ظل يجوب المكان ذهاباً وإياباً يشعر بالنيران تتأجج بداخل صدره تحرقه كلياً. منذ أن سمع صوت صراخها عبر الهاتف وهو كتلة من النيران تشتعل بقلبه. دام البحث لساعات قاطعها دخول علاء المفاجئ. أردف وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة: -كنان، عرفت مكان سارين فين! فتحت عيونها بتثاقل لتجد نفسها جالسة فوق مقعد خشبي هزيل مربوطة الأيدي والأرجل. دلف آخر من كانت تتوقعه إلى هذا المكان المهجور ووقف قبالتها. فقالت بصدمة: -أنت! ارتسمت ابتسامة
ساخرة على وجهه وهو يجيبها: -إيه رأيك في المفاجأة دي، أظن محدش فيكم توقع إني أنا البوص. شعرت بدلو ماء بارد ينسكب على رأسها وهي ترى "طارق" يقف أمامها يفصح عن هويته وأنه هو البوص. لم تتوقع بتاتاً أن يكون هو من يبحثون عنه. ليخرج صوتها متحشرجاً من الصدمة: -مش معقول.. أنت البوص! لم يرد ولكنه اكتفى بابتسامة تصل من الأذن إلى الأخرى. فقالت هي متصنعة الثبات والشجاعة: -ومش خايف بعد ما عرفت إن انت اللي كنا بندور عليه أقول للوا!
رد بفحيح أظهر رائحة فمه الكريهة: -دا لو خرجتي من هنا عايشة. كانت جملته كفيلة بدب الرعب بأوصالها. ابتلعت ريقها بتوتر. وبعدها بثوانٍ ولج هذا الشاب إلى الداخل قائلاً بتساؤل: -هيا دي يا باشا؟ أجابه: -أيوا هيا. نظر لها الآخر متفحصاً قائلاً: -خسارتك في الموت يا مزة. رمقتهم باحتقار وخوف. فأردف طارق: -عجبتك يا حازم؟ رد وهو يتفحصها بنظرات شهوانية جعلتها ترتعش وهي جالسة محلها: -جداً يا باشا.
-وأنا مش هاستخسرها في أوفى رجالي ودراعي اليمين وهاجوزهالك. اتسعت مقلتاها بخوف. فقال حازم: -جد يا طارق؟ رد طارق: -جد. ثم وجه حديثه لرجاله قائلاً بخبث: -يالا علشان نسيب العرسان مع بعض. خرج الجميع من المكان بينما اقترب منها الآخر. تعالى خفقان قلبها واتسعت مقلتاها بزعر قائلة: -أنت هاتعمل إيه؟ إياك تقرب لي وإلا آآآآ. نظر هو إلى رباط يديها وساقيها، وأردف بسخرية مقاطعاً إياها: -وإلا إيه.. هاتعملي إيه يعني؟
نظرت هي إلى نفسها بعجز. وردد قلبها اسمه بطريقته الخاصة، هذا الذي تكبرت عليه مؤخراً. وقالت بنفسها مستنجدة به ودمعاتها قد أخذت مجراها على وجهها: -أنت فين تعالى بسرعة أرجوك.. اقترب منها الآخر مناظراً إياها برغبة جلية على محياه. وقام بجذبها لتسقط أرضاً بين ذراعيه. أغمضت عينيها تعتصرها بقوة منتظرة خطوته التالية. ولكنه لم يقترب منها. ظلت ثوانٍ هكذا وسرعان ما فتحت أعينها لترأه، من يأسر قلبها. أعينه جمرتين من نار.
وجهه يصرخ غضباً واحمراراً. يمسك هذا الحازم من رقبته بقوة يود قتله. أزرق وجهه الآخر دلالة على اختناقه. فأردفت هي ببكاء: -كنان هايموت في إيدك. أكملت بصراخ: -ماتضيعش نفسك على واحد زي دا. أفاق من دوامته السوداوية على صوتها وأيدي العساكر الذي يحاولون تخليص حازم من بين يديه. ليلقيه إليهم كأنه وباء وهو يزمجر بغضبٍ: -خدووووه واوعووا يهرب منكم. وبالفعل أخذه العساكر. ليهرول لها كنان سريعاً. حل وثاقها لتلقي نفسها بين
أحضانه مرددة ببكاء مرير: -اتأخرت ليه؟ أنا كنت هاموت. زاد من ضمها بقوة بين ذراعيه وهو يردد بحب: -بعد الشر عنك يا حبيبتي. أكمل بشر وغضب: -والله لا اخليهم يندموا على اليوم اللي اتولدوا فيه. ابتلعت ريقها ورددت بنبرة يملؤها الخذلان: -عرفت مين البوص. نظر لها بلهفة لتردد: -طارق. صعقة قوية تلقاها فور أن أفصحت عن اسم أحد أصدقائه. نظر لها برهة بتوهان، وأردف بتساؤل ذاهل، مصدوم: -طـ طارق.. طارق؟ أومأت رأسها بحزن. ليقول كنان:
-إياس لو عرف هايتصدم. أغمضت هي عينيها بحزن على أخيها. فطارق لم يكن مجرد صديق له، بل كان أكثر من أخ. ساعدها كنان على الوقوف للخروج من هذا المكان. وبالفعل أمسكت يده بأيدي مرتعشة وتوجهت للخارج وهي متشبثة به. خرجت لتجد العساكر وعلاء ألقوا القبض على حازم وطارق. التفتت على صوت أخيها الذي يقترب منها بلهفة. أمسك وجهها بين يديه وهو يقول بقلق: -حصلك حاجة؟ أنتِ كويسة؟ أومأت برأسها مرددة: -أنا كويسة يا حبيبي ماتقلقش.
لمح إياس طارق يقف ويحتجزه العديد من العساكر. ليعقد حاجبيه بعدم فهم واستعجاب وهو يردد لسرين: -هو إيه اللي حصل يا سرين؟ هما ماسكين طارق كدا ليه؟ استأنف موجهاً حديثه لطارق، بحده: -عملت إيه يا زفت! أقتربت سرين من أخيها، واضعة يدها على كتفه ورددت بحذر: -إياس.. نظر لها بإستفهام. لتكمل بنفس النبرة: -طارق.. هو آآ البوص. تيبس جسد إياس موضعه، شعر بدلو ماء بارد يُسكب على رأسه. لا يصدق ما تفوهت به أخته للتو.
فكيف لصديقه افتعال كل هذه الجرائم. صداقة دامت لسنوات، يكتشف لتوه أنها لم تكن سوى خدعة. اقترب منه وهو لا يزال تحت تأثير الصدمة، وأردف بصوت يحمل من الخذلان: -ليه... ليه يا صاحبي؟؟؟؟؟!! كشر طارق عن أنيابه وهو يرد بشراهة: -ليه؟ نقل أنظاره بينه وبين التمساح وهو يكمل: -طول عمركم أحسن مني في كل حاجة من وإحنا عيال، أهاليكم بيحبوكم غير أبويا، كان دايماً يقولي شوف أصحابك.. كنان وإياس واحد دكتور والتاني ظابط..
نظر إلى سرين ليكمل: -دا حتى البنت اللي حبيتها بجد. وجه أنظاره التي التمساح مردداً بشراسة: -حبيتك أنت.. واختارتك أنت.. وفضلتك أنت. نظر إليها موجهاً حديثه لها، وأكمل بشراهة: -من ساعتها وأنا كرهتك أضعاف حبي. حلفت لأكسرك زي ما كسرتي قلبي وأكسر قلبه معاكي. دا غير طبعاً شغلكم اللي هاتخسروه. أكمل لإياس بسخرية:
-دورك أنت بقى يا صديقي يا حبيبي.. أنا اللي ألفت قصة حازم وبغبائك صدقت وروحت خطفت شاهي وخبيتها في شقتك وكنت بتضربها وبتأذيها علشان ما تهربش وحازم يعرف يوصلها ويأذيها. أنت بتحبها من وهي عيلة بطفاير، وأنا كنت عارف دا. بس عرفت إزاي تكرهها فيك بغبائك ووفرت عليا مشوار كبير.. يااااا غـــبـــي.. وأقولك كمان.. أنا اللي خطفتها وخلت حازم يهددها لو ماكلمتكش وقالتلك تطلقها وإنها بتكرهك هايموتها ويموتك.
كانوا يقفوا جميعاً بصدمة جلية على وجوههم. طارق، صديق العائلة من أحبوه من قلوبهم.. يتضح أنه بهذه الندالة والخسة. آآآآه يكاد إياس يقسم بأنه يستمع الآن إلى تأوهات قلبه الحادة. اقتربت منه سرين بخطوات هادئة ورددت بتساؤل: -إزاي أنت البوص؟ والبوص دا راجل كبير في السن من ساعة ما بابا هو اللي كان بيحقق في القضية. رد بلا مبالاة: -عادي.. أنا بس بكمل مسيرة أبويا وعمي. أقترب منه إياس واردف بنبرة عدائية وهو يلكمه ويقبض
عليه من تلابيب ثيابه: -ورحمة أمي ما أنا سايبك يا *** *** *****. وبصعوبة شديدة استطاعوا جميعاً تخليص طارق من بين يدي هذا الليث الهائج المجروح....... !!! توجهوا جميعاً صوب القوات الخاصة لإنهاء هذه القضية التي استنزفت من قواهم وقدرتهم. دَلفت مكتبها لتجد علاء يجلس بانتظارها. هرولت إليه بلهفة متسائلة: -ها يا علاء عملت إيه؟ أجابها: -ما تقلقيش، جبتلك كل المعلومات اللي أنتِ عاوزاها. سألته بلهفة:
-أهم حاجة نتايج تحاليل الـDNA. نظر لها برهة ليجيبها: -غير متطابقة.. سادين فعلاً ماتت. تأخذ نفس عميق وهي تتذكر ما حدث معها منذ ساعات. Flash Back صعدت سيارتها وبدأت عباراتها بالأنسياب مع بداية قيادتها. نظرت أمامها برهة ليبدأ عقلها بالذهاب إلى البعيد. انتفضت من جلستها كمن لسعته عقرب وسرعان ما أمسكت هاتفها متصلة بعلاء. جاءها صوته لترد عليه مطالبة بلقائه. وبالفعل التقى بأحد المطاعم. لتردد سريعاً:
-علاء عاوزاك تسمعني كويس وتنفذ اللي هأقولك عليه بالحرف. عقد ما بين حاجبيه وأردف بقلق: -خير! ردت: -بابا قالي إن ليا أخت توأم اتقتلت من زمان مع أمي بسبب تحقيقه في القضية دي. رد بتفكير: -وبعدين..... !!! أردفت بجدية بحتة: -أنا شاكة أن مليكة تكون أختي. اتسعت مقلتاه بصدمة، وأردف ذاهلاً: -أختك إزاي يعني؟؟! أغمضت عينيها مستاءة منه، وأردفت: -يا ابني افهم أنت بنفسك مش لما شفتها افتكرتها أنا. أجابها: -حصل. أردفت بتفكير:
-طب تفسر إيه اختفاء لطفي بعد موت ماما وسادين بأيام.. وراجع دلوقتي ليه؟ اتسعت مقلتاه فور أن توصل إلى تفكيرها الثعلبي، وأردف بصدمة: -أنتِ قصدك تقولي إن مليكة دي ممكن تكون سادين أختك، ولطفي واحد من رجالة البوص. رد: -دا لو ماكنش البوص نفسه. هز رأسه نفياً، دلالة على اعتراضه وهو يقول: -لا يا سرين ما أعتقدش، طيب لو هو فعلاً زي ما بتقولي إيه اللي رجعه؟ وجايبها معاه ليه؟ يعني عاوز يثبت إيه؟ هزت رأسها بحيرة، وقالت:
-أنا مش هحير نفسي كتير. أنهت كلماتها، وبعدها أخرجت منديل قماشياً. فتحت ليظهر به عدة خصلات شقراء فأعطتها له. عقد هو ما بين حاجبيه بعدم فهم وهو يتساءل: -إيه دا يا سرين؟ أجابته: -دول خصلتين من شعر مليكة. رفع حاجبه الأيسر دلالة على استغرابه، ليسألها باستعجاب: -أنتِ جبتي الخصلتين دول إزاي؟ ردت: -من مشطها، المهم. قامت بإمساك طرفي خصلتي من شعرها، وشدتهم بعنف. فكانت النتيجة، انقطاعهم وأنفصالهم عن باقي خصلاتها.
مدت يدها بهم له وأردفت: -ودول من شعري.. روح المعمل دلوقتي.. واعمل DNA عشان نتأكد. تساءل: -ولو طلعت أختك يا سرين؟ نظرت له برهة وأردفت بعدها: -يبقى لطفي ليه علاقة بالبوص.. وشكوكى كانت في محلها. Back أفاقت من شرودها على صوته مردداً بقلق: -روحتي فين؟ ردت: -معاك. استأنفت باستغراب: -أنا بس عاوزة أفهم.. أدام هيا مش أختي، إزاي شبهي كدا؟ أخذ هو نفساً عميقاً وأردف:
-من أربع سنين تقريباً، مليكة عملت حادثة بالعربية.. أزاز العربية كله اتكسر وطار عليها وعلى وشها.. فـ .... تقريباً كدا اتشوّهت. شهقت بصدمة وهي تسمعه. ليكمل: -فـ اضطروا يلجأوا لعمليات التجميل المستمرة، ولأن فيها شبه كبير منك وخصوصاً عينيها طلعت نسخة طبق الأصل عنك.. سبحان الله حكاية يتعجب لها العجب. ظلت تنظر له ولم تتحدث بكلمة، بينما شرد عقلها بالبعيد. ومن جهة أخرى تم القبض على كل من جيسيكا وسمير بواسطة التمساح.
لتنتهي هذه السلسلة الإجرامية أخيراً. ويسقط جميع التماسيح تحت أنياب تمساح واحد فقط. لا يعلم لماذا قال لصديقه هذا. ولكن ما يعلمه أنه يعتبرها ملكية خاصة به. فلم يتحمل ولو ثانية كلمات صديقه التي تعبر عن رغبته بها. يشعر بشعور جديد يتولد بداخله. شعور يخاف منه ويهابه. فهو لا يريد الدخول بعلاقة جديدة ومع امرأة أخرى. فهم بالنسبة له يتلخصون بكلمة واحدة ألا وهي "الخيانة". تناقض شديد بينه وبين نفسه. فهو يُريدها ولا يُريدها.
يحبها ولا يحبها. ولكن... مهلاً لحظة، فهو قد اعترف بداخله الآن أنه يحبها حتى ولو كان متردداً. دار حوار بين عقله وقلبه. ليستمع لصوت عقله يردد بقسوة: -إيه يا علي ما حرمتش من مرة، عاوز تتلدغ تاني من جنس حوا. ليرد قلبه بهدوء: -جنس حوا كله مش زي بعضه، ما في رجالة كتير خاينين، ومع ذلك مش كل الرجالة زي بعضها.. ودينا مختلفة. ليرد عقله بصرامة:
-أنت تخرس.. يا كلب يا جزمة ياللي مودينا في داهية.. جنس حوا كله زي بعضه، تعابين وثعالب!! ليردد قلبه له بصياح: -لأ أنت غلطان مش كلهم زي بعض، حوا اتخلقت لآدم.. مش علشان واحدة وحشة يبقى الكل وحش. العقل بغضب: -هاتندم. القلب بتزمر: -ماشي أنا عاوز أندم، ابعد أنت عني.. دينا مش زي رانيا.. دينا مش رانيا. هب على من جلسته سريعاً وهو يردد مستمعاً لكلمات قلبه: -دينا مش رانيا.. دينا مش رانيا. توجه صوب مكتبها، ليقتحمه فجأة.
فزعت هي عندما وجدت من يقتحم مكتبها بدون إذن. استشاطت غضباً عندما وجدت هو من دلف بهذه الطريقة الوقحة، فصرخت بوجهه بغضب: -مش تستأذن يا بني آدم، حد يدخل كدا! أردف فجأة، ليصدمها، جاعلاً إياها تبتلع لسانها: -تتجوزيني؟؟؟؟!!!! .......
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!