت رأسها. فقال:
"قومي يا مهره." قطبت جبينها وقامت. مد يده وأخذ العروسة وبسرعة البرق قذفها من الشباك. فشهقت مهره: "نديم! عروستي، عروستي! مسكها من يدها بقوة، فصرخت. فقال: "عروستك ماتت يا مهره، هاه؟ مهره ما عادتش بتاعة عرايس. مهره بقت مهره فرسة ما حد يقدر يهزها. العرايس والنحانيح للضعيف، واحنا خلاص ما عدناش ضعف." ضغط على يدها فصرخت: "اصحك، هاه؟
اصحك تعيطي أو تصرخي. اكتمي يا مهره، اكتمي ضعفك جواكي. مهره أخت النديم وضهره. مهره هتكبر مع النديم. ما عدناش ضعف ولا لعب عيال. الضعف اللي خلى ابن أبو الدهب يعمل فينا أكده. حط يدها على جرحه. هاه؟ بتوجعني؟ شوفي." وبدأ يضغط عليها ويبتسم لها. "شوفتي نديم وجعه مات، ما عاد فيه وجع يا مهره؟ خلاص يا خيتي، دنيتنا اتحبست جوانا. ممكن ما تفهميش، بس إني معاكي لحد ما تفهمي إحنا هنبقى إيه، فاهمة؟
لعب ونحنحة خلاص. اللي جاي عيشة وهدف وشغل عشان الهدف، عشان دمنا اللي سال غالي جوي. كل لسعة كرباج هناخد حقها، كل حرج وشتيمة وذل هياخد حقها." ليديرها ويخبط على ظهرها بقوة: "ده ضهر النديم، فاهمه؟ أمك ماتت بسببهم، وأبوك اهو محني والهم كله، وأنا وانت اتعلم علينا، فاهمه اللي احنا فيه." تنهدت، فكانت طفلة. رغم صغرها إلا أنها ذكية وقوية. همست: "فاهمة يا نديم." ابتسم وربت على كتفها:
"لما ناخد حقنا، عروستك هترجع وكل حاجة هترجع، بس نعيش لأجل حقنا." واستدار وتركها. لتدفع إلى الشباك تنظر إلى العروس بحسرة، ولمعت دموعها. إلا أنها هزت رأسها بقوة وشموخ استجابة لكلام أخيها. تذكرت ذلك الطفل وصورته لا تفارق خيالها. وكلماته ترن: "هحطك تحت جزمتي." انتفضت بقوة:
"لا مش هعيط. نديم قال مش هعيط. نديم قال ومهره هتنفذ. مهره ضهر النديم." وأقفلت الشباك، وكان هذا أول قفل على أحلام المهره. حبيسة بلا عروسة، أنثى بلا أنوثة. مهره في سبيلها لتكون فرسة جامحة من أجل النديم والنديم فقط.
من هنا بدأت حياة نديم تتغير تماماً. قد تحول إلى رجل في سن الثالثة عشر. طفل في هيئة رجولية طاغية والقوة أصبحت حليفه. هو الأمر الناهي في البيت وأبيه أصبح ضعيفاً. كان لهم محل صغير يقفون فيه، وأحياناً يقف الأب فهو يراعي البنات. وارتبط نديم بمهره نفسياً، فهما رفيقا العذاب والمعاناة. كان يدخل عليها ويمسك يدها ويجعلها تغلي من ناحية تلك الأسرة، ولا يترك لها مجالاً لتكون أنثى أو تتولد داخلها ضعف الأنثى وحنانها. ليمر الزمن والطفل يكبر وتكبر هي، وتستجيب لأخيها، ولا ينفك يخبرها أن لهم حق سيقتلعونه من عائلة أبو الدهب.
كانت مهره طفلة جميلة ذات شعر أسود وعيون خضراء. حنونة على أختها المولودة التي لم تر ما رأوه. كانت تشع حناناً لأختها. وعندما يراها نديم، ينهره على حنانها، فخاف أن تصبح ضعيفة. إلا أنها في تلك الناحية فقط لا تستجيب له، تظهر حناناً طاغياً، كأنها بذلك الحنان تتمنى أن تحس من داخلها أنها إنسانة، تحس وليست آلة في يد أخيها. دخل عليهم الأب وجلس بجوار نديم. فهتف نديم: "فيه إيه يا أبوي؟ أخرج عامر كيساً كبيراً وأعطاه له وهتف:
"خد دول، ما كنتش عارف إنهم موجودين." قطب نديم: "إيه دول يا أبوي؟ فتح الكيس فوجد ذهباً كثيراً. فقطب جبينه: "إيه ده يا أبوي؟ تنهد الأب بحسرة: "ده دهب أمك، كنت مخبياه مني. لو كان ظهر كنت عالجتها. بس إني كنت محرم عليها آخد من مال الرجاصة حاجة، كنت حالف عليها. فخبته يا ولدي، واهه كنت بجلب المجعد لاقيتهم. أهم يفكوا زنقة وييسر الحال. الله يرحمك يا شمس." هب نديم وقال: "لا، دول كأنهم ما جاش." بهت عامر: "بتجول إيه يا ولدي؟
إحنا الفجر هياكلنا." قال نديم بإصرار: "دول ليهم عوزة يا أبوي. دول اللي هيجيبوا الحجوج. دهب الغزية هيجيب حقنا كلنا." تنهد عامر: "كيف يا ولدي؟ طيب." ابتسم نديم: "انساهمل يا أبوي، انساهمل. وهياجي يوم الحجوج وتشوفه بعينك. انساهمل وتوكل على الرحمن وهنعيش وهتتدبر." وقام ودس الذهب في دولاب أبيه كأنهم لم يأتوا من الأساس.
مرت الأيام ونديم يعمل في المحل الصغير ويذاكر، وأخته تسانده. والصغيرة تكبر على حنان مهره أختها ونديم بلغ من الشدة أن تنزوي الصغيرة بعيداً عنه. أصبح عكس أبيه تماماً، مرعب في قسوته. يكره ضعف أبيه وأنه شخصاً ليناً، فنهشه أخيه وفعل ما فعل. كان يعلم أن القوة في القسوة والجلد، وألا يكون له عزيز أو نقطة ضعف. كان بمفرده، لا يقربه إلا أخته التي كبرت وأصبحت شبيهة له. لسنين كبت أنوثتها ورفض أن تكون مثل الفتيات أو تلبس مثلهن. كانت تصرفاتها أقرب إليه، وكلما رأى منها ليناً، ينهره بعنف ويذكره بتارهم، فتعود وتشد نفسها. أصبحت المهره توأم النديم، تفهمه وتمتثل له.
إلا أن الأنثى بداخلها أحياناً تعود رغماً عنها على السطح. كانت أحياناً تجلس بمفردها، تقفل على روحها وتحلم أن تكون أنثى رغم ما تمر به. لم تنس يوماً عروسها. كانت تعشق كرتون السندريلا التي تراه حلماً لها. فتاة لن تكون لها من الحياة نصيب. شاردة، نافرة، قوية، لا يهزها أحد. كانت أحياناً تشعر بقسوتها تخنقها، وقوتها تلجم أنفاسها. وكلما أحست بالوجع من كونها جاحدة، تفتح تليفونها وتشاهد ذلك الفيلم، فيبعث روحاً بداخلها تشبعها، تشبع الجزء المدفون الممنوع من الخروج.
في أحد الأيام، كانت تجلس مبتسمة تتفرج على الفيلم في صمت. دخل عليها أخوها فصرخ: "إنت بتتفرجي على إيه؟ نهارك طين! خافت وارتعبت وهتفت برعب: "أنا، أنا ما بتفرج، ده ده جه قدامي." فاقترب وانتزع الفون وصرخ: "يبقى تجفليه، يا بت أبوي، فاهمه؟ تجفليه وما يتفتحش تاني. دي مش سكتنا يا مهره، انتي ضهري، انتي ضهر نديم، فاهمه؟ اياكي الاقيك تاني فاتحة المسخرة دي، فاهمه." لتحني رأسها. فصرخ فيها: "فاهمه؟
دي مش دنيتنا. دنيتنا حاجة واحدة بس. دنيتنا جابر وسلطان. دنيتنا نرد القلم عشرة." فاقترب ومسك يدها. دنيتنا ناخد حقنا ده يا بت عامر منهم كلهم. دفعها لتقع، لتنزل دمعة من عينها، فهي مهما كانت أنثى وهذا كثير عليها. ليصرخ: "نديم ومهره مابيبكوش فاهمة؟ مهره زي نديم قلبها حجر ومحطوط عليه سلسال حديد، ماحد يجدر عليها فاهمة يا بت عامر، وإلا أفهمك يا بت الرجاصة والحرامي." هبت صارخة: "فتلك الكلمة تحرقها... فاهمة يا نديم، فاهمة."
مرت الأيام وتمر الحياة. ليأتي يوم كان عامر قد تعب من قلبه، استدعى مهره: "تعالي يا بتي، إني خلاص هموت." ربتت عليه بحنان وقالت: "ماتقولش كده يا بابا، إنت هتبقى كويس." فقال: "لأ يا بتي، إني خابر الأجل خلاص، بس جلبي حزنان على أخوكي. ماتمشيش في سكته يا بتي، إني غلطت لما خدتكو معايا. وعرفت إن أبوي بيدور علينا يا بتي. أيوه عايزني أكلمه من ورا ولاده، أبوي غلبان وبيحبني وهما وحشين جوي...
جدك مش وحش يا مهره، جدك طيب بس بيخاف من ولاده."
"وجابر ممكن يكون هدده إن يعمل فينا حاجة. جدك ضعيف، ماتحاكمهوش على ضعفه. روحيله يا بتي وجوليله إني مسامح واني ماسرقتش واني حافظ كتاب ربنا. جوليله إني مسامح وهقابل ربنا واني مسامح، خليه يدعيلي بالرحمة. وانت لو جه يوم روحيله.. نديم جلبه بقى صنم، ماهيحسش بالكلمتين بتوعي، إنما انت خابر جواتك وخابر إنك صحيح تبان صلبة وواعرَة بس جواتك لسه أخضر يا بتي. لو جرالي حاجة كلمي جدك، إني خابر مستنيني."
"جدك يا مهره، ماتحملهوش ذنب، واوعديني إنك لو جه اليوم اللي يطلبك فيه تكوني حفيدته، ماهترفضيش يا بتي، اصحك تمشي في سكة نديم، سكته واعرَة. بكفياه اللي بيعمله." دخل نديم وسمعه: "مالها سكتي يا أبوي؟ كان قد كبر ودخل كلية الهندسة. "مالها؟ هاه، أحلى سكة سكة جدي وحجك." هتف الأب: "مش عايز، إني مسامح." فصرخ نديم: "إني بقى مش مسامح، ولا مسامح في حق أمي، هاه. انت طيب بزيادة والطيبة عار بالنسبالي، إني لازم أجيب جابر تحت جزمتي."
تنهد عامر: "وأخرتها تنجتل وانحصر عليك أجلك يا نديم." فصرخ نديم: "إني ماهسيبش حقي منهم أصل." تنهد الأب: "طب ولما ماهتسيبش حقك بتتكلم صعيدي ليه بيناتنا؟ هاه، ماتتكلم مصراوي كيف خواتك؟ والا عشان انت من جواتك عايز ترجع لنسلك الصعيدي؟ انت بتحب الصعايدة وتفتخر إنك منهم ونفسك في العزوة ونفسك تعاود، واني خابر وخابر إنك متكبر. بس انت الغل طاح جواك وبتغذيه نار جايدة. يا ولدي طفي نارك عشان الحنية بتدوب اللي في القلوب."
فصرخ نديم: "مش إني اللي يتجال عليا حنين. الجسارة يا أبوي هتجبلي حقي، عايزني أبقى حنين وألين وانضرب على ضهري وأعاود أبقى تاني عبيط. بطل الله يرضى عنك وسيبني أعرف هكمل بطريقتي." ليقوم فوجد أخته الصغيرة تقفز أمام التلفاز وتغني فرحة. ليصرخ: "مهره تعالي شيلي البت دي، جولت قبل سابح تلمي رجصها وجلة حياها دي." كانت أخته شجن تبكي من طريقة معاملته لها، فهو شديد عليها، فهي تتسم بالطيبه واللطافه الزائدة.
لتقترب مهره وتأخذها للداخل. جلست حزينة جنب أبيها، فمسد عليها: "معلش يا شجن، حظك إنك وقعتي بين جوز بهايم، واحد جاحد والتانية ماشية في ديله." تنهدت هيا: "أنا ماعرفش هما عايشين كده إزاي، دا ماعندهمش حنية خالص." لتخبطها مهره: "بقي أنا مش حنينة؟ انت بت واطية، أمال أسيبه يعضك؟ ماشي يا زفتة." أسرعت شجن: "لأ لأ، والله دانت عسلية."
ضحكت مهره: "شوف يا بابا، في ثانية بتقلب. طب ياختي بطلي دلعك ده، أخوكي غراب، ماعرفش واحدة دكر والتانية بسكوته." ظلا يجلسون معا يتسامرون والأب يدعو لهم بالصلاح. ليأتي يوم لفظ الأب أنفاسه ومات بينهم وهو يوصيهم أن يعودوا لـ جدهم. وبدأت إجراءات الدفن. كان قد كبر نديم واشتد عوده وأصبح شابًا يافعًا، وقام بكل ذلك بمفرده. إلا أن مهره كان قلبها ينزف على فقدان أبيها، وكلماته لا تفارقها.
اتجهت إلى التليفون ووقفت أمامه تشعر بالتردد والخوف. كانت تريد أن تكلم جدها ليأتي عزاء ابنه. ظلت واقفة وبدأت ترفع السماعة وتتصل بجدها. أتت شجن باكية: "بتكلمي مين يا مهره؟ تنهدت وهتفت: "بكلم جدك يا شجن، أبوكي كان عايزه، دا حقه." لتسمع صراخًا: "بتعملي إيه؟ نهارك أسود! اندفع ومسك التليفون ورزعه على الأرض. لتصرخ شجن وتنكمش، إلا أن مهره صلبة، لم تعد تخاف كالسابق أمام صراخه. صرخ: "انطقي، بتعملي إيه؟
تنهدت بهدوء: "خشي جوه يا شجن، فهي الوحيدة التي تستطيع أن تجابهه وتسيطر على غضبه." أسرعت شجن إلى حجرتها بخوف. فاستدارت مهره: "نعم يا نديم؟ إيه؟ "أبوك اللي طلب." صرخ: "من غير ما تقولي بتتسرجي من ورايا يا بت أبوي." تنهدت: "حقه يا نديم، ابنه مات، حقه." صرخ: "مالهمش حقوق عندنا، اللي كان بينا راح خلاص، وعضم التراب اتلف بكفنه وانهال عليه التراب، ودول برضه انهال عليهم تراب رحمتنا. مش مهره اللي تبقى خاينة للنديم."
نظرت إليه بوجع: "أنا يا نديم، أنا خاينة." صرخ: "ولما تعملي كده ماتبقيش خاينة؟ لما تغزيني في ضهري وترجعيهم ماتبقيش خاينة؟ نسيتي ولادهم عايشين في نعيم واحنا عيشتنا إيه؟ هاه. نسيتي ابن سلطان وهو بيقولك هحطك تحت جزمتي يا حرامية. نسيتي عمك جولي. إني قدامك يا مهره، جولي، ناويه على إيه؟ نكمل على عهدنا والا نفارق وأكمل سكتي لوحدي؟ ولا كأنك كنتي في دنيتي." نظرت إليه تتأمله وترى الوجع في عيونه، فهي توأمه ورفيقته.
فقال: "انت حالي يا مهره، فاهمة؟ انت حال نديم واني حالك. نديم مالوش حياة تانية ومهره كمان. حياتنا واحدة، اللي يتعمل واحد واللي يتقال واحد والشورة واحدة. عهد ربنا بينا إننا واحد يا بت أبوي، جولي."
أحنت رأسها ثم رفعتها: "من غير عهود يا نديم، انت كل دنيتي، ماعرفش في الدنيا غير كلامك وطريقك. مهره مالهاش حال غيرك يا نديم. مهره مش عايشة إلا عشانك يا أخويا يابن أمي وأبويا. مهره يوم ما تسيبك تموت أحسن، بس عهد على عهدك، لا أكمل ضهرك عمري كله، لا يوم تخاف ولا يوم تحتاج لغيري. مهره ضهر النديم، مهره بميت راجل وانت عارف. وإن كنت غلطت، إني هكلم جدك ده بس عشان أبويا، بس خلاص، لا توجع قلبك ولا تخاف، انت عندي بالدنيا، انت حياتي يا نديم، ماعرفش حياة غيرها."
تنهد باطمئنان، فهو يعرفها ورباها جيدًا وأصبحت له. اقتربت وربتت على يده، ابتسم لها واستدار مبتعدًا. لتقف هيا تدفن ما بقي من مشاعر بداخلها وتكبت روحها وتشد من نفسها أن تكون كما يريد أخوها. دفن الأب وسارت الأيام. عاد البيت في صمت مطبق. جحد نديم أكثر وشعرت مهره بالخوف، تحس أن سندها فقدته، حتى لو كان ضعيفًا، فـ أبـوها سند من نوع آخر، سند الحنان والمشاعر. سند تفتقده في دنياها، وكانت تعالج روحها بوجود ذلك السند.
لتمر الحياة وتدخل مهره هندسة أيضًا بناءً على أوامر أخيها. و نديم قد تخرج منها وبدأ في إنشاء شركة صغيرة من دهب أمه. أسس شركته ووضع أول طوبة فيها على هدف أن يعليها. وتوقفت الحياة على هدف واحد، هدف إرجاع الحقوق. وهنا بدأ الطريق، طريق زحف ذئاب للانقضاض على فريستهم، عائلة أبو الدهب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!