سرين: لا يا فندم، عنينا هناك هي اللي بلغتنا بالمعلومات دي. اللواء بتساؤل: أمجد؟ أجابته: أيوه يا فندم. نظر لها بتوجس وساد الصمت المكان. دقيقة.. اثنتين.. ثلاثة. وهي جالسة موضعها منتظرة إجابته على أحر من الجمر. إلى أن أردف بأمر: ماشي يا سرين، بس هتروحي مع كنان أو علاء. ولأن علاء حاليًا شغال على قضية تانية، هتروحي مع كنان.
ابتلعت ريقها بتوتر عند ذكر اسمه، فبرغم أنه لم يتعرض لها إلى الآن، إلا أنها تهابه وتتوتر من حضرة وجوده الطاغي. لا تعلم لماذا، ولكنها تتوجس من كونها معه في مكان واحد. نفضت هذه الأفكار سريعاً، فهي قضية ستنهيها ولن تراه مجدداً. ظلت تحاول إقناع نفسها بهذه الفكرة، غافلة عن كل ما يلقيه اللواء مهاب على مسامعها وهي جالسة أمامه. لم تفق من رجفة التفكير خاصتها إلا عندما استمعت صوته الحاد يأتي من خلفها قائلاً: تمام يا فندم.
نظرت له لتجده يحدث والده. لأول مرة تنتبه إلى شكله. جذاب، وسيم، منمق الهيئة بهذه الملابس والساعة الثمينة. وما يزيده طغياناً لحيته الخفيفة. حاولت بقدر الإمكان إخفاء نظرات الإعجاب بعينيها، وسرعان ما أخفضتهم أرضاً بحرج. ليأتيها صوت اللواء قائلاً: ماشي يا ولاد، ربنا معاكم ويقويكم. وبعد دقائق خرج كل من سرين وكنان، الذي أردف وهو يدلف إلى مكتبه الخاص: الشحنة دي المفروض هتتسلم امتى؟ أضاءت شاشة هاتفها ناظرة
إلى الساعة ورددت بتوتر: ساعة ونص. عاود سألها وهو يجلس بمكانه وهي تقف أمامه وكأنه يحقق معها أو يستجوبها: عملتي خطة هجوم؟ أومأت برأسها بلا. وسرعان ما انتفضت عندما ضرب بكفه على المكتب بقوة وهو يردد بصوت حاد يحمل من السخرية والطريقة الفظة: نعم يا اختي! آمال كنتِ هاتقبضي عليهم إزاي؟ أكمل بسخرية بحتة: هاتروحي تقولي لهم لو سمحتوا سلموا نفسكم. لا تعلم لماذا شعرت بالإهانة في كلامه، ولكنها لم تخطئ في شعورها. رددت بقوة
محاولة بث الشجاعة بنفسها: لأ، أنا أصلاً رايحة علشان أفتش الشحنة قبل ما تطلع من المينا. قام من جلسته وأخذ يقترب منها ببطء. خطوات بمثابة الهلاك بالنسبة إليها. كلما اقترب خطوة للأمام، عادت هي إلى الخلف بتوتر وقلق. وقف يتفحصها بعين الصقر. دقيقة. وعاود الجلوس على مكتبه مرة أخرى. عقدت هي حاجبيها بعدم فهم وتذمر وظلت صامتة. رفع هو هاتفه على أذنه وردد بصوت يحمل
من الحدة والصرامة ما يكفي: أيوا يا ابني جهزلي قوة وقولهم طالعين المينا. وأغلق الهاتف. عاود النظر لها مجدداً وردد: جاهزة؟ ابتلعت ريقها بتوتر، فهذه المرة الأولى لها بخوض هذه التجربة. هذه المرة الأولى التي تذهب بمهمة بصفتها سيادة النقيب لا المحامية. رغم جرأتها وشجاعتها بالوقوف أمام القاضي والمرافعة. إلا أنها تخشى هذا الذي هي مقبلة عليه. وصلت إلى منصبها البسيط بلعمل في الخفاء بناءً على رغبة والدها التي لا يعلم أحد سببها.
أفاقت من شرودها على يده التي أمسكت ذراعها وأخذ يهزها بقوة وهو يردد جازاً على أسنانه بغيظ: انتِ يا بت مالك خرعة كدا ليه؟ تأوهت بخفوت وسرعان ما رفعت يدها الأخرى مبعدة بها يده بشراسة وهي تردد بحده: ما شيء طبيعي أكون خرعة، هو أنت فاكر نفسك بتكلم واحد صاحبك؟ أظلمت عيناه وتحول لونها الأخضر إلى القتامة، من فعلتها وردد بفحيح وغضب داخلي: انتِ أتحركتي دي؟
رغم ما هي به من نجاح وعملها كناقيب، إلا أنها بالنهاية أنثى عادية. تحمل من الرقة والخوف ما تحمل كل أنثى. قرأت غضبه بطيات عينيه التي تحولت إلى الأخضر الداكن. فابتلعت ريقها بخوف وهي تردد: آآآ.. أنـ.. أنا هـ.. هروح أجهز نفسي. وفرت هاربة من أمامه إلى الخارج. وفور خروجها تنفست الصعداء وكأنها كانت بداخل سجن. أما هو بالداخل فور خروجها انفجر ضاحكاً
وردد من بين ضحكاته القوية: هههههههه أمال هههه أمال نقيب إيه وبتاع إيه هههههه دي كانت عاملة زي الكتكوت المبلول ههههههه طلعت هههههه جبانة. ولا يعلم أن هذه الكتكوت المبلول أو الجبانة كما نعتها، وهي من ستغير حياته في القريب العاجل. *** كان عاصم والد سرين يجلس يباشر أعماله في مكتب ڤيلته. قاطعه عن ما يعمل صوت الهاتف. تناوله من جواره وأجاب قائلاً: الـوو. جاءه الصوت من الجهة الأخرى قائلاً: إزيك يا عاصم.
اتسعت ابتسامة عاصم وأصبحت من الأذن إلى الأخرى عندما تعرف على صوت صديق عمره عبر الهاتف، وأردف بسعادة: لطفى التهامي. أتاه صوت صديقه من الجهة الأخرى قائلاً بفرح: إزيك يا صديق عمري.. واحشني جداً. أجابه عاصم: الحمدلله بخير.. والله إنت واحشني أكتر. أكمل بتساؤل: فينك اختفيت مرة واحدة؟ أجابه المدعو بلطفي قائلاً بضيق: كان غصب عني والله. أكمل بحزن: من ساعة مرض أم مليكة وأنا مش مستقر في بلد. عاصم بتأثر: ربنا يشفيها ويصلح حالكم.
لطفي مبتسماً بود: يارب. المهم.. أنا كلمتك علشان أقولك إني راجع مصر بعد يومين، حالة أم مليكة اتحسنت. لازم تكون أول شخص أشوفه لما أرجع. ابتسم عاصم بسعادة حقيقية، فها هو صديق عمره يخبره بعودته بعد غيبة سنوات لم يستطع بها الوصول له حتى لمقابلته. فكانت العلاقة مقطوعة. والآن سيعود صديقه. وتعود صداقة الشباب وأيام الود والبهجة. ردد بسعادة: من غير ما تقول أكيد لازم أكون أول شخص يستقبلك يا صاحبي. *** بتردد وتوتر.
استقرت سرين بالمقعد المجاور لكنان بسيارة الشرطة المتجهة إلى المينا. لا تعرف لماذا هذا التوتر والخوف. فهي بعمرها لم تهاب أو تخاف من أحد سوى الله. وببساطة يأتي هذا الشخص ويجعلها تكون مثل (الكتكوت المبلول) مثلما نعتها، فقط من نظرة واحدة من عينيه الخضراء الساحرة. عينان الصقر الذي يستطيع من خلالهما قراءة من يقف أمامه بثواني معدودة كما فعل معها منذ قليل. أفاقت من شرودها على صوته
الحاد وهو يقول بسخرية: وصلنا يا سيادة النقيب ولا حضرتك عجبتك القعدة في العربية وناوية تباتي هنا؟ هاجمته بنظراتها الغاضبة الشرسه وترجلت من السيارة بدون أن تتحدث. سارت جواره مترقبة لما يفعله، فهذه المرة الأولى لها بالذهاب بمهمة هكذا. دقيقة.. اثنتان.. وكان كنان يقف خلف كمال الشناوي الذي يواليه ظهره. ابتسامة عابثة اعتلت وجهه وهو يربت بقوة على كتف هذا الذي انتفض والتفت سريعاً ليرى ماذا يحدث.
اتسعت مقلتي كمال عندما رأى التمساح يقف أمامه بهيئته المهلكة والساحبة للأنفاس. ابتلع ريقه بتوتر وصعوبة وهو يردد بتوجس: خير يا باشا؟ اتسعت ابتسامة كنان العابثة وهو يجيبه متلاعباً بوتيرة أعصابه: معايا أمر بتفتيش الشحنة بتاعتك يا كيمو. تسمر الأخير مكانه وردد بصوت يكاد يكون مسموع: تـ تفتيش. صمت عدة ثوانٍ وسرعان ما أردفت بصوت عالٍ نسبياً وتوتر طفيف: إتـ فضل يا باشا.. اتفضل براحتك.
اتسعت أعين سرين لما تراه. هذا الرجل يكبر التمساح ما يقارب العقد الكامل.. ويرتعب منه. إذاً لا عتب عليها هي. أم أنه يخاف كأي شخص يرتكب جرماً؟ لا تدري. سوف يتضح كل شيء الآن. أشار كنان للقوة بالبدء بعملها. بينما ظلت حرب النظرات مشتعلة بينهم وبين كمال الذي أصبح يتصبب عرقاً من فرط توتره وخوفه. دقائق مرت عليهم كأدهر. إلى تجمعت القوة أمام التمساح وسرين وردد عدد منهم: تمام يا فندم.. مفيش حاجة.
نزلت هذه الكلمات كصدمة عليهم جميعاً، وخاصة سرين. فرددت منفعلة: إزاي يعني مفيش حاجة.. أنا متأكدة إنووو. أخرستها نظرات كنان التي كانت بمثابة إنذار بالنسبة لها. بينما أشار للقوة بالانسحاب من المكان. كمال بتصنع الثقة: أطمنت يا باشا بنفسك.. علشان تعرف بس إني ماشي في السليم. نظر له كنان بعين الصقر وأردف بقوة التمساح: ومالو يا كمال يا شناوي. الجايات أكتر من الرايحات ومسيرك تقع. وأخذها من يدها متجهاً إلى السيارة للعودة.
بينما ابتلع الآخر ريقه بصعوبة بالغة وركب معتلياً سيارته متجهاً إلى شركته هو وأخاه. *** قاد التمساح سيارة الشرطة الملاكي الصغيرة. بينما تبعه البوكس. ومازالت سرين تحت تأثير الصدمة. كيف حدث هذا؟ مئة علامة استفهام. كيف؟ كيف؟ رددت بعدم استيعاب وهي ترفع له زرقاوتيها التي تحمل معالم الصدمة: طب إزاي؟ .. إزاي؟ .. أنا.. أنا متأكدة.. متأكد أن المخدرات كانت في الشحنة دي.
أوقف السيارة فجأة ليرتد جسدها الهزيل إلى الأمام، فاستندت بكفيها سريعاً على التابلو الأمامي لكي لا تنصدم به. أشار هو إلى البوكس الذي كان يتبعه ليتحرك هو. انصاع له الشرطي وتقدم بسيارته متجهاً إلى القسم. التفت لها وأمسكها من ذراعها بقوة ألمتها وأردف بعنف وغضب: اخرسي بقا.. اخرسي.. بسببك وبسبب غبائك اتعرف كل حاجة.. وباظت المهمة.. إنسانة فاشلة. أبعدت يده بقوة وأردفت
بحده وغضب مماثل بل أشد: اسمع بقا أما أقولك إيدك دي لو امتدت تاني أنا هاقطعها.. وتحفظ أدبك وانت بتتكلم معايا.. أنا مش واحدة صاحبتك ولا صاحبك ولا حتى مجرم قدامك بتحقق معاه.. سامعني؟ رفع حاجبه الأيسر دلالة على تعجبه على هذه غريبة الأطوار، فمنذ وقت ليس بالطويل كانت تقف أمامه بتوتر وشبه خوف. ورد بحده وفحيح: لسانك ابتدى يطول.. بس مش مشكلة هعرف إزاي أقوصهولك.. وابقى وريني بقا هاتقولي إيه لسيادة اللوا لما يعرف إنك فشلتي.
ابتسم بسخرية من جانب فمه وهو يكمل: مع إن دا شيء مش جديد عليكي. هاجمته بنظرات حادة غاضبة وأثارت الصمت. بينما تمتمت بغيظ: وقح. استمع هو إليها وابتسم بجانب فمه بسخرية وعاود القيادة، ولم يعلق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!