إرتشف كنان من القهوة سريعاً وقام قائلاً: -طب دا أنا يادوبك ألحق أحصله. وصلت الإسعاف وقامت بنقل عاصم إلى مستشفى والده، وبعده بدقائق قليلة وصل إياس إلى المشفى. هرول إلى عمته قائلاً بلهفة وقلق: -دينا إيه اللي حصل؟ إرتمت هي بين أحضان ابن أخيها، والذي تعتبره أباً لها لا أخ، وقالت من وسط شهقاتها: -عاوزينه يموت، عاوزين يموتوا أبويا يا إياس. الدكتور بيقول حالته خطيرة. ضمها إياس إليه قائلاً بحنان وهدوء، رغم خوفه لا
بل ذعره الداخلي على والده: -إهدي يا حبيبتي، إن شاء الله هيكون كويس. بس احكيلي إيه اللي حصل. قامت هي بقص له ما حدث معهم من بين شهقاتها. وقف هو يستمع إليها وهو يجز على أسنانه ويده، ويكاد ينفجر من شدة الغضب. وبعدها، أردف بغموض وغضب: -هما مش مكفيهم اللي عملوه زمان. بس برحمة أمي ما أنا سايبهم. على الجهه الأخرى، أخذت تفتح عيونها بتثاقل وتغلقها، وهكذا حتى اعتادت على إضاءة الغرفة. وضعت يدها على رأسها موضع الضربة،
وتمتمت بألم: -آآآآهـ دماغي. نظرت حولها بتركيز لتكتشف أنها بغرفة مكتب. ولكن قبل أن تعطي أي ردة فعل، دلف هذا الرجل إلى المكان بهيبته المعتادة قائلاً: -حمدلله على السلامة يا سيادة النقيب. إعتدلت سرين من نومتها على الأريكة سريعاً متمتمة: -سيادة اللوا. ابتسم وهو يجلس مشيراً لها على الكرسي المواجه للمكتب أمامه، بينما تحركت هي إليه وجلست قائلة بتساؤل: -هو إيه اللي حصل؟ وحضرتك ليه جبتني بالطريقة دي؟ أجابها:
-للأسف مكنش قدامنا حل غير إن نجيبك كدا، لأن وصل خبر إن حياتك في خطر. إبتلعت ريقها بتوتر وهي تقول: -حياتي أنا؟ أجابها: -أيوا يا سرين، ودا يدل على حاجتين. إما حد عرف إنك شغالة معانا هنا بالسر، أو كمال الشناوي اتغاشم. أخذت كلماته تتردد في عقلها. علم أحد أنها تعمل في القوات الخاصة بسرية، لترد بعقلانية: -معتقدش إن كمال الشناوي اتغاشم، لأن مش ماشي بدماغه. هو ماشي بدماغ اللي أعلى منه. اللواء (مهاب)
-علشان كدا إنتِ لازم تختفي الفترة دي. ردت: -أيوا يا فندم، بس اختفائي الفترة دي لو هما عندهم شك إني بشتغل هنا هيأكدهالهم. اللواء: -مفيش حل تاني يا سرين. إنتِ ممكن تسافري تقعدي مع جدك في الشرقية فترة، وبعد القضية دي ما تنتهي، أنا هعلن إنك بتشتغلي هنا يا سيادة اليوزباشي. أخذت سرين تفكر بكلماته وردت بعملية: -تمام يا فندم، علم وينفذ. سألها بتردد خارج نطاق العمل: -آآ أخبار عاصم إيه يا بنتي؟ نظرت هي إليه قائلة:
-والله يا عـ آآآ قاطعها رنين هاتفها. نظرت إلى هوية المتصل لتجده إياس، فقالت بحرج: -بعد إذنك لحظة واحدة بس. -اتفضلي يا بنتي. ردت ليأتيها صوت أخيها الخائف والمشحون بالغضب والقلق: -سرين إنتِ فين؟ إنتِ كويسة؟ حد عملك حاجة؟ طمنيني. ردت بإستغراب: -بس بس إيه يا ابني مالك؟ أنا كويسة جداً. تنفس هو الصعداء مردداً: -طب ماتتحركيش من مكانك، أنا هاجي آخدك. إنتِ فين؟ أجابته: -أنا مع سيادة اللوا يا إياس.. إيه اللي حصل لكل دا؟ إياس:
-سرين بابا في المستشفى. انتفضت من جلستها مرددة بخوف: -ليه؟ إيه اللي حصل لبابا؟ قص لها ما حدث، بينما استمعت هي له وعيناها تكاد تنفجر من جحوظها. سرين: -خليك مع بابا ودينا يا إياس، ماتسيبهوش. وأنا هاجيلك. ماتقلقش عليا. وافق على مضض شديد. وبعد أن أغلقت، سألها اللواء بقلق: -في إيه يا سرين؟ أجابته: -بابا في المستشفى وأنا لازم أرحله. قال بتردد: -آ أنا هاجي معاكي يا بنتي. وقاموا سريعاً متجهين إلى المشفى.
كان يجلس هذا الرجل البغيض على مكتبه ويقف أمامه رجاله الذي تولوا مهمة ضرب عاصم، فبادرهم بسؤاله: -عملتوا إيه؟ أجابه أحدهم: -تمام يا باشا زي ما أمرتنا، وعاصم الشرقاوي دلوقتي في المستشفى والدكاترة بيقولوا حالته خطيرة. ابتسم بشر مردداً: -طب روحوا انتوا وابقى عدوا على الحسابات. أنصاعوا لأوامره وخرجوا فرحين. بينما تمتم هو: -المرة دي كانت قرصة ودن بس يا عاصم يا شرقاوى. أما نشوف بقى الدكتورة هتعمل إيه.
دلف أخاه إلى المكتب قائلاً: -أكرم شوفت اللي حصل لعاصم الشرقاوي. ابتسم "أكرم" بخبث، قائلاً: -طبعًا شوفت. سأله أخاه بتوجس: -أوعى تكون ليك يد في اللي حصل؟ لم يرد عليه أخيه، بل ازدادت ابتسامته الخبيثة اتساعاً، فصاح الآخر: -اسمع بقى، إنت متداري وقدام الناس والحكومة ماشي في السليم. أنا اللي اسمي معاهم والبت المحامية دي بتنخور ورايا وأنا مش ناقص. رد أكرم بفحيح وبرود:
-غلط، غلط يا كمال. مش معقول خايف من حتة بت. لو شاورت بس ألاقيها هنا قدامي وأدعصها تحت رجليا. رد كمال: -تقصد إيه؟ أكرم بهدوء تام: -ركز... ركز يا كمال. أنا مش ماشي بدماغي. بلاش تعمل حاجة غبية تلفت الأنظار ليك. جاينا أوامر إننا نهدّي اللعب اليومين دول عشان بعد كدا ورانا شغل كتير أوي. فركز، لأن أي غلطة البوص مش هيرحمنا. ابتلع الأخر ريقه بتوجس مفضلاً الصمت. وصل كل من سرين ومهاب إلى المستشفى. هرولت سرين إلى أخيها قائلة:
-إياس، إيه اللي حصل لبابا؟ أخذ إياس نفس وزفره براحة وهو يجيبها: -الحمدلله بابا كويس، ماتقلقيش. توجهت هي بأنظارها إلى دينا لترى شبه ابتسامة على وجهها، فتأكدت من سلامة والدها.
صافح إياس اللواء مهاب، والذي بدوره أخبره عن ضرورة ابتعاد سرين هذه الفترة لسلامتها. واتفق معه إياس على هذا. أمراً سرين بالسفر إلى جدهم ومعها دينا، التي قبلت على مضض بعد إصرار عليها، مؤكده عليهم إخبارها بحالة عاصم لكي تطمئن عليه. وها هما الآن بالسيارة متجهين إلى الشرقية. فتح عاصم عيونه بتثاقل وهو يردد اسم ابنته، ليقترب منه ابنه مردداً: -حمدلله على سلامتك يا بابا. عاصم بإعياء: -إيـ اس .. سر ين. إياس:
-ماتقلقش يا بابا، سرين عند جدها دلوقتي وعليها حراسة، محدش هيقدر يقربلها. متتعبش انت نفسك بالكلام. في الشرقية. وقف حامد الشرقاوي بهيبته منتظراً بلهفة قدوم ابنته وابنة أخيه. حتى رأى سيارتهم قادمة من الخارج، فاعتلت ابتسامة سعيدة وجهه. أوقفت سرين السيارة أمام الباب الداخلي للقصر وترجلت منها سريعاً تلقي نفسها بين أحضان جدها الحبيب. ضمها هو بلهفة وبسعادة مردداً: -إزيك يا غالية يا بنت الغالي؟ أجابته وهى مازالت متعلقة به:
-كويسة طول ما أنت كويس يا جدي. رفع أنظاره إلى ابنته الواقفة ببرود وأردف بحزن: -ازيك يا بنتي؟ ردت بجفاء: -الحمدلله كويسة. ظل هو يناظر ابنته بحزن وهي تبادله ببرود جاف. نظرت سرين إليهم بحزن وسرعان ما قالت لتغير الوضع: -إيه يا جدو هتسبنا كدا على الباب، وبعدين أنا ميتة من الجوع ونفسي في الأكل اللي مرات عمي بتعمله. زاد من ضمها وقال لسرين بحنان وهو يأخذهم إلى الداخل:
-لا طبعاً، دا بيتكم ومرات عمك عملالك كل الأكل اللي بتحبيه. قالت بمشاكسة: -أنا بحب العيون الزرقا دي. رد بضحك: -ياسلام على البكش. دلفوا إلى الداخل وبعد العديد من الترحاب بين سرين ودينا وعمهم وزوجته. صعدت دينا إلى غرفتها بحجة أنها تود الراحة بعد هذا الرحلة الطويلة.
دَلفت إلى غرفتها لتجدها مثل ما تركتها منذ ثمانية أعوام. جلست على فراشها تتحسسه بحزن ودمعاتها تتسابق على وجنتيها. كم تشتاق إلى والدها، تشتاق إلى ضمه لها بحنانه والشعور بحبه اللامتناهي. شعرت بمن يضع يده على كتفها من الخلف. التفتت لتجد والدها يقف يناظرها بأسى. لم تتردد لحظة بأن تلقي نفسها بين أحضان والدها الدافئة وهي تشهق ببكاء مرير، بينما ضمها هو إلى صدره بلهفة واشتياق، فهو لم يرها منذ سنوات.
جلس على الفراش وهي مازالت متعلقة به تدفن رأسها بصدره، تأبى تركه. أردف بحزن على حال ابنته الصغيرة: -ليه كل دا بس يا حبيبتي؟ ليه الحزن دا! ردت من بين شهقاتها: -أنا محتاجالك أوي بابا. رد: -وأنا جنبك على طول ومستحيل أسيبك تاني. ظلت على هذا الوضع وهو يلقي على مسامعها كلمات جعلتها تهدأ وملأت قلبها راحة وطمأنينة إلى أن غفت بين أحضان والدها الحنونة الدافئة. نظرت عليهم سرين بسعادة وخرجت سريعاً لكي لا تقطع عليهم هذه اللحظة.
دسها والدها في الفراش جيداً مقبلاً جبينها، ومحى أثر الدمعات من وجهها وخرج، تاركًا إياها تنعم بنوم هنيئ افتقدته لسنوات. جلس كنان أمام والده اللواء (مهاب) . يستمع إلى ما يقوله بدقة وتركيز شديدين. اللواء (مهاب) -اسمع يا كنان، إذا كنت هديلك القضية دي فمش عشان انت ابني، لأ عشان عارف إنك ظابط شاطر وهتخلصنا من المشكلة دي بسرعة. ودا مش رأيي لوحدي، دا كمان رأي اللوا مجدي واللوا محمد. ألقى كنان نظرات قلقة إلى والده وهو يتساءل:
-خير يا سيادة اللوا، قول لي المشكلة وتأكد إنها انتهت. رد اللواء مهاب بفخر: -جميل يا سيادة البكباشي، هو دا اللي كنت منتظره منك. بس لازم تعرف إن القضية دي مش زي أي قضية، وإنها حساسة جداً، وخصوصاً إنها بتتعلق بعصابات دولية، وإنك مش هتشتغل فيها لوحدك. كنان: -تمام يا فندم، إيه هيا القضية بالضبط آآ.. طرقات على الباب قاطعتهم، ودلف بعدها العسكري قائلاً: -سيادة المقدم علاء وصل يا فندم. -خليه يدخل!!
دلف شاب طويل القامة عريض المنكبين، بشرته بيضاء وعينيه رمادية اللون حادة. وقف أمام اللواء مهاب مردداً بإحترام: -حضرتك طلبتني يا فندم. أشار له مهاب أن يجلس قائلاً: -اتفضل أقعد يا حضرة البكباشي. جلس المدعو علاء وهو ينظر إلى صديقه، قائلاً بتساؤل: -خير يا فندم؟ اللواء: -أنا كنت أدّيتك فكرة قبل كدا على قضية تخص عصابة خطيرة. علاء: -فعلاً يا فندم، بس حضرتك مدّيتنيش باقي التفاصيل. اللواء (مهاب) برسمية:
-القضية دي تخص عصابة كبيرة متفرعة في أكتر من بلد، ومن خلال مصادرنا عرفنا إن مصر واحدة من البلاد دي. نظروا له بمعنى أن يكمل، فأكمل بدقة: -الراجل الكبير بتاع العصابة دي مجهول، مفيش أي معلومة حتى عنه، لا جنسية ولا دين ولا حتى شكل ولا سن. في بعض الأقاويل بتقول إنّه احتمال كبير يكون مصري الجنسية، واحتمال أكبر إنّه إسرائيلي. نظروا له بتركيز أشد ليكمل:
-وكمان مصادرنا تأكدت إنه ليه رجالة هنا في البلد، زي ما يكونوا عيونه في مصر. سأله علاء: -طيب وهو بيتاجر في إيه بالظبط يا باشا؟ أجابه: -ليه في كله. سلاح على مخدرات، آثار، أدوية متهربة. ماسابش حاجة إلا لما تاجر فيها. مجرم درجة أولى، راجل جبار ومدوخ الحكومة اللبنانية والإماراتية وراه بقاله سنين. ومن خلال مصادرنا اتأكدنا إن رجل الأعمال المعروف كمال الشناوي وهو أحد رجال الراجل دا في مصر. رددوا بذهول: -كمال الشناوي!
اللواء مهاب: -أيوا، وفيه كمان شكوك بتحوم حوالين أخوه أكرم الشناوي بس لسه ماتأكدتش. وكمان مصادرنا بتأكد آآآ قاطعه علاء بسخرية: -ما هي مصادر حضارتكوا شغالة الله ينور اهيه يا باشا. ما عرفتش بقى بالمرة مين هو الراجل دا؟ ابتسم اللواء (مهاب) قائلاً: -لا معرفتش.. لأن دي مهمتكم انتوا. انتوا اللي هاتعرفوا مين هو الراجل دا. كنان: -بس حضرتك ماديتناش أي معلومات تساعدنا إننا نعرفه. أرتجع اللواء (مهاب) بظهره على المقعد
بأريحية وهو يقول بابتسامة: -لأن دا مجرد تمهيد يا سيادة المقدم. أما المعلومات اللي هتحتاجوها فدي كلها عند زميلكم التالت. علاء بإستفسار: -ليه؟ هو في حد تاني هيشتغل معانا على القضية دي. أومأ اللواء (مهاب) برأسه وهو يقول: -أيوا... أكمل ليصدمهم: -سيادة النقيب سرين الشرقاوي. اتسعت أعينهم وهم يرددون بصدمة: -إاااايــــــــــــــه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!