تحميل رواية «عودة الذئاب» PDF
بقلم ميفو السلطان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كان يقف محني الرأس والشيب نال من شعره الكثير، بل لم يعد في شعره إلا ما يدل على الكبر والوهن. ينظر إلى الأفق ويتحسر على حاله وما وصل إليه من أفعاله وقسوته. فالقسوة لا تنبت إلا القسوة. يعود بالزمان إلى يوم حلّت عليه مصائب من صنع سواد قلوبهم. يوم أغبر من يد غبراء لا تعرف الرحمة، أبٌ وابنٌ جاحد، كانا سببًا في تعاسته وتعاسة الحبيب الذي غاب ولا يعرف عنه شيئًا. رفع رأسه للسماء وعيونه تلمع بدموع الندم والحسرة. يتنهد بتنهيدة تشق صدره تخرج ما في جوفه من وجع. أي ألم يشعر به. ركن رأسه على جدار الشرفة وسرح ف...
رواية عودة الذئاب الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم ميفو السلطان
كانت و&;جد تجلس بين النساء&; تلفظ أنفاسها الأخيرة من الصبر&; ت&;خفي وجعها في صمت&; مرير&; وإذا بإحدى الفتيات تقتحم الجمع م&;سرعة&; وجلة النظرات&; متقطعة الأنفاس.
اقتربت منها&; جذبتها جانب&;ا&; وهمست في أذنها بما حدث... حكت لها كل ما جرى&; كل ما ف&;عل في تلك الليلة المظلمة &; ليلة لم يرحمها فيها أحد&; حتى جدها سقط تحت وطأة ما فعلوه جميع&;ا.
خرجت وجد م&;سرعة&; كأن النار تشتعل أسفل قدميها&; وصعدت إلى الأعلى&; تهرول بأفكارها&; لا تعلم إلى أين تمضي. جلست أخير&;ا&; على أطراف الوجع&; وانهارت &; كأن شيئ&;ا انكسر بداخلها ولم يعد يصلح للترميم.
موجوعة... كانت تشعر بقلبها يتمزق أشلاء&; كل نبضة تلسعها كأنها عقاب.
راحت تفك&;ر في أمرها&; في مصيرها&; في وجعها الذي ينهشها &; جلست بعينين تغلي فيهما المرارة&; والخذلان يرتجف في نبرتها. كمن تنزف بالحروف.
&; جاي ليه يا نديم&;جاي تاخد حقك من أبوي&;ا&; جاي ليه&;ماهو أكيد مش عشاني...
فضحت أبوي وسط الخلق&; وجاي دلوقتي تقول: "مراتك"&;!لأ&; بجد... شاطر يا بن عمي&; الخطة ماشية صح!
&; ياااه... كل ده علشان تيجي في الآخر&; وتحط جزمتك على راس عيلة أبو الدهب&;!
خلعت قلبي ورميته! علشان إيه&; دانا يتيمة... يتيمة أب وأم!هونت عليك تعمل كده&;!
هونت أبقى رخيصة قوي... أنا!انتقامك عماك يا نديم...دانا غلبانة... غلبانة قوي&; قوي!
طب والأيام اللي عيشناها&;والحلم بتاعي&;
خلاص... مات! اتقضى على دنيتي...دنيتي اللي كان فيها أمل صغير إني أعرف أفرح...
أعرف أتنفس!
وانفلت الحزن من بين ضلوعها حتى لم يبق&; لها غير صوتها المرتجف&;
خلاص يا نديم&;د&;ست برجلك على قلبي&; ليه&;!عملت فيك إيه&;!مراتك&;! بعد إيه&;
وجاي ليه&;موت&;ني ليه يا ظالم&; أنا وجعتك في إيه&;!ليه&;!
تعيشني وجع ليه&;!وجاي تكم&;ل&;ما كفكش ذ&;لي ومرمطة نفسي&;ده أنا كنت بموت بالبط&;ي&; وإنت واقف تتفر&;ج!أنا كنت بعيش على حبي ليك &; وانت كنت بتخطط تدوس عليا!
(شهقت.. نزلت دمعة كأنها كسرت جواها كل حاجة كانت بتستحمل عشانها)
انهارت من البكاء&; جسدها يرتجف كأن نبضه بيصرخ&; عيناها غائمة&; تتشبث بآخر أنفاسها وهي تنتحب وقلبها يئن:
&; طب إيه&;! هو جاي ليه&;!عايزني معاه&; ليه&;
علشان يزل&;ني&;صح&;ما هو ليه طيب&;
أكيد عايز ياخد تاره من "جابر" ويعل&;م عليه اليوم دا&;
مافيش تفسير تاني&;أنا لا بلزمه&;ولا في قلبه أصل&;ا&;هو ده عنده قلب&;!ده ديب مصعور&;
بي&;نهش في القلوب وما بيحس&;ش!مايعرفش غير الغ&;ل&;بيضحك وسط الخراب&; ويمشي فوق الجثث. صرخت بحرقه..
كان القصر ساكن&;ا&;هادئ&;ا حد الرعب&;لا صوت سوى نحيبها المتقط&;ع&;وكأن الدنيا كلها انكمشت وسبتها تواجه وحدها.الناس انفض&;وا&; الكل مشي&;وهي&;فضلت&;زي ما كانت دايم&;ا: لوحدها.
وفجأة&;سمعت مشاحنات.أصوات تعلو في الطابق السفلي.قلق&; اجتاحها&; فنهضت كمن يهرب من قدر&; لا مفر&; منه.
ركضت مسرعة&;وصلت عند باب الغرفة&; وهي مش شايفة قدامها&; رجليها بتسبق قلبها&;
وإذا بصوت أبيها يشق&; الصمت كالسيف:
&; "حلال عليك الب&;ت!"
توق&;ف الزمن&;غرزة غادرة اخترقت قلبها&;
كأن أحدهم طع&;نها وهي واقفة.سكتت الدنيا&;حتى النفس اتوقف في صدرها&;
&; حلال&;!باعني&;!أبويا&; باعني&;!في لحظة&;
عشان شوية فلوس&;!
عايز يرميني في حضن نديم&; عشان الفلوس&;!إزاي سل&;مني لنديم كإني ورقة صفقة&;!بياخدني لبيته&; علشان أخلف&;
مش علشاني&;لا حب&; ولا كرامة&;المهم أخلف لهم&; بس!
ياخدني بيته&; يرمي ورا ضهره&;وكأني ما تسواش!المهم أخلف لهم أطفال&;وساعتها أكون أد&;يت الغرض&; وخلاص!
جملته القاتلة كانت كالساطور&;نحرت قلبها وفلقته نصفين:
&; "حلال عليك الب&;ت."
سندت على الحيطة&; مسكت صدرها&;كأنها بتحاول تمنع نبضها من الفرار&;لكن لا فائدة&;قد ق&;ضي على أحلامها!
وماتت&;ماتت أميرة التلج&;برد قلبها&;
اتكسرت جواها كل أمنية كانت بتستند على لحظة صدق.ونسيت فكرة "قبلة الأميرة الصادقة"&;لأن أميرها&;هو الذي طعنها في قلبها&;بإيده! جعلها تموت ألف مرة&;وهي تقف وحيده&;
.
بيعت.ك&;ش&;ر عنها الغطاء&; وس&;حبت رخيصة&; من أجل المال.من أجل أن ينتصر "النديم" عليهم!باعها والدها&; أو من كانت تظن أنه والدها&; فالوالد سند&; وضهر&; وحماية&; أما "جابر" فيبلغ من الخ&;س&;ة ما يجعله مداس&;ا لأي أحد&; في سبيل المال! سمعتهم يتهامسون خلف الأبواب&;
"هي مش هتوافق."
ضحكوا&; وتناسوا إنها إنسانة&; مش صفقة!
عادت إلى حجرتها.جلست على حافة سريرها كأنها على حافة عقلها&;تفك&;ر&;ثم ابتسمت&; ابتسامة باهتة&; مكسورة&;كأنها ابتسامة ساخرة من الحياة كلها.
همست لنفسها&; بصوت&; يشبه الخذلان:
&; شفتي&;أهيا دي الحقيقة يا "و&;جد"!مافيش حب&;مافيش أمان&;الدنيا دي كلها غ&;ل&; وحقد&; وكل واحد بيجري على نفسه!
أبوي&;فك&;ر في نفسه&;ياخد&; يكبش&;
وأهو كسب!وجد&;ي&;برضه فكر في نفسه&;
نجيب عيال وخلاص!يوز&;ع البهايم ع الأحفاد كأنهم هبة&; مش أرواح!
أنا&;! بهيمة&;!زي البهايم&; تتعلف وتنام من سكات&;!نجيب عيال زي الحيواناتبالفلوس&;!
وبعدين&;!نتهان&;!
حتى "سي نديم"&;فك&;ر في نفسه هو كمان.
طعنني بأبشع صورة&;ضح&;ى بيا&;كأن&;ي لا حاجة لي إلا أن أكون سلاح&;ا في حربه!
&; أنا فين من كل ده&;!قلبي فين&;!دانا غلبانة&;غلب ليه&;ليه&;!كان حلمي أبقى له أميرة&;طلعت مداس&; مداس بالفلوس!
كل واحد شاف مصلحته&;وانت&;&;قاعدة&; بتنحي&;على أيامك السودة!اللي هما&;
هما اللي عملوها سودة!
صمتت قليل&;ا&;لكن فجأة&; رفعت رأسها بعناد.مسحت دموعها بعنف&; كأنها تقطع الوجع من جذوره.
&; بس لا&; لا يا وجد!كفاية بقى.فك&;ري في نفسك&; انت&; كمان&;يا بنت "جابر"!وبط&;لي هبل!حب إيه وبيت إيه ودنيا وغرام إيه&;!
الحب ده&;وهم!والضعف&;قرف!انت&; بنت "جابر"!وهتفضلي بنت "جابر"!غصب عنهم كلهم.فوقي!لازم تبقي زي&;هم&;تكبشي زيهم&; تعيشي لنفسك&;ولما حد يوقفلك&;ك&;ل&;ي قلبه!
أغمضت عينيها&;كأنها بتحاول تطفي الحريق اللي جواها.ولأول مرة&;أقنعت نفسها&;إنها لا تصلح للحب.
شعرت بسكون داخلي&;هدوء غريب&;من ك&;تر الوجع&;ما بقاش فيه حاجة تتحس.ثم همست لنفسها&; بصوت ثابت كالنار:
&; قومي يا وجد&;خ&;دي حقك زيهماشمعن&;ي إنت&;&;إنت طول عمرك هبلة&;قومي&;واللي يطول حاجة&; ينتشها!وهتبقي ست&;هم كلهم!
وهتاخدي&;وهتاخدي من جد&;ك كمان.
آه&;هاخد!وهعيش!
هعيش بالفلوس&;ما هو الحب راح&;وقلبي&;
مات موتة ابن عمي الغالي&;حاس&;ة جوايا بموت&;بس لأ&;موتي أحسن&; وأقوى&;
من إن&;ي أعيش ضعيفة.اهرسي قلبك بجزمتك&;زي ما الكل هرسه قبلك.
...وفي تلك اللحظة&;استقر شيء في ذهنها.
واضح.ساخن.حاد&; كحد السيف.قررت.
ستفعل ما لا عودة منه&;وستمضي قدم&;ا فيه.
نهضت.ات&;جهت نحو دولابها&;بخطوات واثقة&;كأنها تلبس جلد&;ا جديد&;ا لا يشبهها.
ارتدت عباءتها الصعيدي الداكنة&;وعليها غطاء الرأس الأسود&;ثم حد&;دت عينيها بك&;حل&; أسود عميق&;جعل من نظرتها خنجر&;ا مغموس&;ا بالحزن والعز&;ة.
لبست كردان&;ا صعيدي&;&;ا عتيق&;ا&;وخلال&;ا في قدميها&;وتحل&;ت بقرط&; عريض كأنه سلاح لا زينة.وقفت تتأمل نفسها في المرآة&;
لم تعرفها.نظرت إلى انعكاسها في المرآة&;
ثم ضحكت&; ضحكة مشوبة بالذهول والمرارة.
&; مين دي&;!
مد&;ت يدها نحو وجهها&; تمسح بأطراف أصابعها آثار الطيبة القديمة.ثم همست لنفسها&; بصوت بارد كالنار في جوف الجمر:
&; لا... لسه يا وجد&;التاتش الأخير...خط موتك&; يا بنت جابر.
جلست.وأخرجت أداة صغيرة&;وبدأت ترسم على ذقنها الوشم الصعيدي.خط&;&; أسود&; ك&;حلته من الألم وغ&;ر&;ز فيه معناه الحقيقي:
الهيبة&; والقسوة&; والرعب.من يراها&; يهابها.ليس لأنها جميلة&;بل لأنها أصبحت مخلوق&;ا آخر&;مخلوق&;ا لا ي&;كسر.
استدارت.خرجت بخطى بطيئة واثقة.
وقفت في أعلى السلالم&;وفجأة&; وصلت إلى أذنيها صرخة أبيها:
&; لأه! هي&;ا هتوافج&;! ما عندناش بنات أكده&; وإلا تتجت&;ل!!
ابتسمت&; ابتسامة من لم ي&;ع&;د يخاف شيئ&;ا.
بدأت تنزل درجات الس&;&;ل&;&;م ببطء&;كأنها ملكة من نار&;تتهادى&;لكنها لا تمشي&; بل تحرق.
نظرات الجميع اشتعلت دهشة وخوف&;ا.
وسكون القاعة كأن الزمن انحنى لها&; وراح يتنح&;ى عن طريقها.
كل خطوة لها&; كانت طبلة حرب.وكل دق&;ة في الأرض&;تسحب وهن&;ا من صدورهم.
رفع "نديم" وجهه&;فشعر بشيء غريب يشتد في صدره&;كأن كلبشة من لهب ت&;طب&;ق على قلبه.منظرها&;مرعب&;مهيب&;غريب.
كلما اقتربت&;كلما دق قلبه كمن ي&;قتاد للذبح.
ظل&;ت تتهادى كأنها زحف اللهب نفسه&;إلى أن وصلت منتصف القاعة&;ثم تقد&;مت ناحية أبيها&;نظرت إليه نظرة من جمر&; وس&;م&;&;ثم هدرت&;بصوت&; رج&; المكان من جبروته:
&; عايز تجتل مين يا أبوي&;!
ذهل الجميع."نديم" بهت&;وجحظت عيناه&;
لم يسمعها يوم&;ا تتكلم بالصعيدي.كانت تكرهه&; وكانت تكره أن تتحدث به أمامه&;
وها هي الآن&;تتكلم به&; كأنها بنت الجبل.
مد&; "نديم" يده إلى صدره&;يشعر بذبحة&;
كأن قلبه يعاقبه على ماض&; خانها فيه.
تذك&;ر همسها&; وهي تنظر له ذات ليلة&; قائلة:
&; عارف يا نديم&;&;يوم ما يبقى شكلي منهم&; وأتكلم زي&;هم&;ابقى مت&;!
وها هو الآن&;يشهد موتها.لكنها ليست جنازة.بل&; قيامتة.ونهايه قلبه العاشق.
خفق قلبه&; وابتلع ريقه بصعوبة&; عيناه كانت معل&;قة بها&; وقلبه يعلو ويهبط كأن شيئ&;ا بداخله ينهار.
سمع صوتها&; ووجعه.
"مين جالك إني هخالف رأيك يا أبوي&;"
ساد الصمت&; في القاعة&; والنظرات كلها تعل&;قت بها&; رهبة&; غريبة تغلف خطواتها&; وهي تقترب كأنها عاصفة تتقد&;م.
اقتربت من نديم&; ووقفت أمامه بثبات&; أرعبه&;نظرت في عينيه نظرة&; حادة&; نظرة من لا يهاب&; من تحو&;لت روحها لجمر&; مشتعل.
"نديم عامر أبو الدهب... راجلي يا أبوي."
اقتربت أكثر&; ومد&;ت يدها تلمس صدره ببطء وثبات:
"كيفك يا سيد الناس&; حمد الله عالسلامة... نورت دارك."
ثم استدارت&; ونظرت إلى الجمع&; بصوت&; جارف كالسيل:
"نديم أبو الدهب راجلي&; وهنجيب عيال&; كيف ما جدي جال.""وهنعمل عزوة ونسب&; وأحط مالي ع&; ماله&; المهم&; أرض أبو الدهب تكبر&; وتعلي."
ص&;عق الجد&; وابتلع صدمته&; صوته خرج محشرج&;ا:
"بتجولي إيه يا بتي&;! من مي&;ته&;! بتفك&;ري في أرض &; إنتي ج&;رالك إيه&;!"
سارت بثبات وجلست جوار أبيها&; وضحكت&; ضحكة جارحة تحمل كل السخرية:"مالي يا جدي&; الله&; مش جولت هتوزع فلوس عاللي يجيب عيال&;!"
رفعت حاجبها واستهزأت:
"ومن مي&;ته&; من دل&;وك يا جدي!""من ساعتها&; كل واحد جري يشوف حاله&; وكلهم خدو حجهم&; إني وجد جابر أبو الدهب&; بت جابر&; "أنا عايزة أعرف نصيبي كام من مالك يا جدي&; لو جبت من ده عيال&;!"
كان صوتها كالق&;نبلة&; وأثره كالس&;م&;.
رجف قلب نديم&; شعر وكأنها ت&;مز&;قه بكلماتها.
شعر باحتقار&; مؤلم&; ليس لها&; بل لنفسه.
شعر بقلبه ي&;نه&;ش&; كأن يد&;ا باردة&; تنتزع آخر نبضة فيه.
"من هذه التي تتحدث&;!""أين وج&;د التي كانت تهيم به عشق&;ا&;""أين أميرته الحالمة&;!"
"كيف تحو&;لت لتلك القسوة&; لتلك البشاعة&;!"
لكن سرعان ما تذك&;ر&;"تلك التي تتحدث الآن&; لم تولد من العدم&;""بل خرجت من تحت يده هو&; من طعنته&; من صمته&; من انتقامه."وهنا&; أدرك الحقيقة المرو&;عة:
"هي ما ماتتش&; هو اللي قتلها."
بص&; لها تاني&;وحاجه جواه ماتت.ومات معاها النديم القديم&;اللي كان فاكر إنه هيرتاح لما ياخد حقه...بس اتوجع... أكتر.
واقف قدامها&; مش قادر ينطق...شفايفه بتتفتح وبتتقفل&; بس صوته مش طالع&;
وعنيه بيهربوا منها&;كأنها مراية شايفة اللي حاول يدفنه جواه.كأنها طلعت له روحه من مطرحها.
وهمس أخير&;ا بصوت مكسور&; نبرته شبه البكا:
ـ ع&;مر ما كان قلبي ضدك...أنا اللي ضد نفسي...ويا ريتني ما جيت.دار وشه&; وهو بيشد نفسه بالعافية&;بس رجليه تقيلة&;
وكأن الأرض ماسكة فيه&;وكأن الوجع سايبه يتحرك بس مش قادر يهرب.
نظر اليها تلك العيون القسوه الوجه المتهم.. سرح لوهله... كانت الدنيا لسه ما غربتش&; والشمس مد&;يه لون دهبي على وش الأرض&; ونسمة خفيفة بتمر كأنها بتدغدغ المشاعر.
كانت "وجد" قاعدة على حافة الميه&; بتغمس صوابعها في المي&;ه&; وبتضحك ضحكة صغيرة وهي بتب&;ص&; للوشوش في السما.
جه "نديم" من وراها&; بص&; ليها شويه وسكت&; احتضنها وبعدين قال بصوت هادي:
ــ "ضحكتك دي بتنوري حياتي... بحس ساعات إنك هتغرقي الدنيا بضحكتك دي."
بص&;ت له وهي بتكتم الضحك&;
ــ "وإنت مالك&; ما تضحك معايا بدل ما واقف كده عامل فيها ابو الغضب!"
قعد جمبها&; خبط حجر صغير في المي&;ه وقال:
ــ "أنا مابضحكش إلا لما تكوني ق&;دامي."
سكتت لحظه&; وبعدها بص&;ت له بنظرة طويلة فيها دفا وخوف&; وقالت بهمس:
ــ "طب أوعدني.. لو الدنيا كل&;ها باظت&; نرجع هنا تاني.. أنا وإنت&; والمي&;ه&; والضحك."
وقف قدامها&; مد&; إيده&; خد إيديها بين كفوفه&; وبنبرة كلها وعد ساكت:
ــ "أوعدك.. لو باظت&; هرم&;مها&; بس ما أفر&;طش فيك.وتفضل ضحكتك نور عيوني..
عاد من سرحانه علي صرخه الجد والغصه بقلبه كذبح من نصل حاد..
صرخ الجد... انت انجنيتي داني جولت انك اول واحده هترفضي..
ضحكت&; وقامت..تتجه لنديم ولمست كتفه بقوه&;ارتجف هو لها..هدرت بعنف:
"أرفض&; أرفض ليه يا جدي&; ماله ده&;"
دارت حوله تتأمله:
"جت&;ه الله أكبر&; طول بعرض&; وواد عمي&; وصحته كيف الحصان&; يعرف يجيب عيال عفيه. أرفض ليه&; لا بيه مرض ولا بيه عله تشينه. راجل جت&;ه بصحه مايترفضش. الخلف عايز صحه&; والعيله العفيه عمودها يبقى عفي&; وهو اهوه.. جسم يشرح الجلب!"
"أرفض لو عليل وصحته على كده&; هيخسع مني ويفطس بدري! وأنا عايزه راجلي يجيب عيال ياما. وبعدين أرفض ليه&; اشمعني أنا اللي أرفض&; أمال هتوز&;ع عليهم وتحرمني&; إياك!"
"نازل تقسيم&;! ماني حفيدتك! أنا ليا في الج&;سمه دي كيفهم كلهم. العدل يا جدي!"
"وعموما&;&; الب&;ت الصعيدي عن حج&; ما ترفض واد عمها&; شالله لو كان ليه. مش ده دفع مهر وكتب&; يبقى حلال عليه الشيله&; زي ما أبوي جال. وأنا حلال علي&;ا فلوسك يا جدي. وده لما تديله&; كيف ما جولت&; أنا هاخد.
ثم قالت بحزم.... بس أجولها لك من دلوك&; فلوسي مالهاش دعوه بفلوسه&; هاه&; وجد جابر يتحطلها فلوسها باسمها. ما بديش مالي لمخلوج&; على اكده&; حلال عليه. غير اكده&; لاه&; يفتح الله!"يبقى نتفج.
"قالتها بثبات&; وهي تنفخ كبرياءها فـ السقف:
"هعمل عزوه بفلوسك يا جدي&; كيف ما جولت. وتحددلي نصيبي&; أعرفه&; وتجولي. لو بالعيال أزرطلك جورط&;ه&; هتديني كتير&; أملالك الدار من ده عيال!"
ضحكت بسخرية خالية من الدفء:
"أنا بالنسبالي ما تفرجش! أسمر من براء&; من ده&; كلهم واحد! المهم&; أعبي بطني عيال. من مين&; ما تفرجش واصل. المهم&; تتعب&;ي بفلوس كتير! &; عيلتي&; وعزوتي."
هنا... أحس&; نديم بالموت&; كأن قلبه انشطر إلى نصفين&; أين الحبيبة&; أين تلك التي كانت تضحك له يوما&;&; أين دفء عينيها&; أين وعدها الصامت بأنها عمره&; تبخ&;ر كل شيء&; كأنه لم يكن&; كأنه حلم تلاشى قبل أن يكتمل&; والآن يقف أمام الكابوس.
كل ما تكرر الكلمة&; كل "ده" كانت بتغرس خنجر في قلبه&;كل "ده" كانت بتفكره إنه مش كفاية&; مش راجل في نظرها&;مش أمان ليها.. ولا حتى حلم.
سكت لحظة&; كأن النفس اتقطع من صدره&; كأن الكلام لو خرج هيبكيه قدامها&;لكن غصب عنه&; وجعه نطق جواه باين في كل حرف:
"ده&;.. أنا اللي كان نفسي تبقي ليا عمر&; بقيت بالنسبالك (ده)&;
كانت تقف أمامه كالغريبة&; عيناها مكح&;لتان&; فيهما قسوة تلسع&; نظراتها جامدة&; كأنها تنظر من بعيد&; وكأن قلبها ما عاد يعرفه&; كأن الزمن كله ارتدى وجه الانتقام&; وهي تلب&;سته&; تخل&;ت عن ملامحها القديمة&; وارتدت قسوة لم يعرفها فيها من قبل&; تركت له طعنة&; مستقرة في منتصف قلبه&; طعنة لو جاءت من أي أحد غيرها لاحتملها&; لكنها منها&; فكسرت شيئ&;ا لا ي&;رمم.
وقف نديم&; يسمع ولا ينطق&; يشعر بروحه تنسحب من بين ضلوعه&; كأن كل كلمة منها كانت سهم&;ا ينزع جزء&;ا منه&; كان داخله شيء&; يموت ألف مرة&; وكانت هي تمضي كأنها لا تراه&; كأنها لم تكن تعرفه يوما&;&; كأنها تمحو وجوده بكل هدوء&; الحقيقة المؤلمة أنها ما زالت هي&; لكنها ماتت&; وماتت بفعله&; هو من أطفأ النور في عينيها&; هو من ذبحها &; وها هي الآن&; ترد الطعنة.
الزمن لم يكتف&; منه&; ولم ينس&;&; وجريمته&; رجعت له على هيئة انتقام&; على هيئة "هي"&; جاءت لتحمل صفعة جابر على وجهه&; وجعلتها ضربة في قلبه&; ضربة بلا صوت&; لكن ارتج&; لها كل ما فيه&; ضربة جعلته لا يشعر بدمه&; بل بثقله&; ضربة كسرت داخله شيئ&;ا لن ي&;جبر&; لا بالاعتذار&; ولا بالدموع&; ولا حتى بالرجاء.
كان واقف&;ا&; مشلول&;ا&; لسانه عاجز عن النطق&; ماذا يقول&; كيف يعترف بذنبه&; كيف يستسمح قلب&;ا هو من قتله&; وهي&; أكلت قلبه ووفت&; وداست على قلبه وكرامته بكعبها&; لم تتردد&; لم ترتعش&; كانت تعرف جيد&;ا ما تفعل&; وكأنها تقول له: كما جرحتني&; أجرحك&; كما خذلتني&; أخذلك&; كما جعلتني أزحف من وجعي&; سأجعلك تركع من وجعك.
في لحظة&; جعلته يشعر أنه مجرد وسيلة للإنجاب&; جسد بلا روح&; وظيفته الوحيدة أن يملأ لها البيت أطفال&;ا&; لا حب&; لا دفء&; لا شوق&; فقط ذرية&; واسم ي&;مد&;&; وغريزة ت&;شبع&; حتى الغريزة لم تعد له&; بل لمال جدها&; لاسم عائلتها&; لحسابها البنكي.
الصدمة &; جعل&;ته يري نفسه صغير&; كأنه اتعر&;ى قدامها&; قدام الزمن&; قدام كل لحظة ضعف عاشها في صمت&; قدام "أبو الدهب"&; أبو اللعنات&; المال ده&; لعنة&; لعنة أخرجت والده من داره&; لعنة مز&;قت قلبه وقلب أمه وإخوته&; لعنة حرقت البركة من حياته&; وأخير&;ا&; لعنة أخرى&; قتلت قلب حبيبته&; وسحقت ما تبقى من رجولته تحت قدميها&; وتركته&; واقف&; ساكت&; ولكن بقلب ينزف حرقتا ومرارا....
كان ساهما تاه في قهره ليعود لنفسه ويقف كا هناك من غرز في راسه نصلا اذهب عقله....
اما هيا ابتسمت بتحد&; ورفعت رأسها في عناد&; ثم هتفت بصوت&; عال&;:
"أنا أرفضه ليه&; ماهو راجل زيه زي بقي&;ة الرجالة... إيه&; ما بيعرفش يخل&;ف مثل&;ا&;"
ساد الصمت لثوان&; ثقيلة&; قبل أن تتابع بوقاحة ساخرة:
"لا... اطمنوا&; بيعرف."
بهت الجميع&; وتجم&;دت نظراتهم عليها&; فيما كان "نديم" يشعر وكأن الأرض تبتلع أنفاسه.
نظرت إليه مباشرة&; بعينين تشتعلان نكاية&; وقالت بتحد&;&;:
"إيه يا راجلي&; خايف أنطج&;"
كانت تلو&;ح بلغة واضحة إلى ما حدث بينهما.
تكس&;رت الروح داخله&; سقط قلبه&; وذاب في الخزي.
اندفع "أسمر" نحوها&; وقد احمر&; وجهه من الغضب:
"بتجولي إيه يا محروجه&;! إيه الرط ده&; ماتتلم&;ي!"
تقد&;م "نديم" بخطوة حادة&; وصوته مزلزل:
"مالك بيها&; بعد يدك عنها!"
وهنا&; ارتفع صوت "جابر" وهو يلو&;ح بيده:
"خلاص! خل&;صنا! ماهي مرته&; تتكلم معاه برحتها! المهم... في المهم!"
ضحكت "و&;جد" حتى دمعت عيناها&; وأشارت بإصبعها في الهواء وكأنها تعلن صفقة:
"أيوه... ص&;ح! انت بتتكلم في إيه يا أسمر&; ما هو مش مهم أي حاجه&; المهم نجيب لجدي النسب&; وناخد تمنه!"
نظر إليها جدها مطول&;ا&; وكأن روحه تغادر من ضربة خنجر.
تلك الفتاة&; حفيدته&; التي كانت ن&;سمة تدور في أرجاء البيت&; تحولت لشيء لا يعرفه.
انحنى ظهره بقهر&; وابتلع حزنه في صمت.
اقتربت "و&;جد" منه&; قب&;لت رأسه كأنها تغس&;ل ذنبها&; همست بشيء لم ي&;سمع&; ثم استدارت نحو "مهرة" وابتسمت.
"كيفك يا خيتي&; هتنوري الدار. مر&;ت كبيرنا&; أسمر&; عاجباني. واعرة وجوي&;ة&; الب&;ت لازم تبقى كيف الفرس&; تهرس اللي يقر&;ب من طرفها!"
لكن "مهرة" لم ت&;بادلها المزاح. نظرت إليها بعينين دامعتين&; وصرخت بنبرة ألم حقيقي:
"و&;جد... انت مش كده.....
ضحكت "و&;جد" وهي تميل نحو "مهرة" بخفة وسخرية:
"مش اكده إز&;اي! ليكون البيه حكالك عن المسخرة اللي كانت حاصلة&; لاه يا بت عمي&; دا كان وخل&;ص. كان خيبة وويبة&; جرف&; آه والله&; كان جرف! الصعايدة مالهمش في الجرف&; وأنا عملت عيبة&; وخدت جزاتي&; وبصل&;حها اهوه&; رجعت لنفسي. بت جابر والأصل&; طلع قدامكو! النبت دساس&; وساعة الجد بيطلع بحزنه&; ونبت جابر أهوه!"
ثم رفعت رأسها كمن ي&;علن انتصاره:
"افرحوا! هنكبش كلنا&; زعلانة ليه يا عبيطة&; العيشة دل&;وك لل&;ي معاه. كل اللي حاصل ده عشان الفلوس وبس&; وجفتنا دي&; عشان الفلوس. لولا الفلوس&; ما كانت في النفوس نفوس!"
مصمصت شفتيها وضحكت ضحكة ساخرة وهي تلو&;ح نحو فتاة تقف في الخلف:
"حد يروح يشوف الغلبانة اللي فوج&; باينها هبلة&; حد يعقلها! بلا حنينة بلا حزن! تشوف حالها زي ما أنا شفت. وأهوه&; براء راخر كويس&; جتته تجيب عيال!"
اندفع "نديم" كمن انفجر داخله بركان قهر&; شد&; ذراعها بعنف&; وهتف مزمجر&;ا:
"مجعدك فين&;!"
نظرت إليه "و&;جد" بدلال وهي تضحك في وجهه بلا خوف:
"مستعجل على إيه يا راجلي&; اختشي! الناس تجول إيه&;"
صرخ وهو يمسك يدها بعنف أكبر:
"اتلمي&; أحسنلك!"
دفعت يده عنها&; ورفعت حاجبيها بإغواء ساخر:
"اتلم اللي هو إزاي&; ماهو لازم ندلع عشان نتنحرر ونجيب العيال&; هتبقى جامد موووت!"
قبض على يدها وقرص عليها بغضب مكتوم:
"جولي فين مجعدك&; أنا على آخري!"
ضحكت وهي تسحب يدها منه بمرح لا يتناسب مع الموقف:
"استنى بس&; أشوف كلمة جدي إيه&; وأبويا برضك!"
هنا تدخل "جابر" بفرح واضح&; وصفق بيده كمن يبارك زواج&;ا:
"أيوه! انت&; صح يا بتي&; تجيبي عيال كتير زي ما جال أبوي!"
اقتربت منه ولمست صدره&; كأنها بتعاين غنيمتها&; تفحصه كسلعة&; ككنز انوجد فجأة في آخر الدنيا&; وقالت: أيوه يا أبوي&; هجيب&; بس جول لجدي يزود شوية&; يتوص&;ى&; ماهو حبيبك برضك&; وإن كان عالخلاف&; نفض&;ه في ثانية&; بلا تار&; بلا زعل&; بلا حزن&; فلوس جدي داوت كل الجلوب&; وكتمت عليها&; ورك&;عتها&; الكل بقى عبد للجرش دل&;وك."
هنا الهوى اتكسر&; والضحك س&;م&; والحكاية قلبت مرارة.
اقترب أسمر فجأة&; وجهه ملب&;د&; ومسك ذراعها بعنف&; عينيه مليانة غضب وخزي:
"ما تحترمي حالك يا بتي! من مي&;تة&;! بتتكلمي اكده&;!"
اندفع النديم بكل اللي فيه&; ودفع أسمر بعنف وهو يهدر:
"جولتلك ماتمد&;ش يدك عليها!"
ارتد أسمر للخلف&; اتلخبط توازنه&; ووقع&; وبهت الكل من المفاجأة&; لحظة تسمر فيها الزمن&; اللحظة اللي انفجرت فيها نار الاتهام&; واتكسر فيها الصمت&; لحظة فضحت الكل&;
اشتعل أسمر من دفعته&; الغضب أعماه&; قام يزأر كوحش انضرب على كرامته&; وانقض&; على النديم.
مهرة&; شعرت برهبة&; قلبها اتقبض&; مش عشان أخوها بس&; كان جواها خوف أكبر&; على أسمر&; خوف مبهم&; غير مبرر&; عجيب ومربك.
اندفعت تخطو أمامه لا إرادي&;ا&; كأن جسدها سبق عقلها&; حاولت توقفه&; لكنها ما لحقتش&; واصطدم بها في عنفوانه&; فترن&;حت&; كادت تسقط&; لكنه شد&;ها فور&;ا إليه&; يده تحاوطها&; يمنعها من الوقوع&; وكأنها فجأة بقت هش&;ة في حضنه.
في تلك اللحظة&; التقت عيونهما&;
نظرت إليه لأول مرة بلين&; بلين&; صادق&; عيونها كانت بتقول كلام كتير&;كانت &;بتحكي&; وبتوجع&;عيونها اتفتحت على قلبه زي سهم&; اخترق الغضب&; ووقف كل حاجة.
هنا&; أسمر نسي كل شيء&; نسي النديم&; نسي اللكمة&; نسي السقطه&; ونسي حتى الكرامة&;
لانت يداه&; وملامحه بردت&; ابتلع ريقه&; وعيونه غاصت فيها&;
حس بحاجة غريبة&; خفق قلبه&; ضغط بيده على خصرها&; حس&;ها&; كأنها لأول مرة بقت ملموسة&; بقت "أنثى" مش "ند&;".
لكن&;مهرة انتفضت لما ضحكت "و&;جد"&; زفرت&; وبص&;ت على أسمر حينها قالت وجد ممزوج بسخرية:
"هتفضل اكده يا أسمر علطول&; حرنان وزي طاحون الغل&;ة&; ماينفعش اكده&; دي بنت عم&;ي&; وماهيش سهله&; خليك براحة&; ما تهد&;ي..."
ما إن ابتعدت مهرة&; حتي اغتاظ أسمر&; وانفجر صوته في القاعة:"هو إنت مالك&;! الله! دا إيه الحزن ده&;!"
ضحكت وجد&; ورفعت حاجبها وغمزت:
"يا بني والله دا كله عشان مصلحتك&; ولا أجولك&; كمل براحتك&; انطحها عشان تسيبك! هاه!"
بص&;ت لمهرة وضحكت أكتر:
"والله ما أعرف ماله&; ملوش في النحنحة&; إنت تاخدي واحد كيف أخوكي ليه&;! صحيح جليل شوية&; ولا حتى براء&; الواد اللي ف&;و&;ج ده كوم نحنحه&; خالص!"
صرخ أسمر غاضب&;ا&; صوته خرج مرتجف من الإهانة:
"ما تحترمي حالك! نحنحة إيه&; وج&;ل&;ة ح&;ي&;ا على دماغك!"
وهنا انفجر نديم غاضب&;ا&; صوته خرج كالرعد:
"ما تكل&;مهاش اكده! مالك بيها&;!
تنهدت مهرة تنهيدة ثقيلة&; شعرت إن جسمها خلاص ما بقاش يقدر يتحم&;ل&; يوم كامل من الصدمات والكلام والمواجع&; وكل صوت حوال&;يها بقى طعنة جديدة في صدرها&; فصرخت بقهر حقيقي&; بصوت موجوع من جو&;اها:
"ما تسكتوا بقي! قلبي وجعني! هو مافيش رحمة&;! حرام بقه&; إنتوا كلكوا بقيتوا كده ليه&;! حرام&; تعبت&; تعبت أوي..."
وضعت يدها على صدرها&; قلبها كان بيدق كأنه بيصرخ معاها&; وركنت على أحد الكراسي&; صوتها مكسور&; ون&;ف&;سها تقيل&; زي اللي شال سنين مش يوم واحد.
رجف قلب أسمر&; قرب منها بهدوء حقيقي&; انكسر في لحظة&; ونزل صوته للين نادر&; وهمس وهو ماسك إيدها:
"بيكي إيه&; جوليلي&; حاط&;ة يدك على جلبك ليه&; إنت&; تعبت&; النهارده&; جولي مالك..
نظرت له&; وفي عينيها دموع مخنوقة&; مد&; يده ومسد على يدها بحنان صامت&; وعيونها تهمس بوجع كأنها بتقول له: "مش إنت السبب&; بس كلكم كسرتموني."
ضحكت "وجد" من بعيد&; وقالت بتهكم وهي تلو&;ح:
"الله! ما طلع ليك في النحنحة أهوه!"
شد&;ت مهرة يدها بسرعة من يد أسمر&; فنظر "اسمر" بنظرة شذر&;اليها مليانة لوم وسخط&; بينما وجد ما اهتمتش&; ضحكت ببرود واستدارت.
لفت بوجهها ناحية جدها&; وقالت بنبرة محسومة&; كأنها بتقفل المشهد كله:
"خلاص يا جدي&; اتفجنا&; وشوي&;ة اكده&; واطلع معاه&; ندخل&; ونخلص."
هنا انفجر نديم كبركان مكبوت&; لم يعد يحتمل&; جحيمه الداخلي بلغ ذروته. قبض على ذراعها بعنف&; كانت الضحكة ما تزال مرتسمة على وجهها&; لكنها لم تدر&; أن نديم كان على شفا الانهيار.
قال من بين أسنانه&; صوته كالسوط:
&; "كلمة كمان والله لهخل&;ص عليكي&; يمين الله أنا ما عتش جادر!"
ثم التفت نحو جده&; وعيناه تقدحان نار&;ا:
&; "طب يا حج عمران&; أنا ما اتحملش&; وعايز أتكلم معاها&; نطلع المجعد."
لكنها&; بكل استهتار&; ضحكت.ثم نظرت نحو أسمر وقالت:
&; "هنسبقك يا أسمر ونخل&;ف جبلك&; اتنحرر يا واد&; وهات البت وخل&;ي دماغها تلين بدل ما بتنطحها اكد&;ه&; واد عمك مستعجل جوي!"
استدارت أمام نديم&; تمشي بخفة رغم شد&;ة قبضته عليها.ضحكت مجدد&;ا وقالت:
&; "يا واد&; هتفضحنا&; هيجولوا إيه ياخراشي&; مستعجل!"
كان يشد&;ها بجنون&; والغضب يلتهمه.
فقالت بصوت عال&;&; وكأنها تعلن الصفقة أمام الجميع:
&; "حض&;ر فلوسك يا جدي&; على ما نخلص ونيجي نتفج بكام الراس!"
وفي لحظة&; كأن نديم انفصل عن الواقع.
حملها بين ذراعيه وصعد بها الدرج&; وهي تضحك بلا توقف&; وكأنها تنتقم من كل شيء فيه.
قالت وجد بصوت مرتفع&; وهي تتمايل بين ذراعيه:
&; "والله ليله حلوه زي الفل! لف&;عني كيف الورجة! لاه يا جدي&; اختياري صح&; جت&;ه تنفع!"
فهب&; نديم وخبطها على ظهرها بغضب:
&; "احترمي حالك بقه!"
ثم واصل صعوده&; وهي ما تزال تضحك&; تضحك بجنون&;وبينما هو يحملها &; صدحت بصوتها تغني بسعاده :
&; "جولوا لأبوها إن كان جعان يتعش&;ى!"
&; "افرحي يا دي الأوضة&; جايلك عروسة موضة!"
&; "خدناها خدناها&; ييجي الولا ييجي!"
ثم زغردت باعلي صوت... .
اندفع نديم قافز&;ا السلالم في قفزة واحدة&; كأن شيئ&;ا ينفجر داخله&; رأسه يكاد يشتعل من شدة الضغط&; من احتقان الغضب&; من ما تفعله به تلك التي أحب&;ها&;كأن&;ه يقف في ساحة إعدام&; حبيبته التي أحبها حد الفناء والتي تحو&;لت في لحظة إلى شيء م&;قيت&; ينهش أعصابه وي&;مز&;ق قلبه."لم يكن يعرف:هل يصعد خطوة أخرى نحو الجنون&;أم يسقط&;أم يصرخ&;لكن كل ما شعر به&; أن قلبه ي&;ذبح بهدوء.....
وهنا&; سقط القناع.
و&;جد التي كانت تضحك بخجل&; تحب بخوف&; تبكي بقلب نقي&; لم تعد كما كانت.
كأن الحب حين ي&;طعن&; لا يصرخ&; بل يتحج&;ر.
فما تركه "نديم" فيها&; عاد إليه مضاعف&;ا.
كان يرى ملامحها الجميلة تنطق بالانتقام&; لكنه لم ير&; في عينيها شيئ&;ا يشبه الحب.
كل ما فعله بها&; عاد.
عاد في هيئة امرأة تقف أمامه&; بكامل غضبها&; بكامل استحقاقها&; بكامل برودها.
و"نديم"&;
لم يبق&; منه إلا قلب يصرخ بلا صوت&; وذكرى&; تقتله كل&;ما تكل&;مت...
بكره هتلبسلك ترتر يا حزين.... أدعو لاخوكو أبو جبل يا ولااه إنه الآن يحاسب 😂😂😂😂بس شوفتو حته اسمر لما خبط في مزته.. يااااه القلب نشف من قلة الهشتكه..
رواية عودة الذئاب الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم ميفو السلطان
حمل "أسمر" "مهره" بين ذراعيه بعنفٍ مشوب بالحذر، كانت تضربه بكفّيها الضعيفتين، تصرخ، تحتج، لكنّه لم يتراجع.
فتح باب حجرته، ودخل بها، ثم أغلقه خلفه بإحكام.
وما إن أنزلها على الأرض حتى اندفعت كالمجنونة تصرخ:
"أوعي! والله أموتك! أوعي تلمسني... أنا هروح لأختي، أنا ما هسكتلكوش! أوعي... جايبني هنا ليه؟ إنت عايز إيه؟!"
لكنّه لم يمنحها فرصة للهرب، شدّها من ذراعها، دفعها ناحية الجدار، ثم أغلق الباب من جديد بنظرةٍ باردة، وقال بنبرة خافتة كالسُم:
"جايبك... مجعدي فـ بيتنا الصغير."
تجمّدت نظراتها للحظة، ثم انفجرت في ضحكة قصيرة ممزوجة بالقهر:
"بيتنا الصغير حوش حوش؟! إنت جايبني هنا ليه؟ مش أنا بنت الغزيّه؟! جبت بنت الغزيّه ليه؟ تكونش عشان ترقصلك؟!"
تقدّم نحوها خطوة، عينيه تشتعلان نارًا مكتومة، مدّ يده، جذبها إليه بشراسة، ثم همس بجانب أذنها:
"ما ترجصليش ليه؟ مش مرتي؟!"
رمقته بنظرة كأنها خنجر، وصرخت في وجهه، بحدةٍ جعلت صوته يتراجع للحظة:
"رقصت عليك حيطة... يا بعيد!"
اتسعت عيناه، وغضب صوته كالبركان:
"تلمي لسانك... أنا جلبتي نار!"
دفعته بكفيها مرة أخرى، لكنّه لم يتحرّك، صرخت وهي ترتجف ما بين الغضب والخوف:
"مالي بيك إنت إيه القرف ده؟! مالك بيا؟! كل واحد لحاله وخلاص!"
لكنه لم ينصت، اقترب أكثر، أمسك وجهها بين راحتيه كأنّه يُجبرها على النظر في عينيه، وهمس بنبرة تكاد تنفجر:
"مالك بيا؟ مش إنتِ اللي جبتيه لروحك؟ أسابيع وإنتِ بتمثّلي عليّا، وبعدين؟ تعلّمي عليّا... وأسكتلك؟!"
نظرت إليه بعينين تمتلئان بالغضب والخذلان، همست بمرارة:
"إيه؟ حقنا... ولا مش حقنا؟ يا بن سلطان، كنت عايز تكوش عليه لوحدك؟!"
عندها انفجر صوته، رجّ الجدران، كأنّه حمل ما عاد يحتمل:
"لااااه يا بت عمي! إني مش حرامي... ولا ضلالي! لو كتي جيتي من سكات، وطلبتي اللي عايزاه، وأخوكي كان راجل كفايه وطلب، كنا اتفاهمنا!"
كانت تقف أمامه، تتنفّس بصوتٍ متقطّع، وكل شيء فيها يصرخ... لكن لا صوت خرج بعدها.
كل شيء... سكن فجأة.
دفعتْهُ "مهرة" بكل قهرٍ تحمله يداها، كأنها تُلقي به خارج قلبها، خارج ذاكرتها، خارج كل شيء.
صرخت بوجهه... نبرة صوتها لم تكن غاضبة فقط، بل موجوعة... ومهزومة:
"نتفاهم؟! نتفاهم في إيه يابن عمي؟! أنا كنت لازم أجي لأسمر بيه، وأقول له: بليز يا أسمر بيه، ولاد الغزيّة والحرامي جايين، خدهم في حضنك واعطف عليهم؟!"
تقدّمت منه، وخبطته على صدره بقبضتها المرتجفة:
"إنت مصدق نفسك؟ مصدق إنك الصح؟ ده انت..."
لكنها لم تُكمل. لم يكن لديها ما تقوله أكثر من ذلك... كانت تحترق في الداخل.
نظر إليها "أسمر"... وعيناه تختبئان خلف وجومٍ ثقيل، كان يعلم... يعلم في أعماقه أنها على حق.
هي لم تكن تكذب، لكنها... خدعته.
جعلته يتعلّق بها كالعطشان في صحراء، ثم... رفضته أمام الجميع، كأنه لا شيء.
غروره لم يحتمل تلك الطعنة، فكتم أنفاسه، وتنهد، ونظر لها بنظرة خاوية من الانفعال، ثم قال بصوت متعب:
"والحل؟ ها؟ عايزة إيه مني دلوك؟"
وقفت تحدّق به طويلًا، كأنها تبحث عن بقية كرامتها في ملامحه، ثم قالت ببرودٍ قاتل، كل كلمة منها خنجر:
"هعوز إيه؟ زي ما ضحكت عليّا، ومضيتني على اللي ما يتسمّاش، تقطع الورقة اللي عملتها، وتخلص... وكل واحد يروح لحاله."
وساد الصمت... لكن بينهما لم يكن صمتًا عاديًا، كان صمتًا فيه صراخ، فيه ندم، فيه كل ما لم يُقال... وما لن يُقال أبدًا.
هتف بها بصوتٍ علا كالسيف حين يُشهر في وجه الهزيمة:
"هتسيبي الجمل بما حمل... وتمشي؟!"
أغمضت "مهرة" عينيها في لحظة صمت، لا تريد له أن يرى الوجع العميق الذي ينهش ملامحها، لكنّه... شعر به، رآه في رعشة أنفاسها، في بطء خطواتها وهي تتمهّل لتحكم قلبها، كي لا يسبقها.
ثم قالت بصوتٍ خافت، لكنه مملوء بالحسم:
"أسيب الجمل بما حمل؟ عارف يا أسمر... مشكلتي في الدنيا إني دخلت معركة ما كانتش بتاعتي، لا اتفرضت عليا، ولا كنت عايزاها، بس لما جاتلي الفرصة أخرج منها... هخرج، وهخرج من غير ما أبص ورايا."
وقفت بثباتٍ كاذب، عينيها تحملان خليطًا من التعب والتمرّد:
"جمل إيه؟ وحمل إيه؟ ده وحل يا أسمر بيه، وحل والله العظيم... كفاية عليّا... كفاية صراع، كفاية وجع، شوفوا حالكم مع جدكم... واكبشوا! شجن عندها حق، مع نفسك يا بن الناس، وشوف جدك ده هتقنعه بإيه، بس على فكرة... مش هيحصل اللي هو قاله."
رمقها بنظرةٍ طويلة، كأنّه يحاول أن يفكّ طلاسم قرارها، ثم قال بهدوء يخفي خلفه عاصفة:
"ولو حصل؟ هتعملي إيه؟"
رفعت حاجبيها، قطبت جبينها بدهشة ممزوجة بالاشمئزاز، ثم قالت بمرارة ساخرة:
"لو حصل؟ ولو... اللي هو إزاي يعني؟ هتغصبني؟ هتجيب مني عيال بالعافية؟ ولا هتربطني في السرير عشان أبقى تحت طوعك؟ وياترى... هبقى تحت طوعك؟ ولا تحت جزمتك يا أسمر بيه؟!"
وساد الصمت بعد كلماتها، لكنه لم يكن صمتًا فارغًا، كان أشبه بصفعةٍ، صفعة لا تُرد... ولا تُنسى.
ظلّ "أسمر" يحدّق فيها طويلًا كانت تنهَج بعنف، أنفاسها تضرب الهواء كأنها تخرج من حرب.
حدّق في عينيها... ثم أحنَى رأسه، وتنهد تنهيدةً ثقيلةً كأنها حمل عمر كامل من الكتمان.
اقترب منها... ببطء، ثم مدّ ذراعيه فجذبها إليه فجأة.
ارتجفت "مهرة"، حاولت أن تدفعه، أن تفرّ، لكنّه كان أسرع، كبّل يديها بذراعيه، وضَمّها بقوّة، ثم هتف بنبرة كادت تخنقه:
"أولًا... أسمر لا ضعيف... ولا جليل، عشان يجيبك غصب!"
اقترب وجهه من وجهها، وعيناه تشعّان بصدقٍ لم يعتده:
"أسمر... عارف إنتِ جواكي إيه، وعارف إنتِ عايزة إيه. أسمر ما بيطوّعش حد... عشان يحطه تحت جزمتُه، أسمر بيطوّعه... عشان يحطه تحت جناحه!"
كلماته كانت نارًا، لكنها نار دافئة... لم تحترق بها، بل كادت تذوب.
لكن "مهرة" لم تُظهر شيئًا، نظرت إليه ببرودٍ قاتل، عينان لا ماء فيهما... ولا دموع.
ثم قالت بنبرة خافتة، كأنها تطوي قلبها للأبد:
"طيب... ربنا معاك."
هزّ "أسمر" رأسه بيأسٍ ثقيل، وكأنما استسلم لصراعٍ لا نهاية له، ثم قال، بعفويةٍ مرّة:
"طب... هنفضل ننطح في بعض اكده؟ أمال هنجيب عيال كيف؟!"
أغمضت "مهرة" عينيها، تحاول أن تمسك بروحها قبل أن تنفلت منها أعصابها:
"إنت عقلك فيه حاجة؟ إنت ملحوس؟ عيال إيه؟!"
لكنه هدر بقوّةٍ كمن يعلن قرارًا لا رجعة فيه:
"عيال الأسمر من المهره!"
انفجرت بالضحك... ضحكة ساخرة كالسكين:
"تفصيل؟ ولا نجارة؟ عيال تفصيل يعني؟! ولا إيه؟ يلا يا بابا... أنا ما بجبّش عيالات أنا!"
ضحك هو الآخر، ضحكة مجنونة:
"عيالات؟ يا فاشلة... ده عربي يا هبلة! بس أنا... عايز، وإنتِ... وجعتي في أرابيزي!"
اشتعلت كالبركان، واقتربت خطوةً منه، وهي تصرخ:
"هِيّه مين اللي وقعت في أرابيزك؟! إنت تطول أصلاً؟! إيه القرف ده!"
ضحك من جديد، بثقةٍ زائدة:
"آه أطول... وأطول، ده أنا... أسمر أبو الدهب!"
قلّدته بتهكّم، ولوت فمها بسخرية جارحة:
"أسمر أبو الدهب!"
ضاق صدره، وهتف:
"بتتمجلتي عليّا يا مهرة؟!"
نظرت إليه باستخفافٍ لا حدود له، فاقترب منها أكثر، وقال بنبرة حادة لكن هادئة:
"أولًا... لسانك نجصه، عشان إنتِ مرت الاسمر."
ثم تابع بنبرة أكثر جدية:
"ثانيًا... هتمشي وتسيبي خيتك براء... مش هسيبها."
صرخت بغضبٍ لا يخلو من الألم:
"ده واحد واطي!"
تنهد "أسمر"، وكأن الوجع داخله عاد ليغمره:
"على فكرة... براء كذب، عشان يرد القلم لنديم."
ابتسمت "مهرة" ابتسامةً ساخرة، كأنها لا تصدّق شيئًا:
"يقوم يقهر أختي؟!"
قال "أسمر" بصوتٍ منخفضٍ حزين:
"كلّنا ساعة الوجع... بنجهَر بعض، وماحدّش عارف... مين بعد اكده، هيداوي مين."
تنهدت "مهرة" بعمق، كانت تشعر أن حبال صوتها تلتف حول عنقها من كثرة الصراخ، ثم رفعت عينيها إليه، وقد تحوّل التعب بداخلها إلى حسم:
"بجد... أنا خلاص، جبت آخري. روح شوفلك حد تاني تمارس عليه سيطرتك، هات منها عيال، وافرَح بيهم كلكو مع بعض... أنا برّه العيلة دي من دلوقتي."
نظر "أسمر" إليها مطوّلًا، لم يصرخ هذه المرة، كان صوته هادئًا كالنار تحت الرماد، لكنّه حاسم:
"بس أنا... سيطرتي ما بفرضهاش إلا على اللي يخصّني، وعايزه. ومن الآخر... هجبها لك على بلاطة، رغم عملتك السودة... اللي المفروض تتعاقبي عليها، أنا... عايزك. ومن سكات اكده... تتلمّي."
قهقهت "مهرة" ضاحكة، ضحكة مؤلمة، ساخرة، ثم قالت وهي تشير بيديها كأنها تعلن نكتة:
"ما شاء الله! طب... ودي أطلع عرفات أشكر ربنا؟ ولا أخش بفقرة التنّورة؟ إنّ أسمر أبو الدهب... عازّ بنت الرقّاصة!"
في تلك اللحظة كان الغضب يشقّ ملامحه، وانكسار داخلي يعصف بروحه، حتى اختلط الصوت بالحريق في عينيه.
اقترب منها "أسمر"، عيناه تضيقان بنظرةٍ لا تعرف الهدوء، كأن كلماته تُصاغ من جمرٍ.
قال بصوته الغليظ الذي يحمل من السيطرة أكثر مما يحتمل القلب:
"بطلي تجولي اكده! إنتي مافيش حد "زيّك... اسمعي، أسمر لما يعوز حاجة... ياخدها، ولو بينه وبينها بحور!"
رفعت "مهرة" عينيها نحوه، نظرة مليئة بالحدّة والكرامة المجروحة، ثم قالت بصوتٍ كالصخر:
"إزاي؟ وأنا مش عايزة! إزاي وإحنا... كل واحد عكس التاني؟ إزاي؟ وأنا بالنسبالك... بنت الغازيّة والحرامي؟! إزاي وإنت مش شايف غير إنك تذلّني وبس؟ وأنا... ما بتذلّش لحد، ولا هنزل يا ابن الغالين!"
اقترب منها أكثر... ومدّ يده، أمسك بيدها المرتعشة، وأراح كفّه على موضع الحرق القديم، كأنه يقرأ الألم من جلدة قلبها، لا من جلد يدها.
"أنا... مش عايز أذل، ولا أهين، أنا... هملّس على الوجع ده، والرمح... يهدي، ويعوز يندفّي، بجرّب من حد يراعي ويطبطب."
انتفضت "مهرة"، شدّت يدها بعنف من بين يديه، وألقت كلماتها كصفعة:
"إنت ما تعرفش تطبّطب، ولا أنا عايزة طبطبة من حد، أنا... لنفسي وبنفسي!"
ثم استدارت، خطواتها تشبه الهروب، ولكن صوت "أسمر" أوقفها، صوته خرج منها لا له... كأنه ينطق بحقيقتها قبل أن تعترف بها:
"لأه يا مهرة... إنتِ عايزة، وعايزة جوي، وأكتر حد إنتِ عايزاه ومحتجاه... حضن الأسمر، اللي هيحاوطك، ما هيسيبِك واصل!"
صرخت "مهرة"، كلماتها تُجلجل في المكان كأنها سهمٌ انطلق من صدرٍ أنهكته الخيبة:
"محتاجة حضنك؟! إنت؟! ما لقيتش غيرك؟ دا إنت الجحود كلو! الجبروت اللي محدش قادر عليه! وتيجي تقولي حضن؟! هاتلي أمارة!"
اقترب منها "أسمر"، عينيه تلتمعان بنيرانٍ صامتة، وصوته يخرج كالسياط:
"أجبلك أمارة؟ يكفيكي كام أمارة؟ أسمر اتربّى وحش… والل يجرّب منه، يدفنّه… والل ييجي على توبُه، يكسّره!"
تقدّم خطوة نحوها، ونظراته تحفر في قلبها:
"وإنتو… إنتو ما جتوش بس على توب أسمر… إنتو دستو على وشي برجليكو! أخوكي علم علينا وخد حجة منّا، دخلتو علينا بناركو... في وجت تاني، كنت خلصت الفرد بتاعي جوا جلب أخوكي، ومسحت بيكم البيت!"
ارتجف صوته وهو يقترب منها أكثر، وألمه يُطل من بين الحروف:
"ضحكك عليّا… خداعك ليا… تعلّجيني كني عيل أهبل؟ ألف وراكي مسحور؟ أجبلك أمارة؟ لما مرة ترفع الفرد بتاعها ف وشي… وأكتم حالي وما نطجش، دي مش أمارة؟!"
دي أكبر اماره .
قبض على يدها بقسوة، كأن وجعه كان ساكناً بين أصابعه:
"لما يدك تعلِّم على وشي… وأكتّم حالي برضك وناري جايده …، مش أمارة؟ لما تجفّي وتجوليلي… ما في الخُمر… وتهيني فيا جدام الخلج … وبرضه ما نطجتش، مش أمارة؟!"
صوته تحوّل لزئير مكتوم وهو يهتف بها:
"أجبلك أمارات منين آكتر من اكده... كل ده يبين إن حضني بتاعك؟ جولي… كنتِ عايزة تعملي في أسمر إيه تاني؟ جدّام الخلج، تجطّعيه؟ تدوسي عليه؟ إنتي واعية؟ واعية إنتِ عملتي فيا إيه؟!"
صرخت هي، والدموع تخنق حنجرتها:
"حقي! وباخده! عايزني أعمل إيه ف جبروتكم؟ وقلّة أدبكم؟ إيييه؟ أسكت؟ دا إنتو… تستحقّوا الحرق!"
شدّها من يدها بعنف، وأكمل، صوته يضرب الجدران:
"فوجّي يا مهرة… أنا أسمر سلطان! مش جابر عمران! هاه… خفّي غِل جلبك اللي بتحاكمي بيه! عشان الغِل لما بيطيح… بياكل الكل! وأنا… أنا خلاص… عليّا صراع لا كِدَه! ووافجت! وهامشي الدنيا! لأني… رايدك!"
تنهدت ونظرت إليه نظرة مشبعة بالخذلان:
"احلم… الحلم حلو… بس إنت راجل ازاي؟ الراجل اللي واحدة ما تعوزوش… يجري وراها؟ واحدة… مش شايفاك راجل!"
توهج وجهه بالغضب، قبض على يدها من جديد، وهو يهدر بها:
"مين اللي مش راجل؟ بُصي لنفسك… إنتي مين… وأنا مين؟!"
نظرت إليه بعينين دامعتين، لكن صوتها خرج ثابتًا، جارحًا:
"عليك نوووور… أهو طلع كلو من جوا اهوه… إنت مين وأنا مين… إنت ابن سلطان سيد الناس، وأنا بنت الرقّاصة… بس عارف؟ بنت الرقّاصة دي بقه… مش عايزاك."
نظرت إليه غاضبة، النار طالعة من عنيها:
"كل روحك وإلا أنفلق... وعض في نفسك يا بتاع تحت جزمتي!"
ال ابقي بتاعتك. دا لما تموت قدامي ماتقربليش.
فضل واقف، ما رمش، وهيا صدرها بيعلو ويهبط من الغيظ، بصتلُه كإنها هتحدفه بكلمة تموّته.
هز راسه ببرود، وقال بصوت خفيض:
"وماله... نعرفك أسمر هيطوّع الفرس بتاعه إزاي."
وبخطوة هادية ومقصودة، مد إيده على جلبابه... وبدأ يفكه، يرميه على الأرض بهدوء، لحد ما بان جسده.
شهقت وهيا بتبعد خطوتين:
"انت بتقلع ليه؟! انت سافل... وقليل الأدب!"
ضحك ضحكة مالهاش صوت، بس كلها وجع ومكابرة.
اقترب بخطاه الواثقة، وعيناه لا تفارق ملامح وجهها المرتبكة، كأنّه يلتهم ارتجافها بنظراته.
كانت تحاول أن تتماسك، لكن قلبها خانها وارتعد.
صرخت بتوتر، وقد تراجعت خطوة:
"انت بتبصلي كده ليه يا قليل الأدب؟!"
"احترم نفسك يا... يا!"
لكنه لم يرد. بل ازداد اقترابًا، والابتسامة على وجهه تزداد عمقًا، كأنها تحمل وعدًا بشيء لا يُقال.
همس، وصوته منخفض كنسمةٍ ساخنة قرب أذنها:
"أنا محترم... بس إنتي اللي كل حركة فيكي بتعلّمني جلة الأدب."
شهقت، وكادت تتراجع أكثر، لكن الحائط كان خلفها.
وهو؟ توقف أمامها تمامًا، ونظر في عينيها نظرة لم تكن فاحشة، بل أكثر خطرًا... كانت صادقة.
"بتخافي مني؟ ولا من اللي بتحسيه لما أقرب؟"
كلماته كانت سهمًا، وصوته كان بئرًا من الهدوء المربك... وهي؟ لم تجد الكلمات. فقط ظلت تنظر إليه، والنار تسري في عروقها بين الرفض والانجذاب، بين الرغبة والصراخ.
بدات ترتجف من داخلها قالت بارتباك..
"ولا احترم نفسك بتقرب ليه يا زفت ..والله اموتك ..."
ظلت تتراجع وتلتفت حولها... فاتدفع ومسكها لتصرخ حاولت ضربه ليكبلها ويركنها عالحائط واقترب من رقبتها وبدأ يتلمسها هامسا ...
"اهدي يا وحش جيم اوفر"
صرخت...
"جدع إنت؟! احترم نفسك! إنت فاكرني إيه؟!"
صرخ هو الآخر، دون أن يُخفي عنفَ نبرته:
"فاكرك مراتي! وهتنامي ف حضني! ولو ما عجّلتِيش... هصبح عليكي الصبح وأجولك: صباحيّة مباركة!"
صاحت وقد اشتعلت فيها النيران:
"صباحيّة تطلع روحك يا بعيييييد!"
اقترب منها أكثر، وصوته انخفض بنبرة تهديد خافتة:
"يعني... مش هتنامي؟"
صرخت وهي بتترعش:
"أوعي! والله لأموّتك!"
بس هو ما تحركش، بالعكس، قرب منها أكتر، وصوته كان واطي وغليظ كإنه بيخبط على باب قلبها:
"هتجفّيلي لحد ميته؟! إنتي من هنا... ورايح، بتاعتي أنا... بتاعة الأسمر، فاهمة؟"
كلماته دخلت جواها زي نار بتلعب في الهوا... كانت مرعوبة، مش منه، لأ... من نفسها، من مشاعرها اللي بقت بتطحنها من جوه، ومش عارفة تطفّيها.
هو مش بس بيغزوها بكلامه، ده بيهدّها بنظراته، بيعرّي خوفها ويحضن ضعفها في لحظة هي ماعادش عندها قدرة تقاوم.
شدها من دراعها، قرب منها أكتر، وبص في عينيها كإنه بيتحدّاها تكدب عليه،
"جوليلي... إنتِ بتاعة مين؟"
كانت بتقاوم، بس جواها في صوت بيصوت، بيعيط، بيترجى خلاص من الحرب اللي مش قادرة تكسبها.
فهمست، بصوت وجعان:
"ابعد... بقى."
بس كان واضح... هي مش بتطلب منه يبعد. هي بتطلب من نفسها، من قلبها، من كل حاجة جواها... تبطّل تحبه.
لكن مافيش فايدة.
كانت خلاص... بتاعته.
ضغط عليكِ مش قبل ما تجولي... بتترعشي ليه من قربي؟ مش قبل! ما تجولي عيونك بتزوغ ليه؟ خوفك... ورعشتك، كلهم شايفهم، وحاسسهم جواكي. بتحاولي تبيني جوية... بس أنا عارف، عارف إنك خلاص... بتاعتي، بتاع الأسمر. و إنك هتبقي ليا، زي ما أنا عايز، وزي ما انتي... من جواكي، عايزاني."
مد يده يداعب جسدها لتصرخ... بطل بطل..
كان لا يستمع إليها... كأنّه أغلق أذنيه عن كلّ رجاءٍ فيها، عن كلّ دمعة بتترجّى قلبه يعقل، عن كلّ رعشة في صوتها وهي بتقاوم ضعفها.
قالها بنبرة مشتعلة، فيها قهر ورغبة وشيء من التحدي:
"مش قبل ماتعترفي إنك ستّ... وعايزه حد تركني عليه! مش قبل ماتعترفي إنك من جواكي بتتمني تبقي أميره، مستنية أميرها... يفتح جلبها ويلبسها توب الحب بيده. مش قبل ماتهمسي باسمي... وتجولي إنه هو اللي ينفعك... وإنه مافيش غيره!"
همست هي... بصوت مكسور، مهزوم:
"لم تعد قادرة..."
وجعها الكلام... بس كانت لازم تقوله.
"بطل... والنبي بطل... عيب بقى... مش قادرة..."
لكن هو؟ كان بيقرب أكتر... بيكسر كل المسافات، كل الحواجز اللي بنتها سنين الخوف، وبيهمس جنب أذنها... بصوت واثق:
"بس أنا جادر... وأجوي منك عشانك... لحد ما تجوليها... وتعيشيها... وألبّسك توب الحب بيدي."
همست بغلب.. لم تعد قادره.. بطل والنبي بطل عيب بقه أنا أنا...
فمسك وجهها ونظر في عيونها... صوته كان خافت، بس نبرته كانت بتزلزل القلب:
"مش.. جادره تكتمي... صح؟ مش جادرة، لإنك حاسة بيا، عارفة إنّي أنا اللي تتركني عليه، كل الجوّة اللي لابساها دي وهم، شكل بس... جُوّاكِ روح محبوسة، بتصرخ، عايزة تطلع، عايزة ترتاح... بس بتكابري. بتعاندي وجعك زي ما بتعاندي جواتك ."
عينها دمعت، بس لسه واقفة بكبرياء، حاولت تبعد وشها، شدّها، وقالها بصوت مبحوح:
أنت من جواتك عايزه تتحضن ويتمّلس عليها بإيدين بتتعامل بحنية.
"إني أهو يا مهره… هطبطب، وهملّس، وهسيب الوجع يهدى… بس تعرفي… إنك ليا أنا، وبس."
ما نطقتش بكلام، كان ف دمعتها… في رعشة نفسها، في السكون اللي بعد الجملة.
وهنا… ضمّها، حضنها كأنّه بيحوش عنها كل الدنيا، كل اللي وجعها واللي لسه هييجي.
وانفجرت… بكت كأن البكا طالع من سنين صمت، من صبر طلع له جرح.
وهو… سابها تبكي… وحضنه كان هو الرد الوحيد على سؤالها اللي ما اتقالش.
همس بلين وهو يمسد عليها...
"كفايه هروب، كفايه حبس لنفسك...، أنا جيت أفُك القيد اللي بينّا."
كلبش فيها بقوه يريد ان يعطيها من حنانه.
كانت يدها علي صدره تغرز اظافرها بعنف فيه حتي لا تنهار اكثر وتلف ذراعيها حوله .. تنهد وظل يمسد عليها همس بلين لمس قلبها ...
واحده واحده هتعترفي. واحده واحده هتليني وتحسي بيا انت مرتي دلوك بتاعتي .
سقطت بين ذراعيه كأنّها تُسلم نفسها للراحة التي حُرمت منها طويلًا.
لم تقاوم، لا لأنها لا تملك القدرة، بل لأن قلبها المتعب قد خذلها للحظة.
كان يحملها كمن يخاف عليها من الانكسار، يربّت على كتفها برفق، كأنّه يُهدّئ موجًا هائجًا في صدرها.
همس: "اهدي، وهتعرفي إني مش خصمك... أنا اللي جنبك."
لم تُجبه، ولم تحتج. فقط أغمضت عينيها، تسرّب الدفء بين ضلوعها، تنفّست بعمق... ثم غفَت.
لم تكن استسلامًا، بل هدنة مؤقتة من حرب طويلة في داخلها.
كان "براء" جالسًا في حجرته، فوق طرف الفراش، وعيناه تراقبان الفراغ أمامه، كأنّ فيه صورة "شجن" ترتسم وتختفي.
قلبه يغلي، والندم يأكل أطرافه، يتذكر صوتها وهو يرتجف غضبًا:
"مش هرضى يا براء... مش هرضى! كل ده عشان الفلوس؟ مش هرضى!"
تنهد بوجعٍ دفين، ثم نهض واقترب، مدّ يده يتلمّسها وهمس بصوتٍ مبحوح:
"حجّك عليّا والله... كان يتجطع لساني. دانتي زي الجطة، لما تتحضن ماتخرجش برات حضنك ... فلوس إيه وعيال إيه! أني رايدك بحنيتك، وعارف إنك هتليني... وأني ما هسكتش واصل!"
وقف، وراح يتمشى في الحجرة كمن يُحدث نفسه أكثر مما يخطط:
"انت يا حَلُوف تعمل مابدالك... بس ترجع بسمتها. مالكش صالح بيهم، هما ينتجمو يتهببوا... مالك انت ليها وبس. تروح تكلم خيها وتعليها كيف ما علي وجد؟ جتك نصيبك، كنت انشليت، منك لله!"
تنهد مجددًا، ثم قال وهو يضع يده على صدره:
"ال كتبت عرفي... أهو اتنحرّرت، اطعد بقى زي فردة! الجزمة محروج!"
سكت قليلًا ثم قال:
"طب أروح لأخوها دلوك؟ بس ماينفعش... زمانه وجد بتجطع وشه انهبلت! ده غلبان جوي، عيلة همّ سُعرانين كلهم.. وايه عمي ده شر ليه اكده أعوذ بالله وفالح طول السنين يغلنا من ناحيته وهما مايستحجوش اكده إيه الجرف ده ..."
لكنه سرعان ما غيّر نبرته:
"بس لأ... تاني، لازم أفرّحها جلبه أبيض. الصبح يفرح، ما سيبهاش مجهورة اكده!"
قام من مكانه وقد أظلم الليل، خرج لفترة ثم عاد يحمل مفاجأة لها.
راح يجهزها بسرور كأنّه طفل يرتّب هديته الأولى، وما إن انتهى، وقف سعيدًا وهو يتمتم:
"ده جَمَر جوي... يا رب تفرح. هي بتحب اكده... أدعي على حالي بإيه؟ ده يتجال عليها الحلو كله!"
ثم شدّ على نفسه وقال:
"لا! اتربى بقى! خش لجِدّها ولاخوها وأطلبها، ويتشرط؟ جَمري لازم يحس إنه عالي، وأني رايدها!"
حجّك ما تشوفنيش راجل... حجّك."
بس إحنا الصعايدة... فينا حراره لما نغلط، نغلط بجهلنا... بنعاند حتى الحج، ونفتكر الرجوله هي الصوت العالي، وإن الطسوة دي هي الحسم... بس الحقيقة؟ أنا جرحتها... بغباوتي، بنعرَتي، بكلمة كان لازم أبلعها.. أنا اللي حطيت وجعها بإيدي في صدرها، وهى؟ كانت بتتحمّل... بتسكت... وبتوجع لوحدها. ما شفتش في عينيها الأمان اللي ضاع، أنا غبي... غبي وراجل صعيدي فاكر الرجوله هي اللي تجرّح، مش اللي تحضن وتفهم.
ندمان على كل لحظة وجعتك فيها، وعلى كل كلمة كسرتك وأنا مش واخد بالي."
ندمان، والله ندمان... جرحتك بغباوتي، وبنعرتي اللي كنت فاكرها رجولة وهي ما كانتش غير جهل وتكبر."
بس من اهنه ورايح هتلاجي جدامك واحد يحسبها الف مره لأجل يرضيكي...
تنهد ومسك يدها قبلها ووضعها علي قلبه وركن يتاملها يدعو إن تلين له ِ.
في الصباح، أفاق "نديم" على سريرٍ باردٍ، لم يجد "وجد" بجانبه.
عبس قليلًا ونهض يتلفّت، حتى سمع أصواتًا في الأسفل.
هبط بخطواتٍ متعجّلة، ليجدها واقفةً وسط البهو، توجه الخدم بصرامة:
"رجّعوا كل حاجة زي ما كانت... المفرش ده مكانه، والدكك دي تتنضّف، وكل ده يبرق."
كان "جابر" جالسًا إلى جوار الجد، يدور حديثٌ خافتٌ بينهما، لكنه سمع بوضوح صوت "جابر" يتمتم بعصبية:
"يابا... انت اكده بتسيب فلوسنا تروح؟ إنت جولت الفلوس تتوزّع بعد ما يخلّفوا... بس نديم أخد مبلغ كبير جوي! ده مش حجه."
ظلت "وجد" صامتة، لا تُعقّب، وجهها جامد كالصخر، ونظراتها شاردة.
اقترب منها "نديم" هامسًا، وبقبلةٍ سريعة على جبينها، قال:
"ينفع تسيبي جوزك كده؟"
تنهدت، ونظرت له بنبرة هادئة لكنها حاسمة:
"معلش... كنت بوضّب الدنيا. اجعد... أجبلك تفطر."
ثم صرخت:
"يا حكيمة! حضّري الوكيل لنديم بيه يفطر!"
شعر "نديم" بغصة في صدره، غضبٌ خفيٌ يتصاعد من برودها وتحولها التام. لم تكن تلك هي "وجد" نسمته ملاكه الحارس.
ثم سمع صوت الجد يتدخل، بصوته المكسور ووجهه المتعب:
"يا نديم... أظن المال اللي انت خدته يا ولدي، مش من حجك لوحدك. إنت آه، اتظلمت... بس ده مال الكل، وهيتوزّع على الكل. ومال الغُصب يا ولدي... مال حرام. ترضى على روحك؟ ترضى بيتك يعيش من الحرام؟ أنا عن نفسي... مش عايز منه حاجة. خده، بس خُده بالحلال، مش بالغصب. أنا رايد أعوّضك... بالحلال. والله يا ولدي، دورت عليكم يامه... وبعت ناس... ولو كان الغالي رجع، كنت شلته في حضني. كنت حميته بروحي. بس أجول إيه... لله الأمر. عارف إن جلبك اسود من الوجع، بس أنا طالب السماح. أنا راجل عجوز، والجبر يا ولدي ما يتحملش ذنب شيطان ركب وخرّب الدار. سامحني يا نديم... وسامح الزمن، وعهد الله لتكون إنت وخواتك كيف الكل... سامح جدك، يا نديم."
أحنَى "نديم" رأسه، وصمت طويلًا، كأن شيئًا ثقيلًا يجثم على صدره.
ورغم ما حمله قلبه من مرارة وانتقام، لم ينسَ يومًا أنه من الصعيد، من أرض الرجال، من أصلٍ يتباهى به حتى لو أنكروه.
كان يحلم أن يكون له عِزوة... أهل وسند... أن يُنادى باسمه في جمع كبير فيُرفع رأسه.
لكنه عوقب بالخذلان. لم يختاروا أن يكون منهم.
فصمت... وفي قلبه وجعٌ قديم.
قطع صمته صوت "جابر" الحاد:
"عشان نتراضي... لازم الفلوس ترجع!"
رفع "نديم" عينيه ببرودٍ غاضب:
"هو مين بالضبط اللي هيتراضى؟! عايز أفهم!"
وقف "جابر" وقال بحدة:
"يعني انت ما كفاكش اللي عملته؟! واحد غيرك يستحج الجتل على اللي عملته!"
فانفجر "نديم" بغضبٍ مكتوم ظل يحفر في صدره لسنين:
"وانت تستحج إيه؟! هاااه؟ لما تجهَر عيلة كاملة وتشردهم! تبقى إيه؟! لما ترمي أخوك وعياله في الشارع... تبقى إيه؟! لما تهين وتتبلى على راجل أشرف منك ومن ألف زيك... حافظ كتاب ربنا، وراجل عمره ما خالف كلمه لأبوه! تبقى إيه؟! هااه؟ ماتجول؟! اتبليت عليه ليه؟! وجولته حرامي ليه؟!"
رد "جابر" بنبرة دفاعية مرتعشة:
"الدهبات كانت فُقِدت... وهو اللي كان عليه العين!"
صرخ "نديم"، عينيه تشتعل غضبًا:
"كت جفشته ومسكته؟! هااه؟! شُفت الدهب في يده؟! ولا عشان كان ساكت... جولت ده ضعيف، ونطجت عليه؟!"
سكت "جابر" للحظة، يحاول الدفاع عن نفسه، لكن الكلمات خانته.
هنا تدخل الجد بصوت مبحوح:
"كفاية... اللي حصل كان ظلم... واتكتب عليه. بس ربك كبير، وجاب لكل مظلوم حجه. جابر... ده أخوك اللي انت ظلمته، وده ولده اللي رجع يشيل اسم أبوه بالعِزّ قدامك. وإنت يا نديم... جلبك فيه نار، بس ما تخليش النار تحرج أهلك... خليها تنوّرلك الطريق، مش تولّع فيهم."
ثم نظر إلى "وجد" التي ظلت صامتة تتابع العاصفة تدور أمامها، والقلق يتسلل لعينيها.
صرخ نديم، وصوته كان بيهز الحيطان:
"هو اللي ولّعها بإيده، هو اللي نفخ في نارها واتهم الغلبان ظلم، عشان جلبه أسود ما يعرفش الرحمة!"
رد جابر بغليان:
"ماهو عشان اتجوز غازية… دا لو راجل ماكانش بص للتراب اللي بتدوسه!"
هب نديم، خطف الخطوة في ثانية، وعينيه جمر بيتقد:
"كلمة كمان، والله لاخلي اللي ما يشتري يتفرج... فاكرني هخاف؟ هعملك حساب؟ دا اني نديم عامر، اللي يمسه بكلمة، يدفنه تحت رجليه!"
قام جابر، اتنفخ صدره، واتعالى صوته:
"انت ياض مالك؟ طايح اكده ليه؟ هو مافيش حد جادر عليك؟ ها؟ ماتفوج؟"
هدر صوت نديم، صوته كان أشبه بزئير الأسد:
"أنا فايج جوي، والصبر طفح عليك وفاض، الباقي ع اللي لسه عايش بوهم السياده والسوط. لاه، فوج… فوج يا جابر، نديم عامر بقى وحش، ربي له مخالب، وله أنياب، وطلّعهم! أما الفلوس… فدي ختها مش طمع، ختها بتار، وسنين وجع، وتعلمه على وشك. . لكن تحسبني عايزها ماتلزمتي فلوسك؟ دا أنا أعبّي عليك ذهب، وأحط عليك فلوس مالهاش عدد. أمي سيبالنا كتير…"
صرخ جابر، وطلع الكيد من صدره:
"منين يا حسره؟ ما هي ماتت من الغلب… منكم!"
صرخ "نديم" بعزم ما تلين له عزيمة:
"ماتت من الغُلب؟! لا ماتت من الجهر اللي انت زرعته في طلبها وهي ساكته؟ ماتت وهي شايله وجع أبوي اللي اتهمته بهتان، شايله غربته، شايله عياله اللي ملهمش لا سند ولا ضهر... بس قبل ما تموت... كانت عارفه إنها خلفت راجل... وإني هرجع وأردلها اعتبارها... وأني آخد حجها… كيد وتار."
نظر نديم إليه بغلٍ يسكنه سنين قهرٍ وكمدا:
"... أمي ما ماتتش من الغلب، أمي ماتت من جَورك... ماتت من شرك اللي عشش في دارنا وسمّمها. بتجول منين؟! من الشركات اللي بنيتها بدمّها ودهبها؟ من الغازية اللي تابت وربها قَبِلها... وانت رفضتها وكأنك رب! نصّبت نفسك جاضي وسِكّت ميزانك بالهوى، ووطفت تحكم وتجلد وكأنك فوج الكل! اسمعني وسمّع الكل يا جابر... اللي واجف طدّامك دا ما هوش صغير... دا نديم عامر. وما هسكتش بعد النهارده. كلمة تانية على أمي، والله ما يكفيني فيك صنفك كله! وان كان عالفلوس؟! خدها... اعجن بيها غِلّك، دا مال ما يسوى عندي تراب جزمتي. أنا علمت عليكم ورفعت راس اللي اتدفن اسمه ظلم، نديم جاب وش جابر، اللي كان يتشال على كفوف الرُقي، الأرض! فلوسك؟ هديّة ليك... بس تحت جزمتي. أنا مش بتاع فلوس... أنا بتاع حج، وحج أمي فوج رجابكم كلكم!"
أحمرت عينا "جابر" من الغيظ، لكنه ظل واقفًا لا يجد ما يقوله، بينما "الجد" ينظر إلى الأرض دامع العينين، وكأن التاريخ يُجلد أمامه.
تابع "نديم" بصوت هدأ قليلاً، لكنه ازداد قوة:
"أنا مش جايلكم أمد يدي، ولا أكل من خيركم... أنا جايلكم أفرش التاريخ اللي غلط يتعاقب، واللي ظلم يتحاسب. أما وجد... فدي مرتي، ومكانها جوه جلبي مش في دايرة التوزيع بتاعتكم... فلوسكم وسخ... ولو ليكم عين تاخدوها، أنا هرميها في وشكم!"
وقفت "وِجد" تنظر لنديم، تسمع نيّته يرجّع المال، والوجع يعضّ في قلبها عضّ.
عيونها كانت ساكتة، لكن صدرها كان بيصرخ.
تقدّمت خطوة... وبصوت فيه رعشة من الجمر، قالت:
"فلوس إيه يا راجلي اللي هتدّيها وترجعها؟! إنت كت لوحدك في الليلة عشان تِجُول؟!"
نديم بهت، عيونه اتسعت، ولسانه انعقد.
لكن قبل ما يرد، هبّ أبوها، وقال بنبرة مرّة:
"مالك يا محروجة؟! إتهبّلتي؟!"
لكنها ما رمشتش، رفعت وشّها بعزّة وجلد وقالت:
"لاه يا بوي... مش مخبولة. بس مافيش فلوس هترجع، لا اليوم... ولا بعده."
جابر صرخ، واندفع إيده تضربها، لكن نديم اتحرّك قبله، ووقف سدّ حي قدامه، وقال بصوت يهز الحيطان:
"تجرب تمدّ إيدك عليها تاني؟ والله، لأدفنك مطرحك... فاهم؟!"
وهنا..."وجد" مدت إيدها، ودفعت نديم بعيد، وقالت بعنف ناعم:
"حبّة اكده... مش ناجصة لا يد، ولا رجل عشان تدافع عني. قربت من أبوها، وبصوت مبحوح من جوّاها، قالت:
"لا، ما انهبلتش، ولا محروجة، يا بوي... بس الفلوس؟ ما هترجعش. واللي ليه شَوْج في حاجه، ييجي يعملها.."
هنا انتفض جابر، هاج كالعاصفة، ورفع يده كي يصفعها… لكن الجميع بُهت حين أمسكَت يده في الهواء، كأنّ الغضب منحها قوة خارقة.
صرخت… لا، زأرت، والغلّ يشتعل في عينيها كشررٍ متطايرٍ من جمرٍ وسكت الكل عندما هدرت بعنف صارخ.....
رواية عودة الذئاب الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم ميفو السلطان
لا، ما انهبلتش، ولا محروجة، يا بوي... بس الفلوس؟ ما هترجعش.
واللي ليه شَوْج في حاجه، ييجي يعملها.
هنا انتفض جابر، هاج كالعاصفة، ورفع يده كي يصفعها… لكن الجميع بُهت حين أمسكت يده في الهواء، كأن الغضب منحها قوة خارقة.
صرخت… لا، زأرت، والغل يشتعل في عينيها كشرر متطاير من جمر.
وسكت الكل عندما هدرت بعنف صارخ.