فتحت عيونها بتثاقل، واغلقتها وعاودت فتحها وإغلاقها مجدداً حتى تعتاد على إضاءة الغرفة. هرع إليها والدها سريعاً فور أن وجدها أفاقت من غيبوبتها المؤقتة، وأردف بقلق: -انتِ كويسة يا بنتي؟ ابتلعت ريقها بصعوبة ورددت: -أنا كويسة يا بابا، ماتقلقش. هو إيه اللي حصل؟ أجابها إياس الذي دلف الغرفة فجأة: -ولا حاجة، حضرتك وقعتي من طولك لأنك مهملة. عقدت ما بين حاجبيها بعدم فهم ليكمل:
-أيوه سيادتك مهملة، تقدري حضرتك تفهميني ما أكلتيش ليه بقالك يومين؟ أخفضت ناظريها وهي تتمتم بصوت يكاد يكون مسموع: -عادي يا إياس، ماليش نفس. أكملت بتساؤل: -أمير عامل إيه؟ مط إياس شفتيه للأمام، وأجابها: -كويس. باغته عاصم فجأة: -استعدي يا سارين عشان ها ترجعي مع جدك الشرقية. عقدت ما بين حاجبيها بعدم فهم، بينما تعالت دقات قلبها، وهي تردد: -ليه يا بابا؟ هو حصل مشاكل؟ صاح بها بغضب:
-من غير ليه، الكلمة اللي أقولها تتنفذ من سكات، فاهمة؟ ألقى كلماته بوجهها وخرج صافعاً الباب خلفه بقوة، بينما تجمعت الدموع بمقلتيها. اقترب منها إياس ضاماً إياها برفق وأردف: -طب الجميل بتاعنا ماله بقى؟ رددت بنبرة على وشك البكاء: -انت شفت بابا زعق لي إزاي؟ رد هو مبرراً: -معلش يا حبيبتي، ده من قلقه وخوفه عليكِ. انهارده لولا ستر ربنا، وإنقاذ أمير ليكي في آخر لحظة كان زمانك للقدر الله حصلك حاجة.
عند ذكره لاسم أمير، عاودت الدموع بالتجمع بمقلتيها مجدداً. وسرعان ما أردفت متسائلة بنبرة منتحبة: -ليه خبيتوا عليا؟ أنت كنت عارف إني مستنية أمير يا إياس، ليه ما قولتليش؟ أجابها بحِدة خفيفة:
-سبق وأبوه خان ثقتنا فيه بعلاقته بدينا اللي من المفروض قد بنته، وفي النهاية حصل إيه غير كسرة قلبها. انتِ بقا مش عايزاني أخاف عليكي منه وخصوصاً وإنا شايفك كل يوم بتتعلقي بيه أزيد من اللي قبله، ردي عليا يا سارين، عايزاني أقف وأتفرج عليكي انتِ كمان وانتِ قلبك بيتكسر... لأ طبعاً. أخذت دمعاتها تتسابق على وجنتيها وهي تستمع كلمات أخيها. أنهى كلماته لترد هي: -عمي مهاب مش خاين، وانت عارف كدا كويس، هو حب دينا بجد. بابتسامة
ساخرة اعتلت ثغره وهو يردد: -دينا اللي قد ابنه في العمر؟ نظرت له برهة وأردفت بمرارة: -الحب ما بيعرفش عمر ولا شكل ولا طبقات، الحب بيفضل حب يا إياس... زي حبي لأمير، وحبك لشاهي. كاد أن يتحدث معترضاً، ولكنها أكملت: -ما تعترضش، أنت بتحب شاهي... ومن لما كانت بضفاير كمان، ولأنك أخويا أنا عرفت دا... أنا تقريباً قرياك. أنت استغليت الفرصة عشان هي تكون معاك. قامت من السرير واتجهت صوبه مرددة:
-واجه نفسك بالحقيقة، قبل ما تخسرها وتخسر قلبك معاها. أنهت كلماتها، وتوجهت صوب الباب، وخرجت تاركة إياه يتخبط بأفكاره. *** أفاق كنان من غيبوبته المؤقتة أثر الأدوية والمحاليل، وزع أنظاره على المكان حوله بتقطيب حاجب، يحاول معرفة أين هو؟ أو تذكر أي شيء. ثوانٍ... وهاجمت مخيلته الأحداث الماضية، انتفض من موضعه وهو يتذكر ما حدث. تنفس بعمق عند إدراكه أن الرصاصة لم تصبها بل أصابته هو.
أفاق من دوامة أفكاره على صوت صرير الباب، الذي يفتح بهدوء... يعقبه دخول إياس. تقدم منه بهدوء، وسرعان ما ردد بتساؤل متوتر: -ازيك؟ نظر له الآخر برهة وسرعان ما أجابه ببرود: -كويس..... !!!!! حمحم إياس بتوتر ملحوظ وهو يعاود سؤاله: -مش حاسس بحاجة بتوجع؟ نظر له كنان طويلاً ولم يجيب، مديراً وجهه للجهة الأخرى. بينما تطلع إليه إياس برهة، وأردف منادياً: -كنان. زفر بحدة، وهو يزمجر بضيق: -هااا... في حاجة تاني حضرتك؟ رد عليه بجدية:
-أيوا... احم، كنت عايز أشكرك على اللي عملته مع سارين، لولاك كان زمانها اتصابت وخصوصاً إن اللي كان بيضرب ده قناص. أظلمت عينا التمساح فور استماعه إلى كلمات إياس الذي زادت من اللهيب الذي ينهش قلبه. ولو كان الفكر يسمح، لمات هذا الذي حاول اغتيال حبيبته، مسموماً من الطريقة السوداوية الذي يفكر بها التمساح به. أخيراً أفاق من أفكاره على صوت إياس منادياً باسمه... نظر له برهة ليردد بمرارة:
-أنا ما عملتش غير واجبي، وأي حد مكاني كان هايعمل كدا. أنهى كلماته مديراً وجهه أمامه، وعلق نظراته الجامدة في اللاشيء. بينما حمحم إياس بحرج مردداً: -طيب حمدلله على سلامتك. أردف آخر كلماته وبعدها توجه للخارج. بينما أغمض كنان خضراوتيه بألم... *** -غبية... أنتِ عارفة يا همارة، سمير هايعمل فيكي إيه أما يعرف إنك فشلتي. أردفت جيسيكا هذه الكلمات بلغتها العربية الركيكة، وبغضبٍ جَم.
ابتلع الملثم ريقه بصعوبة خوفاً من بطش هذا سمير فور معرفته أنه فشل في مهمة قتل سارين. كاد أن يتحدث، ولكن أردفت جيسيكا بخفوتٍ مترقب: -امشي من هنا بسراعة قبل ما حد ييجي يشوفك يا همارة. فور أن استمع الرجل إلى كلمتها فر هارباً فوراً. *** كانت شاهي تقف بالمشفى لتجد من يسحبها للخلف بغتةً مكمماً فمها بمنديل ورقي. حاولت المقاومة والصراخ، ولكن هذه المادة بالمنديل جعلت قواها تتهاوى وتسقط مغشياً عليها. بعد عدة ساعات...
فتحت مقلتيها بتثاقل، لتجد نفسها ملقاة أرضاً بإهمال بمكان لا تعرفه. ثوانٍ ووجدت الباب يصدر صريراً نتيجة عن فتحه... !!!! اتسعت مقلتيها بهلع عندما وجدت حازم يتقدم منها مطلقاً أسهم نارية من عينيه. ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تسمعه يردد: -يعني اتجوزتي؟ بتعانديني يا شاهي؟ أنا مش قايلك إنك بتاعتي أنا! أردفت بخوف: -أنت... قاطعها بغضب: -أنا ماتعودتش أعوز حاجة وماخدهاش، وأنا بقا عايزك.
اتسعت مقلتيها بهلع وهي تسمعه يردد كلماته ويقترب منها بهدوءٍ أمامها..... *** وقف الجميع ببهو القصر بقلق على شاهي التي اختفت منذ سويعات. حاول إياس الاتصال بها مراراً ولكن هاتفها مغلق. سارين بتساؤل قلق: -هاتكون راحت فين يعني؟ إياس: -مش عارف، ودا اللي هايجنني. شد على خصلاته بعنف ليجد من يربت على كتفه برفق، ألتفت خلفه ليجد كنان يقف ينظر له محاولاً طمأنته بقوله: -اهدى يا إياس، هانلاقيها إن شاء الله. إياس بتعب:
-خايف يكون جرالها حاجة يا كنان. اقتربت منه أخته ضامة إياه برفق، محاولة تجاهل وتحاشي نظرات كنان لها بقدر المستطاع. *** -آآآ... أنت هـ هاتعمل إيه؟ أردفت شاهي هذه الكلمات بخوف وهي تراه يقترب منها بهدوء أمامها. أخرج من جيب بنطاله هاتفاً ومد لها يده مردداً: -امسكي التليفون ده واتصلي بالباشا بتاعك وقوليله ما يدورش عليكِ وإنك مشيتي بمزاجك عشان تجيلي. اقترب منها أكثر حتى أصبحت أنفاسه تلفح صفحة وجهها البيضاء.
شعرت بالغثيان لتسمعه يكمل: -وقوليله إنك بتحبيني. رفعت يدها تدفعه ليبتعد عنها وهي ترمقه باحتقار، وأردفت بغضب: -مستحيييييييل أعمل كدا. ردد بجمود: -هاتعملي! ضحكت بسخرية وأردفت: -وإيه اللي يجبرني؟!!!!! لم يجبها بل أخرج من جيب (جاكت البذلة) مسدساً صغيراً، لتتسع مقلتيها بزعر وتتعالى أنفاسها بهلع، وهي تراه يوجه فوهة هذا السلاح القاتل على مقدمة رأسها. دفع رأسها به وهو يقول جازاً على أسنانه:
-هااا، هاتتصلي ولا أطير دماغك الحلوة دي؟ أغمضت عينيها تعتصرها بخوف، لتردد بصوت متحجر من البكاء: -مش هاتصل، لو هاتموتني. صوت طلقة نارية خرج بقوة من هذا السلاح بيده. حبست هي أنفاسها معتقدة أن هذه الرصاصة أصابتها. ثوانٍ لتدرك أنها بخير ولم يصبها شيء لتفتح عينيها بسرعة لتجده ما زال يضع هذا السلاح على رأسها. أردف بشر: -هاتتصلي، ولا الضربة الجاية تبقى في نفوخك، واللي بعدها في نفوخ حبيب القلب.
تعالت دقات قلبها وهي تتوقع من هذا الحقير إيذاء زوجها. ابتلعت ريقها بصعوبة مرددة بصوت مبحوح: -هاتصل. أخذت الهاتف بأيدٍ مرتعشة لتبدأ اتصالها به وهي تذرف دموع ألم، حزن، غضب جميعهم في آن. *** كان يجلس مثلما كان ليستمع إلى صوت هاتفه يصدح في المكان معلناً عن ورود اتصال. نظر إليه ليجده رقماً خاصاً. ألقى الهاتف جواره مجدداً وهو يشعر بالخذلان، فكل تعبه ومحاولاته للحفاظ عليها الفترة الماضية باتت بالفشل. أنزلت هي الهاتف
ونظرت للآخر بكره مرددة: -مش بيرد. أردف بجمودٍ أمر: -اتصلي تاني. ودت بهذه اللحظة أن تأخذ منه هذا السلاح وتقتله به. إنسان فظ غليظ، ولو جمعت كل معاني الكره والحقد بجملة تهديها إياه لما وفته حقه من المشاعر البغيضة التي تكنها له بقلبها. عاودت الاتصال مرة أخرى راجية من الله أن لا يجيب هذه المرة أيضاً. ولكن خاب أملها عندما استمعت إلى صوته من الجهة الأخرى مردداً: -الوو. كلمة واحدة ولكنها شعرت بالحزن العميق المدفون بصوته.
ظلت صامتة ثوانٍ لتشعر بهذا البغيض ينكزها بالسلاح بجانبها. حاولت إخراج صوتها قوياً وهي تردد: -إياس. فور أن استمع إلى صوتها تنبهت جميع حواسه، أردف لسانه اسمها تلقائياً بلهفة وخوف: -شاهي، أنتِ فين يا حبيبتي؟ انتِ كويسة؟ ردت بألم: -أكيد كويسة طول ما أنا بعيد عنك دا، غير إني في المكان اللي المفروض أكون فيه، مع حبيبي. تكاد تقسم أنه يتضرع ألماً الآن وهي أضعافه. صوت تنفسه المرتفع يكاد يقتلها وهي موضعها. لم تعطيه فرصة
للتفكير أو الرد لتقول: -أنا مع حازم يا إياس، حبيبي اللي أنت حرمتني منه، وياريت تطلقني وتنساني، لأنك بنسبة لي ولا حاجة، ورقة وهاقطعها من كشكولي. لم يشعر بنفسه إلا وهو يصيح بها ودمعاته تتسابق على وجنته: -أكيد هااااااطلقك لأنك زبالة، وأنااا أسف لنفسي إني عرفت إنسانة و*** زيك، لأ وحاولت أحميها كمان. أنهى كلماته بصراخ حاد ليغلق الهاتف بوجهها ويقذفه بالحائط.
ليستقط متهشماً مئة قطعة تتناثر شظاياه بقوة كقلبه الذي تهشم لتوه من قساوة كلماتها. وضع يده موضع قلبه وعاود الجلوس مرة أخرى وهو يشعر أنه بالكاد يستطيع التقاط أنفاسه. وجد من يجلس جواره يضمه بحنان أخوي. رفع رأسه لتلتقي عيناه بعيني صديق دربه، الذي اتهمه بالخيانة مسبقاً. آآآآه قوية خرجت من صدره المثقل بالهموم تتبعها دمعات ألم، حزن، خذلان. ومن قال إن الرجل لا يبكي؟ أليس بشراً يمتلك قلباً يشعر به.
هدأ قليلاً ليبتعد عنه كنان، نظر له برهة ليعاود إياس الانفجار باكياً مرة أخرى وهو يقول بحزن عميق: -أنا آسف يا صاحبي، آسف على كل حاجة وكل كلمة، سامحني... أنا بس كنت خايف على أختي... ما كنتش عايزها تحس نفس اللي أنا حاسه دلوقتي لو أنت مشيت وسيبتها. عاود كنان ضمه مرة أخرى وهو يردد: -إياس، إحنا طول عمرنا أكتر من إخوات، وأنا عمري ما أزعل أو أكره أخويا...... تابعتهم هي بقلب منفطر على أخيها وما حدث معه.
ودت لو ترى شاهي الآن لتلقنها درساً لن تنساه أبداً، هذه المحتالة. نظرت لهذا الأمير بعشق وهي تردد لنفسها: -يا ترى بتحبني، ولا أنا بس اللي بعشقك؟!! .... ،،، على الجانب الآخر،،، أغلقت الهاتف لتسقط باكية بحرقة. قسوتها هشمت قلبها قبل قلبه. احمر وجهها من أثر البكاء الحاد. راقبه حازم بعينين باردتين جامدتين، لتصرخ به: -بـــــــــكــــــرهـــــــك، ربنااااا يااخدك... بـكـرهكك يااا حااازم. ضحك بسخرية، وخرج وتركها. تنتحب موضعاً.
شعرت هي بثقل برأسها وجفنيها، وأنها على وشك مفارقة واقعها. لتهذي بطريقة غير مفهومة: -ماتسـ بنيش، سـ سامحني، بـحبك. لتسقط بعدها بعالم السواد فقط هو سيده.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!