دلف كمال الشناوي إلى غرفة وكيل النيابة بعد علمه أن لديه زيارة. دلف ليجد فتاة تجلس أمام الضابط، والذي رد فور دخوله: -هاسيبك مع الضيفة شوية. وبالفعل، خرج من المكان ليترك لهما مساحة من الحرية. نظر لها كمال بتفحص وأردف مستفهماً بتعجب: -انتِ مين؟؟!! رفعت شذا عينيها ناظرة إليه بتمهل، وأجابته وهي تضم شفتيها دلالة على ضيقها: -غلطة عمرك. عقد ما بين حاجبيه بعدم فهم، وهو يناظرها باستغراب، وتمتم بتعجب: -غلطة عمري.
أكمل بحدة خفيفة: -انتِ مين بالظبط؟ نظرت له بتمهل وأردفت: -بنت سارة. أكملت بنبرة ذات مغزى: -البنت الجرسونة الغلبانة، فاكرها؟ نظر لها بصدمة فور أن تذكر هي سارة وما فعله بها منذ أكثر من عشرين عاماً. أردف: -انتِ آآآ. قاطعته بتمهل: -شذا كمال الشناوي. ضربة قوية تلقاها كمال فوق رأسه لتصبه كالصاعقة. تصلب جسده على وضعيته. أحقاً هذه ابنته؟ كيف هذا؟ له ابنة لا يعلم عنها شيئاً. أخرجه من دوامة فكره وصدمته صوتها شبه الصارخ بمرارة:
-أيواااا أنا بنتك، حقيقة بتكسف أعترف بيها، وبـكـرهـااااا، أنا البنت اللي جابت لأمها الذل والمهانة من أول ما بقى ليها وجود، أنا البنت اللي بتكره حتى تسمع اسمك، أنا البنت اللي كانت بتسعى لتدميرك، وأنا البنت اللي بتكره وبتتقرف من نفسها عشان حتة منك. صعقات متتالية تلقاها كمال وهو يستمع إلى هذه الفتاة التي يراها لأول مرة بحياته. لو علم مسبقاً أن له ابنة لما آلت الأمور إلى هذا الحد.
تهاوى جسده على أقرب مقعد منه، نظر لها بعينين دامعتين، فبادلته بأخرى كارهة مشمئزة، وأردفت بكره: -بكرهك يا كمال يا شناوي. وقامت بسحب حقيبتها سريعاً وتوجهت خارجة من هذا المكان الذي يضيق عليها صدرها. بينما جلس هو يفكر بالأمر ملياً، وخاصة بعد اختفاء أخيه علي حين غرة ورفض سمير مساعدته للخروج من هذا المأزق. *** -أبــعـــد عـــنـــى. صرخت بها شاهي فور أن استحضر عقلها الموقف وأنها الآن بداخل أحضانه. ابتعد عنها برفق وأردف
وهو يرفع كفيه باستسلام: -بــس إهدى. دفنت وجهها بين راحتي يديها وأجهشت ببكاء مرير: -ابعد عني، أنا بكرهك، انت السبب. اتسعت مقلتيه وهو يرمقها ببلاهة، وسرعان ما رد: -إيه اللي انتِ بتقوليه دا؟ دا قضاء ربنا ودا عمرها وانتهى لحد كدا. دلف سرين يعتلي وجهها الخوف عليهما ومن أصوات صياحهما. صرخت هي بوجهه وعيناها تذرف عبارات مقهورة حزينة: -لأ، هيا كانت كويسة، ماكنتش هاتمووووت، انت اللي موتهااااا. أمسكها من ذراعيها
بقوة وردد بعينين داكنتين: -إيه اللي بتقوليه دا، أعقلي كدا وبلاش هبل. أكمل وهو يصيح بصوت أرعبها: -ايـــــه؟ هـاااتـكـفـرى ولا ايـــــه؟ ومع آخر كلمة له تركها دافعاً إياها لتسقط على الفراش متأوهة بألم. سارعت سرين بضمها بحنان، وأردفت بحدة لأخيها: -براحة عليها شوية يا إياس مش كدا. شد على خصلاته بقوة كادت أن تقتلعها من جذورها. وتوجه صوب الباب خارجاً وهو يصفعه بقوة نفضتهما. شددت سرين على ضم هذه التي تنتحب
بين يديها ورددت بهدوء: -شاهي يا حبيبتي اللي انتِ بتعمليه دا غلط عليها وعليكي، انتِ كدا بتعذبيها معاكي. شهقت بقوة وهي تردد بمرارة: -مشيت وسابتني يا سرين، سابتني لوحدي. أردفت سرين لبث الطمأنينة بداخل قلبها: -لوحدك إزاي بس، واحنا روحنا فين؟! ... كلنا معاكي ومش هانسيبك. *** مساءً. -اعــــااااااااا اتقبلت، هاحقق حلمي اعــــاااااااا. صرخت دينا بهذه الكلمات وهي تقفز بسعادة مثل الطفلة الصغيرة.
حضر كل من بالمنزل على صوتها الذي بث في قلوبهم القلق. اقترب منها والدها الشرقاوي الكبير وردد بقلق بائن على ملامحه: -فيه إيه يا بنتي مالك، بتصرخي كدا ليه؟ أردفت بسعادة: -باركولي يا بابا... اخيراً هاحقق حلمي يا بشر. ابتسم لها وهو يقول: -مبروك يا بنتي بس على إيه؟ أردفت بفرح عارم: -اتقبلت في شركة (... للفاشون والتصميم، وهابدأ اشتغل مصممة تحت التدريب اعااااااا.
ابتسموا لها جميعاً بسعادة وأهالت عليها المباركات والتمني بالتوفيق والنجاح. سرين بحماس: -وهتبدأي امتى يا دينا؟ رددت بحماس هي الأخرى: -من بكرااا. *** ومر الليل بظلامه الكحيل، وأشرقت الجوناء بلونها الذهبي لتعم المكان بعد دمس الظلام. *** استيقظت دينا بحماس جلي على محياها وسعادة أيضاً. ولما لا وهي الآن على مشارف تحقيق حلم سعت إليه سنوات. للحظة تناست كل شيء بحياتها وكبتت كل اهتمامها وتركيزها على هذا العمل الجديد.
أنهت حمامها الدافئ، ووقفت أمام خزانتها تتطلع لمحتوياتها بحيرة وهي تفكر ما الذي ستقتنيه اليوم. وبالفعل وضعت يدها مخرجة الثياب التي سترتديها. وارتدت ملابسها جيداً وخرجت متجهة إلى مصير مجهول. *** في المشفى. -ايدك تقيلة أوي. أردف إسلام بهذه الكلمات وهو يفرك يده بعد أن أخرجت شذا منها الحقنة. تنهدت بصمت وقامت بتركيب له الكالونة، وبعدها أمسكت حقنة أخرى وقامت بغرزها بالمحلول ليبدأ بالوصول إليه.
نظر لها هو بضجر من تجاهلها ولم يعقب. بينما أنهت هي عملها وخرجت. ذهب هو برحلة بداخل عقله يفكر بكمال الشناوي. علم أنه الآن مسجون بسبب تورطه في قضية قتل نهى، أو بالأحرى أنه من قتلها. تنهد بتعب وتمتم بضيق: -ربنا يريحنا منكم، شياطين على شكل بشر. *** بأمر من التمساح ذهبت هي على مضض لرؤية أكثر شخص كرهته وبغضته بحياتها. من استنزفت من وقتها وفكرها وجهدها عليه.
دلف كمال المكتب ليصدم من رؤيتها تجلس أمامه واضعة قدم فوق الأخرى بكبرياء. زادت صدمته عندما استمع إلى الضابط يقول: -هاسيبك مع المحامية بتاعتك شوية. وخرج من المكان. نظر لها برهة قبل أن يردد بجمود: -جايه عشان تشمتي فيا؟ -تؤتؤتؤ، إخص عليك، دي مش أخلاقي يا أبو شذا. تعمدت ذكر اسم شذا أمامه لتذكره بجريمة فجة من جرائمه التي ارتكبها طيلة حياته. صاح بها: -عاوزة إيه يا بنت الشرقاوي؟ نظرت له برهة وأردفت بثبات: -سمير.
نظر لها بغموض وهو يسأل: -اشمعنى؟ رفعت أحد حاجبيها لتجيبه: -لأنه رفض يساعدك تخرج من هنا مع إنه يقدر، وهو ورا اختفاء أكرم أخوك. اتسعت مقلتيه بذهول وسألها بصدمة: -انتِ عرفتي الكلام دا منين؟ ارتسمت ابتسامة واثقة على ثغرها وهي تجيبه: -مصادرنا الخاصة. أكملت بسخرية حادة: -ولا أنت فاكرنا نايمين على ودانا، إحنا متابعنكم من زمان. أكملت بجدية بحتة:
-انت بالنسبة لهم بقيت كارت محروق يا كمال، وقدامك فرصة أخيرة أما تكون معانا وتساعدنا نوصل لسمير واللي أعلى منه واهو تبقى بتصلح شوية من أخطاء حياتك. أما بقا آآآ. تركت جملتها الأخيرة معلقة بالهواء لتبث الخوف بداخل قلبه. سألها بتوجس: -أما إيه؟ أجابته: -أما تفضل ساكت عنهم وساعتها مش هاتلاقي منا غير حبل المشنقة وخصوصاً إنك ليك عندنا بلاوي ومنهم قتل نهى اللي أنت متورط فيه. وإن قدرت تخلص مننا فهما مش هايسيبوك، والعكس صحيح.
صمتت برهة وأكملت: -هاسيبك تفكر كويس، وترد عليا. أنهت جملتها وقامت بأخذ حقيبتها واتجهت إلى الخارج. تاركة إياه يجلس بخوف ليحصد نتيجة ما زرعه. *** وصلت دينا إلى المقر الرئيسي للشركة التي ستعمل بها. أخذت نفس عميق زافرة إياه براحة وهي تقف أمام الاستقبال. أردفت برقة: -دينا الشرقاوي. ابتسمت لها الفتاة بتكلف وهي تقول: -أهلاً وسهلاً يا فندم، حضرتك دلوقتي عندك معاد مع مستر علي رئيس مجلس الإدارة. بادلتها دينا الابتسام وهي تقول:
-تمام.. ممكن حضرتك تقوليلي مكان مكتبه؟ الفتاة: -آآ الدور العاشر رابع مكتب على إيدك اليمين. -ميرسي أوي.. عن إذنك. -اتفضلي. وبالفعل اتجهت دينا نحو المصعد. فتحت الباب ودلفت. كادت أن تغلقه، ولكن وجدت يد قوية تسحبه نحوها. دلف المصعد شاب في أواخر العقد الثالث من عمره ووقف جواها رامقاً إياها بتفحص بنظرات جانبية دونية. أغلق الباب بضيق من وجودها بالمصعد مشاركة إياه به، وضغط على زر الطابق العاشر وهو يزفر بضيق.
رفعت هي حاجبها من تصرفه الوقح وصمتت تماماً حتى تصل إلى الطابق المنشود. قاطع الصمت المهلك بالمكان صوت قوي خرج من المصعد مع اهتزازه بقوة وانغلاق الأضواء. صرخت بجزع عندما سقطت أرضاً مع اهتزاز المصعد. بينما اختل توازن الآخر وكاد أن يسقط، ولكنه تملك من نفسه سريعاً قبل أن يسقط. زرفت زرقاوتيها عبارات متألمة بعد أن سقطت على أرضية المصعد الصلبة. وتمسكت بالحائط وقامت بهدوء. سمعت صياحه بالعمال ليجتمعوا جميعاً أمام الباب.
صاح أحدهم: -مستر علي.. حضرتك جوا؟ صاح بغضب: -أيوا جوا يا شوية بهايم.. افتحوا الزفت دا. أردف العامل بخوف: -حاضر يا فندم.. ثواني.. ثواني. ومرت أزيد من عشرة دقائق وهم يحاولون فتح باب المصعد. التفت لها على حين غرة ليراها منزوية بآخر المصعد ومنكمشة بنفسها تجاهد لالتقاط أنفاسها. نظر لها بتوجس وسألها: -انتِ كويسة؟ بدأ وجهها يميل للزرقة وهي ترد: -مـ مش عارفة أخد نـ نفسى. رفع كفيه أمام وجهها مردداً بهدوء: -إهدي الله يكرمك.
أكمل بفظاظة: -أنا مش ناقص بلاوي هنا. استأنف بنبرة احتقارية: -وخاصة من النوع دا. رغم ضيق صدرها ونفسها إلا أنها واعية، استطاعت تمييز نبرته وكلماته. دقائق أخرى جاهدت فيها لالتقاط أنفاسها المسحوبة. وتمكن العمال من فتح باب المصعد بواسطة الآلات الحديدية الحادة بصعوبة. تقدم علي خطوة للأمام صائحاً بهم: -وسعوا من وشي يا شوية بهايم، أما الاسانسير فيه عطل، ماكلمتوش عمال الصيانة ليه.
نكس العمال رأسهم بتحرج وغادروا واحداً تلو الآخر عندما أمرهم. بينما غادر هو تماماً من المكان غير عابئ بهذه الموجودة بالداخل. التقطت هي أنفاسها وخرجت بتمهل ناظرة أثر طيفه وتمتمت: -وقح.. قليل الذوق. تتذكر أنها رأيته مسبقاً، ولكن لا تذكر أين. نفضت كل هذه الأفكار من رأسها، وهندمت من هيئتها وملابسها، وسارت بتمهل، للذهاب إلى رئيس مجلس الإدارة. *** بقصر الشرقاوي. دلف مليكة غرفتها. وقفت أمام الأدراج بحيرة وهي تتمتم:
-هو أنا حطيت الفلاشة فين؟ أنهت جملتها وقامت بفتح أحد الأدراج لتخرج منه الفلاشة المتواجدة بداخله. وضعتها فوق الفراش وأحضرت سريعاً جهاز الكمبيوتر المتنقل الخاص بها وهي تقول بخفوت: -خليني أنقل الصور في الفلاشة قبل ما تطلبها أسماء. أكملت بضحك: -لو رجعتهالها من غير الصور هاتاكلني. فتحت جهاز اللابتوب الخاص بها. وكادت أن تضع به الفلاشة، ولكن جائها صوت والدها منادياً إياها من الخارج.
نظرت للفلاشة بيدها وقامت بوضعها بالجهاز سريعاً، وتوجهت لوالدها ركداً. *** -نعم يا أختي، أطلقك دا إيه، دا انتِ بتحلمي. أردف إياس بهذه الكلمات الحادة بوجه شاهي الذي طلبت منه طلاقها الآن. نظرت له ببرود وقالت: -عادي.. الأحلام برضو بتتحقق. رفع إصبعه السبابة بوجهها مردداً بتحذير: -مش كلها يا شاهي.. مش كلها بتتحقق. صرخت بهياج: -انت إيه يا أخي، ما عندكش دم، ما عندكش كرامة، واحدة بتقولك مش عاوزاك، مش طيقاك...
طلقني وسيبني في حالي. بقصفة قوية تلقتها على وجهها سقطت على إثرها فوق الفراش. دنا منها وأمسك خصلاتها بقوة فصرخت بألم، ليأتيها صوته مردداً بأذنها بفحيح: -هاسيبك يا شاهي بس في حالة واحدة بس.. يا أنا أموت يا انتِ تموتي. أردف آخر كلماته وترك خصلاتها بقوة دافعاً إياها للأمام. ارتطمت رأسها بالفراش بعد دفعه لها وبعدها استمعت إلى صوت انغلاق الباب المدوي الذي أغلقه لتوه بحدة.
انكمشت بنفسها بالفراش دافنة رأسها بين يديها، وأجهشت ببكاء مرير.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!