اشراقة يوم جديد تعلن عنها الشمس بلونها الذهبي الساطع. تحضيرات تسير على قدم وساق والجميع يركض من هنا إلى هناك من أجل إنهاء ترتيبات هذا الحفل سريعاً. وبالفعل انتهت الترتيبات سريعاً ليحل الليل حاملاً معه ما لم يتوقعه أحد. ارتدت شاهي فستان سواريه أسود اللون محتشم وفوقه حجاب زادها جمالاً من اللون الذهبي. بينما ارتدت سارين فستان جميل يصل إلى كاحلها (كب) باللون الأزرق الفاتح (تركواز) ، فزادها جاذبية.
بدأ المدعوون بالتوافد واحداً تلو الآخر. بينما وقف إياس، الذي أصبح بحالة جيدة في الآونة الأخيرة، يستقبل الضيوف بطريقة لبقة ومهذبة، بجانبه هذه التي تركز على كل تصرف أو حركة له. فمنذ ما حدث وعندما أفصح لها عن الحقيقة، يتجاهلها تماماً. حيث يذهب إلى عمله صباحاً ويعود في المساء يخلد إلى النوم بدون أن يفعل أي شيء آخر. دلف كنان من الباب بجانبه والده وعلاء. رمقهم إياس بنظرات فاترة لا مشاعر فيها.
بينما تقدم منه مهاب مصافحاً إياه بود، بينما لاقاه الآخر ببرود. تقدم منه كنان مردداً بسخرية: -مبروك يا صاحبي. نظر له إياس بفتور مردداً باقتضاب: -شكراً. وبعدها دلفوا إلى الداخل جميعاً. كان علاء يقف يتابع من بالحفل وهو بيده أحد المشروبات المتواجدة بالمكان. وسرعان ما اتسعت مقلتيه بذهول، وهو يطالع هذه التي تترجل من الأعلى بهدوء. اقترب منها وجذبها من يدها مردداً بذهول: -يخرب عقلك عملتيها امتى دي. -أفندم.
رددت مليكة هذه الكلمة بغضب وهي تنزع يده عنها بقوة. ابتسامة بلهاء ارتسمت على محياه، وهو يتأملها مردداً: -بس تصدقي كدا أحلى يا بت. -بت في عينك، هو أنت تعرفني أصلاً؟! نظر لها بضيق غاضب، وأردف: -طب ليه طولة اللسان دلوقتي، كل دا عشان بقولك. أشار بيده إلى حجابها مستأنفاً: -إنك فيه أحلى. الآن أدركت ماذا يقصد، أغمضت عينيها بضيق وغباء، وبعدها فتحتهما وأشارت بيدها تجاه سارين التي تحدث أحد الضيوف.
وردت: اللي أنت بتدور عليها اهيه. نظر هو في الاتجاه التي أشارت عليه، لتتسع عيناه وهو يجد سارين تقف تحدث أحدهم. نظر إليها سريعاً، ولكنه لم يجدها. ذهبت سريعاً وكأنها تبخرت في الهواء. توجه صوب سارين وسحبها من يدها معتذراً ممن كانت تحدثه. وقف بعيداً وردد بذهول: -طب إزاي دا انتِ كنتِ واقفة جنبي. أشار إلى خصلاتها مكملاً: -وبحجاب... قاطعته مبتسمة: -أنت شوفت مليكة؟ عقد ما بين حاجبيه، وأردف مستفهماً: -مليكة مين؟!
أشارت سارين بإصبعها عليها من بين المتواجدين مرددة: -دي. اتسعت مقلتيه مجدداً وهو يوزع أنظاره بينهما، قائلاً بحيرة وذهول: -طب إزاي!!!!!!!! سردت له ما حدث منذ قدوم لطفي، ومكوثه عندهم إلى أن ينتهي العمال من منزله، وذهابه بعد فترة. نظر علاء تجاه مليكة التي تقف جوار والدها ورجل آخر، وأردف بشك: -بس دي فيها شبهة كبيرة منك، إزاي دا؟! ردت بحيرة:
-ما هو دا اللي هاموت وأعرفه، دا أنا حتى بعت إسلام بنفسه يتأكد، البنت فعلاً اتولدت برا.. بعد ميعاد ولادتي بسنة واحدة والأوراق كلها مظبوطة، دا حتى فيه شهود على ولادتها في المستشفى، الدكتور اللي ولدها أنا رحت قابلته بنفسي، وما سبتش ثغرة غير ودورت وراها. عاود علاء بنظراته مجدداً إلى مليكة وأردف: -مش مطمن..... !!!!!!
استقبلت دينا ياسر ووالدته مرحبة بهم بحفاوة، تحت سعادة ياسر فتطور العلاقة بينه وبين هذه العائلة سيفيده كثيراً. نظر لدينا برهة وارتسمت ابتسامة ماكرة على محياه وهو يذهب بفكره للبعيد. ابتسمت شاهي بسخرية على هذه الأجواء المحيطة بها. تشعر أن كل ما يمر حولها، ما هو إلا خدعة، كذبة لا أكثر. حاولت رسم ابتسامة على وجهها وهي ترى كل هذه العيون المسلطة عليها.
وزعت أنظارها بين الجميع، لا تشعر أن هذه الابتسامة المرسومة على أوجههم صافية ناقية. تذكرت هذا المنزل البسيط التي كانت تقطن به بصحبة والدتها. كم تشتاق إليه وتشتاق إلى الحب والدفء اللذان افتقدتهما منذ خروجها منه. لم تكن لتتخيل بأحلامها حتى أن يحدث معها كل هذا. هي فتاة بسيطة مثل باقي الفتيات.. أحلامها فستان زفاف أبيض اللون ترتديه بسعادة وحب لفارس أحلامها، بعد أن تنهي دراستها.
لم تكن تتمنى هذه الحياة التي هي بها الآن، ولكن ما باليد حيلة، هي الآن تحت تحكم الظروف.... !!!!!!! كان مروان يجلس بجوار علي الذي دعاه للحفل وأبيه يحدثهم بشتى الأمور ونظراته معلقة على دينا بين الحين والآخر. رأى علي تشتته فذهب بنظراته إلى ما ينظر إليه مروان ليجد كل من دينا وياسر ومدام ليلى والدته يتحدثون ويضحكون. دنى مروان من أبيه الذي يجلس جواره، وردد له بأذنه بخفوت: -هو مين اللي دينا واقفة معاه دا يا حاج؟!
نظر الشرقاوي الكبير إلى ابنته وأردف: -دا الأستاذ ياسر ووالدته، اللي أختك دخلت معاهم في شراكة. أردف مروان بنفي الخفوت وقد تطايرت حبيبات الشر من أعينه: -ودا جاي يعمل إيه، وهيا إزاي تسمح لنفسها تعزمه أصلاً. نظر له والده شزراً وأردف: -مروان أختك استأذنتني أنا أنها تعزمه، ولا أنا مش مالي عينك. أردف سريعاً: -لأ طبعاً.. العفو يا حاج أنت على راسي. وقفت نهلة بجوار إياس بتوتر وهي تطالع طارق الذي يقف مع هذه الفاتنة الحسناء. نظر
إليها إياس وأردف بترقب: -مالك يا نهلة؟ انتِ كويسة؟؟ تشكلت ابتسامة متوترة على ثغرها وهي تردد: -ماليش، أنا كويسة أهو. رمقها بشك مردداً: -متأكدة. أومأت هي بتوتر زاد وهي تقول مشددة على كلماتها: -أكــيــد. بينما رمقتهما شاهي بسخرية وذهبت بعيداً عنهما. لطفي براحة: -أحسن حاجة عملتها يا عاصم، خلي ناهد ترتاح في تربتها. عاصم بجدية: -كان لازم أعمل كده وإلا ما كانوا كملوا. -امــــــيـــــر.
تخشب جسد كنان موضعه وهو يستمع لهذا الاسم. التفت ليجد إياس يقف خلفه واضعاً يده في جيبه، يرمقه ببرود. لتظل حرب النظرات هي المشتعلة بينهم. كان عاصم يهاتف أحد رجال الأعمال، ابتعد عنه قليلاً راسماً ابتسامة مصطنعة على وجهه. توجه صوب ابنته مردداً: -فين أخوكي يا سارين. نظرت هي حولها، وأردفت بحيرة: -مش عارفة يا بابا.. كان هنا دلوقتي. عاصم: -طب شوفي فين، رشدي باشا عاوز يباركله بنفسه ويتعرف عليه. ردت مبتسمة: -حاضر يا بابا.
إياس بجمود: -ابعد عن سارين يا كنان. مط كنان شفتيه للأمام وهو يقترب منه مردداً: -وإن ما ابعدتش؟! أظلمت عينين الآخر، وأردف بغضب: -هتبعد وإلا هانسى إننا كنا صحاب في يوم. بينما كانت سارين متجهة للبحث عن إياس لمحته يقف مع أحدهم خلف أحد الأعمدة. اقتربت منه راسمة ابتسامة مشرقة على محياها. لتختفي تدريجياً فور أن سمعت ما يهتفان. ابتسامة سخرية ممزوجة بالحزن اعتلت ثغر كنان، وأردف:
-ليه، وهو أنت لحد دلوقتي ما كنتش نسيت.. نسيت أكتر من 15 سنة في لمح البصر.. 15 سنة صداقة لا أخوة، 15 سنة عشرة مع بعض على المرة قبل الحلوة، اختفوا في غمضة عين لمجرد غلطة أنا ماليش ذنب فيها. رد إياس بمرارة: -بس أنت ابنه.. ابنه يا أمير. وهنا تخشب جسد سارين، وحالة من الشحوب اعترتها عند ذكره لـ "أمير". كيف، كيف.. كنان هو أمير، ضربة قوية تلقتها فوق رأسها، أمير.. أميرها كان معها طيلة هذه المدة ولم تتعرف عليه.
أفاقت على صوته مردداً: -مش ذنبي يا إياس وانت عارف كده كويس. صاح به إياس بغضب: -كنت عاااوزني أعمل إيه وأنا شايف أختي بتتعلق بيك يوم بعد يوم.. ولحد دلوقتي مستنية أميرها يرجع تاني، ما تفكرنيش أهبل يا كنان، أنا عارف قد إيه سارين بتحبك ومتعلقة بيك بس على إنك أمير مش كنان.. فـ ياريت تبعد عنها نهائي.. مش هانعيد قصة دينا تاني. اقترب منه واردف بتهديد: -لو قلب أختي اتكسر بسببك يا أمير، صدقني مش هاتكفيني فيك روحك.
ابتسم كنان بألم وردد: -ماتقلقش يا إياس، أنا ماقولتلهاش إني أمير. أخذ نفس عميق وأكمل بصعوبة: -ومش هاقولها. أخذت دمعاتها تهبط على وجنتيها كشلالات غزيرة. تشعر أن قلبها سقط أرضاً بقوة. تكاد تقسم الآن أنها تستمع إلى صوت تهشيمه وتناثره. التفت إياس ليجدها على حالتها تلك ليدرك بلا منازع أنها قد استمعت إلى حديثهم. رأى كنان حالة التجمد الذي أصبح عليها. فـ التفت هو الآخر ليجدها هكذا.
نظراتها المعاتبة المليئة بالخذلان والألم. تكاد تحرقهما وتحرق قلبيهما. رحلت سريعاً من أمامها ليذهب الاثنان خلفها سريعاً. كانت تسير بخطوات أشبه بالركض إلى غرفتها. وهي تحاول مسح عبراتها التي لا تتوقف، تذرفها لا إرادياً. رأى كنان هذا السلاح بيد الملثم الموجه لمعشوقته لإنهاء حياتها، فلم يشعر بنفسه إلا وهو يزيد من ركده إليها وهو يصرخ باسمها بكل قوته.
جذبها من ذراعها بقوة لتقع بأحضانه ساكنة على صدره، ويخرج صوت رصاصة قوي خرج من هذا السلاح بيد الملثم... ليتصلب الجميع موضعهم لا يعلمون من أصابت. ثوانٍ مرت بصدمة خشبت الجميع. أخرجها كنان من حضنه، وحاوط وجهها مردداً بلهفة وخوف: -أنتِ كويسة؟ حصلك حاجة؟ جات فيكي؟ ردي!!!! صمتها كاد يقتله، ولكن عقلها لم يكن ليستوعب كل ما يحدث حولها. أفاقت على يد والدها وهو يجذبها من يدي كنان ويقول بهلع: -سارين أنتِ كويسة يا بنتي؟ حصلك حاجة؟
طمنيني. أومأت برأسها مجاهدة نفسها على رسم ابتسامة ورددت بخفوت: -أنا كويسة يا بابا ماتقلقش يا حبيبي. -أمير.. كتفك بينزف. أردف إياس بهذه الكلمات بخوف وهو يقترب من صديقه، بينما التفتت هي متوجهة إليه بلهفة وهي ترى جرحه. عاودت دمعاتها بالهطول مرة أخرى. حاوط هو وجهها بين يديه وأردف وهو يتأمل زرقاويتيها: -ماتقلقيش أنا كويس، الرصاصة جات في كتفي. جذبه إياس من يده واردف بخوف: -يلا نروح المستشفى بسرعة.
ولم ينتظر أن يستمع إلى رده بل أخذه وخرج بينما ركضت هي خلفهم، ومهاب الذي كاد أن يموت خوفاً على ولده، وعلاء معه. صعد إياس أمام المقود بينما جلس مهاب جواره، وصعدت هي بالخلف بجوار أميرها. بدأت عيناه في الانغلاق وهو يشعر بسخونة هذه الرصاصة لا تزال بيده والدماء تنهمر منه. أمسكت هي ذيل فستانها وشقته نصفين.. وقامت بربطه على جرحه، عله يوقف النزيف ولو لدقائق.
وبدون أدنى تردد ضمته إليها بحب وحنان وذعر جميعهم في آن وهي تنساب عبراتها بألم. دقائق وأوقف إياس السيارة أمام المشفى، وترجل سريعاً هو ومهاب وعلاء الذي ذهب خلفهم بسيارته سريعاً وبدأ بمساعدته في حمل هذا الذي غاب عن الوعي وهي خلفهم بهلع وبكاء. وبالفعل دلف لغرفة العمليات. جلست هي على أقرب مقعد وأخذت تبكي بصمت. بينما يقف كل من مهاب وعلاء وقلوبهم تتأكل. دلف عاصم بصحبة والده وشاهي إليهم ووقفوا جميعاً منتظرين.
مر الوقت عليهم ببطء شديد. أخذ إياس حوالي ساعة كاملة وبعدها خرج إليهم ليهرع الجميع إليه متسائلين ما عداها هي ظلت واقفة موضعها، ليجيبهم: -الحمد لله قدرت أخرج الرصاصة بس بصعوبة شديدة، ظاهر أن اللي ضرب كان عارف هايضرب فين ولولا أن كنان كان بيلاحق سارين الرصاصة ما صابتهوش صح وجات في الكتف. مهاب بخوف: -يعني هو كويس. ابتسم له إياس محاولاً طمأنته ونسيان ما مضى، وهو يقول:
-كويس ماتقلقش.. هايشرفنا يومين بس نتطمن عليه ويرتاح فيهم وبعدها يقدر يخرج. علاء: -طب نقدر نشوفه؟؟ أجابه: -حالياً لا، لأنه لسه تحت تأثير المخدر، هايتنقل أوضة عادية وشوية كدا وتقدروا تشوفوه. وذهب لإبدال ملابسه، بينما شكر الجميع ربهم على كونه بخير. انتفضوا جميعاً ملتفين حولهم عندما سمعوا هذا الارتطام القوي. ليجدوها ملقاة أرضاً تعتريها حالة من الشحوب، وفستانها ووجهها ملطخين بدمائه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!