تحميل رواية «عودة الذئاب» PDF
بقلم ميفو السلطان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كان يقف محني الرأس والشيب نال من شعره الكثير، بل لم يعد في شعره إلا ما يدل على الكبر والوهن. ينظر إلى الأفق ويتحسر على حاله وما وصل إليه من أفعاله وقسوته. فالقسوة لا تنبت إلا القسوة. يعود بالزمان إلى يوم حلّت عليه مصائب من صنع سواد قلوبهم. يوم أغبر من يد غبراء لا تعرف الرحمة، أبٌ وابنٌ جاحد، كانا سببًا في تعاسته وتعاسة الحبيب الذي غاب ولا يعرف عنه شيئًا. رفع رأسه للسماء وعيونه تلمع بدموع الندم والحسرة. يتنهد بتنهيدة تشق صدره تخرج ما في جوفه من وجع. أي ألم يشعر به. ركن رأسه على جدار الشرفة وسرح ف...
رواية عودة الذئاب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ميفو السلطان
كان أسمر يجري ورائها ليجدها اصطدمت بزوجها الذي يتابط ذراع امرأة أخرى.
التفتت ونظرت إليه برعب. هنا اشتعل أسمر وهجم على ذلك الرجل.
"ماسك بتلابيبه وصرخ بعنف: انت ليه زبالة أكده ما عندكش دم؟ دي يتعمل فيها أكده؟"
نظرت إليه مهره برعب واندفعت مبتعدة تهرب خوفًا من فضيحة ستطولها وتنكشف حقيقتها. إلا أن أسمر لم يلاحظ ذلك، كان يشعر بالجنون والغضب.
"انت فاجر ليه أكده؟ معاك جمر ياخد العجل مابتجدرش النعمة ليه؟ انت تحرج جلبها وتعيشها مكسورة ليه؟ انت راجل واطي.. ناقصك إيه؟ جمال وحتة بت مالهاش وصف غيرك هيتجنن عليها.. تمشي عيني عينك أكده ليه؟ طايح فاكر إن مالهاش حد؟ دانا هطلع روحك دلوك يا خاين يا عويل."
بهت الرجل وشعر بالخوف.
"انت مجنون يا جدع انت.. فيه إيه؟"
صرخ أسمر بحرقة، فهو أدرك أنه يريدها بجنون وذلك الحقير يقف عقبة أمامه ولا يصونها.
"مجنون إني يا واطي.. بقي تخون مراتك في المكان اللي قاعدين فيه؟ تجهرها ليه؟ منك لله."
دفعه الرجل.
"امشي يا مخبول انت.. انت عايز تتعالج؟"
ثار أسمر أكثر.
"يا بجاحتك! بقي أنا مخبول؟"
ليستدير يبحث عنها فلم يجدها.
"البت انجهرت ومشت.. هجم على الرجل: أنا بقه هعرفك مين اللي مخبول.. واخدها من نن عينك يا واطي.. طلجها بجولك طلجها، لاجتلك."
صرخ الرجل.
"اطلق مين يا جدع انت.. ربنا يشفيك.. روح شوف مستشفى تقعد فيها."
لم يدعه أسمر يكمل، فرزعه بوكس.
"بقي أكده لاه؟ يبقي آخرتك على يدي.. ماهو أنا مانجهرش وسيادتك حاجزها جنبك وتلعب بديلك.. واني خلاص عايزها.. يبقي تطلج بالراحة بدل ما تطلج بموتك.. اني دلوك خلاص جبت أخري.. يالطلاج ياخد روحك."
خاف الرجل وظن أنه مجنون.
"حاضر حاضر.. هطلقها.. بس كده.. انت مش عايزها؟ خدها خلاص.. حلال عليك يا عم.. أنا مش عايزها."
تنهد أسمر بغضب.
"اسمعها بودني.. طلجها دلوك قدامي."
ابتلع الرجل ريقه.
"بس كده.. حاضر.. حاضر.. هطلقها.. هيا طالق خلاص."
أغمض أسمر عينيه وأحس براحة وأن روحه ردت إليه. فنظر إليه بغضب.
"جولها تاني."
قال الرجل بغلب.
"مراتي طالق بالتلاتة وتنحرم عليا.. هاه.. إيه تاني؟"
"احلفلك إنها طالق.. والله ما عايزها خلاص.. خدها.. روح."
دفعه أسمر.
"هاخدها.. مستنيك تجول.. يمين بالله لو عرفت إنك رديتها.. لاكون جاتلك.. فاهم؟"
دفعه يسقط أرضًا.
استدار بلهفة واندفع يبحث عنها. كانت هي مرعبة وقد شعرت أنها ستنفضح.
"هو مجنون والا إيه؟ زماني انفضحت وهيتكشف.. نديم هيموتني.. يا نهارك الأسود يا مهره.. سنين تعب أخويا هتروح عالأرض.. يا رب إيه ده؟ طب إيه؟ أهرب.. أهرب من الفندق ده."
لتصعد وتأخذ حقيبتها وتنزل تدفع حسابها. وأثناء خروجها هجم عليها أسمر وشدها لعربته واستدار وشدها إلى أحضانه. لترتعب بشدة وتحاول أن تخرج مما هي فيه. فصرخ.
"بطلي خلاص.. إني ما صدقت.. انت بقيتي بتاعتي خلاص.. هو طلجك."
شعرت بالغلب من جنونه. ماذا تفعل؟ ابتعد ونظر إليها وعيونه تلمع من سعادته.
"أنا خليته يطلقك.. النجس ده.. خلاص.. كلها أيام ويبعت لك ورجتك."
قررت أن تحاول أن تصمد حتى تهرب من أمامه. دفعته متصنعة الوجع. صرخت.
"انت ازاي تعمل كده يا أخي؟ لا دا جوزي ومش هسيبه."
مسكها بقوة وصرخ.
"لاه.. خلاص.. ما عدتش مرته.. طلجك."
قالت وهيا لم تعد قادرة أن تواجهه أكثر من ذلك. أصبحت مهزوزة.
"لا والنبي.. جوزي وبحبه."
شعر بالغضب، شدها لترتطم بصدره.
"لاه.. ما بتحبهوش.. واني هخليكي تنسي اسمه.. اني هخش حياتك.. أو بالاصح دخلت.. ما هسمحش بحد غيري.. إني أسمر أبو الدهب اللي يقرر حاجة لو مين وقف جصاده.. واني خلاص.. علينا أكده.. هو غار في نصيبه."
دفعته بغضب وخوف.
"انت واحد مجنون.. هيا مين إنت؟ خربت بيتي.. دانا استحالة أسامحك.. ويلا بقه غور.. انت مجنون.. أنا بحب جوزي."
شدها إليه وضمها لصدره. ارتجفت من قربه وأنفاسه التي تظهر جنونه. كبلها ورفع وجهها.
"بصيلي كويس.. مين ده اللي بتحبيه؟ أمال جسمك بيترعش ليه في حضني؟"
حاولت أن تدفعه. كانت خائفة، مرعوبة من نفسها. فهو يؤثر فيها بقوة. قالت بغلب وهيا ترتجف.
"سيب بقه.. أوعي.. الله."
رفع وجهها.
"بصيلي في عيوني وجولي بتحبيه.. بصي وجولي."
خافت منه وبدأت ترتجف وعيونها تزوغ بعيدًا. ليحتضنها بقوة ويهمس.
"مش محتاج أسمعها.. إني شايف اللي جواتك وحاسس بيه.. وعيونك بتجول من غير ما لسانك يجول.. مسك وجهها.. بدأت تحس بالانهيار.. همس وعيونه تشع مشاعر.. عيونك بتجول إن أسمر جوا العيون دي وبياثر فيها.. بتجول إن أسمر ما يتنسيش من شوفتك ليه.. ومهما كان فيه غيره.. هو وبس.. وأنك مش هتبقي لغير الأسمر وبس.. هتمشي الدنيا.. وهشوف هنقرب إزاي.. وأشوف أهلك."
ارتعدت من كلامه وقوته وتصميمه وذكر أهلها. لتدفعه.
"ابعد عني.. فاهم؟ ابعد.. لو انطبقت السما عالأرض.. ما هيحصلش.. وابعد عني.. بدل ما أعمل فضيحة في الفندق.. بقولك أهوه.. انت فاهم؟"
دفعت يديه بعنف. استدارت تهرب من أمامه. وقف وهو يحاول أن يسيطر على روحه. كان يغلي من داخله بتمسكها بذلك الحقير.
"طب.. انت طلجتها.. إيه اللي جاي؟ تعرف بقه هيا مين؟ واخدها بالراحة.. البت خايفة.. أهم حاجة.. الحزين غار في داهية تشيله."
ليبتسم ويخرج الفراشة من جيبه.
"فراشتي.. الجمر."
ضحك بسعادة.
"أسمر أبو الدهب.. معجول رجبته جت."
ليضحك ويمشي يخطط كيف يقرب تلك الجميلة.
***
اجتمع الكثير من المدراء ليضعوا المخطط الأخير للشركة ليتم التنفيذ في أقرب وقت. وتم تحويل الأموال للشركة الخاصة بنديم. لتتحول الأموال باسم نديم في حسابه الخاص باسم نديم الديب. وكان مبلغًا مهولًا.
دخلت مهره بعد ذلك لتقترب من أسمر.
"دلوقتي.. احنا كلها أسبوع ونبدأ وضع التصاميم.. وبعدين التنفيذ بعد أسبوع.. وطبعًا أي تأخير.. أحب أأكد لكم.. مش هيحصل.. إحنا شركتنا بتحترم الكل."
رفع أسمر حاجبيه.
"غير مسموح أصلًا بالتاخير.. وأظن نديم باشا ما يحبش إن شركته تنهز.. والا إيه؟"
ضحكت مهره.
"لا.. نديم ما بينهزش خالص.. اطمن."
قطب جبينه من دفاعها المستميت عليه. ظلا يتناقشان في كل شيء لينتهيا وينصرف الكل. جلست هي تنظر إليه ثم قالت.
"هو يا أسمر بيه.. بس كنت عايزة أستفسر على حاجة.. لقيتها في العقود."
رد قاطعًا.
"اتفضلي."
قالت بمكر.
"فيه حد اسمه جابر أبو الدهب موجود؟ هو فين؟"
قال مقرراً.
"عمي موجود طبعًا."
لتبتسم وتقول.
"طب ممكن أقابله؟ والا ممنوع؟"
قال أسمر باستغراب.
"ليه؟"
قالت.
"أنا بحب أقابل كل الشركة.. أنا ما بسيبش أي حاجة للظروف.. وكمان.. ماضي على حاجات.. ماهو شريك معاكم."
قال.
"بس إحنا المسؤولين قدامه."
ابتسمت.
"معلش.. أنا بحب كل الشركة يبقوا في باكدج واحد.. ومين عمران أبو الدهب ده؟ جدكم ده؟"
تنهد وقال.
"أوك.. تشرفيني.. بعد إذنك.. اتفضلي معايا."
قام ونزل معها. ركبت معه وهي لا تعلم أين يذهبان. بدأ يسير في طريق علمته جيدًا. كانت تعلم أين يذهب. كان قلبها يدق طبولًا. إلى أن توقف مرة أخرى أمام قصر أبو الدهب. كانت ساكنة وهادئة بزيادة. ولكنها من الداخل هناك مراجل تطحن بداخلها. تشجعت ونزلت وسار هو وهي خلفه. دخل بها قصر كبير. توقفت لوهلة تتذكر ذلك اليوم ببشاعته. كأنه اليوم. مر على سكونها لحظات تاهت فيهم. لتفيق على صراخ. تلفتت حولها ووجدته يندفع إلى مكان الصراخ. ذهبت ورائه وهي وراءه. دخلت ووقفت جانبًا كأنها ليست موجودة. انصدمت عندما سمعت. وجدت جابر يصرخ في جدها. وجدها يجلس محنيًا يبدو عليه الوهن. رجف قلبها بعنف. نظرت تتأمل جدها وبداخلها مشاعر لا تعلم أهي لين أم مشاعر حب أم ماذا. فاقت على أسمر يصرخ.
"فيه إيه؟ بتزعقوا ليه؟"
اقترب جابر.
"هكون بزعق ليه؟ ماهو من عيشتي للسودة.. تعالي شوف جصتي كل يوم وكل ليلة.. جصة الجهر اللي ماهنخلص منها.. تعالي شوف جدك عايز يفضحنا ويجلبها حريجة."
نظر إليه أسمر مستفسرًا.
"فيه إيه يا عمي؟ فيه إيه يا جدي؟"
كان عمران يجلس محني الرأس ودموعه تنزل بقوة. رجف قلب مهره. تذكرت كلمات أبيها.
"جدك حنين يا بتي.. بس جربي منه.. وخلي خواتك يجربوا.. واصحك تسمعي لنديم.. نديم ماشي للشر.."
لتنفض رأسها على كلمات جابر وتسمعه.
"تعالي شوف الحزن الأسود.. ال إيه؟ جدك عايز يدور على عامر أخويا.. اللي جابلنا العار.. جوز الغازية."
نظر أسمر لجده. فأردف الجد.
"مالك انت؟ إني عايز ولدي.. اللي هيحن عليا."
صرخ جابر.
"بعد إيه؟ هاه؟ اللي طفش وفضحنا.. ويحن إيه؟ ناجصك إيه انت؟"
صرخ الجد.
"ناقصني أحس إني بني آدم.. مش كلب قاعد ياكل ويشرب.. ناقصني عزوتي وولادي.. ناقصني عامر أبو الدهب.. اللي ساب حاله وماله.. ليك تتحكم وتتجبر علينا.. ومانعني.. وأنا بصحتي.. أعِيش زي الناس."
صرخ.
"جابر.. قاعد بتاكل وتشرب.. ناقصك إيه انت؟ انت عايز تخربها.. وياجي ولاد الغازية.. يكوشوا عالكل."
صرخ الجد.
"حجهم يا جاحد.. يا اللي ماه تورثش على جنه.. حجهم.. انت إيه؟ حرابة شر.. جعدت تحرب.. لما رميت ولدي.. كت ربنا يا أخي.. تتحكم في عيلة.. مالك.. ولدي عايز ولدي.. عايز بيتي.. يخشه الحنية.. يا جاحد."
صرخ جابر.
"بجولك إيه؟ تجفل عالجصة دي خالص.. الا انت عارف إن إني ماهسكتش.. وتجي شري يا ابوي.. ساعتها هحرجلك جلبك.. على الحنين اللي بتدور عليه."
ليقع الجد. اندفع أسمر.
"فقال الجد ودموعه تنزل: هتموت أخوك يا جابر."
صرخ أسمر.
"عمي.. كفاية أكده.. جدي تعبان."
ابتعد العم وهتف.
"اجفل عالسكة دي يا عمران يا أبو الدهب.. سكة كلها خراب ودم."
واستدار وتركهم. اقترب أسمر يرفع جده.
"بتكلمه ليه يا جدي؟ مانت عارف الحتة دي بتجلب له عفريت."
قال الجد.
"ليا سنين بدور على ولدي.. ليا سنين بأكل حالي.. ليا سنين مابنامش.. ليا سنين ربنا بيذل فيا.. إني ربنا بينتجم مني.. والله.. دورت لما مت عليه.. جلبي انخلع من روحتُه.. وكت خايف اللي منه لله يعمل فيا حاجة."
كانوا يتكلمون وهيا أصابها ما أصابها.
"هو كان بيدور علينا؟ جدي ندم؟ وكان بيدور علينا؟ كان خايف على بابا؟"
ابتلعت ريقها برهبة. وبدأت عيونها تلمع بدموع من أجل ذلك الرجل.. من أجل جدها. تتذكر والدها وكلماته. كان الجد محنيًا. رفع وجهه. قطب جبينه عندما رأى مهره. لاحظ أسمر أن جده ينظر خلفه. استدار. شعر بالحرج أنها سمعت كل شيء. غاضبًا.
"انت إيه اللي موجفك أهنه؟"
مسك جده يده.
"إيه يا ولدي؟ عيب أكده.. تعالي يا بتي."
اقتربت بهدوء. كانت عيونها تلمع. ابتسمت وسلمت عليه. مدت يدها. مسك يدها وصمت قليلاً. أحنى رأسه وبدأ يشدد على يدها بقوة. استغربت منها. كانت عيناه ساهية في شيء واحد فقط. وبدأت تدور الدنيا من حوله. وترنح قليلاً. اندفع أسمر.
"مالك يا جدي؟ فيه إيه؟"
إلا أن الجد سقط. ل تندفع إليه وتحتضنه بلهفة.
"فيه إيه؟ ماله؟ جراله إيه؟"
كانت حنونة بشكل واضح ولهفتها شديدة. استعجب أسمر منها. لينحني ويشد جده ويحمله إلى الفراش. كان يسير بجده والجد مكلبش في يد مهره. لا يترك يدها. دخلا ووضعه أسمر. فجلس ودموعه تنزل بقوة.
"مسحت عليه بحنان: مالك؟ حاسس بحاجة؟"
ابتسم رغماً عنه. ليهتف أسمر.
"معلش.. سيبيني دلوك يا باشمهندسة."
اندفع الجد.
"لاه يا ولدي.. سيبها.. وروح اعملي بيدك شيح.. صدري بيوجعني.. انت بتعمله زين."
وقف أسمر ينظر إليه لبرهة. فقالت مهره بلين.
"روح اعمله اللي هو عايزه."
قام هو مرغماً وذهب. نظر إليه الجد. ابتسم وقال.
"ده شعرك يا بتي."
بهتت من سؤاله وارتبكت. ابتلعت ريقها.
"آه يا فندم."
ابتسم.
"لاه فندم إيه؟ إحنا أهنه الكل بيجولي يا جدي."
لتحني رأسها وتهمس.
"ما ينفعش."
ابتسم وقال.
"بتجولي إيه؟"
تنهدت.
"لا.. مفيش."
مسحت على كتفه.
"حاسس بإيه؟ نروح المستشفى طيب؟ يدوك دوا."
تنهد بقوة.
"الدوا جاي يا بتي.. بس يا ترى جاي حلو يشرح الجلب.. ولا جاي مر علجم يخش على حلجي يملاه حنضل."
همست برهبة.
"انت بتقول إيه؟ مش فاهمه."
تنهد.
"بكرة تفهمي يا بتي.. بس شكلك طيبة وحنينة."
دخل أسمر فقال مبتسمًا.
"هيا مين يا جدي؟"
"مهره هانم.. مهندسة.. بس عينك ما تشوف إلا النور.. ومعاها نديم الأسطورة."
رجف قلب الجد.
"نديم ده أخوكي يا بتي.. صوح؟"
ارتبكت.
"هاه.. لاه يا حاج."
"نديم صاحب الشركة اللي بشتغل فيها."
تنهد.
"طب.. مالكيش خوات تانيين؟"
هزت رأسها وقالت.
"انت بس حاول تريح.. ماتسألش على حاجة مالهاش لازمة."
قال بأسى.
"أنا عشت دنيتي كلها.. ماليش لازمة.. بس دلوك خلاص.. ما عاد ينفع أسيبها.. أسود أكتر من أكده.. اللي جاي لو ما الحقتوش.. هيبقى خراب ودمار.. إني خابر."
لتتنهد. فقال أسمر.
"ريح يا جدي.. بس.. وما تشغلش بالك.. الدنيا ماشية عالخير."
نظر إليه. ثم نظر إليها. قال بنبرة موجعة.
"ده اللي انت فاكره.. الدنيا راحة للخراب يا ولدي.. اللي جاي كله سواد."
رجف قلبها وأحست أن بها شيء مسها من جدها. تحس بالألم ووجعه.
"ملس على يدها وقال.. انت جاية ليه يا بتي."
لتتنهد.
"جاية لجابر بيه.. أمضيه على أوراق لينا في الشركة."
ابتسم.
"ماشي يا بتي.. روحي.. وأي حاجة.. جدك موجود.. هاه.. تاجي أهنه أي وجت."
نظر لاسمر.
"أسمر.. ناديلي مأمون بسرعة."
رد أسمر عليه.
"حاضر يا جدي."
ثم أخذها وهم أن يخرج. سمعت الجد يقول بحنان.
"هتاجي تاني يا مهره.. صوح؟ هتاجي لجدك يا بتي."
تجمدت هيا. استدارت وابتسمت وخرجت مسرعة. جلس الجد.
"يا عملك الأسود يا عمران.. يا ترى هتلحق.. ولا هتنجلب سواد وحرايج عالكل."
دخل عليه مأمون.
"خير يا عمران."
قال مسرعاً.
"ابعتلي شاكر المحامي بسرعة.. عايزُه."
استغرب مأمون.
"فيه إيه."
قال منفعلًا.
"بجولك هاتهولي.. ماتناحنيش."
……
عند جابر كان يقف وللغل يأكله.
"عايز يدور على الغازية وولادها.. يديلهم حالنا.. ولاد شمس.. شمس.. لاه.. لاه.. ما هيحصلش."
دخل أسمر.
"كيفك يا عمي."
صرخ جابر.
"طين.. كيفي طين."
لاحظ مهره ليكتم نفسه. وقفت تنظر إليه وقلبها يدق طبول الغل والكره. قطب جبينه. فنظراتها بها شيء يدعو للرهبة.
"مين دي."
ابتسم أسمر بتكلف.
"الباشمهندسة مهره.. من شركة المقاولات.. عايزه تتحدت معاك يا عمي."
اقتربت هيا وجلست دون استئذان ووضعت قدماً على قدم. تبتسم.
"جابر بيه."
انصدم جابر وتصاعد غضبه من وقاحتها. كيف تجلس أمامه فتاة هكذا وتتصرف كأنها سيدة المكان. استعجب أسمر من تصرفها، ففيه تقليل من عمه. اقترب جابر وجلس أمامها ثم خبط بعصا.
"إيه يا ست الناس؟ ما علموكِش أهلك إن الست ماتقعدش أكده جدام الرجال."
ضحكت عالياً.
"لا يا جابر بيه.. ما حدش علمني بصراحة.. أصل أمي وأبويا ماتوا من زمان."
رفع جبينه ونظر إليها أسمر بدهشة. لماذا تتصرف هكذا. فأكملت.
"فزي ما انت شايف كده.. زي ما تقول.. ماتربيتش."
ثم ركنت وأطلقت ضحكة عالية. رجف قلب أسمر واشتعل جابر من سخريتها. نظر لاسمر.
"جاية ليه أهنه دي."
نظرت إليه بقوة.
"جاية أعاين خصمي يا جابر بيه."
قطب جبينه.
"خصمك."
قالت ببرود.
"قصدي.. شريكي.. بعاين أشوف هيسد والا ماهيسدش."
انفعل وصرخ.
"هو مين يا بت اللي عيسد؟ هو فيه إيه؟"
اقترب أسمر غاضباً.
"انت فيه إيه؟ بتتكلمي أكده ليه؟"
ضحكت وقالت.
"فيه إيه يا جماعة؟ مالكم؟ مش طايقيني كده؟ عموما.. بيس بيس.. براحة.. انتوا مش فاهمني.. اقعد يا حاج بالراحة على نفسك.. السن برضه."
أخرجت ورقاً من حقيبتها. قالت بجدية.
"اللي عرفته إن براء بيه وأسمر بيه ماضين على الورق.. وهما داخلين الشراكة معانا.. بس حضرتك مش داخل.. وانت شريك في الشركة بالنص.. صح؟"
قال جابر.
"صح.. وايه المشكلة؟"
قالت ببرود.
"فيه مشكلة كبيرة كمان.. أنا مشاركة شركة أبو الدهب.. مش نص شركة أبو الدهب.. فلازم حضرتك تمضي.. ونصيبك من الشراكة يندفع."
قال بغضب.
"وانت مالك؟ انت اللي يهمك الفلوس تندفع لكو؟ مين يدفع؟ إحنا مننا فينا."
قالت مكملة.
"لا طبعًا.. افرض خسرنا مثلاً.. مع إن ده ما هيحصلش."
لتنظر لاسمر وتهتف باستخفاف.
"هتلبسوها انتو.. من نصيبك.. وأظن ساعتها جابر بيه يقول أمك في العشة."
صرخ جابر.
"انت مالك؟ انت؟ أجول والا أتهبب."
لتقوم هيا وتقترب وتقول بقوة.
"أنا ست حقانية يا جابر بيه.. اللي أعرفه.. الكسب يعم.. وساعة الخسارة.. لا.. ساعتها مانعرف بعض."
نظرت لاسمر وغمزت له.
"ساعتها هتشيل يا وحش السوق."
قطب جبينه ليحس أن عندها حق. ليهتف.
"وعمي ماهيبصش للحاجات دي.. إحنا عيلة."
ابتسمت.
"اممم.. عيلة.. طيب."
لتتقدم من جابر.
"خلاص بسيطة.. امضي يا جابر بيه.. عشان تبقي من العيلة.. ونصيبك يخش في الحسابات.. وعموماً.. اللي يخش مع الديب جروب.. يكسب ملايين.. ما تخافش."
نظرت إليه بتحدي. وضعته أمام نفسه. وأسمر ليشد الورق وينظر إليها بغل. فهو غدار ولكنه يخاف من أسمر بشده. فاسمر من الممكن أن ينهش قلبه إذا تصرف أي تصرف لا يعجبه. ليمضي بغضب ويرمي الورق. لتقوم هيا وتأخذه. وتبتسم ببرود.
"تمام.. حلو كده.. استني بقه.. نديم مقابلته ليك.. بصراحة.. مستنياها بشوق.. هتفرح بيها قوي يا جابر بيه."
لتستدير وتنظر لاسمر.
"ما تتعبش نفسك.. أنا عارفة طريقي."
لتتركهن وتخرج والسعادة تحوطها. وقف جابر يصرخ.
"مين الحرباية دي يا أسمر؟ فيه إيه؟"
رفع أسمر حاجبيه.
"حرباية إيه يا عمي؟ زعلان ليه؟ عملت إيه؟ الست كانت بتصحح عقود.. أظن.. والا انت ليك كلام تاني؟"
قال جابر بارتباك.
"هاه.. كلام إيه ده؟ انت مخبول."
ليقوم أسمر.
"ولا مخبول ولا حاجة.. الست كتر خيرها.. فاهمة في شغلها.. دي حقوق.. واستدار وتركه."
وقف جابر مغلولاً.
"آه يا بت المروج.. أنا كت عازل نفسي.. وبلهف منهم.. وهما كيف البهايم.. مابيبصوش.. مين خسر ومين كسب.. ماجرتش.. انطح.. ماجدرتش."
ليجلس يأكل حاله والغل في قلبه يعلو على تلك الجميلة. خرجت هيا ووقفت تنظر للقصر وابتسامة النصر على وجهها. رفعت هاتفها وهتفت.
"تم يا كبير.. والفيران.. لا فيران إيه.. الكلاب دخلت المصيدة.. خطوتك."
سمعت ضحكة عالية. فضحكت في المقابل.
"مستنياك تخش بالقاضية."
وقفت الخط ومضت سعيدة. وهناك آخر يقف ينظر ساهماً سعيداً. همس بفحيح.
"قاضية.. قاضية وناهية يا غالية."
وابتسم ابتسامة تجسد فيها كل الخبث الذي أعده لتلك العائلة. ماذا سيحدث؟ سنرى.
رواية عودة الذئاب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ميفو السلطان
قامت شجن تحضر ملابسها كي تستعد للسفر صباحا.
امسكت العروسة وظلت تتأملها، احتضنتها وتنهدت.
"عيشتي ليه ولا في الخيال يا شجن؟"
كان حنين وطيب قوي. أول مرة أحد يعاملك كأنك أميرة.
جلست حزينة، ظلت تتلمس القلب.
"يا ترى يا شجن لو…"
قطبت جبينها. "بطلي لو إيه. خلاص قصتك خلصت، هتفضلي تفتكري اليوم ده؟ قومي وانسي واحمدي ربنا إنك ما اتفضحتيش، كان أخوكي قتلك."
قامت حزينة تنهي ما بدأت فيه، وقلبها به غصة لا تعلم ما سببها.
عند براء، كان يجلس يفكر في ليلته معها، ومر وقت يحاول أن ينام ولكن لا يعلم.
تنهد وأخرج السلسلة وفكها، وظل يتأمل القلب بداخله.
قربه من شفتيه وظل يتلمسه بحنان.
قام وجلس، ومد يده بجوار الفراش، فتح أحد الأدراج وأخرج الورقة وظل يتأملها.
مد بإصبعه يلمس اسم شجن، وبدأ قلبه يدق بعنف.
أغمض عينيه، وعلى الفور طبق الورقة مسرعا وألقاها في الدرج وقفل عليه بعنف، يحاول أن ينفض أفكاره ويجبر نفسه على النوم.
قضى ليلة مريرة ليقوم في الصباح مسرعا.
لم يعد يحتمل، أراد رؤيتها ومعرفة مكانها.
ذهب إلى الفندق مسرعا يسأل عليها ليعلم أن البعثة كلها سافرت.
انفعل وحاول أن يعرف أي معلومات عنها، ليخبروه أن كل المعلومات المتاحة أنها بعثة جامعة القاهرة، كلية الهندسة، ولا يعلمون أي قسم أو من أي مكان.
وقف براء يشعر بغضب.
"لاه يا براء لاه، ماخلصتش أكده. هنتلاقى في يوم، إني متأكد."
عند نديم، كانت وجد قد بدأت تنخرط في شغلها بجدية، وتحولت تماما من تلك العفوية التي قابله بها في البداية والتي شدته إليها بتلك الطريقة.
ولكن نعتها بعدم الاحترام، دون أن تسئ له، جعلها تخشاه وتخشي شخصه.
تحس أنه نسخة لأولاد عمومتها، لتنكمش على نفسها خوفا، فهي حنونة، عفوية، تفتقد إلى الأمان، وقد دق قلبها له، فاثرت البعد على أن تؤذي قلبها.
لتقرر أن تتدرب لفترة صغيرة وتعود إلى أهلها، تعمل مع أسمر وبراء.
كانت وجد تجلس تعمل في صمت.
دخل نديم، نظر إليها، وقد حاول مسبقا أن يوصلها، ولكنها رفضت أن يأتي يأخذها أو يرجعها كما وعدها.
دخل وجدها محنية، وقف، مد يتأملها.
أحست به، لتقف تنظر بابتسامة رسمية.
"نديم بيه، حمد الله ع السلامة."
شعر بغضب، فهو له أسبوع يحاول أن يقربها ويعيدها كما كانت، وهي قد تحجرت بشكل معاكس لتلك الشخصية التي لمس فيها حنان يفتقده.
كانت عيونها تشع وجعا، كان لا يفكر إلا بها، لتنقلب حياته إلى ضيق مستمر من تلك الحالة التي تحولت إليها.
وغضب من نفسه لتغيره، فهو ليس نديم الذي يعرفه.
دخل واقترب منها.
"وجد، مستنيكي في مكتبي."
تنهد وقامت تدخل عليه.
كان يعطيها ظهره، وقفت وهمست.
"خير يا بشمهندس؟"
استدار ونظر إليها، وجدها ترسم ابتسامة زائفة لم تصل لعيونها، فقال.
"كنت عايزك، هننزل بالليل اجتماع مع شركة كبيرة، وكنت محتاجك معايا."
اندهشت.
"أنا يا مستر نديم؟"
تنهد.
"أيوه، هعدي عليكي الساعة سبعة تمام."
مطت شفتيها ببرود.
"تمام."
همت أن تخرج، فقال مسرعا.
"طب اقعدي راجعي الورق ده نص ساعة ويخلص."
هزت رأسها في صمت، وجلس وهو يتفرس فيها.
تنهد وقام وجلس بجوارها، لتتشنج وتنكمش.
غضب وقال مندفعا.
"هو فيه إيه؟ أنا هعضك ولا هموتك يا وجد؟"
"ما أنا قاعد مرزي جنبك، ماعملتش حاجة."
تنهدت وكبتت روحها، فهمس بالقرب منها.
"إنتِ بتتتعبي في المواصلات؟ هاجي بعد كده آخدك."
تنهدت وهمست.
"لا، ما تتعبش نفسك."
كانت تفرك في يدها متوترة بقربه، حتى أصابها احمرار شديد.
تنهد ومسك يدها.
"يا ستي، عايز أتهبب أتعَب ولا أولع. أنا عايز أتعَب، إنتِ مالك."
تنهدت.
"لا، ماينفعش. نديم بيه… الأسطورة…"
قاطعها بغضب.
"زفت نديم، زفت! أنا نديم يا وجد، بطلي بقى ما عادش متحمل."
همس ببراءة.
"ما عادش متحمل إيه؟ هو حصل حاجة؟"
كبت نفسه بأعجوبة. كان يريد أن يقول: "ما عادش متحمل بعدك وجمودك معايا."
رن تليفونها، قامت تتكلم، فكان أبوها.
قام نديم يحضر شيئا، ثم عاد ليسمعها تتكلم بنبرة حزينة.
"أيوه يا بابا، كويسة. اطمن، آه، واخده بالي من الأصول. آه يا بابا، ماليش دعوة بحد. اطمن، مابكلمش حد خالص ومش بخرج بالليل زي ما قلت. هرجع قريب يا بابا، اطمن. بقيت كويسة وهشتغل مع ولاد عمي."
قالت بوجع.
"ليه يا بابا؟ أنا ناقصني إيه بس؟ أنا مالي؟ ما هو مالي وحالي، ليه ما اشتغلش معاهم يعني؟ إيه! أنا بنت! أتجوز إيه؟ إنت بتقول إيه؟ يا لهوي! ما لقيتش إلا ابن عمي الكبير تقهرني كده يا بابا، حرام عليك! مالي يعني؟ كنت ناقصه إيد ولا رجل."
لتنزل دمعة من عينها لتهتف.
"مش بنتك أنا؟ تحن عليا؟ حرام عليك! ابن عمي جاحد! أموت نفسي والله! حرام! إنتو إيه ده؟ أموت… تصدق بتمنى أموت والله وبدعي ربنا كمان عشان ترتاح مني."
"يا بابا، حرام عليك بقى. هو إيه؟ حس بيا شوية. أنا لو كلبة كان عاملتني كويس. أنا عايشة في الدنيا، ماليش حد، لا ليا سند ولا ضهر. عايشة خايفة من كل حاجة. آه، أتجوّز وأكمل ذل، مش كده؟ وأعيش عمري كله ما حدش يطبطب عليها."
صرخت بعنف.
"نحنة إيه اللي أنا عايزها؟ هو أنا لما أكون عايزة حد يحن عليا أبقى قليلة الأدب؟ إنت بتقول إيه؟ حرام بقى! الناس كلها ليها أب وأم وعيلة، وأنا لوحدي في الدنيا، قهر في قهر."
بدأت تنتحب.
"ادعي عليا كمان يا بابا، ادعي، وأنا والله بقول آمين. أول مرة ألاقي أب بيدعي على بنته. ينحرق قلبها، مش مصدقة. هو إنت لما تدعي عليا أنا كده هنعدل؟ هو أنا معوجة قدامك؟"
ظلت صامتة ودموعها تسيل.
أكملت بقهر.
"عموما، مالوش لازمة الكلام. معلش يا بابا، قرفتك. معلش استحمل بنتك العار اللي لبسته غصب عنك، ومش عارفة عار إيه بالظبط."
كانت دموعها تنهمر.
"هتجوزني له غصب؟ طب إيه رأيك إن ولاد عمي الاتنين مش عايزيني أصلا ولا بيفكروا؟"
لتشهق بشدة.
"إيه؟ ليه؟ ليه ترخصني كده؟ هتديهم شركتين شراكة عشان يرضوا يتجوزوني؟ ليه حرام عليك؟ ليه بس؟ بس مش قادرة أسمع، بس كفاية."
لتنهار وتقفل الخط وتنتحب بشدة. كان القهر يأكلها.
لتنتفض فجأة عندما أحاطها نديم بيديه.
حاولت أن تبتعد، فقال هامسا بلين.
"شششش بس، عيطي وأنتِ ساكتة. لـ…"
انفجرت في البكاء، كانت تشهق بشدة. سنين وحدتها وقهرها. سنين تحاول أن تعيش وسط تلك العائلة التي لا تعرف عن المشاعر شيئا. سنين فقدت معنى أن تكون أنثى لها متطلبات أو مشاعر. لا يقربها أحد ولا يتكلم معها أحد.
كانت حبيسة حجرتها طوال حياتها، تذهب لمدرستها وتعود، تحبس كالكلبة، لا تخرج إلا بأمر من أبيها. حتى في الجامعة كان يرافقها رجل من رجال أبيها. لا تكلم أحدا، وليس لها حتى صديقة. ليخافها الكل ولا يقربها.
كانت تتمنى أن تبتعد عن الصعيد، تهرب منهم. تعيش على حلم أن تترك ذلك البيت وفقط.
كل ذلك يدور بداخلها وهو يمسد عليها لتهدأ قليلا.
ابتعدت وشدت نفسها، تمسح دموعها، هامسة.
"آسفة، معلش غصب عني. عن إذنك."
لتستدير مسرعة تتجه للباب.
اندفع يحاوطها بالباب، تجلدت بقهر ومنعت نفسها أن تستدير.
تدخل حضنه، فهي تحتاج حنانه بشدة.
أحنى رأسه بالقرب من أذنها.
"مش هتخرجي."
قالت بجمود.
"من فضلك يا بشمهندس، عندي شغل."
أدارها بحنان ونظر إليها عن كثب.
رفع وجهها، أخفضت عيونها.
همس بلين.
"بصيلي."
إلا أنها لم تستطع.
أردف بلين.
"بصيلي طيب، مش أنا نديم اللي قولتي هبقى من إيدي دي لإيدي دي؟ هاه."
لتبتلع ريقها وتسيل دموعها بقوة.
تنهد وقال.
"هما وجعوكِ قوي كده؟"
ابتعدت عنه.
"وجعوني؟ الوجع كلمة قليلة."
اقترب ومسك يدها.
"طب ممكن نتكلم؟ أنا أهو جنبك."
تذكرت كلامه وكيف جرحها، لتشد يدها.
"إنت مديري، مش جنبي. وما تقلقش يا نديم بيه، أنا بقدر أفصل بين شغلي وحياتي الشخصية، مش هيتأثر شغلك بحاجة، اطمن. وجد مش ضعيفة وبتحترم شغلها. القسوة بتعلم يا نديم بيه."
لتستدير، ثم قال بنبرة حزينة.
"أنا ما كنتش قصدي أقسي عليكي من أسبوع."
شدت يدها.
"لا تقسي ولا ما تقسيش، ما أعتقدش تفرق. ده شغل وحقك تطلب شغلك بطريقتك، وأنا أنفذ وأمشي بالطريقة اللي إنت تعوزها يا نديم بيه. عن إذنك."
خرجت من الباب، فقال مسرعا قبل أن تقفل الباب.
"هعدي عليكي بالليل."
هزت رأسها وخرجت.
وقف هو يفكر في كل كلمة سمعها، ليحس أنها شبهه، نسخة مما عاناه. يفتقد للحنان، يفتقد لقرب شخص يخاف عليه.
تنهد وجلس يضع رأسه بين يديه.
ليأتيه تليفون من أخته أنها نفذت كل ما خطط له.
تنهد مرددا.
"هانت يا مهره، نديم قريب خالص هيظهر، ونشوف مين هيجيب رقبة مين."
وقف وتناسى كل شيء، والغل ينهشه، يجدد عزيمته كي يأخذ حقه ممن فعلوا بهم ذلك.
كانت مهره تجلس في حجرتها، تخاف أن تنزل.
"أترزي؟ اقعدي، هتروحي فين؟ هتنفضحي. كل شوية ينطلك زي فرقع لوز، واللا إيه؟ طلقني؟ ربنا يشفيه! دا عبيط ده."
لتتنهد وتتذكر أول لقاءها قبل أن تعرف أنه ابن عمها.
لانت ملامحها قليلا، ابتسمت رغما عنها.
انتفضت تزيح أفكارها.
"بتفكري في إيه؟ لا، سكتك ولا عمره هيبقي سكتك. انتِ من الأساس مالكيش سكة ولا يوم هيكون ليكي حد. انتِ دُميتك، واقفة وناشفة. إنتِ يا مهره، مالكيش حياة، المشاعر مالكيش."
لتتذكر يوم أن وضعت يدها على رقبتها تتوعد له.
لتبتسم.
"عمري ما هنسي اليوم ده، مهما مر. عمري ما هنسي ذلنا ليهم. مشاعر إيه؟ إنتِ هبلة؟ إنتِ وأخوكي موتوا في اليوم ده. كفاية ذل أخوكي ليهم، وضربه بالكرباج من الجاحد ده. انتِ متي يا مهره هناك، وعايشة بس عشان أخوكي ياخد حقه وحقنا وبس. إحنا هناخد حقنا ونمشي ونعلم عليهم وبس. أي حاجة تانية ما هتحصلش."
ظلت تشحذ همتها وتقتل أي مشاعر تنتابها من حنين لتكون أنثى طبيعية.
لم تعد تحتمل ما هي فيه. سالت دموعها، لتنزع الباروكة وتقذفها بحرقة، فهي تحرقها بشدة.
ظلت تبكي حتى احمرت عيناها.
مر الوقت. نظرت إلى ساعتها.
"الساعة اتأخرت، استحالة يكون تحت زمامه. مشي بقني متأخر. أنا مخنوقة. أنا هكلم نديم أرجع على ما نخلص، تعبت، ما عادش قادرة."
لتقوم هي وتغير من هيئتها وتعود لتلك الحالمة.
نزلت وظلت تمشي في حديقة الفندق.
وجدها ذلك الرجل الذي قابلته قبل ذلك.
لتبتسم له.
اقترب وظل يثرثر معها. علم أنها مهندسة، ليعطيها تليفونه.
أخذته، وضعته في جيبها، وأمد يده يهديها أحد الورد.
ودعها ثم تركها ورحل.
في ذلك الوقت، كان أسمر ينتظرها حتى تعب.
هم أن يرحل.
انصدم عندما وجدها تقف مع زوجها.
اشتعل مرة أخرى.
"واه واقف معاها ليه؟ منك لله، وبيضحكوا؟ أكيد ما هي واجعة فيه. إيه؟ ليكون ردها؟ نهار أسود! إني جولت اجتله، ماهو يستاهل الجتل الواطي."
وجدها تأخذ منه شيئا وتضعه في جيبها، ليعطيها وردة.
اشتعل بجنون.
"هي بقت كده؟ وورد؟ منك لله، بتلفلف تاني."
ما إن انصرف الرجل، اندفع إليها وشدها بعنف.
بهتت وارتعبت من شكله.
كان يشدها بقوة وهي تتعثر.
ذهب بها بعيدا ليقترب من منزل النيل.
صرخت.
"أوعى! واخدني فين؟ إنت نون! أوعى!"
لم يحتمل مقاومتها. نزل ووضع وحملها وأخذها في القارب ودفعها.
وهي تقاومه.
دفعها بقوة، فوقعت.
ونظرت إليه لتخاف منه بشدة.
وقف يغلي من داخله، فصرخ.
"رجعتك؟ جولي رجعتك صوح. انطقي."
كانت ترتعش من الخوف من منظره، ليندفع ويشدها إليه.
"أداكي وردة؟ ضحك عليكي صوح؟ انطقي. آه، مانتِ عايزة ترجعيله. رجعتك، انطقي! هموتك يمين الله."
صرخت فيه تحاول أن تداري رعبها.
"إنت مالك بقى؟ هو إيه ده؟"
صرخ.
"اكتبي! بمين بالله أجتلك؟ يعني بعد ما خليته يطلقك، ترجعيله؟ إنتِ فاكرة إني هسكت؟ هخليه يطلقك تاني وتالت ورابع. ده ما بيحبكيش، ده مش عايزك، وجالي مش عايزها. ده بيخونك، إنتِ إزاي ترجعيله؟"
شدها إليه.
"إنتِ بتاعتي، فاهمة؟"
دفعته بقوة.
"ما تبطل بقى! إنت مجنون! أنا بتاعته هو."
لاقترب ومسكها بعنف.
"إنتِ بتكدبي ليه؟ هاه؟ عيونك بتصرخ، عايزاني إني. بتكدبي ليه؟ انطقي. عامل إيه؟ مهددك؟ واخد عليكي حاجة؟ إني ما هسيبوش يجربلك، يمين الله. إنتِ عايزاني؟"
صرخت.
"بطل يا مجنون! إنت عايز إيه؟"
مسك وجهها بقوة.
"أيوه عايزاني إني! شايف في عيونك كده. ترجعي ليه؟ ليه بيعمل إيه هو؟ ترجعيله الواطي النجس الخاين."
قالت بعنف.
"بحبه، مالكش دعوة."
لوي معصمها، فصرخت.
"اخرسي! لاه، ما بتحبهوش! انطقي! ردك ولا لاه."
صرخت.
"أيوه، ردني ومسافرة معاه ومش هتشوفني تاني. ابعد عني."
تصاعد غضبه.
"يبقى هجتلهولك أبو ديل النجس. إنتِ إيه؟ ما عندكيش كرامة؟ ما بتحسيش بالعار إنك متجوزة نجس وخاين؟"
صرخت.
"إنت مالك!"
أردف بعنف.
"إنتِ مالي! إنتِ ما هسيبكيش له. ما يجعدش يلفلف على النسوان وحاجزك، وإني أجعد أتحسر، وإنتِ عيونك بتلمع ليا. كاتمة ليه اللي حواليكِ؟ ليه؟"
"لتكوني فاكرة إن أسمر بياخد رايك؟ لاه، أسمر يجول وانتِ تنفذي. أنا لحد اهنه وما هسكتش."
صرخت.
"إنت واحد مجنون! إحنا ما فيش بينا حاجة! إنت واحد جاحد ومعروف عنك إنك جاحد، مش قولت كده بلسانك؟ عايز تطلقني ليه؟ سيبني لجوزي."
"أسيب مين؟ سابت روحه البعيد. لاه، آه جاحد، آه جاسي، بس دخولك دنيتي، كل اللي وعيتله من ساعتها إنك بتاعتي وخلاص، خلصت على كده، وتبقي بتاعتي. أسمر، ما فيش ست دخلت عينه، ويوم ما يحصل تروح لواحد مش عايزها."
قالت بغضب.
"لا، إنت مجنون! ما فيش حاجة كده. افهم! أنا بحب جوزي."
شدها إليه بلين.
"هخليكي تحبيني. وإنتِ أصلا بتبصيلي بصات هتجنني. إنتِ مش واعية لحالك ولجواكِ؟ إني حاسس والله. ما رايدك وجالي خدها. مش عايزة ليه يا بت الناس؟ الذل ده."
"عايزك ليا."
صرخت.
"إزاي؟ وإنت ما بتحبنيش؟ إنت مجنون."
أردف بقوة.
"وماله بس؟ عايزك ليا. إنتِ بتاعة أسمر."
ابتعدت.
"أنا مش بتاعة حد! أنا لجوزي، ولو انشقت السما ما هكونش غير ليه."
"اسمع بقى يا بتاع إنت."
تقرب من جوزي وتحاول تخليّه يسيبني، هسوج عيشتك، هاه؟ أنا خلاص رجعني. وإيه رأيك؟ أداني نمرة الجناح بتاعه عشان هروحله نقضي ليلة عسل. ماشي؟ يبقى تبعد بقى، وإلا هبلغ عنك."
شعر بحرقة شديدة.
"هتِقضي إيه ياختي؟ ليلة عسل؟ مديكي نمرة الجناح اللي نام مع التانية عشان تروحي له فيه وتقضي ليلة؟ وإنتِ فاكرة إنه هسيبه يلمسك؟ وإلا يحط صباعه عليكي؟"
شدها أسمر.
"اللي يخصه، لو حد لمسه، يجتله. جربي كده تروحي عليا وعلي أعدائي. هحش أدبحهولك جوا عشان تبقي تقضي الليلة على المقابر، هاه."
صرخت.
"إنت مجنون! دا جوزي وبقولك إيه؟ إنت تحترم نفسك! راجل ومراته حرين يناموا يجيبوا عيال، هما حرين. أنا عموما كلها يومين وماشية وهغور من وشك. هو كل يوم إنت واحد مجنون؟ حياتي لجوزي وبيتي."
ضحك.
"عيال مين اللي هتجيبهم من الواطي ده."
"عموما، إنت لازم دماغك ده يتظبط عشان إنت باينك ما تعرفيش أسمر كويس."
رفعت رأسها باستعلاء.
"ومش عايزة أعرف. رجعني بقولك."
"حبيبي مستنيني في الجناح. نقضي الليلة مع بعض."
وذهبت وجلست.
ظل واقفاً ينظر إليها. كانت محنية الرأس تخاف منه.
مر وقت. رفعت رأسها، ارتجفت من نظراته.
اقترب بهدوء ونظراته تشع رغبة.
ارتعبت وبدأ قلبها يدق.
"إيه؟ بتقرب ليه؟ فيه إيه؟ إنت."
اندفع وشدها، لتصرخ.
مسك وجهها ونظر إليها، كانت ترتجف.
هز وجهها. رفعت عيونها، نظرت إلى عيونه، ارتجفت بقوة، ولمعت عيونها من نظراته ومشاعره.
ابتسم، علم أنه يؤثر فيها.
"عارفة لو جربت منك دلوقتي ما هتِقدريش عليا. عارفة ليه؟ عشان اللي جواكي رايد."
بدأ يتلمس شعرها بحنان.
"رايد وحابب."
أغمضت عيونها. اقترب ووضع شفتيه على جبهتها.
مر وقت طويل يبثها من حنانه، لتلين شيئاً فشئياً، فهي لم تعد تحتمل صدّه أكثر من ذلك.
أحس باستجابتها. قربها أكثر وهو لا يصدق أنها استجابت ولانت له.
ظل يعاملها بلين لم يعرفه عن نفسه، ويداعب وجهها وشعرها بحنان، ويتلمس يديها بشفتيه.
وهي مغيبة، تاهت المهرة في حنان الأسمر الذي صعد من لا شيء. أنثى أتت لتخرجه من جموده. يبثها مشاعر تمنتها لسنين.
كان لا يريدها أن تعود لنفسها، كان يصب حناناً من دلاله، لا يلمسه في نفسه.
مر وقت لا يعلم ماهيته. ابتعد أخيراً يحتضنها.
ظلت فترة تركن على صدره تشعر بدوار.
وهو يتلمسها بحنان. همس لها.
"إنتِ بتاعتي."
أغمضت عينيها لتتغلغل الكلمة إليها وتدخل جوارحها.
لتتذكر فجأة.
"إنت حرامية أكده صوح؟ إني هموتك من الضرب عشان تحرمي تخشي لاسيادك يا جربوعة! أسمر ما هسيبش جربوعة تخش الدار دي. أسمر هيعلمك تعرفي تجربي من الأسياد إزاي."
لتنتفض وتبتعد وتنظر إليه برعب.
بهت من منظرها ورعبها. اقترب لتصرخ وتنكمش برعب.
ماذا حدث لها؟ وكيف جعلته يقربها؟ كيف تكون بالقرب ممن فعلوا بهم ذلك.
انفجرت بالبكاء.
"ما هذا العار؟ كيف خانت أخيها وذكرى أبيها؟"
كانت في أحضان من عاشا سنين يخططون للانتقام منهم.
كانت كل ما تفعله تنتحب بقهر وتتشنج. وقلبها ينهشها على استسلامها له.
خاف. فعينها زائغة وحالتها صعبة. ظن أنها خائفة من زوجها، قال بلين.
"ما تخافيش، ما تخافيش، ما حصلش حاجة. إنتِ هتسيبيه؟ إنتِ مش خاينة. ما تخافيش."
دخلت الكلمة إلى داخلها، لتتذكر أخيها وأباها وأيام عذابها.
صرخت بشدة وانهارت وبدأت تلطم وجهها.
"أنا خاينة… أنا خاينة."
ظلت تلطم وجهها بعنف وقهر وتتشنج. فيهجم عليها يحتضنها.
"لأ والله، لأ. إنتِ بتاعتي وهخليه يطلقك."
كانت مهتاجة.
"لأ، أنا خاينة! لاه، ابعد عني! أنا بكرهك! لازم أكرهك! ابعد عني!"
كانت تلطم وجهها وتمزق شعرها. كان قربها وحنانه قد أفقدها توازنها، لتخرج تلك الشخصية التي طالما كبتتها لسنوات. شخصية الأنثى التي تشعرها أنها مرغوبة. شخصيتها الحالمة التي تدفنها من أجل أخيها ومن أجل ما يخططون له.
حاول هو أن يسكتها، إلا أنها من كثرة انفعالها أُغشي عليها.
شعر بالرعب عليها. كلبش فيها يحتضنها لفترة.
"كل ده ليه؟ ليه؟ عاملك إيه؟ بتحبيه؟ لاه، مش حب. إنتِ كنتِ معايا عايزاني؟ أمّال إيه؟ إيه الرعب ده؟ آه، غلط اللي عملتيه، بس أنا أجبرتك تقربي مني. إني كنت عايز أثبت إنك عايزاني. هو خاين وواطي، ومعلجك بيه ليه؟ سيطرة وإلا إيه؟ منه لله."
ظل محتضناً إياها.
"طب هعمل إيه دلوقتي؟"
ليريحها ويعود بها للمرسى. ظل جالساً محتضنها.
"طب قوضتها كام؟ ما عرفش. أطلعها فيها؟"
قطب جبينه.
"يا مصيبة سودة على دماغك! إنت أهبل يا أسمر؟ دانت حتى ما تعرف اسمها! إنت عبيط! دا كله ما تعرف اسمها."
تنهد.
"لأ، تفوج وأعرف هي مين وأطلعها فوج وأروح أطلع عين أهله يطلقها عند المأذون. آه، ماهو أنا ما هسكتش. هخليه يطلقها ويردها ويرجع يطلقها عشان ماينفعش يردها تاني."
نظر إليها بحنان.
"ليه تعملي كده؟ عاملك إيه؟ يكونش بيهددك بحاجة؟ وإلا عشان فلوس؟ وإلا إيه؟ جولي إنت مش عايزاه ليه بس؟"
وجدها تفيق.
اقترب يحتضنها. ابتسم يداعب وجهها بحنان.
ظلت صامتة.
لتنتفض وتبتعد.
تنهد وقال.
"آهدي، والله أهدي."
لتتلفت حولها.
لتندفع تخرج من المركب.
اندفع هو ورائها. وصل إليها، مسك يدها.
لتصرخ.
"سيبني، سيبني!"
قال بقوة.
"لاه، خلاص ما عادش… ما هسيبكيش."
شدها إليه.
لمح زوجها يجلس مع امرأة.
"نار أبوه أسود…!"
شدها إليه وصرخ.
"آهوه جاعد معاها، آهوه. خلاص على عينك يا تاجر. هجم عليه وصرخ. إنت عاملها إيه؟ انطق، والله لاجتلك."
بهت الرجل.
"لأ حول ولا قوة إلا بالله. إنت تاني ياعم؟ حرام بقى. ما تروح تتعالج."
حاولت أن تنفلت منه.
أجلسها بعنف وصرخ.
"اترزي! إياك تتحركي."
اقترب من الرجل ومسك رقبته.
"مش أنا جولتلك ما تردهاش؟ هاه؟ مش جولتلك لو رديتها هجتلك؟ بتردها ليه؟"
صرخ الرجل.
"رديت مين؟ الله يخرب بيتك! إنت طلعت منين؟ دا كان يوم أسود."
صرخ أسمر.
"رديت مراتك تاني ليه؟ هاه؟ ليه يا زبالة؟ إنت عايزني أجتلك؟ إنت فاكر إني هسكت؟ لاه، دانا أسمر أبو الدهب."
صرخ الرجل.
"مالي بيك؟ أنا إنت مخبول."
صرخ.
"مالك بيا؟ لاه، إنت واخد كل مالي. إنت واخد اللي عيني عليها. إنت فاكر إني هسيبها لك؟ دانا هاخد روحك."
"طلقها، والله أموتك."
نظر إليه الرجل ببلاهة.
ليمُسكه أسمر بقوة من رقبته.
"طلقها بجولك! إني روحك هتطلع دلوقتي."
شعر الرجل بالغلب.
رفع يديه.
"طب اهدي، اهدي. حاضر، هطلقها وهتهدي وتسيبني."
قال بإصرار.
"أيوه، طلق."
تنهد الرجل.
"طيب، بس كده… مراتي طالق مني."
صرخ أسمر.
"ردها تاني."
بهت الرجل، ليحس أن أسمر مجنون.
"هاه؟ أردها؟ ما أنا لسه مطلّقها. أردها ليه؟"
صرخ أسمر.
"بجولك ردها."
تنهد الرجل.
"يا رب رحمتك… أرد إيه؟ ما أنا طلقـ…"
رَزَعه أسمر بوكس، فصرخ الرجل.
فقال أسمر.
"ردها."
أسرع الرجل.
"طيب، براحة واهدي، وده هيريحك والله، هعملك اللي عايزه. أردها مش كده؟ حاااضر."
صرخ أسمر.
"أيوه، رد."
تنهد الرجل بغلب.
"طب، ردتها. خلاص كده."
صرخ أسمر.
"طلقها تاني."
هنا لم يعد يحتمل الرجل هذا الجنون.
صرخ الرجل.
"لأ بقى! إنت عايز الخانكة؟ ليدفعه ويصيح. إنت عايز الخانكة؟ والله لأوديك العباسية."
مسك في رقبة أسمر من أفعاله.
خافت مهره من الفضيحة، لتنسل بهدوء.
وأسمر يصرخ.
"طلقها، خلاص! ما عادش هتبقى مراتك، تبقى تالتة وخلصنا. إني هاخدها من نن عينك، طلقها."
كان يصرخ بانفعال ليتجمع الناس.
صرخ الرجل.
"حد يحوش المهبول ده! من امبارح بطلق وبتجوز، ومحدوف عليا من أنهي عباسيه. حد يحوشه بقى! دا مرار إيه ده؟"
اقترب الناس وأسمر يصرخ.
"إنت فاكر إني هسيبها لك؟ والله لأطلع روحك، وهي عايزاني ومش عايزلاك يا زبالة."
صرخ الرجل.
"مين؟ مين يا مجنون؟ إنت."
استدار أسمر ويصرخ.
"جوليله إنك عايزني."
بهت، فهيا ليست موجودة.
هتف الرجل.
"أهو، من امبارح عقله ملحوس ونازل يطلق ويجوز في خلق الله. هو ما فيش غيري؟ ما يروح يا عم، اتنين تلاتة غيري."
نظر إليه أسمر بغضب.
ليهتف آخر.
"يا أستاذ، براحة. إنت عايز منه إيه بس؟ حد بيطلق مراته عشان خاطر حد؟ اهدي كده. إنت مالك بمراته؟"
صرخ أسمر.
"مالي بيها؟ دا واحد خاين، وهي ما بتحبهوش."
صرخ الرجل.
"يا عم، بقى ارحم ميتين أهلي! مراته إيه؟"
صرخ.
"مراتك اللي بتخونها."
صرخ الرجل.
"مرات مين؟ ما تتلم بقى! إنت شارب إيه؟"
أهتاج أسمر.
"اللي كانت معايا دلوقتي مش مراتك دي؟ وبتخونها هاه؟ وجاعد تسبسب للهانم؟ مراتك تعمل فيها كده؟"
هنا صرخ الرجل مرة واحدة مما جعل أسمر ينشل مكانه ويتراجع عندما…
"……يعني الواد اتهبل 😅😅😅😅"
رواية عودة الذئاب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ميفو السلطان
كان أسمر مهتاجا يقف بين الجمع، يصرخ ويمسك في الرجل.
هنا لم يعد الرجل يحتمل، ظن أن به مسا من الجنون.
صرخ الرجل في الناس:
"الراجل ده واحد مجنون، له يومين بيلف ورايا وماسك فيا. يطلقني ويجوزني. إزاي؟ أنتم فندق محترم وسايبين المهابيل تلف فيه؟"
صرخ أسمر:
"احترم نفسك يا حيوان، أنت مش عارف أنا مين!"
قال الرجل بغضب:
"واحد لسه خارج من الخانكة. مرات مين يا معتوه اللي بتطلقها كل شوية؟"
صرخ أسمر:
"اللي كانت قاعدة هنا من شوية."
هتف الرجل:
"اسمها إيه بقى وقاعدة فين؟ أنت بتشرب إيه؟ أنا واحد مش متجوز أصلا."
بهت أسمر وقطب جبينه، ليعود ويصرخ:
"أنت كمان هتتنصل من جوازتك؟ أنت فاجر ليه أكده؟"
صرخ الرجل:
"يمين بالله ما متجوز، أنا عازب. أعمل إيه؟ تعالي نروح السجل يا عم، دا حاجة بقت تشيب."
اندفع أسمر يمسكه:
"أنت بتكدب ليه؟"
هتف الرجل:
"طب أعمل إيه عشان تحشوه عني؟ حد يجبلي مصحف يا عالم، والله ما متجوز. روح شوف مين اللي ضحكت عليك يا عم أنت.. ولا أنت تعبان ولا إيه؟ أخرجلك أم البطاقة مش متهبب، ولا أجيبلك مين؟ أنا عاااازب سنجل متهبب لحالي."
وقف أسمر مصعوقا.
تنهد الرجل واقترب:
"أنت بيك حاجة طيب؟ عايز تتعالج واحنا نقف جنبك."
نظر أسمر إليه بغضب حارق، ولكن ليس من الرجل، من داخله. ليدرك أن تلك الفتاة خدعته بأبشع طريقة وجعلته يعيش جحيم العذاب عن حق، إنها تنتمي لآخر.
رجف قلبه وابتلع ريقه:
"يعني مش متجوزة؟ يعني هي مش متجوزاك بجد؟"
تنهد الرجل:
"والله ما متجوز يا عم."
تراجع أسمر وجلس يلتقط أنفاسه الهائجة. ظل جالسا يمر شريط علاقتهم ببعض، ليدرك ما فعلته تلك الشقية. لينطلق ضاحكا مرة واحدة.
نظر إليه الجميع، ظنوا أنه مجنون، فكانت عيونه دامعة من كثرة الضحك.
مر وقت، ليعود لنفسه ويبتسم ابتسامة خبيثة، ليقوم.
"حلوة، أنا بحب اللعبة الحلوة. بس اللي يلعب على أسمر، رقبته تنجاب."
نظر إليهم وتركهم، ولم يبالي بنظرات الاستنكار التي أصابته منهم.
اتجه إلى الفندق، دخل على صاحب الفندق. يعرفه بنفسه، فهو نار على علم. بدأ يتحدث عنها ويذكر له مواصفات مهره.
هتف الرجل:
"أسمر باشا، احنا خلال يومين هندور، مش هنسكت. احنا مانرضاش حد نصاب يقعد مابينا."
ابتسم أسمر:
"طب يا ريت أول ما تجيبوها تعرفوني. أصلها خدت مني ساعة بميت ألف جنيه، واظن الفندق ماهيستحملش فضايح. واكيد الكاميرات هتجيبها وهي بتركب معايا المرسي، مش بكدب أنا."
قال الرجل:
"العفو يا أسمر بيه. يومين يا باشا بالضبط واجبلك خبرها. احنا مش هنسكت وهندخلها السجن."
ابتسم له وقال:
"لا سجن إيه؟ أنا مش هبلغ. يا ريت ماحدش يأذيها، ماشي؟ أنا هتصرف وأرجع حقي. ويا ريت لما تشوفوها ماحدش يمسكها ولا يجبلها سيرة. أنا بس اللي همسكها."
وعده الرجل أن يجدها في أسرع وقت، لينصرف أسمر وهو يتوعد لها أن يأخذ حقه منها ويعرف من تلك التي تجرأت وخدعته.
***
كان براء يجلس بالشركة.
دخل عليه أسمر وجلس معه دون أن ينطق بكلمة.
نظر إليه براء مستعجبا:
"مالك أكده داخل قامط صامت؟"
جلس أسمر وتنهد ولم ينطق. فهتف براء:
"مالك ياض قاطم ليه؟"
قال أسمر:
"اششش، دماغي مش متحملة."
قطب براء جبينه:
"هو إيه اللي هششش؟ هو إني فرخة شالله؟ ما جولت عيل ثقيل."
نظر إليه أسمر بغضب. فهتف براء مسرعا:
"خلاص يا عم، إيه؟ هتقتلني؟ خلصنا."
ليتفاجأ بدخول الجد عليهم. بهت أسمر:
"جدي؟ أنت جيت هنا؟"
فالجد لا يأتي الشركة.
دخل الجد ومعه مأمون، جلس وقال بسخرية:
"إيه يا أسمر؟ أكونش اعتبرتوني مت خلاص وطيحتو في الدار؟"
هتف أسمر:
"العفو يا جدي، دانت الخير والبركة."
هتف الجد:
"خير؟ لا يا ولدي مافيهاش خير. إني سبب الخراب. إني أستاهل اللي هيحرالي. وعشان أكده قررت أعدل المايل."
قال براء:
"خير يا جدي؟ مايل إيه؟ حد جه جارك وزعلك؟"
نظر إليهم بأسى:
"إني اللي جيت جار نفسي، إني اللي وحلت نفسي بنفسي. حاسس إن المصايب هتخش بسببي."
أردف أسمر باستغراب:
"مصايب إيه يا جدي؟"
قال الجد:
"مصايب عمك لعمك. عمك يا ولدي ذنبه هينهش الكل."
هتف براء:
"عمي جبران هيعمل إيه؟"
صرخ الجد:
"العملية طالته الجاحد، منه لله سبب الخراب."
هتف أسمر:
"أمال تقصد مين؟ عمي عامر تقصد؟"
قال الجد:
"عامر راجع يا ولاد سلطان."
بهت أسمر:
"عمي عامر راجع؟ عرفت إزاي يا جدي؟ دانت دورت لما غلبت عشان ترجعه."
قال بوجع:
"آه دورت، بس عمك راجع عشان ينتقم يا ولدي."
بهت أسمر وصمت قليلا:
"ينتقم؟"
نظر إلى جده:
"يكونش هو اللي بيبعت لعمي جابر الرسايل؟"
نظر الجد مبهوتا وقال بلهفة:
"رسايل إيه دي؟"
هتف أسمر:
"عمي جابر كل يوم تجيله رسالة. مكتوبة مرمية في كل حتة، العربية والمكتب، حتى الدار عندنا. ليه شهر هيتجنن."
قال الجد مسرعا:
"إيه؟ هيا فيها إيه؟"
اقترب أسمر وأخرج من جيبه ورقة:
"أهيه يا جدي، بتترش علينا كل يوم."
وقف الجد ومسك الورقة. كانت مخطوطة بكتابة حمراء عريضة. نظر واحس أن قلبه سيتوقف. ليعود به الزمن للخلف. تذكر ذلك الطفل يوم أن مال عليه وهمس في أذنه:
"دم الغالي هيجي من دم الرخيص."
عاد لزمن تذكر وعد الطفل وعودته. لم يتحمل، ترنح مرة واحدة. اندفع أسمر يمسكه، فوقع الجد مرة واحدة. ونظر إلى أسمر ونزلت دموعه:
"يا مصيبتك يا عمران. الموت حل يا ولدي والخراب عشش. النسل نسل وجع وجاي بالوجع يا ولدي. النسل من النسل عار وفيه نسل من النسل شايل جهر نسل الخراب."
هتف أسمر:
"فيه إيه؟ مالك يا جدي؟ ما فاهمش حاجة."
هتف الجد وهو يشهق:
"فيه جباض أرواح، بس ماعرفش هيجبضها بأنهي طريقة. خايف عليكو يا ولدي، وانتو مالكوش ذنب. يا خراب نسلك يا عمران، أنت اللي سمعت للشيطان. جاي نسل الغالي ياخد حجة من نسل الخراب. يا خراب بيتك يا ابن أبو الدهب."
صرخ الجد ووقع أرضا.
اندفع أسمر وحمله وذهب به إلى المشفي. ليخبروه الأطباء أنها أزمة قلبية ويحتاج إلى المكوث بالعناية لفترة.
جلس أسمر وبراء. فهتف براء:
"جصده إيه جدك بنسل الغالي ونسل الخراب؟ إني ما فاهمش حاجة."
هتف أسمر:
"ما عرفش، بس حاسس بحاجة واعرة هتاجي. فيه حاجة هتحل علينا، بس إيه هيا ماخابرش. جدك ما بيجولش حاجة من غير ما يكون فيه وراها حاجة. ربنا يستر."
جلس الاثنان يفكران ماذا يكون يقصد الجد، وبداخلهما آلاف الأسئلة.
***
ذهب نديم ليأخذ وجد، يذهب بها إلى أحد أماكن الاجتماعات. كانت وجد حزينة أنها ستتركه بعد فترة، وهذا ما عزمت عليه. تصون بذلك قلبها الذي دق له. كانت لا تتكلم ولا تنطق، ونظرة الحزن لا تفارقها ولا تنظر إليه من الأساس.
أما هو، فلم يعد يحتمل ذلك التحول. يريد أن تعود إليه تلك المشاكسة الحنونة التي دخلت حياته فجأة تمنحه ما يفتقده من سنين.
انتهى الاجتماع، انصرف المجتمعون مبكرا. ظل جالسا ينظر إليها ويتأملها مبتسما.
رفعت عيونها واخفضتها بسرعة وهمست:
"مش هنقوم بقى؟"
هز رأسه بيأس، تنهد وقال:
"للدرجادي مش عايزة تقعدي معايا؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة وارتبكت:
"هاه؟ أقعد؟ لا ليه؟ إيدا.. أنا بس بس.. آه خلصنا شغل، هنقعد ليه؟"
اقترب منها:
"وأنا مش قاعد عشان الشغل، ولا عايز أقعد عشانه."
همست بخجل:
"أمال قاعد ليه؟ فيه حاجة تانية؟"
قام واقترب منها، مد يده ومسك يدها:
"آه فيه."
ارتبكت وشدت يدها. فقال:
"سبيهم عشان أنا مش هسيبهم."
ارتبكت هيا واحمر وجهها:
"من فضلك مستر نديم."
خفض وجهه في مستوى وجهها وقال بابتسامة:
"نديم يا وجد. بقالك فترة ما قولتي نديم."
لتهمس بوجع:
"ما ينفعش، أنا.. أنا بشتغل مساعدة حضرتك."
تنهد:
"وقبل كده كنتي بتشتغلي إيه؟ كنتي بتشتغلي مساعدتي برضه."
شدت يدها وهمست:
"أرجوك كفاية كده."
زفر بضيق:
"طب أعمل إيه؟ عارف غلطت. أنا لو قعدت أعتذر ألف مرة، ماهيكفيش. ندمي على كلامي اللي قولته. وجد، أنا مش شايفك إلا حاجة غالية."
قالت محاولة أن تنهي الموضوع:
"مفيش حاجة، أنا عادي أهوه."
اندفع ومسك يدها:
"لا مش عادي. مش عادي. فين وجد وعفويتها؟ فين همسك ليا اللي كان بيشع راحة وكلامك اللي يخرج من القلب؟ وجد، أنت كنتي بالنسبالي النسمة اللي بتخلي قلبي يلين من جحوده. من ساعة اليوم الزفت، أنت بقيتي حاجة تانية، موجوعة ومنزويه وفي دنيا تانية. أنا ماعتش قادر أشوفك كده."
دمعت عينها وهمست:
"ما دي حياتي، إيه الجديد؟"
تنهد ومسد على يدها:
"ممكن تكون حياتك، بس أنا عرفتك بطريقة تانية. عرفتك فرحانة بتشعي طاقة. عيونك لما كانت بتبصلي بحس إنك فرحانة. أنا حاسس إني قتلت الفرحة دي بطريقة غصب عني. واعتذرت كتير، بس مش عارف أرجع نظرة عيونك للأول. وجد، أنا عشت أيام وجع فوق الاحتمال، ما حبيتش حياتي إلا الفترة اللي دخلتي فيها."
نظرت إليه بخوف:
"مستر نديم، من فضلك بطل كلامك ده، أنا مش ناقصة."
أردف بلين:
"أبطل إزاي؟ من بعد ما سمعتك وأنت بتكلمي باباكي؟ أنا حاسس إني أنا وأنت نسخة واحدة. مافيش إلا الوجع في قلوبنا. مافيش حد في حياتنا إلا أما دخلنا حياة بعض. بس الفرق، أنت لما دخلتي حياتي حسيت بحاجة جوايا. عايزك زي مانتي، جميلة وحنينة وبتشعي فرحة. أنا دخلت حياتك بقيت سبب وجع زيادة. أنا مش مستحمل أشوفك كده. وجد، أنا آسف إني وجعتك. من فضلك ارجعي زي ما كنتي، وأنا أوعدك إني مش هأوجعك تاني."
لتتنهد وتهمس بحزن:
"أرجع؟ أرجع ليه يا مستر نديم؟ ولما أرجع هقعد قد إيه عشان أنوجع تاني؟ عارف أنا عشت عمري أحلم إني أقابل حد أتكلم معاه بعفوية وما أخافش. ومش هنكر إني أول ما شفتك حسيت إنك أنت الشخص ده. وفرحت واتصرفت بطبيعتي اللي مابتطلعش مع ناسي. بس اكتشفت إن أنت زيك زي أبويا وولاد عمي."
اندفع قائلا:
"لا والله أبدا."
لتتنهد:
"أبدا. عايزة أقولك إن أنا ماعتش عايزة حلمي ده، لأن حلمي وجعني وأنا بستناه."
مسك يدها:
"أوعدك والله إني ما هضايقك تاني. وجد، أنا محتاج عفويتك وبساطتك. أنا بجد تعبت من دنيتي الناشفة. وجد، أنا عايش من غير مشاعر، ولا قلب حجر صوان. أرجوكي سامحيني، أنا بطلب منك بجد تنسي اللي حصل."
قالت بوجع:
"يا نديم، صعب. أنا خايفة ومرعوبة."
ابتسم لذكرها اسمه، تلمس يدها:
"خايفة من إيه طيب؟"
تنهدت:
"مش عايزة نسخة أبويا في حياتي. مش عايزة نسخة ولاد عمي في حياتي."
ابتسم:
"طب ما تجربيش؟ جايز أطلع مش زيهم. نبقى أصحاب وهبقى زي مانتي عايزة."
لتتنهد:
"نديم، بالله بلاش. أنا خايفة."
ضحك مشاكس:
"شوفي نديم طالعة منك قمر إزاي؟ طالعة تاخد العقل والله."
خجلت من نظراته. ليبتسم:
"خايفة أوجعك صح؟"
نظرت إليه بلين. ليقول:
"أنا محتاجك جنبي بجد. إحنا شكل بعض، الوجع طالنا من الأهل. نبقى جنب بعض نداوي بعض."
لتهمس:
"أنت كمان أهلك وجعوك؟"
تنهد وظل ينظر إليها. ليقوم:
"قومي."
نظرت إليه بخوف:
"ابتسم: قومي يا وجد، مش هعضك."
قام وأخذها وذهب بها للمكتب. استغربت:
"أنت جايبني هنا ليه؟"
جلس على الكنبة محني الرأس، يستعيد ما فات. ظل جالسا لتخاف منه ومن صمته وتعابير وجهه.
اقتربت وهمست:
"نديم."
رفع وجهه وأشار إلى الندبة بجوار عينيه:
"شايفة دي؟"
قطبت جبينها. اقترب ومسك يدها يجعلها تتلمس ندبته. ليهتف:
"دي يوم ما مات نديم الإنسان. مات وماعتش جواه إلا الخراب. نديم العلامة دي نتشت قلبه من دمه. أهلي وعزوتي وناسي دعسو روح نديم، ماعتش أصلا موجود. بتقولي أبوكي قاسي وجاحد؟ أنا بقي أهلي كلهم جاحدين واتسببوا في موت أمي وأبويا. عايش عمري بفكر واحد مابيبصش لنديم أو أشوف ممكن يحس بإيه. لا نديم اتحط على طريق واحد. ماقدرش يكون إلا نديم القاسي الموجع. ولازم يكمل طريقه للآخر. وهو بيكمل كل شوية جواه حاجات بتموت."
أشار لقلبه:
"هنا مابيحسش، هنا اله بتوجع. الكل فاكر إن القسوة عادي طبع. بس قسوتي بسبب قسوتي، ماينفعش إلا تبقى قسوة عشان ما أقعش وأضعف. نديم ليه سنين ميت."
نظر إليها بلين:
"لحد ما جيتي أنت بعفويتك وبساطتك. ليندفع ويمسكها: والله يا وجد، دخولك حياتي بيديني روح. جربي يا وجد، مش هأذيكي. نبقى حتى أصحاب. بطلب طلب بتمني توافقي عليه."
لتتنهد وتصمت. ليهتف:
"يعني نديم الأسطورة اللي مافيش حد يعرف عنه حاجة بيتراجيكي تحني عليه وتخشي حياته برضه؟ تقعدي ساكتة كده؟"
لتتنهد وتهمس بتذمر:
"إيه؟ نديم الأسطورة؟ يعني مانا وجد برضه."
ضحك:
"ماشي يا ستي، أحلى وجد. إيه خلاص صافي يا لبن؟"
لتتنهد وتنظر إليه وترفع إصبعها محذرة:
"يعني مش هتزعقلي تاني؟"
ضحك وقال:
"عمري. نديييم."
هز رأسه مبتسما. فاكملت:
"ومش هتقول حاجات وحشة تزعلني خلاص وتبقي وحش."
ضحك مرة أخرى:
"عيوني، أنت بس تأمري."
قامت ووضعت يدها في خصرها:
"ولما أتكلم مع أمجد ماتقولش مش محترمة؟ فاهم؟ أموتك."
ضحك:
"عن آخره. مش هقول، بس برضه أمجد ماتتكلميش معاه وتهزري."
قطبت جبينها:
"ليه بقى؟ دا حزين هو كمان، لازم أحن عليه ثواب."
ليهتف بضيق:
"يا ستي، ماتتهزريش مع حد غيري، تمام؟"
لتنظر إليه وتتنهد. فاسرع:
"إيه؟ خلاص كده؟"
وقفت وقالت بتعالي:
"خلاص عفوت عنك."
ضحك ومسك يدها يقبلها:
"ياااه، قلبك أسود. دانا أخاف أزعلك."
رفعت إصبعها:
"عارف يا نديم، لو زعلتني هعمل فيك إيه."
ليضحك ويهتف:
"يا ساتر، أنا خوفت، هتعملي إيه؟"
تنهدت بغلب ونظرت إليه بطيبة:
"مش هعمل حاجة، ما بعرفش أعمل. كل اللي هعمله هسكت وانقهر وبس. أنا لما بزعل بحس إني ميتة يا نديم."
اندفع:
"بعد الشر، ولا عمري أقدر."
خبطته وهتفت:
"طب خلاص خلاص. أما نشوف. ويلا بقى، مش هتاكلني، وإلا هتقعد كده كتير؟"
ضحك:
"أهو أنا جبته لنفسي، ألك حد يقول لريسة بتلك."
قالت بتذمر:
"لاااا، بقلك إيه؟ هتقلب بومة؟ هخاصمك."
ضحك:
"لا يا ستي، ماهقلبش. ويلا، عايزة تاكلي إيه؟"
قالت بسعادة:
"عايزة أركب مركب على النيل، إيه رأيك؟"
ابتسم:
"أنت بس تأمر."
لياخذها يتجه بها إلى المكان الذي أرادته، ليبدأ رحلة التنازل عن قسوة النديم. يقترب من قلب الوجد الذي يشع حالمية وطيبة لا يستحقها إلا من يدرك جمالها.
***
كانت شجن تجلس تحتضن القلب الذي أحضره لها براء، لتظل تداعبه وتبتسم وتتذكر مرحه معها. لتتنهد:
"بتفكري في إيه؟ ما خلاص كل حاجة راحت."
قامت تفتح الشباك تقف فيه لتتنهد. كانت تفتقد أختها، أما أخيها فلا تقربه، فهي تخاف منه بشدة. ظلت واقفة ساهية.
لتستدير وتشغل الموسيقى وتظل تدور وتدور، لعلها تنسى ما بها.
توقفت عندما رن تليفونها. فتحت التليفون لتسمع صوتا:
"وحشتيني."
شهقت مرة واحدة، فهي عرفت صوته، لترتعب وتغلق الخط. نظرت برعب إلى الفون:
"عرف تليفوني إزاي؟ نهار أسود! إيه؟ إيه؟ عايز إيه طيب؟"
رن تليفونها مرة أخرى لترتعب وتظل تنظر إليه ولم تعلم ماذا تفعل. كانت ترتجف. وصلها رسالة منه:
"افتحي التليفون بدل ما تلاقيني عندك."
رن التليفون ففتحته مسرعة:
"عايز إيه أنت؟ فيه إيه؟ أنت جبت نمبرتي منين؟ وتكلمني ليه؟ أنا ماينفعش أكلمك خلاص."
قال بسرعة:
"حيلك حيلك، إيه راديو؟"
لتتنهد بخوف:
"براء."
همس:
"عيون براء."
قالت بخوف:
"بتكلمني ليه؟ عايز إيه؟"
همس:
"وحشني صوتك."
قالت بلين:
"عيب كده، مش قولنا خلاص."
تنهد:
"طب بزمتك خلاص؟ مش ماسكة القلب بتاعي دلوقتي في حضنك؟"
لتشهق برعب وتنظر حولها. ضحك:
"قلبي حاسس بيكي."
تنهدت وهمست:
"بطل والنبي، أنا ممكن أتأذى. ماتتصلش تاني."
قال بنعومة دخلت قلبها:
"ماقدرش، من ساعة ما مشيتي وأنا مابنامش، والله مابنامش."
همست:
"وأنا مالي بيك."
هتف بحنان:
"مالك بيا؟ مالك إزاي؟ إنك طيرتي النوم من عيني. شجن، عايز أشوفك."
ارتبكت:
"لا.. لا تشوف إيه؟"
هتف بإصرار:
"لا هشوفك. أنت عارفة أنا لما بقرر حاجة، أنسي إنها ماتتنفذش."
قالت بتذمر:
"أنت مغرور على فكرة."
ضحك:
"لا مش مغرور، بس حاسس بالقمر موجوع. مش قمر برضه موجوع وقاعد لوحده؟"
لتخجل وتتنهد. انفتح الباب لترتعب، فكان أخوها. لترمي الفون برعب. دخل نديم واندفع يمسكها بعنف:
"إيه؟ أنت إيه؟ مش قولت ميت مرة الزفت ده ما يشتغلش؟ أنت إيه؟ عايزاني أفلقك نصين."
همست بخوف:
"ما عملتش حاجة يا نديم، والله دا صوت واطي أهوه."
اقترب يمسكها بعنف. صرخ:
"لا واطي ولا عالي، أنت عارفة إن الموضوع ده بيهيجني. أنت تلمي نفسك، فاهمة؟ مش هتفلت بـ عمايلك دي. والله لو ماتعدلتي، لأسود عيشتك. أنا أختي تمشي زي القلم، فاهمة؟"
كانت تبكي. فصرخ:
"فاهمة؟"
لتهز رأسها بعنف. دفعها ورحل. لتبكي بقهر، فهي تخاف منه بشدة. وجدت تليفونها مازال مفتوحا. لـ تتجه وترفع الفون وتشهق بالبكاء. سمعته يهتف بحنان:
"عمل فيكي إيه ده؟ أخوكي."
تنهدت تحاول أن تهدأ:
"أهدي عشان خاطري."
همست بوجع:
"براء."
تنهد بضيق:
"أعمل إيه بس في نبرة الحزن بتاعتك دي؟ مش قادر وأنت بعيدة كده."
قالت باكية:
"خلاص روح بقى عشان نديم ما يجيش تاني ويأذيني."
همس محاولا أن يلين قلبها:
"طب ينفع تسمحيلي نتكلم؟ أنا عايز أفضل أكلمك على طول."
لتتنهد:
"مالوش لازوم، بلاش يا براء."
هتف براء:
"أنا ما أعرفش أسيبك لوحدك ولا أقدر."
لتتنهد. فأردف مندفعا:
"خلاص صح، هكلمك. كل يوم. ماشي."
قالت بلين:
"عايزنا نبقى أصحاب؟"
ابتسم:
"أتمنى نبقى أصحاب."
همست بقهر:
"أنا ماليش أصحاب."
قال ببهجة:
"وخلاص، جه براء بقى أحلى صاحب. دانا صاحب على كيفك والله."
لتتنهد:
"أنا هكلمك كل يوم قبل ما تنامي عشان أبقى آخر حد كلمك."
لتتنهد:
"أنا ماحدش بيكلمني خالص والله."
همس بنبرة حنونة:
"طب يا ستي، هنتكلم. جايز ييجي وقت ونتكلم ونقابل."
ضحكت:
"نقابل إزاي؟ أنت في آخر البلد وأنا أولها."
هتف بسعادة:
"أنا متأكد إني هقابلك تاني. وساعتها فيه حاجات هتظهر وترجع كل واحد وياخد اللي ليه."
تهمس:
"مش فاهمة."
ضحك:
"بكرة ييجي اليوم وتفهمي."
ليظلوا يثرثران معا لوقت متأخر. يتكلم معها عنه وعن حياته، وهيا تتكلم معه عن دنياها واحتياجها لمشاعر لا تستطيع أن تنالها من أخوتها. ظلا هكذا إلى وقت متأخر. وأغلقا الخط. وهيا حالمة وقلبها يدق بمشاعر حصلت عليها أخيرا في تلك الحياة التي تشع قسوة بلا روح.
***
كانت مهره قد مر عليها أسبوع، قد هربت من الفندق منه، تاركة كل شيء. حتى لم تذهب للعمل خوفا. ولكن أحست أنها لابد أن تكمل أو ترحل وتلملم أشياءها.
مكثت اليوم كله ولم تنزل من الفندق، تخاف بشدة. كانت لا تعلم رد فعله. لتختنق من نفسها. لتقوم وتلبس وشاحا على شعرها تخفي نفسها حتى لا يعرفها أحد.
نزلت بهدوء وظلت تتلفت يمينا ويسارا.
ذهبت إلى الخارج بهدوء ولم يلاحظها أحد. ظلت تتجول طوال الليل بالخارج في الشوارع بلا هدف. حتى أتى الفجر وأصبحت الشوارع فارغة. عادت إلى الفندق حلول الصباح. فوجدته شبه فارغ. لتحس بحنين لمنزل النيل.
نظرت في ساعتها، لفت وشاحها جيدا عليها. اتجهت إلى المنزل تجلس بجواره. لتتنهد وتظل جالسة تفكر به.
ابتسمت وهزت رأسها:
"أنت بتفكري في إيه؟ ماينفعش تفكري فيه. أنت بعيدة وهو بعيد وماينفعش أصلا تتلاقوا. ماينفعش يا مهره، مش سكتك ولا مكانك. ولا ينفع."
لتحس بوجع:
"ذنبي إيه يتعمل فيا كده؟ ذنبي إيه أعيش وقلبي مابيحسش؟ نفسي أحس، نفسي أبقى طبيعية."
نهرت نفسها:
"أنت مش طبيعية يا مهره، أنت ميتة. موتي في اليوم ده بقيتي مسخ. مالكيش تحسي، مالكيش تبقي ست وليكي مشاعر. مش ده اللي قال عليكي جربوعة وحرامية؟ وهما أسياد؟ مش دول اللي هانوكو وقالوا عليكوا ولاد الغزية؟ مش دول اللي خلوكي مسخ؟ أنت مسخ يا مهره، أنت مش ست وماينفعش تبقي ست وتحسي."
شعرت بوجع ينهش صدرها:
"أمال بتوجع ليه؟ بتوجع ليه؟"
لتخبط على صدرها:
"ده بيوجعني ليه أنا دلوقتي؟"
لتشهق بالبكاء. كانت تنتحب بشدة. لتحس بيد على وجهها. لترتعب مرة واحدة. تحاول أن تفلت نفسها بلا جدوى. كانت تتملص بعنف واليد تكبلها بقوة. لتتراخى رويدا رويدا، لتتوه ويغشى عليها. و...
رواية عودة الذئاب الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ميفو السلطان
كان أسمر قد انتظر مهره حتى الصباح متربصًا بها. كان يغلي من داخله على ما فعلته. وجدها تجلس بالقرب من المنزل، محنية الرأس ويبدو عليها الحزن.
اقترب منها بهدوء وروية. أخرج من جيبه منديلًا ورش عليه بعضًا من المخدر، واقترب بهدوء ووضع المنديل على أنفها. ارتعبت وحاولت التملص بلا فائدة، لتخور قواها شيئًا فشيئًا إلى أن تراخت تمامًا. تلقفها على صدره لفترة، ثم انحنى وحملها واندفع بها إلى منزل النيل.
كان هو قد أعد أحد المراكب الفخمة. صعد بها ووضعها بهدوء على الفراش، ووقف يتأملها. كانت جميلة ووجهها هادئ بشكل يخطف القلب. انحنى عليها.
"أنتِ مين؟ وليه بتهربي ليه؟"
لمس خدها بحنان. هز رأسه وتراجع وجلس على أحد المقاعد يتأملها.
بدأت مهره تعود لوعيها رويدًا رويدًا. فتحت عينيها وبدأت تتأوه، تحس بدوار. ظلت تطرف بعينيها. فاقت لتنظر حولها لتجد نفسها في مكان غريب، لتهب مرة واحدة شهقة برعب عندما وجدت أسمر جالسًا على أحد الكراسي، يضع قدمًا على قدم وينظر إليها وعلى وجهه ابتسامة لا معنى لها.
لتهب من مكانها وتنظر لنفسها وتفتش في جسدها برعب. سمعت ضحكة عالية منه. نظرت إليه بغضب عندما قال:
"لا، اطمني. الاغتصاب مش دلوقتي خالص."
لترتعب وتنكمش خوفًا. ابتلعت ريقها وهمست:
"أنت... أنت جايبني هنا ليه وعايز إيه؟"
ضحك بقوة.
"بقي مش عارفة جايبك هنا ليه."
لتقوم وتحاول أن تستعيد شخصيتها الأخرى، قالت بغضب:
"أنت خطفتني صح؟ أنت مجنون. أنت عايز إيه يا جدع أنت؟ الله! مشيني من هنا لأسود عيشتك. أنت فاكرني إيه؟ لا فوق، ده أنا..."
لتصمت مرة واحدة.
اهتزت بخوف عندما قام بهدوء. اقترب منها ونظرة التسلية على وجهه، لتتراجع وهو يتقدم إلى أن خبطت في الحائط.
مال عليها قائلًا:
"أيوه بقي، أنتِ إيه ها؟ يلا عرفيني بالكتكوت عشان بس نبتديها صح."
رفع يده يلمس جانب خدها.
دفعته بقوة.
"نبتدي إيه يا بتاع أنت؟ أنت عايز إيه؟"
تنهد وابتسم.
"بهدوء كده. أنتِ بقي بتعملي إيه في الفندق؟ ولا بتخشي تتفسخي وتخرجي؟ والا إيه؟ مان لازم أعرف أنتِ مين. وهعرف على فكرة."
صرخت.
"لا مش هقول. مالك بيا أنت؟ دا سواد إيه ده؟ أنت عايز إيه مني؟ وعرفت تجيبني إزاي؟"
اقترب يلصقها في الحائط، حاصرها بيديه وقلبها يصرخ من داخلها. كانت تنهج بقوة. ظل يتأملها فصرخت.
"فيه إيه؟"
رفع يده يمررها على ذراعها.
"تتخيلي كده عايز إيه؟"
لترتعب وتصرخ.
"ابعد. والله أموتك. أنت واحد شمال وقليل الأدب. أنا أنا..."
كانت نظراته تحولت لرغبة أربكتها. لتصرخ.
"متبصليش كده، احترم نفسك."
ضحك بقوة.
"أبص لك... أبص لك إزاي طيب؟ ماهي بتخرج غصب عني. هو عيب إني أعوزك ليا؟"
صرخت.
"لما تنطبق السما على الأرض."
ضحك بسخرية.
"ليه؟ عشان متجوزة؟"
لتبتلع ريقها وتخاف بشدة. شعرت بنظرته تتحول لغضب. ليقترب أكثر.
لتهتف.
"إيه إيه؟ هتعمل إيه؟ والله أموتك. أنا مش سهلة."
ضحك.
"من جهة مش سهلة، عارف. بس برضه أسمر مش أي حد. اسمك يا كتكوت عشان فيه حاجات هتحصل واسمك هيتحط فيها."
بهتت.
"اسمي؟ اسم إيه يا جدع أنت؟"
قال.
"هقولك بعدين. بس أعرف اسمك إيه الأول."
صرخت.
"مش هتعرف ومش هقولك. وأنت مالك؟ ومش طايقة وشك."
شدها يحتضنها فارتجفت.
"ليه؟ أنتِ كنتِ بين أياديا؟ عايزاني ليه بتبعدي؟"
صرخت بانهيار.
"بقولك ماينفعش."
مط شفتيه.
"عشان الجواز الفشنك."
لترتعب وتخاف. وعلى الفور اندفعت إلى الباب تحاول أن تفتحه. اندفع يحاوطها وضمه إليه من الخلف. اقترب من أذنها وقال بنبرة غاضبة.
"عارفة أنا عايز أعمل فيكي إيه؟ عايز أفقك نصين."
أدارها بقوة ومسكها.
"بقي يا جائرة تفضحيني قدام الناس وأروح لواحد زي المعتوه أخليه يطلق ويجوز ويطلق ويرد وأنا أهبل والهانم مش متجوزة من أساسه."
كان يصرخ فيها، لتنكمش خوفًا. فاردف.
"أيوه انكمشي أكده عشان أنا عايز أطلع روحك في يدي."
همست بخوف.
"مالك أنت؟ أنا حرة."
صرخ.
"تحرجيلي قلبي وتعيشيني أيام هتجنن على الهانم المتجوزة. لا مش حرة. من ساعة ما أسمر دخل حياتك اتغير كل حاجة."
احتضنها.
"أنتِ بقيتي بتاعتي."
قالت بقهر.
"لا مش بتاعتك. عيب واحترم نفسك."
رفع وجهها ونظر إليها ومشاعره تصرخ من جواه.
"أي كلام أهبل مش هيبعدني. عارفة ليه؟ عشان أنا أسمر اللي عمري ما التبس لوحدي أصلا. أسمر اللي قلبه حجر. أسمر اللي لو مين حلف ما حد يصدق إنه يدخل واحدة حياته. أنا واحد نافِر وجاحد بدون سبب. لما يجي بقي اللي يشقلب ده كله ويخليني زي بقية الخلق. فاكرة إنك هتقدري عليا؟ الجبل ما بيهتزش يا..."
ليهمس.
"يا مملوكة الأسمر."
"عمومًا، أيًا كان اسمك، ما يهمنيش."
لتدفعه تحاول أن تتصدي له.
"روح يا بابا بلا ما يهمنيش. أنت مخبول؟ يلا. وأنا حرة، مابعملش علاقات أنا."
ضحك.
"أنتِ غلبانة قوي. علاقات إيه؟ بقولك بتاعتي."
نظرت إليه برهبة. كانت تشعر أنها ستنفضح. لا تعلم ماذا تفعل. لتتنهد وتكبت نفسها.
اقترب منها، شدها يحتضنها.
"مالك بس؟ خايفة من إيه؟"
رفع وجهها لتلين من نظراته. همس بلين.
"أنا مش مؤذي. خايفة ليه؟ وبتبعدي ليه؟"
اقترب من وجهها يتلمسها بحنان.
"هحطك بعيوني. والله بعيوني."
داعب خدها.
"بصيلي."
لتهز رأسها نفيًا. ابتسم.
"هنس. خايفة تبصيلي."
لترفع عيونها. رجف قلبها عنوة. أنفاسه تلفحها.
"بتحاربي ليه جواكي؟ شوفي عيونك عاملة كيف تجنن وتسيح الحجر. إيه اللي مانعك؟"
قالت بقهر.
"أنت اللي مانعني."
هز رأسه باستغراب.
"ليه؟ ليه أنا؟ همنعك ليه؟ هنبقى لبعض."
لمعت عيونها بوجع.
"ماينفعش. عمرنا ما هنبقى لبعض. ولا هيكون بينا حاجة. ومافيش أصلا بينا. ده وهم عندك. ابعد بقي."
شدها أكثر. وهم.
"كأنه وهم. عيونك دي وهم. وماينفعش. طب عشان تعترفي إن فيه وفيه وفيه، لازم أثبت لك. أنتِ جواي ليه؟ وهتعرفي إنك هتبقي ليا. وأسمر هيخليه يبقي."
ونزل عليها بقوة يحتضنها ويشدها إليه. يدخلها بين ضلوعه. وضع رأسه في عنقها يتلمسها برغبة تجتاحها. لتحاول وتحاول أن تبعده وهو يزيد من قربه. لتنهار بين يديه وتستكين في أحضانه. ظل يمسد عليها ويداعب شعرها وهي في أحضانه.
تنهد وهمس.
"شوفي قلبك كيفه. شوفي رجفتك. شوفي عايزة تبقي بحضني كيف."
تنهد وأبعدها ورفع وجهها.
"اسمعي. أنتِ تقوليلي أنتِ مين وفين أهلك؟ وهروح آخدك منهم."
لتتشنج برعب وتكبت روحها. في تلك اللحظة علمت أنها ستدمر حياة أخيها وما عاش من أجله. واستكانتها تلك عار على نفسها. لم تعلم كيف تهرب منه، فهو لن يتركها. لتتصنع الدوار وتقع. ارتعب وحملها ويهتف.
"إيه إيه؟"
همست.
"لا بس ممكن توديني حتة أركن فيها."
أعادها للفراش بهدوء. همست بوجع.
"ممكن تعملي حاجة سخنة؟"
قام على الفور.
"عيوني."
ابتسم وقبل رأسها وقام.
لتهب مرة واحدة برعب.
"نهار أسود! أهلي. أخويا. ده يقتلني. منك لله. أنت هتبوظي كل حاجة."
لتقوم تبحث حولها. وجدت شباكًا من المركب لتنسل منه بهدوء إلى ظهر المركب. نزلت إلى المياه وهي تتسحب حتى لا يسمعها. شعرت بلسعة في أوصالها. لتكمل بقهر وتعوم بهدوء حتى وصلت إلى المرسى.
صعدت على الفور إلى حجرتها وأغلقت على روحها. ودخلت إلى الحمام تجلس منكمشة. تذكرت لحظة أنها كانت في أحضانه، انهارت من البكاء على قلبها ومشاعرها التي تريد الخروج عنوة.
ظلت هكذا حتى هدأت.
"لا يا مهره خلاص كده. أنتِ مهره واستحالة بعد كده يوصلك. خلاص. أنا استحالة أظهر تاني بشعري ونفسي خلاص. من هنا ورايح حاجة داخلة بهيئة مهره. خلاص يا مهره خلاص. اهدي. مش هيعرف. أو لو حصلت تمشي آه. هيعرف منين يعني؟ واحدة واختفت."
لتحاول أن تهدي من روعها.
أخذت حمامها واتجهت تنام وهي تنوي أن تبتعد عن من أوجع قلبها قلبًا وقالبا.
عند أسمر، عاد إلى المقعد فلم يجدها. انفعل وألقى بالكوب. اندفع يدور يبحث عنها. شعر بغضب عارم، فهي تتسلل دائمًا من بين يديه. ليعود إلى الفندق. لم يكن أخبرها أنه فرغ الكاميرات ورآها. ذهب إلى الرجل وإلى حجرة المراقبة ليريه الكاميرات. وجدها تندفع مبتلة إلى الداخل. أشار إليها.
"أيوه هيا دي."
هتف الرجل.
"دي نزيلة كده في الفندق. طالما طالعة فوق."
بدأ في تتبعها. وجدها وصلت إلى أحد الطوابق ودخلت حجرة وقفتلت على روحها.
صرخ أسمر.
"رقم القوضة. خمس دقايق تجولي هي مين. فاهم؟"
هتف الرجل.
"حاضر. بس مش بسرعة كده حضرتك. دي أوامر. ما بنديش حد الأسماء. إحنا خدمناك بس المدير مش موجود. لو أمر نديهالك. هو هييجي الصبح."
صرخ.
"هو أنت بتجول إيه؟ أنا مش همشي إلا أما أعرف."
تنهد الرجل.
"يا أسمر بيه، كلها كام ساعة وتعرف. ما أقدرش والله أديك الاسم. المدير يموتني. بكرة والله."
حاول أسمر بعنف مرارًا إلا أن الرجل خاف وطلب منه أن ينتظر المدير. تنهد أسمر ورحل مرغمًا على أمل أن يعرف اسمها ومن تكون. ولماذا تهرب منه.
دخلت وجد. علي نديم يعطيه بعض الأوراق. قام هو وجلس على الأريكة وقذف الأوراق بعيدًا. قطبت جبينها.
"إيه يا عم؟ براحة. فيه إيه؟"
تنهد.
"تعبت يا وجد. عايز أطفش."
ضحكت.
"تطفش؟ تصدق وأنا والله هموت وأطفش من عيلتي. عيلة كلها غيلان."
رفع حاجبيه.
"محسساني إنك بلسم. دانت يتفلتك بلاد."
اقتربت وطرفت بعينيها ببراءة.
"أنا؟ أنا ملاك بجناحين يا عم. ويلا بقى كمل شغل. ورانا حاجات."
قال.
"لا بجد. اقعدي شوية. مخنوق."
اقتربت وجلست.
"مالك بس؟ ماتحكيلي. أنت مخبي جواك إيه يا نديم؟"
تنهد.
"ماينفعش يا وجد. فيه حاجات ما تتقالش."
قالت.
"تصدق ساعات بخاف منك لما بتبقى غامض كده."
تنهد.
"عارفة؟ أنا ساعات بخاف من نفسي. بس تخافي ليه؟ أنا عملت حاجة؟ أنا شايلك من عالأرض زي القطط والله."
سهمت قليلاً. فهو فعلًا يعاملها كالملوك. كيف ستعود ويخبرها أبوها على الزواج من أولاد عمومتها.
اقترب وفرقع أمامها.
"إيه سرحتي في إيه؟"
تنهد.
"أبويا يا نديم هيجوزني ولاد عمي."
انتفض وقال مندفعًا.
"والله ما هيحصل."
نظرت إليه وخفق قلبها.
فقال مرتبكًا.
"يعني يعني أنت حد حنين ولازم يعني تاخدي حد برضه يراعيكي وحنين."
ابتسمت.
"أجيب الحنين منين؟ ما فيش في حياتي حد حنين."
نظر إليها بغضب.
دخل أمجد وبدأ يشاكسها وهي تضحك.
مر وقت وهو صامت.
وما إن خرج حتى قالت.
"الواد أمجد ده حنين موت والله."
هب هو غاضبًا.
"يعني إيه؟ هو حنين وأنا إيه؟ بعض يا ست وجد."
قطبت جبينها.
"أنا قلت كده؟"
زفر بضيق وكبت نفسه.
"خلاص خلاص خلصنا، هاتي الزفت الشغل ونتش الأوراق."
وجلس يغلي من داخله.
ابتسمت هي واقتربت منه.
"وأخذت الورق."
وابتعدت.
قام غاضبًا.
"هاتي الزفت."
وضعته خلفها.
"لأ مش هجيب، افرد وشك الأول، ماتبقاش بومة، هخاصمك."
قال ومد يده.
"بقولك هاتي، أنا على آخري."
وظل يحاول أن يأخذ منها الأوراق وهي تتراجع وتضحك وتشاكسه.
إلى أن اصطدمت بأحد الكراسي واختل توازنها ووقعت.
فأسرع نديم وشدها إليه مسرعًا وبيده الأخرى حملها بالقرب منه من خصرها.
رفعت وجهها إليه وقلبها يدق بعنف.
سهم كل منهم في الآخر.
كانت تنظر لعيونه وكيف تنظر إليه.
كانت مشاعره تظهر بقوة وأنفاثه تلفح وجهها.
وهي يدها على صدره تحس بدقات قلبه تصرخ من داخلها.
كان قربها مهلكًا إليه.
نظر إلى شفتيها رغما عنه وسهم فيهم.
ابتلعت ريقها وتملصت منه بخجل ووجهها يشع حمارًا.
وأعطته الورق من سكات واستدارت بسرعة تخرج من الباب.
أما هو فكان في عالم آخر.
قربها يثيره بشكل كبير وبداخله أشياء يحاول أن يكبتها ولكنها تخرج عنوة.
سقط على الكرسي وركن برأسه يتذمر.
قربه من شفتيها أغمض عينيه وابتسم وتساءل كيف سيكون ملمس شفتيها.
سهم لوهلة.
إلا أنه انتفض.
"إيه يا نديم؟ انهبلت؟ عيب كده، أنت نسيت نفسك، ارجع لنفسك، ماتنجرفش، مش دنيتك خالص، كل وقت له حاجته وأنت وقتك لعيلة أبو الدهب وبس."
عند شجن كانت قد اعتادت أن تكلم براء كل يوم وتنام على صوته.
كان يبثها حنانه ويتوغل بداخلها بهدوء.
كان بارعًا في قربه لتتعلق به كصديق أو أكثر ولكنها لا تعلم ما بداخلها.
اتصلت به يومًا ليرد عليها سعيدًا.
"إيه ده؟ الجمر بيرن عليا مرة واحدة."
ضحكت.
"شوف بقى، أهو راضية عنك يا بروئتي."
ضحك بقوة.
"بروئتك؟ ده أنا هيبتي راحت خالص."
ضحكت.
"مش عليا يا بابا."
لتتنهد وتكمل.
"على فكرة يعني احتمال مش عارف، احتمال أسافر عندكوا."
قال سعيدًا.
"والنبي إيه؟ إزاي طيب؟"
تنهدت.
"أختي بتشتغل عندكوا وأنا عايزة أجيلها، أصل أخويا صعب وأنا مش عارفة أتفاهم معاه."
ابتسم.
"فرحتيني، نفسي أشوفك بجد."
تنهدت وقالت.
"أما أختي تيجي أقدر أتصرف براحتي، أخويا مبهدلني يا عم."
هتف.
"طب ما تيجي أشوفك، كلها طيارة ساعة أبقى عندك."
ضحكت.
"لأ يا عم، بطل هبل، ليه يعني؟"
قال بهيام.
"نفسي أشوفك."
رجف قلبها.
"تشوفني بجد يا براء؟ عايز تشوفني؟"
قال بمرح.
"آه، حتى بصي من الشباك كده."
لتشهق وتقفز تنظر من الشباك.
وجدته يقف.
صرخت.
"أنت تحت بجد؟"
ضحك.
"لأ دا خيالي، انزلي."
قالت بخوف.
"أنزل إيه يا مجنون؟"
قال مشاكسًا.
"انزلي وإلا هطلع."
صرخت.
"يا مصيبتي، بطل، طيب طيب."
لتتنهد وتقفل وتتصل بأخيها تخبره أنها ذاهبة لصديقتها ليخبرها ألا تتأخر.
نزلت مسرعة تمشي بعيدًا لتركب معه.
اندفع مسرعًا.
"براء، براحة، فيه إيه؟"
بعد فترة نزل بها لمكان بعيد جانبًا وشدها إليه لتشهق وتحاول أن تبتعد.
قال بلهفة وشوق.
"بس بس، وحشتيني، وحشتيني."
ابتعدت بخجل.
"براء، بطل، إحنا أصحاب."
ضحك وقرص خدها.
"والنبي إيه يا شيخة؟"
همست بخجل.
"إيه؟ مش أصحاب؟"
نظر إليها بهيام، غمز لها.
"أحلى أصحاب، وبعد الصحاب حاجات وحاجات."
أشاحت بوجهها بخجل.
"حاجات إيه؟ أنت بطل."
مسك يدها وضعها على سلسلته تلمس القلب.
قطبت جبينها ليخرجه.
نظرت إليه.
"إيه ده؟ أنت كسرت الخاتم؟"
قبله وهتف.
"لأ، سيبت الجلب بس، ماهو لازم يتضبط على قلبي."
خجلت واحنت رأسها.
"إيه؟ ما وحشتكيش؟ اياكي تكدبي."
لتهمس.
"لأ، مش هكدب."
اقترب.
"يعني وحشتك؟"
هزت رأسها.
ابتسمت بخجل.
رفع وجهها.
"ما تجوليهالي تنستري؟"
همست.
"أقول إيه؟"
قبل يدها.
"جولي وحشتيني يا براء."
همست بلين.
"بطل بقى، بتكسف."
ضحك.
"أمال أنا إيه؟ وشي مكشوف؟ اياك، ده أنت وحشتيني لما كنت هموت."
أسرعت تقول.
"عرفت مكاني إزاي؟"
ابتسم وقال.
"من التليفون، جبت العنوان يا جمري."
همست بخجل.
"ليه يعني؟ ما إحنا كنا هنكمل كلام وخلاص."
ضحك.
"أنت يا بنتي عبيطة؟ مين اللي هيكمل كلام؟ لأ دا بدايه حاجات، جاي حاجات تانيه."
ضحكت وخبطته.
"حاجات إيه؟"
أطلق ضحكة عالية.
"لاه، لو جولتلك هتسورجي مني."
قطبت جبينها.
"أسورق ليه يعني؟"
غمز لها.
"دا براء، هي هيص، بس اصبري."
خبطته.
"أنت هتهيص؟ اخص عليك! لأ يا عم، أنا شقيه وبحب أهيص أنا كمان، أنا مكتومة يا عم، ههيص معاك."
انطلق ضاحكًا.
فضربته بقوة.
"أنت بتضحك على إيه؟"
براء.
"أنت مسخرة، أنت متربية فين؟ أنت مابتتعرفيش حاجة خالص."
قطبت جبينها.
"إيه؟ متربية فين دي؟"
ضحك.
"بتفكريني بالبنات عندنا في الصعيد، ولو إن فيه بنات وشها مكشوف."
قالت ببراءة.
"طب ما أنا وشي مكشوف."
ضحك.
"يا بنتي بقى."
تنهد وقبل يدها.
"أنت طيبة جوي يا شجن، واسمك حلو جوي وجميلة جوي."
خجلت منه.
"وأنت كمان طيب قوي واسمك حلو قوي."
داعب يدها.
"وجميل برضك، كملي."
قالت مشاكسة.
"يا سلام يا أخويا، عادي يعني."
ضحك.
"يا بت، ده أنا جمر براء اللي مفيش منه، مفيش اتنين مني."
شجن.
"أنت مغرور."
لتخرج لسانها.
"وأنا مابحبش المغرورين."
مسك يدها.
"وباجي عندك أبقى غلبان والله. عارفة يا شجن، إحنا عيلة جاحدة، أقسم بالله، مافيش إلا البت وجد الهبلة. كلنا خناشير بيت، تحسيه ما فيهوش حنية. بيت ناشف وتلاقي كل واحد فينا حلوق في نفسه أكده. عندك أسمر أخويا، يا ساتر، أنا واعر وجامد صحيح، بس أسمر جاحد. حجر طالع لعمي، بس عمي جابر فيه حتة شر أكده."
لتهتف شجن.
"إيه ده؟ أنتو أشرار يا براء؟"
ضحك.
"لأ والله، داني طيب خالص ولين وحنين."
همست بحنان.
"أوعى تبقى شرير يا براء، أزعل منك."
مسك يدها.
"ما أقدرش يوم تزعلي مني."
شجن.
"ولو زعلتني بقى يا أخويا وخصمتك."
ضحك.
"يا ختااااي، هتلاقيني غتيت وراكب فوق نفسك لما تتصالحي. أنا مابسبش اللي يخصني."
ضحكت.
"لأ اطمن، أنا هبلة وبتصالح بسرعة، ماعنديش كرامة باين."
ضحك.
"هو الجلب الطيب يتجال عليه أكده."
تنهدت.
"قلب أبيض بس ملوش بخت وموجوع. موجوع ووحيد."
لمس يدها بحنان.
"وأنا فين من هنا ورايح؟ الجمر مش لوحده."
خجلت.
فأكمل.
"يلا بقى عشان عامل لك يوم ملوكي."
استدار واندفع بالعربة أخذها وذهبا يقضيا اليوم معًا.
كانت مهره تجلس مع أسمر يتناقشان.
دخل معتصم.
"إزي جدك يا أسمر؟ طمنا يابني."
لتتجمد مهره ويخفق قلبها.
تنهد أسمر.
"مافيش، وجع فجأة أكده ونجلناه المستشفى، وكلها يومين ونرجعه البيت."
قالت مهره مندفعة.
"مستشفى؟ مستشفى ليه؟ ألف سلامة."
ليخبرها أسمر بما حدث واستدار ينخرط يتكلم مع معتصم.
لتسهم هي وتتذكر أباها.
"مهره جدك يا مهره، اياكي تخلي نديم يأذيه يا بتي. جدك جواه خير، إني مسامح."
لتهب هي مرة واحدة وتقول.
"أنا أنا ماشية."
نظر إليها أسمر باستغراب.
"خير؟ فيه حاجة؟"
قالت مسرعة.
"هاه، لأ، أصل ورايا مشوار."
لتقوم وتنصرف وتتجه مسرعة إلى المستشفى تسأل على الجد.
علمت أنه في العناية.
رجف قلبها.
لتتجه إلى أحد الممرضين وتدفع له مالًا كي تدخل بعد أن لبست لبسًا يشبه الممرضات.
دخلت على جدها.
رجف قلبها.
كان مسجى على الفراش لا حول له ولا قوة.
اقتربت دامعة لتمسك يده.
لتحس بداخلها يأكلها خوفًا عليه.
دمعت عيونها.
كانت تلبس كمامة وتغطي شعرها ودموعها تنزل بقهر.
ظلت تملس على يده.
مسكت يده تقبلها.
لتتصدم عندما...
رواية عودة الذئاب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ميفو السلطان
دخلت مهره علي جدها ترتدي زي الممرضات وتخفي وجهها. اقتربت من الفراش ووقفت تتامل جدها وقلبها يدق بعنف. همست بوجع: "جدي.."
اقتربت اكثر ومسكت يده بحنان. كانت تتلمس يده ودموعها تتساقط بعنف. كانت تتمني ان يكون لها عزوه، أحدا يسند ضهرها يحميهم. رغم ان أخيها قوي ولا يقربه احد، الا انه مع نفسه يعيش في دائره لا يفكر الا بها. انغمس بها ولا يخرج منها وتناسي دنيا البشر وتناسي ان له اخوه يحتاجون حنان الاب والعائله. فمهره رغم قوتها وجمودها الا انها من داخله تشتاق للمسه حنان.
مسكت يده لتشعر بحنين غير عادي. اقتربت وقبلت يده وابتعدت. همت ان تترك يده لتشهق عندما مسك جدها يدها بقوه.
ارتجفت عندما سمعته يقول بلين: "بتبكي ليه يا بتي."
ابتلعت ريقها: "هاه.. لا ابدا.. ابدا حمدالله عالسلامة يا حج انت كويس."
ابتسم وونظر اليها بعمق يتاملها: "بخير يا بتي لمسه يدك خلتني بخير."
لمست يده بحنان: "ان شاء الله تخرج وتبقي كويس. الدكاتره قالو انك هتبقي كويس. انا.. انا ممرضه هنا علي فكره."
ابتسم: "صوح انت ممرضه اهنه. اني جيت اهنه كتير ماشفتكيش.. بس شكلك حنينه.. طب ينفع تاجي تراعيني في بيتي يا بتي."
تنهدت: ".. هشوف حاضر. انت بس ماتتعبش نفسك ولا تزعلش."
شدد علي يدها: "مازعلش.. عارفه يا بتي اني عايش الجهر كله. بجني ثمار دنيتي السوده وعفاشتي." ضغط علي يدها: "يا ريتني مت جبل ما اجلبها خراب."
همست بوجع: "بعد الشر.. طب بالراحه علي روحك."
هتف بحزن: "روحي.. الروح وصلت لاخرها.. روحي موجوعه علي جلوب اتعبت غل بسببي. جلوب جايه تاخد حجها من جلوب تانيه مالهاش ذنب يا بتي."
توترت وقالت: "انت.. انت بتقول ايه."
تنهد وقال: "انت شكلك حنينه. اوعي يا بتي في يوم تمشي في نسل الخراب اوعي يا بتي. الخير موجود بس نفتكره ونسامح يا بتي."
همست: "اسامح ايه.. انا مش فاهمه حاجه."
مسك يدها يتلمسها بحنان: "ايه اللي في يدك ده."
احنت راسها وقالت بنبره تصرخ من الوجع: ".. هاه.. لا دا حرق من زمان."
شدد علي يدها اغمض عينه لفتره ثم همس مسيطرا علي نفسه: "ووجعك يا بتي صوح."
تجمعت الدموع بعيونها واحنت راسها وقالت: ".. ايوه يا حاج. وجعني قوي."
صمت لبرهه وظل يملس علي حرقها سقطت دموعها فقال: "حجك عليا يا بتي من اللي وجعك لو اطول امسح الوجع ده."
تنهدت ومسحت دموعها: "خلاص يا حج دا ليه عمر وراح لحاله."
مسك يدها في كفي يديه: "لو كان راح لحاله ما كانت الدموع نزلت انهار اكده.. بس عارفه يا بتي.. الوجع لما بيجيله الحب بيخففه. الوجع لو دخله حد يداويه هيخفف. الوجع لو جالك اللي وجعك وحط يده علي يدك يملس عليها هيخففه. جلبك لو دج هيمحي كل الوجع يا بتي."
همست: "..قلبي يدق.. مش لما يكون فيه قلب من اساسه يا حاج."
تنهد: "فيه جلب وفوج الحلب جلوب.. دا لمست حنانك معديه يا بتي اني راجل كبير وعارف بالدواخل.. عارفه تلاحيكي من جواتك متمنيه الحنيه صوح."
احنت راسها تنهد: "وهياجي اللي يغرجك حنيه ويداوي الحرج ده."
تنهدت: "العلامه دي مابتروحش يا حج."
مد يده ولمس قلبها: "انا جصدي الحرج اللي اهنه يا بتي.. وبعدين جوليلي يا جدي الناس اهنه بتجولي يا جدي."
تلبكت وصمتت فقال: "ايه مش عايزه مانفعش اكون جدك."
اندفعت تقول: "لا والله ابدا." ابتسم: "طب ليه هتجولي ايه."
تنهدت: "حاضر يا.. يا جدي.."
شدد علي يدها: "هيروح يا بتي هيروح اثرها وابقي جولي جدك جال بس وهيا بتروح افتحي جلبك للنور."
تنهدت: "طب ممكن بقه امشي عايز حاجه."
قال بلهفه: "طب هتاجي تاني."
لم تعلم ماذا تقول: "ربنا يسهل هحاول.." اقتربت تقبل راسه وترحل همس لها: "عيونك حلوه يا بتي بتفكرني بولدي."
تجمدت مكانها فهمس: "كان ليا ولد حنين كيفك اكده. بس اجول ايه الله يسامح اللي عمل فينا اكده ويسامحني."
نظرت اليه بوجع: "فقال.. ادعيلي يا بتي يسامحني ادعيلي."
مسدت علي يديه: "الله يسامحك يا جدي ويهديلك الحال.." ثم استدارت ورحلت.
نظر في اثرها هز راسه بوجع: "فيكي امل يا بتي تتعالجي. الخوف من اللي مالوش علاج. يا رب هون يا رب إني تبت يا رب اهديلي العاصي."
دخلت وجد علي نديم: "قوم يلا أمجد عازمنا علي فرح."
قطب جبينه: "نعم ياختي فرح ايه."
قالت بتذمر: ".. قوم يا نديم عشان خاطري مش بتزهق من الشغل."
تنهد: "يا بنتي ماليش في الحاجات دي انت عقلك خف."
لوت فمها تنظر اليه بخبث: "خلاص ماشي خليك قاعد هروح اهيص مع أمجد." لتستدير وتتجه للباب.
هب مشتعلا مره واحده اتجه بسرعه البرق الي الباب ومسكها: "راحه فين انت.. انت هبله أمجد مين اللي تروحي معاه لوحدك."
تنهدت وقالت ببراءه: "ايه المشكله مانا بروح معاك لوحدي ماتخافش امجد محترم."
قال بنبره غاضبه: ".. بقولك ايه ماتعصبنيش وترجعي تقولي بتنرفز."
رفعت يدها تلعب في بدلته: ".... طب وبتتعصب ليه طيب."
نظر اليها بحب: ".. يعني مش عارفه."
احنت راسها تهمس: "..لا أعرف منين."
رفع وجهها: "امال بتحمري ليه طيب."
همست بلين يذيب الحجر: "نديم.."
هز راسه بياس: "يا بنتي بقه بتقولي من هنا وماببقاش نديم خالص."
همست: "ليه يعني.. دا انت نديم الاسطوره."
ضحك: "وباجي قدامك وابقي اسطورة مطيوره. انت بتقلبيني."
ضحكت: "والله انت عسليه ساعات بحس انك ملبوس. ساعه عضاض وساعه حنين وعسليات."
ابتسم واستدار وخلع جاكت بدلته وجلس بأريحية: "ليه يعني.."
قطبت جبينها: ".. ليه يعني طب استني..اقتربت من الحاكت ولبسته الجاكت ووقفت أمامه وهو ينظر اليها بغرابه..
اردفت تقول: "ايه ده لا لسه.. ذهبت الي احد الكراسي وصعدت فوقها."
رفع حاجبيه: "بتعملي ايه يا هبله."
قالت بمرح: "استني بس هبهرك.. مسك التليفون وجعلت صوتها خشننا.. ايوه انا نديم..بتقول ايه.. لا ماحدش اد نديم الاسطوره انا همحيه من علي وش الارض. انا نديم الديب اللي ماحدش بيقدر عليه." كانت تتكلم وتشير بيديها في حركات تمثيليه.
ضحك ونظر اليها: "بقي انا بتكلم كده."
قالت: "يا عم انت مابتشوفش نفسك بتبقي غراب لما بتزعق فامر يوم تسلم مشروع البني ياختاااي دانت حنجرتك تعبتلك يا عم انا والواد الحزين كنا بنترعش ومكلبشين في بعض."
نظر اليها بغضب: "كلبشك عفريت ياختي.."
تنهدت: "طب خلاص اسكت اسكت وهمت ان تنزل لتتعثر في النزول وتسقط.. هب مقتربا الا انها سقطت عليه مد يده حملها بسرعه فصرخت."
قربها منه كانت صغيره بالنسبه اليه ابتسم: "زي الكتكوت اقسم بالله."
قالت بتذمر: "بطل بطل انت اللي غضنفر نزلني اوعي."
ابتسم: "لا مش انا ملبوس اهوه شوفي بقه الملبوس هيعمل ايه."
همست: "نديم بطل نزلني."
ضحك ودار بها: "طب اتحايلي عليا شويه."
همست بخجل من قربه: "عشان خاطر وجد."
تنهد وهمس: "طب بس بشرط.. ماتروحيش لوحدك مع زفت.." لتهز راسها.. ابتسم وانزلها لتقف بخجل تحني راسها تتساقط خصلات شعرها علي وجهها.. كانت جميله ورقيقه مبهجه شد بدلته منها.. كتكوت غرقانه في البدله. دانت شبر اخاف اتكعبل فيكي."
نظرت اليه بغضب: "ت ت ايه تتكعبل.. يا عم دا المطلوب البت الصغيره دي ما بتتلاقاش اسمع مني."
ضحك: "بيقولك احذرر من كل ماقترب من الارض.. مطلوبه فين اعرف في الخانكه."
نظرت اليه بغضب: "تصدق مش هرد عليك الواد امجد بيقول حاجات تفرحني انت بومه."
اقترب غاضبا ومسك يدها: "بيقولك ايه سي زفت وتفرحي ليه مالك بيه."
شدت يدها: "اوعي الله مش بتقول شبر.. هو بيقول البت القصيره الرجاله العرسان بتدور عليها. اقتربت.. اقвото يجبلي عريس ينجدني من اهلي."
مد يده ومسك رقبتها من الخلف وقرص عليها فصرخت: "عرسه لما تقطع وشه. اتلمي هاه انا مابحبش كده."
رفعت يدها مهادنه: "اهدي يا كبير انا بهزر.. عيله عيب عليك.." تركها وزفر بضيق وقفت تتامله تنهدت وقالت:
".. انت يا نديم ابوك كان ديناصور اكيد وجدك الطائر المجنح."
تجمد مكانه فهو لا يحب تلك السيره اقتربت تكمل وهيا تشاكسه: "قولي كان طول ايه. أطول منك والا اقصر ومامتك اكيد برضه.. بس الطول جين بيتاخد من الجد الأصل يا واد. زمانك بتحب جدك قوي يا نديم عشان طلعك طول ضلفه الباب."
اندفع بغضب: "انت بتلكي كتير ليه.. فاضيين احنا.. ماخلصنا ويلا شوفي شغلك."
بهتت من تحوله نظرت اليه غاضبه اقتربت وخبطته: "انت بتزعق لبه تاني مش قولت هتبطل. مش قولت هنتصاحب ومش هتزعق.. ايه مابتقدرش حنجرتك بتاكلك لازم تزعق عملت ايه تزعقلي.. عيل بومه انا مخصماك وماعتش هكلمك ماشي وماعتش مصالحه بينا خلاص.." لتستدير غاضبه لتعود وتخلع البدله وتحدفها عليه ليستعجب من غضبها..
اقترب ومسكها: "استني راحه فين وسيباني."
خبطته: "مالكش دعوه بيا ماشي قولتلك مخصماك يا نديم عشان تبقي تزعقلي كويس هاه وهروح الفرح وههيص مع امجد.. هو ايه عيل بومه كل شويه تعض فيا وانا اللي عاملاك رفيق الدرب اوعي."
لتستدير و لكنه عادت: ".. ماتجيش ورايا هزعلك ماشي لتستدير وترزع الباب غاضبه."
وقف بغلب يتعجب من تحول الامور بينهم في لحظات بسبب تهوره: "انت حلوف البت زعلت.. انت يا زفت مابتتحملش زعلها. يا رب بقه انت ايه اللي دخلك في القصص دي مابتعرفش انت بهيم ماتربيتش اهي قلبت عيالي وخاصمتني. طب ايه هتروح مع الواد الزفت فرح اروح اصالحها يعني."
تنهد: "ماتتنيل تهمد بقه انت هيبتك بقت في الارض هتقلب عيل وتمشي وراها.. خلاص كلمتين زفت واتقالو." ظل جالسا يتحكم في نفسه حتي لا يذهب ويكرر اعتذاره وهو لا يعتذر لاحد..
مر الوقت لتدخل عليه غاضبه وفي يدها لفه اخرجت منها تضع بعض السندوتشات.. رفع حاجبيه يتاملها كانت ترزع في الأشياء أمامه نظرت اليه بغضب: "ايه بتبصلي ليه ماتبصش احنا متخاصمين."
ابتسم: "طب ولما احنا متخاصمين جايبالي اكل ليه."
قالت بتذمر: "انا مش جايباليك احنا جايبين للمكتب وانت فرد من المكتب وماينفعش فرد ياكل وفرد ماياكلش ويلا كل من سكات فاهم واخش الاقيك مخلص الاكل. ماعرفش انت عايش علي ايه محنح بتتعايش علي نكد الآخرين." واقتربت ومسكت يده ووضعت اللامل بعنف واستدارت وهيا تبرطم في نفسها وخرحت ورزعت الباب.
اطلق ضحكه عاليه: "والله مجنونه.. محنونه بس قمر.." تنهد وظل مبتسما لفتره. قام ومسك بدلته يلبسها شم رائحتها.. ضغط عليها كانه يحتضنها.. "بيك ايه انت."
البت بتدوب أي غضب جواك. تنهد وجلس يفكر، وهناك علامات استفهام بداخله لا يعلمها أو لا يريد أن يفسرها.
عند مهره، كانت قد استعادت هيئتها وشكلها الدائم. مرت أيام وهي لا تخرج إلا بشعرها. أتى ميعاد مقابلتها مع أسمر. دخلت عليه تقابله.
"كنت عايزة أناقشك في حاجة."
رفع حاجبيه مبتسمًا. "مهره هانم جاية لحدي مرة واحدة، ده يوم الهنا. طب ليه ما كنت بس تناديلي؟" ليقوم ويقترب منها أكثر لترتبك. نزل بالقرب من وجهها وغمز لها. "كنت جيت على طول."
نظرت إليه ببلاهة واتساع عين وابتسامة ساحرة تراها على وجهه. "هاه.. آه.. لا.. ما أنا جيت أهو، اتفضل."
أشار إلى الكنبة، ذهبت تجلس. اقترب وجلس بقربها. فتح الألبوم وهو ينظر إليها. انحنى فجأة على جانب وجهها يهمس بالقرب منها.
"على فكرة البرفان بتاعك يجنن.. بيسحر ويدوب الحجر."
لتستدير وتنظر إليه. كان كلامه فيها نبرة حانية لم تعتدها. سهمت في نظراته لتنتفض. "هاه.. هو.. هو فيه إيه؟"
اقترب أكثر ونظر لشفتيها نظرة جعلتها تحمر وقلبها يدق. همس بلين. "عاجبني."
همست ببلاهة. "هو إيه؟"
ابتسم واقترب أكثر. "ريحتك تجنن."
قطبت جبينها فقالت مسرعة، وبدأت تفرك يدها من توترها. "إيه إيه بتقول إيه؟"
ضحك. "البرفان.. ما تحمريش كده."
كانت تفرك في يدها لتقوم مبتعدة. "من فضلك، أنا مابحبش حد يعلّق على حاجتي الشخصية."
اقترب مرة أخرى. أحست بخوف من قربه وتغيره. نظر إليها نظرات احمرت هي بشدة. ابتسم وقال. "لا، أنا البرفان عايز منه عشان عاجبني، أديه هدية لواحدة."
قطبت جبينها لبرهة. أحست بتصاعد غضبها. قالت بنبرة حادة. "واحدة.. واحدة إيه دي؟"
ضحك واقترب من عيونها يتأملهم. "واحدة جمر بعيون جمر، وهي كلها جمر."
ابتلعت ريقها. "إيه.. أنت.. أنت ما حدش قالي إنك خاطب يعني."
تنهد. "لا، ناوي.. يعني قريب. إحنا الصعايدة زيتنا في دقيقنا."
أحست بألم في قلبها. "زيتكم في دقيقكم يعني إيه؟ أنت هتتجوز صعيدية؟"
غمز لها. " عندك غيرها؟"
نظرت إليه بغضب. "أنا.. أنا مالي بيك، عندي ولا ما عنديش، الله."
ضحك. "طب بالراحة طيب، إيه الهبة دي؟"
أكملت بغضب. "مالي أنا، شالها أكلها ولا يولعوا، أنا هنا في شغل."
هتف ببرود. "ومالك هبيتي كده؟ مهره التجيله هبت نار والعة ليه؟ حقه."
نظرت إليه غاضبة تتدارك نفسها. "نعم نعم.. هيا مين يا بتاع إنت؟ ما تتجوز ولا تتنيل، أنا مالي." لتقوم وتلم أشياءها بغضب.
ابتسم وقال ببرود. "طب سيباني ورايحة فين طيب؟"
صرخت. "رايحة في داهية!" أوى لتدفعه وتذهب.
انطلق ضاحكًا. "جمر يا بت الايه، بس علي مين.. كله هيبان.. مسيرك يا ملوخية تيجي تحت المخرطة."
دخل عليه صديقه فقال. "جهزت الأوراق."
هتف صديقه. "أيوه يا أسمر، أنت ناوي على إيه؟ أنت انهبلت؟ إيه اللي هتعمله ده؟"
ضحك أسمر. "ناوي على كل خير، مش أنا اللي أسيب حالي يرمح بعيد عني يا غالي، مش أسمر اللي يتعمل فيه كده ويسكت. كله هيبان، بس هيبان بطريقتي." مد يده وأخذ الأوراق.
ليستدير ويذهب إلى مهره.
كانت تقف تأكل روحها. "هيتجوز صعيدية؟ آه أعرفهم كده.. بيتحوزوا من بعض من عمومتهم.. آه من عمومتهم.. البت لابن عمها." مدت يدها لقلبها تضغط عليه تحاول أن تقلل وجعها. "أنا مالي، أنا روحي ما يتجوز ولا يولع، أنا مالي أهلي أنا، إيه اللي يخصني." ظل تأكل أصابعها.
دخل عليها وابتسم. اقترب بهدوء وهي في عالم آخر.
اقترب من خلفها وهمس ملامسًا أذنها. "الجمر بياكل حاله ليه؟ حد مزعلك؟"
لتنتفض. "إيه؟ أنت جيت امتى؟"
ضحك. "من ساعة ما خلصتي على يدك وكل.. مين مزعل الجمر؟"
نظرت لأصابعها ووضعتهم بجوارها مسرعة وقالت غاضبة. "مزعلني مين؟ مزعلني ما حدش يقدر يزعلني."
اقترب وهتف. "يعني يكون جلبك زعلان من حد مثلا؟ على حد مثلا؟ نفسه يبقى مكان حد مثلا؟"
ابتلعت ريقها. "إيه كلامك ده؟ أنت بتهبد، بتقول إيه؟"
تنهد وقال بنعومة. "يعني بريح جلبك." ظل يتأملها إلى أن قال. "آه، على فكرة فيه حبة أوراق بخصوص التصميمات، تمضي عليهم."
اقتربت منه مرتبكة. "مافيش مشكلة، سيبهم وأنا أمضيهم."
اقترب يلتصق بها لتشتعل من قربه. "لاه، ماهو عشان ما فيش وقت، عايزك."
نظرت إليه ببلاهة، كان ينظر إليها برغبة. أكمل مبتسمًا. "عايزك تمضي، وإلا إيه؟"
لتنحني تمضي مسرعة وهو يغير الورق. اقترب منها ليهمس بهيام. "البرفان، ياخد العجل وربنا، حاجة تتوه، ما أعرفش أشتغل كده."
لتشتعل وتسرع في الإمضاء دون أن تنظر فيه وتعطيه إليه وتبتعد.
ابتسم ونظر إليها يتأملها بسعادة. فقالت بريبة. "أنت بتبص على إيه؟ هتصورني؟"
ضحك. "يا ريت مهره عمران تتصور في أي وضع.. والأوضاع كتير، بس نتصور."
نظرت إليه ساخرة تعيد نفسها إليها. "مش دي الحرمة اللي ما كنتش عاجبه.. الدكر."
اقترب وغمز لها. "هيا عاجبه ومش عاجبه."
نظرت إليه لا تفهم، فقال. "الجوهر لما بيبان على أصوله، ينزاح جدامه أي حاجة.. وأنت الجوهر، جوهره."
نظرت إليه باستغراب. "أنت عقلك فيه حاجة؟ إيه كلامك ده؟ دانت كنت بتعض فيا."
كوى الأوراق وقال ضاحكًا. "لا، مانا عجلت خلاص، كنت غلطان يا مهره هانم. مد يده إليها. "من الأول أهو.. أسمر أبو الدهب تحت أمرك، من يدك دي ليدك دي."
نظرت إلى يديه الممدودة برهبة. فقال. "إيه؟ مارضيش؟ هتتكبري علينا أيام؟"
تنهدت ومدت يدها. "أبدا، عمري ما بعرف أتكبر."
مسك يدها ورفعها لتنتفض عندها. رفعها لشفاهه يلثمها بلين. خفق قلبها. رفع عيونه وابتسم لتأثيره الواضح عليها. شدت يدها مسرعة.
قال مبتسمًا. "إيه رأيك.. أعزمك على فرح عندنا؟ الأفراح إيه تخبل وهتبسطي."
لتتنهد. "فرح فين ده؟"
قال بسعادة. "في البر التاني، حاجة هتعجبك جوي."
نظرت إليه برهبة. كانت تريد أن ترافقه بشدة، فهي تفتقد كلامه معه، فمر أكثر من أسبوع على آخر مرة تقابلا. فقال مسرعًا. "ده عربون صلح، هترفض؟ والله هتبسطي نار، وهيه وعرس على تقاليدنا. ويا سلام لو لبستي صعيدي، هتفرحي جوي."
تنهدت. "طب طب ماشي.. بس ما عنديش لبس كده."
قال مسرعًا. "مالكيش صالح، إني هتصرف." لتتنهد. "يلا عشان ما نتأخرش." أيتدار واتجه للباب وفتحه ينتظرها. نظرت إليه وتنهدت وخطت من أمامه. فنزل بالقرب منها فارتبكت وأسرعت. هز رأسه ضاحكًا ونزل وراءها. ركبا العربة وذهب بها إلى مكان الفرح. اقترب من إحدى النساء يحدثها.
فابتسمت واتجهت تقترب هي من مهره. "تعالي يا بتي." نظرت إليه ليشير إليها أن تذهب معها. أخذتها السيدة ولبستها عباية صعيدي، ووضعت على رأسها الإسدال الصعيدي، وأخذتها ناحية الفتيات لتنخرط مهره معهم بعفوية. كانوا يضحكون ويشاكسونها لتعود روح الأنثى إليها. ظهرت عفويتها بقوة. كانت تضحك من قلبها وتفعل ما يفعلونه. وهو يراقبها من بعيد.
اقترب منها. "شكلك حلو جوي، بس الزيادة بس إنك تشيلي المكياج ده."
لترتعب. "إيه؟ أشيل المكياج؟ لا طبعًا، أنا أنا."
ابتسم. "ليه بتحطي كتير كده؟ أنت حلوة من غير أي حاجة."
تنهدت هيا. "دي حاجة خاصة، لو سمحت."
ابتسم وقال. "عارفة، فيكي شبه من حد أعرفه."
ارتعبت. "إيه؟ إيه؟"
ابتسم وقال بنبرة حزينة. "واحدة تاخد العجل، بس بس."
تنهدت بلين وقالت. "بس إيه؟"
أحنى رأسه. "راحت لحالها. ماليش حظ."
ارتبكت. "حظ؟ حظ إيه؟ مش فاهمة."
رفع وجهه. "كنت هاخدها ليا، أول واحدة تخطف قلبي من جمالها."
همست بلين. "بجد خطفت قلبك؟"
اقترب أكثر وهمس. "عالاخر، يا ريتها تعود، وأحطها بعيوني."
نظرت إليه ولانت ملامحها وهو يمسد عليها.
ابتلعت ريقها ونظرت إليه باستهجان. "مش هتخطب؟"
ضحك هو. "يا ستي، أنت بتجلبي ليه كده؟"
استدارت. "مافيش مافيش، أنا أنا."
قال مبتسمًا. "طب خلاص، تعالي نفرحوا بدل النكد ده."
شدها وذهب إلى التجمع. وبدأ الناس بالصياح والرقص والرجال بالتحطيب. اقترب أحد من أسمر يخبطه بالعصا على كتفه، ليتجه إليه أسمر ويبدأ في الحطابة. كان أسمر قويًا، فارع الطول، عضلاته بارزة. كانت أول مرة تراه بالجلباب والعمامة. وقفت تتأمله. لأول مرة كان رجلًا، فذ الرجولة. لتسهم فيه ويرجف قلبها. كان أمامها لا تحيد عنه، لتسهم فيه وتبتسم بلا وعي، تشعر بسعادة من مراقبته. انتهى. وقفت تصفق بسعادة.
نظر إليها وإلى تغيرها. تنهد وذهب يمسك يدها. "تعالي نتمشى، الجو سحر."
همست بخجل. "هنسيب الناس يعني؟ لا ماينفعش." لتهتف. "على فكرة، أنت شاطر قوي."
تنهد. "أخيرًا عجبتك في حاجة."
لتندفع. "لا والله كتير فيه." لترتبك وتستدير وتقوم ترقص مع الفتيات.
لتأتي إحدى الفتيات وتغميها وبدأت تسير بها بعيدًا. أخذته السيدة إلى مكان أسمر خلف الصخور كما أمرها. لتهمس في أذنها. "أنت لحالك، اعملي ما بدالك. مغمية وعيشي يا بتي جواكي."
هنا أحست مهره أنها عادت طفلة قبل سنين، قبل تحولها إلى تلك الجاحدة. وقفت تضع يدها على قلبها بسعادة. استنشقت الهواء، كان له رائحة مميزة. بدأت تدور وتدور بسعادة. كانت لا تريد أن تزيح الغمامة. أحست أنها في عالم بمفردها.
كانت تقفز وتدور بسعادة. وأصوات الرقص والموسيقى تأتي من بعيد.
بدأت تغني بسعادة. "أنا صعيدي وأبويا صعيدي، وعمي وخالي وجدي صعيدي.. إحنا صعايدة، جلولنا حديد، وهوانا للشوق بيزيد. ليه الحلو معايا عنيد، وتملي بيخلف مواعيدي. وحشني يا أبويا بجاله زمان.. يا ريته يا أبويا يظهر ويبان. لا بيرحم جلبي الولهان، ولا راضي يجينا النواحيدي. وأنا صعيدي وأبويا صعيدييييي."
"كان بيحول مش راح ينساني، يكونش لجاله حبيب تاني. آه يا أبويا لوشفته جاني، بلدياتي وأصله صعيدي."
كانت تغني بصوت صعيدي يأخذ القلب. وأسمر يقف مبهوتًا من لهجتها وجمالها. أحس بخفقات قلبه. اقترب مرة واحدة. كانت تدور وتدور وتغني، لتستقر أخيرًا في أحضان ذلك الأسمر الصعيدي. رفع يده يحاوطها بقوة، لتشهق وتزيل الغمامة وتنظر إليه وصدرها يعلو ويهبط بعنف.
لتبتعد مرة واحدة. كان يبتسم يتفحصها بقوة. وهنا اقترب منها قائلًا. "صوتك ياخد العجل."
كان قلبها يدق طبولًا. نظرت إليه قائلة. "أنت.. أنت هنا من امتى؟"
ضحك. "من أول أنا صعيدي وأبويا صعيدي." نظر إليها نظرة أخجلتها واقترب وقال. "لحد يا ريته يا أبويا يظهر ويبان."
لتبتلع ريقها. "هاه؟ إيه؟ ما كنتش أعرف إنك واقف، كنت سكت." ثم استدارت ترحل مسرعة.
اندفع يشدها. "ممكن نقعد شوية عند النار هناك؟"
نظرت إليه لتجده ينظر إليها نظرة رجاء. تنهدت وذهبت معه. جلست هيا لتركن على الوسائد تنظر إلى السماء. سهمت هيا لفترة. كانت تبتسم بحالمية. فوجودها في ذلك المكان ورغبتها أن تكون أنثى رغما عن صلابتها أدخلها في حالة غريبة.
كان يتأملها وهي تبتسم. فاقترب بهدوء.
"بتفكري في إيه؟"
اتسعت ابتسامتها قائلة:
"بفكر في أساطير السما اللي دايماً بسمعها."
نظر إليها مطولاً، ابتسم وقال:
"عارفة يا مهره، عارفة زمان فيه أسطورة بتجول الأرض والسما كانوا حبيبين وقعوا في خطيئة البعد، ومن ساعتها السما بتتزين للأرض بنجومها عشان يرجعوا لبعض، وأحياناً تبكي وأحياناً تشع حرارة من رغبتها لقرب حبيبها."
"هو أكده الحبيبة تعمل أي حاجة. أو الحبيب دا لما تكون الحبيبة عايزة قرب الحبيب."
سهمت هيا قليلاً.
"الحبيبة."
اقترب أكثر.
"لما الحبيبة تتوجع بتعمل أي حاجة تقرب من حبيبها. الحب بيعمل كل حاجة."
لتحني رأسها بوجع.
"الحب..."
علم أن بداخلها صراع. هتف بعفوية:
"إيه، ما بتؤمنيش بالحب؟"
سهمت قليلاً.
"الحب عايز تبقى جواك سما صافية مش معكرة عشان تحط فيها نجومك زي ما تحب."
قطب جبينه.
"مهما كان الإنسان من جواه فيه إيه، بيجيله اللي يغرز نجومه جواه. مهما عاند، مهما بعد، مهما هرب، جواكي لازم يغلب. جواه الست حاجة بتخليها عايزة تحب وتتحب."
ليقترب أكثر، كانت ساهدة في كلماته، ليهمس:
"جواكي حاجة عايزة تركن على حد، شايفها بعيونك، شايف قد إيه الست جواكي عايزة تخرج."
لتغمض عينيها. كانت تريد أن تشعر أنها أنثى وليست آلة تحولت بدافع الانتقام. كانت أنفاسه القريبة تاجج ناراً بداخلها. ليهمس بالقرب من شفتيها:
"البعد مش حل، الحل تسيبي جلبك ونفسك للي هيحط نجومه جواكي."
كانت تتوه في كلماته. ليتشجع ويقترب.
"الحل إن اللي جوا يخرج ويحس يعني إيه حب ومشاعر."
لمس يدها بحنان وهي مغمضة. تاهت في كلامه وقلبها يئن بمشاعر مكبوتة. اقترب، وضع شفتيه على خدها بجانب شفتيها، ليهمس:
"هييجي صاحب النجوم ومش هتجدري تجفيله."
لتبتسم وتلين ملامحها. همس:
"صاحب النجوم مستني نجومه تنور جواكي تفرحك وتفرحه."
كان يلمسها بحنان.
اقترب بلين إلى أن تاه معها بلين. ذابت هيا في قربه. كان لا يتحرك، لا يأتي بفعل. كانا في عالم بمفردها. إلا أنه لم يحتمل أكثر، ليشدها وينهال عليها. لتنتفض هيا وتفيق لنفسها وتدفعه صارخة. و...
رواية عودة الذئاب الفصل السادس عشر 16 - بقلم ميفو السلطان
كانت مهره ساهمه عندما لمس أسمر شفتها. ظلت برهة هائمة في دنياها. فتحت عيونها لتنتفض بقوة وتشعر برعب شديد. هبت ودفعته بقوة.
"انت اتجننت؟ انت ازاي تعمل كده؟ انت فاكرني إيه؟ انت مجنون يا جدع انت. انت ازاي تتطاول وتتجرا وتعمل كده؟ انت... انت..." صرخت. "انت مفكرني إيه؟"
نظر إليها برغبة شديدة. "ست. ومش أي ست." اقترب وشدها.
لتدفعه وترتعب وتستدير مسرعة لا تعلم أين تذهب. إلا أنه اندفع وراءها. مسك يدها بقوة لتنفض يده وتدفعه بغضب عارم.
"إيدك يا أسمر بيه. مهره مش بيتلعبك بيها فاهم؟ ومالهاش في السكك دي. أنا مش مصدقة إنك... إنك... بس عموما انت بعد كده لما تشوفني في مكان تبعد عنه عشان أنا مش هفوتهالك فاهم؟ ده أنا مهره هاه." لتستدير.
فقال بصوت جهوري عالٍ: "مهره ست زي أي ست وعايزة راجل. إيه جالك؟"
استدارت غاضبة تستعد نفسها. قالت بغل: "مهره مش عايزة حد ولا عايزة رجالة. مهره بنفسها ولنفسها. واللي يقرب منها أشيله من على وش الأرض. مهره ليها دنيا لوحدها ماحدش يخشها. ولو جرب أندمه إنه بس بس فكر يقرب. أنا مش مصدقة إيه ده؟ هو انت بتتحول؟ مش... ازاي تجرؤ وجاي تقول عايزة وزفت... مشي أيامك يا أسمر بيه هاه. إحنا بنشتغل مع بعض فاهم؟ بنشتغل. وعيب قوي اللي عملته ده."
اقترب ومسكها من يدها بقوة. "مش انت اللي تقولي أعمل إيه فاهمة؟ واصحك تاني مرة تعلي صوتك عليا. أنا عديتها جبل سابق. بس بعد أكده ليا مطرح تانية."
شدت يدها وصرخت: "والله ولا يهمني فاهم؟ وعندك الميه اشرب منها. وإلا أفلق دماغك في الصخور. مهره مابتخافش." لتستدير مسرعة وتتركه غاضبة تتجه إلى العربة.
فتحت الباب لتجد الباب اتزق بقوة وهو يحاوطها بقوة لتحس بأنفاسه ونبضاته. صارخة، وضع رأسه في عنقها من الخلف. "...لا لازم تخافي وتخافي جوي عشان أنا آخرتها هبهدلك بحاجة تجيب أجلك هاه. رمحتك دي مابتمشيش معايا أسمر غير."
تنفس شعرها وهمس: "بتترعشي ليه ياللي مش عايزة حد؟" لتتململ برعب من مشاعرها وهو يكبلها.
قال بلين: "...عارفة لو دورتك دلوقتي هيحصل إيه؟" لترتعب وتحاول أن تبتعد.
أدارها ورزعها في الحائط. كان غاضباً من بعدها وتصديها له. رفع يده ليمسك وجهها. كانت تحاول أن تبتعد. ركن عليها يشل حركتها.
ظل يتأملها لفترة. "حاسس بصدرك هينفجر. إيه اللي بتحرجيه جواكي؟ وليه؟ بصيلي..." ضغط على رقبتها. نظرت إلى عينيه. هتف:
"شايفة إيه؟"
كانت تنظر في عيونه وقلبها سيخرج من مكانه. اندفع يلمسها ويملس على وجهها ونظراته تلتهم تفاصيلها.
لترتجف. كتمت مشاعرها وحاولت أن تتجلد. أن لا تنساب معه. فعيونه تحرقها. أحست بنفسها ترتعش بشدة. بدأت تنهج وتغرز يدها في ذراعيه.
شعر أنها ستدخل في هيستيريا من كتمتها. رأى حالتها شدها بقوة يحتضنها.
"بس بس. فيكي إيه؟ بس اهدى. بتعملي ليه أكده؟ بتحاربي إيه جواكي؟ ليه هتموتي روحك من كتمتك؟"
ظلت ترتجف وهو يمسد عليها لتهدأ أخيراً. لتدفعه وتبتعد مسرعاً وتصرخ: "انت عايز إيه؟ انت... انت... انت اتجننت؟ انت كل واحدة هتشوفها هتقرب منها؟"
ابتسم ورفع حاجبيه: "كل واحدة... مين جالك؟"
شعرت أنها تهورت. "...مش انت اللي قلت هتخطب يا بيه قريبتك؟ والتانية اللي بتتكلم عليها خلاص؟ هو... صحيح واحد غدار. كلكم كده."
اقترب منها مد يده لخدها فدفعته. "طب وزعلانة ليه إني سبت اللي بتكلم عنها؟"
صرخت: "ما زعلاناشي. أنا هزعل ليه بس؟ انت اللي بتقلب. وإيه اللي جد يا بيه؟ ده انت كنت بتعض فيا."
ضحك واقترب منها ونزل بالقرب من وجهها. "اللي جد إني حسيتك من جوا... فرسة عايزة خيال يلجمها."
نظرت إليه مذهولة. "يلجمها؟ نهارك أسود. انت مريض؟ عايز تفرض سيطرتك على أي حد؟"
ضحك. "لا مش سيطرة من اللي بالك فيها." مد يدها شدها بعنف. وضعت يدها على صدره. "السيطرة لما تخش للجلب الناشف تخليه يسيب حاله وينسي إنه جامد وجاحد. يرجعه لين هين. يدوب في يد خياله تبقي سيطرة ناعمة. رغبة إنك تبقي ست ورغبة الست ما بتندفنش مهما أظهرتي وبينتي."
تململت. "انت واحد مجنون. روح يا بيه بلا سيطرة بلا زفت. أنا مش سكتي." واستدارت ولكنها شعرت بالقهر فرجعت إليه. "والهانم اللي هتخطبها عارفة هاه؟ والحزينة اللي سبتها وقعدت تشعر فيها لو رجعتلك هترمي مين ولا مين؟ انت ازاي كظه؟ مش قلت دخلت قلبك يا جاحد؟"
نظر إليها مبتسماً. فصرخت: "انت بتبص على إيه؟ عموما أنا مالي. أنا بشتغل وبس. وانت انت روح لف على ستات البلد. شالله تموت وانت بتلف." واستدارت غاضبة تشعر بنار داخلها تهرب منه.
ركن وهو ينظر في أثرها سعيداً بغضبها. "الجميل والغدار. هتبقي أيام لوز... ماشي يا مهره هنشتغل بس قابلي الشغل ده."
اتصل نديم بمهره يسألها عن أمور خطتهم. فأخبرته أنها تسير ولكن هناك بعض العقوبات لم تكتمل. غضب نديم وبدأ ينهرها بشدة أنها لا تمتثل لأوامره وأنه لابد أن ينتهوا قريباً.
وقفت هي بقهر. "يا نديم أنا لوحدي براحة. مش كله عليا. أنا تعبانة قوي والله تعبانة. ارحمني. أنا عايشة عشانك وبس."
صرخ فيها: "تعبانة من إيه؟ أنا راسملك كل حاجة تتنفذ. انت إيه؟ هتهدي كل حاجة؟ إيه؟ مش قادرة؟ مالك في إيه؟ ناقصك إيه؟ هاه؟ حارمك من حاجة؟"
لم تحتمل. "كفاية بقى كفاية. أنا تعبت والله تعبت. ناقصني كل حاجة. ناقصني أنا. ناقصني جوايا الميت اللي بيوجعني. ناقصني مهره تحس. أنا ما عدتش بحس. بخاف أحس عشان دي مش دنياي. انتوا بتعملوا فيا كده ليه؟ حرام والله. قلبي بيوجعني. بيوجعني." وقفلت الخط وانهارت من البكاء. في تلك اللحظة كان أسمر قد دخل وسمع الجزء الأخير. رجف قلبه وشعر بألمها. اندفع وشدها إليه وهي منهارة. حاولت أن تبعده فنهرها فانهارت أكثر. حاوطها بشدة وظلت تبكي بداخل صدره تنعي دنياها القاحلة التي أصبحت تخنقها.
همس بالقرب من أذنها: "اهدئي. أنا جارك. مش هسيبك. مين وجعك وأنا أحطه تحت جزمتي." تجمدت للحظة وانسلت من بين يديه ونظرت إليه بغضب. "تحط مين؟ هو عيشتك كلها كده؟ تحط الناس تحت جزمتك؟ انت إيه يا أخي. انت عايز إيه؟ ما تبعد عني. ابعدوا عني. أنا تعبت. تعبت." واندفعت وتركته يقف مبهوتاً لا يعلم ما بها وما كم الوجع الذي تشعر به.
خرج نديم من المكتب فلم يجد أحداً. قطب جبينه. ليال استدعى الساعي يسأله ليهتف: "راحوا الحفلة يا بيه. الست وجد والأستاذ أمجد."
اشتعل عن آخره واستدار ورزع الباب من غضبه. دخل المكتب ووقف بداخله يأكله. "...أنا قولتلها ماتتنيلش تروح. بس طبعاً أنا مشغل مسخوطة عندي. مابتسمعش ومخاصماني ومزفتاني." ظل يأكل روحه ليهتف: "...لا. انت هتفضل قاعد. والبت هبلة حد يضحك عليها. دي أمانتك." تنهد. "...طب إيه؟ هروح. مانا قلت مش رايح. إيه قلة القيمة دي؟" هلبس زفت. إيه دي تنكرية؟ تنهد وقام. "غور. مانت مهزأ." ليستدير ويذهب إليها في الحفل.
اتصلت شجن ببراء. "براء البس بسرعة."
ضحك وقال: "خير؟ هنتقابل؟ يا بركة دعاكي ياما."
لتبتسم: "إيه؟ عايز تقابلني يا برؤيتي؟"
تنهد بهيام: "عايز بس... ده أنا عايز كل دقيقة."
قالت بسعادة: "طب هديك عنوان. ماشي؟ حفلة تنكرية. البس أي حاجة وأنا هقابلك هناك."
ولو عرفتني تبقي عسليه.
ضحك.
والله انت مجنونه.
حاضر يا ستي.
لتقفل الخط وتنظر لنفسها.
عايزه حاجة مطرقعه. يا رب نديم ما يجي انهاردة ويبات بره.
ذهبت لدولابها لتلمع عينيها وتضحك.
مجرمة انتي يا شجن.
لتلبس مسرعة وتضع عليها عباءة تخفي ما تلبسه وتتجه إلى الحفلة.
وصلت شجن وخلعت العباءة وبدأت تتجول تبحث عن براء.
تنهدت بلين.
فين قمري يا ناس. قلبي بيدق. الواد عسليه ومز ويتاكل.
لتتنهد.
قلبك بيدق يا زفتة. وقعتي ولا إيه. ماهو قمر ويوقع الحجر. كفاية حنيته.
كانت تدور وتدور.
شعرت بالحزن. هو مش جاي ولا إيه.
لتشهق عندما شدها أحدهم.
لتلتفت تنظر إليه.
براء انت بتشدني ليه كده.
كان غاضباً وعيونه تشع.
فصرخ فيها.
إيه الزفت اللي لابساه ده.
نظرت لنفسها. كانت تلبس فستان ملتصق بجسدها وبه نقوش ومفتوح من الجانبين وبه دلايات على الفتحة وتلبس خلخال وتلبس على رأسها منديل صغير يشبه راقصات الفنون الشعبية.
لتنظر إليه بحزن.
مالي يا براء.
صرخ بحرقة.
زفت وطين على أيامك. انت انهبلتي. ماشية كده في الشارع. حد يعمل كده. انت عايزة تحصريني.
غضبت من صوته العالي.
بطل بتزعق ليه. ما أنا حلوة أهو. بتنكر.
صرخ.
بتنكري في رقاصة. ها. سيادتك هتجيبي رقاصة وجايباني إيه أطبلك. إيه المسخرة دي. إيه ما تربيتيش إزاي تلبسي كده.
نظر إليه بوجع ولمعت عيونها.
لا بقوا لك إيه. لحد هنا وتكلمني كويس. أنا متربية أحسن تربية و... و...
لم تحتمل. أرادت أن تنفجر بالبكاء.
لتدفع يده وتستدير.
أوعي. مش عايزة أشوفك بقى. يلا.
اندفع ومسكها يشدها وهي تتعثر معه.
ذهب إلى العربة. أدخلها عنوة ورزع الباب.
دخل هو وخبط على مقود السيارة بغضب وصرخ صرخة عالية أرعبتها.
كان يشعر بنار في جوفه.
ارتعبت هي وفتحت الباب وخرجت مسرعة من خوفها.
تجري منه.
كانت خائفة.
ليلعن نفسه من تهوره. نزل بسرعة خلفها.
كانت تجري تحاول أن تختفي.
لترتعب عندما وجدت أخيها يظهر أمامها.
لتستدير برعب مسرعة وتجري في الاتجاه الآخر.
وجدت براء يجري عليها.
لتندفع وتدخل في أحضانه منكمشة ترتعش منهارة تشهق وأنفسها تتقطع.
بهت وقال بلهفة.
فيه إيه. فيه إيه.
قالت برعب.
ففففففييي ففيي فيه ففف..
احتضنها وأخذها بعيداً وهي ترتعش.
كانت متصنمة تحس أنها ستموت من رعبها.
نزل وحملها فوراً يعدو بها إلى العربة.
أدخلها لتنكمش وتنظر حولها برعب.
دجل العربة لتهتف.
مش مش مشينا مشينا من من من هنا بسبرعة.
شغل العربة وانطلق مبتعداً.
وقف مؤخراً لتنفجر في البكاء.
شدها إليه.
فيه إيه. رعبتيني عليكي. فيه إيه. جولي طيب.
ظلت تنتفض وهو يمسد عليها.
لترفع عيونها.
أنا خايفة قوي.
تنهد.
من إيه. إني جارك أهو.
همست.
أخويا كان في الحفلة. كان هيقتلني.
قطب جبينه.
يجتلك يجتلك ليه.
تنهد بغلب وركنت على صدره ليحاوطها.
أخويا ده لوحده معيشني جحيم رعب. ما تخرجيش. ما تتكلميش. ما تبصيش. محرم عليا كل حاجة. أنا لما ببقى قدامه مابعرفش أقول كلمتين.
قال بغرابة.
للدرجادي ليه طيب بيعمل كده.
هزت رأسها.
ما أعرفش. هو وأختي بينهم حاجات أنا معرفهاش ولا بفهمها. ساعات كتير يقعدوا ويقفلوا على روحهم ويخرجوا شكلهم غريب. ما بنصاحبش حد. مالناش دعوة بحد. مالناش أهل ولا نعرف قرايب. أنا لا شفت أمي ولا أبويا. الوحيدة اللي بتحن عليا أختي. رغم أنها برضه شكل أخويا. بس لو سابتني ليه ممكن أموت نفسي. قاسي قوي. أنا بخاف يا براء. نفسي أبطل خوف. نفسي أحس إن ليا قيمة. إن حد هيقرب مني عشاني ويرحمني من القسوة اللي عايشة فيها.
تنهد يمسد عليها.
طب اهدي. كل حاجة هتبقى كويسة. أنا جنبك أهو.
نظرت إليه بلين.
بجد يا براء. انت جنبي وهتفضل جنبي.
شدد عليها.
أوعدك إني هفضل جنبك.
تنهدت.
انت الوحيد اللي بتحن عليا. أوعي يا براء يجي يوم وتوجعني. أنا ماليش حد. انت صاحبي الوحيد.
مسك يدها وقبلها.
صاحبك الوحيد. ضحك. ماشي يا ستي. لا لو وجعتك ساعتها ابقي انتش الجلب من على صدري وارميه لإني ماستحجوش.
لتتنهد بلين.
طب طب روحني بقى. ليرجع يسود عيشتي.
ابتسم براء.
ماشي. بس استني بقى عشان خدتيني في دوكة. ما يمنعش إن الهانم غلطت ولازم تتعلم تصون نفسها.
نظرت إليه قاطبة.
ليهتف. ينفع تلبسي كده.
تنهدت.
مالي يا براء. حلوة أهو.
تنهد.
حلوة بس. حلوة وجمر وتاخدي العقل. بس جتتك باينة. الكل شايفها.
نظرت إليه بغضب.
باينة إيه. مش عريان.
تنهد.
دا لو عريان أرحم. اهو كله على عينك يا تاجر. إنما دا لازق ومفسر وظاهر كل حاجة. بجد شكلك صعب.
همست.
بطل. انت معقد.
تنهد.
لا مش متعقد. إني والـ. بتاع وجتتك كل حاجة فيها باينة. وإني حاسس إني عايز أطبج في زمارة رقبتك.
لتتنهد.
ليه طيب. كتير بيلبسوا كده.
هتف.
ما يخصنيش. انت تخصيني.
همست بلين.
أخصك.
قال محذراً.
أه تخصيني. ولا يوم اسمح بكده. فاهمة.
لتهز رأسها.
ليهتف. مش هعديهالك بعد كده.
ابتسمت ببراءة.
خلاص بقى. هاخد بالي. عادي يعني. ما أنا جسمي عادي. ما يشدش زي البنات التخان.
تنهد بغلب.
ما يشدش. دا يهبل.
خجلت منه.
عيب بقى.
قرص خدها.
ماهو إني مجهور حالي باين ومفسر.
ابتسمت.
حالي.
شدها.
أيوه. انت حالي. فاهمه. يبقى تخلي بالك. عشان لو جلبت ببقى وحش.
لتهمس.
بطل. بخاف.
تنهد.
يا رب. إيه دي مابتخلنيش أغضب ساعتين على بعض.
قالت بلين.
وعايز تغضب عليا يا بروئتي.
ضحك.
والله إني عايش مسخرة. براء على سن ورمح. بقى بروئتي. بس أحلى بروئتي دي. ولا إيه.
ليقبل يدها ويهتف.
آخر مرة، ماشي. هزت رأسها ليقبل يدها وينصرف بها.
*******
كانت وجد تلبس زي سنو وايت وتدور حزينة. كانت تظن أنه سيأتي، إلا أن الوقت تأخر لتتنهد وتجلس حزينة. ليأتي أمجد:
"ما تيجي يا وجد تقفي معانا نهيص."
همست حزينة:
"لا معلش، أنا كده مبسوطة."
ظلت واقفة لتحس بيد على كتفها. استدارت لتجد رجلاً يخفي وجهه بقناع لتبتسم له.
همس بحشرجة:
"ممكن أنول شرف الرقصة؟"
تنهدت وهمست:
"معلش ماينفعش."
قال برقة ولين:
"أصل حبيبتي سابتني، ممكن أقع جنبك."
أحست بوجع في صوته لتتنهد:
"موجوع أنت كمان."
هز رأسه. قالت بأسى:
"إحنا عايشين في الدنيا دي نتوجع وبس."
قال بلين:
"مين وجعك وأنت قمر كده؟ حد يقدر يوجعك. الدور والباقي على اللي سابتني، أمل روحي."
سهمت قليلاً.
لتنطلق في الكلام:
"حبيبتك لو بتحبك ما تسيبكش. ما تزعلش على اللي مش عايز يكون ليك، حبيبي. عارف مش عارفة هقولك إيه بس عارف أنا مثلاً بحب الحب للحب، مش عشان حبيبي، لأني ما عشتش لحظات حب."
تنهد:
"يعني ما يفرقش معاكي."
لتسهم وتنظر بعيداً وتتنهد:
"لا يفرق. عارف أنا لابسة سنو وايت ليه؟ عشان مستنية قبلة الحب، الحب الحقيقي، الحب اللي من غير دنيا تلوثه. الحب اللي الحبيب يعرف إنه مالهوش غيره عايزاه. يرمي أي حاجة وراه، يتغاضى عن أي حاجة توقف الحب ده. بوسة الحب مش تقولي بحبك ونعيش وخلاص. لا، بوسة الحب من قلب صادق يحيي قلب اللي قدامه. ممكن تقول عليّ في دنيا تانية، بس أنا حاسة إني هعيشه في يوم. هعيش حب ما حدش عاشه لأني اتمنيته كتير وطلبته من ربنا. مستنية حبيب يجي يلاقيني ميتة، يسيب دنيته عشاني، يسيب كل اللي عاشه وخطط ليه عشاني. ساعتها قلبي هينبض وأعيش أحلى حب. أنا ميتة ومستنياه يحيي لي قلبي."
ليبتسم ويهتف:
"أنت اسمك إيه؟"
قالت بسعادة:
"وجد، أنا وجد."
تسأل:
"وبتعملي إيه وبتشتغلي إيه؟"
لتضحك:
"بشتغل مع نديم الأسطورة، عارفه المجنح أبو عضلات. على فكرة شكلك خالص في جسمه." لتتنهد بحزن.
هتف:
"ليه مزعلاك؟ مزعلك؟ ما بتحبهوش؟"
لتهمس:
"نديم... نديم حالة خاصة. ساعات ما بفهمش، ساعات يبقى طيب وحنين، عنده شخصيتين. لما بيبقى طيب بحبه قوي، مش بقدر أزعل منه. بس لما بيقلب بيوجعني قوي. أنا عايشة مع نسخة نديم أبويا وولاد عمي. أنت عارف إني صعيدية."
ضحك:
"بس مش باين في كلامك."
صمتت قليلاً ثم قالت:
"عشان عشت عمري كله محبوسة، ما بكلمش حد. عشت عمري أفكر إزاي هسيبهم، فكرهت لغتهم. عشت عمري كله بفكر أكون غير نفسي، ما بحبش شخصيتي الصعيدية. مطلوب مني حاجات مش أنا. مطلوب أكون قوية زي أبويا وأنا مش عايزة. مطلوب أعمل عيلة فيهم وأبقى لولاد عمي وأنا مش عايزة. مطلوب أبص للفلوس والسلطة وأنا مش عايزة. مطلوب عشان أعيش في وسطهم إني أموت. ويوم ما يحصل كده هموت فعلاً وتلاقيني منهم وبتكلم زيهم."
تنهد وهتف:
"مش كل حاجة بنعوزها بنلاقيها."
هزت رأسها:
"لا، اللي بنعوزها بنسعى ليه ونعيشه. ما تخليش حد يعيشنا عيشة مش على توبنا. لتتنهد وتهمس: أنا أكلت ودانك صح؟ أنا همشي بقى."
قال مسرعاً:
"طب ما تخليكي شوية."
نظرت حولها بحزن:
"لا، مالهوش لازوم."
لتسمع صوت أمجد:
"وجد تعالي أروحك."
لتبتسم له. اقترب الشاب، وجد نديم ليهتف:
"عن إذنك." مد يده ليضع يده على ظهر وجد.
احترق نديم واقترب نديم وشد يده:
"إيدك."
قطب الشاب جبينه ليستدير ويهتف:
"روحي يا وجد. نظر لنديم: وأنت مالك؟ إيدي ولا رجلي، مالك بيا."
رفع نديم حاجبيه ليهتف:
"أظن ماينفعش تحط إيدك عليها يعني."
هتف أمجد:
"خطيبتي يا عم، أنت مالك."
بهت نديم وأحس بحرقة داخله:
"نعم يا أخويا؟ خطيبة مين؟ أنت انخبلت؟"
هتف الشاب:
"آه، مالك بينا؟ خطبتها؟ مالك أنت؟ خليك في حالك." ليبتعد ويتركه يأكل بعضه. وقف نديم يشعر بغصة. وجد يأخذها بعيداً ويقفان يضحكان. شعر بكوية في قلبه.
"خطبها؟ خطبها إزاي؟ وإمتى؟ هو لحق؟ نهارك طين يا أمجد، لحقت خطفت البت." كانوا يضحكان ليشعر أنه سيقتلهم معاً. "طب أنا واقف مقهور ليه؟ ما يخطبها إلا يولع فيها، ده أنا نديم أبو الدهب." ظل واقفاً ليستدير ويجبر نفسه ويرحل والغضب ينهش قلبه.
في الصباح دخل نديم غاضباً، فقد قضى ليلة مريعة. دخل ولا يكلم أحداً. لتقف وجد غاضبة، فهو لم يأت الحفل.
"إيه ده؟ هو داخل غضبان كمان؟ إيه السداجة دي؟ هو مش هيصالحني؟ عبوشكله عيل شرير مجنح. ظلت تأكل روحها لتتنهد: وحشتني يا جزمة. من امبارح مخصماك وأنا هموت وأصالحك، بس لا اجمدي يا بت، اعملي لك كرامة عشان يصالحك. هتحبني إمتى يا واد؟ ده أنا واقعة لشوشتي بحبه يا ناس." لتتنهد: "آه بحبه، هخبي لحد إمتى؟" كانت تمنع نفسها. ليرن الجرس لتهتف: "أمجد قوم خش له."
قال أمجد بخوف:
"لا يا ستي، هيعضني. داخل شايط."
قالت بغضب:
"ما تقوم أنت الراجل، الله."
ليتنهد أمجد ويدخل عليه. نظر إليه نديم بغيظ، فهيا لم تدخل. ليهتف:
"خلصت التصاميم."
هتف أمجد:
"أيوه، بس لسه فيه حاجات بسيطة."
هب نديم مشتعلاً ينفث عن غضبه:
"طبعاً مالبيه بيروح حفلات ويحب ويسبسب، ما عادش فاضي لنا."
ليخاف الشاب:
"نديم بيه، فيه إيه؟"
صرخ نديم:
"بلا نديم بلا زفت! هو فيه إيه؟ بقالك فترة مش مضبوط. إيه اللي جد؟ أنت بتحب يا واد؟"
ارتبك الشاب:
"هاه؟ أحب؟ أحب إيه بس؟ أنا مش بتاع الكلام ده."
تجمد نديم لبرهة واشتعل:
"نهار أبوك أسود! أمال بتلعب بالبت اللي وافقت عليك؟"
هتف أمجد:
"بت مين؟ أنا مش فاهم حاجة."
دخلت وجد:
"فيه إيه؟"
نظر إليها نديم بغضب ولم ينطق، يشعر بقهر. فأمجد قد طلبها ووافقت وهو لا يحبها. ماذا يفعل؟ كان يشعر أنه سيجن.
صرخ:
"مفيش! بره! مش عايز حد."
خرجوا على الفور. ليقف هو ليزيح مكتبه. ظل يدور.
"الواد بيلعب بالبت وهيا هبلة؟ طب إيه؟ حبته؟ هو حبته خلاص؟ آه، ماهي هبلة، واللا إيه؟ عايزة الحب للحب. نهارك طين يا نديم، البت هياخدها الحزين. لا، وما بيحبهاش. أعمل إيه؟ أبعده عنها إزاي؟ أرفده؟ لا ترفد إيه." ظل يفكر. "آه خلاص." ليستدعيهم. "أمجد، أنت من بكرة هتروح فرع الشركة في بيروت."
بهت أمجد:
"إيه؟ أنا يا نديم بيه؟" انسعد الشاب.
قال هو وهو يراقب وجد، فلم تأت بفعل، فاكمل:
"آه، وهتشوف حياتك هناك."
أنا من بكرة تسيب هنا.
ابتسم الشاب. أنا متشكر لحسن ثقتك يا نديم بيه.
قال ببرود: روح جهز نفسك يلا ومن بكرة ماتجيش، ماشي؟ وشوف حياتك لسه قدامك حياة تكون نفسك، انسي أي خطط تانية.
ليبتسم الشاب ويخرج.
لتستدير هيا فصرخ: راحة وراه ليه؟ هيسافر، سيبيه يشوف حاله.
نظرت إليه باستغراب: إيه راحة وراه دي؟ أنا راحة أقف جنبه.
صرخ نديم: مابيحبكيش، إنتِ إيه هبلة؟ تصدقي أي حاجة.
رفعت حاجبيها: هو مين اللي مابيحبنيش؟
صرخ بغضب: سي طين اللي بره، قالي كده وسيبيه يسافر وانسيه خلاص.
رفعت حاجبيها بذهول: انساه؟
شعر بحرقة أنها لا تستطيع أن تنساه. هجم عليها ومسكها من يدها وصرخ.
رواية عودة الذئاب الفصل السابع عشر 17 - بقلم ميفو السلطان
كانت وجد ستنصرف لتذهب إلى أمجد، إلا أن نديم لم يحتمل. اندفع وقلبه يأكله صارخًا:
"أيوه انسيه، انتِ يعني لحقتي تعرفيه؟ وايه يخطبك؟ مالكيش أهل تسأليهم؟ وعمالة تقولي هيجوا زوّني ولاد عمي والبت لابن عمها، هو فين كل ده؟"
نظرت إليه بذهول:
"هو مين؟ انت بتتكلم عن إيه؟"
صرخ:
"مش أمجد خطبك يا هانم، وأنا قرطاس!"
بهتت:
"خطبني؟"
صمتت قليلاً تراقبه وهو ينهج بشدة، ثم ابتسمت:
"عرفت منين؟"
قال بحرقة:
"قالي امبارح في الحفلة."
فتحت عينيها ودق قلبها:
"قالك؟ هو انت حضرت الحفلة؟"
ارتبك:
"هاه؟ لا.. آه حضرت، كنت عايز أمجد في حاجة و... و... وقالي."
قالت بتساؤل:
"بس أنا ماشفتكش، ليه ماجتليش؟"
صرخ:
"انتِ بتحوّدي على موضوع تاني! اتخطبتي للحيوان ده ليه؟ ده عيل صغير ولسه ماكوّنش نفسه."
نظرت إليه وقطّبت جبينها:
"هو الواد محرق ليه؟ يكونش الحزين حس وغيران؟ يا لهوي، قمري غيران؟ طب إيه، أدوس وأولّع في قلبه لحد ما يعرف. ماهو طور مابيحسش ولا بيفهم في المشاعر."
تنهدت وذهبت بالقرب منه:
"طب وانت زعلان ليه؟ تكره لي الخير؟"
شعر بحرقة:
"ودا خير؟ دا طين على دماغك."
لتقول بدلال:
"إيه، وحش أمجد؟ ميجو وحش؟"
قال بغضب:
"آه وحش. طين زفت قطران."
خبطته على صدره:
"أنا هخليه حلو، يلا أروح أشوفه."
واستدارت.
ليندفع:
"هو إيه ده؟ راحة فين وسيباني؟"
همست بهيام:
"نديم... عايز إيه طيب؟"
تنهد بلين من نبرتها:
"ما... ماتروحيش له ومالكيش دعوة بيه."
همست:
"ليه يا نديم؟"
ابتلع ريقه:
"كده مش نافع ليكي ده."
هزت كتفيها ببراءة:
"مش مهم، عادي بقى."
قال بغضب:
"إيه، بتحبيه؟"
لتقترب أكثر وتهمس:
"لا والله."
اشتعل وصرخ:
"أمال بتتهبي تتخطبي ليه؟ ليه؟"
أمسكها بعنف:
"انطقي، مابتحبهوش بتتخطبي ليه؟ لييييه؟"
همست:
"نديم، دراعي براحة بيوجعني والله."
كبت نفسه وشد يده:
"أهوّه، هتنيل أكتم. انطقي، بتتهببي تتخطبي ليه طالما زفت مابتحبهوش؟"
همست:
"أصل... أصل..."
صرخ:
"ما تنطقي بقى، بدل ما أبدّك بحاجة."
لتتنهد:
"أصله هينقذني من عيلتي."
قال بحرقة:
"يعني عشان تتنجدي تروحي لأي حد؟"
هزت رأسها ببراءة:
"آه، عشان وحيدة وماليش حبيب خلاص. اعملي حبيب."
اقتربت ونظرت إليه بحب:
"عايزة حبيب يا نديم."
تنهد بغلب:
"طب... طب اصبري، هيجي والله أكيد."
همست:
"لا، مش عايزة أصبر. أهلي وحشين وأنا محتاجة حبيب يداويني."
لتقترب أكثر:
"والله محتاجة يداويني."
نظر إليها وابتسم بلين:
"هيداويكي، بس بس، اديله فرصة طيب."
لتتنهد:
"فرصة؟ امممم، طيب."
واستدارت.
ذهب وشدها:
"هو إيه اللي طيب؟"
لتدفع يده:
"أوعى، الله! انت نسيت؟ مش إحنا متخاصمين؟ يلا، مش هكلمك ومش هقولك هعمل إيه عشان انت وحش."
لتخبط على قلبه:
"وهنا وحش ومش بيحس."
لتستدير وتتركه يقف مقهورًا:
"هنا مابيحسش، ومخصماني؟ يا رب، إيه السواد ده؟ مالي مش على بعضي؟ هموت؟ آه، مخصماني عشان حلوف؟ بس مش هتحمل تسافر."
جلس يفكر، يأكل نفسه:
"ليه؟ هب مرة واحدة: نهار أسود! ممكن ياخدها ويسافر؟ دانا أخلص عليه! لا، لا، تقعد، ماهتروح هي وتسيبني؟ أنا محتاجها، ماصدقت لقيت حد يحن عليا ويخليني أحس."
تنهد:
"طب إيه، مش عارف أعمل إيه؟ وعايزة حبيب؟ هيا؟ عيلتها عقارب، يعني ولاد عمها من ناحية، وسي زفت من ناحية، هياخدوا البت الحنينة اللي دخلت حياتي."
ظل جالسًا يفكر، لا يعلم ماذا يفعل وماذا نوّت هي أن تفعل.
...
اتصل براء بشجن يخبرها أنه سيعود إلى الصعيد. شعرت بالحزن، ليقول:
"إيه رأيك أشوفك قبل ما أمشي؟"
قالت بخوف:
"أنا كنت هتدبح امبارح يا براء، أخويا صعب. إن قابل حد."
قال بحب:
"أنا غير، ومش أي حد. أنا أحطك بعيوني، أقسم بالله، وأخبيكي من العالم."
لتهمس بخجل:
"براء، بطل، انت بتكسفني."
ليقول:
"طب ماشي يا ستي، بس هستناكي قبل ما أطلع الطيارة، لازم أشوفك."
تنهدت وقامت لتستعد للذهاب إليه. وبينما هي خارجة، فتح نديم الباب. قطّب جبينه:
"رايحة فين؟"
ابتعلت ريقها:
"هاه؟ رايحة... آه، رايحة لمنى صاحبتي، كانت خدت مني حاجة بقالها فترة."
قال:
"لا، مش مهم، خليها تجيبها براحتها."
واستدار ودخل وتركها.
وقفت هي حزينة. مر الوقت واقترب ميعاد الطيارة. شعرت بالقهر لتدخل إليه:
"النبي يا نديم، خليني أروح، هما أصحابي هناك مستنيني."
نظر إليها وعلم أنها لن تسكت، ليقول:
"طيب، ماتتأخريش، ساعة وتكوني هنا."
لتبتسم له وتسرع تقابل براء. كان الوقت تقريبًا قد شارف على الانتهاء، وبراء يقف ينتظرها. علم أنها لن تأتي، شعر بالحزن، فهو يريد أن يراها بشدة، فقد تعلق بها. تنهد واستدار وذهب إلى صالة الانتظار.
دخلت شجن إلى المطار تبحث عنه، تشعر أن روحها ستفارقها. فهما قضيا أيامًا ملتصقين ببعضهما. كان يعطيها من الحنان الذي تفتقده، وهي نظراتها له كلها تفصح عن مشاعرها. وبدأت من داخلها تتمنى قربه.
دخلت المطار، سمعت أن الطائرة على وشك الرحيل، لتتجه إلى صالة الانتظار. منعها الحرس، لتتجه إلى الاستعلامات:
"من فضلك، عايز بس راكب رايح الأقصر، والنبي حياة أو موت."
قالت الفتاة:
"معلش، آسفة، ممنوع."
لتستدير ودموعها تنزل. فلن ترى من دق قلبها له في تلك اللحظة. خرج براء من الصالة يريد أن يراها لآخر مرة. وجدها تسير ودموعها تنزل.
صرخ:
"شجن!"
توقفت مرة واحدة، تستدير لتجري عليه. مرة واحدة حملها بقوة يدور بها، لتحاوطه بيدها وتبكي. كانت خائفة أن يمشي، كانت تشعر أنها بمفردها وأن رحيله عنها يفقدها الأمان.
همس:
"كنت خايف ماتجيش."
ظلت تبكي. تنهد وابتسم لتبتعد بخجل. مسك يدها يجلسها ويجلس بجوارها ويمسح دموعها. همس:
"طب بطلي عياط، مش آخر حاجة أشوفك بيها دموعك دي."
لتزداد دموعها:
"طب بتعيطي ليه بس؟"
كانت تبكي، فهمست:
"عشان... عشان..."
قبل يدها:
"عشان انت ماشي."
ابتسم:
"يعني عايزاني ما أمشي؟"
همست بوجع:
"لا، امشي، هتقعد ليه؟"
نظر إليها مطولاً، نظرات تشع حبًا:
"أقعد عشانك."
رفعت عينيها الذابلة:
"عشاني؟ حد بيقعد عشان صاحبته؟"
اقترب منها وقال:
"برضه صاحبته؟"
تنهد:
"طب أنا همشي بقى يا صاحبتي، الطيارة هتفوتني."
نظرت إليه ببراءة وقالت:
"طب طب، هتكلمني كتير صح؟"
مسح على يدها بحنان:
"كل دقيقة وكل وقت."
لتبتسم وتهمس:
"I will miss you."
أحس بقلبه ينبض. اقترب منها وقال:
"لا، أنا مابفهمش إنجليزي، حوليها بالعربي."
أحنت رأسها وقامت خجولة:
"أنا لازم أمشي بقى عشان أخويا."
استدارت مسرعة، ليشدها إلى أحضانه بقوة. واقترب من أذنها:
"I will miss you too."
لتدفعه وترحل مسرعة. ظل واقفًا ينظر في أثرها:
"هتوحشيني، بس مش عارف أصلًا هبعد إزاي."
واستدار وقد ترك أجمل وأرق من دخلت حياته.
كانت الشركة تعج بالموظفين، وكان جابر يجلس يتكلم مع أحد أقرانه. سمع هرج ومرج، ليقوم:
"هو فيه إيه بره؟"
انفتح الباب ليتفاجأ بدخول الجد. وقف:
"أبوي، بتعمل إيه هنا؟ انت لسه خارج من المستشفى."
اقترب الجد بهدوء:
"إيه يا جابر، جاي مكتبي وشركتي، فيه حاجة؟"
وقف جابر:
"إيه شركتك ومكتبك؟"
هتف الجد:
"أمال إيه يا جابر؟ هتموتني بالحيا، يابن مرزوقة."
وقف جابر غاضبًا:
"أبوي، من مته مانت سبت الجمل بما حمل لينا؟ إيه الجديد؟ والدنيا ماشية بالتوكيلات، فيه إيه انت الله؟"
هتف الجد:
"ماشي يا جابر، سايب الدنيا؟ إيه مزعلك إني أجي آخد نفس؟ عايز تكتم نفسي يا ولدي، وإلا إيه؟"
ليسمعوا خبطًا.
دخلت مهره مندفعة، تقترب وتسلم عليه:
"حمد الله عالسلامة يا جدي."
رفع جابر حاجبيه:
"هو إيه ده؟ أصله؟"
نظرت إليه مهره بغضب:
"خير يا جابر بيه، فيه حاجة؟"
قال بسخرية:
"لاه، بس مابحبش المحن ولا الممحونين."
رفعت حاجبيها تهم أن ترد.
قاطعها الجد:
"ماتاخديش في بالك، هو جابر ولدي أكده بيحب يهري في روحه لما كبّيدته انهرت من الغل."
هب جابر غاضبًا:
"فيه إيه يا أبوي الله؟ دا حاجة تحزن."
قالت بغضب:
"براحة عالحاج يا جابر بيه، أبوك برضه؟ وإلا انت دايماً كده، مش هامك لا قريب ولا بعيد."
صرخ جابر:
"مالك انت؟ يهمني ولا مايهمنيش؟"
صرخ عمران:
"انت هتزع فيها جدامي؟ خلاص، ماعاد فيه احترام واصل."
وقف جابر:
"أنا فايتهالك أهوّه، ابلعها، دا حاجة حزن."
ذهب ورزع الباب، ليترك الجد.
اقتربت مسرعة تمسك يده:
"إيه اللي جابك؟ مش لسه بتتعالج؟"
تنهد:
"حتى انتِ كمان يا بتي، عايزاني أقعد مرمي في الدار؟"
تنهدت:
"بعد الشر."
واقتربت ومسكت يده.
مسك يدها وسهم في يدها قليلاً ليهتف:
"أقعدي يا بتي، رايد أتكلم معاكي، ما لاقيش حد."
ابتسمت بلين وجلست. هتف:
"وانتِ بقى يا بتي، عيشتك كلها بمصر صوح، مع خواتك؟ أمك زينة يا بتي؟"
تنهدت بوجع:
"أمي ماتت يا حج."
صمت قليلاً يشعر بالحزن:
"ماتت، الله يرحمها، من زمان يا بتي."
همست:
"من وأنا صغيرة يا حج."
قال بلهفة:
"يبقي أبوكي شال الشيلة أكيد، مليح راجل زين يشيل عيلته."
قالت بوجع:
"شال، يا جدي، شال."
ابتسم:
"وهو زين يا بتي؟"
أحنت رأسها بالم:
"لا، تعيش انت يا حج."
تجمد عمران وضغط على صدره فجأة وبدأ ينهج. قامت مرتعبه:
"مالك بيك؟ ليه؟ فيك إيه؟"
بدأ يشهق، يحاول أن يتمالك نفسه. اقتربت مسرعة تحتضنه. هنا انفجر الجد في البكاء وعلا صوته، وهي لا تفهم ما به:
"مالك بيك؟ إيه؟"
ظل يبكي لفترة طويلة في أحضانها، إلى أن هدأ أخيرًا. تراجع مبتعدًا ونام على الكرسي وسند برأسه. اقتربت بقلق:
"مالك؟ حصل إيه؟ طيب طمني عليك."
ظل فترة صامتًا وهي تمسد عليه. فتح عينيه واعتدل ومسك يدها بحنان:
"جولتيلي إن أبوكي مات صوح؟ وأمك؟"
تنهدت:
"آه يا جدي، ماتوا، الله يرحمهم."
"وأبوكي يا بتي، مات ميتة؟"
تنهدت:
"من زمان يا حج."
قال بحزن:
"ودفنتوه مع أهله أكيد؟"
أحنت رأسها:
"كان موصي والله يا حج، بس أخويا رفض."
نظر إليها بوجع:
"ليكي خوات؟ صوح؟"
لتتنهد:
"آه، ليا... أخويا الكبير واختي الصغيرة."
ابتلع ريقه:
"الصغيرة، كد إيه؟"
ابتسمت:
"أختي شجن."
ليقطب جبينه ويسهم قليلاً ويتذكر شيئًا:
"خيتك اسمها شجن؟"
ضحكت:
"آه، اسمها شجن، الصغيرة بتاعتنا، بت طايشة وهبلة حبتين وبندلعها، ماهي ما شافت ماما وما حضرت بابا كتير."
ابتسم:
"حلوة زيك أكده؟"
ضحكت:
"شجن... قمر، عيونها خضرا وشعرها أسود. اللي يشوفنا يقول فولة وأقسمت نصين."
قطّب وقال:
"بس انت شعرك أحمر."
لترتبك:
...
ربت على يدها. يا تري ليه يا بتي.
قالت مستفهمه. ليه إيه.
قال. ليه شكلك غير أختك.
لتسهم. الزمن يا جدي مابيسيب حاجة على حالها.
قال بحزن. الزمن بيجي بقوته يا بتي ويعدي ويهرس، وبيجي نفس الزمن ويداوي الجسوة دي، بس لو عايزين إحنا نتداوى.
قالت هيا ساهمة. فيه قسوة مابتتداواش يا جدي.
ربت على يديها. ربنا حنين يا بتي، يطبب على قلوبكم ويجلب النار رماد ويهدي العاصي.
لتتنهد وتهتف. يهدي العاصي، الله أعلم يا جدي مين اللي هيتهدى ومين هيتقلب.
وضع يده على قلبه. اقتربت واحتضنته. أنا خايفة عليك إيه.
هنا دخل أسمر فوجدها تحتضن جده. تصاعد غضبه واقترب. هو فيه إيه بعدي.
نظرت إليه باستغراب. ونظر إليه الجد. وجد حفيده غاضباً. هتف الجد. فيه إيه يا ولدي.
اقترب منها وشد يدها. إيه، انت أي حد تحضني فيه أكده.
نظرت إليه بغضب. وأنت مالك، أحضن وأهبب، مالك أنت.
صرخ. مالي، مالي، كيف انتي، انتي تسمعي من سكات، عيب أكده.
هتف الجد. يا ولدي مايصحش، داني راجل كباره.
صرخ. وهي حرمة ماتحضنش في حد.
صرخت. مالك أنت، أنا حرة، دا إيه ده.
مسك يدها. ماتعليش صوتك أحسنلك.
شدت يدها. لا بقولك، أنا أعلي براحتي، ماحدش ليه عندي حاجة.
هتف بغضب. طب يمين الله لو حصل تاني جدامي هتشوف أسمر هيعمل إيه، يلا وريني هتحضني إزاي. كان يشع غضباً.
نظرت إليه وشعرت برهبة. فقالت. تصدق ما هردش عليك. وتركته ورحلت.
استدار ورفس الكرسي بغضب. هتف الجد. مالك اتجنيت من ميته، بتغضب على حرمة.
نظر إليه أسمر بغضب. ما غضبانش وزفت، أما أروح أشوف شغلي. ماشي يا مهره هانم. وترك الجد مزهولاً من تصرفات حفيده.
تنهد وجلس شارداً. كلو هيتهدى يا بتي، كلو هيتهدي. آه يا وجع قلبي، آه. عايز أصرخ بعلو حسي، بس أقول إيه، لله الأمر.
مر الوقت ودخل معتصم على مهره يهتف. مهندسة مهره. رفعت رأسها.
اقترب منها ثم قال. فيه اجتماع بعد نص ساعة على ضهر المركب بتاعتنا. فيه المجموعة اللي هتشارك معاكي كلها. أنا حجزت هناك عشان تعرفي تكوني براحتك يعني.
رفعت حاجبيها. يعني لزومه إيه، ماكنا اجتمعنا هنا.
ضحك. أنت مابتزهجش من خنقة المكتب. جومي العربية هتوصلك لهناك.
تنهدت هيا وقامت تلم أشياءها لتركب العربة وتنزل توصلها إلى المكان المخصص للاجتماع.
صعدت على المركب. كانت هناك طاولة معدة بعناية. لتستعجب. هما الناس فين. اندهشت عندما اندفع المركب لنصف النيل. صعدت إلى الأعلى صارخة. أنت يا عم استنى.
لتنصدم عندما وجدت أسمر يقود المركب. انفعلت واشتعلت غضباً. أنت بتعمل إيه. أنت أنت مجنون، الناس جاية.
هنا ضحك أسمر قائلاً. اجعدي واهدي قدامنا شوية ونوصل.
قطبت جبينها. هو إيه اللي نوصل، هنروح لهم.
هز رأسه لتتنهد وتصمت وتنزل هيا وتجلس على الوسائد المعدة بعناية. توقف المركب في منتصف النيل في بقعة واسعة من المياه عند اتساع النيل في منطقة ولا أروع. والأراضي تحاوط المكان وتوقف عند منزل صغير. لتقوم وتذهب إليه. أنت وقفت ليه.
تنهد هو بحزن. الزفت وجف، اعمل إيه يعني.
هنا شعرت بالخوف. إيه، وقف وقف إزاي، طب هنعمل إيه. لتفتح شنطتها تتصل بأحد أصدقائها فلم تجد إشارة.
تكلم وقال. مافيش شبكة في الحتة دي للأسف.
صرخت. طب هنعمل إيه.
هنا قال. هنعمل إيه يعني، هنجعد. ذهب إلى الوسائد وجلس عليها.
نظرت إليه بغيظ وذهبت تجلس بجواره. وبعدين هنعمل إيه.
نظر إليها مطولاً. ثم غمز إليها. اللي الجمر يأمر بيه.
قطبت جبينها. بقولك إيه، اتعدل.
ضحك. اتعدل إزاي، هو إني معوج.
قالت بحده. أسمر بقولك إيه.
خفق قلبه. اندفع ومسكها. أسمر طالعة تخبل منك.
لتبتلع ريقها وتشد يدها. ماتحترم نفسك، الله، إيه ده.
ابتسم. إيه، خايفة مني لسه.
قطبت حبينها. أخاف من إيه، أنا مابخافش.
قال مبتسماً. طب اثبتيلي. ليقوم ويمسك يدها.
نظرت إليه. وماله، يلا اتفضل.
رجف قلبها حين نظرت أمامها. إيه ده.
ابتسم. هنجف عالنيل، إيه. أسمر خايفة منه.
لتنظر إليه بقوة. أنا مابخافش من حد يا بابا.
ضحك. لاه، جامدة، تعجبيني. خلاص طالما مش خايفة، خلاص اتفضلي. لتتنهد لتقف على المركب. سبقها وقفز ومسك يدها شدها لتقع في أحضانه. نظرت إليه لترتبك وتشيح بوجهها.
نزلا من عالمركب. لتخاف هيا وتهمس. أنت رايح فين، إحنا لازم نرجع.
ضحك. لا ارجع إيه، اهدي بس، إحنا لسه بنسخن.
نظرت إليه غاضبة. هو إيه اللي لسه بنسخن، بقولك رجعنا خلاص، مش عايزة أتهبب.
ضحك. مهره عمران شكلها خايفة، وإلا إيه.
صرخت. أنا مابخافش. ليه أنت تخوف.
قال بخبث. والله على حسب، جعدتي مؤدبة هنقضي بسلام، غير أكده ممكن أخوف.
قالت بسخرية. طب روح مارس عقدك على حد أدك، أنا ماحدش يقدر يجي عليا.
رفع جبينه اقترب منها. لتبتلع ريقها فقال. على فكرة ماتبقي متأكدة أكده، دانا سامع دقات جلبك من أهنه. شدها إليه لترتجف. بتترعشي ليه، فيه إيه، مش ما بتخافيش.
حاولت أبعده. أنت مخبول، فيه إيه أنت.
ضحك. مش عارف، مزاجي حلو وعايز أجرب.
لتندهش. تقرب تقرب، يعني إيه.
رفع يده يمررها على شفتيها. أجرب من الوحش.
لتحاول أن تبتعد. شدد عليها لتصرخ. أنت واحد مش محترم، والله هفضحك، أنت فاكرني إيه يا بابا، دانا مهره عمران اللي ماحد يطلها.
قال برغبة. متأكدة. مش هتجدي عليا.
لتحاول أن تفلت ليحتضنها أكثر. حاولت بعنف ليختل توازنهما ليسقط بها عالكنبة.
صرخت. قوم، أنا كنت عارفة إنك مش مضبوط، قوم، منك لله.
ضحك. مش مضبوط إزاي، كنتي جربتي، عموما لازم تتأكدي. تلمس جسدها.
صرخت. أوعي، أوعي، والله لأخرب بيتك يا حيوان.
مسك وجهها. بصيلي.
لتبتعد وهيا ترتجف فقال بقوة. بصيلي بقولك. لتهز رأسها. مسك وجهها عنوة. بصي في عيون أسمر جوه، مش هتجدر تقف جدام عيوني. أنت من جوا عايزة تبقي ست، من جوا عايزة حد يطوعك ليه.
همست بانين. بطل، أنت مجنون، دا شغل، ابعد.
هنا اقترب أكثر. شغل شغل إيه اللي يحولك أكده. مهره حاجة تاخد العقل، مهره عن حق. نافرة ليه، أنت فاكرة إنك هتعيشي عمرك نافرة أكده. مهره عايزة حد واعر جوي يجدر عليها. يجبولها رماح فارد جلوعه عشان يعشش عليها عشان تعرف إنها لازمن تنام تحت جناحه.
صرخت. بطل، بطل، جناح إيه، بطل، أنا لوحدي، ماليش حد، ولا هبقى لحد.
نظر إلى عيونها. عنيكي بتتمنى إنها تبقي ضعيفة، بتتمنى إن قلبها حد يملس عليه، لما بلمسك بتدوبي في يدي. حاولت أن تبتعد. هنا شدها. لا، أنا كده الكيل طفح، ولازم أعرفك أنت إيه من جوا. لينهال عليها لتحاول أن تقاومه ولكن هيهات، فالأسر هو الجواد الذي سيجعل مهرته تعرف أنه هو الأوحد الذي ستركن إليه. ليهيم بها لفترة لتنساب المهره أخيراً رغماً عنها، تنساب مشاعر مكبوتة لسنين، أنثى تحارب من أجل الخروج، ليأتي ذلك الفارس الأسمر ويخرج تلك الجميلة، يكسر قيود زنزانتها، لتستنشق عبير المشاعر. هام وهام وعاش في جمال مشاعر مهرته التي أيقن أنها خلقت له. حاولت أن تصده كثيراً لتنهار بين يديه، يطوعها كيف يشاء، لتأتي تلك اللحظة الفارقة. مد يده بروية و...
وإيه يا عيال، الواد عمل إيه. يا غلبك يا بنت عامر. والنبي غلبانة منك لله يا جابر الكلب.
رواية عودة الذئاب الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ميفو السلطان
كانت مهره طائعه بين أحضان أسمر. تناست تلك المهره التي تلبسها سنين، تناست الجدار الذي شيدته أسوارًا عالية لحماية نفسها وقلبها. لتعود مهره لجوادها، تعود للأسمر الذي كبلها بعنفوانه لتخضع له عن طيب خاطر.
كان أسمر قد أحس بخنوعها وكيف تاهت وغاصت معه في مشاعر كبتتها وحاربت مرارًا لكي لا تخرجها. إلا أن الجميلة استجابت لنداء أنوثتها وهامت مع فارسها.
مد يده بهدوء يزيح باروكتها وهي في عالم آخر. فرد شعرها الأسود وغاص بيده في شلالات كالحرير يشعر بها وكأنه لاول مرة يلمس طبيعتها، تلك الطبيعة التي تخفيها لسبب لا يعلمه. فرد شعرها بنعومة يعيدها إلى هيئتها التي قابلها قبل سابق ووقع لها ليبتعد ومشاعره تصدح في عينيه. كانت مغمضة العينين، حالمة، وجهها يعكس نار قلبها. اقترب مرة أخرى يمسد على وجهها بروية هامسًا:
_ مهرتي…
لمس شفتيها بنعومة ورقة. أحست بملمس شفتيه، انتفضت مهره برعب وابتعدت بسرعة ووضعت يدها على شفتيها بقهر، منهارة من داخلها.
تذكرت أخيها، تذكرت أمها وأبيها. لتصدر أنات منها مكتومة، كانت كالمذبوحة تنظر إليه برعب وتكتم أنفاسها وعروقها برزت من كتمتها.
ارتعب من حالتها ليصرخ:
_ فيه إيه؟ ببتعملي أكده ليه؟ فيكي إيه؟
قامت مسرعة تبتعد، تستعد نفسها، تأكل روحها التي خانتها. دبحت نفسها بكلامها.
_ انتِ واحدة زبالة! نسيتي يا مهره؟ مش دول اللي قهروا أهلك؟ مش ده اللي ضربك وهانك وقال جربوعة وحرامية؟ وضعت يدها على خدها. مش ده اللي هتديله القلم عشرة؟ هتقولي لأخوكي إيه؟ هتكسري ضهر أخوكي اللي فقد حياته وعاش عشانك؟ هتكسري ضهره وتخلي ولاد الجاحدين يودوكم ويجيبوكم؟ عايز يطوعك البيه.
كان صوتها بشرخ بداخلها ما أظهرته من أنوثة رغما عنها. كان صوتها عقاب أكثر ما هو لوم وعتاب. صوت يؤجج نارها تجاههم. دموعها تسيل كأنها نار تسلخ قلبها، القلب الذي خان العهد. عهد المهره للنديم، عهد الذئاب.
كان ينظر إليها باستغراب، فهي ساهية فيه، تنفض رأسها بقوة. ثم صرخت فجأة…
_ انت إزاي تعمل كده؟ انت فاكرني إيه؟ أنا مهره. كانت لم تعي أنه أزال باروكتها، لتقترب منه بقوة.
ظل يتأملها وهي منهارة وعلم سبب انهيارها، فهتف قائلاً:
_ إزاي أعمل؟ دي مش بتاعتك. وفاكرك إيه؟ فاكرة ست بتلين وعايزة القرب.
كانت تأكل روحها فصرخت:
_ أنا مش بتاعة قرب.
ضحك.
_ أمال كنتي بين إيديا بتاعة إيه؟
_ اغمضت عينيها تحاول أن تهدأ. اسمع يا بتاع إنت، لو فاكر إن مهره عمران حد يقدر يهوب منها تبقى بتحلم. مهره يتبصلها بس، فاهم؟ أنا لحد دلوقتي هعديها ومش هتصرف تصرف يخرب شغلنا. واعقل كده، أظن أسمر أبو الدهب سمعته سبقاه إنه مش بتاع مسخرة ولا مشاعر.
قال بحده:
_ ليه؟ هو المشاعر عيب ولا حرام؟
صرخت بقهر:
_ مش لينا، فاهم؟ مش لينا. واستدارت مبتعدة.
اندفع هو يحتضنها بقوة.
_ مش انتِ اللي تقولي إيه اللي لينا وإيه اللي مالناش.
كان قربه جحيم، ولكن أخيها كان نصب عينيها فاندفعت بعيدًا.
_ لا يا بيه، أنا اللي أقول وانت تسمع وتنفذ. كان يقترب منها وعيونه مسلطة عليها، فهتف: مهره عمران برواز بس مش أكتر.
ضحك واقترب.
_ طب مانا عارف إنه برواز. والعينة بيئة. حاجة تانية. والأحمر أسود والأزرق أخضر.
قطبت جبينها لا تفهم شيئًا. ليقترب ويهتف:
_ الشعر كحل ليل والعيون مروج خضرة.
بهتت من كلامها تنظر إليه بجمود. مد يده مسك شعرها لتشهق مرة واحدة.
ابتسم.
_ مهره ما طلعتش مهره. طلعت جنيه بعيون خضرا.
كانت ترتعش بقوة، فهي انكشفت أمامه. شعرت بالذعر، ماذا تفعل؟ خطط أخيها من سنين ستنهار. ظلت تبتعد، وضعت يدها على شعرها تحاول أن تصدق ما حدث، وهو يتأملها بروية. شدت على شعرها بقوة كأنها تريد أن تنتزعه، تنتزع المهره وطبيعتها التي خرجت عنوة رغما عنها. ظلت تهز رأسها بعنف. إلا أن الجميلة لم تعد تحتمل كل ذلك لتسقط مغشيا عليها بين أحضانه.
اندفع برهبة يحملها مسرعا يذهب بها إلى الداخل يريحها بحنان. اقترب منها يتأملها، يلمس شعرها بحنان. تنهد وابتسم ليخرج تليفونه ويلتقط لها صورًا كثيرة. كان يعلم أنها ستنفره وتقاومه، ولكن للاسمر حسابات أخرى.
بدأ يربت على وجهها بحنان يفيقها. عادت لنفسها وانتفضت وقامت مسرعة تبتعد عنه كأنه نار ستحرقها. نار مشاعر ترتعب منها.
صرخت واندفعت تلبس باروكتها تحاول أن تقوي نفسها.
_ انت عايز إيه مني؟ ابعد عني بقولك.
قام يتأملها. اقترب منها. ما قالتش كلمة، بس عينيها كانت زي سهام تقتل اللي قدامها بوجعها. قرب منها قال بصوته الهادي بس الأمر فيه عالي.
_ شيلي الباروكه.
ردت بجمود.
_ لا.
قرب أكثر. قرب يزيل المسافة وما يعرفش إن المسافات بينها جواها عشان تقويها. مد إيده وشال الباروكه ورماها بعيد. بص لها وكأنه بيغوص جواها بيشوفها لأول مرة. وببره حانية.
_ كده مهره. كده الجمال اللي بتحاربيه.
مهره عضت شفايفها بتحاول تمسك نفسها.
قال بقوة.
_ أنا كده كده عارفك وعرفتك وعارف شعرك وشكلك، بس كان يهمني تشيلي كل ده بإرادتك. بس الواضح إن الخطوة دي عليا أنا. ده دوري.
ما فهمتش ليه الجملة دي وجعتها. حست إنها اتشافت أكتر من جوا. اتراجعت بقوة.
_ ده شكلي ودا اختياري.
ابتسم بسخرية.
_ وأنا كمان ليا اختياراتي. انت أولها. واخترتك كده أشوفك بطبيعتك اللي بتهربي منها. وأنا كفيل إني أرجع طبيعتك لأنك محتاجة ده. وأنا أهو، دي أول خطوة.
صرخت بقوة.
_ أنا استحالة أكون من خياراتك. واعقل يا أسمر بيه. مهره بعيد قوي. لو دخلت دنيتها ممكن تقتلك جواها. وابعد أحسن لك بدل ما أخليك تندم ندم عمرك.
اقترب وشدها بقوة.
_ لا نهدي بقى. وطيحتك دي ماتمشيش معايا، فاهمة؟ كان يقرص على يدها.
صرخت.
_ أشرب من البحر ولا أخبط راسي في حيطة. لتكون فاكر إنك هتخوفني.
ضغط على يدها بقوة لتتأوه.
_ آه، هخوفك ومن سكات. كده تقوليلي لابسة عروسة المولد ليه وعاملة في نفسك أكده ليه.
دفعته وصرخت بعنف.
_ مالك إنت؟ اعمل وأتهبب. شكلي وأنا حرة فيه.
اقترب لتبتعد برهبة. ظل يقترب لتتصطدم بالحائط. ابتلعت ريقها من نظراته وقربه. نزل بجوار أذنها يهمس بنعومة.
_ طب هو ينفع حد بعيونه الجمر تتخبي أكده؟ ولا شعره الليلي ده حد عاجل يعمل أكده.
رفعت نظرتها إليه بتحدي.
_ أنا حرة، مالكش حاجة عندي.
ضحك.
_ لا، وانت صادقة. دانت بقيتي كلك عندي. كلك على بعضك في يدي. كيف وإزاي هتعرفي؟ وساعتها أسمر هو اللي ليه الكلمة. بس الصبر، أما نشوف الدماغ رايحة فين وحادفة شمال ليه. وساعتها هعرف أجيبك تحت جناحي إزاي.
نظرت إليه بغل.
_ جناحك؟ طب يلا يا شاطر. أنا حرة، أعمل ما بدالي، انت مالك؟ هاه. وتاني يا أسمر بيه، مشي أمورك بدل ما أطربقها على دماغك وتخرب على الكل. وتجيبني تحت جناحك لما أبقى شايفاك راجل. روح اعمل دكر على حد غيري يا شاطر.
اشتعل من إهانتها. رفع يده ومسك وجهها بقوة والغضب قد اجتاحه.
_ اعمل دكر؟ ماشي يا ست مهره. بكرة أوريك هعمل دكر إزاي. بكرة تعرفي أسمر هيكون ليكي إيه، إن أصلاً ما كانش. بكرة أسمر هيخرج المهره اللي جواكي اللي بتحاربي تمحيها. مش عارف ليه. وجبل ما تطربقيها، اعرفي إن أسمر مابيتهددش. وإنك من هنا ورايح الخطوة بحساب والنفس بحساب. ودا هتعرفيه بعدين وتجولي حاضر وطيب. أسمر جابته نار وعجابه دمار. حتى لو مين اللي قدامه. التصق بها يلهبها بأنفاسه. بكرة هتبقي في يدي كيف ما أنا عايز. وده عهد الأسمر لمهرته. بصيلي كويس عشان كلامك ده ليه حساب تاني مش هاخده دلوقتي. بصيلي وصدرك بيصرخ من جواه، حاسس بيه وبناره. أسمر بقى لمهره كل حاجة. وهيعرفها هي هتبقى إيه وهيمشيها إزاي.
لم تعد تحتمل قربه فدفعته بقوة. وابتعدت واستدار هو غاضبًا ليعود بها إلى الشاطئ. لتندفع وتترك له المركب. وقف هو ساهما ينظر في أثرها.
_ بكرة هتعرفي إن كنت راجل ولا لأ.
***
دخلت وجد بخطى خفيفة على نديم الذي كان يأكل نفسه لمدة يومين، فهو يراها تحوم حول أمجد الذي آخر نفسه لينهي بعض الأوراق.
اقتربت منه مبتسمة.
_ أمجد ماشي خلاص. سلم لي كل حاجته.
قطب جبينه وحاول أن يتمالك أعصابه.
_ ويسلمك ليه؟ كان انشل مش عارف يجي يسلم لي؟
قالت بخبث بريء.
_ لا، ما إحنا ما فارقناش بعض يعني. عادي بشيل وراه وأسانده.
وقف منفعلًا وبدأ صوته يعلو.
_ ما فارقتوش بعض؟ إزاي يعني؟ هو فيه إيه؟
ابتسمت تتصنع الخجل.
_ فيه كل خير. قريب هتسمع خير خالص.
شعر بحرقة داخله فهب إليها.
_ انتِ بتقولي إيه؟
فاستدارت ليهجم عليها يشدها.
_ تعالي هنا، رايحة فين.
رفعت إصبعها.
_ إيه ده؟ الله! انت نسيت؟ نديم، إحنا متخاصمين ولا نسيت؟ وبطل الله أنت إيه. ما بتعرفش تفرح لحد؟
شعر بالجنون.
_ أفرح؟ آآآفرح لمين يا زفتة؟
تنهدت تهز كتفها كأنها تستفزه.
_ مش هقولك.
فمسكها بقوة.
_ انطقي! هفلقك نصين. أفرح لمين؟
شدت يدها.
_ إيدي بقولك! الله ومالكش دعوة بيا خالص. ههه، يلا. لتخرج لسانها وتستدير صارخة. أما تبقي تصالحني أفرحك.
وخرجت تركت وراها بركانًا مشتعلًا.
وقف يغلي من داخله.
_ أصالحها وتقولي؟ تقولي إيه؟ نهار طين وأفرح وأطين إيه؟ هيخطبها قبل ما يسافر. آه، ماهو هيكون نفسه وهيقبض هناك كتير. آه، يشوف نفسه بقى. ويفرح وياخد البت وولّع في جثته. أمي… ظل جالسًا يأكل نفسه.
فهب مرة واحدة واندفع بالخارج ليجدهم جالسين يضحكون. ليصمتوا مرة واحدة. نظرت إليه بهيام ولهفة عاشقة. فابتلع ريقه بقهر. تنهدت هي هامسة.
_ يا واد… بموت فيك. ما تيجي تشدني وتقولي بتحبني. عبوشكلك الغلاية هترشق في الحيط. نفسي أبوسه يا ناس. بحب طور. كانت ساهية.
هنا هتف أمجد.
_ إيه يا بنتي خليكي معايا، أنا ماشي.
اندفع نديم بغيظ يجلس معهم. خبط على قدمه.
_ إيه يا أمجد؟ مش هتسلم؟ ما حجزتش؟
ابتسم أمجد بسعادة.
_ بعد بكرة يا نديم بيه. أنا فرحان قوي، انت خدمتني خدمة عمري. مرتبتي زاد وأقدر أتجوّز وأجيب بيت.
اشتعل نديم.
_ اممم… آه، تتجوز؟ آه… دا حاجة حلوة والله.
قال أمجد.
_ بفضلك يا نديم بيه. وطبعًا هتبقى أول المدعوين.
همست وجد بجانب نديم ولم يسمعها أمجد.
_ هندعي كل الحبايب يفرحوا.
أحس نديم أنه سيقتلها. فهب وقام وشدها من يدها ودخل بها المكتب ودفعها بقوة. كان غاضبًا بشدة.
_ بقي هندعي الحبايب وتفرحي البيه، هاه.
كانت مرتبكة، فهو مشتعل وغضبه واضح.
_ همست.
_ انت غضبان ليه؟ أنا ما عملتش حاجة.
صرخ فيها.
_ ولما تتجوزيه الجنازة خدته تبقي ما عملتش؟ أريل أنا قاعد بينكم بتسلكوا لبعض، هاه؟
نظرت إليه غاضبة.
برضه… برضه بتقل أدبك…
اندفع ومسكها من يدها صارخاً… اسكتي اسكتي سيبيني أطرشق بكلمتين بدل ما أهدك بحاجة تموتك.
وقفت غاضبة تنظر إليه… أعمل في دماغه إيه حلوف ويهيموت عليا ولا بينطق أنا تعبت منه بقى بحبه يا رب…
نظر إليها وجدها ساهية فصرخ… انتي هتسرحي فيه وأنتي معايا؟ نهارك أسود. هو فيه إيه؟
فغضبت منه بشدة وطفح كيلها فاقتربت منه… انت زعلان ليه؟ الله كل شوية تعض فيا… انت ما بتعرفش تعمل غير إنك تعض وبس، إنما تبقى زي بقية الخلق تحس لأ. انت إيه يا أخي بقى؟
اندفعت وجلست حزينة وقلبها يئن وجعاً…
نظر إليها وقلبه يأكله أحس بوجعها فاقترب وجلس ومسك يدها فنتشتهم بغضب فمسكها مرة أخرى… سيبيهم بقى ده حاجة هم.
حدقته بنظرة نارية فتنهد… طب خلاص بقى مش هنيل أزعق.
شدت يدها… ما بكلمكش خلاص أنت وحش أنت عامل زي ولاد عمي وأبويا عضاضين كلكم. رجالة عضاضة كلها.
فضحك… والله يعني بقيت زيهم.
قالت متبرمة… أه يا نديم بس أوحش. هما أشرار بره وجوه. إنما أنت شرير بره بس. جواك كويس بس بتحاول تموت الطيب اللي جواك.
فتنهد وقال بلين… يعني لو طلعت لك الطيب اللي جوايا هتفرحي.
أحنت رأسها وتنهدت بوجع… أفرح… عارف يا نديم بخاف أفرح. أه والله. أنا بمثل إني مش صعيدية عشان لما بوعي إني صعيدية بنوجع. ما بكلمش زيهم ولا بتصرف زيهم… خايفة يجي يوم أبقى زيهم وأبقى شريرة زيهم قاسية. عارف اليوم اللي أتكلم فيه صعيدي يا نديم أبقى اعترفت خلاص إن دي حياتي وإني لازم أمشي في دنيتهم أبقى شكلهم من غير إحساس… عارف يا نديم فيه ناس بيحسوا بزيادة وعايزين يعيشوا إحساس الحب والأمان وبيدوروا وسط الدنيا عاللي شبههم… بيتوجعوا لأنهم مش لاقيين اللي شبههم فيه فرق إحساس… ولاد عمي طيبين بس إحساسهم مكتوم ما عرفش ما بيفكروش أو مش سكتهم لتنظر إليه بحب… نظرة عيونهم جاحدة ما بتدخلش القلب. القلب اللي تبص له تعرف مشاعره من عيون اللي قدامك يا نديم.
تنهد نديم فإحساسها وصل لقلبه بقوة… فيه ناس بتحس بزيادة بس مش بتبين.
خفق قلبها وترقرقت عيونها… دول بقى بيتعذبوا أكتر لأنه بيحس بزيادة ويتوجع إنه بيكتم الإحساس ده. مش عايز يبين أصلاً إنه بيحس فاكر إن ده ضعف ورافض… رافض يحس. بس عارف اللي زي دول مهما خبوا يا نديم اللي حاسسهم عارف هما مخبيين إيه… خبّي على قد ما تقدر بس مش هتهرب من إحساس بيدخل قلبك غصب. فيه دايماً ناس تقول… ده شكلي. شكلي يعني أنا وهو واحد من غير ما نتكلم بنحس ببعض… الإحساس نعمة يا نديم والله نعمة وخايفة إن في يوم أكره إني بحس أو حسيت واللي حسيت بيه ده مش ليا ساعتها أموت.
همس لا إرادياً… حسيتي بيه؟
اقتربت منه وعيونها تشع مشاعر… حسيت… وجدت طول عمرها عايشة تتمنى لحظة تحس باللي قدامها. أنا جوايا مكان سايباه للي هحس بيه… نفسي يحس بيا زي ما خُقّت بيه نفسي يبكل يكتم جواه ويخاف يطلع إحساسه… إحنا هنعيش مرة واحدة… الوحدة بتوجع وخنقة المشاعر بتموت. بتقولي فيه ناس ما بتبين… أنا بقى ببين عشان تعبت والله تعبت تعبت أبقى لوحدي تعبت من قلبي الناشف… عايزاه يحس… نديم عايزاه يحس بيا وبقلبي اللي نفسه في مشاعره… نظرت إليه… يا ترى هيحس يا نديم وإلا هرجع لدنيتي وأموت بأصلي اللي اتكتب عليا أعيش من غير مشاعر. يوميها هسلم خلاص إني صعيدية اتكتب عليها الموت. هتجوز وأخلف نسل صعيدي من أي حد ما تفرقش ماساعتها هكون قلبي ميت. هلبس الملس الأسود وأغطي على وجد وأدفنها تحت سواده وأكمل جثة تجيب عيال ونسب وعزوة وبس. نفسي ده ما يحصلش نفسي حد يحس… وضعت يدها على كتفه… هيحس صح؟
ظل ساهياً وقلبه يرجف… استدار نديم فجأة وهتف بلا مبرر… بتحبي أمجد يا وجد؟
قطبت جبينها ونظرت إليه غير مصدقة كيف ينقلب بهذا الشكل… تنهدت بغلب… ما فيش فايدة… هزت رأسها ووضعت يدها على رأسها وجلست تشعر بالبؤس.
اقترب وجلس بجوارها فقال برجاء… طب هتكلميني إمتى أنا خلاص أهو أسف يا ستي وبصالحك هاه قولي بقى بتحبيه.
ضحكت رغماً عنها… كان كطفل متذمر… والله أنت حكاية… نظرت إليه ملياً تتأمله كان متلهفاً… لا ما بحبهوش يا نديم.
فمسك يدها مسرعاً… طب إيه ليه هتتخطبي؟ خلاص يغورر أنت لازم تاخدي اللي بتحبيه.
فقالت بلين… وافرض ما جاش أقعد أتحسر بقى وأقلب خشبة في الصعيد.
تنهد وقال… لا هيجي أكيد أنا متأكد.
تنهدت ونظرت إليه نظرة ساحرة… هيجي بجد؟ فهز رأسه ومشاعره تصرخ من عينه… فقالت… أكيد… ابتسم لها.
قالت ببراءة مصطنعة… هتجبلي عريس صح؟ نظر إليها بغضب فهبت وقالت… طب خلاص مش مشكلة أنا واثقة فيك هاتلي… هاتلي بقى عريس عسلية كده.
اقتربت منه وهو ينظر إليها بغضب فهتفت… طب بص هاته شكلك كده أمور ووسيم وهيبة وقوي يدافع عني عايزاه يحميني يا نديم مش هيحميني برضه.
لانت ملامحه وابتسم لها وهو يهز رأسه… تنهدت هي… طب تمام خلاص… هتجبلي اللي طلبته… اتسعت ابتسامته… همست بلين… إيه عرفت طلبي؟ هز رأسه…
رفعت إصبعها… واحد إيه؟
ابتسم… طويل. رفعت الإصبع الآخر… فأكمل… أمور ووسيم وهيبة.
همست بعشق… وأهم حاجة إيه؟
قال بسعادة… يحميكي.
نظرت إليه بحب… هتجيبه طيب؟ ابتسم أكثر وهز رأسه… قالت واقتربت منه… هيبقي شكلك مش كدهو… مسك يدها يمسد عليها… ظل ساهياً فيها يمسد عليها… فهمست… انطق قول بتحبني.
لم ينطق ابتعدت وقالت… طب خلاص مستنياك ماشي. واستدارت فوقفت مرة أخرى… نديم مستنياك.
فهتف وهو ينظر إليها برهبة… مستنياني؟
فقالت وعيونها ترسل شرارات قلبها… أه… مستنياك تجبلي أحلى عريس لتغمز له وخرجت تدندن… طلع عاشق طلع مهتم… هيبقي حبيبي خلاص.
وهو واقفاً مبتسماً… أحلى عريس أه والله أحلى عريس. ما فيش إلا هوه… شكلي وهيبة وطويل أغضن عينه وتنهد تنهيدة كبيرة… بس إمتى بس مش دنيتي ولا سكتي. جلس وقلبه يخفق من قربها ويتمنى أن يرتاح من النار التي تتأجج بداخله.
كان براء وشجن يتكلمان بصورة دائمة وتعلق كل منهم بالآخر ولكن لم يصرح أحد بمشاعره كانت هي مندفعة و
تشاكسه وهو سعيد بشخصيتها المرحة لتندمج معه وتقول… إيه يا عم براء أنت ما وراكش غيري ما بتكلمش حد غيري.
فهم قصدها ليقرر أن يشاكسها… لاه بكلم أنا براء ساحر النساء يا بنتي.
لتغتاظ هي… لا والله كأنك بتكلم بنات بقى كتير مش كده يا سي براء.
ضحك وقال… يووووه… ما تعديش بعدد شعر راسي.
قالت غاضبة… وأنا بقى رقم كام يا سي براء؟
قال بنبرة حانية… لا أنت في حتة تانية أقسم بالله.
تنهدت… اممم طب يا أخويا ربنا يهني سعيد بسعيدة.
ضحك وقال… لا ما تفكريش حاجة براء ما بيتربطش براء طياري.
قطبت جبينها وابتلعت ريقيها بصعوبة وصمتت… أحست بوجع… همست… طياري وما بيتربطش.
ليحس أنه أخطأ في الكلام فقال مسرعاً… على فكرة أنت وحشتيني جوي.
تنهدت وقالت… أه طبعاً ما إحنا أصحاب.
فقال متنهد… يا شيخة بطلي كل شوية أصحاب دي طب بزمتك ما وحشتكيش.
فتنهدت وصمتت.
قال مشاكسًا… لا هتسكتي مش متعود على كده… الجمر ما بيحبوش يسكت.
تنهدت… بسكت لما بحس بوجع يا براء.
فقال مندفعاً… وإيه يوجعك وأني موجود معاش والله. شجن أنت بقيتي حاجة كبيرة جوي عندي بفكر فيها ليل نهار.
تنهدت… أمال مش بتكلم أصحابك بتكذب.
ضحك… وأنت بتصدقي برضك. يا بت والله ما فيه غيرك.
ابتسمت وتنهدت… همس شجن… هو يعني لو حد جه اتكلم عليكي دلوك هتوافقي.
قطبت جبينها… والله يا براء لو عفريت جه هوافق.
قال بنبرة متبرمة… إيه أنت واجعة مش هتحبي الأول؟
تنهدت… أحب… نفسي يا براء والله أحب وأتحب وأسيب دنيتي دي. أنا مكبوتة ومقهورة بحس ساعات إني ماليش قيمة ما حدش هيعوزني. بحس ساعات إني مش هقابل حد يصون قلبي. دايماً عندي خوف إني هنجع بخاف أفكر في عيشة حلوة عشان ما نوجعش. أنا كلي مشاعر نفسي أديها للي يقدرها ويديلي قدامها قلبه.
همس بنبرة حانية… وحشتيني… نفسي أشوفك ما تفتحي الكاميرا.
رجف قلبها… إيه… لا بتقول إيه.
ضحك وقال… يا بنتي بقى ما أنا بشوفك في الخروج بلبسك مش لابسة محترم.
فقالت… أه والله خالص.
فضحك وقال… طب بالله أشوفك وحشتيني بجد.
تنهدت وظل هو يرجعوها ففتحت الكاميرا فهتف بشوق… أخيراً شفت الجمر والله وحشتيني نايم جايم بفكر فيكي وليالينا مع بعض. رغم إني قضيت معاكي أيام إلا أن اليوم اللي قضيناه مع بعض في الخلا لوحدنا كان ياخد العقل.
كانت هائمة في كلامه سعيدة وقلبها يصرخ من فرحتها بمشاعرها ومشاعره التي لم يعد كل منهم قادرًا على كتمانها… وبينما هي تنظر إليه بوله هائمة فيه لتصرخ مرة واحدة عندما…
ياختااااي… عزرائيل طب… يا غلبانة ادعولها يا عيال.
رواية عودة الذئاب الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ميفو السلطان
دخل نديم البيت متعبًا، مكبلًا بالهموم، بصدر مكتوم وعقله معلق بتلك الجميلة، من خطفت له قلبه.
دخل البيت وجده ساكتًا، ساكتًا أوي… وسكونه خبط في قلبه. فين مهره؟ فين مكانها اللي كانت بتملاه؟ كانت دائمًا حاضرة، كانت نفسه الثانية. كان وجودها يجعله يشعر بالاتزان، سنده الحقيقي.
نظر ناحية حجرة شجن، تلك الصغيرة التي يقسو عليها بلا سبب. يقسو عليها من خوفه، خوف لا يعلم مصدره… تنهد وقرب، لكن وقف فجأة.
ضحكة!
ضحكة خفيفة طالعة من جوه الأوضة.
صوت راجل بيرن في ودانه:
"أنا مبسوط إني شفتك تاني النهاردة… يوم الخلا دا مش هيتنسي."
فتح الباب بهدوء… وشافها.
شجن قاعدة، ماسكة الموبايل، والكاميرا مفتوحة، ووشها متورد من الكلام! وذلك الشاب بيتكلم، ويبدو أنهم على علاقة…
اتبدل الهدوء اللي كان لسه شايفه في البيت لصوت عنيف جوا دماغه. نديم حس كأن الشياطين تحالفت جواه، تعالي حسّه الصعيدي.
رزع الباب بعنف…
التفتت شجن، شهقت وصرخت، ورمت الموبايل. كان منظره مخيف. رفعت يدها بخوف مرتعشة…
اقترب منها بعيون من نار…
"إيه.. إيه يا نديم؟ ما فيش حاجة والله. دا.. دا—"
لم يسمعها. كل اللي كان بيرن في دماغه إنهم قضوا يوم في الخلا…
هجم عليها، مسكها من شعرها، صوته كان زي الرعد:
"بتكلمي رجالة في بيتنا؟ يا واطية؟ فاتحة الكاميرا لواحد وعمالة تلاغيه. بتلاغي رجالة على التلفونات يا زبالة… جولي قضيتوا يوم مع بعض في الخلا فين يا زبالة…"
كان يضربها وهي تصرخ بقهر.
"قضيتوا يوم في الخلا؟ فين؟ إزاي؟ مين ده؟ بتلاغي الرجالة من ورايا؟"
كان بيضربها…
وهي تصرخ، تتوسل، تنهار:
"ما فيش والله! ما عملتش حاجة! أنا…"
لكن نديم كان مهتاجا، يشعر بالعار الذي يحارب أن يبعده عنه… عار الشرف الذي وصموه به لتأتي أخته وتعيد الوصمة من جديد.
كان صوته يملي البيت، غضب بيخرج من جواه، من شرف شايله على ظهره من يوم ما مات أبوه. صفعها بقوة عدة صفعات:
"ما عملتيش… أمال لو عملتي هجيبك من أحضان الرجالة. تجيبيلي العار وتكلمي رجالة. بتقضي معاهم أيام والبيه سعيد إنه بيشوف ويعاين الهانم… في البيت جوه البيت يا فاجرة. منك لله…"
صرخ بحرقة:
"أنا ما عرفتش أربي! ما كنتش فاضي! كنت بجيب حجنا! كنت راجل عليهم كلهم وانت بتخونيني في داري؟"
ضرب ورا ضرب.
لحد ما وقعت ونحيبها يشق أوصال من على الجيهة الأخرى…
صرخ:
"أجول إيه أجول إيه؟ هموت منك لله إني خيتي تعمل أكده؟ مين ده؟ انطقي. جابلتيه فين وعرفك منين؟ والله أموتك! إيه متسابة؟ لاه انت تجعدي أهنه زي فرده الجزمة، أجوزك أي حد وتتحبسي وماتطلعيش. نفس هطلع روحك يا فاجرة، بقي آخرتها أنا يتعمل فيا أكده."
كان ينهال عليها ضربًا حتى تهالكت. دفعها بقوة، ذهب يحضر التليفون وقفل.
"خلاص! ما عادش هتشوفي النور! هتتحبسي في البيت ده… ومش هتشوفي السما تاني يا بت أبوي!"
قفل الباب عليها وخرج.
على الجانب الآخر، براء سامع كل حاجة.
كان واقف، بيترجف، وصوته مكتوم، عينه بتدمع…
مش مصدق اللي حصل… قام مهتاجا يكسر كل شي…
"ليه ليه ما عملتش حاجة؟ دا مفيش أنضف منها، ليه أكده؟ مين ده… ده أخوها.. أخوها إزاي وبيتكلم صعيدي إزاي؟ هو فيه إيه؟ طب أعمل إيه؟ هيموتها ويجوزها.. نهار أسود! هيجوزها إزاي؟ لاه ماهتحملش…"
هب من مكانه:
"دي مرتي. آه مرتي. ليقوم ويهتف.. لا لازم أتصرف. أجيبها إزاي؟ ماعرفش. أروحله.. أسافر آه وأروح أتجوزها. ماهو لو جولتله متجوزها هيقتلني ويقتلـها.. آهدي وفكر. شوف وروح اتقدم عادي كأنك واحد غريب آه… هروح آخدها أنجدها. دي الحنية كلها جطة سيامي ماتتحملش الجهر ده. أجيبك منين دلوك؟ زمانها مجهورة. دا خلص عليها."
"هي أنضف منهم كلهم… هو ده أخوها؟ هو صعيدي زيي؟ طب أعمل إيه؟"
قام، ضرب في كل حاجة حواليه.
"هيموتها! دا جال هيجوزها غصب! دا… مرتي!"
وقف يهتف:
"هروح أجيبها! آه! مرتي… دي مرتي. أنا كاتب عليها ورقة عرفي… بجدي شاهد عليها."
"أجيبك منين دلوك؟ زمانها مجهورة. دا خلص عليها ضرب."
جلس… "آهدي أكده." كان يشعر بالقهر. "البت انهرت ضرب يا ربي! جلبي بيوجعني! انت حبتها والا إيه يا زفت انت؟"
ظل جالسًا يفكر كيف يصلها.
عقله كان مشتت. مر الوقت.
دخل أسمر عليه فجأة:
"مالك يا ابن أبوي؟ جافل على نفسك من امبارح؟ عايزك تسافر لشركة الديب. عايزك تعمل المستحيل تجابله.. صفقة مش مطمئن لها."
قال براء بوجع مكتوم:
"مش طايج روحي! مش جادر أقابل حد ولا هروح حتة."
قال أسمر بعنف:
"فيه إيه؟ فيه إيه يا ابن أبوي؟ مالك مجلوب؟"
صرخ براء:
"فيه مرتي! مرتي هتتاخد مني!"
أسمر بهت.
"مرتك؟ بتجول إيه؟ نهارك أسود؟ إنت اتجوزت من ورانا؟"
ابتلع براء ريقه:
"آه… إللي مضيناها.. العرفي… اللي جدي ماضي عليه…"
نظر أسمر بذهول:
"إيه… إيه نهار أبوك أسود.. دي اللي كنت معاها في الخلا؟ المصراوية اللي كنا هنهندم بسببها؟ البت المكشوفة اللي كانت هتفضحنا معاها؟"
قال براء بقهر:
"آه! بس مرتي! وأخوها هيجوزها غصب! وأني كاتب عليها.. مرتي يا أسمر!"
صرخ أسمر:
"إنت مخبول ياض.. والورقة ما قطعتهاش؟"
براء:
"معايا… ما جدرتش أقطعها…"
أسمر مسكه بعنف:
"انت عايز تفضحنا. انت عايز الناس تاكل وشنا. منك لله مش جولتك قطعها؟"
براء صرخ بوجع:
"لاه ما جدرتش وهروح آخدها من أخوها. هروح آخدها ماهتحملش…!"
أسمر:
"يا خي خدك ربنا! انت تحترم حالك عشان لو عمك جابر عرف هيجومها حريجة!"
نظر إليه براء قاطبًا:
"وأنا مالي بيه."
دفعه أسمر:
"عشان كلمني عشان تاخد وجد. خدك ربنا."
شهق براء:
"وجد… وجد… وجد مين؟ إنت مخبول.. مش عايز وجد."
قال أسمر بعنف:
"بس عمك عايزك إنت! ما فيش حاجة اسمها مش عايز وجد.. فيه عيلة وولاد عم والبت لابن عمها فاهم."
صرخ براء:
"وأنا مالي! ماتتهبب تتجوزها إنت!"
"أجوزها بالعافية؟ وجد خيتي ومتأكد إنها ما عايزانيش.. دي شجن اللي أنا عايزها!"
أسمر هتف:
"وتجومها حريجة؟ لاه اهدي أكده واحنا هنمشي أمورنا. نخلص الصفقة. نخطبها، نمشي حالنا، وبعد أكده نفركش! إنما عمك لو غضب هيجلب الدنيا. عمك أهبل وبغل وممكن يفركش كل حاجة خلاص…!"
براء حس إنه محبوس جوه خطة مش خطته. جلس يشعر بالغضب مما يخططون له. لينزل أسمر لجابر ويخبره موافقة براء…
وفي اللحظة دي… جابر طلع في البلد كلها أسرع مهللاً سعيدًا أن أخيرًا نال مبتغاه، أن نالت ابنته أحد أولاد عمومتها. ونزل في أهله يشيع أن براء طلب وجد، وأن قريبًا سيتزوجها لتعلم القرية بأكملها أن براء أصبح لوجد.
وبالأعلى ذلك التعيس وصوتها لسه في ودنه، وهي بتقول:
"ما فيش والله… أنا ما عملتش حاجة…"
قرر براء… أنه لازم يروح لشجن، يحكيلها، ويطلعها من الجحيم ده. وياخدها ليه ويبعدها عن أخوها.
كان الليل يلتحف السكون حين دلف أسمر إلى الغرفة، حيث تجلس مهره تكتب في أوراق، بدت أثقل من قلبها… لم تنظر إليه، وكأنها تدعي النسيان، بينما كل ذرة فيها ترتجف من حضوره. تشتاق له.
اقترب بخطى هادئة، لكن كل خطوة كانت كطبول معركة تقرع في صدرها.
وقف يتأملها بابتسامة، قال بصوته ومشاعر لهفة تظهر فيها:
"إيه؟ لسه بتشتغلي؟"
ردت دون أن ترفع عينيها، كمن تهرب من سهم لا تريد أن يصيبها سهامه:
"شوية حاجات وهخلص."
لكنه لم ينتظر. مد يده وانتزع الورق منها برفق، حازمًا. ثم همس وهو يشدها من يدها:
"جومي… عايزك في خدمة."
تجمدت، شهقت، ثم تلعثمت وهي تحاول أن تستعيد كبرياء ها. شدها بعنف إلى المصعد، فقالت بعنف:
"إنت مجنون؟ بتشدني ليه؟ فيه إيه؟"
ضحك، وضحكته كانت كنسمة ليل ساخنة تمر على جروحها:
"يا بنتي، من كتر الشغل هتتشقي، وتقلبي جلدة حنفية. بالله عليكي… خدمة صغيرة، والله."
تنهدت كمن يسلم أمره. لمحت نبرة رجاء حانية. تنهدت ثم قالت:
"خلاص، طب إيه؟"
رد وهو يبتسم:
"لما نوصل تعرفي."
هزت رأسها وأجبرت نفسها على السكوت.
ركبا السيارة، صمتها كئيب، وصدرها يعج بأسئلة لم تنطق بها. وحين توقفت السيارة نظرت إليه، فلم ينتظر ونزل وفتح الباب وجرها معه حتى صعدا. أمام محل ملابس فخم. التفتت إليه مذهولة.
"إيه ده؟ المحل فاضي؟ مفيش حد؟"
ابتسم بنظرة واثقة:
"المحل تحت أمرنا يا ستي."
"نعم؟ تحت أمرك يعني؟"
"هجولك…"
ثم اقترب منها كمن يحكي سرًا بينه وبين روحه، جعلها تشعر بقربه…
"ليا صديج عايش بره وخطيبته على قد حالها وهيا مابتعرفش تجيب حاجة، فجرر أنه يجبلها حاجات في البيت وأكده. وممكن ينوبك ثواب… هيا واحدة غلبانة، يتيمة، ومالهاش غير ربنا، عايزة شوية لبس. وأنا جولت مين غير مهره تفرحها؟"
سكتت. نظرت إليه قاطبة.
ونظرت إليه بعين فيها الكثير من الأسئلة، والكثير من الشك.
فهتف:
"دي غلبانة ويتيمة، يهون عليكي ماتفرحيهاش."
تنهدت وذهبت لتستلم. بدأت تنتقي، وهو يراقبها من بعيد كمن يكتشف امرأته لأول مرة. لم تكن تعرف كيف تختار.
اقترب وقال:
"بصي بقه.. عايز حاجات للبيت جعاد يعني هشك بشك."
نظرت إليه غاضبة.
ايوه فساتين بقه ومسخرة.
هزت راسها وذهبت للأقسام الخاصة تنتقي ما يعجبها، فوجدته قد أتى.
فهتفت: إيه قلة أدبك دي؟ اخرج بره.
فقال بخبث: إيه؟ بتفرجي؟ ماهي معروضة عشان أتعلّم.
نظرت إليه غاضبة: اخرج وامشي من قدامي، فاهم؟
اقترب منها وهمس في أذنها: طب هو بيحب الأحمر والأسود... عالأبيض هيبقي نار وهيهيص.
هنا خبطته على كتفه: امشي بقلة أدبك.
ضحك وخرج.
وقفت تختار الكثير من الأشياء، كانت تبتاع ما يسعدها كأنثى وتتلمس الحاجة بحنان، وهو يختلس مراقبتها ويشعر بسعادتها.
انتهت من كل شيء وخرجت سعيدة وقد وضعت الأشياء في أكياسها، فأخذها.
بدأ يفتش فيها، شهقت ونتشت الأكياس: بتعمل إيه انت؟
ضحك: إيه؟ بطمن على مستقبلي؟ إلا الجلب تعب من التخيل.
صرخت: انت بتقول إيه؟ أوعي هات حاجة البت.
ضحك: خلاص خلاص، إني أصلاً ماشلتش عيني من على الجمر وهو بيجي.
اقترب منها برغبة ينظر إليها: دا طلع جايب حاجات تخبل.
شهقت وابتعدت.
ضحك وأسرع إليها وشدها إلى قسم الفساتين.
اقتربت هي بسعادة، كانت لا تشتري إلا البدلة العملية التي لا تمت للأنوثة بصلة، فاقتربت تتلمس الفساتين.
فهتف: بس هتعرفي تختاري حاجة نواعمي، وإلا أروح أجيب حد بيعرف.
نظرت إليه غاضبة، فدفعته، فضحك واتبعها.
قال مستوقفاً إياها: استني بس عشان ما تتقطعش في اللبس.
شد بروكعتها، فشهقت.
ضحك عالياً: اتكلي على الله يللا، بس عدي اليوم.
تنهدت وتركته، فكانت فعلاً تريد أن تبدو معه على طبيعتها. بدأت تنتقي أشياء أنثوية تمنتها. بدأت تستعيد أنوثتها التي لم تعشها، وهو ورائها يحمل ما تنتقيه، يشاكسها ويضع على رأسها قبعات ويلف حول رقبتها أوشحة، وهي تستجيب وتضحك، فدفعها تقيس الملابس. كانت تدخل وتخرج والسعادة تلهب قلبها.
وهو يلهبها بحضوره الطاغي، يهمس، يمازح، يضحك وهي تضحك. كانت تلك اللحظات كأنها تسرق أنوثتها من زمن جف فيه القلب وتيبست فيه الأحلام.
دخلت غرفة القياس بفستان يشبه الحلم، وخرجت كأنها سندريلا، تدور أمامه وتضحك بعينين مغمضتين على العالم. كل ما تفعله كانت تفعله لأول مرة. تلبس الفستان وتنظر لنفسها وتدور وتخرج له. كان يتمتع بكونها تلبس له وتريه وهو يختار. أصبحت عيونها تشع سعادة، وهو قلبه يضخ دماً بأنثاه التي لانت له، تخرج ما في قلبها من شوق لتكون أنثى.
وحين جلست بجانبه، متعبة، هامدة كطفلة نامت بعد لهو طويل، همست: تعبت بقه وهلكت.
نظر إليها وقال:
طب ناكل بقى يلا.
ضحكت: يعني إنت مخلياني أشتري وكمان عامل لي العشا هنا؟ إنت مالك؟ المحل بتاع أبوك؟
ضحك وقال:
مالك إنت؟
ثم نهض وأشار لها أن تتبعه.
كان هناك ركن خافت الضوء يجلس فيه. قامت متعبه، وجدت أمامها شاشة كبيرة يظهر فيها فيلم "سندريلا". رق قلبها وتصاعدت دقاته. وهناك طاولة عليها بيتزا ساخنة كانت تعشقها. فتحت عينيها وهتفت بعفوية لم تملكها من قبل:
إيه ده؟ بيتزا؟ أنا بعشقها. وبموت في الفيلم ده والله إنت عسل!
خبطته بسعادة وجلست على الأرض، تأكل كمن يعانق الحياة لأول مرة. وأسمر يتأملها بسعادة. كانت تنظر للفيلم ووجهها يشع سعادة وتأكل وتقلب في الأشياء وتثرثر بلا هدف.
وهو يتأملها وجد فمها عليه من الطعام. مد يده يزيل بقعة صوص عن فمها، لامس شفتيها، فتجمدت للحظة. الزمن توقف، لكن الإحساس تعلى بينهم.
ارتبكت وابتعدت. وعادت تأكل وتشاهد فيلمها المفضل. اتسعت ابتسامتها وهمست: فارس السندريلا هيلاقيها. عارف يا أسمر أنا بعشق الفيلم ده. صمتت وهامت بالمشاهد.
كان لفظها باسمه كفيل أن يقلب حاله ويهيم بمن سرقت فؤاده. اقترب بجوارها وسأل بصوت يهمس في صدرها لا في أذنها:
إيه اللي بيعجبك يا مهره في الفيلم قوي كده؟ عايزة فارس؟ غني؟ حلو زي السندريلا؟
صمتت لوهلة تفكر بدنياها. أجابت بعد تنهيدة طويلة ساهمة كأنها تحدث نفسها: أنا أنا مش كتير بيعجبني، أو بالاصح عمري ما فكرت إن حد يعجبني. يمكن عمري ما حبيت.
همس وكأن قلبه يعرف الجواب:
يعني عمرك ما دق جلبك؟
نظرت إلى الفراغ وغاصت في ماضيها كمن يلمس ندبة خفية.
مهره في حياتها راحت منها حاجات كتير. آخر حاجة تفكر فيها المشاعر.
ليهتف: طب ممكن يجي اللي يخليكي تفكري.
لتتنهد: ماينفعش ومش هسمح ليه بحاجة.
أسمر: يعني لو راجل قرب منك مش هتحسي إنك مبسوطة؟
مهره: ومين هيقرب مني؟ أنا مابسمحش لحد يقرب مني من أساسه.
اقترب وشدها: طب لو مثلاً حد قوي دخل حياتك. مش جايز ما جابلتيش؟ جايز ليكي مواصفات معينة؟
نظرت للفيلم، لانت ملامحها وسهمت. مواصفات.. كنت زمان لما كانت الحاجات دي بتيجي في دماغي كنت... رفعت عيونها بحزن:
كنت بحلم بحد قوي، يحسسني إن ماليش غيره، إني تبعه، ملكه... كنت عايزة أكون أنثى وأرتاح. الخوف صعب، وكنت مستنية اللي يجي ويشيله من قلبي.
اقترب منها، نظر في عينيها، ثم أمسك يدها وقال:
موجود... موجود. بس إنت افتحي باب جلبك.
اغرورقت عيناها، همست: باب قلبي... عارف، عشان أفتح، عايزة حد قوي جامد مابيخافش، وما يسيبنيش ويخاف مني. يحسسني إني ماليش غيره. كنت حابة زمان أبقى تحت طوعه، أبقى ليه زي ما يبقى ليا. عايزاه يخليني ما أفكرش ولا أخاف. الخوف صعب، وكنت بحلم يجي اللي يشيل خوفي.
همس بمشاعر دخلت قلبها: موجود يا مهره. مسك يدها ونظر إليها بلين: موجود، إنت بس ماتجفليش على روحك. كملي حلمك هتلاقيه قدامك.
تعلقت بعيونه: أكمل حلمي. ابتسمت: بحلم بفارس يخطفني. بفتكر السندريلا كانت عايشة إزاي مجبورة على عيشة صعبة غصب عنها. حاسة إني هي. بقعد أحلم بالأمير اللي يلبسني الجزمة يدور عليا. بس أمير قوي يطغي على شخصيتي وأتوه في شخصيته، يحسسني إني بتاعته. حوّل آدم وبس. يخليني أنسى إني عايشة في سجن. صمتت واستدارت.
ثم استغرقت في مشهد الفيلم ونسيت الدنيا.
لكن حين فتحت عينيها، استعجبت. عند ذلك تفاجأت بالنور ينغلق، فهبت تبحث عنه فوجدت إنارة تأتي من بعيد.
بحثت عنه، فقادها الضوء إلى ركن ساحر، حيث فستان أشبه بحلم سندريلا ينتظرها. خفق قلبها ودمعت عيونها. اقتربت وقد تحولت المهره لأنثى، رمت كل شيء خلفها، أنثى تتوق لاستعادة أنوثتها المقتولة. اقتربت لامسته بيد مرتعشة. لم تستطع أن تمنع نفسها وارتدته على الفور ونظرت لنفسها في المرآة كمن ترى أنثى لأول مرة.
وهنا ارتفعت موسيقى المشهد الأخير، لحظة احتضان الأمير لحبيبته. أغمضت عينيها، تشعر إنها دخلت دنيا السندريلا. دارت حول نفسها كأنها ترقص مع ظل الفارس الذي تمنته.
لكنها لم تكن وحدها.
كان أسمر خلفها، لتدور وتسقط بين ذراعيه. احتواها بذراعيه، همس في أذنها:
عيشي اللحظة يا مهرتي.
أغمضت عينيها مجدداً، تركت نفسها له. دارت معه. التصقت به. نسيت الزمان والمكان، كأنها عروس بين ذراعي فارسها. هامت معه. اقترب بوجهه، لامس خدها. أخذها ودار بها يشعر بنبضات قلبها على قلبه تصرخ: أنا أنثى. قرر أنه مهما حدث لن يفلتها ولن يدعها لنفسها أبدا. هي أنثاه، أنثى الأسمر، مهرته التي أخذت عقله.
غاب العالم عن تلك المهره والأسمر يغزوها بقوته. فهو تغلغل بداخلها رغماً عنها، وهو يعي ذلك، ولكنها ليست مدركة لما تعيشه، فهي لم تختبر شعور الأنثى اطلاقاً.
كانت منغمسه في فكرة واحدة: انتقام أخيها وفقط. كونها درع أخيها وفقط ونصفه الآخر. وغير مسموح حتى التفكير بشيء آخر. لم تكن مهره تعتبر نفسها أنثى وأن من الممكن أن يكون لها جواد، ليأتي ذلك الجواد الأسمر الأصيل يكشف عن تلك المهره النادرة، يجعلها رغماً عنه تخضع له حتى لو شردت آلاف المرات.
لانت السندريلا أخيراً تشع حالمية. هامت بين ذراعيه. فهمس لها:
فتحي عيونك.
كانت لا تريد ذلك. تعلم أنها ما إن تفتح عيونها حتى ستعود إلى ذلك الجحيم الذي تمر به. هزت رأسها رفضاً، فاقترب منها ووضع شفتيه بجوار شفتيها. ارتجف جسدها وسكنت في ضباب العشق. أثارت سكونها بشكل ألهم قلبه.
تحرك بلين وشغف ليستقر على شفتيها وتوقف الزمن ولم يتوقف الإحساس. إحساس واحد سيطر عليهم أن مهره ملك لذلك الأسمر. فشدها أكثر إليه واخترق حصونها التي أسقطتها بلا مقاومة. حصون ألم ووجع. حصون أنثى تتوق لمن يكبلها بحصونه لا حصونها.
لم يحسا بزمن أو بوجود ما حولهم. كل ما يحساه الأسمر والمهره وذلك التقارب الطاغي الذي أدخلهم قصة تمنتها تلك الجميلة بغزو الفارس. هامت وهام ولانت واقتحم أكثر وأكثر.
لكن الزمان له قسوته. كلي تلك الجميلة، رن الهاتف كصرخة تشق الحلم.
ابتعدت مذعورة، تشعر بجريمة ما فعلته. ابتعدت مترنحة والتليفون يدق كجرس إنذار. عودي أيتها الجميلة، ليس مكانك وليس دنيتك.
ذهبت لتري اسم أخيها. شعرت بالعار من نفسها. عار الخيانة والغدر باستسلامها لمن غزا قلبها وهو الذي شق قلبها من أساسه. بيد مرتعشة فتحت الخط لتسمع صوت أخيها، ثائراً، غاضباً، كأنها ارتكبت جريمة.
تجمّدت مهره. فتحت الخط بيد مرتجفة. صوتها في البداية كان هامساً، مكسوراً. كان يصيح بها وبما فعلته أختها وكيف حبسها وضربها. كان ثائراً ليتلبسها الشياطين، فهي تحافظ على أختها كأنها روحها وتمنع أخيها من أن يحولها لمسخ مثلما تعيش الجحيم الذي تعيشه.
صرخت فيه للمرة الأولى. صرخة كرامة، صرخة دفاع عن أنثى مثلها، عن شقيقتها، عن الحلم الذي تحافظ عليه حتى لو لن يكون لها.
كان أسمر هناك، يسمع ويشهد، يرى المهره التي تنتفض من رماد الصمت. تلك التي ولدت لتروض، لكنها اختارت أن تصهل وتقف عالية بعيدة. سمعه "أسمر". سمع التحول اللي حصل في نبرتها، من هدوء مطحون لانفجار مزلزل. شافها بعينه وهي بتتشق من جواها، من النقيض للنقيض.
لكنها ما استحملتش. لأول مرة، تنفجر. لأول مرة، تنتفض "المهرة" من أعماق صمتها وتصرخ. بحدة، بقهر، بحرقة سنين.
ارتفع صوتها كالصهيل الجارح. خرج منها زي طلقة دفاع عن أختها، عن "شجن"، عن آخر بقعة نقية في عالمها الملوث:
هو إيه يا أخي!
مش كفاية!
مش كفاية وجع!
عايز تخليها نسخة مشوهة زيي!
سيبها… يمكن تلحق تعيش كإنسانة، تحس، تحب، تتوجع بكرامة مش بذل!
سيبها… بالله عليك، حرام تضربها!
أيوه… معاها حرام!
كل الدنيا إلا شجن!
ما تبقاش زيي… ما تبقاش أنا!
أنا اتكسرت… اتحولت…
بقيت مسخ مشوه من قسوتك، من صمتك، من جفافك!
مش عارفة أنا ليه عايشة…
ولا بعيش ليه…
بس كنت… كنت بعيش عشانك!
عشان دنياك اللي بهدلتني، وقبلت بيها! عايشة مخلوقة من صنعك أوامرك وتحكمك.. عايشة… صرخت أكثر.. لا لا ماعدش عايشة والله ما عايشة.. كفاية أنا كفاية والله كفاية مش هستحمل تموت حلمي حتي لو مش هطوله.. شجن حلم بحافظ عليه لو راح هموت والله هموت أكتر مانا ميتة .. عاجبك إحنا مسوخ على قلبنا غبرة مابتحسش كفااايه تعبت
ارحمني…
كفاية، والله كفاية…
ما تكملش عليا بإنك تحول أختي لبقايا بني آدم زيي!
أنا لسه بحارب… بحارب إنها تفضل نقية،
ما تبقاش صورة تانية مني…
ما تبقاش لعنة بتتكرر… أنا بقيت لعنة على نفسي بقيت لعنة بكره روحي ليه ليه.
حرام… بالله حرام!!
ثم رمت التليفون من إيدها، وكأنها بتقطع آخر خيط بينها وبين احتمالات النجاة، وانفجرت في بكاء موجع، مهتز، من جوه القلب.
هنا، انتفض "أسمر" وكأن الرصاص اخترق روحه، كلماتها هزت حس الرجولة بداخله إنها أبدا لن تكون إلا أنثى أو بالاصح.. أنثاه.. اندفع نحوها، يمد يديه بحنان لأول مرة شدها إليه يدخلها بين ضلوعه.. ضلعه الشارد.. اندفع يلملم ما بعثرته السنين من وجع.. شدها بقوة وظن أنها ستقاومه.
لكنها ما استحملتش…
اندفعت نحوه… و…
رواية عودة الذئاب الفصل العشرون 20 - بقلم ميفو السلطان
انهارت مهره بشدة، فكلام أخيها فاق احتمالها، كأنه سهام مسمومة انغرست في أعماق روحها. سوطًا من نار انغرز في قلبها. شهقت كطفلة ضلّت طريقها في غابة من الألم، وتهاوت بين ذراعي أسمر، كأنها شظايا زجاج مكسور يبحث عن مأوى.
اندفع أسمر نحوها، احتواها، يحيطها بذراعيه كمن يحاول حمايتها من دنيا وجعتها. صامتًا كجدارٍ حنون، صلب كجبل، دافئ كصدر حنون، يضمها كأنها آخر ما تبقّى من روحه، كأنها نجاته الوحيدة من الغرق. لم ينطق، لم يُعاتب، فقط كان هناك، يرسم على جسدها أمانًا كانت تظنه انقرض.
فاندفعت بلا وعي، واندسّت في أحضانه تبكي وتبكي. تبكي ضياع طفولتها، وعمرها الذي تاه في دهاليز الغِلّ والكره، تبكي أنوثتها التي سُحقت تحت وطأة ثأر لا يرحم، ورغبة انتقام أحرقت فيها ملامح الأنثى.
اصبحت لا تحتمل ذلك الضياع. ماذا فعلت لتعيش ممزقه مهلهله هكذا؟ كل ما فاتها، وما لم تُخبر به أحدًا قط. بكت طفولة أُكلت، وأنوثة سُحقت تحت أقدام الثأر، وروحًا تعثرت في طريق لا يعرف سوى الدم والوجع.
حاوطها أسمر، ولم يتكلم. فقط احتواها بصدره، كأنه يخبرها بصمته أنها له، وأنها وطنه الوحيد وسط خراب هذا العالم. شعر بها، بأنها أنثاه التي يستميت ليخفيها من وجع الدنيا، وأنها الجرح الذي لن يسمح لأحد أن ينبش فيه.
ظل يُمسدّ عليها بحنانه، يشدها إليه، وهي تنتحب، لا تفعل شيئاً سوى الالتصاق به، كأنما هو الملاذ الأخير لروحٍ هاربة من عالم موحش لا يرحم.
شعر بعذابها الذي اخترق قلبه، وبعنفوان "اللأسمر" يشتعل في عروقه، هتف بصوت أرعب السكون وزلزل جدران وجعها:
— مين ده اللي متحكم فيكي اكده؟ وبيوجعك اكده؟ لا عاش ولا كان! إنتِ مفكراني جليل؟! أسيبك اكده؟! دا أنا أسمر اللي ما حدش يلمس اللي تبعه… بعدي وأنا أجيبه وأحطه تحت جزمتي! أسمر أبو الدهب يخليه يركع ويطاطي ولا يهوّب ناحيتك! أخليهولِك يلبس مرة وطرحة، انطجي! جوليلي مين ده؟!
هنا تجمدت مهره، تشققت نظرتها، وارتدت روحها إلى خلفية سوداء بعيدة. كأن الزمن توقف للحظة، والجملة تسللت كأفعى بين خلايا عقلها، شدّت ذاكرة أرادت دفنها، لكنها خرجت كقنبلة من تحت الركام.
"هحطك تحت جزمتي."
تلك الجملة التي قالها لها ذات يوم، تركت فيها ندبة لا تشفى. كانت في أحضان أسمر تبحث عن سند، عن ظلٍ يحجب عنها قسوة الحياة، لا عن خنجر يُغرس باسم الرجولة. ولكن أبدا ليس علي أخيها.
فثارت، وغرزت أظافرها في صدره لتجمع ما تبقى من قواها. تريد أن تقتلع نفسها من اخضانه التي تاهت فيهم لوهله وظنت انه ملاذها. ولكن ابي الزمن ان تعيش المهره ويدق القلب ويضخ دما بعد ان كان يضخ مرار وحنضل يجثو علي صدرها يميته. ابي ابن ابو الدهب ان تنسي سواد ايامها مع تلك العائله.
انتفضت بعنف ودفعته، وهو بهت من صدمته. ولاحت نظرات غاضبة كانت تتأجج من داخلها. وقفت تنهج من غضبها ومن قهرها، ممزقة بين أخيها وبين من يهواه قلبها، عيونها كانت حمراء كالجمر، ونظرة وجعها تصرخ، لا تحتاج لساناً كي تحكي. أي جانب سيهبط عليه قلاع المهره.. الأخ والسند ام العاشق ومن دق له القلب.
ولكن سفينه التار والغل موجهه لغرض واحد ولوجهه واحده اعادتها لأرض ابو الدهب أرض الصراع.. أرض الذئاب…
صرخت، وصوتها كان وجعاً ناطقاً:
— هو مين اللي هتجيبه تحت جزمتك؟! هاه؟!
اندفعت تدفعه في صدره، فارتد للخلف.
— هو إنت ما عندكش غير الجملة دي يا أخي؟! من يومك ماشي تجيب الناس تحت جزمك! ما عندكش غير إنك تدوس وتموت؟!
ضربت حذاءه بقوة، كأنها تنتقم من كل لحظة انكسرت فيها.
— لا يا أسمر بيه! هو عمره ما ييجي تحت جزمتك، ولا هتقدر تقرب منه! وده عهد مني… من مهره عمران!
كانت تبكي وتحترق وتنهار… لكنها لأول مرة تقف. تحاول ان نجمع ما بقي منها.
— إنت بتحاجي على اللي يخصك، وأنا عايشة عشان أحاجي على اللي يخصني!
وقف مذهولاً، كأن الأرض سُحبت من تحت قدميه. همس:
— مهره… أنا…
لكنها صرخت، صرخة قهر كسرت الجدران:
— انت إيه؟ عايز إيه؟ جايبني هنا ليه؟ أنا ماليش أجي هنا ولا ألبس الحاجات دي!
نظرت إلى نفسها، فاشمأزت. بدأت تمزق فستانها كأنها تمزق قيداً يكبلها.
— ده مش توبي! ده ما يخصنيش، ده مش أنا!
اندفع نحوها يهدئها، حاوطها بقوة:
— بس، بس، اهدَي! بس، بتعملي ليه كده؟ إيه حصل؟!
لكنها صرخت:
— أوعى! ما تقربليش! أنا ما حدش يقربلي! أنا ما ليش حد ولا أكون لحد! مالكش دعوة بيا! أنا ما حدش يقرب ليا، ماليش أقرب من حد، ولا أكون لحد! مهره ما بتلبسش كده، دي مش هدومي، ولا عمرها هتبقى! دي ليها ناسها، ليها اللي ليهم قلب وبيِدق وبيِحلموا! أنا ماليش، ماليش!
وهو يقف يشعر بالجنون عليها.
— ارحموني بقى، أعرف إني مش كده، ولا هينفع لكده، ولا هبقى كده…
كلبش فيها بقوة، وأدارها، وشدها لصدره بعنف:
— ا ખرسي بقى! إنت بتموتي روحك! اسكتي! إيه الوجع ده؟! بتعملي ليه اكده؟ ! إنتي بتقتليني! بتذبحيني بوجعك! ماكتي في حال، والجلب طلع اللي جواته، ولا هو حرام نفرح ببعض؟!
اهتاجت أكثر، خبطت على قلبها، بشراسة عاشقة الحياة لكنها ترفضها. أبعدته.
— نفرح؟ هما مين اللي يفرحو؟ هتفرح بمين بالضبط؟ اللي هتجيبهم تحت جزمتك؟ لا يا بيه، أنا ماليش في سكة الفرح! بكرة تعرف سكتي كويس، ساعتها هتعرف إن هنا مالوش يفرح!
خبطت على قلبها بعنف.
مهره مابتلبسش فساتين الفرح.
وهو يقف مذهولاً، لا يفهم شيئاً.
— ارحموني! أنا مش كده، ولا هبقى كده!
أمسك بها بقوة، أدارها إليه، شدّها لصدره بعنف.
— اخرسي بقى! إنتِ بتموتي روحك! أسكتي! إيه الوجع ده؟!
خبطت على قلبها بعنف.
— هنا… مالوش يفرح! هنا ما يلينش! مهره ماتت من جوه… اللي مات ما يلبسش فساتين الفرح!
واستدارت مسرعة إلى الداخل، تاركة وراءها قلبًا يتفجر من الغليان. تركت خلفها رجلًا، لا يفهم إن كان يحضن امرأة أم يتلقى طعنات من ماضٍ لم يعشه.
أسمر تاه…
أسمر وقف مذهول… “فيه حاجة واعرة جواها… فيه حاجة بتمزّعها!”
“مالها؟ اتجننت؟ جلبت اكده؟ فيه ايه جواها، لا، البت دي فيها حاجة بتنهش جلبها! عايزة تبقى حرمة، وفيه حاجة بتشدها تمزعها! مين اللي بيسيطر عليها ده، ويكلمها؟! يعمل فيها اكده؟! كت في حضني، لينة، وحابة… فيه إيه؟! لا، لازم أعرف. شوف يا أسمر بيها إيه وخدها بالراحة، وشوف جلبتها ليها سبب.”
جلس يلهث كمن اصطدم بجدار لا يُهدم.
جلست مهره وحدها، أمام المرآة. تتأمل اللاشيء. وهمس الجرح القديم من يدها، يحكي دون صوت…
الجملة ما زالت تدوي في رأسها:
“هحطك تحت جزمتي…”
جلست والأحداث تضربها من كل ناحيه. الي ان اتت ذكري حرق يديها. رفعت يدها تتأملها. لاح طيف الجرح القديم. تأمّلت الحرق، ذاك الذي انطفأت نيرانه على الجلد. لكنها ما زالت مشتعله في نياط القلب.
كلما لامستها الذكرى، انسكبت منها بقايا مشاعرٍ نبتت بالإكراه، وتعيد سو قلبها بكفن الصمت والوجع. ظلت تحاوطها الذكريات كغيمه تسحب روحها وتغلفها حتي سقطت آخر لمحه من المهره التي تحولت لحاله في أحضان الاسمر حتي لو لدقاىق معدوده.
زحف التبلد لجسدها وهدات تماما كريحٍ باردة تغلق كل النوافذ وانتظمت أنفاسها كانفاس جهاز الموت يعلن دقات قلبها كخط ممسوح لا ينبض.
نظرت في المرآة. كمن يدفن طفلًا كان يسكنها، ثم بهدوء قاتل، مسحت دموعها، وابتسمت بسخرية، ارتدت ثوبها القديم، لبس “مهره” مش لبس الوهم الزائف. وهم ألأنثي. قامت، تلبس لبسها، وتخلع ذلك الفستان، وتدوسه بقدمها.
وقفت تتأمل نفسها بلبسها. أخرجت حقيبتها، وضعت المكياج، وارتدت باروكتها. وتعود لهيئتها السابقة.
اقتربت من المرآة، تنظر لنفسها جيدًا، وضعت الحسنة بجوار فمها، كأنها تضع نقطه مسمومه علي قلبها وأخذت نفسًا عميقًا، اقتربت أكثر، ونظرت بعيونها، ضحكت بقوة، من يراها يظن أنها جُنّت، ولكنها تعود لنفسها لتأثر سلامة عقلها إن لا تُصاب بخلل. فلتعد لطبيعتها، وتكبت ما ظهر منها غصبًا، وتنسى كينونتها وفطرتها، حتى تُكمل ما بدأه أخيها.
اقتربت وهمست بقوة: عادت كما كانت. أخذت نفسًا عميقًا. اقتربت من المرآة أكثر، وبدأت ترسم المهره مرة أخرى ببرود وتبلّد. نظرت في عينيها، ضحكت بقوة، كأنها تضحك على بقايا نفسها.
— مهره عامر أبو الدهب… إنتِ بنت الغازية وبنت الحرامي… إنتِ أخت نديم، وضهر نديم، وقلب نديم… مالكيش غيره، فاهمه؟!
مدّت يدها ولمست المرآة.
— اللي جوا المراية دي وهم، وهم لازم يتكسر!
والوهم لازم يتكسر!
وبضربة قاطعة، وبعنف، كسرت المرآة. وانتشرت الشروخ على الزجاج، لكنها لم تُشوّه ملامحها. بل كشفتها. أظهرت “مهره” الحقيقية. تظهر هيا من بين الشروخ.
ضحكت وقالت:
— آيوه، إنتي كده، صح. شرخ. مسخ. مالوش شكل. هتكملي كده، أوعي لنفسك يا بنت عامر، هاه؟ أوعي، أوعي تنسي.
خرجت من الغرفة بثقة وكأنها لم تكن تبكي قبل لحظات، وكأنها ما انهارت، ما تحطّمت. تسير بثقة المستسلمة لمصيرها. فوجدته ينتظرها.
كان هو ينتظرها بالخارج بلهفة، فانصدم حين خرجت بتلك الهيئة الباردة. لم يكن وجهها يُعبّر عن أي ملامح. كان مكياجها صارخًا ومتكلفًا بشكل عنيف، كأنها شخص آخر. فوجدها تقترب بهدوء، وتقول بنبرة جليدية.
ملامحها ميتة، صوتها بارد:
— عندك الحاجات مترتبة، وقول للبنت ألف مبروك… بالنيابة عني.
استدارت تمشي، فصرخ خلفها:
— ما حدش يجدر يعيش بشخصيتين! ما حدش يجدر يجهر فطرته!
تجمدت، ثم التفتت، رفعت إصبعها بإشارة السلام، وخرجت.
أسمر وقف مذهول. قلبه يغلي. بس مش فاهم، إيه اللي بيقع من بين إيديه كلّما ظنّ أنه أخيرًا أمسَك به؟ وليه بتنساب من حضنه كل إما يحس إنها خلاص لانت ليه؟ ولماذا تذوب بين ذراعيه كلما اعتقد أنها استقرّت؟
ولتصمت الدنيا دفعة واحدة. حين ترحل الجميلة التي أصبحت لغزًا بلا تفسير، ونارًا بلا دخان. ويقف الفارس الاسمر شريدا بلا مهره يصبو قلبه اليها.
كان براء جالسًا، تملؤه الحسرة، ينهشه الوجع على تلك الجميلة الرقيقة. تمتم بهمٍس لا يكاد يُسمع:
“أنا مش جادر، جلبي بيتجطع، هتحمّل إزاي أشوفها اكده؟ لاه، لازم أروح لها…”
هبّ واقفًا، حجز أول طائرة وطار إليها. لم يكن يملك خطة واضحة، فقط رغبة مُلحة في رؤيتها، في إنقاذها من قهرٍ لا تستحقه.
اشترى علبة بيتزا وتسلّل بين الشقق متخفيًا في زي عامل توصيل، يبحث بعينٍ ذابلة عن اسمها… “شجن عامر”.
ولمّا وجد الشقة، طرق الباب بخفة، ففتحت شراعة الباب، شهقت بخوف حين رأته:
“إنت! إنت جيت ليه؟ عايز تموتني؟ إزاي تعمل كده؟!”
مد يده من فتحة الشراعة، لامس وجهها بلطف، همس مكسورًا:
“هو اللي عمل فيكي اكده؟”
كان وجهها ملتهبًا من أثر الضرب، احمرّت وجنتاها لا حياءً، بل قهرًا. انسابت دموعها بصمت موجوع:
“وجعني قوي، بهدلني وقال كلام وحش…”
تنهد براء بمرارة:
“ليه؟ هو مش واثج فيكي؟”
أجابت بكسرٍ في صوتها:
“أخويا ما بيتفاهمش… عايش عشان ينتقم من أهله، عايز يفضحهم ويموتهم… وأنا؟ أنا ولا حاجة… إن شاء الله أولع، ماليش قيمة عنده.”
قال براء بحنانٍ يكسر الجبال:
“طب جوليلي، أعمل إيه دلوك؟”
نزلت دموعها من جديد:
“قاللي… قاللي إنه هيجوزني، يا براء.”
صرخ براء بانفعال:
“هيا سايباه! هو مين أصلاً اللي يجوزك؟!”
فجأة، رنّ هاتفها، ارتجفت.
“نديم! نديم يا براء…”
فتحت الهاتف، صوتها مهزوز:
“أيوه… إيه؟ البس؟ أقابل مين؟ نديم، حرام عليك! بتعمل فيا كده ليه؟… حاضر، المفتاح؟ حاضر، فين؟ حاضر…”
أغلقت الخط، دموعها تسبق أنفاسها، فسألها براء بقلق:
“فيه إيه؟!”
قالت وهي تحاول تماسكها:
“مافيش… هنقابل ناس… هستأذنك يا براء.”
أغلقت الباب وبدّلت ملابسها، فتحت لتجد براء مسنودًا على السلم، قفز واقفًا:
“رايحة فين؟! أخوكي موديكي فين؟ جوليلي!”
دموعها تنساب وهي تتمتم:
“هنقابل حد…”
زمجر بغضب:
“حد مين اللي منزّلك تجابليه؟!”
أجابت بقهر:
“أرجوك يا براء، أخويا تحت، لو طلع… هيموتني.”
استدارت ونزلت، وهو خلفها. راقبها تركب مع أخيها. كان الشعور ينهشه. لا راحة ولا سكون. تبعهما.
رأى نديم يدخل أحد الكافيهات الكبرى، يلتقي بأسرة، وشجن إلى جواره.
راقب المشهد، رأى سيدة تحتضن شجن وتأخذها جانبًا، وبعد وقت جاء شاب وجلس معهما. ثم غادرت السيدة، فبَقِي الشاب وشجن وحدهما.
اشتعل قلب براء.
“نهار اسود… دا عريس؟ أنا هجف أتفرج!”
اعمل ايه الواد عينيه هتاكل البت جلبي بياكلني كان يشعر بالنار كان ياكل حاله. طب ايه هفضل جاعد اكده لما اموت مجهور.. هب مسرعا وذهب الي احد الخادمين علي المطعم واعطاه مالا.
مر الوقت لينطفئ النور وبدا الكل في الانصراف. خرجوا، صافحوا الناس وانصرفوا. رأى أخيها يشدها بعنف وهي تبكي، فاشتعل قهرًا. صعد سيارته، تبعهم حتى المنزل.
انتظرهم، نزل نديم، فهب براء وصعد مباشرة، طرق الباب، ففتحت شجن بذهول، فاندفع داخلًا:
“إنت بتعمل إيه؟! اخرج! عايزني أموت؟!”
صرخ محروقًا:
“دا كان عريس، صح؟! جايبلك زفت يتفرج ويعاين!”
قالت بانكسار:
“أرجوك، أخرج… لو رجع، هيموتني.”
دفعها:
“خليه ييجي! يموتنا إحنا الاتنين! فاكرة إني هسيبه يعمل فيكي اكده؟ شجن… أنا مش هسيبه يدمرك!”
قالت بخضوع:
“خلاص يا براء، مش بإيدي، وأكرم… أكرم شكله طيب… أحن من أخويا.”
صرخ بوجع:
“نهار أخوكي طين! أكرم مين وزفت مين! إنتِ هتوافجي؟ إنتي جنّيتي؟!”
أجابت باكية:
“أنا خلاص… مت! ماليش حق أعيش… ولا أفرح… ماليش…”
اقترب منها، نطق بصوت مليء بالحسم:
“ما تجوليش اكده… لأ، هتعيشي، وهتفرحي، وهتحبي، وهتتهني كمان.”
دفعته بقهر:
“كفاية بقى! بتعمل فيا كده ليه؟ أنا خلاص، هو قرر يقتلني، مامنوش فايده خلاص هو حكم عليا بالموت هو خلاص انا عارفة هيحدفني لاي حد.
أمسك يدها بقوة:
“مش هتتجوزي… .. ده لما ما ابقاش موجود ده لما يبقي براء مش راجل ويسيبك يتعمل فيكي اكده ده لما تكوني مش مكتوبه علي اسمي. إنتي مراتي!”
بهتت:
“إيه؟! بطل… أوعى تقول كده… اوعي تجيب السيره دي إنت قطعت الورقه بطل !”
صرخ:
“ما جطعتش الورطة… ومش هجطعها… وتسمعي بقى! أنا هتصرف… إنتي مراتي!”
انهارت، تصرخ وتلطم:
… نهار اسود انت عايزه يقتلني هموت هموت حرام بقه والله ماعت مستحمله انا هتجوز هتفضحني بطل.
زمجر:
انت ماهتتجوزيش حد واصل واني بقه اللي هجفله واعرفه مين هو براء. اخوكي فاكر نفسه يجدر عالكل. مش هتتجوزي حد! وأخوكي؟ أنا هعرفه! براء يجدر عليه وعلى اللي زيه!”
دفعته، ترجّته:
“حرام عليك! هيموتني! أنا مش قادرة أتحمل أكتر من كده!” بطل بقه انت عايز إيه.. اخرج اخرج،، نديم ماحدش يقدر عليه نديم اخويا غير.
لتدفعه برعب:
“بره بره حرام بقه انا يتعمل فيا كده ليه. هتجوز “سيبني… أنا هتجوز… كفاية! أنا مرعوبة…”.
شد يدها بقوة:
.. جواز ماهتتجوزيش واخوكي انا هعرف اعلم عليه كويس.. اني خططي ماهتترميش بالأرض وهاخد حجي كله
اندفع خارجًا، وهي تقف مذهولة، مكسورة، وهو ينوي ان يذهب اليه وهيا واقفه مرعوبه تلطم وجهها.
“هيعمل ايه هيفضحني نديم هيموتني يا رب انا غلبانه هعمل ايه؟!” لتظل تنتحب بقهر لا تعلم ما القادم.
دخلت وجد على نديم، لقته واقف ووشه مغيَّم بالغضب، قربت منه بقلق:
(بصوت هادي):– إيه داخل كده ليه؟ مالك يا نديم؟
صرخ فيها فجأة، صوته مبحوح ومليان قهر:
– سيبيني لوحدي، يا وجد!
اتخذلت من صراخه، بلعت ريقها بصعوبة وهمست:
– أنا آسفة…
استدارت تمشي، بس قلبه اتفتّت، لماذا يحدث له ذلك فهذا كثير عليه. هو مش قادر يتحمّل بعدها، مش قادر يفقدها وهي الحاجة الوحيدة اللي حنّت عليه، اندفع ناحيتها واحتضنها من عند الباب.
رجفت في حضنه، وحاولت تبعد عنه وهي تهتف بخجل وارتباك:
– ابعد… عيب كده، من فضلك.
تنهد بندم، وسابها بهدوء، ورجع وقعد، دفن راسه بين كفوفه. قربت منه تاني، حطت إيدها على كتفه بلطف وهمست:
– مالك يا نديم؟ مش تقولي؟ يمكن أساعدك… مش أنا وجد؟ صاحبتك، ولا إيه؟
رفع عينه ليها، ووجعه باين فيها:
– أقولك إيه؟ أقول إن نديم اتكتب عليه يشيل الطين، ويتحط تحت رحمة دنيا ما ترحمش؟ أقولك إن أختي… أختي بتتكلم شباب وهي صغيرة، وهتجيبلي العار؟ وشرع يحكي لها كل شىء.
اتصدمت وجد، عيونها اتسعت وهمست:
– ضربتها؟ حرام عليك يا نديم، دي صغيرة، ولوحدها، انت قاسي ليه كده؟ تعرّفها غلطها يا نديم. عارف إنك اتوجعت بس ما تبقاش زي أهلي… أنا حاسة بيها، حرام عليك.
صرخ، صوته عالي ومبحوح:
– بتقولي إيه؟! دي الهانم فاتحة كاميرا لواحد! وبتحكيله عن أيام الخلا! وبتضحك وهي بتتكلم! اسكتي، اسكتي بقى! “كانو في الخلا…” كانوا بيعملوا إيه؟ بيصلّوا! اسكتي، ده فيه جهر! ما جادرش،،
ردّت بهدوء، لكن عينها مليانة دموع:
– وانت ما سألت نفسك ليه؟ انت مربيها كويس، أكيد! طب اللي بيكلمها ده، من البلد، يمكن صديق؟ نديم… متتسرعش وتدفنها حيّة، دي غلبانة… زيي، أنا عايشة لوحدي، وأبويا بيقهر فيا. ما تبقاش زيه، أبوس إيدك… أكتر حاجة وجعاني دلوقتي، إحساسها إنها لوحدها في الدنيا…
سكتت لحظة، وبصت له بعيون دامعة:
– هتجوزها غصب؟ هتموتها بالحسرة؟ هتعمل فيها زي ما أهلي عايزين يعملوا فيا؟
هتف بندم بقهر:
– أمال أعمل إيه؟ أفرشله السرير؟ أدخله القوضة واركب قرون انت مجنونه ؟ ده جاي ياخد روحي ، يا وجد! جاي يدفني بالحياة ويشيلني العار على دماغي!
وانا ورايا دنيا الهم علي دماغي،،
قربت منه، وقالت بلين:
– عارف يا نديم؟ انت جواك اتنين… واحد حنين، وده أنا شُفته، وعرفته، وحسيته… وواحد تاني قاسي، بيقتل الحنين ده! أختك مش شايفة منك اللي أنا شايفاه. انت بالضبط زي أبويا، بس أبويا قاسي من جوه وبره… أنا عايشه قهر يا نديم… حرام عليك… أنا عارفة أبويا بيخطط لإيه… بيخطط يجوزني. أنا ما شفتش يوم فرح، وقلبي عارف إنك بتحس، بس بتخبّي! ما تعملش في أختك. ـ أنا أكتر واحدة، يا نديم، حاسة باللي عملته… اقعد معاها، ، جايز بتحبه… جايز… حاجات كتير… أختك يا نديم صغيرة، وبتقول طايشة… أوعى يا نديم…
تنهد هو، وأحس ببعض الراحة من الكلام معها، بصّ لها بندم، وابتسم ابتسامة صغيرة:
– مش عارف من غيرك كنت عملت إيه… انتِ نعمة يا وجد.
ردّت وهي مبتسمة، وعينيها مليانة حب:
– أنا موجودة، كل ما تلاقيك موجوع، هتلاقيني… أهون عليك، وأملّس على قلبك. إحنا اتكتب علينا الوجع… بس ربنا كاتب لنا نداوي بعض.
رنّ تليفونها، قامت ترد عليه وهي بتضحك:
وجد:– إزيك يا عمّوري؟ وحشتني!
نظر ليها نديم بصدمة، حواجبه تقطبت:
نديم (بغيظ):– عمّوري؟! مين ده كمان؟ هو أنا هحلق على البِت؟!
قام، وراح لها، وزغدها:
– بتكلمي مين؟
بصت له بغضب وابتعدت، فضلت تكلم، جدها، وظلت تمازحه ونديم مشتعل عن آخره، فقد كانت تحب جده. وهو واقف بيغلي.
قطبت فجأة:
– إنت بتقول إيه؟ أرجع ليه؟ فيه إيه؟ طيب… مش مطمّنالك… قولي… طيب…
تنهدت وقالت:
– طب حاضر، بس إديني شوية كده… ابتسمت وهتفت:
– وحشتني أوي… والله حاضر… عيوني… هفكّر فيك وبس…
انتهت واستدارت، لتجد نديم واقف أمامها مشتعل. اندفع:
– إنتِ بتكلمي مين؟ وقدّامي كمان؟ هي بقت سايبة؟ هاه؟ “وحشتني” و”زفّتني”! انطقي! مين البيه؟ هو أنا هحلق عليكي ولا إيه؟ إنت بتعملي فيّا كده ليه؟ آه! شوية أمجد، ودلوقتي عموري! هو إنتي واقعة؟ ما بتصدقِ تشبكي مع حد؟! وعشان كده تصرّفات أختي عجباكي.
–! انتِ لو كلمتي حد تاني… هسود عيشتك، فاهمة؟!
سكتت… وعيونها اتقلبت ببرود وغصة:
(بهدوء جارح ووجع ):– تصدق؟ أنا واقعة فعلاً… واقعة إنّي واقفة قدّامك وسامحة لك تكلمني كده. واقعة إني قربت منك ونصحتك. واقعة إني افتكرتك شبهي. نديم، دي آخر مرة تتكلم معايا بالشكل ده…أو اقولك يمكن آخر مرة تكلمني أصلاً.
استدارت تمشي، بهت، اندفع و لحقها وهي تلمّ حاجتها من المكتب:
نديم (بصوت عالي):– بتعملي إيه؟!
ما ردّتش، شدّها من إيدها، فدفعته:
(بانفعال):– إيدك لمّها! فاكرني إيه؟ عارف؟ لو قلبي حنّ ليك بعد كده، هخلعه! مش مسموح لك تهينّي. هو إحنا اتخلقنا عشان ننوّجع بس؟!
لمّت حاجتها، وخرجت. لحقها ورفعها من على الأرض وهي بتصرخ:
– سيبني! سيبني أمشي! هسود عيشتك، والله، زي ما قولتلي! بس أنا اللي هسود عيشتك بزياده!
صرخت:
– أنت واحد جاحد! واحد ما بيحسّش! واحد.. اوعي بتعمل فيا كده ليه قلبي وجعني منك مش عايزه أعرفك إنت بتوجعني همشي مش هقعد.. هقعد ليه ليه اوعي سيبني. الا انها انخرست فجأة عندما…