الفصل 24 | من 31 فصل

رواية عراك التماسيح الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم منه عماره

المشاهدات
17
كلمة
2,681
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 77%
حجم الخط: 18

فتحت شذا عينيها بتثاقل وهي تشعر بألم فج يحتل رأسها. وضعت يدها على رأسها متأوهة من هذه الآلام الحالكة. وزعت أنظارها بتمهل على المكان المتواجدة به، وسرعان ما انتفضت بذعر فور أن تذكرت ما حدث معها. أخذت دقات قلبها تتعالى تدريجياً إلى أن أصبحت مثل قرع الطبول وهي تبتلع ريقها بتوجس وخوف. دخلت فتاة الغرفة تحمل بيدها صينية طعام صغيرة، وهي تنظر لشذا بتفحص. اقتربت منها واضعة الطعام أمامها فبادرتها الأخرى: -أنا فين، وأنتِ مين؟

ردت الفتاة: -ما عنديش أي أوامر أرد عليكِ، اتفضلي كُلي، وخليكي هادية لحد الباشا ما يجي. بدأ الخوف يتسلل لقلبها من كلمات هذه الفتاة المقتضبة وهي تتخيل هذا الشخص الذي تتحدث عنه. صرخت بها بجزع: -باشاااا مين؟! وأنا فين هنا؟! ردت الفتاة بتهديد: -قلت لكِ ما عنديش أي أوامر إني أرد عليكِ، وياريت صوتك يفضل واطي، دا أحسن لكِ. وخرجت وتركتها بمكانها تفكر بهذا الرجل؟ وبماذا يريد منها؟! ***

-لا بقااا دااا أنت شكلك اتجننت يا ياااسر، مــيــن دى اللى عاوزني أعتذرلهاااا! صاح علي بهذه الكلمات بغضب جم بعد أن انتفض من جلسته فور سماعه لكلمات ياسر التي تضمنت أول شروطها. بينما لم يتحرك ياسر قيد أنملة من موضعه، وأردف ببرود: -دينا الشرقاوي. صاح علي بغضب: -بلاش جنااان ياااسر. أكمل بتهكم: -مابقاش غير دي اللي أعتذر لها كمان. أخرج ياسر من حقيبته العملية عدة ملفات، وقام بإلقائها بوجهه على الطاولة، وهو يصيح بغضب:

-أحوال الشركة في النازل علطول، ولو استمرينا بالوضع دا كلها سنة ولا سنة ونص ومش بعيد الشركة تفلس، لــــــيـــــه، عشان سيادتك واخداك العظمة أوي. استأنف بتهكم: -وخلاص كبريائك هايتدمر وينهار لو اعتذرت، صح؟! نظر له علي بنظرات قاتلة، بينما عم الصمت المكان. يعي جيداً أن حديث صديقه صحيح، ويعرف عائلة الشرقاوي جيداً، لما لا وأخته متزوجة ابن هذه العائلة الأكبر مروان الشرقاوي.

لا يهم ياسر سوى أوضاع ومستقبل الشركة، واتضح هذا جيداً عند ذهابه إليها معتذراً منها على تصرف صديقه الأخرق معها. قطع الصمت صوته القائل ببعض الغضب: -طيب متزفت موافق، اللي بعده!! ياسر: -تدخل شريكه بالتلت. جحظت عيناه فور أن استمع إلى هذه الكلمات التي رددها صديقه لتوه، وأردف بذهول مصدوم: -شريكه بالتلت، يعني نصيبها قد نصيب كل واحد مننا أنا وأنت؟!!!!!! رد بثبات: -بالظبط. ضرب علي بيده على المكتب بغضب صائحاً:

-على جثتي اللي بتقولوا دا، هو شغل لوى دراع ولا أيــه، هيا عشان عارفة إننا محتاجينها. ياسر: -بص، هو الصراحة كُنت مسترخم الفكرة، بس لما فكرت عرفت إن دا فيه مكسب لينا. اعتلت ضحكة سخرية على وجهه علي، بينما أكمل ياسر موضحاً: -وجود اسم زي دينا الشرقاوي معانا وحط مِية خط تحت الشرقاوي دي، دا هايبقا مكسب ممتاز، دا غير إن العلاقات العامة بالشركة هاتزيد ودا هايترتب عليه حاجات كتير أوي. علي بضجر: -غيره! ياسر:

-مش عاوزة أي احتكاك بيها، شغلها هايكون يا معايا يا مع أي موظف في الشركة، أنت لأ. اتسعت ابتسامة الساخرة، وهو يردد بنبرة تهكمية: -ماشي مش هانقرب لـ "مارلين مونرو"، أي أوامر تانية؟ *** دخلت سرين القصر لتجد العائلة مجتمعة ومعهم عمها وزوجته. توجهت صوب عمها محتضنة إياه، راسمًة ابتسامة رقيقة على وجهها، وأردفت: -حمدلله على سلامتك يا عمو، الدنيا نورت. ابتسم لها عمها بود وأردف: -بنورك يا حبيبتي.

وبعد جلسة زادت عن النصف ساعة، صعدت إلى غرفتها بتعب وبدأت بالعمل على القضية. لعنت غباءها ألف مرة، فسرقة الفلاشة التي باتوا متأكدين من كونها مع هذا البغيض سمير الآن، أذهب كل تعبهم سُدى. فتحت جهاز الكمبيوتر المحمول خاصتها وأخذت تتمتم بحنق: -غبية، إنتِ غبية يا سرين، كان زمان القضية انتهت.. ياريت كنان كان هو اللي أخدها. كنان... وعند نطقها لأسمه لا تعرف لماذا شعرت وكأنها تعرفه منذ زمن. ذهبت بفكرها لأميرها الذي اختفى فجأة،

وتمتمت بهدوء: -أمتى هاترجع بقا يا أميري، أنت وحشتني أوي... *** مساءاً. ظلت شاهي تجوب غرفتها ذهاباً وإياباً، أصبحت الآن الثانية عشر بعد منتصف الليل ولم يعد. تسلل القلق إلى قلبها، وهي تراودها أفكار سيئة. حاولت نفض هذه الأفكار من رأسها وتوجهت صوب المرحاض الملحق بالغرفة بدأت بالوضوء للصلاة. وهي تدعو ربها أن يحفظ لها زوجها. الذي اعترفت به أخيراً كـ زوج... !!!!! ***

كانت سرين تنام بهدوء بغرفتها إلى أن تعلى صوت رنين هاتفها النقال. عقدت ما بين حاجبيها بإنزعاج وهي لا تزال شبه نائمة. حركت جفنيها بعصبية، وأخذت هاتفها مجيبة دون أن ترى هوية المتصل. أجابت بصوت ناعس: -الو. وجاءها صوت غليظ من الجهة الأخرى مردداً بتساؤل: -سرين الشرقاوي؟ جلست من نومتها سريعاً بقلق، ونظرت إلى الهاتف لتجد اسم أخيها يعتلي الشاشة. ابتلعت ريقها بقلق وأردفت سريعاً: -أيوا أنا سرين الشرقاوي، انت مين؟ فين إياس؟

بتتكلم من تليفونه ليه؟ أجابها: -حضرتك أنا بتكلم من مستشفى (..) السيد إياس عمل حادث سير وهو دلوقتى بداخل غرفة العمليات. جحظت عينا سرين بصدمة، بينما تعالت دقات قلبها لتصبح مثل قرع الطبول هلعاً على أخيها. وأردفت سريعاً: -حادث سير! .. هـ هو عامل إيـه دلوقتى؟ أجابها: -لسه في غرفة العمليات. أغلقت الهاتف سريعاً بعد أن شكرت الرجل، وخرجت من غرفتها ركضاً إلى غرفة أبيها. لتخبره بما حدث. انتفض عاصم من جلسته كمن لسعه عقرب،

أردف بخوف: -وأخوكي أخباره إيه؟! أردفت وهي تلتقط أنفاسها: -في العمليات، يالا يا بابا بسرعة نرحلوا. وبالفعل ارتدى عاصم ثيابه على عجالة وخرج هو وابنته سريعاً. في هذه الأثناء توجهت شاهي لإخبار عاصم بتأخر إياس، لتجده يخرج هو وسرين. توجهت صوبهم سريعاً وأردفت بخوف: -خير يا جماعة في إيه؟! ردت عليها سرين على عجالة: -إياس عمل حادثة واحنا رايحين له المستشفى. شهقت شاهي بقوة واضعة يدها على فمها من هول الصدمة.

وبدأت خفقاتها تتعالى بعنف رافضة تصديق هذا الخبر. خرج عاصم وابنته وبالتأكيد هي معهم. جلست سرين خلف المقود وبجانبها والدها الذي ينهش الخوف قلبه على فلذة كبده. وجلست شاهي التي لم تمنع عباراتها بالهطول في الخلف. وانطلقت سرين سريعاً إلى المشفى. دقائق.. وكان كل منهم يقف بمكان أمام غرفة العمليات المتواجد بداخلها. خرج الطبيب من الغرفة، ليهرولوا إليه سريعاً، ليسمعوه يردد بعملية:

-ما تقلقوش هو الحمدلله بخير قدرنا نسيطر على جرح دماغه، وعنده بس كسر في الرجل الشمال والإيد اليمين دا غير الكدمات. أردف عاصم بقلب يتأكل من الخوف على ولده: -يعني هو كويس يا دكتور؟! أردف الطبيب: -هو كويس، بس طبعاً محتاج الراحة التامة عشان الكسور. أردفت شاهي بصوت أشبه للباكي: -طيب نقدر نشوفه؟ أجابها: -أكيد هاننقله أوضة عادية وتقدروا تشوفوه، بعد إذنكم. ردد أخر كلماته وذهب تاركاً إياهم يلتقطون أنفاسهم بصعوبة. سرين:

-الحمدلله يارب إنه بقى كويس، كنت هاموت من خوفي. توجهت شاهي إلى عاصم، وأردفت وعباراتها تهبط بهدوء على وجهها: -أنا عايزة أشوفه، عايزة أطمن بنفسي. تنهد عاصم تنهيدة قوية تحمل بطياتها الكثير، وقال بنبرة تحمل القلق: -أيوا يالا نشوفه، عايز أطمن على ابني!! وبالفعل توجه ثلاثتهم إليه. وقف والده أمامه يرمقه بنظرات متحسرة على ما آلت إليه حالته. وزعت هي نظراتها بين قدمه الملفوفة بالجبس ويده كذلك، وجهه المليء بالكدمات والشاش حوله.

خرج عاصم لتسديد حساب المشفى، بينما توجهت سرين للخارج مجيبة على نهلة التي اتصلت بها. اقتربت شاهي من الفراش المسجى عليه إياس وجلست على المقعد أمامه. أخذت تتأمل ملامحه عن كثب وهي تناظر هذه الكدمات بحزن. هبطت عبرة من حديقتها على الحالة التي وصل إليها. شعرت بأناملة الخشنة على وجنتها تمسح عبارتها. فرفعت أنظارها سريعاً لتجده قد فاق من غيبوبته المؤقتة. نظرت له بدهشة ورددت: -ألف سلامة عليك. ابتسم لها بوهن وهو يردد بضعف:

-الله يسلمك. دلف عاصم بصحبة سرين إلى الداخل. ركضت سرين إليه ورددت مبتسمة: -حمدلله على سلامتك يا حبيبي. عاصم بقلق: -سلامتك يا ابني، طمني انت كويس، وايــه اللي حصل؟ عملت الحادثة دي إزاي؟ ابتلع إياس ريقه بصعوبة شديدة وهو يجيبه بصوت ضعيف، يكاد يكون مسموع: -عربية نقل طلعت قدامي، حاولت أوقف العربية أو أتفاداها، بس ما عرفتش. فور أن أنهى آخر كلماته، فوجئوا جميعاً بمن تقتحم الغرفة متوجهة صوب هذا المصاب بالفراش وجلست

جواره مرددة بنبرة باكية: -حبيبي حصل لك إيه؟ .. سلامتك. اغتصب إياس ابتسامة واهنة على محياه ورفع يده السليمة رابتاً على خصلاتها بضعف وهو يردد: -الله يسلمك يا حبيبتي، حادثة بسيطة والحمدلله عدت على خير. نظرت إليه بتفحص وسرعان ما رددت اتسعت مقلتيها من كم الجروح بجسده، أردفت بلهفة: -عدت على خير إزاي بس يا إياس انت مش شايف نفسك عامل إزاي؟! رد مؤكداً: -يا نهلة يا حبيبتي أنا كويس ماتقلقيش.

وجه نظراته لزوجته ليجدها ترمقه بنظرات باردة، فرمقها هو الآخر بالمثل. قاطع كل هذا، قرع الباب وبعدها فتحه. نظرت سرين خلفها لتجد مجموعة من الضباط يدلفون إلى الداخل. توجهت صوبهم بقلق ليبادرها: -مع حضرتك المقدم رائد الهلالي. صافحته مرددة: -أهلاً يا فندم، سرين الشرقاوي. ابتسم لها وأردف: -أهلاً يا سيادة النقيب، اتشرفت بمعرفتك.. في الحقيقة إحنا جايين علشان نتكلم مع د. إياس بخصوص الحادثة اللي اتعرض لها. سرين: -الحادثة آآه.

قاطعها: -الحادثة بفعل فاعل، إحنا لقينا الفرامل مقطوعة. توالت نظرات الصدمة بين من بالغرفة جميعاً، أردف عاصم بخوف على فلذة كبده: -بفعل فاعل إزاي، يعني حد كان قاصد يموت ابني؟ اقتربت منه نهلة مرددة: -عمي ارجوك اهدى عشان نعرف نوصل للي عمل كدا. نظر إليها بتوهان وهو يقول بألم: -اهدى إزاي يا بنتي، انتِ مش سامعاه بيقول إيه، كانوا قاصدين يموتوا ابني! أردف إياس بوهن: -بابا ارجوك اهدى، أنا كويس. اقتربت منه سرين ضامة إياه وأردفت:

-حبيبي ماتقلقش أوعدك كل حاجة هاتكون كويسة. نظر إليها والدها برجاء وبعدها أخذته ليرتاح قليلاً، بينما جلس المقدم رائد أمام إياس، مبادراً إياه: -ازيك دلوقتي يا دكتور؟ أجابه بتعب: -الحمدلله بخير. سأله رائد: -بتشك في حد؟ يعني ليك أعداء ممكن يكونوا هما سبب اللي حصلك؟ أجابه بخفوت: -لا. نظر إليه برهة وردد: -متأكد؟ إياس: -أيوا. ربت المقدم رائد الهلالي على كتفه غير المصابة وأردف:

-تمام يا دكتور، حمدلله على سلامتك.. ومش عاوزك تقلق، أنا شخصياً هافضل ورا الموضوع لحد ما أعرف مين اللي عملها. ابتسم له إياس بضعف وأردف: -شكراً يا سيادة المقدم. وبعد إنهاء الحوار الدائر بينهما، خرج المقدم رائد من الحجرة بل من المشفى بأجمعها. *** كانت شذا تنام بسلام، وأثناء نومها، فتح أحدهم الباب ليصدر صريراً خافتاً. ليظهر من خلفه هذا الشاب طويل القامة، ذو ملامحه شرقية إلى حد كبير، من يراه يظن أنه من أبطال المصارعة.

اقترب من هذه النائمة بسلام، بخطوات باردة، لا حياة فيها وجلس جوارها بهدوء. أخذ يتطلع لملامحها الهادئة بنظرات لها العديد من المعاني، كره، قسوة، حقد. ورمقة باشتقار وبعدها قام وتوجه للخارج مثلما أتى، وعيناه تطلق نظرات تكفي لإحراق العالم أجمع. *** صباح جديد تعلن عنه أشعة الشمس الحارقة، عند سطوعها. ليستيقظوا جميعاً على خبر كفيل بتحجرهم، ألا وهو "موت أكرم الشناوي".

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...