أزهر أمل جديد في قلوب الحاضرين، الجميع ينتظر على أحر من الجمر حديث السيدة سنية التي أخبرتهم عنه ورد. اهتزت سنية وهي تواجه أعينهم المتأملة، ابتلعت ريقها وقبل أن تتحدث قاطعها دخول طاهر الذي عاد ليأخذ والدته وسنية التي لم تبرح مكانهما منذ وصولهما من عدة ساعات. كما تفاجأ بوجود الشرطة في المكان وشعر برعب بداخله، ناهيك عن خفقان قلبه الذي ازداد متوجساً خيفة من رؤيتهم.
شهيق وزفير فعلت السيدة سنية، ثم أردفت بنبرة متعرقلة في حديثها متوجسة خيفة من ذلة لسانها: "مش حاجة مهمة يعني." أجابها المحقق بنبرة عملية: "أي حاجة مش شايفاها مهمة ممكن تساعدنا إحنا، إذا سمحتي قولي كل اللي تعرفيه." أومأت برأسها وهي تطالع طاهر الذي كان يشير إليها بسودتاه محذراً إياها بألا تخبرهم حقيقة الأمر. حاولت تنقية كلماتها بعناية ورددت بحذر شديد: "أنا شفته وسألته على حاله وحال ورد، بس أكده."
اقترب منها نفادي متسائلاً عدة أسئلة: "كان رايح فين؟ حد كان وياه ولا كان لحاله؟ وكانت الساعة كام أكده تجريباً؟ ارتبكت هي من تلك الأسئلة التي ليس لها إجابات صريحة، فهي من اختلقت لقاءها مع هلال لكي تهون على قلب ورد قليلاً. أنقذتها ورد حينما حاولت أن تفتح لها سبيلًا للحديث قائلة: "هلال هملني وخرج من السرايا كنا المغربية أكده، وجتها أمي شافته وسألته عليا بس مخبرانيش إن كان معاه حد ولا لأ."
وجه نفادي بصره إلى السيدة سنية في انتظار إجابات صريحة على أسئلته التي وجهها لها. أخذت شهيقاً ثم تابعت حديثها الكاذب: "كان لوحده مشوفتش حد وياه." صمتت وهي لا تعي أين تخبرهم بوجهته التي سلكها، فهي لا تعلم من الأساس. هنا تدخل طاهر بحديثه يحاول إنقاذ زوجة عمه بقوله: "ده نفس الوقت اللي راح فيه على القهوة اللي في آخر البلد." حرك نفادي رأسه وضاق بعينيه على طاهر متسائلاً بصرامة: "تطلع مين أنت وعرفت كيف؟
ارتاعب طاهر من أسلوبه الحاد معه وحاول أن يتحلى بالشجاعة أمامه وأجابه بنبرة ثابتة: "أنا طاهر حمدان المنشاوي، مرات هلال الله يرحمه تبجي بت عمي، وعرفت كيف لأني كنت في القهوة نفسها وشوفته حتى تعاركنا مع بعض." شعر طاهر بفداحة ما أدلى به من خلف نظرات المحقق عليه. رمقه نفادي بنظرات جامدة تظهر ما يوجد خلفها من اتهامات عدة. سار بخطاه نحو طاهر الذي خفق قلبه خوفاً وهتف بسؤاله: "وتعاركتوا ليه؟
شعر طاهر بمرارة قاسية في حلقه، ابتلع ريقه وأجابه بتوتر بائن: "عركة شباب يا حضرة، وكل واحد اعتذر للتاني وراح لحاله." وجه بصره على العمدة وسأله ليبعد عنه الشبهات: "مش أكده يا عمدة؟ أماء له العمدة مؤكداً وردد باختصار: "أيوة حصل." لم يكتف المحقق بحديث العمدة وشعر أن هناك تلاعبًا ما في الأمر. نظر إلى رجاله وأمرهم: "هاتوه معانا نتاكد بنفسنا." اتسعت حدقتا طاهر بصدمة كما تفاجأ الجميع بقرار المحقق الذي لم يكن يخطر على عقولهم.
اقتربت ثريا من ولدها وتشبثت بذراعه وتوسلت المحقق قائلة: "ابني ملوش صالح عاد بلي حصل يا بيه." أضاف طاهر على حديث والدته: "أنا مجتلتش هلال عشان تاخدوني، مليش صالح عاد بالموضوع ده." اكتفى نفادي بـ رمقهم بفتور شديد لا يتأثر بتوسلات ثريا ولا حديث طاهر. انتظر حتى انتهوا من سخافتهم كما يعتقد وقال بجمود: "كل الحكاية هنسأله كام سؤال، الموضوع مش مستاهل الجلج ده كله، ولا إيه يا طاهر؟
استشف طاهر ما يرمي إليه نفادي ولم يقدر على نطق حرف زائد، فمهما قال لن يصغي إليه فعمله يحتم عليه ذلك، لكن لن يصمت ويتحمل عقاب تلك الجريمة التي ليس له يد فيها إن اضطر الأمر سيخبرهم بالحقيقة ولا يشفق على والده، هو من جنى على نفسه بقتل هلال بدم بارد. لن يقبل أن يتم سجنه بين جدران السجن ويترك الجاني يستمتع بحياته في الخارج. اقتربت رجال الشرطة من طاهر وأخذوه معهم إلى الخارج.
صاحت ثريا وصرخت بكل قوتها تريد تبرئة ولدها من تلك التهمة، لكن هيهات لهؤلاء الرجال لا يصغون إلى ما ترمي إليه من توسلات أمومية. وقف الجميع يتابع ما يحدث في صمت. لم تكن لديهم القدرة على الاعتراض أمام رجال القانون. صدمتهم في فراق هلال كانت كفيلة لأن تلجم ألسنتهم وتقيدهم أمام الأمور مهما كانت عظمتها. توجهت ورد مباشرةً إلى حيث يقف خليل وأرادت تبرئة طاهر قائلة: "طاهر ميعملهاش يا عمي."
رمقها خليل بإرهاق بادٍ على ملامحه وأجابها مختصراً الحديث لكي يفر هارباً إلى غرفته: "عارف يا ابنتي وانتِ بنفسك سمعتي نفادي وهو بيقول إنه هيسأله كام سؤال، يعني مفيش جلج." أسرعت هي بالرد عليه متعشمة في لطفه: "بس كلمتك أكيد هتفرج معاه، ياريت متهملش الموضوع وتتابعه بنفسك." أماء رأسه بقبول ومن ثم انصرف سريعاً من أمامها قاصداً غرفته. بينما نظرت هي إلى زوجة عمها محاولة طمأنتها:
"متخافيش يا مرت عمي، أنا مش هخليه يبات هناك ليلة واحدة." رفعت ثريا بصرها على ورد بندم ممزوج بالشفقة، فكل ما حدث لها كانت السبب به هي وزوجها والآن هي من تدعمها وتطمئنها على ولدها. لم تتحمل وأنهارت في البكاء نادمة بشدة على ما اقترفته في حقها. حاولت ورد التخفيف عنها ببعض الكلمات الداعمة ومن ثم انصرفت ثريا برفقة سنية التي يتوعدن لحمدان أشد الوعد.
بينما عادت ورد على غرفتها تتفقد كل ركن قد حدث بينهما فيه حوار حتى إن كان قصيرًا. جلست أمام الفراش مستندة على جداره ضامة ركبتيها أمام صدرها وحاوطت قدميها بكلتي ذراعيها دافنة رأسها بينهم سامحة لعبراتها في النزول بألم شديد. في الغرفة المجاورة، ولج خليل إلى غرفته مطأطئ رأسه بهموم كثيرة قد وقعت على عاتقه. ابتعدت صفية عن السيدة نادرة حاملة لصينية الطعام وأردفت بأسى:
"رافضة الأكل ومش راضية تحط لقمة في بوقها، حتى العلاج رافضة تاخده وأنا خايفة السكر يعلى عليها وتدخل في غيبوبة كيف ما بيحصلها لما تمنع الأكل." أخذ شهيقًا موجوعًا وأجابها بمزاج غير سوي: "ومين له نفس للأكل يا صفية، عمود من عمدان السرايا اتهد، ناكل كيف قوليلي." بكت صفية متأثرة بحديثه ورددت مواسية إياه: "ربنا يصبركم يا سيدي." صدرت منه تنهيدة حارة تدل على عمق حسرته ووجه حديثه إليها أمرًا:
"هملينا لوحدنا يا صفية وسيبي الأكل هنا." أماءت له بالقبول ووضعت الطعام أعلى الطاولة ثم قامت بسحبها بالقرب منهم لكي يسهل عليهم تناوله وغادرت الغرفة داعية الله أن يصبر قلوبهم على مصيبتهم. استند خليل على حائط الفراش وأوصد جفنيه للحظات. أخرج كل ما في جوفه بنبرة متحشرجة: "يا ريتني كنت أنا يا ولدي وأنت لأ، ما أقدرش أتحمل فراقك عني، كيف هعاود للدار ومتستقبلنيش ببسمتك وشقاوتك كيف ما بتعمل، مصطفى هيجف قصادي عشان مين دلوقت؟
مين هيحرث حتة صغيرة من الأرض طول اليوم وعيقول إنه حرث الأرض كلها لوحده، قطعت بيا يا هلال، كنت فاكر إنكم هتوصلوني لجبري وتجفوا تاخدوا عزايا، ما كنتش أعرف إن أنا اللي هاخد عزاك الأول يا غالي." خارت قوة خليل ولم يعد يستطيع إكمال حديثه وانفجر باكيًا، تخرج منه شهقات قوية من آن لآخر. آهات مكلومة خرجت من صدر أب يتمزق قلبه على فراق غاليه. أين جبروت تحكماته؟ أين قوة أسلوبه وطريقته الخشنة؟ أين هم الآن؟
لقد دفنهم مع صغيره في ذلك القبر الموحش. تنسدل عبرات نادرة على الوسادة ولا تصدر أي حركة ولا أنين، فقط تبكي في صمت إلى أن تورم جفناها ولم تعد ترى بوضوح كما كانت. حرك خليل رأسه ونظر إليها وأردف بنبرة آمرة: "قومي كلي لك لقمة لحسن تطبّي ساكتة." أجابته بتمني لحديثه: "يا ريت وأروح لحبيبي." أوصد عينيه بتحسر على ما أصابهم وردد مستنكرًا حديثها: "وتهمليني يا نادرة؟ بلاش أنا، تهملي ولدك مصطفى؟
رايده يتوجع على فراقك كيف ما بيتوجع على فراق أخوه دلوقت؟ قومي كلي عشانه هو على الأجل." رفضت نادرة إدخال أي شيء في جوفها وباتت تبكي كما تفعل، لا تصغي لأي من توسلات زوجها التي يحثها على التوقف والتحلي بالقوة، لكن هيهات لكلماته أمام آلامها وأحزانها. في مركز القرية وبالتحديد غرفة التحقيقات، يجلس نفادي على مكتبه يطرح أسئلته على طاهر بنبرة صارمة:
"يعني اتعاركتوا عشان نفثت دخانك في وشه جولتلي، وليه تعمل حاجة زي أكده، ده انتوا نسايب يا راجل يعني عيبة في حقك." أخذ طاهر شهيقًا يحاول طمأنة نفسه بأن الأمر لا يستحق كل ذلك الارتباك وأجابه بنبرة مهزوزة بعض الشيء: "كنت مخنوق وهو واضح أنه كان مهموم، إثنيناتنا طلعنا خنجتنا في بعض، ديي كل الحكاية، صدقني أنا آخر واحد تفكر أنه ممكن يقتل، أنا مقدرش أقتل فرخة، هجتل بني آدم من لحم ودم!
رفع نفادي حاجبيه للأعلى كذلك رفع شفته السفلى لتغطي الشفاه العلوية ورد عليه بفتور: "هنشوف يا طاهر، موضوع الفرخة ده بس لأول نشوف موضوع قتل هلال." صمت نفادي وارتشف بعض المياه ثم تشجع بصوت عالٍ وأضاف بنبرة أشد جمودًا: "وعلى لما نوصل لحاجة تثبت براءتك أو تدينك هتشرف عندنا هنا شوية." صعق طاهر مما وقع على مسامعه وحاول نفي التهمة من على عاتقه:
"يا نفادي بيه أنا مليش صالح، أحلف لك بإيه عشان تصدقني وبعدين تجعدني هنا ليه، مفيش دليل ضدي عشان تؤمر بحبسي." انتفض نفادي من مكانه بعصبية بالغة وضرب المكتب بكل قوته براحة يده وأندفع فيه: "أنت هتعرفني شغلي ولا إيه، وعشان حديثك ده هخليهم يستجوبوك أحلى استجواب يليق بيك." وجه نظره إلى الباب مناديًا بصوت مرتفع: "أنت يا عسكري اللي برا، تعالي خد المتهم ده."
ظهر العسكري من خلف الباب ما إن أنهى نفادي جملته وأمسك بذراع طاهر آمرًا إياه بحدة: "قوم يا خوي." أوقفه نفادي قبل خروجه قائلاً: "خليهم يستجوبوه زين." رفع العسكري ذراعه للأعلى بقرب أذنه وهتف بطاعة: "تمام يا فندم." عاد نفادي لمقعده وقام بالاتصال على أحد رجاله وقال: "جيب لي صاحب القهوة اللي قامت فيها العركة وكل اللي كانوا حاضرين." جاءه الموافقة على ما أمر به من الجهة الأخرى فأغلق الهاتف ووجه بصره نحو الباب متمتمًا:
"لما نشوف لك يد يا طاهر ولا كيف ما بتقول." *** اقتحمت المنزل كالـ ثور الهائج تبحث عن حمدان. وقفت في منتصف المنزل وصاحت بانفعال شديد: "حمدان انت فين يا حمدان، ولدك اتاخد في الرجل من ورا عمايلك السود، أنت فين رد عليا؟ ظهر حمدان من خلف باب غرفته لا يعي ما قالته. أقترب منها بملامح جامدة كعادته وردد: "بترغي وتجولي إيه يا ولية؟ اقتربت هي منه إلى أن التصقت بصدره وأجابته مشمئزة منه:
"ولدك الحكومة خدته لما عرفوا إنه اتعارك مع ولد العمدة، أنا ما أتحملش أقعد دقيقة واحدة وابني جوه المخروب ده، شوف لك صرفة خرجه بيها أصل أنا اللي أخرجه بطريقتي." ألقت آخر جملتها مهددة إياه لكي يخشاها وينفذ أمرها. كز حمدان على أسنانه بغضب يفوق الوصف ولم يشعر بأنامله التي تخللت حجاب ثريا ليمسك بخصلاتها أو ربما ينتزعهم وجرها خلفه إلى غرفتها غير آبه لصراخها الموجوع. ألقى بها أرضًا وردد بـ وجع محتقن قبل أن يغلق باب الغرفة:
"ده عقاب اللي يهدد حمدان المنشاوي." أوصد الباب بالمفتاح ثم ابتعد عنه فلحقت به صباح قائلة بشفقة على حال والدتها: "يا بوي هتسيب أمي في الأوضة محبوسة أكده لميتي؟ أجابها من بين أسنانه المتلاحمة بغضب: "تلات ليالي، لا تاكل ولا تشرب ولا حد يسأل عنها، أنتِ فاهمة؟ عارضته صباح هاتفة: "كتير قوي يا بوي." نهرها حمدان دون رأفة هادرًا: "ملكيش صالح عاد بلي يحصل، وأنتِ لسه هنا، بتهببي إيه؟ ما رحتيش لبت عمك تقفي معاها في محنتها ليه؟
أضـاقت صباح عينيها على والدها لا يستوعب عقلها حقًا جمود حديثه كأنه ليس له يد فيما حدث. لـوهلة صدقت أفعاله وحسن نواياه من خلف ما يأمرها به. قطع حبال أفكارها بإنفعاله: "هتفضلي تبحلقي فيا كتير، همي يا بت، غيري خلجاتك وروحي السرايا طوالي." اختفت صباح من أمامه عائدة إلى غرفتها تلبي ما أمرها والدها به لكي لا يكون لها نصيب من عقابه هي الأخرى. بينما ردد بحمدان بعجرفة: "كنت عارف إن ده هيحصل عشان كده اتصرفت صح."
ظهرت على محياه بسمة عريضة لدهاائه لكن سرعان ما اختفت بسمته حينما رأى السيدة سنية تقف في نافذة منزلها. قادته قدماه إليها وطرق بابها بأسلوب غير لائق تمامًا. انتفضت الأخرى من مكانها مذعورة من خلف طرقات الباب بذلك الشكل. هرولت لفتحه بقدم تتعثر في الأرض من فرط خوفها، تفاجأت بحمدان يقف أمامها وقبل أن تعاتبه انفجر هو بها: "أنتِ يا ولية مصممة تعصيني ليه؟ مش جلتلك هتقعدي في داري، مبتسمعيش الحديث ليه؟ التقزز!
قد شُكل على تقاسيم وجهها وأجابته بوجه عابس: "أنت ملكش حكم عليا يا حمدان، أنا لا مرتك ولا أخصك من الأساس عشان تبيع وتشتري فيا كأني بهيمة من بهائمك، أنا مرت أخوك الله يرحمه، تحترمني وتلزم حدودك معايا." صمتت السيدة سنية وانفجرت ضاحكة على آخر ما أردفته متمتمة بسخرية: "احترام إيه اللي بتتحدث عنه؟ واحد قاتل هيعرف إيه عن الاحترام." تحولت ملامحها إلى الاشمئزاز منه ومن دناءته وتابعت حديثها مضيفة:
"صدقني يا حمدان إن ما بعدت عني وعن طريقي لأكون قتلاك وبدل ما يبقوا واحد قاتل في العيلة يبقوا تنين، ودلوقتي اطلع برا دار أخوك اللي ما صنتش حرمته." انتظر حينما انتهت من حديثها وأردف ببرود يميل إلى التوعد: "همشي دلوقتي بس هعاود تاني ولما أرجع هاجفلك خشمك ده طول عمرك يا سنية." أولاها ظهره وغادر وهو يضغط على أسنانه بغضب شديد متوجهًا إلى مركز القرية لكي يخرج ولده مما وقع فيه. ***
طرقت بابها ثم ولجت للداخل ما إن سمحت الأخرى لها. وقفت أمامها وقالت بهدوء: "بت عمك موجودة تحت وجاية تعزيكي." تأففت ورد بفتور شديد فهي ليست على استعداد لسخافة صباح الآن، لكن ربما ستواسيها حقًا. أي سخافة ستحدثها في عظمة الموت؟ لـامت ورد نفسها على تفكيرها الذي ليس في محله وهبطت مع صفية إلى حيث تمكث صباح.
اقتربت منها صباح وضمتها لحضنها فتعجبت ورد من تصرفها الذي تتعامل معه للمرة الأولى، لكنها بادلتها الحضن بهدوء فهي في أمس الحاجة لوقوف الجميع بجانبها في تلك الأثناء العصيبة. لكن سرعان ما ابتعدت عنها بعدما رددت صباح بتشفي: "جلبي عندك يا بت عمي، الراجل معمرش معاكي يومين وجبتي أجله."
صعقت ورد مما سمعت إليه، صدمتها كانت شديدة ولم تستوعب أن الحديث خرج من فم ابنة عمها التي من المفترض هي من تواسي حزنها، فهما الفتاتان الوحيدتان في العائلة. فلكل موقف حرمته وتلك تعدت الحدود بمراحل. انتبهت ورد لحديث الأخرى وهي ترمق السرايا بابتسامة عريضة: "ملحقتيش تتهني بالعز طول عمرك، فجرية." صوّبت صباح بصرها على ورد متابعة حديثها بسعادة:
"صعبة عليا يا بت عمي جوي، هتهملي الأوبة ديي وترجعي بيت بوكي تاني ووجتها يا حرام ما هتخرجيش منه واصل." سارت نحوها بخطى ثابتة وانحنت على أذنها هامسة: "أصلك هتكوني أرملة، والبنتة اللي زيي هما المرغوب فيهم، بس هبقى أدعيلك يجي لك عدلك ويعمر معاكي المرة ديي." تراجعت صباح مبتعدة عنها وأشارت بيدها مودعة إياها: "زارتك العافية يا بت عمي." غادرت صباح السرايا وما إن خطت للخارج حتى احتدت ملامحها وهي تتذكر خطّاب ورد الكُثر.
لا يمر أسبوع إلا ويأتي به شاب يطلب يديها بينما هي التي تكبرها بخمسة أعوام إلى الآن لم يتقدم لخطبتها شاب أو حتى أرمل. لم تحرك ورد قدميها بعد من هول الصدمة التي وقعت في براثينها. أهي نذير شؤم مثلما لمحت صباح بحديثها؟ ترقرقرت عبراتها بحزن جلي لم تستطع التغاضي عنه. كان يتابعن ما يحدث في صمت لكن قلوبهن تتآكل حزنًا على ورد، مشفقين على حياتها التي انقلبت رأساً على عقب وهي لازالت عروس لم تكمل يومين.
لم تتحملا الوقوف ومشاهدتها تبكي بمرارة وخرجن خلف بعضهن يريدن مواساتها والوقوف إلى جانبها بعد أن رأوا بأعينهم دنائة ابنة عمها واستحقرن تصرفاتها. أنزلت ورد وشاحها ما إن شعرت بقدوم أحدهم، لكنها تفاجأت بـ هويدا وصفاء مساعدتي صفية على ما تظن. تبسمتا لها واقتربت صفاء ضامتها دون سابق إنذار. حضن صادق مخلص ربما بثبت فيها الطمأنينة.
وضع بدي مريب لورد لأنها لم تتعامل معهم من قبل، لكن شعور الراحة قد تغلغل داخل قلبها تدريجيًا إلى هدأت تمامًا وتبدلت مشاعرها بعد ذلك الحضن العفوي إلى سكينة. ابتعدت عنها صفاء وأردفت بشفقة: "إحنا جنبك يا ست ورد، اعتبرينا صحابك، مع إن يعني العين متعلاش عن الحاجب... قاطعتها ورد مستاءة من تفكيرها الساذج: "متجوليش كده تاني يا صفاء، كلنا أخوات." تقوس ثغر صفاء بابتسامة سعيدة بينما رددت هويدا بنبرة حادة وهي تتذكر
حوارها مع تلك الأفعى: "إحنا سمعنا كلام العجوزة بت عمك، أنا آسفة إني بجول كده بس اللي هيشمت في الموت يبقى جاحد ومعندوش قلب." أخفضت ورد بصرها بحزن تبدد من جديد في قلبها فور تذكرها لكلمات صباح اللاذعة. اقتربت منها صفاء ورفعت وجه ورد بسبابتها مشجعة إياها: "الوجه الجميل ده ميطاطيش راسه واصل، هي غيرانة منك عشان أحلى وأطيب منها." أخرجت ورد تنهيدة مرهقة ورددت بنفسٍ سوية: "ربنا يهديها."
تعجبت الفتاتان من ردها المسالم كما تبسمتا على لطفها وتحدثت هويدا بحب ظاهر في نبرتها: "إحنا موجودين هنا طول الوقت يا ست ورد، وقت ما تحتاجينا متتردديش، هنكونوا مبسوطين جدًا لو اعتبرتينا صحابك." ابتسمت ورد ابتسامة لم تتعد شفتاها وأجابتها ممتنة: "متشكرة جوي يا بنات، بس ليا طلب عندكم." رمقنها باهتمام منتظرين إكمال حديثها بينما تابعت هي موضحة طلبها:
"بلاش ست ورد ديي، إحنا بنات زي بعض وتجريباً نفس العمر يعني لو عايزين نكون صحاب بلاها التكلف الماسخ ده." تبسمت الفتاتان بينما هللت صفاء بسعادة: "أنا بجول كده بردك مش بحب التكلف ده، بس قولتي تزعلي لو ناديناكي باسمك." حركت رأسها نافية حديث صفاء وقالت: "لا مهزعلش." سألتها صفاء بفضول عفوي: "عندك كام سنة على أكده، شكلك صغير؟ أجابتها ورد متحسرة على زهرة شبابها التي اقتطفت باكراً: "٢٢ سنة." ردت عليها صفاء متحمسة:
"وأنا هكمل الـ ٢٠ الشهر الجاي." أضافت هويدا مشاركة في الحديث: "أنا بجا عندي ٣٠ سنة، يعني تجولولي يا ماما." ضحكن جميعن لكن سرعان ما اختفت ابتسامتهم حينما رأوا هطول مصطفى من الأعلى. مر بجوارهم دون إلقاء السلام وغادر السرايا، كانت تتابعه ورد متعجبة من تصرفه كأنهم نكرة لا يراهم. استشفت صفاء نظرات ورد إلى ماذا توحي ورددت موضحة: "هو كده قليل الكلام لكن جدع."
لم تكترث ورد لحديثها عن مصطفى ثم استأذنت منهم وعادت إلى غرفتها تعيش حدادها مع نفسها بمفردها. *** انتفض حمدان من مكانه بعصبية شديدة. أجمع ما خطط له لن يجدي نفعًا، لقد أجبر طاهر على السهر خارج المنزل برفقة أصدقائه لكي يكونوا شهود عيان إن حدث شيء كهذا. لم يرضه ما يحدث وصاح بالمحقق شزرًا: "عايز مني إيه تاني عاد؟ جبت لك شهود إنه كان سهران وياهم وكلهم شهدوا بنفس الحديث، مستني إيه عشان تخرجه من هنا، مفيش دليل واحد ضده."
نهض نفادي هو الآخر وهاجمه بانفعال شديد: "أنت هتعرفني شغلي ولا إيه، وصوتك ده يوطى، أنت هنا في المركز مش دارك، ولو مخرجتش حالاً أقسم بالله أحبسك مع ولدك." رمقه حمدان بغيظ عارم وحدثه بتوعد: "معلوم، هخرج لكن هعاود تاني ومعايا اللي هيخرجه، ووجتها مش هتقدر ترفع عينك في عيني." هدر به الآخر شزرًا: "لو جبت لي المحافظ بذات نفسه مش هيخرج بردك غير بكيفي."
انسحب حمدان من الغرفة وهو يتوعد لذلك المحقق المتعجرف، لم يكن أمامه سوى اللجوء إلى العمدة لكي يخرج ولده من تلك المحنة. وصل إليه السرايا بعد دقائق معدودة، دخل السرايا برفقة عسران الذي أمر صفية بمناداة العمدة. طرقت صفية الباب بهدوء وأردفت حينما استمعت إلى صوت العمدة: "حمدان عم الست ورد هنا ورايد حضرتك." أجابها مختصراً: "خارج له أهاه." ارتدى خليل عباءته فوق جلبابه وسار للخارج لمقابلة حمدان الذي هرول نحوه متصنعًا
لهفته الحزينة: "عارف إن مش وقته بس طاهر ولدي اتاخد ونفادي رئيس مباحث المركز رافض يخرجه رغم إني جبت له شهود إن طاهر كان سهران معاهم ليلتها." تنهد خليل مستاءً فهذا ليس بوقته هو وولده الآن، يريد أن يستجمع قواه التي انهارت تمامًا ودفنت مع فلذة كبده. أخذ شهيقًا وأخرجه ببطء ووجه حديثه إلى عسران: "جيب لي الموبايل من جوه لما نكلم نفادي." لحق حمدان بعسران قبل أن يهم بالمغادرة قائلاً:
"بيقول لو مين كلمني مهيسمعش مني، لو روحت له أكيد هيقدر مجيتك للمركز ويطلع طاهر." رمقه خليل بفتور وتهكم، أليس طلبه في تلك الأثناء دليلًا على قلة ذوقه كما يبدو سخيفًا للغاية؟! سار بشموخ نحو سيارته آمرًا عسران بنفاذ صبر: "تعالي لما نشوفوا الموضوع اللي مش في وقته ده."
تعمد إلقائه للحديث لعله يخجل حمدان من تصرفاته الغبية، لكن لم تهتز له خصلة كما اعتقد خليل، هو لا يكترث لما يحدث فقط يريد النجاة لولده الآن ثم يرد الصاع صاعين فيما بعد. وصلا كلاهما إلى المركز، لم ينتظر خليل ودخل المكتب فور وصوله. جلس أمام المحقق وأمره بنبرة صارمة: "خليهم يخرجوا طاهر." تقوس ثغر حمدان بابتسامة عريضة وطالعه بتشفي وترك الأمر لـ خليل فبتأكيد لن يخرج إلا برفقة ولده.
تعجب نفادي من أمر خليل واعترض موضحًا سبب اعتراضه وهو يرى نظرات حمدان المنتصرة كأنه فاز عليه في معركة ما: "بس يا عمدة ده مشكوك في أمره، أطلعه كيف؟ اندفع به خليل بنفاذ صبر: "أديك جلتها مشكوك في أمره يعني معندكش حاجة تدينه." وزع نفادي أنظاره بين خليل وحمدان الذي لم تفارق الابتسامة وجهه، كز على أسنانه بغضب وعاد ببصره إلى خليل وردد بنبرة حادة لينهي بها تلك السخافة: "مهيطلعوش يا عمدة جبل ما اتأكد إنه بعيد عن الشبهات."
لقد بلغ ذروة تحمله، ضرب خليل الأرض بعصاه مندفعًا بعصبية بالغة: "هيطلعوا ولا أكلم اللي يطلعك من الخدمة كلها؟ صدرت قهقهة خافتة من حمدان الذي حاول كتمها لكي لا يقع عليه عيب قبل أن يتأكد من خروج ولده. لم يكن أمام نفادي سوى الإفراج عن طاهر لعدم كفاية الأدلة. نهض خليل من مكانه بعدما طلب نفادي من العسكري إحضار طاهر من زنزانته وقال قبل أن يذهب: "كمل تحرياتك عن طاهر ولو وصلت لحاجة بلغني."
تفاجأ حمدان من طلب خليل لقد اعتقد أن بخروج ولده قد انتهى أمره من تلك القضية. اقترب من خليل وأردف بنبرة متوسلة: "ليه أكده يا عمدة؟ طاهر ميعملش حاجة زي دي واصل." رمقه خليل بنظرات احتقارية مشتعلة تظهر ما يوجد خلفها من البغض الذي يكنه له في تلك اللحظة ورد عليه بحدة: "متنساش إن ولدك اتعارك مع هلال الله يرحمه يعني مشكوك في أمره عندي بردك." صعق حمدان من حديث خليل، لم يكن في حسبانه أن ابنه سـ يمسه السوء من خلف تصرفه الدنيء.
أخرج تنهيدة محترقة على ما وقع ولده فيه دون ترتيب. بينما غادر خليل وهو ينوي أن يعيد حق ولده ويقتلع عين من فعل ذلك به. سار بخطى سريعة خارج المركز وهو لا يرى أمامه سوى الشر الآن. لم يستطع والده اللحاق به فناداه قائلاً: "اصبر يا طاهر مش عارف أسابق خطوتك." توقف طاهر عن السير فجاءة واستدار إليه بملامح تحمل قدرًا كافيًا من التقزز الذي يشعر به وصاح به مندفعًا: "جبت الراجل اللي قتلت له ولده يطلعني منها، يا جبروتك يا أخي."
أسرع حمدان نحوه ووضع راحة يده على فمه محذرًا: "ششش اجفل خشمك ده إحنا لسه قدام المركز، اتجننت إياك." دفع طاهر بيد حمدان بعيدًا عنه وألقى بكلماته دون رأفة: "أنا مش قادر أبصلك، مش رايد أتحدث معاك تاني، ميشرفنيش إنك أبويا بعد عملتك السود اللي لطتني أنا كمان." رفع حمدان ذراعه للأعلى وأنسدل به على وجه طاهر صافعًا إياه بغضب دوي على تقاسيمه.
لم يتحمل طاهر الوقوف أمامه بعد أن صعق بـ فعله وتحرك مبتعدًا عنه بخطى مهرولة غير مستقيمة. بصق حمدان حيث كان يقف طاهر وردد مستاءً: "يلعن البطن اللي جابتك." طالع المكان من حوله بتفحص يتأكد من عدم سماع أحدهم للحوار الذي دار بينهم وبين ابنه العاق وتحرك هو الآخر مبتعدًا عن المكان. *** يركض تارة ويبطئ من حركته تارة أخرى. شعر بالاختناق وكأن حجرًا ضخمًا يطبق على صدره. وقف أمام مسجد القرية ولم يطل التفكير وولج داخله دون تردد.
توضأ وصلى ركعتين لله عله يشعر بالراحة. ها قد اطمأن جوفه ما إن وقف بين يدي الله وبدأ يتلو الآيات. انتهى من صلاته واقترب من إمام المسجد الذي يجلس أسفل المنبر ويقرأ القرآن بصوت عذب. أغلق الإمام الكتاب ما إن شعر بقربه. رفع بصره عليه وتبسم بود: "كيفها أحوالك يا طاهر يا ولدي؟ أخفض طاهر بصره للأسفل كما ارتخت ملامحه ظاهرة الهموم الذي باتت على عاتقه وأجابه بنفسٍ غير راضية: "مش بخير يا شيخ هريدي."
أخرج تنهيدة مليئة بالهموم وتابع حديثه متسائلاً وهو ينظر في عينيه: "هي القلوب بتتبدل يا شيخ؟ يعني ينفع راجل يكون زين وبعد أكده يتحول لراجل عفش وتصرفاته متطاجش؟ أعاد الإمام الكتاب مكانه برفق وأجاب على سؤاله بسلاسة:
"والله يا طاهر يا ولدي، أنا شفت من أحوال الدنيا اللي اتعجب له، ياما ناس كتير كانت أئمة وحالها اـ تبدل أربعة وعشرين قيراط كأنهم كفروا بربنا، وليعذ بالله. أخطر مرض ممكن يصيب البني آدم هو البعد عن ربنا، لأنه أكده خسر آخرته. عارف قوله تعالى "قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى". يعني الدنيا دي أمتعتها كتير قوي وإما جاومتها بكل قوتك وإما وجعت فيها ونسيت آخرتك.
ده حال ناس كتير ربنا يردهم إليه ردًا جميلاً. الإنسان أوقات بيقرب من ربنا جوي وبعد أكده يطمن ويفكر إنه خلاص عمل لآخرته ويتلهي في الدنيا ومتاعها لغاية ما يبعد عن ربنا خالص وحاله يتبدل كأنه إنسان تاني متعرفهوش. عشان أكده خلي الدعاء ده على لسانك طول الوقت متهملهوش واصل: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك". ووقت ما تحس إنك بعدت عن ربنا ردد ده: "اللهم ردني إليك ردًا جميلاً". وأجفل أي باب لـ متاع الحياة اللي هتنسيك آخرتك."
ربت الإمام على ساق طاهر وأضاف: "الله يبعدك يا ولدي عن فتن الدنيا." ظهرت شبح ابتسامة على ثغر طاهر لم تتعد شفاهه وسأله بفضول تلك المرة: "طب واللي يعرف حقيقة لموضوع ومقدرش ينطق عشان لو اتحدث هيأذي ناس عزيزة عليه، يكون عليه وزر يا شيخنا؟ أجابه الإمام بتلاوة آية من القرآن: "فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا".
اللي ربنا قصدتهم دول هم اللي بتتحدث بالباطل وتبلغ الناس بغير الحقيقة وتسكت وتكتم الحقيقة، الساكت عن الحقيقة شيطان أخرس." طأطأ طاهر رأسه بحزن شديد قد اعتلى ملامحه وتبدد في قلبه، فهو يعرض عن الحق بل ويخفيه أيضًا. نهض من مكانه بهدوء دون إضافة المزيد وانسحب للخارج بعقل مشوش. سار باتجاه منزله وعقله محمل بالكثير من الأفكار التي تتعارض مع ذاتها. لا يوجد مخرج صريح لهما، ماذا يفعل؟
يصمت ويعرض عن تلك الجريمة من أجل والده ويتشبه بالشيطان أم يفعل ما يحتم عليه ضميره ليرضي الله. حرك رأسه حينما اختار جهته الذي سيسير بها. عاد إلى المنزل ودخل غرفة الضيافة وفتح الخزانة التي تتوسطها ووقف يطالع سلاح والده الذي فعل بها جريمته وعزم أن يضعه في مكانه المناسب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!