تحميل رواية «عرف صعيدي» PDF
بقلم تسنيم المرشدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
هل تسمعني؟ هل تكترث لأمري؟ أنا هنا أحتاجك وبشدة، لقد خُلقت من ضلعك، فأنا المغلوبة على أمري أناديك من ثنايا قلبي، مُد يدك لتخرجني من تلك البقعة التي إنحدرت داخلها أصبحت شريك حياتي إذاً فلتحقق لي أهدافي، لطالما حلمت بالحرية أنت كنت ملجئ الوحيد ها أنا أمامك الأن فهل سنغدوا سوياً إن أمنت لي حقوقي؟ *** صدحت أصوات الزغاريد عالياً في أرجاء السرايا، تعالت هتافات الشباب وازدادت المباركات مهللين بسعادة. يتوسط أدراج سُلم السرايا شاب في مقتبل العشرين من عمره يرتدي جلباب صعيدي ناصع البياض يعلوه عباءة سوداء،...
رواية عرف صعيدي الفصل الأول 1 - بقلم تسنيم المرشدي
هل تسمعني؟ هل تكترث لأمري؟
أنا هنا أحتاجك وبشدة، لقد خُلقت من ضلعك،
فأنا المغلوبة على أمري أناديك من ثنايا قلبي،
مُد يدك لتخرجني من تلك البقعة التي إنحدرت داخلها
أصبحت شريك حياتي إذاً فلتحقق لي أهدافي،
لطالما حلمت بالحرية أنت كنت ملجئ الوحيد
ها أنا أمامك الأن فهل سنغدوا سوياً إن أمنت لي حقوقي؟
***
صدحت أصوات الزغاريد عالياً في أرجاء السرايا، تعالت هتافات الشباب وازدادت المباركات مهللين بسعادة.
يتوسط أدراج سُلم السرايا شاب في مقتبل العشرين من عمره يرتدي جلباب صعيدي ناصع البياض يعلوه عباءة سوداء، يلوح بيده إلى أقاربه وأصدقائه وباليد الأخرى يحتضن يد عروسه المصُون التي ترتدي فستان زفافها الأبيض لا يظهر منها أي أنثى حتى وجهها مغطى بوشاح أبيض.
إقترب منه أخيه بإبتسامة هامساً في أذنه:
- بجولك إيه اطلع انت على أوضتك العالم ديي مهتمشيش واصل طول ما انت واجف لهم اكده.
أماء له الآخر موافقاً إياه على إقتراحه، ثم استدار وأولى ظهره للجميع وانطلق على عُشه الجديد مرفرفاً بجناحته إلي حياته الزوجية التي ستبدأ للتو فور غلقه لباب غرفتهم.
تنفس الصعداء حينما وصل إلى غرفته، لم يعد هناك المزيد وأخيراً سيمتع نظريه برؤية عروسه لطلاما تمنى رؤيتها بفروغ صبر.
خلع عبائته ووضعها أعلى الأريكة المجاورة له وأقترب بخطاه نحو تلك الهادئة التي لا يصدر منها أي صوت. تقوس ثغره بإبتسامة حماسية لأنه لم يعد يستطيع الإنتظار. رفع يده وأزاح ذلك الوشاح ليُفأجئ بزرقاوتاها تحملق به.
إتسع ثغره بإبتسامة عريضة حينما وقع بصره علي شفتيها الوردية المنتفخة وردد مبدي إعجابه بجمال خلقتها:
- بيضاء تكحلت سلبت النظر، وخديها الوردي سبحان الذي خلج.
لم يصدر منها أي ردة فعل إلى الأن، حسناً ربما منعها حيائها. رفع يده وتحسس وجهها الناعم بأنامله قائلاً:
- طلعتي كيف الجمر أحلى ما توقعت كماني، يابختي بيكي.
تفاجئ بنفورها منه وتراجعها للخلف رافعة سبابتها في وجهه معنفة إياه:
- إياك تفكر تجرب مني وإلا هموت نفسي وأجيب لك مصيبة.
إتسعت مقلتيه بصدمة جلية تشكلت على تقاسيمه من خلف تحذيراتها. حاول أن يتحلي بالصبر معللاً سبب ذعرها:
- متخافيشي أنا لا يمكن أمسك بسوء، أكيد طبعاً إنتِ كيف البنتة خايفة في ليلة زي ديي بس أني مبخوفش صدجيني.
إقترب منها محاولاً طمئنتها لكنها تراجعت بخطوات أسرع حتى لا يصل إليها محذرة إياه:
- جولتلك متجرِبش مني، خليك عِندك يا "هلال".
كز الآخر على أسنانه بغضب بدي على ملامحه وإندفع فيها عندما لم يتحمل تحذيراتها التي ليست في أوقاتها الأن:
- بجولك إيه النهاردة دخلتنا مستوعبة إنتِ يعني ايه؟ بكفياكي عاد الخبل اللي في مخك ديه وإهدي إكده عشان مطربجش حيطان الأوضة ديي عليكي.
صُعق "هلال" حينما رآها تسحب سكين من داخل فستانها. رفعته في وجهه ورددت بما يدور في عقلها:
- أني اتچوزتك عشان تچيبلي حجي من عمي، معلوم انت ابن العمدة ويدك طايلة وهتعرِف ترچع لي ورثي من نن عنيه.
ضرب "هلال" كفه على الآخر بذهول شديد، ليس بحين يسمح فيه سماع تلك الترهات الأن. أعاد تكرار محاولته معها مراراً عليطى أمل أن تستمع له:
- استهدي بالله يا ورد، ورث إيه بس في ليلة كيف الليلة ديي، النهاردة فرحنا يعني أني العريس وإنتِ العروسة وديي بداية علاجتنا يا نمشوها علي كيفنا ونتبسموا لما نفتكروها بعدين يا هتكون ليلة مطينة بطين مهتنسيهاش عمرك كلاته.
لم تهتز خصلة من "ورد" بل ثبتت أقدامها بالأرض ولم ترفع يدها من أمامه لكي يكون حصن منيع يمنعه من الإقتراب منها.
أصدر ''هلال'' صوتاً بتذمجر:
- يا صبر أيوب، إعجلي يابت الناس وفوتي الليلة على خير.
هزت "ورد" رأسها برفض وأجابته بإصرار:
- مههداشي جبل ما تاخدلي ورثي اللي عمي نهبوا مني وعيجول أنه مهيورثش بِنِتة.
أزفر الآخر أنفاسه بضجر واضح وأردف بإندفاع:
- أنا مليش صالح عاد بعمك يا ورد انتوا أهل وتصطفلوا مع بعضيكم اني مهدخلش بيناتكم.
رمقته "ورد" شزراً محاولة التقليل من شأنه:
- وأني اللي جولت ضل راجل ولا ضل..
سخرت منه مقهقهة وتابعت حديثها مضيفة:
- ديي الحيطة طلعت ليها جيمة عنيك.
ألقى "هلال" بحديثه مختصراً:
- يعني ديه أخر حديت عندك يا بت الناس؟
أماءت له مؤكدة سؤاله:
- رجوعك لورثي جصاد جربك مني!
حرك "هلال" رأسه يميناً ويساراً لاستيعابه حقيقة الأمر الأن، انسحب خارج الغرفة معلناً نهاية الحديث معها. توقفت قدميه حينما سمع نداء والدته:
- أباه! إيه اللي مخرجك في وجت كيف ديه يا ولدي وليه لساتك مبدلتش خلجاتك؟
أخذ "هلال" شهيقاً وأخرجه ببطئ لأنه لم يرتب لتلك المواجهة. نظر إليها محاولاً الهروب من نظراتها التي حتماً سيدلي بما يخفيه في جوفه أمامها.
عقدت الأخرى ما بين حاجبيها مستفسرة:
- بتفكر عاد هتجولي إيه؟ ما تنطج يواد إيه اللي مخرجك في ساعة كيف ديي؟
لم يكن أمامه سوي المواجهة لكن حتماً ليست المواجهة الحقيقة بل المزيفة. شكل إبتسامة على ثغره حتي يطمئنها وأجابها قائلاً:
- مفيش ياست الكل أني نازل أجيب مُية لأن مفيش في الأوضة.
صوبت عينيها عليه بعدم اقتناع فهي بذاتها من تممت على الطعام والشراب قبل دخولهما الغرفة. مالت برأسها للجانب مرددة بنبرتها الحادة التي يخشاها الجميع:
- بجى مفيش مُية في أوضتك؟ كانك بتستخفلني يا هلال أني بنفسي اللي متممة علي وكلك وشربك جبل ما تدخلوا الاوضة يبجي كيف؟
وقف أمامها مطأطأ الرأس، بدي كأنه أبله يبحث عن كلمات ليقنعها بها. فتح فاهه ليبدأ بالحديث الذي لا يعرف له سبيل فأنقذته هي بحديثها:
- بكفياك تفكير عاد وأخرتها مش لاجي حچة تجولها روح شوف انت رايح فين بس متعوجش.
كلماتها كانت بمثابة طوق نجاته الذي تشبث بهم وفر هارباً من أمامها، بينما نظرت الأخرى علي باب غرفته مرددة:
- عملتي في الواد إيه خلتيه يطفش من أول دجيجة.
ضربت الأرض بتلك العصا التي تناولتها من زوجها عند عودتهم للغرفة ثم تحركت عائدة إلى غرفتها، وما أن أغلقت الباب خلفها حتى أتاها سؤاله:
- ماله هلال يا نادرة خارج في ساعة كيف ديي ليه ؟
إقتربت منه بخطى ثابتة، تركت عصاه الخاصة بجوار الفراش وأجابته وهي تستلقي بجانبه:
- مخابراش بس أني مش همرر الموضوع إكده عادي لازم أعرفوا عملت فيه إيه بنت سنية ووعاك يا خليل توجفني أني مش مچوزاه عشان يتسحب في نصاص الليالي كيف الحرامية ليلة دخلته.
إستنكر "خليل" حديثها وحرك رأسه بإيماءات تدل علي رفضه التام لتدخلها بينهم وحذرها قائلاً:
- إوعاكِ انتي تدخلي بيناتهم انتي جوزتيه وخلصنا ملكيش صالح عاد بلي يوحصل.
رمقته بنظرات حادة رافضة ما يؤمرها به وأردفت بهجوم:
- لاه يا خليل لاه أني چوزته صغير عشان يتهني بشبابه مع بت صغيرة وميعملش كيف خوه اللي عنده تشجه بخنجر ولا تجيبله سيرة الچواز، أني اللي وافجت عليها من بين بنتة البلد كلاتهم بعد ما أنت عرفتني عليها يبجي تدلع وتهنن ولدي متخلهوش يهرب منيها ليلة دخلتهم، أني من الصبح بدري هدج بابهم وأطلب المراد، جبهولي كان بيها لجيت في لوع الله في سماه لكون فضحاها في البلد كلاتها.
ضرب "خليل" كفه على الأخر بغضب شديد قد تملك منه وهدر بها شزراً:
- الله الوكيل لو عملتي أي حاجة تضايج البت لأكون أني بنفسي اللي واجف جصادك البت لساتها صغيرة ويمكن خايفة وانتي داريه صوح ولدك وعمايله أكيد خافت منيه.
هدرت به متذمرة غير متقبلة إلقائه للحديث عن فلذة كبدها وصغيرها:
- أبني معيخاوفش يا خليل هو عفوي ومش كل اللي يجدر عفويته ديي وهي طلاما وافجت تبجي كنة لعيلة الجبلاوي تبجي تطاطي راسها لابني وإلا أني مش هسكت لها واصل.
رمقه "خليل" بنظرات مشتعلة وهو يومئ برأسه في حالة ذهول شديد من حديثها الذي فاجئه، هو على دراية تامة عن أولوية حبها لوالديها لكن لم يدري انها بتلك العقلية الصغيرة تجاه من يقف أمام أولادها. لم يكن ليغلق ذلك الحوار قبل أن يضع النقاط على الأحرف وأردف بنبرة متحشرجة:
- يا ولية إهمدي، بوها موصيني عليها جبل ما يموت يبجي نعاملوها بالجسوة دي؟ فين إحترام الوصية ولا نسيتي تجاليدنا يا نادرة عشان خاطر عيون سي هلال!
تأففت السيدة "نادرة" بصوت مرتفع مبدية تذمرها كما رفعت إحدي حاجبها بتهكم لحديثه الذي ليس له أساس من الصحة معارضة إياه:
- وصاك كيف بالله عليك وهو كان حتة عامل في أرضك لا فيه جرابة بينا ولا بيناتكم أي حديت سابج؟
أجابها وهو يعيد بذاكرته أخر حوار دار بينهم:
- الله يرحمه أخر أيامه كان على طول تعبان ومش جادر يصلب طوله كيف العجوز مع أنه مش كابير في العمر، لاحظت تغيره وسألته إيه اللي غير أحوالك يا صابر رد جالي أنه المرض اللي ما يتسمي ديه اتملك منيه وملوش علاچ ويدوبك أيام جليلة وعمره ينتهي، هو موصانيش مباشر بس حديته كله كان بيستنچد بحد يغيته من أخوه وعمايله، جعد كيف الحريم يولول على حال بته ومرته من بعده، كانه بيقولي خليهم أمانة عنديك يابا خليل وعشان إكده أني طلبت نجوزها لهلال لما لجيتك بدوري له على عروسة.
قلبت "نادرة" عينيها بعدم إعجاب ورددت مستهتره أهمية حديثه:
- ميهمنيش، كل اللي يهمني عيالي وبس.
أوصد "خليل" عينيه بنفاذ صبر وأردف بنبرة يريد بها الخلاص من ذلك الحوار العقيم الذي لا فائدة منه:
- أنا عارفك لما تجفلي مخك، جفلة ولا السد العالي لايمكن يتفتح إلا في معاده.
أولاها ظهره وأغمض عينيه في محاولة منه على النعاس قبل أن تشتعل مشادة قوية بينهم هاتفاً بحنق:
- أهاه وأدي نومة.
رمقته بغيظ عارم مرسوم علي تقاسميها مستاءة منه:
- نام ياخويا نام.
أدارت ظهرها هي الأخري له متمتمة بإصرار علي ما نوت فعله:
- بكرة هيظهر المتسخبي.
أخذت تزفر أنفاسها ببطئ شديد وكانت تلك طريقتها لتنعم بالنوم الهادئ بكل سهولة.
***
عقد ما بين حاجبيه متعجباً من وقوف أخيه في ردهة السرايا في تلك الأثناء، لم يتردد في النزول إليه حتماً هناك تفسير منطقي لوجوده خارج غرفته في تلك الليلة المباركة التي ينتظرها العريس بفروغ صبر.
- مالك يا خوي واجف الساعة ديي برا الدار ليه؟
أردفهم متسائلاً بقلق معانق للإهتمام. أغمض "هلال " عينيه بضيق فتلك هي ليلته الأولي مع عروسه بالله ماذا يفعل الأن في تلك الردهة التي تطبق علي صدره رغم اتساع مساحتها. أخذ يلهو بحديثه لكي يبعد أخيه عن سؤاله:
- لساك صاحي! غريبة ده أنت بتنام من العشيةً.
ضيق مقلتيه علي أخيه عندما استشف هروبه من سؤاله، إحترم خصوصيته في عدم إخباره بحقيقة الأمر وأجابه موضحاً:
- بكرة إجازة حلاوة فرحتنا بيك.
أماء "هلال" رأسه متفهماً وهتف وهو ينوي الرحيل:
- أه جولتلي، طيب تصبح علي خير ياخوي.
تركه واقفاً بمفرده وعاد للداخل وهو يرمق الطابق العلوي بسودتاه، لا يعي كيفية مواجهة تلك الفتاة العنيدة. شهيق وزفير فعل هو ثم صعد للأعلي غير مستعد لخلق أي حوار بينهما بعد أن منعته من خوض تجربته الأولي معها.
ولج داخل غرفته متعمد عدم النظر إليها، لكنه فوجئ بعدم وجودها في الغرفة، ازدادت نبضات قلبه خوفاً خشية هروبها فالذي عاشه منذ قليل لن يكون بعيداً لمحاولاتها في الهرب.
بحث عنها في أرجاء الغرفة ولم يكن أمامه سوي الدخول والبحث عنها في المرحاض. تنهد ببعض الراحة عندما وجد بابه مغلق من الداخل، إذاً هي من أوصدته، لا يهم الأهم الأن أنها لم تهرب وتفتح أبواب جهنم في وجهه.
خلع عبائته ومن ثم جلبابه واكتفي ببنطاله الابيض وصدريته الخاصة بالجلباب. استلقي على الفراش واضع ذراعيه أسفل رأسه محملقاً في سقف الغرفة عله يصل إلى فكرة ما تقربه من ذات الزرقاوتين.
في الخارج:
- محتاچ حاجة يا مصطفي يا ولدي.
أردفهم شيخ الغفر متسائلاً بإهتمام ممزوج بالقلق لأنه يعلم جيداً موعد نومه المبكر. استدار إليه "مصطفي" مشكلاً إبتسامة علي ثغره وأجابه:
- لاه يا عسران متشكر أني مش محتاچ حاچة هطلع أنام تصبح علي خير.
عاد إلى غرفته وأستلقي على فراشه غير أبِه لأي شئ فالغد إجازة من العمل ولن يستيقظ باكراً كعادته.
***
سبحان من أشرقت الشمس بقدرته وملئت الأرض بنورها ودفئها، زقزقت العصافير فوق الأشجار معلنة عن نهار أخر يحمل للجميع أقدار جديدة.
صدح صوتها في أرجاء السرايا تأمر خادمتها لتسرع من حركتها:
- همي يابت يا صفية نطلعوا الفطور وهو سخن إكده.
خرجت "صفية" من المطبخ حاملة صنية الطعام الذي لا تدري أين بدايتها من نهايتها ملبية أمرها:
- جيت أهو ياستي.
صعدت "نادرة" درجتين من السُلم قبل أن يناديها زوجها فتوفقت ونظرت إليه في انتظار سماع ما يريده. وقف "خليل" أمام السُلم من الأسفل ورفع نظره نحوها متابعاً حديثه بحدة:
- إنتِ بردك هتعملي اللي على كيفك وتصحيهم، ياست انتي إختشي وحسي على دمك، همليهم لحالهم يصحوا إبراحتهم.
أضاقت مقليتها عليه بغيظ عارم رافضة لحديثه وهتفت مبررة تصرفاتها الغير منطقية:
- أني هوصلهم الوكل وننزلوا طوالي.
أولاته ظهرها ما إن أنهت جملتها لكي تمنع أي إعتراض ستواجهه منه، وقفت أمام باب الغرفة ولم تتردد في الطرق عليه. كانت تقف كمن يقف علي جمر متقد، لا تطيق الإنتظار تريد الدخول ومعرفة ما حدث ليلة أمس، هل سارت علي النهج المعروف أم هناك أمراً تجهله؟
استيقظ "هلال" علي طرقات الباب، مال برأسه إلي الجانبين مصدراً صوت طقطقة عنقه، نهض من مكانه وتوجه إلى الباب مباشرةً، تفاجئ بوجود والدته وخلفها تقف "صفية" حاملة للطعام.
تعالت الزغاريد في المكان من قِبل "صفية" عندما رأت هلال مهللة بسعادة:
- صباحية مباركة يا عريس.
لوهلة إستوعب "هلال" فداحة ما اقترفه، فهو لم ينتبه لثيابه الذي بات عليها كما أن الأخري لم تبرح المرحاض منذ البارحة يا لها من ورطة قد أوقع نفسه بها. رمقته "نادرة" بتفحص وأمرت صفية "قائلة":
- دخلي الوكل يا صفية چوا وهملينا لحالنا.
أماءت لها بقبول وفعلت ما أمرتها به وهمت بمغادرة الغرفة سريعاً، انتظر "هلال" مغادرة والدته لكنه تفاجئ بعينيها ترمقان الغرفة بتفحص. حمحم ليجذب انتباهها هاتفاً:
- صباح الخير ياما.
ثبتت أنظارها عليه مُشكلة إبتسامة متهكمة علي ثغرها وأجابته بفتور:
- صباح الخير يا ولدي، فينها عروستك مش ظاهرة ليه؟
ابتلع "هلال" لعابه وهرب من نظراتها الثاقبة بدخوله الغرفة ثم قال:
- في الحمام ياما لساتها داخلة وانتوا عتخبطوا مخابرش هتخرج ميتي.
رفعت "نادرة" إحدى حاجبيها متمتمة بعدم إقتناع:
- ااه جولتلي، لا إبراحتها خالص ديي عروسة بردك ومن حجها تدلع.
مدت يدها أمامه منتظرة إعطائها المراد التي جائت من أجله، ظهوره سيحدد أسلوب المعاملة مع تلك العروس. هز "هلال" رأسه بعدم فهم عندما نظر إلى يدها الممدودة إليه مستفسراً:
- محتاچة حاچة ياما؟
رمقته بطرف عينيها مستاءة من سذاجته، سحبت نفساً وحدثته في أذنه، رُسمت الدهشة تلقائياً على ملامح "هلال" لسماعه تلك الترهات والأدهي أنه لم يخطر على باله قط إذاً ما العمل الأن؟
حاول أن يلهيها ويبعدها عن طلبها بإندفاعه ورفضه للأمر:
- إيه اللي عتطلبيه ديه ياما؟!
شهقت "نادرة" بصوت عالٍ ضاربة صدرها بيدها وهدرت به شزراً:
- وااه كانك متعرِفش أعرافنا وتجاليدنا إياك؟ أومال لو مكنتش معجون بتربية البلد ديي كنت هتعملوا ايه؟ نادي على عروستك وانا أطلبو منيها بنفسي طلاما مستحي تطلبه إنت.
أسرع "هلال" في الرد عليها رافضاً لتلك التقاليد والأعراف المهينة:
- ياما بلاها الطلب دييه البت هتستحي منيكي.
رمقته "نادرة" لثوانٍ ثم توجهت نحو المرحاض لكي تنهي تلك المسألة بذاتها، ركض خلفها "هلال" يحاول منعها مما تريد الوصول إليه لكن هيهات لإصرار "نادرة" فهي لن تتراجع قبل أن تري المراد رؤيته.
تفاجئ كليهما بفتح باب المرحاض وظهور "ورد" من خلفه، تراجع "هلال" للخلف وهو يشير إليها بنظراته التي تحثها على عدم التحدث وإخبار والدته بحقيقة الأمر.
لم تكترث "ورد" لنظراته ووجهت بصرها الي نادرة مُشكلة إبتسامة ودودة على شفتيها قائلة بلطافة:
- صباح الخير يا ست نادرة.
بادلتها "نادرة" إبتسامة متهكمة فهي لم تعد تستطيع تحمل تلك السخافات بعد، كانت ستطالبها بما طالبت به هلال لكن ورد فاجئتها بتلك المنشفة الملطخة بالدماء.
لم تكن "نادرة" من تفاجئت بمفردها بل تفاجئ "هلال" هو الآخر بل وصعق، لمن تعود تلك الدماء إذا لم يحدث بينهما شئ؟!
ظل عقله في الذهاب والإياب لعله يصل إلى فكرة جذرية حول تصرف "ورد" لكنه فشل ولم يستطع الوصول إلى أي فكرة.
اتسع ثغر "نادرة" بإبتسامة عريضة تدل على رضاها الكامل عن العروس الجديدة، أخذت منها المنشفة ودلفت خارج الغرفة مهللة بالزغاريد التي جمعت كل من في السرايا إثرها متسائلين عما يحدث حتى تزغرد سيدة السرايا بذاتها.
هبطت "نادرة" أمرة شيخ الغفر بحماس شديد:
- اضربوا نار يا شيخ الغفر، سمعوا أهل البلد كلاتهم أن المراد خلاص حوصل.
أماء لها شيخ الغفر بقبول مردداً:
- أمرك ياستي الحاچة.
دلف خارج السرايا مهللاً بنبرة مرتفعة حتى يسمعه جميع الرجال المحاوطين للسرايا:
- أضرب نار يا وِلد منك ليه.
إرتفعت أصوات النيران في الخارج ليبلغوا أهل القرية بإتمام زيجة "هلال" من عروسه، وقفت "نادرة" في منتصف السرايا تتمايل وتتغنج بسعادة واضحة للجميع، كما لم تتوقف الزغاريد منذ هطول السيدة "نادرة" من الأعلى بأمر منها.
وقف "هلال" في شرفة غرفته يطالع ما يحدث باستنكار شديد داخله، فكل ما يحدث ماهو إلا أكذوبة إفتعلتها تلك الفتاة. سحب نفساً داخله وأزفره وهو يعود بأدراجه إليها، وقف أمامها يطالعها بإسيتاء لتصرفها وسألها بنبرة مندفعة:
- ممكن أعرف اتصرفتي كيف؟ طلع منين الدم ديه؟
رمقته "ورد" بأعين تتلالأ فيهم العبرات التي تتهدد بالسقوط. إبتعدت عنه وجلست أعلى الفراش ممددة ساقها اليسري أمامها ثم سحبت ثوبها القطني إلى الأعلي حيث تفاجئ "هلال" ببقعة الدماء التي تتوسط منشفة محاوطة فخذها.
جهشت في البكاء بألم شديد شعرت به ما أن أزاحت المنشفة من عليها، شهق "هلال" بصدمة عندما رأي عُمق الجرح التي إفتعلته هي، ركض نحوها معنفاً إياها:
- ليه إكده يابنت الحلال ليه تعملي في نفسك إكده.
أجابته من بين بكائها بنبرة متحشرجة:
- كنت رايدني اأعملوا إيه وأمك عتسألك فين المراد؟
حرك رأسه مستنكراً تصرفها الأرعن وهتف عالياً:
- وليه يوحصل كل ديه من أساسه ليه تمنعي نفسك عني ده أني چوزك حلالك ليه تمنعي اللي ربنا أمر بيه ونوصله للوضع اللي وجعنا فيه دييه.
ضغطت ورد أعلى جرحها ربما تشعر بالقليل من الراحة وأردفت موضحة سبب امتناعها عنه:
- عايزاك تردلي حجي لاول وبعدها تاخد عمري كلاته مش هرفضك بس أنت رچعهولي أحب على يدك.
نهض من مكانه غير آبِه لهرائتها التي ليست في محلها الآن وردد بأمر:
- جومي نروحوا المستوصف جرحك عايزله خياطة.
رمقته "ورد" بملامح تعكس مدي الألم التي تشعر به قائلة:
- هنجولوا ليهم ايه؟ أكيد مهتخبرهمش الحجيجة.
رد عليها "هلال" وهو يسحب جلبابه من على الأريكة:
- مش مهم إيه اللي هيتجال المهم نلحجوا المصيبة اللي إنتِ عملتيها ديي.
أنهي ارتدائه سريعاً وعاد إليها، أحضر لها وشاحها وحرص على ألا يلمس جرحها وهو يساعدها في إرتدائها للثياب. تعلقت هي في ذراعه ودلف كليهما إلى الخارج.
تعجبت "نادرة" من نزولهما وشعرت أن هناك ثمة أمراً عندما رأت ثيابهم التي تدل على خروجهم من السرايا. إقتربت منهم عاقدة حاجبيها متسائلة بحدة:
- على فين العزم؟ لساتكم عرسان ملكوش خروج.
رد عليها "هلال" بنبرة غير قابلة للنقاش موضحاً:
- ورد بتنزف لازم نروحوا المستوصف حالاً، خلي عسران يجهز العربية بسرعة.
لم تتحرك "نادرة" من مكانها بل نادت بصوت عالٍ:
- بت يا صفية إنتِ يا بت.
جائتها تلهث بسبب ركضها فأمرتها قائلة:
- إطلعي خبري سيدك مصطفي ينزل طوالي، جوام يابت.
تبادلا هلال وورد النظرات بينهما ثم تجرأ "هلال" وسأل والدته عن سبب منادتها لأخيه:
- عتـنادي علي مصطفي ليه، أني هروح مع عسران.
ضربت السيدة "نادرة" على صدرها مستاءة وهتفت بحنق:
- يادي الفاضيحة عسران إيه اللي ياجي معاكم في وضع كيف ديه، خوك سترك يا ولدي.
تأفف "هلال" بتزمجر لا يطيق الإنتظار حتى يصل إلى المشفي لينقذ ما يمكن إنقاذه، كان ينفخ بنفاذ صبر حينما تضغط ورد على ذراعه بألم لا يمكنها البوح عنه. تحملت وتحملت إلى أن وصل أخيراً مصطفي يهرول بقلق قد إنتابه من خلف لهفة صفية في حديثها. مرر أنظاره بين الجميع وتسائل في قلق:
- في إيه ياما حوصل حاچة؟
هلال منع والدته من الهراء التي سوف تختلقه الأن وأجابه بنبرة تريد اللحاق بتلك المسكينة التي تتألم في صمت:
- هنروحوا المستوصف ورد بتنزف.
رمقته "نادرة" شزراً ومن ثم هتفت ونظرها يتابع خروجهم من السرايا:
- ابجوا طمنوني يولاد.
جهز "مصطفي" السيارة وقادها بسرعة عالية ما أن أستلقي أخيه وزوجته في الخلف، كان يظهر منها أنين مكتوم من حين لآخر حينما لا تستطيع تحمل الألم بينما كان يرتجف قلب "هلال" كلما تذكر عُمق جرحها.
أوصد عينيه في محاولة منه على إلقاء تلك الذِكرة خارج عقله لكنه كان يفشل كلما شعر بألامها التي تحاول إخفائهم، وصلا إلى المشفى في وقت قياسي، ترجل ثلاثتهم وتحركوا بخطي سريعة داخل المشفي، نادي "هلال" بنبرة جهورية عند وصولهم إلى الإستقبال:
- داكتورة يا ناس يلي هنا داكتورة بسرعة الله لا يسيئكم.
حاول "مصطفي" أن يهدئ من روع أخيه قائلاً:
- إعدي يا هلال الخلج عيتفرجوا علينا.
لم يكترث الآخر لحديثه وضرب بيده على الحاجز الذي بينه وبين موظف الاستقبال معنفاً إياه بحنق:
- مستني إيه بجولك إطلب داكتورة تاجي إهنه.
موظف الإستقبال أماء برأسه وسأله بعملية:
- داكتورة تخصص إيه يا فندم؟
رد عليه بنبرة ملهوفه:
- چراحة!!
حرك الموظف رأسه حينما فهم طلبه وأحضر له طبيبة جراحية، وقف "مصطفي" مستنداً على الحائط المقابل لتلك الغرفة التي أختفي خلف بابها هلال بمرافقة زوجته وطلب أخيه يتردد في عقله، علي قدر علمه بأنه فمن المفترض أن يطلب طبيبة نسائية وليست تخصص جراحة، حرك رأسه يميناً ويساراً يطرد كل أفكاره التي لا داعي لها، عدل من وقفته يتابع المارة في إنتظار خروج أخيه.
***
داخل الغرفة، قامت الطبيبة بما يلزم فعله ثم نهضت متمنية لها الشفاء العاجل وغادرت الغرفة، نظر "هلال" لتلك الزرقاوتين التي ينسدل منهما الدموع معاتباً بلطف:
- إوعديني متتصرفيش من راسك تاني يا ورد أني مهتحملش يصيبك مكروه.
رفعت نظرها عليه متمتمة بسؤال يتردد داخل عقلها:
- ليه مهتتحملش، لساتك شايفني إمبارح لحجت تحبني؟
عاتبها بنظراته ومن ثم جلس مقابلها وأوضح قائلاً:
- إنتِ مرتي يعني واجب عليا أخاف عليكي حتى لو كنتي رفضاني.
أخفضت ورد رأسها كما أوصدت عينيها بتعب وأردفت بنبرة منهمكة:
- أني مش رفضاك أني رايدة حجي وبس.
وضع "هلال" أصابعه على ذقنها رافعاً وجهها نحوه وأجابها مستاءً:
- وهـو حجك مهيجيش إلا برفضك ليا؟
أماءت برأسها وهتفت مؤكدة حديثه:
- أيوة ، أنت وجت ما هتاخد غرضك من الچوازة ديي هتهمل الموضوع.
تفاجئ الآخر من عقليتها المغلقة، ضرب كف على الآخر مستاءً وردد معارضاً تفكيرها الساذج:
- مخبولة في عجلك إياك، أني متچوز عشان واحدة تشاركيني حياتي وأشاركها حياتها بمشاكلها بكل بلاويها تجومي تجولي إكده أنا بجول تجفلي الخشم ديه أحسن.
إنتفض من مكانه بذهن مشغول بحديثها الذي أثر فيه وسبب له الضيق، هتف وبصره بعيداً عنها لا يريد رؤيتها الأن:
- هطلعوا أجيب العلاج والضمادات ديي عشان مناچيش إهنه تاني متخرجيش برا الأوضة.
أماءت له بالموافقة فأسرع هو الى الخارج دون أن ينظر خلفه، إقترب منه "مصطفي" ما أن وقع بصره عليه وسأله باهتمام:
- إيه الاخبار يا خوي؟
تنهد "هلال" بضجر بائن على تقاسيمه وأجابه مختصراً:
- خير إن شاء الله.
صمت لبرهة ثم أضاف:
- هجيب العلاج ديه وأعاود طوالي.
رفض "مصطفي" الوقوف بمفرده وصمم أن يرافقه إلى حيث يذهب. لم يستطيع أن يكتم ذلك الحديث الذي يود الإفصاح عنه وسأله بحدة:
- ليه توصلها للحالة ديي غشيم إياك؟
توقف "هلال" فجاءة ومال برأسه للجانب غير مصدق ما تفوه به أخيه للتو، لوهلة كان سيفصح عن حقيقة الأمر لكنه تراجع في أخر لحظة وأردف بجمود:
- أديك جولتها، غشيم!
أنهي "هلال" جملته وتابع سيره حيث ''أجزخانة'' المشفى، عاد إلى ورد بعد دقائق معدودة وغادر ثلاثتهم المشفى عائدين إلى السرايا. أسندت "ورد" رأسها على نافذة السيارة تتمني مرور تلك الأزمات التي لا تنتهي أبدا منذ وفاة والدها بينما لم يبعد "هلال" نظره عنها على الرغم من أنه لم يستطيع رؤيتها بوضوح بسب ذلك الوشاح الذي يغطيها بالكامل إلا أنه يكتفي بسكونها التي تعيشه الآن.
***
أوقف "مصطفي" سيارته أمام باب السرايا، ترجل هلال وفتح الباب المجاور لورد كما ساعدها على النزول. دخلا إلى السرايا وتفاجئ بحضور جميع عائلة ورد.
نظر إليها نظرة مطولة إستشف عدم قبولها لتلك الزيارة حينما لم تخطوا خطوة واحدة إلى الداخل بعد أن رأتهم. هرولت السيدة "سنية" إلى إبنتها بقلق عارم مرسوم على ملامحها وسألتها بنبرة تهدد بالبكاء:
- مالك يابتي فيكي إيه انطجي؟
حاول "هلال" طمئنتها بحديثه:
- متجلجيش يا خالة هي كويسة.
إنحني عليها هامساً:
- ياريت نتكلموا فوج بعيد عن العيون اللي هتطلع علينا ديي.
أومات سنية بقبول ومن ثم توقفت جانباً لتسمح لهم بالمرور. اقتربت منها بنظرات متشفية مُشكلة إبتسامة عريضة على شفتيها الغليظة. إنحنت بقرب أذنها وهمست:
- مش كد الجواز بتتجوزي ليه؟
قلبت "ورد" عينيها بضيق شديد لتلك البغيضة التي لا تروق لها وأجابتها بنبرة صارمة:
- أنتِ اللي مش كده يا بنت عمي مش أني والدليل إني وافقة في سراية إبن العمدة اللي هو نفسيه چوزي وأنتِ لساتك في بيت بوكي ولا أنتِ اتعميتي يا صباح؟
رمقها بنظرات مشتعلة ودت لو تحرقها وتنفيها من على الأرض عامة لعل حينذاك تشعر ببعض الراحة. مرت "ورد" من جانبها متعمدة خبطها في كتفها بإزدراء.
تحدث عمها متسائلاً بإهتمام زائف:
- أخبارك ايه يابتي إن شالله تكوني بخير.
رمقته "ورد" بكُره شديد وأختصرت حديثها معه:
- بخير.
هلتلت زوجة عمها متصنعة الخوف:
- جلبنا وجع في رجلينا أول ما الست نادرة خبرتنا أنكم في المستوصف حمد لله علي سلامتك يا حبيبتي.
ردت عليها "ورد" بنبرة جامدة:
- أني بخير بس محتاچة أرتاح وهبجي زي الفل عن إذنكم.
هتفت بهم معلنة إنتهاء الحوار بينهم ومن ثم صعدت الأدراج سريعاً على الرغم من الألم التي شعرت به بسبب حركتها العفوية التي أثرت على جرحها إلا أنها لم تبالي، فقط تريد الهروب من الجميع وأخيراً أستلقت على الفراش بعدما ألقت بوشاحها بعيداً.
أخرجت تنهيدة متعبة كما أوصدت عينيها تستكين بعض الوقت لعل ألم جرحها يهدأ قليلاً، لم تفرح طويلاً فطرقات الباب لم تتركها وشأنها، أعتدلت في جلستها سامحة للطارق بالدخول قائلة:
- أدخل.
ظهرت والدتها من خلف الباب بملامح حزينة، أغلقت الباب وأقتربت بخطاها منها، لم تستطع سؤالها عن ما حدث فقط هي تحمل ذاتها ما حدث لها فهي من أجبرتها على الزواج منه.
تنهدت بصوت عالٍ ظاهرة مدي ندمها، أستشفت ورد ما خلف تلك التنهيدة وحاولت طمئنتها:
- متخافيش ياما أنا زينة نحمدوا ربنا.
ترقرقت العبرات في عيناي السيدة "سنية" ولم تكف عن إيلام ذاتها:
- أني السبب، أني اللي فضلت وراكي عشان توافجي عليه وأدي أخرتها وداكي المستوصف من تاني يوم مني لله على اللي عملته فيكي سامحيني يابتي.
إستنكرت ورد حديثها ومعاتبتها المستمرة، رفضت سماع المزيد من كلماتها التي ينفطر قلبها ألماً إثرها مرددة:
- ياما هو ملوش ذنب هلال حنين جوي واحد غيره مكنش عاملني بالحنية ديي بعد ما رفضت أنه يجرب مني.
توقفت "سنية" عن النواح وصوبت بصرها على ورد متسائلة بعدم استعياب:
- كيف يعني مجربش منك؟
شهيق وزفير فعلت "ورد" لكي تواصل الحديث رغم إرهاقها البادي على ملامحها وكذلك نبرتها التي خرجت متحشرجة:
- أني جولتله يرجع لي ورثي اللي عمي ناهبوا جصاد جُربه مني.
ضربت "سنية" على صدرها غير مصدقة ما أخبرتها به "ورد" للتو، حملقت بها لبرهة ثم أردفت معاتبة:
- أني خليتك توافجي عليه عشان تخلصي من ظلم عمك وجرف مرته وبته لكن بلي بتعمليه دييه كانك بتقولي للجرف اتوحشتك وكلها أيام وعاود لك تاني، يابتي طلاما الواد حنين حابي عليه بكفيانا ظلم وجهرة وحجنا عند اللي خلجنا لو مخدنهوش في الدنيا هناخده في الأخرة.
حركت "ورد" رأسها برفض شديد وصاحت بحنق:
- أني مهرتاحش واصل إلا لما أطمن على أرضي إنها رجعت لي وأطمِن أبويا في تُربته وأجوله خلفت اللي يرد لك حجك يا بوي حتي لو كان تمنه حياتي.
هدرت بها "سنية" شزراً:
- يابتي بلاش تفكيرك اللي هيودي في داهية دييه الله لا يسيئك ركزي في حياتك مع چوزك ومتمنعيش نفسك منيه حرام يابتي الملايكة تلعنك لما ترفضي تعطيه حجوجه إرجعي لعجلك يا ورد وعيشي حياتك يابتي وهملي كل اللي فات ورا ضهرك.
تأففت "ورد" لأنها لم تقتنع بحديث والدتها وأصرت على إتمام ما بدأته هاتفة بعناد:
- والله لأجلعهم من عنيه التنين هو والعجربة مرته اللي ماشي على كيفها كانه نسي أنه راچل له هيبته وكلمته.
لم تعرف السيدة "سنية" للحديث سبيل بعدما حاولت تحذيرها بشتي الطرق وبائت محاولاتها بالفشل الذريع، كادت أن تهم بالمغادرة لكنها تراجعت وسألتها مستفسرة:
- على إكده كنتي في المستوصف بتعملي إييه؟
رفعت ورد نظرها على والدتها وأجابتها بفتور:
- متشغليش عجلك انتي ياما.
إستأذنت "سنية" بعدما أصرت ورد بعدم إخبارها بالحقيقة وغادرت الغرفة سريعاً لكي يعود هلال إلى جانب زوجته لعله ينجح فيما فشلت هي فيه، لا تعلم أن هلال يحاول هو الآخر من الجهة الأخري حتى يرضيها وتسمح له في بدأ حياة جديدة معها.
طلب "هلال" من "حمدان" عم ورد أن يحادثه على إنفراد، لبي حمدان طلبه وخرج خلفه بخطى ثابتة. أخذ هلال نفساً عميقاً حتى يستطيع فتح الحوار معه بسهولة. حمحم وإبتلع ريقه في محاولة منه أن يخرج مافي جوفه لكنه يقابل صعوبة في الحديث كلما حاول التحدث وكأن الكلمات انحشرت داخله.
قهقه "حمدان" عالياً على إرتباكه الواضح وردد ساخراً:
- إيه يا عريس رايد تجول إيه وصعب عليك بالشكل ديه؟
تقوس ثغر "هلال" إلى الجانب مشكلاً إبتسامة خجولة، لا مفر من الحديث في ذلك الموضوع الذي أخذ عليطى نفسه عهداً بأن يتممه من أجل ذات الزرقاوتين. لم يطيل أكثر وألقي بحديثه في الوسط:
- ورد طالبة ورثها من أبوها وموكلاني أتحدت معاك.
تفاجئ هلال بقهقه "حمدان" التي إرتفع صداها في الأرجاء، توقع منه أن يثور مثلاً أو يستنكر حديثه في ذلك الأمر العائلي وفي النهاية سيكون أفضل من ضحكاته المبهمة التي لا معني لها.
توقف "حمدان" عن الضحك فجاءةً وسحب من جيب جلبابه سلاحه الخاص وصوبه في وجه "هلال" الذي هربت الدماء من وجهه خوفاً من تهور الأخر.
ضغط "حمدان" على زناد المسدس هاتفاً من بين أسنانه المتلاحمة:
- ...................
رواية عرف صعيدي الفصل الثاني 2 - بقلم تسنيم المرشدي
هرول الجميع إلى الخارج إثر صوت إطلاق النيران.
لكن وصول عسران ورجاله كان أسرع.
وقف جميع الرجال حول حمدان وهلال.
صدح صوت عسران في المكان متسائلاً:
- مين اللي ضرب نار إهنه؟
أجابه حمدان وهو يطالع هلال بإبتسامة سمجة يتوعد له من خلف نظراته:
- بوجب مع ناسيبي.
إرتخت ملامح الجميع براحة.
أقترب حمدان من هلال وربت على ظهره متصنع الود وهمس في أذنه من بين أسنانه المتلاحمة:
- چرب تعيد اللي جولته ديه تاني وأني مش هتردد أطخك عيارين واحد في جلبك والتاني في مخك الزنخ اللي مهيفهمش الحديت صوح.
أبتعد عنه حمدان مشكلاً بسمة زائفة على محياه.
أستدار وطالع أهل بيته قائلاً:
- يلا بينا يا چماعة ملوش لزوم جعادنا إهنه طلاما إطمنا علي العرسان.
إنسحبت ثريا خلف زوجها وكذلك تبعتهم سنية.
بينما انتظرت صباح خروج والديها وسارت بإتجاه مصطفي مرددة بإبتسامة خجولة:
- عجبال ما نفرحوا بيك يا سي مصطفى.
طالعها مصطفى متعجباً من حديثها معه وردد مختصراً الحوار معها:
- تسلمي، إلحجي بوك أصل يهملك لحالك إهنه.
تركها بمفردها وغادر دون زيادة في الحديث.
أقتربت منها نادرة حينما رأت حوارها مع مصطفى.
أيعقل أن تلك الفتاة هي من أوقعت بشباك عقل الحجر ولدها؟
إبتسمت وأردفت وهي تطالعها بتفحص فهي متحررة الثياب عكس ورد تماماً لا تشبهها من بعيد ولا من قريب:
- عجبال ما يزروكي أكده في بيت العدل إن شالله يارب.
تشكلت بسمة عريضة على محياها مرددة بسعادة:
- يارب يا ست نادرة تسلميلي.
رددت الأخري بحماس وهي تمعن النظر بها جيداً:
- جُريب يابتي هنفرحوا بيكي.
دقت طبول السعادة قلب صباح وهللت عالياً بنبرة حماسية:
- يسمع من بوجك ربنا، عن إذنك هحلج بوي جبل ما يحس إني مش معاهم.
- العوافي عليكم.
قالتها نادرة وهي تلوح بيدها مودعة إياها ثم ولجت داخل السرايا بعدما تأكدت من مغادرة صباح.
لم تنتظر أكثر وصعدت إلى الأعلى حيث غرفة مصطفي.
طرقت على الباب بخفة ثم ولجت إلى الداخل قبل أن يسمح لها.
تعجب مصطفى من دخول والدته بتلك الطريقة وعلم أن هناك ثمة أمراً ما ستتحدث به وتمني بألا يكون الأمر ذاته.
جلست أمامه على الفراش وداعبت الغطاء بأناملها لبرهة تفكر فيما ستخبره به.
أماء مصطفي برأسه لأنه على علم بما يدور في عقلها.
تنهد وأردف هو بنفاذ صبر:
- الله لا يسيئك ياما لو الموضوع نفسه بلاها حديت فيه أني مناجصش خوتة.
رفعت حاجبيها مستنكرة رفضه للحديث وهاجمته بحدة ربما تعلم ما خلف ذلك الرفض:
- هو الجواز بجا خوتة؟ الجواز عزوة منفسكش في عيل يجولك يا بوي ويجننك بعمايله؟
أعتدل في جلسته وردد وهو يطالعها بأعين يتجلي فيهما الرفض:
- أني مهتجوزشي بالطريجة بتاعتكم ديي واصل، مش بطيخة هي ونصيبي يطلع كيف ما يطلع إما حمرة وإما جارعة وأني المفروض أرضي، جفلي على السيرة اللي تفور الدم ديي.
حاولت نادرة التحلي بالصبر قدر الإمكان لعلها تصل إلى بر معه في ذلك الحوار.
تحدثت مباشرةً دون داعي لتلفيق الكلمات لكي تصل إلى مرداها من الحديث:
- عُرفنا يا ولدي أكده عُرف عيلة الجبلاوي إن مفيش راجل في العيلة يشوف مرته غير يوم دخلته عليها عشان ميتلعبش ببنات الناس يا ولدي.
صمت كليهما لبرهة فقطعت ذاك الصمت نادرة مضيفة:
- بس أنت لو شاورت لي على واحدة تكون عجباك صدجني هعملوا المستحيل وأجوزهالك بس أنت شاور.
أغمض مصطفي عينيه غير متقبل حديثها.
حسناً، لا مفر منه قبل أن ينهيه هو على طريقته الخاصة.
فتح عينيه ورمقها بسودتاه وأردف بنبرة هادئة لا تشبهه قط:
- وجت ما تعجبني واحدة هاجي أجولك جوزهالي يا نادرة، تمام إكده؟
ضحكت الأخري ببلاهة ورددت برضاء كامل:
- تمام يا جلب أمك تمام.
نهضت وتوجهت نحو الباب لكنها توقفت وإستدارت إليه مرة أخري وأردفت أخر ما تبقي في جوفها:
- يعني منكلموش حمدان ونطلبوا يد صباح؟
إتسعت مقلتي مصطفى على آخرهم بدهشة.
لم يستطيع التحدث دون أن يقف قبالتها لكي يفرغ صدمته في هرائها:
- صباح!! صباح ديي لو أخر بنتة البلد لايمكن أبصلها واصل، مش اتجوزها! إوعي من وشي ياما فورتيلي دمي.
مر بجوارها وهو لا يري أمامه بعدما نجحت في إخراجه عن هدوئه لطالما تحلى به منذ ولوجها.
فر هارباً إلى عمله لعله يفرغ شحنته في الأرض.
كان مخطئ عندما صغى لوالده وأخذ إجازة اليوم.
حركت نادرة رأسها عفوياً معه إلى أن غادر السرايا بأكملها.
نفخت بضجر واضح وتمتمت بحنق:
- أباي منك مش بعرف ألين دماغك واصل ولا جدك أبو بوك في زمانه.
أنهت جُملتها وهبطت إلى الأسفل لكي تضع قائمة طعام لليوم لخادمتها ومساعدتيها.
***
دخل الغرفة بذهن شارد منهمراً بين أفكاره التي لا تصل إلى حل قط.
لاحظت ورد غياب عقله وسألته بفضول:
- ها اتحدت مع عمي؟
صوب هلال بصره عليها وهو لا يدري بما سيخبرها.
هل يخبرها بمحاولته التي بائت بالفشل أم يخبرها بتهديد حمدان له وجنون فعلته التي مازال لم يخرج من صدمتها بعد؟
بأي حديث يخبرها أولاً؟
الحقيقة أنه لن يخبرها بكلي الأمرين.
سحب نفساً عميقاً وأجابها ببسمة يحاول إخفاء خوفه بها:
- وافج.
إنتفضت من مكانها بفرحة لم تسع قلبها ولم يصدقها عقلها.
وقفت أمامه تتأكد من حديثه متسائلة:
- احلف، جول والله.
أكتفي بإيماءة خفيفة من رأسه مؤكداً ما قاله ناهيك عن تلك الإبتسامة التى غزت شفتاه حينما رأي حماسها وسعادتها أمامه.
مد يده وتحسس وجنتها وردد باهتمام:
- لساتك موجوعة؟
تراجعت ورد للخلف حتى تمنع لمساته في الإستمرار.
تعجب هلال من إبتعادها عنه وسألها بنفاذ صبر:
- لساتك بتمنعي نفسك عني ليه عاد مش ده اللي ريداه يوحصل؟
حركت رأسها نافية حديثه وأخبرته حقيقة مرادها:
- أني جولت ترجع لي حجي واللي أنت جولته ديه لساته حديت، لما ورج الأرض يبجي في يدي وجتها تعمل اللي على كيفك.
أوصد هلال عينيه لبرهة ثم أعاد محاولته معاها لعله ينجح في تبخر عنادها:
- أنتِ تعرفي إنه حرام تتملعني عليا وتتمنعي لما أطلبك، ديه حجي يا ورد وطلاما مفيش أسباب عذرية يبجي حرام اللي عتعمليه ديه!
عقدت ورد ذراعيها بعدم رضاء للرضوخ إليه فنفخ هلال بتزمجر شديد وهو يطالع زرقاوتاها بغضب يحاول كبحه.
أولاها ظهره وتمتم بضيق:
- أباه عليكي والله ما جعدلك فيها.
انسحب للخارج ودفع الباب خلفه بكل قوته.
يريد الوصول إليها مهما كلف الأمر.
تشبهه كثيراً تلك المقولة ' الممنوع مرغوب '.
كلما إمتنعت عنه كلما زاد تمسكه بالوصول إلى ما تشتهيه نفسه.
لم يكن أمامه سوي الهروب من تلك السرايا.
إذا مكث بها أكثر من ذلك سيفتك بتلك الفتاة حتماً ولا ينظر إلى رفضها المستمر الذي يسبب جنونه.
بينما عادت ورد للإستلقاء على الفراش ترسم إسمها على أوراق الأرض الخاصة بوالدها.
ظهرت إبتسامة عريضة على ثغرها الوردي هاتفة بسعادة:
- هانت جوي وأجلعها من عنيك يا حمدان أنت ومرتك.
إبتعد هلال عن السرايا ليجمع شتات نفسه ثم يعود عندما يشعر بالتحسن القليل.
في منزل حمدان وبالتحديد غرفة الضيافة.
يصرخ على والده بعدم قبول لتلك الزيارة التي قاموا بها:
- إرتحت لما روحت شوفتها سعيدة مع جوزها! ضايجت ولدك وإرتحت يا بوي؟ يا تري جابلتكم ويدها بيده ولا نزلكم حاضنها؟ عارفه أني الواد المايع ديه.
حرك حمدان رأسه مستنكراً حديث ولده الآبله وأجابه بفتور:
- ملكش صالح عاد جابلتنا كيف، البت اتجوزت وأنت لساك عايش علي الأحلام تندبوا كيف الحريم، إسترجل يواد.
إحتدت تقاسيمه بحزن عميق وهو يطالع والده الذي لا يشعر ولو بمقدار ذرة به.
لم ينتهي الحديث إلى هنا، هناك المزيد بداخله لن يرحل قبل إلقائه في وجه والده:
- أنت كيف جاسي إكده، جولتلك أني عحب بت عمي ورايدها في الحلال توهتني عن مرادي سنين وسنين وأول ما ابن العمدة اتجدم وافجت من غير تفكير حتي وأنت عارف ان ولدك عيحبها!!
شهيق وزفير فعل حمدان ثم جلس على أقرب أريكة أمامه وهتف بحنق:
- ما انت مخك زنخ ومبتفكِرش غير في روحك وبس، بت عمك لو جوزها مات تعرف هتورثوا كام؟ متعرِفش معلوم ما أنت تفكيرك كله في المرجعة والحب والحديت الفارغ ديه.
إلتوي ثغر حمدان للجانب مشكلاً إبتسامة عريضة وأضاف بحماس:
- هيطولنا ياما يواد يا طاهر من ورا الجوازة ديي.
إتسعت مقلتي طاهر بصدمة كبيرة لم يستوعبها عقله.
فتح فاهه ببلاهة لا يصدق ما سمعه لتوه وردد دون وعي:
- هي شروة يا بوي؟ بيعتها ومستني تمنها؟ وأني المفروض أستني لما الجدر يلعب لعبته وياخد اللي ما يتسمي هلال ديه عشان ورد تعاودلي؟
نهره حمدان بصوت مرتفع:
- بكفياك عاد كلامك الماسخ ديه، هي لا كانت ولا هتكون ليك من صغرها أبوها جافل عليها ولا كنت عمرك بتتحدثت معاها ولا تلاجيك فاكرها من أساسه بس انت كيف بوك بتحب تسيطر على كل اللي حواليك.
شكل حمدان بسمة سمجة في نهاية حديثه أجبر بها طاهر على النفور من أمامه حتى لا يحدث مالا يحمد عُقباه.
هرول بعيداً عن دارهم وهو يردد كلمات والده في عقله.
كيف له أن ينساها؟
أينسي زرقاوتاها التي تأسره أسراً كلما تذكرها أم وجنتيها الوردية؟
أم شفتاها التي كانت تجبره على إطالة النظر والتمعن بها بإعجاب شديد؟
كيف له أن ينسي نبرتها المبحوحة دوماً التي تزيده رغبة فيها!!
هي أول من دق القلب لها، من نادي الفؤاد بحروف إسمها، من حُفر شكلها في أعماق عقله.
لا ولن يتراجع عن استرداد حقوقه مهما كلف الثمن.
داخل المنزل.
كانت تتابع ما يحدث في صمت وعندما رأت ولدها يفر من المنزل اقتربت من حمدان متمتمة برضاء:
- إكده تعجبني يا حمدان كبرت في نظري جوي، هكلم لك أبوي يديلك حتة الأرض اللي أنت هتموت عليها حلاوة سماعك للحديت، أنت تستاهل فدان مش أرض عشان بعدت بنت صابر ديي عن ولدي.
فغر حمدان فاهه ببلاهة مردداً بعدم تصديق بعد:
- بتكلم جاد؟
أردفت وهي توليه ظهرها ناهية الحوار:
- أني مبهزروش يا حمدان.
أوقفها حمدان بحديثه:
- الواد صعبان عليا وهو هيتشحتف على البت إكده.
حركت رأسها نحوه ونظرت إليه قائلة باختصار:
- بكرة يفوتها وينساها.
- كان أبوه جدر ينسي حب عمره اللي مطالش منيها غير حديثت بعد ٢٢ سنة.
أخرج حمدان تنهيدة حارة بعدما تمتم بهم وهو يتابع خروج ثريا من الغرفة.
نادى بصوته الخشن عالياً:
- بت يا صباح.
جائته صباح مهرولة فأمرها قائلاً:
- روحي نادي على مرت عمك وجوليلها مفيش جعاد في الدار وحديها.
أماءت له صباح بقبول ومن ثم خرجت لكي تنادي زوجة عمها كما أمرها والدها.
جائته ثريا راكضة بعدما سمعت أمر حمدان وصاحت به مندفعة:
- أنت بتجيب الولية ديي في بيتي ليه؟ ما تهملها تجعدوا مطرح ما تجعد ليه عايز تبتليني بيها من كتر حبي فيها مثلاً! أني معيزهاش في داري وأنت ودن من طين وودن من عجين كاني مش بتحدت عاد.
رمقها حمدان بنظراته الثاقبة.
أقترب منها بخطي ثابتة بثت فيها الرعب، وقف قبالتها وردد من بين أسنانه بغضب شديد:
- جولنا مية مرة جبل إكده أنهم أمانه أخوي إيه اللي مهتفهمهوش بعجلك الزنخ دييه في حديتي؟
قهقهت ثريا عالياً وأردفت ساخرة:
- أمانة إيوة إيوة، حتي بالأمارة انت أخد أرض خوك ومش راضي ترجع لهم حجهم ونعمة الأمانة يا حمدان يا منشاوي.
صمتت حينما عادت صباح برفقة السيدة سنية.
رمقتها ثريا بنظرات مشتعلة تدل على الكُره والبغض الذي تكنه لها ومن ثم توجهت إلى غرفتها لكي لا تنشب مشاجرة بينهم إذا أطالت النظر إليها.
رسم حمدان بسمة على ثغره مرحباً بها بحفاوة:
- يا أهلا يا ست سنية الدار نورت.
عبس بوجهه وعاتبها مضيفاً:
- مش جولنا هتجعدي إهنه معانا بدل الجاعدة لوحديكي اللي مش هطولي من وراها غير الكأبة، مهتسمعيش الحديت ليه؟
نكست سنية رأسها وأجابته بنبرة يملئها الحزن:
- أني مرتاحة يا حمدان في داري هملني اجعدوا فيه إبراحتي.
أقترب بعض الخطوات منها معاتباً إياها على تراهها:
- وااه، وديه بردك دارك تجعدي فيه على راحة راحتك تشاوري بس وطلباتك كلها تتنفذ جوام.
لا يوجد مفر أمامها تهرب إليه.
أماءت برأسها بقبول عكس النفور الشديد الذي يتأجج داخلها وأردفت بقلة حيلة:
- اللي تشوفه يا حمدان.
إلتوي ثغره بإبتسامة عريضة ووجه نظره إلى صباح أمراً:
- خدي مرت عمك على أوضتها ياصباح وأي طلب تطلبه تنفذيه طوالي.
أماءت له بالقبول ثم قالت موجهه حديثها للسيدة سنية:
- همي بينا يا مرت عمي.
غادرت كلتاهما من أمام حمدان الذي أخرج تنيهدة حارة على قلبه المحترق وهو يري ذكرياته تعود إليه من جديد كأن القدر يبتسم له مرة أخري.
***
رفع طرف جلبابه ووضعه في فمه.
أمسك بالفأس وظل يحرث الأرض بقوته التي يمتلكها.
هرول نحوه أحد الفلاحين قائلاً:
- سيبه من يدك يا باشمهندز إحنا نحرثوا الحتة ديي.
مسح مصطفى حبات العرق التي تجمعت علي جبينه ثم أجابه وهو يُكمل عمله بأنفاس لاهثة:
- عاود لشغلك يا مناع أني اللي هحرث الحتة ديي.
أعترض مناع بإصرار:
- أرتاح أنت يا باشمهندسز وإحنا.
قاطعه مصطفى بتجهم وصاح به هدراً:
- جولتلك عاود لشغلك هملني لحالي.
إنسحب مناع من أمامه بهدوء بعد أن تلقي عاصفة غضبه.
بصق مصطفى أرضاً ومسح فمه بأصابعه ثم عاد لعمله مرة أخري.
انتهى من حرث الأرض بعد عدة ساعات دون أن يكل فهذا عمله الذي إعتاده.
ألقي بالفأس أرضاً وتوجه نحو الشجرة التي تبعده مسافة بسيطة.
جلس أسفل ظلها لينعم ببعض الراحة.
أسند رأسه علي جزع الشجرة وأوصد عينيه بتعب شعر به في ثائر بدنه عندما إرتخت عضلاته.
شعر بظل حائل لضوء الشمس وقف أمامه فجاءة.
فتح نصف عين وإذا به عامله.
نظر إليه متسائلاً بنبرة مبحوحة بسبب جفاف حلقه:
- محتاچ حاجة يا مناع؟
مد له مناع يده بالقارورة الفخارية هاتفاً:
- بِل ريجك بشوية ميه أكيد عايز ترتوي.
أماء له مؤكداً حديثه وأجابه ممتناً:
- متشكر جوي يا مناع أني فعلاً كنت عطشان.
بادله مناع إبتسامة ودودة ثم انسحب من أمامه دون زيادة في الحديث.
لحق به مصطفى قبل أن يهم بالمغادرة وأردف بنبرة نادمة:
- متزعلش مني إكمني إتعصبت عليك بس كنت مخنوج شوية.
قابله مناع ببسمة لم يستطيع مصطفى تفسيرها وأجابه دون تكليف:
- يا باشمهندز أنت كيف أخوي الصغير مزعلش منيك واصل.
نهض مصطفى من مكانه وربت على كتفه ممتناً له.
صوب مصطفى بصره على عديمة الشرف التي تقف تتمايل بجسدها ناهيك عن أصوات ضحكاتها التي تعلوا في المكان.
كز أسنانه بغضب وعزم بألا يصمت تلك المرة هي الجانية على روحها.
هرول بخطى سريعة نحوهم إلى أن وصل إليهم.
لم ينتظر لحظة حتى إنفجر بها بعصبية:
- أنتِ جاية تعملي إيه إهنه يابت إنتِ؟، أني ساكت كرامة للنسب اللي بينا لكن الموضوع زاد عن حده جوي وإن شوفتك إهنه تاني لنادي بوكي يجي يشوف بته اللي ماشيه على حل شعرها.
إتسعت مقلتيها بصدمة كبيرة وأردفت متوسلة إليه:
- لاه لاه بوي لاه أني مهاجيش إهنه واصل، بالإذن.
ركضت مبتعدة عن كليهما بينما ردد مصطفى بتذمجر:
- إذنك معاكي يختي، الله يحرجك ما طرح ماتروحي.
- بجا توجف حالي اكده مكنش العشم يا صاحبي.
هتف بهم صديق مصطفي ساخراً بينما أدار مصطفى بصره نحوه وملامحه لا تبشر بالخير واندفع فيه:
- المسخرة ديي متتكررش تاني إهنه يا ضيف، راعي يا أخي إن ليك أخوات بنات، ترضي حد يتسلي بيهم كيف ما بتعمل إكده.
إحتدت ملامح ضيف بضيق شديد حينما رفض عقله فكرة أن يتلاعب أحدهم بشقيقتيه وهاجم مصطفى بحديثه:
- كنت جتلته وشربت من دمه.
ضيق مصطفى عينيه عليه مضيفاً لحديثه:
- شوفت متجبلتش الفكرة كيف، شوف بجا لو طاهر أخو البت ديي عرف! يبجي حلال أنه يجتلك ويشرب من دمك.
قاطعه ضيف بعدم تقبل لتلك المقارنة الوضيعة:
- بتقارن مين بمين عاد إيش جاب صباح بت حمدان لأخواتي!!
حرك مصطفى رأسه مستنكراً حديثه وأردف بنفاذ صبر:
- بجولك ايه اني معاود للسرايا مش فايج لك.
لحق به ضيف قبل أن يبتعد عنه مشكلاً إبتسامة على محياه وردد:
- ما تيجي أجوزك أختي، هلاجي أحسن منيك فين تبجي من نصيبه؟
قهقه مصطفى عالياً وأردف من بين ضحكاته:
- بدلل على اختك يخربيت عجلك الزنخ ديه، شوف يا ضيف أني جولتها لأمي وهجولهالك يمكن تحلوا عني إتنيناتكم، أني مش هتجوز واحدة أتعرف عليها يوم الدخلة كيف عُرف الجبلاوية وعُرف معظم أهالي البلد هي مش بطيخة يا صاحبي إما تطلعوا حمرا وإما جارعة وأني المفروض أرضي وأجول نصيبي.
رفع ضيف حاجبيه للأعلي متعجباً من حديثه وردد بعدم إستيعاب:
- علي إكده مش هتتجوز واصل يا صاحبي.
أماء له مصطفى بتأكيد قائلاً:
- لما يبجوا يطبجوا شرع الله ويسمحوا بالرؤية الشرعية وجتها تقدر تبارك لي والوقتي أني همشي عشان هلكان من صباحية ربنا وأني شغال.
لوح له ضيف بيده ساخراً من تشبياته الغريبة:
- مع السلامة يا بتاع البطيخ.
ظهرت شبه إبتسامة على ثغر مصطفي لم تتعدى شفاه بسبب سخرية ضيف المستمرة التي تزيده تمسك فيما يريد.
***
"هلال" جوم يا هلال الباب عيخبط.
أردفت بهم ورد بنبرة هادئة.
فتح الآخر عينيه وتفاجئ بزرقاوتاها ترمقه.
تقوس ثغره بإبتسامة عفوية لم يقصدها.
تعجبت ورد من إبتسامته وتابعت حديثها مندفعة:
- هتجعد تبحلج فيا وتسيب اللي عيخبط دييه واجف برا كاتير.
أعتدل هلال من نومه ثم نهض متوجهاً نحو الباب.
فتحه وإذا بها والدته التي عاتبته لتأخيره:
- كل ديه علي لما تفتحتوا الباب، الخلج كلاتها مستنظراكم تحت.
عقد هلال ما بين حاجبيه وسألها مستفسراً:
- ناس مين اللي مستنظرانا؟
أجابته نادرة موضحه ذلك العُرف السائد لديهم:
- جرَايبنا جايين يباركوا ويهنوا.
إرتخت ملامح هلال بتهكم وقال بفتورٍ:
- مش باركوا وهنوا إمبارح في الفرح ولا هما خلج فاضية وموراهمش غيرنا عاد.
نهرته السيدة نادرة بإنفعال شديد:
- ديه عُرف وتجليد معروف وكل أهل البلد إبيعملوه بعد الفرح بيوم.
أزفر أنفاسه بضجر بائن ثم أماء برأسه مردداً بنبرة تريد الخلاص:
- حاضر ياما هنجهزوا وننزلوا وراكي.
شكلت نادرة إبتسامة على ثغرها وأولاته ظهرها لكنها عاودت النظر إليه مرة أخري وقالت:
- جول لورد تتزين وتتعطر وتلبسوا أحلي عباية عنديها عشان هتجعد وسطيهم من غير وشاحها.
أماء لها بالقبول ثم أغلق الباب بعد أن إختفت والدته من أمامه.
بحث عن ذات الزرقاوتين لكي يخبرها بما قالته والدته لكنه لم يراها.
أين اختفت فجاءة.
لم يكن أمامه سوي منادتها بصوته الرخيم:
- ورد روحتي فين، أمي عتجول في ناس عايزين يباركولنا وبتجولك اتزيني و.
صمت حينما رآي طيفها يظهر من خلف باب المرحاض.
خفق قلبه بشدة لذاك الجمال الرباني.
لقد حررت خصلاتها الناعمة الطويلة ذات اللون الأسود الداكن التي يليق مع بشرتها الحليبية.
ناهيك عن وضعها لأحمر الشفاه مع مورد الوجنتين.
كحلت عينيها فاندمجت مع أهدابها الكثيفة منتجين أجمل عيون فسبحان الذي خلق وأبدع.
إبتلع هلال لعابه الذي سال على فمه وهو ينظر إليها بتفحص شديد.
أخفض بصره على تلك العباءة ذهبية اللون المطرزة من جميع جوانبها.
لم يكف قلبه عن النبض بصورة مضطربة.
رغبته في التقرب منها وجعلها إمرأته تزداد بداخله.
كم تمني أن ترأف بمشاعره التي فاضت به.
ردد متسائلاً وعينيه لم تُرفع عنها:
- لحجتي تعملي كل ديه ميتي؟
إقتربت منه ورد بثبات وأجابته قائلة:
- أني شوفت الحريم وهما عيدخلوا السرايا وعرفت أنهم جاين يباركوا لنا وچهزت حاچتي عشان منتأخروش عليهم وتبجي عيبة في حجنا.
أغمض الآخر عينيه وردد بعدم تصديق:
- بالله عليكي بتفكري فيهم ومعتفكريش فيا!!
لم تكترث لحديثه كأنه لم يردده من الأساس.
أخذت وشاحها من خزانتها ثم إرتدته سريعاً ونظرت حيث يقف هلال:
- هتفضل تبحلج فيا كاتير هِم بينا ننزلوا.
خرج هلال من شروده بها وإرتدي جلبابه ورافقها إلى الأسفل.
تعالت الزغاريد في السرايا حينما رآهم الجميع.
جلسوا جميعاً في غرفة الضيافة حتى تكون ورد على راحتها أكثر من دون وشاحها.
تلقوا المباركات والتهنيئات من الجميع.
صغى هلال لأحاديث كثيرة من الحاضرين وكانوا حافزاً له بأن يأخذ أولي خطواته إتجاها مثل:
- ' صبرت ونولت يا هلال '' عروستك كيف الجمر '' أم عيون زرقا خطفت إبننا مننا '' أني لو مكانك مههملهاش واصل '.
كلماتهم كانت تحمسه وتشعره بالفخر لكون زوجته جميلة إلى هذا الحد وهو فقط من يتمتع بهذا الجمال.
لكن يا حسرتاه هو إلى الأن يتمني فقط لا يفعل شئ سوي التمني.
لكن بالتأكيد لن يصبر على تلك السخافات التي وضعتها ورد وسينهيها هو تلك الليلة.
في الخارج.
ولج مصطفي داخل السرايا وتعجب من تلك الضجة التي تملأ المكان من حوله.
بحث بعينه علي أحد ربما يعلم منه ما الذي يحدث إلى أن وقع بصره على صفية التي تخرج من المطبخ حاملة صنية عليها كل ما لذ وطاب.
عقد ما بين حاجبيه متسائلاً بفضول:
- وااه كل ديه لمين يا صفية وإيه الدوشة اللي چوا ديي.
أجابته صفية بنبرة سريع لثقل الصنية:
- جرابيكم يا باشمهندسطز جاين يباركوا للعرسان.
حرك رأسه بتفهم ثم أردف قبل أن تدلف إليهم:
- حضريلي الوكل يا صفية على ما ادوش.
ردت عليه بطاعة:
- حاضر يا سي مصطفى.
صعد هو الأدراج سريعاً وولج لغرفته.
خلع جلبابه ووضعها في الصندوق الخاص بالثياب المتسخة داخل المرحاض ثم وقف في منتصف المغطس الرخامي وفتح صنبوري المياه الساخنة مع الباردة لكي يتمتع بذلك المزيج الرائع وينعش جسده.
***
انتهت المقابلة بسلام.
عادت ورد إلى غرفتها سريعاً دون أن تنتظر هلال الذي عاد إليها بسرعة البرق.
أغلق الباب ونظر إليها برغبة شديدة.
إرتعبت هي من نظراتها وهتفت محذرة إياه:
- بتبصلي إكده ليه؟ إوعاك تفكر تجرب مني، كمل إتفاجك لاول وبعدها أني تحت أمرك.
لم يهتم كثيراً لهرائاتها التي بدت سخيفة بالنسبة له.
إقترب منها وهو عازم على فعل ما تخبره به غريزته الذكورية.
تراجعت ورد للخلف محاوله منعه من الإقتراب أكثر:
- هلال إوعاك يا هلال والله أصوت وألم عليك السرايا كلاتها.
بادلها إبتسامة متهكمة وقال:
- صرخي بعلو حسك عشان أجولهم إني باخد حجي الشرعي اللي انتي مش راضية تديهولي، يلا صرخي سكتي ليه؟
لمعت عينيها بالدموع وهي تعلم أن تلك اللحظة لن تمر مرار الكرام وبعد ذلك لن تستطيع أخذ حقوقها من عمها.
دفعها هلال بقوة على الفراش فأنت هي بألم بسبب جرحها الذي تأثر بدفعته.
أوصدت عينيها تودع أحلامها لطالما تمنت تحقيقها.
لعنت سذاجة تفكيرها التي وثقت به وأجبرها على الوثوق بذلك الرجل الذي لا يريد سوي التمكن منها والوصول إلى رغبته فقط.
إنتظرت الكثير لتشعر بقربه لكن لم يحدث!
أين ذهب ذاك؟
لما لم يكمل ما نوي فعله.
فتحت عينيها لتظهر زرقاوتاها التي تتلألأ فيهم الدموع.
تفاجئت به يطالعها بملامح جامدة لم تستطع تفسيرها.
أولاها ظهره دون حرف زائد ودلف خارج الغرفة دافع الباب خلفه بقوة.
لم تصدق ورد ما حدث الأن أحقاً غادر ولم يفعل ما خشيته؟
إعتدلت في جلستها وإبتسمت بسعادة معاتبة أفكارها التي ندمت على الوثوق به.
كَنت له الإحترام بعد تصرفه الذي لاق مع شخصيته المرسومة في عقلها.
نهضت لتبدل ثيابها بشعور مختلف كلياً قبل دقائق.
شعور الأمان لطالما إفتقدته منذ وفاة والدها وتدخل عمها في كل ثغره في حياتها.
تنهدت براحة كبيرة ومن ثم وقفت تطالع نفسها في المرآة بإعجاب شديد لملامحها الجميلة التي وهبها الله لها.
***
لم يطيق هلال الجلوس في أي مكان يوجد به أشخاص يعرفهم.
لم يكن أمامه سوي الهروب إلى ذلك المقهي في أخر البلدة لعله ينفرد بذاته قليلاً ويعيد ترتيب أفكاره التي تشتت فجاءة.
لما لم يفعلها وفضل رمقها بنظراته بدلاً من إكماله ما كان في نوياه.
أنها حقوقه وليس حرام إن اخذها بالقوة.
لكنه لا يريد تلك القوة، إن لم يكن بكامل رضاها فلا يعنيه الأمر.
إذاً لما يشعر بالاختناق وكأن أحدهم يطبق على صدره.
أنتبه هلال لدخان الأرجيلة التي ترتطم في وجهه.
إذاً ضيق صدره من خلف تلك الأدخنة السامة.
وجه بصره تلقائياً على صاحب الأرجيلة وتفاجئ به.
إنه طاهر إبن عم ورد.
وقف هلال وهتف بنبرة محتقنة:
- نفث دخانك إبعيد عني يا طاهر مناجصش خنجة.
رفع طاهر عينيه عليه بتهكم وردد بجمود:
- لا هنفثوا في الحتة اللي تريحني.
أوصد هلال عينيه لبرهة وهو يحاول كبح غضبه داخله قدر المستطاع وحدثه بهدوء:
- يا أخي هتخسر إيه؟ دخانك مضايجني لف نفسك وطلعوا بعيد عني.
حرك طاهر رأسه برفض تام.
هو يكرهه ويحقد عليه لأنه سارق.
لقد سرق حلم حياته لطالما تمني أن تكون زوجته هو وليست زوجة ذلك البغيض.
وها قد جائت الكرة في ملعبه الأن عليه أن يركلها جيداً ويجلس يستمتع بمضايقته.
أخذ نفساً عميق من أرجيلته ثم رفع رأسه ونفث دخانها بالكامل في وجه هلال.
تفاجئ الآخر من فعلته التي سببت له سعال شديد.
لم يشعر بنفسه سوي وهو يركل الأرجيلة بقدمه حتى حطمها إلى أشلاء تناثرت بقاياها في زوايا مختلفة.
إنتفض طاهر من مكانه وطالعه بنظرات احتقاريه مشتعلة.
لقد جنى هذا الهلال على نفسه.
إنقض عليه وأمسكه من تلابيب جلبابه مندفعاً به:
- أنت مين عشان تتجرأ وتعمل إكده معايا أني، والله لأجتلك وأشرب من دمك.
أمسك هلال يدي طاهر يحاول أن يبعده عنه وعندما فشل لكمه بكل ما أوتي من قوة على وجهه فسالت الدماء من فمه.
إجتمع كل من في المقهي حولهم محاولين فض الإشتباك بينهم لكن قوتهم لم ينجح أحد قبالتها.
خرج عامل المقهي بعيداً عن تلك الضجة وهاتف مصطفي لكي يخبره بما يحدث.
أجابه مصطفى بعد عدة دقائق بنبرته الرخيمة:
- أيوة يا مدحت فيه حاجة؟
رد عليه بنبرة سريعة يخبره بما يحدث:
- خوك بيتعارك مع طاهر وِلد حمدان المنشاوي واتنياتهم غرجانين في دمهم ومحدش عارف يفض بيناتهم واصل.
إنتفض مصطفى من مكانه وردد بنبرة قلقة:
- أني جاي حالاً وحاول تفض بيناتهم على لما أوصل.
رد عليه مدحت مختصراً:
- ماشي.
هرول مصطفى إلى الخارج وهبط الأدراج في درجة واحدة مما أثار قلق خليل ونادرة.
فسأله خليل بقلق قد تغلغل إلى قلبه:
- هتركض إكده ليه يا مصطفي فيه مصيبة حوصلت ولايه؟
أماء له مصطفى مؤكداً سؤاله وأخبره مكالمة مدحت له.
هرول خليل خلف ولده وأمر شيخ الغفر ورجاله أن يسبقوه إلى ذلك المقهي.
وقفت السيدة نادرة على باب السرايا تضرب رأسها بيدها تارة وعلى صدرها تارة أخري متمتمة بتوجس شديد:
- جيب العواجب سليمة يارب، محلتيش غيرهم متخسرنيش فيهم واصل.
لم تستطيع الدخول قبل أن تطمئن برؤية هلال بخير أمامها وفضلت المكوث على عتبة الباب.
رافقتها صفية لعلها تنجح في تهدئة روعها ولو قليلاً.
***
ترجل مصطفي من السيارة وتبعه خليل مهرولين داخل المقهي.
تفاجئوا بالدماء التي تسيل من كلياهما.
إقترب منهم مصطفى وشكل حاجز بينهم لكي يفض تلك المشاجرة ويمنعهم من الوصول إلى بعضهم مرة أخري.
ساعده بنيان جسده الضخم على فض الإشتباك بينهم وإبعادهم عن بعض.
هنا جاء دور خليل وهو يعاتبهم بصوته الجهوري:
- ولا العيال الصِغيرة اللي ماسكين في خناج بعض، أومال لو مكنش بيناتكم نسب كنتوا جتلتوا بعض على أكده؟
أخذ خليل نفساً عميقاً وتابع حديثه متسائلاً:
- فهموني إيه اللي حوصل عشان متزعلوش مني إتنيناتكم.
مسح هلال الدماء التي تسيل من فمه وأنفه ونظر إلى طاهر بغيظ عارم وردد بغضب شديد:
- جليل الرباية بصحيح.
نهره والده معاتباً:
- إتحشم يا هلال وجولي إيه اللي حوصل بدل الحديت الفارغ اللي ممنوش فايدة ديه.
بصق هلال أرضاً ليخرج الدماء المتبقية في فمه ثم مسح بأنامله على فمه وقصى لوالده ما حدث:
- جولتله ينفث دخانه بعيد عني وهو جل أدبه معايا ونفثه في وشي وعينه في عيني كانه بيجول شكل للبيع وأني نولتله مراده.
صغي خليل من ولده وجاء دوره في إستمتاعه لطاهر.
صوب نظره عليه وسأله باستفسار:
- الكلام ديه صوح يا طاهر ولا فيه حديت هلال مخبرنيش بيه.
وزع طاهر أنظاره بين الجميع وأجاب خليل وهو منكس الرأس بخذي:
- صوح يا عمدة.
شعر خليل براحة داخله حينما علم أن ولده من لم يبدأ بالمشاجرة.
تنهد وأردف بنبرة صارمة:
- كنت هطلبوا منك يا طاهر تعتذر منيه بس اللي شايفه جدامي واللي عملتوه في بعض هجبركم تعتذروا إتنيناتكم لبعض.
إعترض هلال قرار والده:
- بس يا بوي هو اللي غلطان.
تدخل مصطفى بنبرته الآمرة:
- إسمع حديت بوك يا هلال ومتلاوعش.
كز هلال على أسنانه بغضب ثم نظر بعيد عن الجميع وردد بعدم قبول لأمرهم:
- أني أسف.
وجه خليل نظره إلى طاهر وأمره هو الآخر بنبرة حادة:
- وأنت يا طاهر اعتذر.
نظر طاهر إلى هلال ببغض شديد.
يتمني الموت بدلاً من ذلك الإعتذار الذي سيقدمه لذلك البغيض.
فتح فاهه وأخرج إعتذاره على مضضٍ:
- أسف.
ما أن أنهي جملته حتى غادر المقهي سريعاً.
لا يريد أن يري أحد في تلك الأثناء.
نظر خليل إلى مدحت بندم وهتف بشموخ:
- حساب الحاجات اللي اتكسرت ديي عندي.
رد عليه مدحت ممتناً:
- ربنا يخليك يا عمدة.
إنسحب خليل وتبعه مصطفي وهلال الذي رفض أن يركب معاهم السيارة موضحاً:
- هعاود السرايا مشي رايد أكون لحالي هبابة.
أنهى حديثه وأولاهم ظهره قبل أن يستمع لرفض أحدهم.
لعن تلك الزيجة التي كانت السبب لما وصل إليه والأدهي إعتذاره من ذلك السخيف.
مر بجوار منزل حمدان.
توقفت قدماه أمام البوابة تلقائياً.
يريد محادثته مرة أخري لعله يقنعه تلك المرة.
لكن ماذا عن تحذيره وتهديده له في الصباح؟!
حتمًا أنه تهديد ليس إلا.
لا يمكنه قتله بتلك السهولة التي تحدث بها.
أخذ شهيقاً وأخرجه بتمهل ثم عزم أن يحادثه كما أنه لن يخرج من ذلك المنزل إلا مجبور بإستعادة حقوق ورد أو جثة هامدة!
قرع الجرس وإنتظر قليلاً حتى ظهر حمدان بنفسه.
إبتسم له بتهكم مرحباً بحفاوة زائفة:
- يا مرحب يا مرحب شوفتك ولا الجمر يا هلال إتفضل.
ولج هلال خلفه فاستقبله حمدان في غرفة الضيافة متسائلاً:
- تحب تشرب حاجة؟
حرك هلال رأسه رافضاً وبدأ حديثه مباشرةً:
- أني مش جاي أضايف أني جاي أرجع حج مرتي منيك يا حمدان.
رفع حمدان حاجبيه للأعلي لتلك الجرأة التي يتحلي بها وردد مبدي إعجابه به:
- واه واه جرأتك مجوية جلبك يا ولد العمدة.
سار نحوه إلى أن إلتصق به ونبرته الهادئة تحولت تدريجياً إلى نبرة حادة عنيفة:
- شكل تهديدي مفرجش معاك وفكرت إني بهزروا، بس أني جلبي طيب لو مخرجتش من إهنه في اللحظة اللي هخلص فيها حديتي صدجني هنفذ تهديدي.
لم تهتز خصلة لهلال تظهر تأثره بحديثه.
إنحنى بقرب أذنه وهمس له بنبرة حادة رغم هدوئها:
- أني مهمشيش من إهنه غير وورج الأرض معايا.
إعتدل هلال في وقفته ووضع كِلتى يديه خلف ظهره في إنتظار تنفيذ طلبه.
إرتفعت أصوات ضحكات حمدان على شخصية هلال التي أعجب بها كثيراً وخصوصاً تلك الثقة التي يحادثه بها.
إبتعد عنه وفتح خزانته التي تتوسط الغرفة وسحب سلاحه المرخص وصوبه نحو هلال قائلاً:
- أني حذرتك.
***
بعد منتصف الليل.
كانت تقف نادرة في شرفة غرفتها كنت يقف على جمر متقد تنتظر عودة هلال بفروغ صبر.
يعتصر قلبها قلقاً بسبب تأخيره الذي لم تعتاده من قبل.
لم تعد تستطيع الإنتظار بعد فلقد فاض الكيل بها.
عادت إلى غرفتها وأقتربت من زوجها النائم وحاولت إيقاظه بهدوء رغم نبرته القلقة:
- يا خليل جوم أني معتش جادرة أتحمل صبري نفد جوم شوف ولدك معادوش السرايا ليه؟
قلق خليل بسبب ثرثرتها ونظرا إليها بضيق وتمتم:
- ولدك لساته عيل صغير عشان تجلجي عليه عاد، ولدك بجي راجل وجت ما الساعة تدق إتناشر هتلاجيه عاود هو مهيتأخرش عن إكده؟
رمقته نادرة بإمتعاض وصاحت به مندفعة:
- الساعة داخلة على أربعة يا خليل إتناشر إيه عاد.
تفاچأ خليل من حديثها وعدل وضعيه جسده والقلق قد تملك منه وأردف بذهول وهو يطالع المنبه الموضوع أعلى الكومود:
- أباه أربعة الفجر ولساته معادوش ديه عمره ما عملها.
ردت نادرة بنبرة ملهوفة حينما لاحظت تفهمه للأمور:
- مهو ديه اللي جلجني أومال صحيتك ليه.
سحب خليل هاتفه محاولاً مهاتفته.
جلست نادرة بتعب على الفراش وهتفت مستاءة:
- أني موجفتش رن عليه من وجت ما رجعت أنت ومصطفى ومبيردش عليا.
حدثها ولازال يحاول مهاتفته على أملاٍ أن يجيبه:
- يمكن يرد عليا أني.
نهض خليل وهو متأكد أن هناك مصيبة قد حلت على رأس ولده وتمتم بتوجس مختلط بالقلق:
- لا أكده كاتير جوي أني هنزل أخلي الغفر يدوروا عليه، روحي صحي مصطفى يروح وياهم أكيد عارف خبايا خوه.
لم تنتظر نادرة لحظة وهرولت مسرعة نحو غرفة مصطفى.
ولجت للداخل بطريقة غير حضارية.
مالت عليه لكي لا تسبب في ذعره وأردفت هامسة:
- مصطفى جوم يا ولدي خوك معاودش السرايا وبوك باعت الغفر يدوروا عليه، جوم روح وياهم أكيد عارف هو بيجعد فين.
أدار مصطفى رأسه على المنبه ليعلم كم الساعة.
إنتفض من مكانه حينما رآها الرابعة وخمس دقائق لم يفعلها هلال من قبل وتأخر إلى هذا الحد.
إرتدي جلبابه سريعاً وهبط إلى الأسفل وتفاجئ برجال والده قد ملئوا السرايا.
وقبل أن يهموا بالمغاردة أنتبه جميعم الى صوت يتردد صداه في الخارج هاتفاً:
- أبا الحاج خليل، إلحج يا أبا الحاج.
هرول خليل إلى الخارج ومعه مصطفى.
ظهرت ملامحه عن قُرب إنه واحد من الفلاحين العاملين بالأرض.
نهره خليل لذلك النداء التي أوقع قلبه خشية أن يسمع مكروه من خلف نبرته التي لا تبشر بالخير:
- في أيه يواد يا إبراهيم عتصرخ أكده ليه؟
وقف ابراهيم وأجابه من بين أنفاسه اللاهثة:
- هلال... لجوه متصاب في الأرض الغربية نواحي عيلة الشرجاوي.
صدمة!
حلت على وجوه الجميع بعدما وقع هذا الخبر على مسامعهم.
سكون حل للحظات لم يتجرأ أحدهم على التحدث فالمصيبة ليست هينة لتستوعبها عقولهم.
رواية عرف صعيدي الفصل الثالث 3 - بقلم تسنيم المرشدي
تُبطئ نبضات قلبه رويداً رويداً كما تنخفض وتيرة أنفاسه تدريجياً، رؤياه مشوشة ولا يستطيع تميز وجوه من هم أمامه، فقط يسمع القيل والقال وأحدهم ينوح بألم:
"جوم يا هلال جولي مين عمل فيك أكده"
يقاطعه صوت آخر أشد ألماً:
"إطلبوا الإسعاف بسرعة الواد هيروح منينا"
تداخل الأصوات مع بعضهم مصدرين ضجة لا يسعه التفريق بين نبرات أصواتهم وتميز الأصوات التي تحثه على النهوض، فقط يستمتع لأنفاسه المتهدجة، بدأ يشعر بالإختناق وكأن الأكسجين ينسحب من رئتيه لكن ببطئ شديد بطئ يزيد من شعوره بالألم.
شيء ما يؤلمه لا يدري أين تحديداً لكن هناك شعور مريب كأن جوفه مثقوب ويمر منه الهواء مصدراً حكة شديدة داخله، شعور يشبه السِن الذي ينكسر نصفه فتأخذ شهيقاً من فمك لعلك تشعر بالتحسن قليلاً فيصيبك ألم مضاعف عما كنت تشعر به.
صوت صافرة الإسعاف دوت بالقُرب من الحادث معلنة وصولها، هذا ما إستطاع تميزه بسبب إرتفاع صافرتها التي غطت على جميع الأصوات.
ألم يليه ألم آخر كلما تحرك عن الوضع الذي إستكان عليه، حملوه على الناقلة الطبية وأحد المسعفين صعد داخل سيارة الإسعاف ليضع هلال داخل السيارة على الفراش الطبي المجهز لوضعه خصيصاً.
وقف خليل يتابع ما يحدث في صمت غريب بعدما أغلقوا باب الإسعاف، شعر بوخزة قوية في صدره كأنها علامة لشئ ما سيحدث، حتماً لن يستطيع فقدان فلذة كبده وولده الصغير، الله رحيم ولن يبكيه على فقدان أحد أعمدته الفقرية التي يقف متسقيماً بسبب وجودهم في الحياة.
لم تتحمله قدميه أكثر، لم يعد يستطيع المثابرة ووقع أرضاً كأن العلامات تزداد وتؤكد له إنكسار عمود من أعمدته حقاً، لا والله لن يتحمل تلك الفجعة المؤلمة.
"أنت كويس يا بوي"
سأله "مصطفى" بتوجس ممزوج بالصدمة التي لم يخرج منها بعد، رفع خليل بصره عليه وردد بنبرة متحشرجة تود الصراخ عما بداخله:
"خوك هيهملنا صوح؟"
إنتزع قلب مصطفى بكلمات أبيه، أوصد عينيه يتمني داخله أن يستيقظ من ذلك الكابوس المزعج، لكنه عاد للواقع بمصائبه التي لم تختفي بعد، إنحني على والده ووضع كلتي يديه خلف ظهره مساعداً إياه على النهوض.
ساعده أيضا على ركوب السيارة، أغلق الباب المجاور لوالده ثم سحب أكبر قدر من الهواء فقط ليستطيع الوصول إلى المشفي دون أن يفقد صوابه.
جلس خلف المقود وتحرك مبتعداً عن المكان، دعس على البنزين ليزيد من سرعته ويصل إلى سيارة الإسعاف التي قطعت نصف المسافة من دونهم، صمت لا يوجد غيره سيد الموقف لكن هذا هو ظاهرهم عكس باطنهم الملئ بالضجة المحملة بالأسئلة التي لا تنتهي، صراع أذلي لا يمكنهم وصف كم هو صعب لدرجة لم تستوعبها عقولهم.
وصلا الجميع أمام المشفى، ترجل رجال الإسعاف حاملين هلال على الناقلة، كان في إستقبالهم طاقم من التمريض والأطباء الذين تولوا المهمة من رجال الاسعاف.
أُغلق باب غرفة العمليات الذي اختفي خلفه هلال ومرافقيه من الأطباء وبعض التمريض، ساعد مصطفى والده على الجلوس في إحدي مقاعد الإنتظار بينما هو لم يطيق الجلوس، جاب المرر ذهاباً وجيئا في انتظار أي شئ يطمئنه على أخيه.
في مكان آخر، لقد فاض الكيل بها هي لن تنتظر في تلك السرايا التي بدت وكأنها سجن لا تعرف الهروب منه، ستعصي أمر زوجها بالبقاء مكانها وهو سيبلغها بالجديد ما أن وصل لشئ.
خرجت من السرايا لا تريد سوي رؤية ولدها الذي إنفطر القلب حزناً على ما أصابه وأي حزن تتحدث فهو آخر ما العين رأت مدللها الصغير، هي من سهرت الليالي بجانبه، من أرضعته وأول من أطعمته بيدها، أول نُطقٍ له كان يردد بإسمها، شهدت طفولته وريعان شبابه، لم تكل يوماً من الأعباء التي كان يسببها بشقاوته منذ صغره، هو نصف الروح ونصف القلب وله في الفؤاد عشقاً لا ينتهي.
لا تعلم أي طريق سلكت ولا أي وقت مر عليها، فقط تسير ولا تعلم وجهتها، مقلتيها لم تجف من الدموع قط، خانتها ساقيها وتعسرت في إحدى الأحجار، وما إن إرتطمت بالأرض حتى جهشت باكية صارخة بألم شديد لم تعد تتحمله داخلها، صرخت وصرخت ربما يهدئ جوفها ولو قليل.
توقفت سيارة الربع نقل أمامها، ترجلت منها "صفية" مهرولة إليها بذعر يعتلي تقاسيم وجهها، جلست القرفصاء مقابل السيدة نادرة ورددت ببكاء مرير:
"الحمد لله أني لجيتك جلبي وجع في رچليا من خوفي عليكي، مجدرتش أشوفك بتركضي برا الدار وأهملك في حالتك ديي شيعت لطه أخوي ياجي بالعربية نوصلوكي للمستوصف"
طالعتها بنظرة منكسرة ورددت بأنفاس متهدجة:
"ولدي.. رايدة أطمن عليه يا صفية"
إنهارت الأخري باكية متأثر من ضعفها التي تشهده لأول مرة، فالسيدة نادرة تُعرف بالحدة والثبات، يرتعب كل من في السرايا حينما تعبس فقط بوجهها.
حاوطت صفية ذراع نادرة التي إتكأت عليها لحين وصولها إلى السيارة، طالعها "طه" بشفقة على حزنها الواضح وتمني لولدها أن يكون بخير:
"ربنا يطمنك عليه يا ست نادرة ولا يخسرك فيه واصل"
"يسمع من بوجك ربنا يا طه"
أردفتهم بمزاج غير سوي، أسندت رأسها على النافذة بحزن قد تبدد في قلبها تعد الثوانِ لكي تصل إلى صغيرها وتطمئن عليه.
إزدحم المرر أمام غرفة العمليات، كل من يعلم بتلك الحادثة البشعة لا يتردد في القدوم، فهلال إبناً للجميع، تمر الدقائق على الجميع كالأعوام العجاف لا خير يطمئنهم فيها.
فُتح باب الغرفة تلقائياً عند مرور أحد الأطباء قاصداً الخروج، كانت خطوات مصطفى أسرع من الجميع إليه كما تبعه خليل بمساعدة عسران حينما رأي صعوبة حركته.
حالة سكون عمت المكان بعد أن كان يصعب سماع بعضهم البعض من خلف ضجتهم، الجميع منتظرين ما يسر قلوبهم على صغيرهم، وزع الطبيب أنظار بينهم ثم أردف بملامح جامدة:
"المريض إتعرض لطلج ناري عمله نازيف داخلي في الرئة وللأسف الحالة إدهورت لأنه بجاله وجت طويل إبينزف وهو داخل المستوصف منتهي، البقاء لله شدو حيلكم"
سكون مريب ساد للحظات يستوعب فيها الجميع حجم المصيبة التي حلت على روؤسهم، ألجمت الصدمة ألسنتهم كما أعتلت الحسرة وجوهم وقلوبهم.
"ولدي"
صرخت بها "نادرة" متحسرة على فراق رفيق روحها الصغير، تخطت ذلك الحشد من الرجال بصعوبة بالغة مستندة عل صفية، وصلت إلى حيث يقف مصطفة ورددت بنبرة انخلع القلب لها:
"الراچل ديه يجصد مين يا مصطفى يجصد خوك يا ولدي؟ هو جال شدو حيلكم في خوك يا ولدي؟"
رفعت "ناردة" يدها على صدر مصطفى الذي تلقي ضرباتها عليه مضيفة بإنهيار:
"رد يا مصطفي، جولي لا مش أخويا ياما جولي هلال كيف الجبل ما يهزه ريح إنطج وجول"
لقد فقد صوابه من خلف بكائها وكلماتها التي أثبتت له هول المصيبة الواقع بها، حاوطها بذراعه ضامم إياها لصدره محاولاً تهدئتها لكنه لم يقدر على النطق، فكيف سيوايها في شئ لم يستوعبه بعد.
خارت قوة خليل وإنكسر عموده الذي يساعده على الوقوف ووقع أرضاً، هرول الجميع نحوه مذعورين خشية مكروه قد أصابه، نظر "مصطفى" إلى حيث تقف صفية وردد بنبرة أمرة:
"سندي أمي"
أعطاها إلى صفية وركض إلى والده، إنحني أمامه وفتح أزرار جلبابه محاولاً إيفاقته، مرت دقايق معدودة إستعاد بها خليل وعيه بالكامل، لعن تلك الذاكرة التي مازالت محتفظة بتلك الذكري المؤلمة التي تزيده تحسراً.
تنحي جميع الواقفين جانباً مشكلين ممراً يمر منه هلال ومرافقيه من التمريض، إقترب مصطفي منهم ووقف أمام الناقلة يرمق هذا الغطاء اللعين الذي يفصل بينه وبين شقيقه، مد يده وبهدوء حذِر سحب الغطاء من على وجهه.
خفق القلب قهراً على تلك العينين الموصدة التي لن يراهم مرة أخري، مال على أخيه ووضع قُبلة الوداع أعلى جبينه، شعر برجفة قوية في أوصاله حينما لمس جبينه وشعر ببرودته، خارت قوة تحمله وفرت دمعة من عينيه هامساً بنبرة مهزوزة:
"يا خوي...."
مسح دموعه سريعاً ما إن شعر بإقتراب أحدهم، إقتربت نادرة بخطي ثقيلة تجر خيباتها وقهرتها خلفها بعد أن كانت مترددة كثيراً في الإقتراب منه، مالت عليه مقبلة إياه بعدة قُبلات على ثائر وجهه، جهشت باكية وهي تندب متحسرة:
"يا وجع جلبي عليك يا ولدي، أنت عتحب أمك متهملهاش لوحديها يا حبة عيني لسه بدري عليك جوي يا هلال لساتك عريس متهنتش بشبابك يا حبيبي، جوم روح لعروستك لساتكم معيشتوش يا نن عيني، مع السلامة يا حتة من روحي مع السلامة.."
لم يتحلي خليل بالقدرة الكافية لينظر النظرة الأخيرة التي يودع بها ولده، إكتفي برمقه من بعيد حتى لا يجن جنونه إذا إقترب منه حتماً سيندب مثل النساء متحسراً على فراقه.
أعادت الممرضة الغطاء على وجه هلال وتحركت به مبتعدة عنهم وهي تبكي حزناً على حديثهم الذي أثر بها، بدأ الجميع في الإنسحاب خارج المشفي منتظرين إنهاء إجراءات خروج هلال الذي يقوم بها مصطفي برفقة عسران.
"الواد مات"
رددت بهم "ثريا" بعد أن أغلقت المكالمة التي قامت بها لتعلم وضع هلال، نظرت في الفراغ أمامها بصدمة جلية إعتلتها، صدرت شهقة قوية من "سنية" وضربت على صدرها بمرارة متحسرة عليطى أصاب زوج أبنتها:
"مات كيف، وبتي؟ الحزن بدري عليها جوي"
رمقته بنظرات إحتقارته وهي تقترب بخطاها منه، ظلت تضرب صدره بكل قوتها وصرخت به هادرة:
"منك لله يا حمدان ربنا ينتجم منك، فاكر إن محدش جادر عليك بس ربنا منتقم جبار، مش هتفلت بعملتك ديي أني هبلغ عنك وأشفي غليلي فيك"
تحركت مبتعدة عنه فلحق بها ممسكاً بذراعها التي غرز أظافره به فآنت سنية بنبرة متألمة، صوب نظراته الثاقبة أمام عينيها وحذرها بنبرته التي خرجت حادة صارمة:
"فكري تعمليها وتبلغي عني وهخلي بتك تحصله، أنتِ لساتك متعرفيش حمدان وشره إتجي شري يا سنية وعاودي أوضتك ولا كانك تعرفي حاجة من أساسه"
دفعها بقوة فإرتطمت بالأرض إثر قوة دفعته لجسدها الهزيل، إنسدلت دموعها على مقلتيها قهراً وحزناً، إتكأت بمعصميها على الارض لكي تنهض فالحركة بدت ثقيلة للغاية من هول الصدمة.
عادت إلى غرفتها تعيد تهديد حمدان في عقلها بتوجس معانق لقلة الحيلة، ماذا تفعل أتخبر الجميع بحقيقة قتل حمدان المتعمد لهلال أم تصمت خشية أن ينفذ تهديده ويطيل صغيرتها مكروه؟
لا تدري ما عليها فعله فقط تشعر بخلو جوفها، ضعفها وقلة حيلتها، فتحت درج الكومود وأمسكت بالصورة الفوتوجرافية التي تجمعها مع حبيب فؤادها، ملست على الصورة بأناملها فاختفت ملامح زوجها بسبب دموعها التي إنسدلت عليها، تنهدت بإختناق شعرت به في صدرها ولامته بنبرة متقطعة:
"هملتنا لخوك اللي معيعرفش ربنا ولا بيصون صلة الرحم اللي بينا، ربنا يرحمك ويغفرلك ويجرب الأيام اللي هتجمعني بيك"
خارج الغرفة تندب "ثريا" بيدها على قدميها مستاءة من تصرف زوجها الأرعن:
"چبت لنا مصيبة فوج روسنا بتهورك يا حمدان، هنعملوا إيه هنطلعوا منيها كيف، جالك جلب تجتل نفس زيها زييك!"
صاح بها هدراً:
"أباه على الندب اللي مهيخلصشي، إجفلي خشمك ديه ووجتها محدش هيعرِف"
وزع "حمدان" أنظاره بين ثريا وصباح ثم إرتفعت نبرته مهدداً بنبرة محتقنة:
"مش هسمي على حد فيكم إن الحديت إترطرط برا فاهمين ولا أعيد حديتي تاني"
لوت "ثريا" شفتيها وردت عليه مستاءة:
"وديي حاجة نرطن بيها بردك!"
نهضت من مكانها وعادت إلى غرفتها تحاول بلع ما حدث، كذلك عادت صباح إلى غرفتها مذهولة من تلك الدماء التي كانت تسيل من هلال أمامها، لازالت كلماته التي يتمتم بها من بين أنينه الموجوع تتردد في عقلها:
"مش جادر جوفي بيتوجع، ااه"
"ااه موجوعة خرجت منه قبل أن يحمله حمدان بمساعدة طاهر ويغادروا المنزل، رجف جسدها كلما تكرر صوت إطلاق النيران في مخيلتها، رمقت المكان من حولها برعب شديد ثم سحبت وسادتها وضمتها بقوة ربما تمتص تلك الوسادة خوفها.
جابت الردهة ذهاباً وإياباً فور علمها بما أصاب هلال من قِبل ( هويدا ) إحدي مساعدات صفية، تنتظر على أحر من الجمر أن يطمئنها أحدهم، فقط يومين عاشرت بهما حنتيه وطيب قلبه ناهيك عن لين معاملته وتشهد الله أنها لم تري منه سوءاً.
شعرت ورد بدوار شديد يعتلي رأسها أثر دورانها حول نفسها، جلست على الأريكة التي كانت على بُعد بسيط منها، ماهي إلا لحظات قليلة حتى صدح صوت صافرة الإسعاف على مقربة بسيطة من المنزل إلى أن صفت داخل حديقة السرايا.
إنتفضت ورد بذعر وهرولت نحو الباب بتوجس شديد، وقفت في صمت تشاهد نزول السيدة نادرة من سيارة مصطفي مستندة على صفية.
كذلك خليل الذي يتكأ على عسران لعدم قدرته على استقامة ظهره بمفرده، بدت ملامحهم شاحبة للغاية وكأن الدماء فرت هاربة بسبب شيء ما. حتماً هناك ثمة مصيبة لكي يظهروا بهذا الضعف التي لم تراهم عليه من قبل.
شهقت بقوة ولم تستطع أن تخرج أنفاسها التي انحشرت داخلها حينما رأت تلك الناقلة المحمل عليها هلال. بالتأكيد هو ليس غيره. اغرورقت عينيها بالدموع مهددة بالنزول وهي تتابع قربه منها.
"هلال مات يا ورد" هتفت بهم نادرة متحسرة على فراقه.
هنا خارت قوة ورد على التحمل وتحولت تلك العبرات إلى بحور من البكاء المرير. بدأ صدرها في العلو والهبوط، تستمع لأنفاسها التي يتردد صداها داخلها محدثة ضجة غطت على الأصوات المجاورة لها. وضعت يدها أعلى صدرها من الجهة اليسرى، يعاد شريط ذكرياتها من ليلتها الأولى معه ومنعه من التمكن منها إلى آخر رفض فعلته فتسببت بهروبه خارج المنزل وها هو يعود إليها مرة أخرى لكن جثة هامدة!
رجفة قوية سرت في أوصالها ثم وقعت مغشياً عليها من هول المصيبة التي لم يتحملها عقلها.
***
ظهرت بعد اختفائها لبعض الوقت، كانت تستعيد بعضاً من قوتها التي تبخرت بمجرد ما رأت زوج ابنتها غارقاً في دمائه يلفظ أنفاسه الأخيرة. أوقفها حمدان متسائلاً بحدة:
"على فين؟"
أجابته بحنق مختصرة الحديث معه:
"على بيت بتي."
اقترب منها ووقف قبالتها فأجبرها على النظر إليه، فتفاجئت بالوعيد الذي يشع من سوداوين التي اخترقتها وخفق قلبها خوفاً بسبب نظراته. مال برأسه بقرب أذنها وهمس مهدداً:
"إوعاكي تفكري تجولي لبتك عن اللي حصل، صدجيني اللي وصله جوز بتك ديه بسبب عناده ووقوفه قصادي يعني أنا مهفلطش بالحديث أنا بنفذه طوالي."
ارتعبت من وعيده وحدقت به مبدية اشمئزازها من جبروته:
"ربنا على الظالم والمفتري."
تحركت مبتعدة عنه لكنه أمسك بذراعها وأعادها إليه مردداً بحزم:
"هعديها عشان الظرف اللي أنتِ فيه، لكن ابجي حاسبي على حدويثك معايا بعد أكده."
حاولت سحب ذراعها من بين قبضتيه المتينتين لكنه أبى. داعب شاربه بسبابته، سامحاً لعينيه أن تتمتع بوجهها الذي يحفظ معالمه جيداً. رجفت سنية بشدة لذاك الوضع المريب، فشعر هو برجفتها التي هزت كيانه الذكوري وتمنى لو يعاد الزمن من جديد ويكون أول رجل بحياتها وليس أخيه.
حرر قبضته سريعاً حينما ظهرت ثريا وحاول إلهاء الأخرى، أمراً:
"غيري خلجاتك وروحي معاها، اعملوا الواجب واجفوا مع نسايبنا في الشدة اللي هما فيها دي."
"أي واجب تتحدث عنه، لقد قُتل الشاب على يديه فأي هراء ذاك الذي يأمرهم به؟" صاحت به ثريا مندفعة به وهي لازالت أسفل تأثير الصدمة:
"واجب!! أنت بتتحدت عن الواجب؟ أنت تعرف يعني إيه واجب يا جتال الجتلة أنت؟"
شعرت ثريا بحرارة الصفعة التي دوت على وجنتها. نهرها حمدان بإنفعال:
"إجفلي خشمك يا ولية، تتحدتي معايا بأدب بعد أكده وإلا مش هسمي عليكي أنتِ فاهمة."
انسدلت دموع ثريا وهي تطالعه ببغض وكره لم تشعر بهما من قبل. رمقت ثريا سنية بإنكسار وابتعدت عنهم وهي منكسة الرأس. ناداها حمدان بتجهم:
"أنا جولت روحي وياها اعملوا الواجب مش هعيد حديتي تالت."
هان كرامتها لطالما كانت تعززها طيلة الوقت، لكن جبروته سيمحيها إن اعترضت. قالت بعد أن تنهدت لتخرج نبرتها غير متأثرة بفعله لكي لا تشمت بها سنية:
"هغير هدومتي ونمشوا."
اختفت خلف باب غرفتها، بينما لم تتحمل سنية الوقوف معه في نفس المكان وهرولت مسرعة إلى الخارج تنتظر مجيء ثريا. عاد طاهر إلى المنزل بأمر من والده الذي تحدث فور وصوله:
"يلا عشان نروحوا نعزي، ده ناسيبنا وواجب نكون أول الحاضرين وناخدوا العزا معاهم."
قطب طاهر جبينه مردداً بعدم تصديق:
"أنت كيف جامد أكده كانك مش السبب في موته، جتلنا الجتيل وهنمشوا في جنازته كيف ما بيجولوا."
نفخ حمدان بضجر بائن، احتقن وجهه وبدا كالبركان الثائر الذي يود الانفجار من كثرة هرائهم، لكنه تحلى بالصبر لبضعة لحظات وشرح له الربح العائد الذي سيحل عليهم من خلف تلك الحادثة:
"يواد متجفلش مخك عاد وفتحه، أنت رايد تتجوز بت عمك وأهي الفرصة جت لك أهي على الطبطاب ومش أي فرصة ديي فرصة العمر يولا، هتجيلك شايلة شئ وشويات من ورثها لأبن العمدة يعني جوازة ربحانة."
حرك طاهر رأسه مستنكراً لما يصغي إليه، حتماً يحلم، هذا ليس بوالده الذي عاش معه تلك الأعوام الماضية. أخذ زفيراً وأخرجه ببطء وردد بنبرة محتقنة:
"متى بجيت بالجسوة دي؟ جبت جحود الجلب ديه منين؟ أنا حاسس إني معرفكش واصل أنت مين؟ لا يمكن تكون أبوي كدوتي اللي بضرب بيه المثل في كل حديتي!!"
صعق حمدان من حديث ولده الذي وصفه به، توجه نحوه وأشار على عقله مستاءً منه:
"جرب تبجي زيي والدنيا كلها هتكون في يدك."
أجابه بإنفعال شديد مبدياً رفضه التام أن يشبهه:
"أنا معايزش أكون شبهك واصل، أنا بخاف ربنا كيف ما علمتني وأنا صغير، فاكر ربنا يا بوي؟ ولا شكلك نسيته ونسيت عقابه اللي عشت تخوفني منه لو صدر مني غلطة؟"
استطاع طاهر النجاح في تأنيب ضمير والده الذي انفجر به بصوت عالٍ يمحي أي صراع سيعيشه من خلف حديثه بصراخه عليه:
"إنكشح من جدامي داهية تجرفك أنت واللي عيتحدت معاك بعد إكده."
تقوس ثغر طاهر بإستحقار بائن على تقاسيم وجهه، أولى ظهره وانسحب خارج المنزل مهرولاً لا يطيق المكوث معه في المكان نفسه. لابد أن يقف بجوار حبيبته بالتأكيد قد تبدد الحزن في قلبها، هو تمنى أن تكون حلاله يوماً بأي طريقة، لكنه لم يرضي تلك الطريقة. سلك أقصر طريق يوصله إلى السرايا، عقله منشغل بعشرات الأسئلة التي تدور حول لقائه مع عائلة الجبلاوي ووالده نفسه قاتل ولدهم. هل سيصمد أمام دموعهم؟ ستستمر مواساته وهو الجاني؟ سيقف معهم يأخذ العزاء دون شعور بتأنيب الضمير؟ كان يقدم خطوة ويؤخر خطوات ليس بتلك الشجاعة حتى يقف أمامهم بثبات بينما يعلم من الجاني. ليس في يده سوى تقديم المواساه حتى وإن كلّف الأمر معاناته طوال قربه منهم فقط لأجل ورد.
***
تفتحت أهدابها المتلاصقة معلنة يقظتها، جالت الغرفة بزروقاتها التي انطفأ وميضها. تسارعت ضربات قلبها حينما تذكرت آخر ما رأته قبل أن تفقد وعيها. دخول هلال محمل في النقالة الطبية مغطى بالغطاء الذي منعها من رؤيته بوضوح. انتفضت من مكانها بذعر وكادت أن تهم بالخروج لولا ولوج والدتها قد منعها. تفاجئت السيدة سنية بصحوتها ورددت بشعور من الطمأنينة:
"الحمد لله إنك فوجتي، أنا شيعت طاهر للداكتور من جلجي عليكي، هروح ألحجه جبل ما يمشي."
هرولت السيدة سنية خارج الغرفة ومن ثم أخبرت طاهر باستعادة ورد لوعيها، فأزفر أنفاسه براحة كبيرة ثم عاد ليقف مع شباب عائلات البلدة.
عادت سنية بأدراجها إلى وحيدتها تواسي قلبها الحزين. طالعتها ورد لبرهة وذكري دخول هلال عليها بتلك البشاعة لا تفارق عقلها. ارمت بين أحضان والدتها جاهشة في البكاء بألم الفراق الذي لا تتحمله.
ضمتها سنية بقوة محاولة امتصاص حزنها بترديدها للآيات التي تحثها على التحلي بالقوة والصبر وتحتسب عند الله:
"وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون."
توجهت سنية إلى الفراش برفقة ورد التي توسطت صدرها وأضافت:
"احتسبي عند ربك يا حتة من جلبي، هو جدره ومكتوبله يجابل ربه دلوك."
صدرت منها شهقة قوية من جوفها المحترق، لا يستوعب عقلها ما فعلته به وهتفت صارخة بحسرة:
"أنا عتوجع على اللي عملته فيه ياما، مات وهو زعلان مني، هجابله كيف وجلبه مش صافي نحيتي."
أسرعت سنية مجيبة بعتاب لحديثها:
"بعد الشر عنك يا جلب أمي، هلال الله يرحمه كان طيب ومهيزعلش من حد واصل."
اعترضت ورد حديثها قائلة بتهكم:
"آخر مرة شوفته كان غضبان عليا وهمل لي الاوضة ومشي، يبجي كيف مش زعلان مني؟"
حاولت سنية التخفيف عنها ربما تكف عن إيلام ذاتها مردفة:
"أنا بنفسي شوفته وسألته عليكي وجالي أنك كويسة وكان عيتبسم وهو بينطق اسمك كيف ما يكون عاشجك."
ابتعدت عنها ورد وطالعتها بلهفة واضحة وسألتها العديد من الأسئلة باهتمام:
"جالك أنه مش زعلان مني صوح؟ كانت نبرته مخنوقة ولا بيتحدت بعفوية كيف طريجته؟"
نهضت وسارت في الغرفة دون توقف مضيفة لأسئلتها:
"كان رايح فين؟ يا ترى مين عمل فيه أكده؟"
ثبتت بصرها على والدتها مرددة بنبرة متحشرجة من خلف بكائها المستمر:
"مين اللي معندوش جلب اللي جدر يجتله بدم بارد ويوهرب، متوجعش عليه وهو عيصرخ من الوجع؟ للدرجة دي الجلوب بجت سودة وتخوف، جدر يهملوا لحاله وهو عينزف ويتوجع!"
جلست على الفراش بإهمال ووضعت يدها أعلى قلبها الذي ينفطر حزناً متابعة لحديثها بنبرة متألمة:
"موجوعة عليه جوي ياما، على اللي حصل له أكتر من فراجه، هو ميستاهلش أكده واصل."
تنهدت السيدة سنية بقلب يتمزق على عبرات صغيرتها التي تنسدل بغزارة دون توقف. كادت أن تشي بفعلة ذاك الحقير لكي ينال عقابه، لكن تحذيراته كانت ترغمها على الصمت من أجل حماية صغيرتها من شره التي ذاقت مرارته اليوم. تشعر كأنها مربوطة بحبال معقدة تقيدها، لم يكن في وسعها فعل أي شيء سوى أن تضم ابنتها إلى حضنها مواسية إياها بكلمات حنونة لعلها تهدئ من روعها قليلاً.
***
بشموخٍ وقامة منتصبة يقف بين الجميع يأخذ عزاء أخيه بعد أن ودعه إلى مثواه الأخير بعد صلاة الظهر مباشرةً. هكذا يبدو عليه الصلابة والقوة التي يتحلى بها في هذه المصيبة الفاجعة عكس باطنه التي يتمزق أشلاءً ناهيك عن عقله المشوش الذي يرفض ذلك الفراق المفاجئ.
لم يكن شقيقاً له فقط، قد كان خير الصديق ورفيق الطريق. كان مدلله الصغير يعتبره ابناً قبل أن يكون شقيقاً. لقد حضر يوم وضعه وهو من أسماه بـ "هلال". كان يعد الدقائق التي تمر وكذلك الأسابيع والشهور وهو يتابع نموه بدقة واهتمام ليلعب معه يوماً.
تذكر أثناء تسللهم من الغرفة ليلاً وهروبهم من المنزل لكي يكتشف هلال معالم القرية جيداً برفقة مصطفى صاحب الفكرة. كان يريده أن يكبر سريعاً ويعلم كل ما جمعه مصطفى من خبرة ليكونا فريقاً تشهد له القرية بقوة أولاد خليل الجبلاوي كما كان يحثهم والدهم دوماً.
طرقت ذكرى أخرى على عقله حينما ضُرب هلال من قبل مجموعة من الأطفال وعاد إلى أخيه باكياً يشتكيه، فاحتقن وجه مصطفى وبرزت الدماء في عروقه بغضب. لم يتحمل أن يصيب صغيره أي مكروه حتى وإن كان خلف ذلك أطفالاً ليس إلا. أخذه وعاد إلى مجموعة الأطفال وقام بربطهم واحد تلو الآخر حول الشجرة وأمر هلال بصفعهم مثلما فعلوا، وبعد أن أخذ ثأره منهم تركهم مربوطين مكانهم حتى يلقنهم درساً ويفكروا مراراً وتكراراً قبل أن يقتربوا من شقيق مصطفى الجبلاوي.
مر شريط ذكرياتهم سوياً أمام عينيه في لحظات سريعة مؤلمة لم تضيف له سوى الألم والقهرة. لطالما كان يداري ألمه قدر المستطاع، فهو لن ينحني أمام الجميع ويظهر حزنه، هو مصطفى خليل الجبلاوي لا يحزن، لا يتألم، لا يساعدهم في أخذ صورة الضعف وقلة الحيلة عنه. ازداد انتصاباً في وقفته وهو يطالع الجميع بأعين احتقارية. لا يطيق رؤية كلٍّ منهما فهم لا يجعلونه يعيش حداده على أخيه كما يجب أن يكون. أخذ نفساً عميقاً وأخرجه ببطء ثم توجه إلى والده وانحنى عليه بقرب أذنه هامساً:
"جول الناس دي تمشي يا بوي إحنا مهناخدش عزا."
أومأ له خليل بالقبول ثم نهض بمساعدة مصطفى، لكن لن يستطيع فرد ظهره الذي انحنى قليلاً عن ذي قبل. أجبر الجميع على الإنصات إليه بنبرته الحادة الذي يخشاها الجميع:
"سيعكم مشكور يا چماعة بس إحنا مهناخدوش عزا جبل ما ناخد إبتارنا من اللي عمل أكده في ولدي."
أنهى جملته وانسحب من بين الجميع باستقامة منحنية حتى وصل إلى غرفته. أغلق مصطفى باب السرايا بعدما هدأت الأجواء ولم يتبقَّ سواه في المكان. زفير وشهيق فعل، لقد حان وقت انهياره بمفرده. كاد أن يغادر لكن طرقات الباب أوقفته. عاد إلى الباب وفتحه وإذا بهم رجال الشرطة.
رحب بهم ودعاهم للدخول ثم أمر عسران بمناداة والده لأنهم يريدونه. صافحه ضابط المباحث قائلاً بعد حضوره:
"البقاء لله يا عمدة ربنا يچعلها آخر الأحزان إن شاءالله."
أجابه مختصراً حديثه بنبرة مهزوزة:
"البقاء لله وحده يا نفادي بيه بس إحنا مبناخدوش عزا جبل ما ناخدوا بتار ولدي متشكرين ليك."
لم يتعجب نفادي من حديث خليل فهذا هو عرفهم السائد المتعارف عليه لديهم.
لكنه حاول منعه من أي تسرع في الأمور.
- تار إيه عاد يا عمدة اللي عتتحدت عنيه؟ أنت راجل ناضج وأمور أجدادنا ديي بجت قديمة خلاص، الوجتي فيه قانون ياخد لك حقك من غير ما تلطخ يدك بنقطة دم واحدة.
لم يجبه خليل فهو لم يقتنع بما قاله، فتابع الآخر حديثه مضيفاً:
- تحرياتنا بتجول إن القتل ده مقصود ومترتب له تمام، كون إن القاتل يرميه في الأرض الغربية تبع عيلة الشرجاوي يبقى عارف هو بيعمل إيه صوح. الأرض دي طالع عليها إشاعات إنها مسكونة بالجن والعفاريت ومحدش بيهوب ناحيتها واصل ولا بيمشوا حتى من الطريق المقابل ليها.
صدح صوت "مصطفى" الجامد متسائلاً بفتور شديد:
- من الآخر عرفتوا مين اللي عملها؟
أجابه محقق المركز بنبرة عملية:
- لسه يا باشمهندس بس...
قاطع "مصطفى" حديثه ناهياً ذاك الحوار العقيم الذي لا فائدة منه بهجوم:
- يبقى شكر الله سايعكم تاني يا نفادي بيه، لما تجيب لنا معلومة صريحة أبقى تعالى، مش عايزين نتعبوك يا راجل، الطريق طويل من المركز لإهنه.
أولاه ظهره وصعد سريعاً إلى الأعلى يريد الهروب من وجوه الجميع، يريد أن ينفرد بذاته قليلاً يخرج ما به من آلام حزينة تمزق قلبه إرباً. أوصد الباب خلفه وتوجه نحو الفراش بخطة غير مستقيمة. أستلقي عليه وصورة أخيه وهو يعافر مع الموت لا يستطيع نسيانها ورميها خلف ظهره بسهولة.
إنفجر باكياً بمرارة فراق غاليه وردد بنبرة متحشرجة من فرط بكائه:
- هتوحشك جوي يا خوي، الحياة طلعت قصيرة جوي، كنت فاكر هنشيب مع بعضينا بس أنت سبقت، متحملتش الحياة ديي إياك!! هتحملها أنا كيف بعديك؟
كز مصطفى على أسنانه بغضب عارم كما إحتدت ملامحه وبدا وجهه كالبركان الثائر الذي تغلي به نيرانه، وتوعد لمن تجرأ وأخذ منه أخيه مردداً من بين أسنانه المتلاحمة:
- أعرف بس هو مين وهفضل أقطع فيه نثاير نثاير، هخليه يتمنى الموت ولا يطوله عشان يعرف إن اللي قتلها دي أخو مصطفى الجبلاوي اللي مابيسيبش حقه واصل.
إرتخت ملامحه رويداً رويداً وعادت عبراته تهطل كحبات المطر من جديد، لكن تلك المرة في صمت مريب. لم يصدر أي صوت من مصطفى غير تلك الشهقات الموجوعة التي تصدر عفوياً منه من حين لآخر حينما تأكد من عدم وجود هلال ثانيةً.
هبطت ورد برفقة والدتها وتفاجئت كلتاهما بوجود الشرطة في السرايا. كان يحاول نفادي أن يقنع خليل أن يتخلي عن ثأره الذي بات عُرف من قديم الأزل، لكنه كان يقابل فشل ذريع أمام كبير عائلة الجبلاوي.
تنهد "نفادي" بنفاذ صبر وألقى آخر ما تبقى في جوفه مستاءً:
- على العموم يا عمدة إحنا بردك هنعمل كل اللي شغلنا بيحتمنا عليه ولو وصلنا لحاجة هنبلغوك بيها، عن إذنك.
- إذنك معاك. قالها "خليل" بجمود.
بينما لحقت "ورد" بالمحقق قائلة:
- استني يا حضرة، عندي حديث يمكن يفيدك في تحجيجك.
توقف وإستدار إليها بنظراته الثاقبة ينتظر ما تريد قوله. وقعت جميع الأنظار على ورد وما تفوهت به لتوها. سحبت "ورد" نفساً عميقاً ووجهت بصرها إلى السيدة سنية مرددة:
- جولي يا أما اللي جولتيهولي.
خفق قلب سنية خوفاً من المواجهة التي وضعتها ورد بها، تسارعت نبضاتها بسرعة شديدة وكأن هناك من يجري خلفها، إرتبكت من خلف تلك النظرات التي تحولت جميعها عليها في انتظار حدوث طفرة عظيمة توصلهم لشئ ما.
سنية:
رواية عرف صعيدي الفصل الرابع 4 - بقلم تسنيم المرشدي
أزهر أمل جديد في قلوب الحاضرين، الجميع ينتظر على أحر من الجمر حديث السيدة سنية التي أخبرتهم عنه ورد.
اهتزت سنية وهي تواجه أعينهم المتأملة، ابتلعت ريقها وقبل أن تتحدث قاطعها دخول طاهر الذي عاد ليأخذ والدته وسنية التي لم تبرح مكانهما منذ وصولهما من عدة ساعات.
كما تفاجأ بوجود الشرطة في المكان وشعر برعب بداخله، ناهيك عن خفقان قلبه الذي ازداد متوجساً خيفة من رؤيتهم.
شهيق وزفير فعلت السيدة سنية، ثم أردفت بنبرة متعرقلة في حديثها متوجسة خيفة من ذلة لسانها:
"مش حاجة مهمة يعني."
أجابها المحقق بنبرة عملية:
"أي حاجة مش شايفاها مهمة ممكن تساعدنا إحنا، إذا سمحتي قولي كل اللي تعرفيه."
أومأت برأسها وهي تطالع طاهر الذي كان يشير إليها بسودتاه محذراً إياها بألا تخبرهم حقيقة الأمر.
حاولت تنقية كلماتها بعناية ورددت بحذر شديد:
"أنا شفته وسألته على حاله وحال ورد، بس أكده."
اقترب منها نفادي متسائلاً عدة أسئلة:
"كان رايح فين؟ حد كان وياه ولا كان لحاله؟ وكانت الساعة كام أكده تجريباً؟"
ارتبكت هي من تلك الأسئلة التي ليس لها إجابات صريحة، فهي من اختلقت لقاءها مع هلال لكي تهون على قلب ورد قليلاً.
أنقذتها ورد حينما حاولت أن تفتح لها سبيلًا للحديث قائلة:
"هلال هملني وخرج من السرايا كنا المغربية أكده، وجتها أمي شافته وسألته عليا بس مخبرانيش إن كان معاه حد ولا لأ."
وجه نفادي بصره إلى السيدة سنية في انتظار إجابات صريحة على أسئلته التي وجهها لها.
أخذت شهيقاً ثم تابعت حديثها الكاذب:
"كان لوحده مشوفتش حد وياه."
صمتت وهي لا تعي أين تخبرهم بوجهته التي سلكها، فهي لا تعلم من الأساس.
هنا تدخل طاهر بحديثه يحاول إنقاذ زوجة عمه بقوله:
"ده نفس الوقت اللي راح فيه على القهوة اللي في آخر البلد."
حرك نفادي رأسه وضاق بعينيه على طاهر متسائلاً بصرامة:
"تطلع مين أنت وعرفت كيف؟"
ارتاعب طاهر من أسلوبه الحاد معه وحاول أن يتحلى بالشجاعة أمامه وأجابه بنبرة ثابتة:
"أنا طاهر حمدان المنشاوي، مرات هلال الله يرحمه تبجي بت عمي، وعرفت كيف لأني كنت في القهوة نفسها وشوفته حتى تعاركنا مع بعض."
شعر طاهر بفداحة ما أدلى به من خلف نظرات المحقق عليه.
رمقه نفادي بنظرات جامدة تظهر ما يوجد خلفها من اتهامات عدة.
سار بخطاه نحو طاهر الذي خفق قلبه خوفاً وهتف بسؤاله:
"وتعاركتوا ليه؟"
شعر طاهر بمرارة قاسية في حلقه، ابتلع ريقه وأجابه بتوتر بائن:
"عركة شباب يا حضرة، وكل واحد اعتذر للتاني وراح لحاله."
وجه بصره على العمدة وسأله ليبعد عنه الشبهات:
"مش أكده يا عمدة؟"
أماء له العمدة مؤكداً وردد باختصار:
"أيوة حصل."
لم يكتف المحقق بحديث العمدة وشعر أن هناك تلاعبًا ما في الأمر.
نظر إلى رجاله وأمرهم:
"هاتوه معانا نتاكد بنفسنا."
اتسعت حدقتا طاهر بصدمة كما تفاجأ الجميع بقرار المحقق الذي لم يكن يخطر على عقولهم.
اقتربت ثريا من ولدها وتشبثت بذراعه وتوسلت المحقق قائلة:
"ابني ملوش صالح عاد بلي حصل يا بيه."
أضاف طاهر على حديث والدته:
"أنا مجتلتش هلال عشان تاخدوني، مليش صالح عاد بالموضوع ده."
اكتفى نفادي بـ رمقهم بفتور شديد لا يتأثر بتوسلات ثريا ولا حديث طاهر.
انتظر حتى انتهوا من سخافتهم كما يعتقد وقال بجمود:
"كل الحكاية هنسأله كام سؤال، الموضوع مش مستاهل الجلج ده كله، ولا إيه يا طاهر؟"
استشف طاهر ما يرمي إليه نفادي ولم يقدر على نطق حرف زائد، فمهما قال لن يصغي إليه فعمله يحتم عليه ذلك، لكن لن يصمت ويتحمل عقاب تلك الجريمة التي ليس له يد فيها إن اضطر الأمر سيخبرهم بالحقيقة ولا يشفق على والده، هو من جنى على نفسه بقتل هلال بدم بارد.
لن يقبل أن يتم سجنه بين جدران السجن ويترك الجاني يستمتع بحياته في الخارج.
اقتربت رجال الشرطة من طاهر وأخذوه معهم إلى الخارج.
صاحت ثريا وصرخت بكل قوتها تريد تبرئة ولدها من تلك التهمة، لكن هيهات لهؤلاء الرجال لا يصغون إلى ما ترمي إليه من توسلات أمومية.
وقف الجميع يتابع ما يحدث في صمت.
لم تكن لديهم القدرة على الاعتراض أمام رجال القانون.
صدمتهم في فراق هلال كانت كفيلة لأن تلجم ألسنتهم وتقيدهم أمام الأمور مهما كانت عظمتها.
توجهت ورد مباشرةً إلى حيث يقف خليل وأرادت تبرئة طاهر قائلة:
"طاهر ميعملهاش يا عمي."
رمقها خليل بإرهاق بادٍ على ملامحه وأجابها مختصراً الحديث لكي يفر هارباً إلى غرفته:
"عارف يا ابنتي وانتِ بنفسك سمعتي نفادي وهو بيقول إنه هيسأله كام سؤال، يعني مفيش جلج."
أسرعت هي بالرد عليه متعشمة في لطفه:
"بس كلمتك أكيد هتفرج معاه، ياريت متهملش الموضوع وتتابعه بنفسك."
أماء رأسه بقبول ومن ثم انصرف سريعاً من أمامها قاصداً غرفته.
بينما نظرت هي إلى زوجة عمها محاولة طمأنتها:
"متخافيش يا مرت عمي، أنا مش هخليه يبات هناك ليلة واحدة."
رفعت ثريا بصرها على ورد بندم ممزوج بالشفقة، فكل ما حدث لها كانت السبب به هي وزوجها والآن هي من تدعمها وتطمئنها على ولدها.
لم تتحمل وأنهارت في البكاء نادمة بشدة على ما اقترفته في حقها.
حاولت ورد التخفيف عنها ببعض الكلمات الداعمة ومن ثم انصرفت ثريا برفقة سنية التي يتوعدن لحمدان أشد الوعد.
بينما عادت ورد على غرفتها تتفقد كل ركن قد حدث بينهما فيه حوار حتى إن كان قصيرًا.
جلست أمام الفراش مستندة على جداره ضامة ركبتيها أمام صدرها وحاوطت قدميها بكلتي ذراعيها دافنة رأسها بينهم سامحة لعبراتها في النزول بألم شديد.
في الغرفة المجاورة، ولج خليل إلى غرفته مطأطئ رأسه بهموم كثيرة قد وقعت على عاتقه.
ابتعدت صفية عن السيدة نادرة حاملة لصينية الطعام وأردفت بأسى:
"رافضة الأكل ومش راضية تحط لقمة في بوقها، حتى العلاج رافضة تاخده وأنا خايفة السكر يعلى عليها وتدخل في غيبوبة كيف ما بيحصلها لما تمنع الأكل."
أخذ شهيقًا موجوعًا وأجابها بمزاج غير سوي:
"ومين له نفس للأكل يا صفية، عمود من عمدان السرايا اتهد، ناكل كيف قوليلي."
بكت صفية متأثرة بحديثه ورددت مواسية إياه:
"ربنا يصبركم يا سيدي."
صدرت منه تنهيدة حارة تدل على عمق حسرته ووجه حديثه إليها أمرًا:
"هملينا لوحدنا يا صفية وسيبي الأكل هنا."
أماءت له بالقبول ووضعت الطعام أعلى الطاولة ثم قامت بسحبها بالقرب منهم لكي يسهل عليهم تناوله وغادرت الغرفة داعية الله أن يصبر قلوبهم على مصيبتهم.
استند خليل على حائط الفراش وأوصد جفنيه للحظات.
أخرج كل ما في جوفه بنبرة متحشرجة:
"يا ريتني كنت أنا يا ولدي وأنت لأ، ما أقدرش أتحمل فراقك عني، كيف هعاود للدار ومتستقبلنيش ببسمتك وشقاوتك كيف ما بتعمل، مصطفى هيجف قصادي عشان مين دلوقت؟ مين هيحرث حتة صغيرة من الأرض طول اليوم وعيقول إنه حرث الأرض كلها لوحده، قطعت بيا يا هلال، كنت فاكر إنكم هتوصلوني لجبري وتجفوا تاخدوا عزايا، ما كنتش أعرف إن أنا اللي هاخد عزاك الأول يا غالي."
خارت قوة خليل ولم يعد يستطيع إكمال حديثه وانفجر باكيًا، تخرج منه شهقات قوية من آن لآخر.
آهات مكلومة خرجت من صدر أب يتمزق قلبه على فراق غاليه.
أين جبروت تحكماته؟ أين قوة أسلوبه وطريقته الخشنة؟ أين هم الآن؟ لقد دفنهم مع صغيره في ذلك القبر الموحش.
تنسدل عبرات نادرة على الوسادة ولا تصدر أي حركة ولا أنين، فقط تبكي في صمت إلى أن تورم جفناها ولم تعد ترى بوضوح كما كانت.
حرك خليل رأسه ونظر إليها وأردف بنبرة آمرة:
"قومي كلي لك لقمة لحسن تطبّي ساكتة."
أجابته بتمني لحديثه:
"يا ريت وأروح لحبيبي."
أوصد عينيه بتحسر على ما أصابهم وردد مستنكرًا حديثها:
"وتهمليني يا نادرة؟ بلاش أنا، تهملي ولدك مصطفى؟ رايده يتوجع على فراقك كيف ما بيتوجع على فراق أخوه دلوقت؟ قومي كلي عشانه هو على الأجل."
رفضت نادرة إدخال أي شيء في جوفها وباتت تبكي كما تفعل، لا تصغي لأي من توسلات زوجها التي يحثها على التوقف والتحلي بالقوة، لكن هيهات لكلماته أمام آلامها وأحزانها.
في مركز القرية وبالتحديد غرفة التحقيقات، يجلس نفادي على مكتبه يطرح أسئلته على طاهر بنبرة صارمة:
"يعني اتعاركتوا عشان نفثت دخانك في وشه جولتلي، وليه تعمل حاجة زي أكده، ده انتوا نسايب يا راجل يعني عيبة في حقك."
أخذ طاهر شهيقًا يحاول طمأنة نفسه بأن الأمر لا يستحق كل ذلك الارتباك وأجابه بنبرة مهزوزة بعض الشيء:
"كنت مخنوق وهو واضح أنه كان مهموم، إثنيناتنا طلعنا خنجتنا في بعض، ديي كل الحكاية، صدقني أنا آخر واحد تفكر أنه ممكن يقتل، أنا مقدرش أقتل فرخة، هجتل بني آدم من لحم ودم!"
رفع نفادي حاجبيه للأعلى كذلك رفع شفته السفلى لتغطي الشفاه العلوية ورد عليه بفتور:
"هنشوف يا طاهر، موضوع الفرخة ده بس لأول نشوف موضوع قتل هلال."
صمت نفادي وارتشف بعض المياه ثم تشجع بصوت عالٍ وأضاف بنبرة أشد جمودًا:
"وعلى لما نوصل لحاجة تثبت براءتك أو تدينك هتشرف عندنا هنا شوية."
صعق طاهر مما وقع على مسامعه وحاول نفي التهمة من على عاتقه:
"يا نفادي بيه أنا مليش صالح، أحلف لك بإيه عشان تصدقني وبعدين تجعدني هنا ليه، مفيش دليل ضدي عشان تؤمر بحبسي."
انتفض نفادي من مكانه بعصبية بالغة وضرب المكتب بكل قوته براحة يده وأندفع فيه:
"أنت هتعرفني شغلي ولا إيه، وعشان حديثك ده هخليهم يستجوبوك أحلى استجواب يليق بيك."
وجه نظره إلى الباب مناديًا بصوت مرتفع:
"أنت يا عسكري اللي برا، تعالي خد المتهم ده."
ظهر العسكري من خلف الباب ما إن أنهى نفادي جملته وأمسك بذراع طاهر آمرًا إياه بحدة:
"قوم يا خوي."
أوقفه نفادي قبل خروجه قائلاً:
"خليهم يستجوبوه زين."
رفع العسكري ذراعه للأعلى بقرب أذنه وهتف بطاعة:
"تمام يا فندم."
عاد نفادي لمقعده وقام بالاتصال على أحد رجاله وقال:
"جيب لي صاحب القهوة اللي قامت فيها العركة وكل اللي كانوا حاضرين."
جاءه الموافقة على ما أمر به من الجهة الأخرى فأغلق الهاتف ووجه بصره نحو الباب متمتمًا:
"لما نشوف لك يد يا طاهر ولا كيف ما بتقول."
***
اقتحمت المنزل كالـ ثور الهائج تبحث عن حمدان.
وقفت في منتصف المنزل وصاحت بانفعال شديد:
"حمدان انت فين يا حمدان، ولدك اتاخد في الرجل من ورا عمايلك السود، أنت فين رد عليا؟"
ظهر حمدان من خلف باب غرفته لا يعي ما قالته.
أقترب منها بملامح جامدة كعادته وردد:
"بترغي وتجولي إيه يا ولية؟"
اقتربت هي منه إلى أن التصقت بصدره وأجابته مشمئزة منه:
"ولدك الحكومة خدته لما عرفوا إنه اتعارك مع ولد العمدة، أنا ما أتحملش أقعد دقيقة واحدة وابني جوه المخروب ده، شوف لك صرفة خرجه بيها أصل أنا اللي أخرجه بطريقتي."
ألقت آخر جملتها مهددة إياه لكي يخشاها وينفذ أمرها.
كز حمدان على أسنانه بغضب يفوق الوصف ولم يشعر بأنامله التي تخللت حجاب ثريا ليمسك بخصلاتها أو ربما ينتزعهم وجرها خلفه إلى غرفتها غير آبه لصراخها الموجوع.
ألقى بها أرضًا وردد بـ وجع محتقن قبل أن يغلق باب الغرفة:
"ده عقاب اللي يهدد حمدان المنشاوي."
أوصد الباب بالمفتاح ثم ابتعد عنه فلحقت به صباح قائلة بشفقة على حال والدتها:
"يا بوي هتسيب أمي في الأوضة محبوسة أكده لميتي؟"
أجابها من بين أسنانه المتلاحمة بغضب:
"تلات ليالي، لا تاكل ولا تشرب ولا حد يسأل عنها، أنتِ فاهمة؟"
عارضته صباح هاتفة:
"كتير قوي يا بوي."
نهرها حمدان دون رأفة هادرًا:
"ملكيش صالح عاد بلي يحصل، وأنتِ لسه هنا، بتهببي إيه؟ ما رحتيش لبت عمك تقفي معاها في محنتها ليه؟"
أضـاقت صباح عينيها على والدها لا يستوعب عقلها حقًا جمود حديثه كأنه ليس له يد فيما حدث.
لـوهلة صدقت أفعاله وحسن نواياه من خلف ما يأمرها به.
قطع حبال أفكارها بإنفعاله:
"هتفضلي تبحلقي فيا كتير، همي يا بت، غيري خلجاتك وروحي السرايا طوالي."
اختفت صباح من أمامه عائدة إلى غرفتها تلبي ما أمرها والدها به لكي لا يكون لها نصيب من عقابه هي الأخرى.
بينما ردد بحمدان بعجرفة:
"كنت عارف إن ده هيحصل عشان كده اتصرفت صح."
ظهرت على محياه بسمة عريضة لدهاائه لكن سرعان ما اختفت بسمته حينما رأى السيدة سنية تقف في نافذة منزلها.
قادته قدماه إليها وطرق بابها بأسلوب غير لائق تمامًا.
انتفضت الأخرى من مكانها مذعورة من خلف طرقات الباب بذلك الشكل.
هرولت لفتحه بقدم تتعثر في الأرض من فرط خوفها، تفاجأت بحمدان يقف أمامها وقبل أن تعاتبه انفجر هو بها:
"أنتِ يا ولية مصممة تعصيني ليه؟ مش جلتلك هتقعدي في داري، مبتسمعيش الحديث ليه؟"
التقزز! قد شُكل على تقاسيم وجهها وأجابته بوجه عابس:
"أنت ملكش حكم عليا يا حمدان، أنا لا مرتك ولا أخصك من الأساس عشان تبيع وتشتري فيا كأني بهيمة من بهائمك، أنا مرت أخوك الله يرحمه، تحترمني وتلزم حدودك معايا."
صمتت السيدة سنية وانفجرت ضاحكة على آخر ما أردفته متمتمة بسخرية:
"احترام إيه اللي بتتحدث عنه؟ واحد قاتل هيعرف إيه عن الاحترام."
تحولت ملامحها إلى الاشمئزاز منه ومن دناءته وتابعت حديثها مضيفة:
"صدقني يا حمدان إن ما بعدت عني وعن طريقي لأكون قتلاك وبدل ما يبقوا واحد قاتل في العيلة يبقوا تنين، ودلوقتي اطلع برا دار أخوك اللي ما صنتش حرمته."
انتظر حينما انتهت من حديثها وأردف ببرود يميل إلى التوعد:
"همشي دلوقتي بس هعاود تاني ولما أرجع هاجفلك خشمك ده طول عمرك يا سنية."
أولاها ظهره وغادر وهو يضغط على أسنانه بغضب شديد متوجهًا إلى مركز القرية لكي يخرج ولده مما وقع فيه.
***
طرقت بابها ثم ولجت للداخل ما إن سمحت الأخرى لها.
وقفت أمامها وقالت بهدوء:
"بت عمك موجودة تحت وجاية تعزيكي."
تأففت ورد بفتور شديد فهي ليست على استعداد لسخافة صباح الآن، لكن ربما ستواسيها حقًا.
أي سخافة ستحدثها في عظمة الموت؟
لـامت ورد نفسها على تفكيرها الذي ليس في محله وهبطت مع صفية إلى حيث تمكث صباح.
اقتربت منها صباح وضمتها لحضنها فتعجبت ورد من تصرفها الذي تتعامل معه للمرة الأولى، لكنها بادلتها الحضن بهدوء فهي في أمس الحاجة لوقوف الجميع بجانبها في تلك الأثناء العصيبة.
لكن سرعان ما ابتعدت عنها بعدما رددت صباح بتشفي:
"جلبي عندك يا بت عمي، الراجل معمرش معاكي يومين وجبتي أجله."
صعقت ورد مما سمعت إليه، صدمتها كانت شديدة ولم تستوعب أن الحديث خرج من فم ابنة عمها التي من المفترض هي من تواسي حزنها، فهما الفتاتان الوحيدتان في العائلة.
فلكل موقف حرمته وتلك تعدت الحدود بمراحل.
انتبهت ورد لحديث الأخرى وهي ترمق السرايا بابتسامة عريضة:
"ملحقتيش تتهني بالعز طول عمرك، فجرية."
صوّبت صباح بصرها على ورد متابعة حديثها بسعادة:
"صعبة عليا يا بت عمي جوي، هتهملي الأوبة ديي وترجعي بيت بوكي تاني ووجتها يا حرام ما هتخرجيش منه واصل."
سارت نحوها بخطى ثابتة وانحنت على أذنها هامسة:
"أصلك هتكوني أرملة، والبنتة اللي زيي هما المرغوب فيهم، بس هبقى أدعيلك يجي لك عدلك ويعمر معاكي المرة ديي."
تراجعت صباح مبتعدة عنها وأشارت بيدها مودعة إياها:
"زارتك العافية يا بت عمي."
غادرت صباح السرايا وما إن خطت للخارج حتى احتدت ملامحها وهي تتذكر خطّاب ورد الكُثر.
لا يمر أسبوع إلا ويأتي به شاب يطلب يديها بينما هي التي تكبرها بخمسة أعوام إلى الآن لم يتقدم لخطبتها شاب أو حتى أرمل.
لم تحرك ورد قدميها بعد من هول الصدمة التي وقعت في براثينها.
أهي نذير شؤم مثلما لمحت صباح بحديثها؟
ترقرقرت عبراتها بحزن جلي لم تستطع التغاضي عنه.
كان يتابعن ما يحدث في صمت لكن قلوبهن تتآكل حزنًا على ورد، مشفقين على حياتها التي انقلبت رأساً على عقب وهي لازالت عروس لم تكمل يومين.
لم تتحملا الوقوف ومشاهدتها تبكي بمرارة وخرجن خلف بعضهن يريدن مواساتها والوقوف إلى جانبها بعد أن رأوا بأعينهم دنائة ابنة عمها واستحقرن تصرفاتها.
أنزلت ورد وشاحها ما إن شعرت بقدوم أحدهم، لكنها تفاجأت بـ هويدا وصفاء مساعدتي صفية على ما تظن.
تبسمتا لها واقتربت صفاء ضامتها دون سابق إنذار.
حضن صادق مخلص ربما بثبت فيها الطمأنينة.
وضع بدي مريب لورد لأنها لم تتعامل معهم من قبل، لكن شعور الراحة قد تغلغل داخل قلبها تدريجيًا إلى هدأت تمامًا وتبدلت مشاعرها بعد ذلك الحضن العفوي إلى سكينة.
ابتعدت عنها صفاء وأردفت بشفقة:
"إحنا جنبك يا ست ورد، اعتبرينا صحابك، مع إن يعني العين متعلاش عن الحاجب..."
قاطعتها ورد مستاءة من تفكيرها الساذج:
"متجوليش كده تاني يا صفاء، كلنا أخوات."
تقوس ثغر صفاء بابتسامة سعيدة بينما رددت هويدا بنبرة حادة وهي تتذكر حوارها مع تلك الأفعى:
"إحنا سمعنا كلام العجوزة بت عمك، أنا آسفة إني بجول كده بس اللي هيشمت في الموت يبقى جاحد ومعندوش قلب."
أخفضت ورد بصرها بحزن تبدد من جديد في قلبها فور تذكرها لكلمات صباح اللاذعة.
اقتربت منها صفاء ورفعت وجه ورد بسبابتها مشجعة إياها:
"الوجه الجميل ده ميطاطيش راسه واصل، هي غيرانة منك عشان أحلى وأطيب منها."
أخرجت ورد تنهيدة مرهقة ورددت بنفسٍ سوية:
"ربنا يهديها."
تعجبت الفتاتان من ردها المسالم كما تبسمتا على لطفها وتحدثت هويدا بحب ظاهر في نبرتها:
"إحنا موجودين هنا طول الوقت يا ست ورد، وقت ما تحتاجينا متتردديش، هنكونوا مبسوطين جدًا لو اعتبرتينا صحابك."
ابتسمت ورد ابتسامة لم تتعد شفتاها وأجابتها ممتنة:
"متشكرة جوي يا بنات، بس ليا طلب عندكم."
رمقنها باهتمام منتظرين إكمال حديثها بينما تابعت هي موضحة طلبها:
"بلاش ست ورد ديي، إحنا بنات زي بعض وتجريباً نفس العمر يعني لو عايزين نكون صحاب بلاها التكلف الماسخ ده."
تبسمت الفتاتان بينما هللت صفاء بسعادة:
"أنا بجول كده بردك مش بحب التكلف ده، بس قولتي تزعلي لو ناديناكي باسمك."
حركت رأسها نافية حديث صفاء وقالت:
"لا مهزعلش."
سألتها صفاء بفضول عفوي:
"عندك كام سنة على أكده، شكلك صغير؟"
أجابتها ورد متحسرة على زهرة شبابها التي اقتطفت باكراً:
"٢٢ سنة."
ردت عليها صفاء متحمسة:
"وأنا هكمل الـ ٢٠ الشهر الجاي."
أضافت هويدا مشاركة في الحديث:
"أنا بجا عندي ٣٠ سنة، يعني تجولولي يا ماما."
ضحكن جميعن لكن سرعان ما اختفت ابتسامتهم حينما رأوا هطول مصطفى من الأعلى.
مر بجوارهم دون إلقاء السلام وغادر السرايا، كانت تتابعه ورد متعجبة من تصرفه كأنهم نكرة لا يراهم.
استشفت صفاء نظرات ورد إلى ماذا توحي ورددت موضحة:
"هو كده قليل الكلام لكن جدع."
لم تكترث ورد لحديثها عن مصطفى ثم استأذنت منهم وعادت إلى غرفتها تعيش حدادها مع نفسها بمفردها.
***
انتفض حمدان من مكانه بعصبية شديدة.
أجمع ما خطط له لن يجدي نفعًا، لقد أجبر طاهر على السهر خارج المنزل برفقة أصدقائه لكي يكونوا شهود عيان إن حدث شيء كهذا.
لم يرضه ما يحدث وصاح بالمحقق شزرًا:
"عايز مني إيه تاني عاد؟ جبت لك شهود إنه كان سهران وياهم وكلهم شهدوا بنفس الحديث، مستني إيه عشان تخرجه من هنا، مفيش دليل واحد ضده."
نهض نفادي هو الآخر وهاجمه بانفعال شديد:
"أنت هتعرفني شغلي ولا إيه، وصوتك ده يوطى، أنت هنا في المركز مش دارك، ولو مخرجتش حالاً أقسم بالله أحبسك مع ولدك."
رمقه حمدان بغيظ عارم وحدثه بتوعد:
"معلوم، هخرج لكن هعاود تاني ومعايا اللي هيخرجه، ووجتها مش هتقدر ترفع عينك في عيني."
هدر به الآخر شزرًا:
"لو جبت لي المحافظ بذات نفسه مش هيخرج بردك غير بكيفي."
انسحب حمدان من الغرفة وهو يتوعد لذلك المحقق المتعجرف، لم يكن أمامه سوى اللجوء إلى العمدة لكي يخرج ولده من تلك المحنة.
وصل إليه السرايا بعد دقائق معدودة، دخل السرايا برفقة عسران الذي أمر صفية بمناداة العمدة.
طرقت صفية الباب بهدوء وأردفت حينما استمعت إلى صوت العمدة:
"حمدان عم الست ورد هنا ورايد حضرتك."
أجابها مختصراً:
"خارج له أهاه."
ارتدى خليل عباءته فوق جلبابه وسار للخارج لمقابلة حمدان الذي هرول نحوه متصنعًا لهفته الحزينة:
"عارف إن مش وقته بس طاهر ولدي اتاخد ونفادي رئيس مباحث المركز رافض يخرجه رغم إني جبت له شهود إن طاهر كان سهران معاهم ليلتها."
تنهد خليل مستاءً فهذا ليس بوقته هو وولده الآن، يريد أن يستجمع قواه التي انهارت تمامًا ودفنت مع فلذة كبده.
أخذ شهيقًا وأخرجه ببطء ووجه حديثه إلى عسران:
"جيب لي الموبايل من جوه لما نكلم نفادي."
لحق حمدان بعسران قبل أن يهم بالمغادرة قائلاً:
"بيقول لو مين كلمني مهيسمعش مني، لو روحت له أكيد هيقدر مجيتك للمركز ويطلع طاهر."
رمقه خليل بفتور وتهكم، أليس طلبه في تلك الأثناء دليلًا على قلة ذوقه كما يبدو سخيفًا للغاية؟!
سار بشموخ نحو سيارته آمرًا عسران بنفاذ صبر:
"تعالي لما نشوفوا الموضوع اللي مش في وقته ده."
تعمد إلقائه للحديث لعله يخجل حمدان من تصرفاته الغبية، لكن لم تهتز له خصلة كما اعتقد خليل، هو لا يكترث لما يحدث فقط يريد النجاة لولده الآن ثم يرد الصاع صاعين فيما بعد.
وصلا كلاهما إلى المركز، لم ينتظر خليل ودخل المكتب فور وصوله.
جلس أمام المحقق وأمره بنبرة صارمة:
"خليهم يخرجوا طاهر."
تقوس ثغر حمدان بابتسامة عريضة وطالعه بتشفي وترك الأمر لـ خليل فبتأكيد لن يخرج إلا برفقة ولده.
تعجب نفادي من أمر خليل واعترض موضحًا سبب اعتراضه وهو يرى نظرات حمدان المنتصرة كأنه فاز عليه في معركة ما:
"بس يا عمدة ده مشكوك في أمره، أطلعه كيف؟"
اندفع به خليل بنفاذ صبر:
"أديك جلتها مشكوك في أمره يعني معندكش حاجة تدينه."
وزع نفادي أنظاره بين خليل وحمدان الذي لم تفارق الابتسامة وجهه، كز على أسنانه بغضب وعاد ببصره إلى خليل وردد بنبرة حادة لينهي بها تلك السخافة:
"مهيطلعوش يا عمدة جبل ما اتأكد إنه بعيد عن الشبهات."
لقد بلغ ذروة تحمله، ضرب خليل الأرض بعصاه مندفعًا بعصبية بالغة:
"هيطلعوا ولا أكلم اللي يطلعك من الخدمة كلها؟"
صدرت قهقهة خافتة من حمدان الذي حاول كتمها لكي لا يقع عليه عيب قبل أن يتأكد من خروج ولده.
لم يكن أمام نفادي سوى الإفراج عن طاهر لعدم كفاية الأدلة.
نهض خليل من مكانه بعدما طلب نفادي من العسكري إحضار طاهر من زنزانته وقال قبل أن يذهب:
"كمل تحرياتك عن طاهر ولو وصلت لحاجة بلغني."
تفاجأ حمدان من طلب خليل لقد اعتقد أن بخروج ولده قد انتهى أمره من تلك القضية.
اقترب من خليل وأردف بنبرة متوسلة:
"ليه أكده يا عمدة؟ طاهر ميعملش حاجة زي دي واصل."
رمقه خليل بنظرات احتقارية مشتعلة تظهر ما يوجد خلفها من البغض الذي يكنه له في تلك اللحظة ورد عليه بحدة:
"متنساش إن ولدك اتعارك مع هلال الله يرحمه يعني مشكوك في أمره عندي بردك."
صعق حمدان من حديث خليل، لم يكن في حسبانه أن ابنه سـ يمسه السوء من خلف تصرفه الدنيء.
أخرج تنهيدة محترقة على ما وقع ولده فيه دون ترتيب.
بينما غادر خليل وهو ينوي أن يعيد حق ولده ويقتلع عين من فعل ذلك به.
سار بخطى سريعة خارج المركز وهو لا يرى أمامه سوى الشر الآن.
لم يستطع والده اللحاق به فناداه قائلاً:
"اصبر يا طاهر مش عارف أسابق خطوتك."
توقف طاهر عن السير فجاءة واستدار إليه بملامح تحمل قدرًا كافيًا من التقزز الذي يشعر به وصاح به مندفعًا:
"جبت الراجل اللي قتلت له ولده يطلعني منها، يا جبروتك يا أخي."
أسرع حمدان نحوه ووضع راحة يده على فمه محذرًا:
"ششش اجفل خشمك ده إحنا لسه قدام المركز، اتجننت إياك."
دفع طاهر بيد حمدان بعيدًا عنه وألقى بكلماته دون رأفة:
"أنا مش قادر أبصلك، مش رايد أتحدث معاك تاني، ميشرفنيش إنك أبويا بعد عملتك السود اللي لطتني أنا كمان."
رفع حمدان ذراعه للأعلى وأنسدل به على وجه طاهر صافعًا إياه بغضب دوي على تقاسيمه.
لم يتحمل طاهر الوقوف أمامه بعد أن صعق بـ فعله وتحرك مبتعدًا عنه بخطى مهرولة غير مستقيمة.
بصق حمدان حيث كان يقف طاهر وردد مستاءً:
"يلعن البطن اللي جابتك."
طالع المكان من حوله بتفحص يتأكد من عدم سماع أحدهم للحوار الذي دار بينهم وبين ابنه العاق وتحرك هو الآخر مبتعدًا عن المكان.
***
يركض تارة ويبطئ من حركته تارة أخرى.
شعر بالاختناق وكأن حجرًا ضخمًا يطبق على صدره.
وقف أمام مسجد القرية ولم يطل التفكير وولج داخله دون تردد.
توضأ وصلى ركعتين لله عله يشعر بالراحة.
ها قد اطمأن جوفه ما إن وقف بين يدي الله وبدأ يتلو الآيات.
انتهى من صلاته واقترب من إمام المسجد الذي يجلس أسفل المنبر ويقرأ القرآن بصوت عذب.
أغلق الإمام الكتاب ما إن شعر بقربه.
رفع بصره عليه وتبسم بود:
"كيفها أحوالك يا طاهر يا ولدي؟"
أخفض طاهر بصره للأسفل كما ارتخت ملامحه ظاهرة الهموم الذي باتت على عاتقه وأجابه بنفسٍ غير راضية:
"مش بخير يا شيخ هريدي."
أخرج تنهيدة مليئة بالهموم وتابع حديثه متسائلاً وهو ينظر في عينيه:
"هي القلوب بتتبدل يا شيخ؟ يعني ينفع راجل يكون زين وبعد أكده يتحول لراجل عفش وتصرفاته متطاجش؟"
أعاد الإمام الكتاب مكانه برفق وأجاب على سؤاله بسلاسة:
"والله يا طاهر يا ولدي، أنا شفت من أحوال الدنيا اللي اتعجب له، ياما ناس كتير كانت أئمة وحالها اـ تبدل أربعة وعشرين قيراط كأنهم كفروا بربنا، وليعذ بالله. أخطر مرض ممكن يصيب البني آدم هو البعد عن ربنا، لأنه أكده خسر آخرته.
عارف قوله تعالى "قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى".
يعني الدنيا دي أمتعتها كتير قوي وإما جاومتها بكل قوتك وإما وجعت فيها ونسيت آخرتك.
ده حال ناس كتير ربنا يردهم إليه ردًا جميلاً. الإنسان أوقات بيقرب من ربنا جوي وبعد أكده يطمن ويفكر إنه خلاص عمل لآخرته ويتلهي في الدنيا ومتاعها لغاية ما يبعد عن ربنا خالص وحاله يتبدل كأنه إنسان تاني متعرفهوش.
عشان أكده خلي الدعاء ده على لسانك طول الوقت متهملهوش واصل:
"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك".
ووقت ما تحس إنك بعدت عن ربنا ردد ده:
"اللهم ردني إليك ردًا جميلاً".
وأجفل أي باب لـ متاع الحياة اللي هتنسيك آخرتك."
ربت الإمام على ساق طاهر وأضاف:
"الله يبعدك يا ولدي عن فتن الدنيا."
ظهرت شبح ابتسامة على ثغر طاهر لم تتعد شفاهه وسأله بفضول تلك المرة:
"طب واللي يعرف حقيقة لموضوع ومقدرش ينطق عشان لو اتحدث هيأذي ناس عزيزة عليه، يكون عليه وزر يا شيخنا؟"
أجابه الإمام بتلاوة آية من القرآن:
"فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا".
اللي ربنا قصدتهم دول هم اللي بتتحدث بالباطل وتبلغ الناس بغير الحقيقة وتسكت وتكتم الحقيقة، الساكت عن الحقيقة شيطان أخرس."
طأطأ طاهر رأسه بحزن شديد قد اعتلى ملامحه وتبدد في قلبه، فهو يعرض عن الحق بل ويخفيه أيضًا.
نهض من مكانه بهدوء دون إضافة المزيد وانسحب للخارج بعقل مشوش.
سار باتجاه منزله وعقله محمل بالكثير من الأفكار التي تتعارض مع ذاتها.
لا يوجد مخرج صريح لهما، ماذا يفعل؟
يصمت ويعرض عن تلك الجريمة من أجل والده ويتشبه بالشيطان أم يفعل ما يحتم عليه ضميره ليرضي الله.
حرك رأسه حينما اختار جهته الذي سيسير بها.
عاد إلى المنزل ودخل غرفة الضيافة وفتح الخزانة التي تتوسطها ووقف يطالع سلاح والده الذي فعل بها جريمته وعزم أن يضعه في مكانه المناسب.
رواية عرف صعيدي الفصل الخامس 5 - بقلم تسنيم المرشدي
مرت أربعة أشهر وتسعة أيام لم يدق بابهم حدث جديد. وها هي ورد قد أوشكت عدتها على الإنتهاء. كما استبعد نفادي طاهر عن القضية لعدم وجود أدلة ضده. القضية لازالت مستمرة والتحقيقات لا تنتهي. كذلك لم يغمض جفن لخليل طيلة المدة الماضية وهو يبحث عن قاتل ولده ولا يصل إلى شيء في نهاية المطاف.
يقضي مصطفى يومه كاملاً في حرث الأرض وجني الزرع وإطعام البهائم. كما يتابع مواعيد تطعيماتهم حتى يكونوا بصحة جيدة. يلهي نفسه في العمل نهارًا، ويبدأ برحلة البحث عن قاتل أخيه ليلاً.
ابتعد عن الجميع مؤخرًا. ليس في مزاج يسمح له بخلق حديث مع أحدهم، حتى مع صديقه المقرب "ضيف". صامت طيلة الوقت ولا يكل من العمل الذي يرهق بدنه فيه يوميًا، على أمل أن يشعر بالراحة الداخلية قليلًا.
لم تبرح ورد غرفتها طيلة الشهور التي مرت عليها وكأنها أعوام. تأتي السيدة سنية لزيارتها من حين لآخر تطمئن على حالتها سريعًا وتعود حيث جاءت. بسبب تحذيرات حمدان التي يقف لها في الدخول والخروج ويمنعها من المكوث عند ابنتها فترة طويلة خوفًا من أن يشي عليه.
وقعت ورد في براثن ذلك الشعور الموحش ما يسمى "بالاكتئاب". ترفض الطعام عشرات المرات وتقبله مرة من بينهم عندما تضطر إلى ذلك بسبب هلوسة عقلها التي تظهر بوادرها عليها كلما امتنعت عن الطعام مدة طويلة.
باتت باردة المشاعر جامدة الملامح كجهاز آلي ليس إلا. لا تفتح فاها إلا في وجود والدتها. تعد الثواني لكي تعود إلى منزل والدها رحمة الله عليه. ربما تتحسن نفسيتها إن ابتعدت عن تلك السرايا التي دومًا ما تذكرها بأفعالها الحقيرة مع هلال. تشعر بتأنيب الضمير في كل حين يمر عليها. لا ينقص أبدًا بل يزداد مع مرور الوقت.
وقفت أمام خزانتها تحضر جميع ثيابها وكل أشياءها الخاصة وتضعهم في حقيبتها الضخمة التي سترافقها في رحلة عودتها.
أخذت نفسًا عميقًا وهي تهون على نفسها بترديدها للكلمات:
"معتش إلا ليلة واحدة يا ورد. هانت جوي وتعاودي دار بوكي."
أغمضت عينيها مستاءة مما ينتظرها وتابعت تمتمتها بتهكم:
"وترجعي لجرف عمك وبته."
تأففت بضجر بائن وألقت ما بيدها على الفراش بإهمال. جلست على طرف الفراش تطالع الفراغ أمامها وعقلها مزدحم بالأفكار السوداوية التي تتخيل مدى بشاعة حدوثها ما إن غادرت السرايا.
أخرجت تنهيدة حارة بقلة حيلة ورددت متوسلة ربها:
"دبرها من عندك يارب."
أجبرت نفسها على النهوض وإكمال ما بدأته لكي تنهيه سريعًا حتى لا يعطلها عن المغادرة شيء.
***
تلفت يرمق المكان من حوله بتفحص يتأكد من أن لا يراه أحد. جلس القرفصاء ما أن وصل إلى المكان المراد. حفر بيده عمقًا قليلًا ثم سحب جورب قطني. مد يده داخله وأخذ سلاحه الذي أخفاه بعيدًا عن ولده حتى لا يكرر فعلته التي كان سيقع فيها لولا وصوله في الوقت المناسب.
عاد حمدان بذاكرته إلى ذلك اليوم المشؤوم حين عاد إلى منزله ورأى طاهر يقف أمام خزانته ويأخذ سلاحه. أسرع نحوه وسأله بإرتباك ممزوج بالحدة الرافضة لأخذه لسلاحه:
"وااه واجف عنديك بتعمل إيه؟ ورايد إيه من سلاحي عاد؟"
التفت طاهر نحوه ورمقه بنظرات احتقارية ولم يتردد في الرد عليه بخشونة:
"هسلم السلاح للحاكومة. أني مهكنش أخرس كيف الشيطان وأجف اتفرج على عمايلك."
صعق الآخر من صراحته الوقحة واقترب منه يريد استعادة سلاحه بأي ثمن كان. رفض طاهر التخلي عن السلاح بتلك السهولة ولأن قوته مضاعفة لقوة والده الهزيلة استطاع أن يهرب من أمامه. كاد أن يغادر المنزل لكن توقفت قدماه حين استمع لحديث والده الذي حاول التلاعب به بنبرة متوسلة:
"أني مخايفش على نفسي، أني خايف عليك أنت وأختك، خايف على سمعتكم اللي هتتلط لو اتعرف إن أني اللي جلت ولد العمدة. أختك حالها هيجف أكتر ماهو واقف. العرسان مهدقش بابنا واصل، معلوم مين هيناسب جتال جتله؟"
توجه حمدان نحو طاهر بخطى ثابتة وهو يرى سكونه. لابد أن حديثه سيجدي نفعًا. وقف خلفه ووضع يده على كتفه وتابع حديثه بانكسار مزيف:
"وأنت كمان يا ولدي خايف عليك، مين هيجبل يجوزك بته وأبوك قاتل؟ بلاش ديي تفتكر ورد هترضي تتجوزك بعد ما تعرف أن بوك هو نفسه قاتل جوزها اللي كسر فرحتها؟"
استدار إليه طاهر ونظراته توحي إليه بإشارات تلومه وتعاتبه عما بدر منه والآن يطالبه أن يعرض عن الحق بتلاعبه على أوتار حساسة للغاية لديه.
أضاف حمدان وهو يتراقص داخله على سذاجة ابنه، لم يتصور أن الموضوع سيمر دون عناء بتلك السهولة:
"أنت خابر زين سرو بلدنا وخابر إن محدش هيتعامل معاك تاني لو عرفوا الحجيجة. وأنت بلي رايد تعمله ديه هتظلم نفسك وديه أولهم وتظلم أختك وأمك وديه تانيهم. لو لساتك رايد تبلغ عني روح مهمنعكش بس متبجاش تزعل من اللي هتجابله بعدين."
تركه حمدان وعاد إلى غرفة الضيافة. أغلق باب الخزانة متأملًا في رجوع طاهر إليه وتسليمه السلاح لكنه تفاجأ بخروجه من المنزل. استدار ونظر إلى الباب بصدمة شديدة. أيعقل أنه لم يصغِ إلى أي شيء مما قاله؟
ازدادت نبضات قلبه متوجسًا خيفة من تهور طاهر. حاول أن يطمئن نفسه لكن لم يعرف للراحة سبيل. تراجع خطوة إلى الخلف وجلس بإهمال على الأريكة في انتظار مجيء الشرطة لكي يلقوا القبض عليه.
بعد وقت ليس بقصير عاد طاهر وقد تحول لون بشرته إلى الاحمرار القاتم. لابد من انعكاس الغضب الذي يتبدد داخله. ألقى السلاح أرضًا وصاح به مندفعًا:
"أني عاودت عشان أختي وأمي مش عشانك واصل. لو عليك فأني مش هتردد إني أسلمك بيدي للحاكومة."
ألقى ما في جوفه وغادر يلعن ضعفه وقلة حيلته التي منعته من الإبلاغ عنه. لا يرضى بتصرفه. لماذا عاد؟ أليس الله موجود وسيرعى شقيقته ووالدته؟ لماذا خشى أن يعرضهم للنبذ؟ ربما لأنه لن يتحمل تأنيب الضمير الذي سيأتي من خلف ما ستعيشانه بسبب فعلته؟!
عاد حمدان من ذكرياته وهو يبتسم بانتصار. أعاد السلاح كما كان وألقى عليه الأتربة إلى أن اختفى تمامًا. نهض ودار حول نفسه يتأكد من خلو المكان ثم غادر سريعًا قبل أن يراه أحدهم.
***
مساءً، اجتمع خليل وزوجته على مائدة الطعام لا يشتهون أي شيء. على الرغم من تعمد صفية في تنويع الأكلات لكي تغري أعينهم. تفعل كتلك المقولة "العين تأكل قبل الفم".
نهضت السيدة نادرة من مقعدها مرددة بنبرة هادئة منكسرة:
"مليش نفس للوكل. كُل أنت."
لحق بها خليل قبل أن تبتعد عنه بحديثه:
"عاودي مكانك يا نادرة. خلينا ناكل كيف البني آدمين كيف ما كنا بنعملوا زمان."
تقوس ثغرها للجانب مشكلة بسمة ساخرة ورددت بتهكم:
"كيف زمان؟ هنرجعوا زمان كيف يا عمدة؟ طيب لو الزمان رجع اللي فارجونا هيرجعوا تاني؟"
تنهد خليل بحزن ورفض أن يتأثر بحديثها وأمرها:
"جولت عاودي مكانك. هتعصيني إياك!"
تفاجأت بحدته التي تعامل بها وعادت بهدوء إلى مكانها فمزاجها ليس في محله لكي تدخل معه في جدال لن ينتهي إلا بمشاجرة كبيرة.
نادى خليل بصوته الأجش ما أن جلست نادرة:
"صفية."
جاءته مسرعة ووقفت أمامه مجيبة على ندائه:
"نعم يا سيدي؟"
رمقها خليل لبرهة قبل أن يردف:
"نادي على مصطفى ياجي يتعشى معانا ومتنزليش إلا وهو معاكي. بكفيانا فراج لغاية أكده موتنا بالحياة بلي بنعمله في نفسنا ديه."
دقت أسارير السعادة قلب صفية وهي تراه يريد استعادة حياتهم السابقة. تشكلت بسمة عفوية على محياها وأجابته بحماس:
"أمرك يا سيدي."
أوقفها خليل قائلاً:
"وبلغي ورد تنزل تاكل هي كمان. ولا أجولك خدي لها الوكل عشان مهتعرفش تاكل في وجود مصطفى."
أومأت له بالقبول وأسرعت إلى الأعلى مهرولة تتمنى لهم صلاح الحال وأن تعود حياتهم كما كانت مليئة بالسعادة والهناء. طرقت باب مصطفى وولجت للداخل حين سمح لها. قابلته بوجه بشوش وهتفت بسعادة:
"العمدة رايدك تنزل تتعشى معاهم. وجبل ما تعترض جالي متنزليش غير وهو معاكي. وأنت خابر إن العمدة ميحبش كلمته تتعصي أبدا."
نفخ مصطفى بضجر بائن وردد بفتور شديد:
"وأني مراديش أكل. جوليله لجيته نايم."
لم تتحرك صفية وحاولت أن تلين عقله الحجري ذاك:
"لو تاخد بنصيحتي يا مصطفى يا ولدي جوم أنزل إتعشي وسط أهلك. العيلة مبتتعوضش أبدا. رجع لمتكم من تاني وإضحكوا. الحياة جاسية جوي ومشكلتها أنها مبتجفش على فراج حد واصل مهما كان غالي. بتكمل كيف الجطر اللي ماشي ومش هيجف غير في محطته حتى لو واحد من الركاب رايد ينزل في نص الطريج. بوك وأمك مهمومين وجلوبهم شايلة حزن كابير وأنت اللي في يدك ترجع لهم بسمتهم تاني. لو ليا خاطر عنديك يا ولدي جوم كُل وياهم ومتكسرش بخاطرهم."
تأثر مصطفى من حديث صفية كما أنبه ضميره على حالة والديه الذي لم يفكر في التخفيف عنهم قط. لكن كيف وهو يفشل في التخفيف عن آلامه!!
سحب مصطفى شهيقًا يحاول به إقناع عقله على النزول إلى الأسفل وأردف وهو ينهض من مكانه:
"هنزل معاكي."
ظهرت ابتسامة عريضة على وجه صفية مبدية مدى سعادتها في تلك اللحظة. هبطت إلى الطابق السفلي برفقة مصطفى الذي ما أن رآه والده حتى تبسم براحة فهو لم يصدق أنه امتثل لأمره. لقد عانى في الأيام السابقة من عصيانه المستمر.
ألقى مصطفى عليهم التحية وهو يجلس مكانه:
"مساء الخير."
أجاباه في نفس واحد:
"مساء النور."
شرع الجميع في تناول الطعام. شعرت نادرة بالتحسن القليل في وجود مصطفى معهم. في تلك الأثناء همت صفية بتحضير العشاء خصيصًا لورد وصعدت إليها. طرقت الباب وانتظرت حين فتحت لها وقابلتها بود قائلة:
"إتفضلي يا صفية."
ولجت للغرفة ووضعت الطعام أعلى الطاولة ورددت مؤكدة بمرح:
"كلي الوكل كلاته وديه أمر من العمدة واجب التنفيذ."
ضحكت ورد على داعبتها وقالت بنبرة تميل إلى الرجاء:
"ما تجعدي تاكلي لجمة معايا بدل ما باكل لحالي أكده وباجي على تاني لجمة ونفسي تتصد."
طالتها صفية بشفقة شديدة ولم تعترض طلبها بل قابلته بصدر رحب مهللة:
"بس أكده عيوني التنين. وكمان هنادي البنتة ياكلوا ويانا."
ازدادت ابتسامة ورد بسعادة دقت أبواب قلبها. خرجت صفية تنادي هويدا وصفاء اللتان جئن مهرولين. جلسن جميعهن على الأرض حول صنية الطعام وشرعن في الطعام ولم تكف إحداهن عن الثرثرة طيلة الجلسة.
***
انتهى خليل ومن معه من الطعام ونهضوا عن المائدة. أوقف خليل مصطفى قبل أن يفر هاربًا كعادته ويتسلل خارج المنزل قائلاً:
"تعالي يا مصطفى رايد أتحدت معاك."
أومأ له بقبول بينما ابتعدت عنهم نادرة لكن أوقفها خليل مرددًا بصوته الجهوري:
"إستني يا نادرة رايدك تحضري أنتِ كمان."
استدارت إليه وهي تريد الهروب من بينهم وتعود إلى فراشها الذي بات رفيقها في الأوان الأخيرة. لكن إصرار خليل أجبرها على الجلوس معهم في غرفة الضيافة.
حمحم بخشونة ثم بدأ حديثه لطالما طال التفكير فيه. لقد حان موعد إخبارهم عن قراره الذي عزم على فعله:
"عدة ورد خلاص هتخلص بكرة."
رمقه مصطفى بفتور فهو لا يعي ما شأنه في ذلك الأمر. تحلى بالصبر قدر المستطاع لحين فهم ما يشير إليه أباه الذي تابع حديثه المسترسل:
"رايدك تتجوزها."
وقعت جملته ألجمت ألسنتهم من هولها. لم تستوعبها عقولهم حتمًا يمازحهم. انتفض مصطفى مذعورًا وعارضه باحترام:
"بتجول ايه يا بوي؟ أتجوز مين؟"
نهضت نادرة هي الأخرى ودعمت ابنها معارضة زوجها بحدة:
"مين يتجوز مين يا خليل إيه اللي چاب مصطفى لورد؟"
أضاق خليل بعينيه على نادرة مستنكرًا آخر ما تفوهته وأجابها مستاءً:
"ما سبج ورديتي بيها لهلال ولا مصطفى مش زييه؟"
أسرع مصطفى بالرد عليه يوضح له سبب رفضه:
"أديك جولتها يا بوي."
حرك خليل رأسه بتهكم فهو لم يعي قصده وردد متسائلاً:
"أني جولت إيه؟"
أجابه الآخر بوجه محتقن:
"ورد كانت مرت هلال يعني مرت أخوي الله يرحمه."
أزفر خليل أنفاسه بضجر بائن للجميع وصاح به مندفعًا:
"وأنت جولت أهاه الله يرحمه يبجي إيه اللي يمنع؟"
اتسعت حدقتا مصطفى على آخرهما لا يصدق عقله ذلك الحوار المنتهي لديه. لقد فاجئه والده لدرجة أنه لا يدري من أين يأتي بسبب الرفض تحديدًا لأن الموضوع غير مقبول لديه بالمرة.
حاول التحلي بالقليل من الصبر الذي على وشك النفاذ وأردف موضحًا سبب اعتراضه:
"يا بوي كيف أني وأخوي نتشاركوا حرمة واحدة؟"
هدر به خليل شزرًا لعدم استيعابه للأمر بعد:
"تتشاركوا إيه يواد إتحشم عاد، وبعدين لا عيب ولا حرام وأنت لا أول ولا آخر واحد يتجوز مرت خوه ومن الأخر ديه عُرفنا إن الولية إن مات جوزها خوه أولى بيها من الغريب."
لن تجدي نفعًا العصبية الآن. أوصد مصطفى عينيه لبرهة وعاد بأدرجه إلى حيث مجلسه وتحدث بهدوء:
"العُرف ديه يتنفذ لو معاها كوم عيال لكن هي لحالها."
لم يقتنع خليل بحديثه وتابع بإصرار واضح:
"وعشان إكده أني رايد الجواز يتم إكمنها لحالها وعمها ديه أني مبرتحلوش واصل."
خرجت نادرة عن صمتها هذه المرة. لم تتحمل سماع المزيد من السخافات لأكثر من ذلك وصاحت في زوجها مبدية رفضها التام للأمر:
"مصطفى مسبجش له جواز يعني يستاهل بت بنوت مش أرملة!"
تقوس ثغر خليل للجانب مبدي تهكمه من هرائها:
"البنية أرملة ولدك يا نادرة، وبعدين ما كان جدامه البنتة كاتير وجبناله عرايس ياما وكان مصمم على كلمة لاه لاه مهتجوزش يبجي فرجت أرملة من بت بنوت طلاما هو رافض الفكرة نفسها."
"فرجت يا خليل يا جبلاوي، ثم أني معتش مرتاحة للبت ديي جدمها جدم الشوم، البيت خرب من أول ما دخلته سيبها تغور ونخلصوا من شومها."
هتفت بهم نادرة بعصبية بينما ضرب خليل الأرض بعصاه ونهرها بغضب شديد:
"رطرطت الحريم ديي متهمنيش بلا جدم بلا أربعتاشر جدم."
وجه خليل بصره نحو مصطفى الذي انسحب من الحوار وسأله بتجهم:
"ها جولت إيه يا مصطفى؟"
لم يأتي مصطفى بفكرة يمكنها إقناع عقل خليل الجبلاوي. نعم هو الآن يتحدث كعقل عائلة الجبلاوي وليس بعقل الأب. نهض مرة أخرى ووقف أمامه وألقى ما في جوفه دفعة واحدة:
"بصراحة يا بوي أني من حجي اتجوز بت بنوت كيف ما أمي جالت مش أرملة!"
يعلم جيدًا أن ما أفصح به ماهو إلا هراء فهو ليس بتلك العقلية كما أن والده يعرفه جيد المعرفة ولا يمكنه تصديقه بتلك السهولة. طالت نظرات خليل على مصطفى بعدم اقتناع فهتف مصطفى قائلاً حين استشف ما يوجد خلف نظراته:
"يا بوي الله لا يسيئك إفهمني، ورد ديي أني مشيفهاش غيرت مرت أخوي مش هجدر أغير نظرتي ليها واصل. كل ما هبصلها هفتكر هلال الله يرحمه ولا يمكن أخد خطوة نحيتها كزوجة ليا. بالله عليك تفهمني وتجدر اللي بجوله."
أومأ له خليل برفض تام وحاول الدخول له من ثغر آخر لعله قلبه يلين:
"ورد أمانة خوك مينفعش نهمل الأمانة، هتجف جدام خوك بعد عمر طويل تجوله مجدرتش أحافظ لك على الأمانة يا خوي؟"
لا وألف لا لن يقبل بتلك السخافات مطلقًا. لم يرفض الفتيات جميعهن من أجل واحدة رسمها في خياله تليق مع شخصيته ثم في نهاية المطاف يقع مع أرملة أخيه ذات الوشاح الأسود!!
غادرهم دون زيادة أو نقصان. لم يكن هناك داعي لإبداء رفضه الآن فعلى ما يبدو أن والده أخذ عهدًا على نفسه ولابد من تنفيذه ولا يكترث للظلم الذي سيحل على ولده بربطه بفتاة بالتأكيد لن ينظر إليها يومًا. كذلك هي سـ يمسها من الظلم قدرًا لأنها تستحق حياة أفضل تعويضًا عن فراق أخيه لكن مع شخص آخر وليس هو.
تفاجأ مصطفى بوجود ضيف في حديقة السرايا ما أن خرج منها. اقترب منه وسأله بقلق:
"في حاچة ولا إيه؟"
أجابه ضيف يحاول طمأنته حين رأى القلق في عينيه:
"كنت جاي أطل عليك. غيبتك طالت جوي يا صاحبي والواحد مبيعرفش يتحدث معاك في الأرض بيحس أنك هتاكله."
انفجر ضيف مقهقهاً على داعبته الأخيرة بينما بدا مصطفى جامدًا لا يهتم لا لحديثه ولا لضحكاته. سرعان ما اختفت الابتسامة من على وجه ضيف وأردف معاتبًا:
"يا ساتر عليك يا أخي حتى مش هاين عليك تبتسم."
عقله مشوش وكلمات أبيه تتردد داخله لا يوجد مفر منها. تنهد بإرهاق حين لم يصل لحل لتلك الورطة التي وضعه والده بها. رفع بصره على ضيف وقال بعبوس:
"تعالى نبعد عن إهنه مناجصش خنجة."
وافقه ضيف واقترح هو مكان يذهبان إليه:
"تعالي نروحوا الجهوة يامة دارنا."
أومأ له بالرفض واعترض موضحًا:
"معايزش أشوف أي مخلوج رايد أبجي على راحتي."
حرك الآخر رأسه يمينًا ويسارًا وهو يحاول الوصول إلى مكان ما فقطع مصطفى حبال أفكاره بقوله:
"تعالى نروح الإسطبل."
لم يتردد ضيف ثانية ووافق فلقد اشتاق للحديث معه كثيرًا.
***
داخل السرايا، لم ترد نادرة الذهاب قبل أن تصر على رفضها لتلك الزيجة الذي يريدها زوجها هاتفة بحنق:
"أني مريداش الجوازة دي تتم يا خليل كفاية جوي اللي راح مني مهتحملش التاني يروح بسبب جدمها الشوم."
نهض خليل ناهيًا الحوار معها بصوته الجهوري:
"محدش عارف هيموت ميتي يمكن أطب ساكت دلوك ده جدر ربنا مش جدمها كيف ما بتجولي وإوعي أكده بلاها حديت ماسخ."
تركها بمفردها تتآكل غيظًا. أليس من حقها أن تختار عروس ابنها البكري أول ما العين رأت وأول ما القلب نبض لحبه. أول من شعرت معه بالأمومة ولانت طباعها الحادة من أجل عينيه.
لم يكن أمامها سوى الرضوخ الآن لكن لم ينتهِ الحوار على ذلك هناك المزيد سيتحدثان فيه لاحقًا.
***
"أنا ياما قولتلك تعالي إقعدي عندي هنا وأنتِ اللي كنتي بترفضي."
أردفهم معاتبًا بدافع الإخوة فأجابته الأخرى موضحة:
"مكنش ينفع أهمل ورد لحالها يا خوي. أني كلمتك لما فاض بيا وعِدتها خلاص هتنتهي بكرة، أني مجدراش أجعد إهنه مع حمدان أكتر من أكده ديه حابسني في داره حاسة إني في سجن مش دار."
حدثها بتلقائية حين انتهت مما تقوله:
"الشمس تشرق وأني من نجمة هكون عندكم أخدك وأرجع بيكي على مصر أنتِ وورد."
"ياريت ياخوي الواحد كره عيشته بسبب المخلوج اللي بيرازي فيا في الداخلة والخارجة ديه."
هتفت سنية بنبرة تريد الخلاص من مرارة الحياة مع حمدان الذي يغلق عليها كل السبل والأبواب حتى أنفاسها تضطر إلى حشرهم بداخلها في بعض الأحيان لكي لا يبوخها.
أنهت المكالمة ونظرت للهاتف بحماس شديد. ستنتهي تلك المأساة التي تعيشها في القريب العاجل. تشكلت بسمة سعيدة على ثغرها وهي تتخيل لحظة التحرر من ذلك السجن النتن. مالت بظهرها على الفراش ترسم مشاهد أخرى حين تصل إلى مصر التي لم تزورها إلا مرتان فقط. ها هي الزهرة تتفتح من جديد وتطلق نسماتها. حتمًا ستبدل حياتهم إلى الأفضل فقط بمرور الغد.
***
"وأنت رافض ليه؟"
سأله ضيف بعدما أخبره مصطفى بطلب والده. رَمقه الآخر بطرف عينيه وهتف مستاءً:
"أنت ممكن تتخيل إنك تتجوز مرت أخوك؟"
لوى ضيف شفتيه وأجابه بهدوء:
"وإيه يعني مش أمانة أخوي."
تفاجأ مصطفى من رده كما اتسعت حدقتاه بذهول وصاح به:
"لاه وأنت الصادج مش موضوع أمانة خوك بس أنت ديب حريم مبتعتجش."
قهقه ضيف عاليًا ومن ثم أوضح له اعتقاداته وما يؤمن به:
"أصل إيه الفرج يعني؟ أو فين المشكلة طالما إكده هتجوز وإكده هتجوز فرجت هي مين؟ يا صاحبي الحريم دول نعمة كابيرة من ربنا محدش يجولهم لاه أو يرفضهم."
"يا أخي معترضتش عليهم بس أني رايد واحدة تكون إتخلجت مخصوص عشان مصطفى الجبلاوي محدش لمسها جبلي، جلبها مدجش لحد غيري."
حاول ضيف التفكير معه بصوت عالٍ:
"حوار جلبها اللي دج ديه مفتكرش أنه لحج يدج يا مصطفى ده هو يوم بليلة اللي عاشتها مع خوك يعني جلبها ملحجش يدج دجاته العادية من أساسه والحوار التاني ديه مفتكرش يكون حوصل غير مرة!"
أضاق مصطفى بعينيه على صديقه بعدم اقتناع فطريقته ساذجة للغاية ولا تقنع حتى طفل صغير. حرك رأسه باستنكار يلوم نفسه على إصغائه لتلك الترهات. طالت نظراته على ضيف الذي صاح به بارتباك من خلف نظراته:
"إيه؟ هتفضل تبحلج فيا كاتير؟"
بنبرة هادئة للغاية لا تشبهه سأله متهكمًا:
"أنت مصدق اللي بتجوله؟"
أجابه ضيف بتلقائية دون تفكير:
"لاه."
انفجر كلاهما ضاحكين. طالت قهقهاتهم لبعض الوقت قبل أن يواصل ضيف حديثه مضيفًا:
"أجولك إيه يعني أني خابر زين كيف عجل عمي خليل وأنه مش هيسيب الموضوع بسهولة إكده إلا لما ينفذه. حاولت أبين لك إن الموضوع عادي يعني."
"حاولت تجلطني مش تبين لي الموضوع عادي."
أردفهما مصطفى بنبرة مرهقة كما انعكست ملامحه تمامًا وتحولت إلى الضيق الشديد فهو على علم جيد بقرارات والده التي يبدأ في تنفيذها فور ترديد الفكرة في عقله وهو ليس على أتم استعداد الآن أن ينفذ ذلك الطلب مطلقًا.
التزم الصمت طيلة سهرته مع ضيف وأفكاره باتت في الذهاب والعودة ولا يرى سوى الرفض يتجلى داخله. أخرج تنهيدة حارة متمنيًا أن يقلع والده عن الفكرة وذلك هو الحل الوحيد أمامه.
***
صباحًا، لم تنم ورد تلك الليلة الأخيرة من فرط تدفق الحماس المندفع في شرايينها. أمسكت بحقيبتها ورمقت الغرفة بنظرة سريعة مودعة جميع أحزانها وآلامها التي عاشتها بها. طالعت ذلك الفراش الذي بات وحيدًا ومن ثم أخفضت بصرها على الوسادة التي لازالت آثار عبراتها لم تجف من عليها بعد.
شهيقًا وزفيرًا فعلت هي ثم انسحبت إلى الخارج. رباه شعور مختلف كليًا قد تغلغل لأعماق قلبها. ها هي تستعيد جزءًا من حريتها تدريجيًا وسوف تستعيدها كاملة بخروجها من تلك السرايا.
انتبه خليل لنزول ورد ممسكة بحقيبتها. لم يتفاجأ بذهابها لكنه لم يتوقع ذهابها بتلك السرعة فاليوم لم ينتهِ بعد. حمحم بخشونة وأردف متسائلاً:
"على فين يا ورد من بدري أكده؟"
وضعت ورد الحقيبة جانبًا واقتربت منه على استحياء. رفعت وشاحها عن وجهها فظهر جمال زرقاوتيها وأجابته بنبرة رقيقة:
"معدلهاش عازة الجعدة إهنه يا عمي."
عارضها خليل متحدثًا بالأصول:
"لسه اليوم مخلصش يابتي تبجي عيبة في حج الجبلاوية لو خرجتي جبل ما العدة تخلص حتى لو بدجيجة."
طالته ورد بذهول وحاولت إقناعه بحديثها:
"بس أمي جاية هي وخالي ياخدوني."
توقعت منه أن يعترض لكنها تفاجئت بترحيبه:
"يا أهلاً وسهلاً بيهم ينوروا الدار يابتي حتى ياكلوا لجمة ويانا وبعديها نشوف موضوع الخروج ديه."
"بس يا عمي."
قالتها ورد معترضة بينما قاطعتها خليل مردفًا:
"مبسش يا ورد إسمعي حديتي."
وصلت السيدة سنية برفقة شقيقها إلى السرايا. رحبت بهم صفية ثم أمرها خليل أن تنادي السيدة نادرة لكي تستقبلهم هي الأخرى. لبت نادرة أمره ورحبت بهم بحفاوة بعدما رأت حقيبة ورد. حتمًا ستغادر السرايا وهما هنا الآن ليأخذوها. تهللت أساريرها بسعادة ما أن شعرت أن خليل قد نسي الأمر.
أمرت صفية بإحضار أشهى أنواع الطعام لهم. لحقت بها سنية ممتنة لكرمها قائلة:
"ملوش لزوم يا ست نادرة إحنا يدوب نلحج الجطر."
عقدت نادرة ما بين حاجبيها بغرابة ورددت متسائلة:
"جطر! ليه عاد أنتوا رايحين على فين؟"
تولى شقيق سنية الرد عليها بلهجة مصرية:
"هيقعدوا عندي في القاهرة يا ست نادرة."
تصنعت نادرة الحزن وهتفت بلهجة تميل إلى الندم الزائف:
"أكده هتجطعي بينا يا ورد، المهم تكوني بخير يابتي وإحنا هنبجي مطمنين طول ما أنتِ زينة."
ابتسمت لها ورد ممتنة وردت عليها بلطف ك لطف ملامحها:
"تسلمي يا ست نادرة هبجي أكلمك على المحمول أطمن عليكي."
أزفرت نادرة بعض العبرات الزائفة وضمتها لحضنها عكس قلبها الذي يرقص طربًا من فرط السعادة وأردفت من بين بكائها:
"معلوم هنتحدت في التلافون دا أني يومي مهيبدأش إلا ما سمع صوتك اللي كيف الكروان ديه."
ابتعدت عنها ورد وانحنت على يدها وطبعت قبلة رقيقة عليها. ربتت نادرة على رأسها بحب ووجهت بصرها إلى ضيوفها وقالت بإصرار:
"محدش هيهمل السرايا جبل ما نتغدوا ويا بعض الله أعلم هشوف حبيبة جلبي تاني ميتي."
أردفت آخر جملتها وهي تطالع ورد بمسة زائفة بينما اعترض شقيق السيدة سنية بذوق:
"معلش يا ست نادرة بس معاد القطر التاني هيكون متأخر أوي وده أنسب وقت نمشي فيه."
تولى خليل مهمة إقناعه بنبرته الرخيمة:
"يفوت الجطر نوصولك لحد دارك بعربية مخصوص ده أنت خال غاليتنا يا أستاذ ماهر."
تقوس ثغر ماهر مشكلًا ابتسامة خجولة ورد عليه ممتنًا لذوقه:
"يسلم ذوقك يا عمدة بس.."
قاطعه خليل بإصرار وقد تحولت نبرته للحدة قليلًا ليجبر ماهر على الموافقة:
"مبسش يا راجل تبجي عيبة في حجنا لو مشيتوا جبل ما نجوم بواجبنا معاكم ويا سيدي أعتبرها عزومة الوداع."
وجه ماهر بصره إلى سنية يأخذ موافقتها فأومأت له بقبول عكس الرفض الذي بدا على ورد ونظرت إلى والدتها متذمرة فأشارت الأخرى إليها بأهدابها لكي تتحلى بالصبر فلن يعد هناك إلا القليل.
استقبل خليل ضيوفه في غرفة الضيافة وقبل أن يولج إليهم نادى صفية أمرًا إياها:
"نادي على مصطفى ياجي يجعد مع ضيوفنا."
أجابته صفية تلقائيًا دون تفكير:
"مصطفى معاودش من وجت ما خرج يصلي الفجر يا عمدة."
التوى ثغره بتهكم وقال:
"جولي لعسران يشيع له حد من رجالته وميعاودش إلا بيه."
أومأت له بطاعة ثم انصرفت لكي تلبي ما أمره. نظر خليل متعجبًا من حالة نادرة التي بدت عليها من وقت معرفتها بسفر ورد وسألها بفضول:
"مالك عتضحكي كانك مبسوطة أن البت هتسافر."
انشرح قلب نادرة بسعادة حينما وقعت كلمة سفر على مسامعها وهللت بفرحة عارمة:
"الود ودي أزغرط وأرقص بس لو الوجت يسمح."
حرك رأسه وهو يطالعها بشفقة على فرحتها التي لن تدوم طويلاً وعزم أن يلبي طلبها بصدر رحب وقال بابتسامة عريضة مرسومة على وجهه:
"هتزغرطي وترقصي متستعجليش على رزقك."
لم تفهم ما رمى إليه خليل الذي عاد إلى ورد وعائلتها. جلست نادرة تتسامر مع السيدة سنية وهو كذلك مع ماهر بينما وزعت ورد أنظارها عليهم بفتور وملل. تريد ترك البلدة وما فيها من هموم وأحزان كثيرة قد انحشرت بينهم الفترة الماضية.
حمحم بخشونة معلنًا عن وصوله. رفعت ورد وشاحها حين أصغت إلى صوته الأجش التي دوت في المكان. ناداه خليل بصوت جهوري:
"تعالي يا مصطفى إحنا في أوضة الضيوف."
طل بقامته المرتفعة وبنيانه العريض الذي لاحظه الجميع. أخفضت ورد وسنية بصرهن بحياء حين دخل عليهن بينما رحب به ماهر بحفاوة قائلاً:
"أهلاً بيك يا بني."
صافحه مصطفى مرددًا بود:
"أهلاً يا بيك يا أستاذ ماهر نورت السرايا."
رد عليه ممتنًا:
"منورة بأهلها."
استأذنت صفية للدخول فسمح لها خليل. توجهت الأنظار عليها في انتظار سماع ما تريد بينما أوضحت هي سبب مجيئها:
"الوكل جاهز يا عمدة."
نهض خليل من مكانه ونظر إلى ضيوفه يدعوهم للطعام:
"إتفضلوا يجماعة وإعتبروا نفسيكم أهل الدار يعني مش محتاجين نعزم عليكم في الوكل."
ربت ماهر على ذراع خليل بخجل من لطفه:
"تسلم يا عمدة يا أبو الكرم كله."
اجتمع جميعهم حول المائدة وشرعوا في تناول الطعام في صمت طال لحين قطعه خليل بسؤاله:
"شكلك معرفاش تاكلي مليح يا ورد من وشاحك ديه."
كادت أن تجيبه لكن وقوف مصطفى منعها. نظر إليه الجميع متعجبين من أمره فأوضح السبب بنبرته الرخيمة:
"هاكل جوا عشان تعرِف تاكل على راحتها."
أسرعت ورد بالرد عليه بنبرة عفوية:
"أني إتعودت مفيش مشكلة."
كانت تلك المرة الأولى لأن يصغي مصطفى إلى نبرتها المبحوحة. لم يكن هناك داعي لأن يغادر بعد أن علم بعدم تقيده لها. انتهوا من الطعام وقامت ورد تساعد هويدا وصفاء في حمل الصحون على الرغم من رفض الجميع لذلك إلا أنها أصرت لكي تقضي آخر وقت لها في السرايا معهم.
تفاجأت ورد بذلك الحضن الذي كادت أن تسقط إثر قوته. إنها صفاء المجنونة لا تخرج تلك التصرفات التلقائية والمفاجئة إلا منها. ابتسمت ورد بسعادة وبادلتها الحضن بصدق.
ابتعدت عنها ورد ما إن أصغت إلى أنينها. لم تتفاجئ حين رأت عبراتها تنسدل بغزارة على مقلتيها دون توقف ولأمتها بدافع الحب:
"متبكيش عاد أني صحيح همشي لكن هكلمكم على طول حتى نبجي نتحدث على البرنامج ديه اللي إسمه سكيب."
قهقهت صفاء عاليًا وهتفت ساخرة:
"يختي إسمه سكايب، سكيب إيه عاد."
ضحكت الفتاتان ثم دخلت هويدا ووجهت حديثها مباشرة إلى ورد:
"العمدة رايدك يا ورد."
أومأت لها بتفهم وتوجهت حيث يجلس الجميع. التوى ثغر العمدة ببسمة عريضة ما أن طلت ورد عليهم وأمرها بنبرة متحمسة قد استشفها الحاضرين. جلست ورد بجوار والدتها ولم ينتظر خليل الانتظار فبدأ حديثه قائلاً:
"مصطفى رايد يتجوز ورد يا أستاذ ماهر ايه جولك؟"
رواية عرف صعيدي الفصل السادس 6 - بقلم تسنيم المرشدي
لم يكن هينًا على الجميع ما وقع على مسامعهم. تبادلوا جميعهم النظرات في صدمة جلية قد اعتلت وجوههم. تشنجت عروق مصطفى وكور يديه بقوة كما كز على أسنانه بغضب شديد يحاول كظمه. أوصد عينيه لبضعة من الوقت في محاولة استيعاب الأمر الذي أوقعه والده بين طياته دون اكتراث لمشاعره ورفضه التام لتلك المسألة.
خفق قلب ورد رعبًا كما رجف جسدها من هول المفاجأة. ظلت تردد الرفض داخلها لعلهم يشعرون بها ولا يقبلون بتلك الزيجة، لكن كيف؟ فالرفض يكمن داخلها وبالتأكيد ليست بتلك الشجاعة التي ستواجههم برفض زيجتها من مصطفى.
أما عن السيدة نادرة، فقد صعقتها كلمات خليل ولم ترفع عينيها عنه متفاجئة بطلبه. لقد تيقنت بأنه قد نسي الأمر ما أن رأت حقيبة ورد. تريد أن يلهمها الله الصبر حتى يبرد قلبها قليلاً بعد أن أشعل خليل نيرانه بحديثه.
اختفت الابتسامة سريعًا من على محيا السيدة سنية فور سماعها بطلب خليل. تريد الفرار بابنتها من تلك البلدة ولا تريد أن يربطها أي شيء فيها مرة أخرى. لكن لا تأتي الرياح بما تشتهي السفن، فعلى ما يبدو أن للقدر رأي آخر.
حمحم ماهر وهو يهضم طلب خليل الذي فاجأه به كما فاجأ الجميع. ابتلع ريقه حين شعر بجفاف حلقه وأجابه وهو يمرق بنظره بين شقيقته وابنتها:
"أنت فاجئتنا يا عمدة، وبصراحة مش عارف أقولك إيه. يعني على الأقل سيبنا نفكر وناخد رأي ورد."
أسرع خليل بالرد عليه بنبرة لحوحة:
"تفكروا في إيه عاد؟ وبعدين ورد أهيه جاعدة جدامنا."
وجه خليل بصره على ورد وتابع:
"ها يا ورد إيه رأيك يابتي؟"
أخفضت ورد بصرها بحياء كما تحول لون وجنتيها إلى الحمرة الشديدة كإحمرار حبات الكرز. شكرت ربها بأن لا يراها أحد على تلك الحالة. ابتلعت ريقها مرارًا في محاولة منها أن تخرج الكلمات التي انحشرت داخلها. تدخلت نادرة قبل أن تجيب ورد وأردفت بنظرات متوعدة إلى خليل:
"البنية مستحية يا خليل، سيبها على راحتها وتبجي تفكر على راحتها في بيتهم، متضغطش عليها."
أكد ماهر على حديث نادرة قائلاً:
"أيوه ياريت يا عمدة، نروح القاهرة الأول ونفكر في الموضوع ونرد عليكم."
"قاهرة إيه اللي عاد يا أستاذ ماهر؟ أني رايد الجوازة تتم في أسرع وقت، يعني الكتاب يتكتب بكرة بالكتير جوي."
أصدرت ورد شهقة خافتة لم يسمعها سواها. ما هذا الهراء؟ إنه يغلق جميع الأبواب عليها. يريد حجزها في السجن ذاته التي تود الفرار منه. لماذا يحرم عليها الاستمتاع بحريتها لطالما انتظرتها منذ وقت طويل. كانت تعد الدقائق لينتهي اليوم حتى تقصر الأيام وتذهب حيث جاءت، والآن مطالبة بإطالة مدة الحبس وعدم الإفراج!
فرت دمعة موجوعة من عينيها على تلك الحياة القاسية التي تعيشها. ألا تستحق بعض الحرية والعيش في سلام؟ لقد خاضت تجربتها الأولى وباءت بالفشل الذي أدى إلى وفاة شريكها قبل أن يبدأ حياتهما معًا. ليست مؤهلة بعد لزيجة أخرى وفي المنزل ذاته الذي عانت فيه ليالٍ عديدة قد قضتها بمفردها وحيدة، ليس معها رفيق سوى دموعها.
نهضت السيدة سنية حاسمة للأمر:
"أعذرني يا عمدة بس محتاجين وقت نفكروا فيه أنا وبتي، هي لسه خارجة من علاجة سابقة وجروحها ما تداوتش."
نهض خليل هو الآخر متكئًا على عصاه وقال بثبات:
"يبقى تجعد هنا باقي الساعات اللي فاضلة في العدة، وعنديها النهار كله تفكر فيه وتصلي استخارة كماني، ونعرفوا قرارها صباح اليوم الثاني إن شاء الله."
كان جميعهم في حالة ذهول من قرارات خليل الحاسمة التي تدل على جدية حديثه ونيته في إتمام الزيجة. تبادل ماهر وسنية النظرات حائرين، لا يعلمون ما يمكنهم فعله أو قوله الآن. قطع عليهم خليل حبال أفكارهم بنبرته الغليظة:
"وشوفوا انتوا رايدين تجعدوا وياها هنا في السرايا يا ألف أهلاً وسهلاً، المكان ينور. أما بقى لو رايدين تكونوا على راحتكم، أني ما مانعش. ها إيه قولكم؟"
تولت مهمة الرد في تلك اللحظة السيدة سنية قائلة بقلة حيلة:
"هنجعدوا في دارنا يا عمدة على ما نشوف قرار ورد."
قاطعها ماهر يذكرها بموعد سفرهم:
"والقطر والسفر؟ مش قولنا هترجعوا معايا القاهرة انتوا الاثنين؟"
أجابه خليل بشموخ:
"يتأجل يا أستاذ ماهر. النهاردة من بكرة مفيش فرج. وبعدين مش يمكن تاخد الست سنية معاك لحالها وورد تجعد في سرايا جوزها؟"
حاول ماهر أن يوضح له وجهة نظره:
"أنا فاهم حضرتك، بس الأولاد هناك. ولو حصل نصيب مش هيعرفوا يجوا البلد لوحدهم."
أومأ خليل رأسه بتفهم وأردف محاولاً أن ييسر ما يصعبه الآخر:
"عربية مخصوص تروح تجيبهم لحد عندك يا أستاذ ماهر، مش عايزك تشيل حمل لأي حاجة واصل. كله محلول بإذن الله، بس المهم ورد توافق لي أول."
وجه خليل بصره على ورد وواصل قائلاً بثقة عمياء:
"وهي هتوافق!"
يكفي هراء إلى هذا الحد. لقد بلغ ذروة تحمله، لم يعد لديه ذرة صبر لسماع سخافات أخرى وكأنه نكرة لا يراه أحد. رفع بصره على والده الذي يتوسلهم ويقنعهم على الموافقة، ولا يكترث لرفض ولده الذي هو أحق أن يهتم لأمره، لا لتلك الفتاة وعائلتها.
نهض وألقى بحديثه سريعًا دون أن يواجه نظراتهم التي صوبت نحوه:
"عن إذنكم يا جماعة، ورايا شغل ضروري."
خرج ولم يلتفت. غضبه يزداد والبركان الذي يتأجج بداخله على وشك الانفجار.
أوقفه عسران حين لم يطمئن لرؤيته بتلك الحالة المثيرة للقلق وسأله باهتمام:
"حصل حاجة يا باشمهندس؟ وجهك كيف النار الجايدة فيه."
أجابه بتجهم مختصراً حديثه:
"مفيهش حاجة."
لحق به عسران وحاول أن يعلم بوجهته، فهو على علم بجنونه حين يغضب. لن يهدأ قبل أن يسبب كارثة. وقف أمامه فأجبره على الوقوف وقال محاولاً تهدئته:
"تعالي أهدي الأول وإمشي بعديها."
تأفف مصطفى بضجر بيّن وصاح بهدوء محاولاً كبح غضبه بداخله:
"هملني لحالي يا عسران، الله لا يسيئك. أنا ما بشوفش جدامي."
اعترض عسران أن يسمح له بالذهاب وهتف موضحاً:
"عشان كده أنا مش هسيبك تمشي وأنت بحالتك دي."
تلك المرة لم ينجح في إخماد بركانه الثائر. سحب بندقية عسران من على ذراعه بقوة وسرعة لم يستطع عسران منعه، وصوبها للأعلى ثم أطلق النيران خلف بعضها إلى أن انتهت الرصاصات بالكامل. ألقى بها أرضًا وهرول سريعًا مبتعدًا عن المكان بعد أن تنحى عسران جانبًا لئلا يلقى مصرعه من خلف جنونه.
خرج خليل وكل من في السرايا في حالة رعب شديدة قد تملكتهم إثر إطلاق النيران. وزع خليل نظراته على المكان وحين لم ير شيئًا مريبًا سأل عسران بتجهم:
"إيه ضرب النار اللي سمعته ده؟"
سحب عسران شهيقًا يعدل من صفوه وأجابه:
"البندقية كانت معصلجة ومكتومة، فضربت عيارين في الهوا يمكن تسلك."
حرك خليل رأسه بعدم إعجاب لتصرفه الذي أرعب الجميع. انتبه جميعهم لحديث ماهر:
"هنستأذن إحنا يا عمدة."
رد عليه خليل بود:
"إذنك معاك يا أستاذ ماهر، نورت السرايا والبلد كلها."
ابتسم ماهر ممتنًا لذوقه وأردف بنبرة ودودة:
"منورين بأهلها يا عمدة، تسلم."
توجه ماهر برفقة سنية نحو البوابة فلحقت بهم ورد منادية بحنجرة متحشرجة بسبب بكائها:
"أما استني.."
استدارت سنية إليها وتفاجأت بحضنها الذي اخترق صدرها. ضمتها بأسى وربتت على ظهرها بحنو أمومي:
"مش عايزة الجوازة دي يا أما، عايزة أهمل البلد كلها وأمشي منها، متسبنيش هنا. أبوس إيدك ياما خديني معاكي."
هتفت بهم ورد من بين بكائها الذي مزق قلب والدتها تأثرًا بوضعها. ملست على رأسها بحنان وأردفت بثبات:
"الله في سماه ما حد يقدر يجبرك على حاجة يا جلب ونن عين أمك. أنا موجودة وهقف في وش أي حد كان مين هو، ولا أجبرك على جواز أو غيره. بس مقدرش آخدك دلوقتي عشان لسه العدة مخلصتش، وهطلع أنا اللي معرفش في الأصول. عاودي أوضتك لبكرة وأنا من نجمة هكون عندك ونهملوا البلد دي."
هدأت ورد رويدًا بعد أن أصغت إلى الثقة التي تحدثت بها والدتها. اطمأنت قليلاً وابعدت عنها لكي تعود إلى غرفتها مرة أخرى. أوقفتها سنية قبل أن تبتعد عنها بقولها:
"ابجي صلي استخارة يا ورد."
رفعت ورد رأسها باستغراب، فاستشعرت والدتها ما خلف تلك التطلعات على الرغم من عدم رؤيتها لعيونها وفسرت معنى حديثها:
"يجي عملنا كل اللي في إيدينا قبل ما نهملوا البلد عشان ما نوقولش، يا ريت اللي جرى ما كان."
أومأت بطاعة ومن ثم عادت إلى السرايا وتفاجأت بأعين خليل ونادرة ترمقانها متعجبين من تصرفاتها. خجلت من ركضها خلف والدتها ولم تكترث لمشاعرهم، بالتأكيد يظنون عدم قبولها لزيجتها من ولدهم. هي حتماً رافضة لكنها لا تود أن تظهر بصورة وقحة في أعينهم، تريد أن ترفض بلطف دون أن تمس مشاعرهم بحزن.
حمحت حين تحشرجت حنجرتها من فرط خجلها مما تسببت به وقالت:
"عن إذنكم، هطلع أوضتي."
فرت من أمامهم مسرعة، فصاحت نادرة بعدم قبول لما حدث منذ دقائق:
"فهميني يا عمدة إيه اللي عملته ده؟ بتحطنا قدام المدفع إياك بعملتك دي؟ ما عدتش تشوف زعل ولدك وغضبه من وقت ما اتحدت مع الناس، كأنه ما يفرقش عندك؟ دي ولدك يا عمدة وبقى الوحيد، يعني ميستاهلش نزعله واصل ونغصبه على جوازة مش رايدها. بلاها عرج الجبلاوية يهب دلوقتي ويركب دماغك يا خليل، بكفيانا زعل وحزن، مش دي حديثك؟ رايد تدخله وسطنا ليه عاد؟"
أخذ خليل شهيقًا وأخرجه بتمهل. طالع صفاء السماء وهو يستنشق الهواء العليل وأجابها بحكمة:
"ولدك رافض الجواز نفسه يا نادرة، مش رافض البت. واللي بيقولوه ده حجج فارغة عشان نتأثروا بكلامه ونوافقه. بس لا، أنا عارف مصلحته زين. البت كيف الجمر، تجوله قوم وأنا أقعد مكانك، وأخلاقها زينة وصانت عيلة جوزها. هيلاقي أحسن من كده فين؟"
حركت رأسها برفض وعدم قبول وهتفت معترضة:
"أنا مريدهاش، اتخفت من ناحيتها وجلبي ما يطمنش على مصطفى معاها. دي خلت الواد يهرب منها يوم الدخلة، كيف هتقدر تقنع مصطفى بيها وهو رافض البنات كلهم؟"
استدار خليل وطالعها لبرهة ولم يأت على عقله سوى شيء واحد، فأخرجه على لسانه بصوت عالٍ:
"غيرانة منها يا نادرة ولا إيه؟"
شهقت نادرة بعدم استيعاب لحديثه الذي ألقاه في وجهها. قطبت جبينها وصاحت به مندفعة غير راضية بما صرح به:
"بتقول إيه يا راجل؟ غيرة إيه دي اللي بتتحدث عنها؟ أنا نادرة السيد الحفني، بنت السيد الحفني من كبرات البلد وأعيانها، أغير من حتة بت أبوها كان عامل عند جوزي؟ ماهيش غيرة يا خليل، لو رايد مسميات يعني ممكن نسميها مستعناش تبقى مرت ولدي. جربنا حظنا مع واحد وربنا افتكره بعد يومين تنين من وجودها معاه، فأنا اكتفيت ومش حمل حزن وجهرة تاني، ومصطفى بالذات لازم له بت بنوت، وأنا كلامي خلص لحد هنا."
تركته وغادرت المكان. عادت إلى غرفتها تتمنى أن يعيد النظر في تلك الزيجة التي ترفضها بتاتًا، بينما وقع خليل في حيرة من أمره. فحديثها قد أثر به، لكنه صده من الجهة الأخرى لكي لا يدع له مجالاً في التسلل داخل عقله. رفع عصاه عن الأرض وتابع سيره إلى الخارج يريد أن ينفرد بنفسه قليلاً يرتب أفكاره من جديد.
في مكان ما، يسابق الزمن مع جواده. يشعر بالتحسن كلما فرض قوته على خيله وحمسه على الركوض بسرعة فائقة لا يستطيع أحد لمحه إن مر بجانبه، فقط يشعر باصطدام الهواء الذي يؤكد مرور شيء ما.
أوقفه تدريجيًا حين وصل إلى طوالة (اسطبل) الخيل خاصته. هبط من أعلاه بشعور مختلف تمامًا عن ذي قبل. فقط يشعر بالارتياح الآن. أعاده مكانه وتفاجأ بوقوف ضيف أمامه. تشكلت بسمة عفوية على ثغره ما إن رآه وعاتبه مستاءً:
"بقيت بتركب الخيل لوحديك ولا بتسابقني كيف زمان وأنا ساكت كتير؟ بس المرة دي مش هتعدي من تحت إيدي."
غمز له مصطفى وقال ساخرًا:
"اتوحشت الخسارة إياك؟"
ضاق ضيف بعينيه عليه وأجابه بتعالٍ:
"هاه، دي كانت مرة."
قهقه مصطفى عاليًا وأردف متابعًا لحديث صديقه بتهكم:
"اللي كسبتها."
لكمه الآخر بعنف في كتفه وعارضه بعدم تقبل لهزيمته:
"أباي عليك، لا عارف أكسبك في ركوب الخيل ولا حتى في الحديث!"
عاد مصطفى إلى حصانه بعد أن أحضر له طعامه وبدأ يطعمه بيده وباليد الأخرى يملس على ظهره بنعومة. التوى ثغره بمسة متهمة حين تذكر زيجته من أرملة أخيه وقال:
"بارك لصاحبك عاد، بكرة كتب كتابه."
قطب ضيف جبينه باستغراب لما وقع على أذنه وردد بعدم استيعاب:
"أنت وافقت مته؟ أنا سايبك الفجرية وأنت رافض، إيه اللي جد؟"
أجابه مصطفى وكل ما مر به منذ ولوجه للسرايا يُعاد في مخيلته:
"خليل الجبلاوي صدر حكم نهائي مفيهوش راجعة واصل."
حرك مصطفى رأسه ورفع شفتاه السفلى للأعلى وواصل حديثه بنبرة محتقنة:
"ديكتاتورية الجبلاوية لسه صامدة وباينها مكملة معانا كتير."
دنا منه ضيف ليتأكد ما يوجد خلف هدوئه المريب، لكنه فشل كمرات عديدة حاول بها فهم ما يدور داخل عقله، لكن في النهاية يفشل بجدارة. لم يطل هذه المرة في التفكير وسأله مباشرة:
"هداؤك ده ما يطمنش يا ولد الجبلاوي، جولي وراه إيه؟"
تقوس ثغر مصطفى وقد انعكست ملامحه إلى الحدة وهو يفكر بما ينوي فعله وأجابه:
"مقدرش أعصاه ولا في يدي أقف قصاده، بس في يدي أندمه على ديكتاتوريته اللي مشاها علي."
أحاط ضيف بكتفه وغمز إليه بمرح يريد خوضه مع أفكاره المجنونة أو ربما القاسية وأردف بحماس إضافة لنبرته:
"ما تخافش عليك يا صاحبي، بس شوقتني أعرف هتعمل إيه؟"
ثبت مصطفى بصره على الفراغ أمامه وردد دون تفكير زائد:
"هنشوف، هتشوفوا كلكم."
وضع المزيد من الطعام لخاصته المحبب له ولم يكترث لحكم والده الذي صدر تنفيذه، فلينل والده نصيب هو الآخر من ديكتاتوريته، لكن ستكون مختلفة بعض الشيء.
خرج من داره يهرول لعله يلحق بهم قبل أن يغادروا البلدة. تفاجأ بعودة زوجة عمه وشقيقها إلى منزلهم. على الرغم من تعجبه من وجودهم في تلك الأثناء هنا، إلا أنه شعر بالراحة المفرطة لكونه لم يفوت توديعهم، وخصوصًا توديعه الحار لحبيبته.
أسرع نحوهم وتحدث بنبرة لاهثة بسبب ركضه:
"كويس إني لحقتكم قبل ما تمشوا. ورد فينها معاودتش وياكم ليه عاد؟"
نكست السيدة سنية رأسها بحزن جلي. لم تتمنى أن يعودان بدونها، ناهيك عن رجوعهم للبداية من جديد. لم تكن في الحسبان تلك الزيجة، وممن؟ شقيق من عانت ورد لفراقه. آه، مكلومة خرجت من فم السيدة سنية عفوياً تسببت في خفقان قلب طاهر برعب وأعاد سؤاله بلهفة وتوجس:
"ورد فين يا مرة عمي؟"
أجابته بنبرة مرهقة ولازالت منكسة الرأس:
"في بيت العمدة، مرايدش يخرجها قبل ما عدتها تنتهي بالكامل ويسمع ردها."
عقد ما بين حاجبيه متعجبًا وسألها بفضول:
"ردها على إيه عاد؟"
شهيقًا وزفيرًا فعلت السيدة سنية قبل أن تجيبه قائلة:
"طالب يدها لمصطفى ولده."
ربما لو غرزت به خنجرًا حادًا، سيكون هينًا على أن يسمع ذلك. لقد انتظر مرور الأيام بفارغ صبر لكي يتقدم للزواج منها فور انتهائها من عدتها. والآن يصغي إلى من سيسرقها منه مرة أخرى ويحلق بها في سماء بعيدة عن أحلامه الوردية، لطالما رسم مواقف محببة لقلبه مع من خفق الفؤاد باسمها. لن يفوت هذه المرة ويقف يشاهد ما يحدث في صمت مثلما فعل في المرة الماضية. إن كان الحظ حالفه مرة، فلن يحالفه في الأخرى.
"أنا رايد أتجوزها يا مرة عمي، أنا أولي بيها من الغريب. استنيت اللحظة اللي أتقدم لها فيها من زمان، ومهسمحش لأي مخلوق كان إنه ياخدها مني تاني."
ألقى طاهر بحديثه دون تردد أو خوف. فاندهشت سنية وكذلك ماهر الذي لم يعلق، بل ترك الأمر لشقيقته فهي على دراية أفضل بمن سيناسب ورد.
فغرت فاها بعدم تصديق ورددت متسائلة:
"أنت بتقول إيه يا طاهر؟"
ثار طاهر وصاح هاتفا:
"أنا بحب ورد ورايدها في الحلال. قوليلها كده يا مرة عمي وهي أكيد هتوافق."
وضعت السيدة سنية راحة يدها أعلى رأسها وأوصدت عينيها تتمنى أن يكون كابوسًا ليس إلا. كل ما يحدث وليس فقط طلب طاهر من الزواج بورد. رددت بنبرة تميل إلى العتاب:
"ليه كده يا طاهر بتصعبها علينا، أنا وبتي ليه عاد؟"
رفعت رأسها للأعلى ناظرة إلى السماء وهتفت:
"كنا رايدين نهملوا البلد، يا رب ليه كده، ليه؟"
تركتهم وهمت بالدخول لمنزلها، فلحق بها ماهر واقترب منها ما إن أغلق الباب خلفه محاولاً مشاركتها العبء الذي قد وقع على عاتقها فجأة. انتبهت هي لسؤاله:
"هتعملي إيه يا سنية؟ هتقولي لورد على طاهر؟"
جالت الغرفة ذهابًا وإيابًا وهي تشعر بشتات عقلها، لا تدري أي منهم أصلح تختاره زوجًا لابنتها. فطاهر من المستحيلات تسمح له بالوصول إليها، فلن تلقي بوحيدتها في نيران حمدان وعائلته اللواتي لسن في قلوبهن رحمة. أيضًا ترفض وبقوة مكوث ورد في السرايا، فهي لا تريدها تعيد معاناتها لطالما لم تتحسن هي بعد.
رفعت بصرها حيث يقف أخاها وهتفت مقررة:
"أنا لا هأوافق على ده ولا على ده. أنا هروح آخدها بكرة من نجمة ونعودوا معاك يا خوي."
أومأ لها بقبول ومن ثم سحب هاتفه من جيب بنطاله وقام بالاتصال على زوجته ليخبرها ببقائه الليلة عند شقيقته حتى لا تنتظر عودته هباءً.
"ولاد العمدة عاملين عقد يسلموا البت لبعضهم، بس أنا مهسكتش. المرة دي مش هضيعها من يدي، المرة دي إن شاء الله تطير فيها رقاب."
صاح بهم طاهر بصوت عالٍ لعله يفرغ غضبه الذي تبدد بداخله. لم يشعر بالأذن التي وقفت خصيصًا لسماع ما يصيح به مع نفسه. ولجت للغرفة ما إن أنهى جملته بأسلوب غير حضاري وسألته بفضول:
"معناه إيه حديثك ده يا طاهر؟"
هدر بها شزرًا من عزم غضبه:
"أنتِ واقفة تتصنتي عليّ يا بت أنتِ؟"
لوت شفتيها بتهكم لسذاجته وهاجمته مندفعة:
"صوتك جايب لآخر البلد يا طاهر، هتتتتتصت إيه عاد!"
رمقه طاهر بنظرات مشتعلة ووجه بصره يمينًا ويسارًا إلى أن لمح تلك المزهرية الموضوعة أعلى الكومود. هرول نحوها وأمسكها ولم يتردد في إلقائها أرضًا بكل قوته إلى أن تحطمت إلى أشلاء لا يمكن إصلاحها.
صرخ عاليًا من فرط غضبه فلم يعد يستطيع كظم غيظه:
"خلصت من واحد طلع لي التاني. أنا بس اللي هتجوزها، أنا اللي أولي بيها، أنا اللي بحبها. مش هلال ولا حتى مصطفى!!"
صعقت صباح فور استشفافها للأمر. دنت منه تريد التأكد من حدسها التي استنتجته من خلف حديثه وسألته بتردد:
"كيف يعني مصطفى هو كمان رايد يتجوزها؟"
لم يعلق طاهر بل ثار على كل ما يمكن تكسيره بالغرفة وحالته الهائجة كانت خير رد على سؤالها. انسحبت من الغرفة بعدما اعتلتها صدمة جلية. هرولت لغرفتها ومازالت تحت تأثير الصدمة. جلست على طرف الفراش بإهمال ورددت بعدم استيعاب:
"كله بيحبها، كله رايدها. الكل بيتسابق مين هيتجوزها الأول، هلال وطاهر وآخرهم مصطفى!! مصطفى اللي البلد كلها تتمنى يرمي السلام عليها هيتجوزك يا ورد! عملالهم إيه يا بت عمي عشان الكل يجري وراكي كده."
نهضت صباح من مكانها وكزت على أسنانها بحقد واضح وتوعدت لها من بين أسنانها المتلاحمة:
"وأنا إيه؟ محدش بيجري ورايا ليه؟ مش شبههم ولا مش شبههم!!"
لم تنتظر لأكثر وأسرعت نحو خزانتها، التقطت إحدى عباءاتها وارتدتها سريعًا ومن ثم هاتفت أحدهم. لم تعطيه فرصة الرد بل أردفت أمره فور إجابته:
"جيبني في المكان بتاعنا دلوقتي متتأخرش."
أغلقت الهاتف قبل أن تستمتع لرده فهي ليست على استعداد لسماع رفضه الآن. هي في أمس الحاجة للحديث معه أو ربما جبره على الزواج منها.
تلفت حوله يتأكد من خلو المكان ثم أزاح وشاحه عن وجهه واقترب من تلك الشجرة التي تقف أسفلها وسألها بحدة:
"خير جيباني على مالا وشي ليه عاد ولا تكوني مفكرة إني فاضيلك يا بنت حمدان تجيبيني وقت ما تحبي؟"
ضاقت بعينيها عليه محتقرة أسلوبه الحاد معها وهدرت به شزرًا:
"أنت بتتحدث معايا كده ليه؟ يكنش أنا اللي رامية جتتي عليك؟"
رمقها بطرف عينيه مشكلًا ابتسامة ساخرة على محياه وأردف بتهكم:
"لا أنا اللي بجري وراكي يا صباح. نهايته رايد مني إيه؟"
حمحمت الأخرى وقد ارتخت ملامحها كما لانت نبرتها ومالت إلى الرجاء:
"هتيجي تطلب يدي من أبويا مته يا ضيف؟"
قطب ضيف جبينه باستغراب شديد وردد بعدم استيعاب لحديثها البعيد كل البعد عن مخيلته:
"أطلب يدك ليه؟ ناقصني يد إياك!"
طالعته بأعين حادتين واندفعت به:
"أنا بهزرش يا ضيف، العمر بيجري بيا وأنت معلقني في حبال دايبة ومخابراش آخرتها معاك إيه؟"
انفجر ضيف ضاحكًا، لم يستطع السيطرة على أعصابه التي تلفت بالكامل من خلف ضحكاته، تشنجت بطنه من خلف ضحكاته المستمرة دون توقف فأمسك بها وردد:
"مكنتش أعرف إن دمك خفيف يا بت يا صباح."
كانت تتابع ضحكاته بريبة من أمره، لم تصل إلى سبب واضح لضحكاته التي أثارت غيظها. انعكست تعابيرها للغضب ما إن تفوه كلماته السخيفة وصاحت به مندفعة:
"جولت أنا بهزرش، هتجابل أبويا مته؟"
احتدمت تقاسيم ضيف بغضب اعتلاه، دنا منها وقبض على ذراعها بقوة سبب لها الألم وهمس بقرب أذنها:
"وأنتِ فاكراني هركب جرون على آخر الزمن وأجي اتجوزك!! أتجوز واحدة دايرة على رجالة البلد واحد واحد ترمي نفسها عليهم."
شد ضيف على ذراعها بقوة مضاعفة فأنّت هي بألم شديد وأضاف:
"أنا يوم ما أقول يا جواز أتجوز واحدة متقدرش ترفع رمشها في عين أخوها، بت ناس أهلها عرفوا يربوها زين مش ماشية على حل شعرها!!"
صدمات متتالية وقعت على صباح من خلف حديثه الذي أخبرها بحقيقته التي سحقتها. دفعته بكل ما أوتيت من قوة بعيدًا عنها ونهرته مستحقرة:
"آه يا قليل الأصل والنخوة، وأنا اللي فكرتك راجل طلعت كيف العيل الصغير اللي بيتسلى بلعبته وبعدها يرميها لما يزهج منها."
عاد إليها مرة أخرى وملامحه لا تبشر بالخير وصاح من بين أسنانه المتلاحمة بغضب:
"لمي خشمك عاد بدل ما ألمه بمعرفتي، وآه، كنت بتسلى بيكي."
مال عليها وواصل حديثه هامسًا:
"بس دي مش ضعف مني، أنتِ اللي كنتي سهلة."
دفعها بعيدًا عنه ثم أولاها ظهره وغادر دون أن يلتفت لصراخها:
"أنا مش سهلة يا ضيف، والله لتشوف اللي هعمله فيك. هندمك على اليوم اللي فكرت تتسلى فيه ببنت حمدان المنشاوي، هوريك عرج المنشاوية على حج."
سقطت بإهمال وهي تصرخ عليه لعل نيران قلبها المتقدة تخمد، لكن كلماته تشعلها أكثر كلما تذكرتها. ضربت الأرض بيديها واقتعلت منها التربة. رفعت يديها للأعلى وهي تطالع الرمال التي تتساقط من ثغر أناملها وهتفت متوعدة بغضب عارم:
"أنت اللي بدأت اللعب يا ضيف، هنشوف إذا كنت هتتحمل اللي ناوية عليه ولا هتخر كيف الحريم."
نهضت بعد أن جمعت شتات نفسها، ضبطت من حالتها غير المهندمة وطالعت المكان من حولها متوجسة خيفة من رؤية أحدهم لها. أزفرت أنفاسها براحة حينما لم تجد أناسًا على مقربة منها وأسرعت مبتعدة عن المكان، لكنها أقسمت بأن تعود إليه مرة أخرى لكن ستكون مختلفة، هو من سيتوسلها ويطالبها أن ترفق به. لن تشعر برضاها الكامل حتى يأتيها راكعًا يطلب منها السماح.
لم يهدأ لها بال قبل أن تضع بصمتها وتقف تتابع ما يحدث بتشفٍ. وصلت إلى السرايا وطرقت بابها في انتظار ترحيب أحدهم لها. فتحت صفية الباب وشكلت بسمة ودودة على شفتيها مرحبة بها:
"اتفضلي يا صباح، ثواني وأناديلك ورد تاجي لك."
لحقت بها صباح قائلة قبل أن تبتعد عنها:
"لا، أنا مريداش ورد. أنا رايدة الخالة نادرة."
تعجبت صفية من طلبها لكنها لم تعلق، دعتها للجلوس في غرفة الضيافة بينما ذهبت هي تنادي سيدتها. طرقت باب غرفتها وولجت للغرفة حين سمحت لها وقالت:
"صباح بت عم ورد ريداكي ياستي."
عقدت نادرة ما بين حاجبيها متعجبة من تلك الزيارة ورددت متسائلة:
"وديي رايدة إيه هي كمان؟"
رفعت صفية كتفيها للأعلى ظاهرة عدم معرفتها:
"مخابراش يا ستي، أنا جولت لها أناديلك ورد جالت لا، رايدة الخالة نادرة."
التوى ثغر نادرة للجانب مستنكرة كلمة خالة ورددت مستاءة:
"خالة! من مته ده إن شاء الله."
ثبتت بصرها على صفية وأضافت آمرة:
"روحي ضيفيها وأنا هروح أشوفها رايدة إيه."
حركت صفية رأسها بطاعة ومن ثم انصرفت سريعًا بينما توجهت نادرة حيث تجلس ضيفتها. أسرعت صباح للداخل حين رأت هطول السيدة نادرة ووضعت هاتفها على أذنها مختلقة مكالمة ما:
"والله يا أمي الست نادرة ديي على نياتها جوي، كفاية أنها وافقت تجوز ولدها الحيلة لجدم الشؤم بت عمي. معرفاش كيف هتطمن على سي مصطفى معاها، ده هلال يا حبة قلبي معمرش معاها يومين على بعض. كيف ما تكون عملالهم عمل؟ البت دي مش معقولة، محدش شايف ولا حاسس إنها بتجيب الفجر (الفقر) في المكان اللي بتحط رجليها فيه. على العموم ربنا يهني سعيد بسعيدة، هنكونوا عايزين إيه غير إنهم يكونوا سعداء؟ ديي مهما كان بت عمي بردك."
صمتت صباح وكأن والدتها تخبرها بشيء ما، فتابعت هي تمثيلها بنبرة لهوفة:
"لا لا مجدرش أقولها حاجة زي ديي، ربنا حليم ستار يا أمي وهي شكلها اتعدلت من وقت ما اتجوزت هلال أو الله أعلم، يمكن مش لاجية الفرصة ورايدة تعاود مع خالها عشان ترجع للي كانت بتعمله."
تأففت صباح بضجر وواصلت حديثها معاتبة شخصية والدتها المختلقة:
"بكفيانا حديث عنها بقى، ربنا يهديها. أنا هبارك للست نادرة وهعاود طوالي مش هتأخر. سلام."
أغلقت الهاتف وأعادت وضعه في حقيبتها وظهرت شبح ابتسامة على ثغرها لنجاح ما أتت لأجله.
في الخارج، صدمة قد اعتلت نادرة مما أصغت إليه ووقع على مسامعها. فهي لم تحبها يومًا وخصوصًا بعد وفاة مدللها الصغير. ولكن بعد ما سمعته بأذنيها ستفعل المستحيل من أجل عدم إتمام تلك الزيجة.
أخذت نفسًا عميقًا وولجت للداخل بشموخ وثبات. رحبت بها صباح بحفاوة شديدة كما بادلتها الأخرى ترحيبًا يليق بها وقالت:
"السرايا نورت يا صباح بطلتك البهية، مش بتيجي تطلي علينا ليه عاد؟"
أخفضت صباح رأسها وأجابتها باستيحاء زائف:
"أبويا بيرفض خروجي عمال على بطال من الدار، أنا حتى جايه على لسان أمي أبارك لسي مصطفى على جوازه من بت عمي لأنها تعبانة شوية ومقدرتش تيجي بنفسها."
رفعت نادرة إحدى حاجبيها حينما ذكرتها صباح بالزواج وردت عليها بنبرة جامدة:
"فيكي الخير أنتِ وأمك يا صباح، جولي لها الله يبارك فيكي يا ثريا، عقبال ما نفرحوا بولادك."
رسمت صباح بسمة ولازالت منكسة رأسها وأردفت بنبرة رقيقة لا تشبهها قط:
"يوصل يا خالة، أنا عوجت جوي ولازم أعاود دارنا أصل أبويا يبهدلني، عن إذنك."
ابتسمت الأخرى ورددت بإعجاب شديد لحياءها وهي تربت على ذراعها:
"يسلم بوك اللي ربّاك زين، إذنك معاكي يا حبيبتي، سلميلي على ثريا كتير."
أجابتها مختصرة:
"يوصل."
انصرفت صباح من السرايا بعد أن بخت سمها واستطاعت النجاح فيما فعلته. وقفت نادرة ترمق الطابق العلوي بغيظ شديد. ضربت درابزين السلم براحة يدها ورددت من بين أسنانها بغضب:
"على جثتي لو الجوازة دي تمت يا بنت صابر وسنية."
في غرفة ورد، يقفان الفتاتان حول ورد يحاولان إقناعها على طريقتهما. حيث قالت صفاء بنبرة عفوية:
"وافقي يا ورد ومتهمليش الدار."
أضافت هويدا قائلة بحكمة ورزانة في نبرتها:
"أنا مريداش أقولك وافقي كيف صفاء لأنها بت مخدولة في عجلها. بس إن جيتي للحج سي مصطفى ميترفضش واصل. أنا أعرفه من وقت طويل جوي، أنا أكبره بسنة واحدة وقضيت طفولتي معاه، وشبابه كله كان قصاد عيني. عمري ما شفته كيف شباب جيله كان متأني، وقبل ما يخطو خطوة يكون حاسب لها تمام، وعلى طول خيال (مرسوم) في نفسه كده. عاجل كيف ما يكون عمره فوق الخمسين، مش شاب لسه مكملش الثلاثين. فكري زين يا ورد."
أوصدت عينيها فاختفت زرقاواها خلف أهدابها ورددت بعد أن أخذت شهيقًا وأخرجته رويدًا:
"مخابراش كل حاجة جت فجأة، مش متخيلة أتجوز أخو جوزي الله يرحمه. مش مستوعبة أصلًا إني بجول على هلال الله يرحمه، لسه ما خرجتش من صدمة موته أقوم أدخل في صدمة جوازة تانية؟"
ابتعدت عنهم ورد واستلقت على الفراش بحيرة شديدة واقعة في شباكها لا تعلم كيفية التحرر منها. اقتربت منها صفاء تتوسلها برجاء:
"أنا دعيت ربنا إنك متبعديش عنا واصل، وأهو اللي حصل ده كان الرد على دعائي، يعني علامة أنك توافقي."
استنكرت هويدا هراء صفاء الذي تحاول به الضغط عليها وأردفت موجهة حديثها إلى ورد:
"سيبك من عجل الهبل ده. أنتِ صلي استخارة وبكرة ربك يحلها من عنده."
وجهت هويدا بصرها على صفاء وأمرتها:
"وأنتِ جومي عشان نخلصوا اللي ورانا."
كادت أن تعارضها لكن نظرات هويدا كافية لأن ترعب صفاء وترغمها على الخروج معها بدون نطق حرف زائد. نهضت ورد من مكانها ما إن خرجت الفتيات من الغرفة وتوضأت وشرعت في الصلاة تستخير ربها أن يلهمها الصواب في تلك المسألة عاجلاً.
في اليوم التالي، رمشت ورد بأهدابها عدة مرات لكي تعتاد ضوء الشمس التي تغازل عينيها من خلف زجاج النافذة. تقوس ثغرها الوردي بابتسامة عفوية. مدت ذراعيها في الهواء لترخي من تشنج عضلاتها. نهضت من مكانها بنشاط على غير عادتها في الأيام الماضية.
لمحت طيفها في المرآة فتحركت تلقائيًا نحوها ووقفت تطالع صورتها المنعكسة بتفحص. انتبهت لراحة جوفها المريبة. اتسعت مقلتاها على آخرهما وتمتمت بذهول:
"أنا مرتاحة!"
يا ترى الراحة دي شاملة إيه؟ عايزين الجوازة تكمل ولا لأ؟
رواية عرف صعيدي الفصل السابع 7 - بقلم تسنيم المرشدي
عرف صعيدي
الفصل السابع
أحداث سريعة متتالية خلف بعضها قد حدثت دون سابق إنذار، خادمات السرايا تركضن في عجالة من أمرهن يحاولن أن ينتهوا من طهي الطعام الذي أمر به خليل ليكفي المدعوين على عقد القِران.
يقف عُمال الفِراشة يُعِدون الحديقة بالسُرادِق المزينة بروسومات الأعراس كما يعلقون الأنوار التي أضافت لمسة مبهجة للسرايا. لم يتركوا أي أنحاء وزاوية إلا ووضعوا بها الزينة، فاليوم ليس أي مناسبة، إنه زفاف مصطفي الإبن البكري للعمدة.
ضجة لا يوجد سواها في الوسط، الأرجاء مزدحمة بالعُمال ورجال العمدة المتراصين في كل ثغرة في الحديقة حاملين أسلحتهم على أكتفاهم يستعدون لأمرٍ من العمدة للبدء فيما يجيدون فعله. بدأ المدعوين في الهطول متفاجئين بالتحضيرات المذهلة التي أقيمت في ساعاتٍ قليلة.
مكثن النساء في مجلس قد أقيم خصيصاً لهن داخل السرايا لألى يراهم أحد من الجنس الآخر. وقفت ورد أمام فراشها تطالع عبائتها البيضاء المطرزة باللمسات الذهبية الموضوعة أعلاه. سارت نحو المرآة وصوبت بصرها على خصلاتها المموجة التي أطلقت سراحهم يتغنجن مع هواء المكيف.
لازال عقلها غير آبِه لفكرة زيجتها من رجل آخر لا تعرف طباعه. أهو حنون ولين الأسلوب كما يخبرنها الفتيات، أم يمتلك تصرفات قاسية وطباع حادة؟ هي لم تراه سوي مرات معدودة وتعاملاته معها محدود للغاية فلم تستشف منهم أي صفة قد يكون يمتلكها.
عادت بذاكرتها إلى وقت وصول والدتها إلى السرايا تريد المضي سوياً مبتعدين عن البلدة ومشاكلها التي لا تنتهي. حيث فاجئتها ورد بردها:
"أني مرتاحة ياما مش حاسة بالخنجة اللي كنت حساها جبل اليوم."
رمقتها السيدة سنية بذهول، فهي لم تعتقد هذا الرد منها مطلقاً. لقد حسمت أمرهم على العودة مع شقيقها، ما هذا الأن؟ ستُرضخ أبنتها لتلك الزيجة! كيف ستواجهه إن كُشف أمر حمدان وفعلته! بالتأكيد ستنال جزءاً من انتقامه ولن يصدق عدم علمها بالأمر.
حاولت سنية أن توصد جميع الأبواب في وجهها لعلها تعود إلى رشدها وتوافق على الإبتعاد عن هنا، لطالما حلمتن كلتاهن بذلك. لكن ظهور خليل في تلك الأثناء حتماً سيؤثر على قراراتها التي حاولت جاهدة أن تقنعها بهم.
قابلهم خليل بإبتسامة عريضة مرحباً بهم بحفاوة:
"السرايا نورت يا أم ورد."
وجه حديثه مباشرةً إلى ورد بصوت متحشرج:
"قررتي إيه يا ورد عاد؟"
ابتلعت ورد ريقها، فهي لم تصل إلى إتفاق يرضيها كما يرضي والدتها. وزعت بصرها بين خليل ووالدتها لا تدري ما عليها قوله. استشف خليل توترها التي وقعت بين طياته وحاول أن يقلل من إرتباكها بنبرته التي لانت بعض الشيء:
"محدش هيجبرك على حاجة يا ورد، جولي اللي في جوفك."
نظرت ورد إلى والدتها النظرة الأخيرة قبل أن تجيبه بإرتباك حرج:
"أني مخرباش أجول إيه، بس حاسة إني مرتاحة مش مضايجة كيف اليوم السابج."
تهللت أسارير خليل بسعادة غامرة قد دقت طبول قلبه. انعكست سعادته على ملامحه فابتسم عفوياً ونادى بصوته الجهوري:
"صفية، هويدا، صفاء!"
جئن ثلاثتهن مهرولين بذعر إثر ندائاته المستمرة دون توقف. وقفن أمامه وقد تولت صفية الرد عليه بتوجس:
"خير يا عمدة؟"
هلل عالياً ببهجة تتحدث عن نفسها:
"كل خير يا صفية."
وزع بصره عليهم وأضاف بنبرة متحمسة، يتلهف لإخبار الجميع بموافقة ورد:
"زغرطوا يا بنات خلوا أهل البلد تسمع إن اليوم فرح مصطفى على ورد."
شهقن ثلاثتهن من هول المفاجأة. تحولت ملامحهن تدريجياً إلى السعادة حين استشففن الأمر. تبادلن النظرات بفرحة أسرت قلوبهم من فرط جمال الخبر الذي أخبرهم به خليل.
تعالت أصوات الزغاريد مبدين سعادتهم الواضحة كما أمر خليل رجاله بإطلاق النيران ليعلموا الغائب أن هناك مناسبةٍ في سرايا العمدة.
"عسران يا عسران!" نادى خليل بنبرته الجهورية فجاءه عسران راكضاً يلبي ندائه:
"أمرك يا عمدة."
أخبره خليل بما يريده أن يفعله بقوله:
"رايدك تخبط بنفسيك على دار دار في البلد وتعزم كل أعيانها وكبراتها وتجولهم فرح ولِد العمدة النهاردة وتعاود طوالي عشان ورانا تجيهزات ياما بدنا نخلصوها جبل ما الناس تهل."
أومأ له عسران بطاعة ومن ثم انصرف لكي ينهي ما أمره به خليل سريعاً ويعود إليه حتى ينهوا بقية الترتيبات.
جذبت السيدة سنية ورد من ذراعها وأبعدتها عن أعين خليل وهمست محذرة وهي تطالع المكان من حولها تتأكد من عدم سماع أحدهم لما ستردفه:
"اتخبلتي في مخك إياك، تجدري تجوليلي هتجولي لمصطفى إيه لما يعرِف أنك بت بنوت؟"
اتسعت حدقتي ورد بصدمة اعتلتها حينما ذكرتها والدتها بالحقيقة المريرة، حتماً ستنقلب حياتها رأساً على عقب ما إن علم مصطفى بعدم زوال عذريتها.
ازدردت ريقها وسعلت بشدة، ضربت سنية على ظهرها بخفة حتى عادت ورد إلى طبيعتها. شعرت بغصة مريرة في حلقها ناهيك عن الأفكار السوداء التي عصفت بها. أوصدت عينيها لبرهة ومن ثم أعادت النظر إلى والدتها وقالت متسائلة:
"وبعدين ياما هنعملوا إيه في المصيبة دي؟"
حركت سنية رأسها مستنكرة تصرفها الأرعن الذي أوقع بهم في ورطة كبيرة. حاولت أن تجمع شتاتها لكنها فشلت وهي تري الجميع يركض من حولهن يعدون تجهيزات العرس، لم يعد هناك ما يمكنهم فعله حتى لا يملكون حق الرفض الآن.
صوبت السيدة سنية بصرها على ورد بقلة حيلة لا تملك سوى المآزرة فقط:
"منملكوش غير إننا نكملوا اللي بدأتيه يا بت بطني ونسيبها على ربنا، ربنا يستر ويعديها على خير."
على الجانب الآخر، وقفت نادرة تتابع ما يحدث من خلف باب غرفتها بغضب عارم وعدم رضاء. لن تتحمل هرائات خليل أكثر من ذلك، نادت عليه بنبرة مليئة بالغضب فجاءها بعد مدة متسائلاً:
"رايدة مني ايه؟"
جذبته من ذراعه وأجبرته على الدخول للغرفة ثم وقفت مقابله والشر ينطق من عينيها:
"الجوازة دي مهتمش يا خليل، البت مشيها بطال يا راجل ترضاها لولدك؟"
قطب جبينه وردد مستاءً:
"وااه هي حصلت ترمي البت بالباطل يا ولية، جبتي منين الحديت الماسخ ديه؟"
أشاحت بوجهها عنه ووضعت كلتي يديها في منتصف خصرها وأجابته بإزدراء:
"مش مهم جبته منين المهم إني عرفت حجيجتها وخلاص."
نهرها بعصبية سببت بوقوف شعيرات جسدها:
"شوفتيها بعينك؟ سمعتيها بودانك؟"
اعتدلت نادرة في وقفتها وطالعته لبرهة ثم نطقت بتلعثم:
"لاه."
هاجمها خليل فور نفيها لأسئلته بنبرة محتقنة:
"إحنا عُمي مبنجدرش نفرج بين اللي مشيها بطال واللي بتخاف ربنا."
اقترب منها بخطوات ثابتة وواصل حديثه المسترسل:
"عارفة اللي بيرمي الناس بالباطل عقابه إيه؟ (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)."
بصق خليل أرضاً ثم مسح على فمه بإبهامه وأضاف:
"هعمل إني مسمعتش حاجة واصل لكن لو الحديت ديه اتكرر تاني صدجيني هعمل بلي ربنا أمر بيه وإوعي من جدامي إكده."
حركت رأسها عفوياً مع خروجه، كزت على أسنانها ببغض شديد وتمتمت داخلها:
"بكرة تندم يا خليل بس أني اللي هجف جصادك ومهتجدرش تفتح خشمك وجتها."
"ورد يا ورد" انتبهت ورد لذلك الصوت من خلفها، التفتت لتعلم مصدره، قطبت جبينها بغرابة حينما رأته يقف على مقربة منها يفصل بينهما باب السرايا، كادت أن تقترب منه لولا أن منعتها السيدة سنية وهي تطالعه بضيق:
"متتحدتيش معاه أني هروح أشوفه رايد إيه."
عقدت ورد ما بين حاجبيها بتعجب من أمرها وسألتها بفضول:
"هو ناداني أني مجالش مرت عمي هشوفه رايد إيه وعاود طوالي."
تحركت ورد مسرعة قبل أن توقفها والدتها ثانيةً وأقتربت منه تاركة بعض المساحة بينهم، حمحمت بإستيحاء ورددت متسائلة:
"محتاچ حاجة يا طاهر؟"
آذابت قلبه بنطقها لاسمه التي افتقد سماعه بنبرتها المبحوحة، منذ متى ولم يحدث أي حوار بينهم، اشتاق إليها وشوقه ظاهر على ملامحه وطريقته في الحديث. تعجبت ورد من عدم رده عليها وأعادت سؤالها بنبرة تميل إلى الحيرة من أمره:
"هتجف تبحلج فيا كاتير جول رايد مني ورايا تجيهزات ياما."
انتبه لآخر ما تفوهت به وأعاد النظر إلى ما يحدث في الحديقة من تعليق الأنوار والزينة وردد متسائلاً على أمل أن تنفي ظنونه:
"التجهيزات ديي عشان مين يابت عمي؟"
أخرجت ورد تنهيدة ثقيلة من جوفها وأجابته وهي تتابع تعليق الأنوار بزرقاوتيها:
"فرحي على مصطفى لساك معلمتش!! ديي البلد كلاتها جالهم الخبر وهما في دارهم."
أكدت حدسه الذي حاول جاهداً أن يقاومه ويخشى سماعه، ها هي الآن وبكل سهولة أكدت مخاوفه. طالعها من أعلى وشاحها بنظرات تحمل إشارات معاتبة لكونها سترهق قلبه مرة أخرى. لن يتحمل المزيد من آلام العشق الذي سيعيش معه بين أربع جدران، سيعاد كل ما عاشه منذ علمه بزيجتها من هلال ثانيةً. لا والله ليس بتلك القوة التي يراها عليه الجميع حتماً ستنهار عزيمته ما إن كُتب اسمه على اسم رجلاً غيره.
حسناً سيفعل آخر ما يمكنه فعله وما سيحدد مصيره في تلك العلاقة ذات الطرف الواحد. سحب نفساً عميق وهو يستعد لسؤالها لكن يخشي إجابتها كثيراً. فتح فاهه وألقى بسؤاله دفعة واحدة قبل أن يتراجع عنه:
"وأنتِ موافجة عليه يا ورد؟"
ترددت ورد في إجابتها لكن فقط ستجيبه بما تشعر به. أوصدت عينيه لبرهة وقالت بعد أن جمعت قواها:
"مخابراش غير إني مرتاحة، مش الراحة ديي معنتاها إني موافجة بردك؟"
آه وألف آه صدرت من أعماق قلبه المنكسر، ضاعفت جرعتها تلك المرة وتسببت في إشعال نيران قلبه وكما ساعدت على احتراقه بالكامل بعد تلك الإجابة. أهي حقاً تسأله هو بالتحديد! هو الذي سعي ليجعلها زوجته وكانت الظروف جميعها ضده وبمثابة حاجز هائل يمنعه من الاقتراب منها كلما تخطاه وحاول الوصول إليها.
"ربنا يسعدك يابت عمي" تمنى لها السعادة لكونها حبيبته لكن لا سعادة لها مع رجل غيره. لن يتقبل الفكرة ولو بعد ألف عام. أولاها ظهره وتحرك مبتعداً عنها لكنها أوقفته بسؤالها:
"كنت جاي رايد حاجة؟"
أجابها بقلبٍ يحترق دون أن يلتفت:
"معدلوش عازة اللي كنت رايده."
انصرف سريعاً ما إن أنهى جملته تاركها شاردة في جملته التي لم تفهم معناها. انتبهت على صوت والدتها الذي قطع حبال شرودها:
"كان رايد إيه عاد؟"
ردت عليها ولازالت عينيها مثبتة على طيفه الذي يختفي رويداً رويداً من أمامها:
"مجالش، كانه كان رايد يجول حاجة بس أول ما علم بجوازتي من مصطفى بطل يجول."
حاولت سنية إشغال عقلها بعيداً عن طاهر:
"سيبك منيه تعالي نطلعوا أوضتك البنتة شيعوا للمزينة تاجي تزوجك."
أومأت لها بقبول لكن مازال عقلها منشغل مع حديث طاهر. ودت لو أصرت عليه وعلمت منه ما يوجد خلف كلماته المريبة بدلاً أن تؤكل فصوص عقلها من فرط الفضول.
بحثت بعينها على خالها وعندما لم تجده تساءلت عنه بفضول:
"خالي اختفى فين لساته كان واقف إهنه."
ردت عليها سنية موضحة سبب اختفائه المفاجئ:
"راح يجابل مرته وعياله على أول البلد."
قطبت جبينها بغرابة ورددت:
"هما لحقوا يوصلوا."
رفعت سنية أكتفاها بعدم علم كافٍ لسؤال ورد وقالت:
"مخابراش هو جالي أكده هقعد أسئله أسئلة ملهاش عازة عاد، همي بينا نطلعوا الأوضة."
انتبهت خبيرة التجميل من وضع آخر لمساتها من المساحيق التجميلية ونظرت لورد بتفحص تتأكد من تمام عملها ثم سألتها باهتمام:
"ها يا عروسة إيه رايك؟"
لم تجبها ورد فهي غارقة في أفكارها. لوحت الأخرى بيدها مشيرة إليها لكي تجذب انتباهها قائلة بمزاح:
"مين سعيد الحظ اللي عتفكري فيه وواكل عجلك بالشكل ديه؟"
تدخلت صفاء وأجابتها ببسمة عريضة:
"أكيد سي مصطفى هو في غيره."
عادت ورد إلى أرض الواقع ما إن صغت إلى اسم مصطفى. وزعت نظراتها عليهم في حالة توهان مريبة، ضحكن الفتيات على مظهرها. قطعت ضحكاتهن هويدا حين أردفت:
"من دلوك واكل عجلك أومال كمان ساعة هياكل إيه؟"
أضافت صفاء فور انتهاء هويدا من حديثها قائلة:
"معلوم هياكل جلبها."
تعالت ضحكاتهن وأخيراً استوعبت ورد ما يرميان إليه وردت عليهم بتهكم:
"بكفياكم مجلسة عليا يا بنات أني متوترة خلجة."
رفعت صفاء يديها للأعلى ورددت بتمني:
"نفسي أتوتر كيف توترها إكده يارب."
لم يتمالكن أنفسهن وانفجرن ضاحكين على عفويتها في الدعاء، توقفن عن الضحك حين أعادت المزينة سؤالها باهتمام:
"بكفياكي ضحك يا عروسة وطمنيني اللوك عجبك ولا عندك تعليجات عليه؟"
نهضت ورد من مكانها ووقفت أمام مرآتها، اتسعت حدقتاها بذهول شديد حين وقع نظرها على صورتها المنعكسة، لوهلة لم تتعرف عليها وكأنها امرأة أخرى غير التي اعتادتها، فغرت فاها وهي تطالع ملامحها التي اختفت تماماً أسفل المساحيق ورددت ببلاهة:
"أنتِ عملتي فيا ايه؟ أني معرفانيش واصل كاني واحدة تانية غيري."
انفجرن الفتيات مقهقهين عالياً، ردت عليها من بين ضحكاتها:
"أيوة يعني زين ولا عفش؟"
التفتت إليها ورد بعد أن اكتفت من النظر إلى ملامحها وأجابتها بتلقائية عابثة:
"زين زين اللوك اللي عتجولي عليه ديه."
تقوس ثغر الأخرى ببسمة عريضة مبدية سعادتها فور علمها بإعجاب ورد لزينتها وهتفت وهي تجمع أدواتها:
"على خير يا عروسة ربنا يتمم لكم على خير يارب، همشي أني عشان عندي عروسة تانية."
اعترضت هويدا قائلة:
"مش هتهملي البيت جبل ما تتضايفي لاول."
حاولت الاعتراض لكنها في الأخير وافقت تحت إصرار هويدا، خرجن من الغرفة كما رافقتهن صفاء بعد خروجهم مباشرةً لكي تحضر مياه وبعض الطعام لورد.
تذكرت ورد بحقيقتها التي لازالت عليها، كيف ستخبره بذلك. ليست بتلك الجرأة لكي تقف أمام مصطفى الجبلاوي وتشي باستمرارية عذريتها. على الرغم من عدم خلق أي حوار سابق لهما سوياً إلا أنها ترتابه، له هيبة وحضور يجبر من يقف أمامه أن يخشاه. ستخبره هي أم تتركه يعلم بمفرده؟ في النهاية مهما تعجب من كونها عذراء سيسعد لكونه أول لمسة بل يكون في الاعتبار أنه أول رجل في حياتها.
رددت داخلها بكلمات تطمئن بها قلبها إلى أن هدأت تدريجياً. انتبهت لطرقات الباب فسمحت للطارق بالدخول. انتفضت من مكانها بسعادة بالغة حينما رأت بنات خالها. هرولت إليهن مسرعة وضمتهم بكل ما أوتيت من قوة فلقد فاق اشتياقها لهم لم تراهم منذ أشهر عدة. بادلاها العناق بحب بالغ فكلتاهن يعشقونها كما يقتدون بها لأنها أكبرهم عمراً وعقلاً.
ابتعدت عنهن بصعوبة ورددت بشوقٍ باين في نبرتها:
"إتوحشتكم جوي يا بنات."
أجابها في نفسٍ واحد بلهجتهم المصرية:
"وأنتِ كمان وحشتينا أوي."
هتفت إحداهن بسعادة:
"مصدقناش لما بابي قالنا أنك هتتجوزي والنهاردة فرحك لحقتي تجهزي حاجاتك؟"
قطبت ورد جبينها وأردفت بتلقائية:
"الموضوع جه بسرعة جوي يا بنات أني الصبح جولت موافجة ودلوك توني مخلصة المكياج أهاه ومعتش إلا العباية."
شهقت الأخرى بصدمة لم يستوعبها عقلها الصغير وأردفت بعدم تصديق:
"كل ده حصل النهاردة بس!! انا تقريباً لما أجي أحضر لفرحي هبدأ من اليوم اللي هوافق فيه على العريس عشان الوقت يكفيني."
علقت شقيقتها الصغرى على حديثها مازحة:
"وممكن متلحقيش كمان يا أسما."
قهقهت أسما وردت عليها مؤكدة:
"عندك حق والله."
شاركتهم ورد المزاح قائلة:
"أني بردك بدأت أحضر من وجت ما جولت موافجة يعني مفرجتش كتير يا ست أسماء."
حملقت أسماء بها لوقت ثم انفجرت ضاحكة حين استشفت صحة حديثها وقالت:
"طب والله أقنعتيني."
ابتسمت لها ورد ووجهت حديثها إلى المدللة الصغيرة وسألتها مستفسرة:
"وأنتِ يا ست عيشة عاملة إيه في الثانوية العامة؟"
شهقت بصدمة جلية فتوجست ورد خيفة في نفسها مما تفوهت به وسألتها بارتباك حرج:
"أني جولت حاجة غلط ولا إيه؟"
أسرعت بالرد عليها موضحة:
"عيشة إيه يا ورد؟ كويس أن محدش سمعك قوليلي أش."
عقدت ورد حاجبيها بغرابة ورددت متعجبة:
"أش! طلعت ميتي أش ديي ما أني علي طول بجولك يا عيشة."
احتدمت ملامح الأخرى بضيق ورددت:
"أيوة ده كان زمان إنما الوقتي أش أو عائش أو ممكن تنادي بعائشة وخلاص لكن عيشة دي إنسيها خالص برستيجي يضيع لو حد سمع أن أش اللي عندها One hundred thousand followers على انستجرام بيتقالها عيشة!، ينهار أبيض مش متخيلة بجد."
فغرت ورد فاها ببلاهة ورددت بعدم فهم:
"طيب وان وفهمناها بجيت الحديت ديه معناته إيه؟"
ضحكت عائشة بسخرية بينما لكزتها أسما في ذراعها لتكف عن سخافاتها الآن كما أرسلت إليها نظرات موحية تحثها على التوقف وقالت:
"سيبي فلورزك دول على جنب النهاردة مش وقتهم خالص."
وجهت بصرها على ورد وأضافت مبدية إعجابها بها:
"طالعة زي القمر يا ورد بجد ما شاء الله يابخته بيكي."
اقتربت عائشة من شقيقتها وطالعت ورد بأعين يشع منها الحماس وسألتها بفضول:
"إلا هو فين عايزة أشوف شكله إيه؟"
حركت ورد رأسها بتهكم وقالت:
"أني نفسي معرفاش شكله إيه بشوفه من بعيد لبعيد."
اتسعت حدقتا عائشة بدهشة لحديثها لكنها لم تعلق كما أنها لن تتخلى عن رؤيتها له. ابتعدت عنهم وهتفت:
"انا نازلة لعمتو هي توريهولي."
انسحبت للخارج فور انتهاءها من الحديث فأثارت ضحكات الأخريات عليها. حركت أسما رأسها مستنكرة تصرفاتها البلهاء التي لا تليق بها ورددت مستاءة:
"مش هتتغير أبداً."
دنت منها ورد وأمسكت ذراعها، غمزت إليها وسألتها بفضول:
"سيبك منيها وجوليلي مفيش جاديد مع حب عمرك."
لم تتمالك أسما ضحكاتها التي انطلقت من خلف عفوية ورد وأجابتها بعد مدة حين استطاعت السيطرة على ضحكاتها:
"حب عمري ياستي والده اتوفى قريب وطبعاً كل اللي كنا مخططين له بخ طار، لأن هو وحيد ومش هيقدر يسيب مامته لوحدها ويسافر يحضر الماجستير والدبلومة في أمريكا زي ما كان مخطط فالدنيا ملخبطة أوي معاه ومش عارف ياخد خطوة الخطوبة الا لما يستقر الأول."
طالعتها ورد بتأثر وربتت على ذراعها داعمة لها وقالت:
"ربنا يجرب البعيد وتبجوا لبعض جريب إن شاء الله."
التوى ثغر أسما للجانب مشكلة ابتسامة ممتنة لها:
"ربنا يخليكي ليا، سيبك مني ويلا نكمل بقيت التجهيزات."
شعرت ورد بالراحة لكونها بجانبها فهي تكن لها الحب وتعتبرها شقيقتها وليست ابنة خالها. مدت أسما يد العون لورد بكل حب وسعادة إلى أن انتهت ورد من تحضيراتها.
بهيبة وقامة منتصبة يقف أمام مرآته يرتدي عبائته أعلى جلبابه، رمق صورته المهندمة برضاء كامل لمظهره الجذاب. انتبه لصوته الخشن الذي أخرجه من شروده:
"كانك رضخت يا ولِد العمدة؟"
طالع صورة صديقه المنعكسة في المرآة بتهكم وأجابه بإزدراء:
"شكلك إتوحشت الضرب يا أبو عمو."
قهقه عالياً وهتف مازحاً:
"لا وأنت الصادج هبجي عم العيال جريب."
حرك رأسه مستنكراً هرائاته التي لا تنتهي ولن يتوقف قبل أن يجبره هو على الصمت. استدار إليه ورمقه بنظرات مشتعلة فتوجس الآخر خيفة في نفسه من خلف نظراته وتراجع للخلف مردداً:
"خلاص ياعم متبحلجش فيا إكده."
التوى ثغره بثقة لهيبته التي أثارت ذعر الآخر وأردف بعجرفة:
"مصطفى الجبلاوي هيبته سابجه خطوته والكل يخافه."
رفع ضيف شفتاه العليا بإستنكار شديد وعارضه بفرد قوته في حديثه بنبرة صارمة:
"أني اللي بديلك الفرصة يا إبن الجبلاوي أنت هتسوج فيها ولا إيه؟"
اقترب منه مصطفى بخطى ثابتة خشاها ضيف وتراجع للخلف. قهقه مصطفى عالياً من خلف خوفه المرسوم على تقاسيمه الذكورية. ربت على كتفه لكي يطمئنه:
"إجمد إكده ومتبجاش خِرع وبتركب الهوا من مفيش."
ضغط مصطفى على كتفه فلم يتحملها ضيف وخر واقعاً. صعق مصطفى مما رآه فهو لم يكن بتلك القوة معه إذاً ما الذي حدث ذاك؟
علق على وضعه ساخراً:
"يخربيت عجلك يا ضيف ده أنت مش محتاج تتجوت بالوكل ده أنت محتاج معونة من أمريكا."
رمقه الآخر بغيظ شديد، نهض سريعاً وتحرك مبتعداً عنه، ابتلع ريقه قبل أن يردف:
"أني تحت لما تخلص ابجي تعالي بدل ما تكسرلي أيد ولا رجل."
انعكست ملامح مصطفى إلى الضيق فور خروجه ضيف من الغرفة. أوصد عينيه لبرهة يحاول أن يقنع عقله بارتداء ثوب اللامبالاة إلى أن ينتهي اليوم بسلام.
شهيقاً وزفيراً فعل هو قبل أن يخرج من الغرفة. ارتفعت الزغاريد في أرجاء السرايا ما إن ظهر طيف مصطفى في الوسط. لمحه خليل من على بُعد فجاءه بشموخٍ يبدي إعجابه بطلته التي دق القلب طرباً لجمالها:
"إسم الله عليك يا ولدي طلتك ولا الجمر ربنا يبارك."
لم يستطيع مصطفى أن يجاريه هو خصيصاً فلم يعلق على ما قاله والتزم الصمت. لاحظ خليل صمته عن المعتاد فأظهر اهتمامه بسؤاله الذي طرحه عليه:
"مالك يا ولدي كانك مش مبسوط إن اليوم فرحك."
بالتأكيد يمازحه، لم يتمالك مصطفى ضحكاته على سذاجة سؤال والده. حرك رأسه مستنكراً قبل أن يجيبه ببسمة زائفة:
"أكيد بتهزر يا بوي مش إكده؟ كيف يعني مش هكون مبسوط دي الليلة ليلتي وانى العريس."
شعر خليل بالراحة تجتاحه من خلف حديث مصطفى. دنا منه وربت على ظهره بحنو أبوي وتمنى له التوفيق:
"ربنا يسعدك يا ولدي وتملي لنا السرايا كوم عيال."
رُفع حاجبي مصطفى تلقائياً بعد إصغائه لحديث والده وسايره في ترهاته:
"بس إكده عنيا التنين أنت تؤمر بس وأني أنفذ طوالي."
ظهرت ابتسامة سعيدة على وجه خليل ثم استأذن وانسحب للخارج لكي يرحب بضيوفه. كز مصطفى على أسنانه بغضب يحاول كظمه قدر المستطاع. وقف يجمع شتات وجدانه ثم سار على خطى والده للخارج لكي يتلقى المباركات والتهنيئات من قِبل أهالي البلدة حتى يؤدي دوره على أكمل وجه.
اجتمعن نساء البلدة في المجلس الذي تجهز خصيصاً لهن، بدأن الهمزات واللمازات بينهن فوصلت إلى آذان ورد، شعرت أنها كالعارية بدون ثياب من خلف أحاديثهم التي تؤكد بغضهم لزيجتها من الأخوين.
لم تفارق الابتسامة وجه السيدة نادرة على عكس نيرانها التي تتأجج داخلها كلما تقابلت مع ورد في نظرة مشتركة. لا تريدها لا ترضي كونها سرقت ولديها فالصغير رحل وفارق الحياة فلن تتحمل فراق الآخر بسبب شؤمها السيئ كما تعتقد.
ولجت صباح برفقة ثريا باحثة بعينيها عن ورد، لا يستوعب عقلها إتمام الزواج بعد تصرفها الداهي أمس. كانت قد تيقنت بأن خطتها سارت على النهج الصحيح ما إن رأت ملامح السيدة نادرة بعد سماعها لما قالته عن ورد، إذاً ما الذي تغير الآن ليكتمل هذا الزواج اللعين؟ ازداد حقدها ما إن وقع بصرها على ورد التي تشبه البدر في ليلة تمامه. لم تستطيع الصمود أمام ما يحدث وعزمت أن تعكر صفوها في تلك الليلة.
اقتربت منها مشكلة بسمة ودية زائفة وهللت متصنعة سعادتها البالغة:
"مُبارك عليكي يابت عمي."
مالت بقُرب أذنها وأضافت هامسة:
"ربنا ما يغير عليكي تاني أصل يبجي حديت الناس صوح."
ابتعدت عنها وطالعتها بنظرات متشفية وتابعت بحقد:
"بيجولوا شومك عفش ومبيعمرلكيش دار!"
صعقت ورد مما وقع على مسامعها، شعرت بغصة مريرة في حلقها، وقعت كلمات صباح عليها كالسيف الذي شقها إلى نصفين، وأخيراً حركت قدميها وفرت هاربة بعيداً عن تلك البغيضة التي نجحت في تعكير صفوها لطالما حاولت تصنع اللامبالاة من خلف لمزات الحاضرين.
مكثت ثريا في أبعد ركن في المجلس وحيدة بمفردها، جاءت على مضضٍ فلقد فقدت شهيتها في الحياة من خلف شجارها الدائم مع حمدان الذي يصل نهايته إلى التطاول بالأيدي والسب المهين. أوصلتها تصرفاته للإنتحار الذي لازم تفكيرها في الأونِ الأخيرة. عادت إليها صباح بعد أن شعرت بقليل من التحسن حينما نجحت في فوران دماء ورد وتعكير صفوها.
وضع إمضته على كافة الأوراق المطلوبة ليكتمل عقد الزواج، صدح صوت إطلاق الرصاص ما أن سلم مصطفى العقد للمأذون. استعان ضيف بعصي أحد الحضور وسار نحو مصطفى الذي يتلقى المباركات من أقاربه وأصدقائه، لكزه في كتفه فاستدار إليه مصطفى يعلم هوية الفاعل، بالتأكيد ضيف من سيجرأ على فعل ذلك غيره.
غمز إليه بمرح وهو يحمسه إلى الرقص مشيراً بعصاه:
"ما تورينا همتك يا عريس."
تعالت أصوات الشباب مشجعين مصطفى على فعلها، لَقِفَ منه العصا فتعالت التصفيقات وصدح تصفير الشباب مهللين بحماس شبابي.
أخذ ضيف عصا أخرى من أحدهم واقترب من صديقه وبدأ الرقص معه فور بدأ الدبكة الصعيدية (المزمار). صياح الشباب كان بمثابة تشجيع لكليهما على أن يفوز أحدهم على الآخر وبعد مدة هلل الجميع في سعادة بعد أن نجح مصطفى في إسقاط عصا ضيف أرضاً.
تحمس الشباب أكثر وبدأو في الهطول واحد تلو الآخر يريدون التغلب عليه لكن هيهات لمصطفى لم يترك لهما مجالاً أن يصمدوا دقيقة أمامه. لقن الجميع درساً ليفكروا قبل أن يقفوا ضده بعد الآن.
هتف ضيف مازحاً بصوت عالٍ ما إن فاز مصطفى عليهم جميعاً:
"عريس ومن حقه يدلع."
قهقهة الشباب غطت على أصوات الآخرين من خلف مزاح ضيف. اقتربوا منه أبناء عمته (صالح وعرفان)، حيث بدأ صالح بحديثه قائلاً:
"مبروك يا ولِد خالي عجبال ما نشيلوا عيالك."
ربت مصطفى على ظهره وأجابه بود:
"الله يبارك فيك يا صالح عجبال ما تفرح بولادك."
رد عليه ممتناً دون تفكير:
"تسلم يا غالي."
شاركهما عرفان في الحديث بصوته الأجش:
"ربنا يتمم لك على خير يا حبيبي."
أجابه بنبرته الرخيمة:
"حبيبي يا عرفان عجبالك عن جريب."
أضاف الآخر مازحاً:
"عمتك فاتها بتجلع في شعور البنتة جوا دلوك، مش بعيد تكون اشترت بندج مخصوص عشان تخليهم يكسروه."
ضحك ثلاثتهم على داعبة عرفان ومن ثم انسحب مصطفى من بينهم بهدوء دون أن يلاحظه أحد، يشعر بالاختناق الشديد وكأن المكان يطبق على صدره يصعب عليه التنفس وسط ذاك الحشد الموجود بالخارج.
ولج داخل السرايا من الباب الخلفي الذي وصل منه إلى المطبخ مباشرةً ولم يشعل المصباح الكهربي حتى لا يثير الانتباه نحوه. توجه نحو القارورة الفخارية يرتشف بعض المياه ليبلل حلقه الجاف. انتبه لحركةٍ ما خلفه فاستدار عفوياً ليعلم هوية الدخيل.
في تلك الأثناء أشعلت الإضاءة وتفاجئت بوجوده في المكان، خفق قلبها رعباً حين وقع بصرها عليه فهي لم تعلم بوجود أحد في المكان. على الجهة الأخرى لم يستطع مصطفى إبعاد نظره عنها فلقد أشعلت لهيب الشوق في قلبه الذي ازدادت نبضاته عن معدله الطبيعي. لا يدري من أين جاءت ولا يهمه لكن ما يحدث له مريب لم يشعر به من قبل.
انصرفت هي مسرعة إلى الخارج بارتباك جلي بسبب نظراته التي وترتها بينما لم يرفع هو نظره عن مكان اختفائها. كانت ثوانٍ معدودة إلا أنها استطاعت قلب كيانه بالكامل. ازدرد ريقه بصعوبة وحاول جمع شتات نفسه التي ضعفت تماماً أمام ذلك الجمال.
حمحم عالياً يعدل من نبرته المتحشرجة ثم ألقى نظرة سريعة على المكان ذاته على أمل أن يراها مرة أخرى. تأكد أنه لن يجدي نفعاً بوقوفه في المطبخ فلقد تبخرت ولن يراها ثانيةً.
خرج إلى الحديقة وعقله مشغول بتلك الفتاة التي رآها. هو على علم بأن فتيات البلدة يخلعن وشاحهن في أي مناسبة منفصلة، من منهم هي إذاً؟
لم يستطع إخراجها بتلك السهولة من عقله ومكث بقية الجلسة لا يفعل شيئ سوى رسمها في مخيلته كلما شعر بأنها تختفي رويداً رويداً من عقله إلى أن زالت تماماً منه. احتدمت ملامح مصطفى بضيق باين وأُحبط حين نسي ملامحها الجميلة ولم يعد يستطيع رسمها مرة أخرى.
انتهى العرس سريعاً على الحاضرين إلا على مصطفى الذي شعر ببطء مرور الوقت، يشعر بشيئ ثقيلاً في جوفه لا يريد إكمال ما يجبره والده على فعله. أليس من حقه أن يتزوج بفتاة يختارها هو بأم عينه، مثل تلك الفتاة التي رآها في المطبخ، صدفة لم تكن في الحسبان لازال قلبه يحتفظ بأثرها إلى الآن.
وقف مصطفى أمام مجلس النساء ونادى بنبرته الرخيمة على صفية فجاءته مهرولة تلبي ندائه:
"اؤمرني يا سي مصطفى."
أجابها بإقتضاب:
"نادي ورد."
طالعته صفية متعجبة من أمره وحاولت أن توضح له الأمر فلم يسبق له الزواج ولا علم له بتلك التقاليد:
"إدخل أنت ياسي مصطفى خد عروستك من بين الحريم مينفعش تخرج لك وحديها."
لم يتحرك مصطفى من مكانه وأمرها بحدة:
"أني مهدخلش وسط الحريم ناديها تخرج."
شعرت صفية بعدم تقبله للأمر ولم تعلق فليست على استعداد أن تنال جزءاً من غضبه الواضح. امتثلت أوامره وعادت حيث جاءت تخبر ورد بأمر مصطفى.
تفاجئت ورد بتعلق إحدى النساء بذراعها فالتفتت إليها فاذا هي عمة مصطفى (جليلة). تبسمت لها وعلقت موضحة سبب تشبثها بها:
"أني اللي هوصلك لعريسك يا ورد."
بادلتها ورد ابتسامة ودودة ثم ارتدت وشاحها خرجت برفقة السيدة جليلة ومن خلفهم بقية الفتيات المدعوين ولا ننسى السيدة نادرة التي تسير على مضضٍ. أوصلت السيدة جليلة ورد إلى مصطفى وأردفت متمنية لهم السعادة:
"ربنا يسعدكم يا حبايب جلبي."
دنا منها مصطفى وطبع قبلة على جبينها مردداً:
"تسلمي يا عميمة عجبال فرحتك بعرفان."
ربتت جليلة على ظهره ثم مد مصطفى يده بإتجاه ورد دون أن ينظر إليها. رمقت ورد يده لبرهة ثم مدت يدها هي الأخرى لتحتضن خاصته. اختفت يدها بالكامل ما إن أغلق عليها براحة يده. سرت رجفة قوية في أوصالها من خلف لمسته الخشنة، مشاعر عدة اجتاحتها لم تشعر بهم من قبل، مزيج من الخجل والارتباك وخليط من الرهبة والحماس.
وصلا كليهما أمام غرفة مصطفى والمأوى الجديد لورد. سحب يده من بين قبضتها الصغيرة بكل هدوء فطالعته مستفسرة:
"هملتني ليه؟"
لم يجيبها كأنه لم يصغ لسؤالها. التفت ونادى بنبرته الجهورية:
"صفية.."
لا تدري من أين جاءها الرعب الذي تملك قلبها وخفق أثره بإضطراب شديد كما قشعر له بدنها وتراجعت للخلف بضعة خطوات استعداداً لمواجهة ما هي مقبلة عليه.
رواية عرف صعيدي الفصل الثامن 8 - بقلم تسنيم المرشدي
إجتمع من في السرايا إثر صوت مصطفى الذي دوى في المكان.
جائته على عجالة، تتعسر قدميها من خلف هرولتها.
وقفت أمامه ملبية نداه:
- أمرك يا سي مصطفى. محتاجة حاجة؟
أشار مصطفى بسبابته على بابٍ ما وقال:
- حضريلي الأوضة دي. هنام فيها.
صدمة انسدلت وبقوة على الواقفين، فلقد حضر خليل وزوجته أثناء طلب مصطفى لإعداد الغرفة من صفية، التي طالعته لوقتٍ تستوعب فيه طلبه المبهم.
لا شعور يستطيع أن يوصف مشاعر ورد في تلك اللحظة، مشاعر محملة بالحسرة والخوف، ناهيك عن الندم والتسرع.
إزدردت ريقها ولم تعلم للحديث سبيل، لم تتحملها ساقيها فاضطرت إلى الإستناد على باب غرفتها الجديدة.
يا حسرتاه، ستمكث بها بمفردها كما في الأيام الماضية.
خرجت صفية من شرودها على صوته المرتفع ليجذب إنتباهها:
- واقفه عندك ليه؟ همي جهزي الأوضة.
أسرعت صفية متجهة نحو الغرفة المغلقة، وما تسمي بغرفة الضيافة، التي أُحضِرت خصيصاً لمن يأتي دون سابق إنذار.
إقترب منه خليل متكئاً على عصاه وسأله بجمودٍ:
- بتطلب من صفية تجهزلك الأوضة الجوانية ليه عاد؟ ومالها أوضتك؟
سحب أكبر قدرٍ من الهواء لكي يتسع رحبه وأجابه بجمودٍ:
- أنت طلبت أتجوز، أو بالمعني الصحيح أچبرتني. وأني وفيت ومجصرتش في طلبك، بس لحد إهنه يا بوي وانتهت.
ضاق خليل بعينيه بعدم إستيعاب لمعنى حديثه وسأله بتردد:
- إيه هي اللي انتهت عاد يا ابن خليل؟
إحتقن وجه مصطفى وفارت فيه الدماء، ناهيك عن بروز عروق عنقه الواضحة.
دني من والده وأردف بحدة:
- أني مهجدرش أعمل أكتر من أكده. أني مش شايفها غير مرت أخوي، وجوازي منها مش هيغير أي حاجة.
أنتبه مصطفى لقدوم صفية فاستدار إليها متسائلاً:
- خلصتي؟
أماءت له مؤكدة إجابة سؤاله دون أن تردف بشيئ.
فلقد إنحشرت الكلمات داخلها بصدمة لم يبتلعها عقلها إلى الأن.
سار مصطفى بخطى متريثة إلى الغرفة الذي أمر بإعدادها واختفى طيفه خلف بابها، تحن نظراتهم المصدومة التي تتجلى في أعينهم.
إلتفت خليل حيث تقف نادرة فتفاجئ بنظرات التشفي وإبتسامتها التي رُسمت على وجهها بسعادة بالغة.
تعجب من أمرها وردد متسائلاً:
- كانك مبسوطة بلي ولدك عمله؟
رفعت بصرها عليه ولم تجيبه لوقت، ثم قالت بثبات:
- جوي جوي يا خليل. وديه نفسيه اللي حصل مع هلال الله يرحمه، كانك نسيته! بس أني مهملش ولدي كيف ما هملت التاني يمشي على كيفه وأخرتها عاودلي مجتول. أني راسي براس مصطفى وكتفي في كتفه، وكل اللي رايده يحصل هيحصل وأني اللي هسانده!
تركته مصدوم من خلف حديثها وسارت للأمام بضعة خطوات إلى أن وقفت أمام ورد الشاردة على ذاك الباب الذي اختفى خلفه مصطفى.
وهتفت بنبرة تميل إلى الشماتة:
- قدمك شوم يابت يا ورد. الرجالة عتطفش منيكي.
إقتربت قليلاً أكثر إلى أن إلتصقت بها وهمست لها بنبرة أكثر حدة:
- ده مجامك يا بنت صابر. أني عيالي كتير عليكي.
تركتها وغادرت بعد أن ألقت بسمة سمجة في وجهها وولجت داخل غرفتها تتغنج على ذكرى الأحداث الأخيرة التي جاءت على هواها.
في الخارج لم تصدر ورد أي ردة فعل عما حدث.
فقط تقف مستندة على الباب وعينيها مصوبتان أمامها كالمخدرة تماماً.
إقترب منها خليل على إستحياء شديد، فاللوم وقع على عاتقه وحده.
هو من أجبر ولده على الزواج منها كما أصر عليها بالمكوث وعدم الرحيل مع والدتها.
يا ليته تركها تغادر حتى لا يتحمل وزر تصرفات إبنه المتهورة.
وقف مقابلها لا يعلم أي حديث يردفه أو أي كلمات ستهون عليها في ذلك الوضع المحزن والمهين.
لا يدري من أين له بالجرأة التي يقف أمامها ويحادثها من الأساس.
إبتلع ريقه وقبل أن يتفوه بشيئ تحدثت هي:
- متجولش حاجة يا عمي. مفيش حديث يتجال. عن إذنك.
أنهت جُملتها وولجت إلي عُشها الجديد بمفردها دون رفيق.
أغلقت الباب ووقفت أمامه تطالع الغرفة الحديثة التي بدلها خليل لكي تليق بكونها عروس.
إلتوى ثغرها للجانب مُشكلة إبتسامة ساخرة.
أطلقت ضحكاتها وهي تطالع الغرفة بحسرة ومن ثم إختفت قهقهتها تدريجياً وتحولت إلى بكاء غزير موجوع.
بعد مدة ليست بقصيرة إنخفض صوت بكائها رويداً وتحول إلي أنين صامت.
لم تريد أن تعتلي الفراش بمفردها لطالما رُسمت عدة مواقف محببة لهما.
روادتها وهي تشاهد رقصه بالعصا مع أصدقائه بتريث وإتقان.
أرادت خوض حياة طبيعية معه.
لا تعلم لم هو تحديداً، فلقد شعرت من قبل بالنفور مع هلال.
ربما لأنها لا تريد خلق ألم آخر والعيش بين ثناياه.
فقط تمنت فترة نقاهه تسترد بها إشراقة روحها التي انطفئت وتستعيد رونقها مجدداً.
أحرام عليها العيش في سلام مع رجلاً يعوضها آلامها التي عاشت بينها منذ وفاة والدها؟
أخرجت تنهيدة متألمة وهي تختلس النظر إلى الغرفة الباهتة وكأنها لا ترى ألوانها الزاهية.
أوصدت عينيها بألم يكاد يخترق جوفها وينسدل على أرض الغرفة لعدم تحملها له.
آه، أردفتها بأنين خافت وهي تضع راحة يدها يسار صدرها.
ثم حل السكون ولم يصدر لها صوت آخر.
عادت صفية إلى المطبخ بذهنٍ شارد.
عقلها يتأرجح بين الذهاب والإياب لا تستوعب ما حدث أمامها.
قطعت حبال أفكارها صفاء بسؤالها الفضولي:
- سي مصطفى كان رايد منكِ إيه عاد؟
دنت منها وهمست ببسمة ماكرة:
- جولي كل اللي حصل ومتخبيش عليا. أني مبقتش صغيرة.
سحبت صفية المقعد الخشبي من داخل الطاولة وجلست أعلاه ولازال عقلها لا يصدق ما ساهمت في حدوثه.
شعرت بالإختناق لطالما تذكرت تلك الفتاة التي باتت وحيدة كأيامها السابقة.
لم تستبشر صفاء خيراً من خلف تلك الملامح الجامدة.
أسرعت نحوها وسألتها بخوف:
- ما تجولي ياما في إيه لكل اللي أنتِ فيه ده؟
وضعت صفية إحدى يدها أعلى رأسها مستنده بمرفقيها على الطاولة وأجابتها بخزي مرسوم على تقاسيمها:
- مصطفى خلاني أحضرله الأوضة الجوانية وترك البنية وحديها يا حبة قلبي في ليلة كيف ليلتها دي!
ذُهلت صفاء مما أردفته والدتها للتو.
ماذا يعني هذا الهراء؟ أتُترك الفتاة يوم زفافها وحيدة بمفردها؟
وليست بأي فتاة، أنها ورد ذات الأعين الحابسة للأنفاس من فرط جمالها.
لم تتردد صفاء في الصعود إليها، فلن تتركها تعيش حزنها بمفردها، ستشاركها الآلام وإن كلف الأمر تتحمله عنها لن تتردد لحظة.
ركضت خلفها صفية مسرعة محاولة إيقافها، إلا أن رنين الجرس أوقفها وأجبرها على التوجه عكس وجهتها التي كانت تسير عليها.
تأففت بضجر لعدم إستطاعتها إيقاف إبنتها عما تنوي فعله وتابعت سيرها.
أدارت مقبض الباب بتذمر فانقبض قلبها خوفاً ما أن رأت مأمور مركز الشرطة أمامها.
إزدردت ريقها بصعوبة ورحبت به بتلعثم:
- اتفضل يا بيه. ثواني هنادي على العمدة.
انصرفت من أمامه مهرولة وصعدت حيث غرفة العمدة.
طرقت بابه برفق فأجابها من خلفه بنبرة متحشرجة:
- مين؟
أردفت مختصرة:
- أني صفية. مأمور المركز رايد حضرتك.
حدثها وهو يلتقط عبائته التي قد خلعها لتوه:
- نازلة طوالي. ضايفيه أي حاجة.
حركت رأسها بطاعة وهي تقول:
- أمر جنابك.
ألقت بصرها على غرفة ورد بعدم إعجاب لوجود إبنتها معها في تلك الأثناء، فمهما كان هن ليسوا سوى خادمات السرايا ولا يجدر بهن التواجد مع أسيادهم.
إنتبهت على صوته الذي نهرها بعصبية:
- لساتك واقفه مكانك؟ همي ضايفي الراجل.
أسرعت صفية بخطة غير مستقيمة، تتعسر قدميها من حين لآخر وهي تركض للطابق السفلي لكي تلبي أمر خليل.
خرجت السيدة نادرة خلف زوجها ربما تعرف شيئاً جديد عن قاتل صغيرها.
وقف خليل مقابل المأمور وردد متسائلاً بعد أن صافحه:
- ها يا حضرة المأمور. جولي أخبار زينة تريح قلبي.
أخفض المأمور رأسه بخزي شديد، لا يعلم كيف يخبره بذلك لكن عليه أن يدلي بما جاء لأجله فبالأخير سيعلم حتى وإن طال الأمر.
حمحم لكي يلين من نبرته الخشنة وقال:
- بصراحة إكده يا عمدة، أنا جاي أجولك إننا طول الشهور اللي فاتت ديي موصلناش لأي دليل واحد يجدر يوصلنا لطرف الخيط. كن الجاتل فص ملح وداب وللأسف القضية اتجيدت ضد مجهول!
خبر صاعق إنسدل على خليل ألجم لسانه كما وقع على السيدة نادرة كالخنجر الذي طعنها بقسوة دون رحمة.
فكيف لقاتل صغيرها أن يتهني بحياته دون عقاب ومدللها تركد عظامه بين الرمال في ظلمة القبر الموحشة؟
كيف لخليل أن يرضخ لتقيد القضية "ضد مجهول" ولا يفعل شئ؟
هو بالأساس لا يغفل له جفن قبل أن يبعث رجاله ليقوموا بدور رجال الشرطة مراراً وتكراراً لعلهم يصلوا إلي شيئ ما وفي النهاية يعودون له يجرون أذيال خيباتهم دون جدوي.
لكن هل بتقيد الشرطة للقضية تكون تلك النهاية؟
لا وألف لا، لن يكون إسمه خليل الجبلاوي إن لم يأتي بقاتل ولده ويقطعه إرباً إرباً.
- متشكرين يا حضرة المأمور على مجيتك لإهنه. أني من لاول جولت مرايدش الحكومة تتدخل في الموضوع ديه بس أنت ووكيل النيابة اللي أصريتوا عليا، وأني أهاه بجولك متشكرين كتر خيرك بس اللي جاي بتاعي أني، أني مهسيبش دم ولدي يروح هدر.
هتف بهم خليل بوجه محتقن وعروق بارزة من شدة غضبه.
رمقه المأمور بتهكم ورد عليه مستاءً:
- كاني معرفش إنك بتخرج رجالتك كل يوم لما الليل يليل يدورا على جاتل ولدك يا عمدة. أني سايبك آه بس عارف كل دبة بتحصلوا في البلد ديي مهياش سايبة إكده كيف ما أنت فاكر. وزيي ما إحنا موصلناش لحاجة أنت ورجالتك موصلتوش بردك. اللوم مهيبجاش عليا وحدي واسكت.
صمت يلتقط أنفاسه التي فرت من رئتيه إثر ثرثرته دون توقف وواصل مختصراً:
- بالإذن أني. وألف مبروك لمصطفى على جوازته اللي أنت معزمتناش فيها.
إستدار المأمور وغادر السرايا ما إن ألقى ما في جوفه كاملاً دون زيادة أو نقصان.
بينما تعسرت ساق العمدة ولم تتحمله لأكثر من هول الصدمة.
شد بيده على عصاه لعلها تكون المنقذ له لكن هيهات لثقل بنيته على عصا خشبية هذيلة.
إرتطمت العصا بالأرضية الرخامية مدوية صوتاًً عالياً، وما أن إنتبهت السيدة نادرة لذلك الصوت كان قد وقع خليل بجوار عصاه مغشي عليه.
شهقت نادرة بصدمة ناهيك عن لطمها على صدرها صارخة بأعلى نبرة تمتلكها حنجرتها:
- إلحجوني، يا خلج يلي إهنه غيتوني.
وقع إستغاثة السيدة نادرة على مسمع صفية التي كانت على مقربة منها.
جائتها مهرولة فتفاجئت الأخرى بسيدها في حالة لا يرثي لها.
هرولت نحوه وقد تعرقلت قدميها برعب شديد إلى أن وصلت إليهم فصاحت بها نادرة:
- اطلبي الداكتور يجي دلوك.
أماءت لها بطاعة ثم أختفت من أمامها تلبي طلبها.
كذلك صعدت إلى الطابق العلوي بعدما هاتفت الطبيب وأخبرها بأنه سيوافيهم في الحال.
دقت بكل قوتها على باب غرفة مصطفى تستعين بمساعدته.
فتح لها بعبوس لتلك الحالة التي طرقت بها بابه وصاح بها هدراً:
- في إيه يا صفية؟ في حد يخبط إكده؟
لم تعقب على غضبه، فهي تريد إخباره بشيء واحد فقط وقد أتت لتتدلي به فقالت بنبرة لاهثة:
- إلحج، العمدة، وجع من طوله.
إتسعت حدقتي مصطفى بذهول ثم أزاحها من أمامها بيده لكي يمر ويصل إلى أبيه سريعاً.
قفز على الأدراج حتى انتهوا سريعاً عكس النزول المعتاد من عليه.
وصل إلى وجهة والده وجلس بجواره.
وزع أنظاره بين ووالديه بتوجس وسألها بقلق:
- ماله أبوي يا اما؟ حصله إيه عاد؟
رفعت بصرها عليه وحدثته بنبرة مرتجفة تخشي أن يصيبه مكروه هو الآخر:
- المأمور كان إهنه وجال إن القضية اتجيدت ضد مجهول. هو متحملش إن حج خوك راح هدر ووجع من طوله زي ما أنت شايف إكده.
أمسكت نادرة يد مصطفى وتابعت حديثها متوسلة:
- أبوس يدك يا ولدي شوف بوك هيحتاج إيه وأعمله. أني مهتحملش خسارة تانية.
أسرع بالرد عليها مستاءً من تفكيرها:
- متجوليش إكده. أبوي هيبجي بخير. هكلم الداكتور ياجي.
قاطعته صفية بقولها:
- أني كلمته وزمناته على وصول.
أنهت صفية جملتها وانتبهوا جميعهم لطرقات الباب.
أسرعت لفتحه وإذا به عسران يقول وهو يشير إلى الطبيب:
- الداكتور بيجول إن العُمد...
توقف عسران عن الحديث حين وقع بصره على خليل.
إتسعت حدقتاه بصدمة وأسرع نحوه يجر قدميه خلفه بتوجس شديد وهتف متسائلاً بنبرة خشنة:
- واه ماله أبا الحاج خليل؟ إيه اللي حصل؟
نهرته صفية بضيق:
- مش وجته يا عسران. المهم نطمن عليه لاول.
وجهت بصرها نحو الطبيب ورحبت به بتلعثم:
- اتفضل يا داكتور. طامنا على العمدة الله يطمن جلبك.
حاول الطبيب أن يهدئ من روعهم الظاهر بقوله:
- اطامنوا يا جماعة. ان شاء الله خير.
إقترب من خليل وفعل اللازم فعله.
سكون مريب مسيطر على المكان.
الجميع مترقب وما أسوء الإنتظار في تلك الأزمات.
العديد من الأفكار السيئة تراود عقولهم وخصيصاً أنه لم يستعيد وعيه بعد أن مر وقت كافي.
تبادلا الجميع النظرات بتوجس وأعادوا النظر إلى الطبيب حيث سأله مصطفى عن حال والده:
- بوي ماله يا داكتور؟ عنديه حاجة خطيرة ولا ايه؟
وقف الطبيب وأعاد وضع نظارته الطبية بإبهامه إلى عينيه بثبات وأدلى بما لديه من علم:
- بوك اتعرض لأزمة جلبية. الظاهر زعل والله أعلم بس هو هيكون كويس. اعطوا لعجله (عقله) فترة يستريح فيها وهتلاجوه فاج وبجا زين.
شكره مصطفى ثم حمله بمساعدة عسران وأوصلوه إلى غرفته.
وضعوه أعلى الفراش بحذر.
وقف الجميع منتظرين إستعادته لوعيه لكي يطمئنوا عليه ويذهبوا حيثُ كانوا.
إنسحبت صفية من بينهم دون أن يلاحظها أحد وذهبت إلى غرفة ورد.
طرقت على الباب بخفة وولجت للداخل قبل أن يسمحن لها من هن بالداخل.
رمقت صفاء شزراً لفعلتها لكن سرعان ما رق قلبها حين صغت لبكاء ورد المكتوم.
اقتربت منهن وجلست بجانبهن على الأرض.
ربتت على يد ورد تأزرها في محنتها وقالت:
- والله ما عارفة أجولك إيه يابتي. الله يربت على قلبك ويعدل أحوالك يارب.
إبتعدت ورد عن حضن صفاء وإعتدلت في جلستها وأردفت من بين بكائها:
- اتعودت على الوجع.
تقوس ثغرها بإبتسامة موجوعة وتابعت متحسرة على حالها:
- الظاهر ممكتوباليش الفرحة واصل.
تأثرت صفاء بحديثها وأعادتها إلى حضنها مرة أخرى وأردفت بنبرة حنونة:
- أني معاكي اهاه. شاوري بس وأني أنفذ حتى لو جولتي أروح اضربه على عملته ديي مهتترددش واصل.
نهرتها والدتها بغضب لقلة حيائها:
- اتحشمي يا صفاء وجومي إنزلي تحت. الست نادرة لو لجيتنا إهنه هطربج السرايا على روسنا. جومي فزي.
إلتوي ثغر صفاء بعدم إعجاب وتمتمت بوجه محتقن تفور به الدماء:
- مش حرام عليهم اللي بيعملوه في البنية ديه. بلا ست نادرة بلا...
قاطعتها صفية بإنفعال:
- صفاء.
نهضت الأخرى متذمرة من عدم حريتها في الحديث، ضربت الأرض بقدميها بطفولة وأردفت بتجهم:
- أووف. الواحدة متعرفش تتحدت على راحتها واصل في السجن ييه.
"سجن" تلك الكلمة التي تتردد داخل عقل ورد طيلة الوقت.
شعرت ببعض الراحة لأنها ليست بمفردها من تشعر بأنها حبيسة سجن الجبلاوي.
تنهدت بصوت عالٍ ووجهت حديثها إلى صفاء قائلة:
- إسمعي حديت أمك ومتعذبيهاش. أني بجيت زينة لما خدتيني في حضنك. هديت شوية.
إبتسمت لها صفاء ثم انتبهت لحديث والدتها وهي تحذرها:
- اخرجي على مهلك. متعمليش غاغة لانهم كلاتهم في أوضة العمدة عيطمنوا عليه.
قطبت صفاء جبينها وتسائلت في فضول:
- ماله العمدة عاد؟ كان زين من دجايج.
أخرجت صفية تنهيدة حزينة وأردفت موضحة وهي تستند علي الجدار تريد النهوض:
- وجع من طوله والداكتور كان إهنه وجال حصله سكته جلبية. ربنا لا يعودها واصل.
نهضت ورد هي الأخرى بتوجس من حديث صفية الذي لا يبشر بالخير وسألتها:
- أباه وهو كيفه دلوك؟
ردت عليه بحزن جلي على تعابيرها:
- لساته مفاجش. ربنا يستر.
وجهت حديثها إلى صفاء مباشرةً بإندفاع:
- واه لساتك واقفه مكانك. اتحركي يابت جبل ما حد يشوفك وتبجي ليلتنا مطينة بطين.
تأففت صفاء متذمرة من أوامر والدتها التي لا تنتهي ودلفت للخارج بغضب قد تملك منها.
بينما أعادت صفية النظر إلى حيث ورد ورددت بهدوء:
- أني همشي لو احتجتي حاجة ناديلي هاجيلك طوالي.
إكتفت ورد بإيماءة خفيفة من رأسها ممتنة لوجودها هي وإبنتها، فهن من يهونون عليها ما يحدث.
بينما غادرت صفية الغرفة قبل أن يراها أحد.
إرتدت ورد وشاحها سريعاً ودلفت للخارج لكي تطمئن على خليل فهي لم تر منه إلا خيراً.
إقتربت من الغرفة على إستحياء وقد لمحتها السيدة نادرة من داخل الغرفة وهي تعتلي الفراش.
لم تتردد في التوجه نحو الباب بخطى ثابتة حتى وصلت إليها وأغلقت الباب قبل أن تولج هي للداخل.
تفاجئت ورد بتصرفها الذي أجبرها على الوقوف لبرهة علها تستوعب حقيقة وقاحتها.
إبتلعت ريقها وهي تحاول هضم خجلها معه.
إستدارت وعادت إلى غرفتها تجر قدميها خلفها بثقل من فرط الحرج التي وقعت بين طياته.
داخل الغرفة، إستعاد خليل وعيه تدريجياً إليى أن عاد لأرض الواقع بسلام.
هرول جميعهم نحوه فرحين بسلامته.
- حمدلله على سلامتك يا أبا الحاج.
أردف بهم عسران مهللاً بسعادة بالغة فأجابه خليل بنبرة مرهقة:
- الله يسلمك.
إقتربت منه نادرة وجلست بجواره.
ملست على رأسه بحنو وعاتبته بحنو:
- خوفتنا عليك يا خليل.
رفع بصره عليها ورد عليها بنبرة مضطربة مختصراً حديثه:
- الحمد لله. كل اللي يجيبه ربنا خير.
جاء دور مصطفى في الحديث فقال سريعاً لكي يفر هارباً من بينهم:
- حمدالله على سلامتك يا بوي.
ضاق خليل بعينيه عليه لبرهة ثم أشاح بوجهه بعيداً عنه لا يريد خلق أي محادثة بينهم، فهو لم يرضي عما يفعله مع ورد لذا فلا داعي لأي نقاش سيخلق بينهم.
إنسحب مصطفى من بينهم حين شعر بالإختناق الشديد الذي أطبق على صدره وسبب له ضيق في التنفس.
لم يريد العودة إلى غرفته وهرب من السرايا بأكملها.
لحق به عسران بعد أن أطمئن على صحة خليل وحاول إيقافه بصوته الجهوري:
- وجف يا مصطفى يا ولدي. أني مجدرش ألحج خطوتك.
توقف الآخر عن السير وإستدار إليه بملامح جامدة.
توجه عسران إليه بخطى ثابتة وأردف:
- متهملش الدار دلوك. إحنا في وجت متأخر. تعالى أسهر معايا وانا هعملك كل اللي في نفسك.
عارضه مصطفى بتهكم:
- سهر إيه اللي عتتحدت عنيه؟ أني من ميتي كنت بسهر والحديت الفارغ ديه؟
دنى منه عسران في محاولة أخري لأن يبقيه بجواره خوفاً عليه:
- يا سيدي أني رايدك جاري. هترفضلي طلب إياك؟
تأفف مصطفى بضجر بائن وحرك رأسه يميناً ويساراً مستنكراً أمره ثم أولاه ظهره وتوجه نحو بوابة السرايا.
فأوقفه عسران بكلماته التي إنفطر قلبه حزناً إثرها:
- خوك خرج كيف دلوك ومعادوش تاني. بلوم نفسي ليه مأجبرتوش وجتها يجعد حدايا بدل ما أشيلوا على يدي وهو غرجان في دمه.
إستدار مصطفى إليه وطالعه بنظرات منكسرة تحمل من القهرة والحزن قدراً.
حمحم عسران وتابع حديثه بنبرة تميل إلى اللين:
- متهملش السرايا يا ولدي صدجني. أني بعتبرك أنت وهلال الله يرحمه كيف ما تكونوا ولادي اللي ربنا مكتبليش إني أخلفهم. إجعد معايا إهنه وطلع خنجتك فيا أني وبلاها الخروج في الوجت المتأخر ديه.
إزدرد مصطفى ريقه وذكري وفاة أخيه رادوته من جديد.
صوب بصره نحو عسران وتحدث بصوت متحشرج يهدد بالبكاء:
- بس أني اجوي من هلال.
قاطعه عسران بحكمته:
- وجت الجدر بيتعمي البصر يا ولدي. اسمع الحديت وإجعد جاري علي الأجل تهون عليا شوية الوحدة اللي أني فيها ديي.
أولاه عسران ظهره واقترب من أريكته القديمة والتي يتكأ ظهرها على جدار غرفته التي تتوسط حديقة السرايا.
جلس أعلاها وأشار إليه بالجلوس فجائه مصطفى على مضضٍ فلم يخضع لأحد من قبل فماذا الذي يحدث الأن؟
قبل قليل يخضع لزواجه من إمرأة يرفضها والأن يخضع لتوسلات عسران كأنه يخشاهم.
هرب بأنظاره بعيداً عن عسران كنوع من التمرد.
لمح تلك الهالة السوداء التي تقف في شرفة غرفته دون ملامح واضحة.
بالتأكيد عروسه هي من تحملق به.
ظهرت على شفاه إبتسامة ساخرة لوضعهم.
لها الحق في أن تراه كلنا أرادت بينما هو لا يرى سوى الهالة السوداء سواء من بعيد أو من قريب.
انتبهت أذنيه لتلك الأغنية التي بدأت تطربها سيدة الغناء العربي السيدة "أم كلثوم".
ياما أمر الفراق بين الخليل والخليل
شكوى وانين واشتياق قبل الوداع والرحيل
بابعد اخاف من خيالك واصورك في خيالي
مين في الوجود طال مطالك من قلب عاشق وخالي
ترخص الدمع الغالي وتلوع القلب السالي
والحب يظهر مقداره والقلب بتشعلل ناره
لما يغيب عن هالحبيب
غاب الحبيب عن عيوني ومين يداوي أسـايـا
من اللي يرحم شجوني ومين هواه من هـوايـا
تطول علي الليالي سهران أناجي النجوم
الدمع فاض بي وملالي في الوحده كاس الهموم
أصور الماضي في بالي واعيش على العهد الخالي
واللي يغيب عنه حبيبه يتقل م الدنيا نصيبه
ويعيش مابين اهله غريب
مسحت عبراتها التي فرت من مقلتيها دون وعي منها وهي تصغي لكلمات الأغنية التي وصفت حالها مع مصطفى.
بينما هو كالجبل المنيع لا يأثر به ريح.
لم تتحرك مشاعره ولو بمقدار ذرة لا يكترث لما يدور من حوله إذا لم يكن هو المتسبب به.
ثم أنه ضحية مثلها تماماً أجبر على ذلك وتم الزواج أسفل ضغط والده عليه.
يذهب بعيداً ويعود إلى نفس النقطة من جديد وهي إجباره على زواجه منها.
لكن لكل فعل رد فعل وردة فعله ستكون قوية بمثابة حصن يمنع أحدهم من التفكير في إجباره علي شيء بعد الأن.
نهض ولم يكترث لندائات عسران.
عاد بأدراجه حيث غرفته التي يمكث بها.
في تلك الأثناء أرادت ورد مواجهته لكي تعلم حقيقة تركها في أهم ليلة في حياة أي فتاة.
وقفت أمام بابها مترددة فيما تنوي فعله.
وبعد عدت دقائق مروا عليها حسمت أمرها أن تبادر بالمواجهة قبل أن تغير رأيها.
أدارت مقبض الباب مسرعة فلمحت طيفه يغلق باب غرفته.
كزت على أسنانها بضيق شديد فحتماً لن تذهب إلى غرفته وتبدأ بمواجهته هناك.
تأففت بتزمجر ثم عادت إلى الداخل مستاءة من ترددها الذي أضاع عليها فرصة المواجهة بينهم.
طالعت ذلك الفراش اليتيم التي لم يحظي بعد بنوم أحدهم أعلاه.
لم يكن أمامها سوي السير نحوه وألقت بجسدها عليه فور وصولها إليه.
يجب أن تنعم بقدراً من الراحة اليوم وبالتأكيد يوجد حلول جديدة ستظهر في الوسط غداً.
سحبت وسادتها الناعمة واحتضنتها برفق وتمتمت بغيظ:
- هو الخسران مش أني. بكره يندم.
تقلبت على الجانب الآخر في محاولة منها على النوم سريعاً لكن هيهات لأفكارها التي حلت ما أن إستلقت على الفراش وأرادت النوم وكأن بين الأفكار الواهية والنوم عقد متفق عليه من قبلهم بأن لا يتركوها وشأنها تنعم بالقليل من الراحة.
رفعت الوسادة بكلتي يديها ووضعتها أعلى رأسها ورددت داخلها 'فليحترق الكون'.
ستحظى بالنوم عافية إن لم يأتيها راضياً بذاته.
وبعد دقائق من المعافرة إرتفعت حشرجة حنجرتها التي دلت على نعاسها.
في الغرفة الأخرى أستلقى مصطفى على فراشه الذي لم يعتاده بعد.
تقلب يميناً ويساراً على أملاٍ أن يسيطر عليه النعاس كما في فراشه الآخر لكن دون جدوي.
توسط الفراش ووضع كلتي يديه أسفل رأسه وطالع سقف الغرفة لبرهة لتأتي فتاة أحلامه التي رآها اليوم في مطبخ السرايا.
بدأت تظهر تقاسيمها رويداً رويداً إلى أن تشكلت بالكامل فابتسم هو فور تذكره.
تذكر توتر يديها التي فركتهم بإرتباك خجل حينما تفاجئت بوجوده.
ناهيك عن عضها على شفاها السفلي التي أسرت قلبه.
ماذا؟ أهناك من تستطيع أسر قلب مصطفى الجبلاوي عقل الحجر كما تلقبه والدته.
إنتفض من نومه ونظر أمامه لوقت قبل أن يردد:
- أجيبك منين يا شاغلة عقل مصطفي.
حرك رأسه يطرد أفكاره اللعينة التي لا تتركه وشأنه ففي النهاية هي حلم جميل قد عاشه للحظاتٍ وقد مضي وركض في سلام ولن يتكرر ثانيةً.
أزفر أنفاسه بضجر بائن فهو لم يفعل سوي ما يخبره به عقله منذ زمن وحين خفق القلب لطلب واحد دون غيره لن يقدر علي تحقيقه.
أخرج تنهيدة مليئة بالهموم المختلط بالإرهاق وعاد بجسده لذلك الفراش الذي لا مفر منه وحاول جاهداً أن يغفوا أعلاه لكنه فشل وبجدارة.
إلتقط زجاجة المياه التي تعتلي الكومود بجانبه وارتشف الكثير منها ثم عاد ليجبر نفسه على النوم.
مرت دقائق معدودة تلاها ساعاتٍ طويلة دون نوم.
بدأ نور الصباح في البزوغ فاندمج مع زقزقة العصافير وكأنهم حاملين للنوم معهم.
غفت عينيه تدريجياً ما أن شعر بالنعاس يتملكه حتى بات في ثُبات عميق.
في وقت لاحق بمكانٍ آخر، لم تكف عن التطلع على نفسها بتفحص.
قاربت على الساعة لا تفعل شيئاً سوي وقوفها أمام المرآة.
تارة تداعب خصلاتها التي حررتها وتارة تملس بأناملها السمراء على وجهها وتارة أخري تختلس النظر إلى ملامحها التي تراها أسوء ملامح في الكون.
فركت عينيها البُنية بعصبية وأنحنت على المرآة لتكون قريبة من صورتها المنعكسة وهتفت من بين أسنانها المتلاحمة ببغض:
- طلعتي سمرا كيف بوكي يا صباح. حتى خوكي أحلى منكِ ويشبه بت عمك ببياضه! مناخيرك كيف الحلة اللي هتطبخي فيها كل يوم وعنيكي مفنجلة ومدورة معرفاش طالعة لمين بشكلها العفش دييه.
تحسست خصلاتها وإبتسمت وهي تطالعهم بتفحص ورددت ساخرة:
- شعرك أحلى من بت عمك بس مداري ورا الحجاب معيشوفوش رجال واصل. هيشوفوا بس الخلجة العفشة ديي اللي تخليه يهرب منيكي جبل ما يشوف شعرك الزين أحلي ما فيكي.
فرت دمعة من عينيها فمسحتها بغضب عارم.
كزت على أسنانها بحقد وكلمات الجميع تلاحقها ولا تريد الإقلاع عن عقلها بسهولة.
لم يرأف بها أحد يوماً، ومن وضيع الذكر أن تلك الكلمات خرجت من فاه أبويها!
اللذان من المفترض أن يكونان أكبر داعمان لابنتهم الوحيدة.
لم تنتهي المقارنات بينها وبين ورد منذ صغرهم حتى الأن.
وبعد أن إلتحقت بالمعهد العالي للحاسب الآلي لكي تكون ذات قيمة رفيعة ومكانة مرموقة بعدما تأكدت من عدم إكمال ورد لدراستها بعد الصف الثالث الثانوي، فعلت كل ما يمكنها فعله لكي تشعر بالقليل من الثقة التي تفتقر إليها لكن دون جدوي.
بالأخير تأتي كلمات متدنية تدعس على كل ما فعلته بحذاء ساقط حقير تنهيها بالكامل.
أقسمت بألا تدع الأمور وشأنها دون وضع بصمة واضحة يتذكرها الجميع ويعلم من تكون صباح إبنة حمدي القاتل.
إستمعت إلى صوت بوابتهم التي صدر عنها حكة شديدة أثر فتحها.
توجهت نحو نافذتها لتعلم من الزائر فإذا به طاهر.
تشكلت بسمة خبيثة على محياها حين روادتها تلك الفكرة الشيطانية التي لن تتردد في فعلها ثانية.
سحبت غطاء رأسها ودلفت للخارج بخطى مهرولة حتى وصلت إلى أخيها بأنفاس متهدجة إثر ركوضها قبل أن يختفي وتفشل خطتها التي لم تبدأها بعد.
جلست بجواره على الأريكة الخشبية التي وضع الزمان عليها بصمته فهي تعود إلى جد والدها.
سكون حل لبضعة دقائق قاطعته هي بنبرة لينة:
- كانك مضايج.
شعر طاهر بإهانتها له فأسرع بالحديث لكي تكف عن ثرثرتها التي ليست في محلها الأن:
- صباح مش وجته اللي ناوية عليه ديه أني على أخري.
رمقته بغيظ لكنها لم تبدي له تهكمها منه وأسرتها في نفسها.
سحبت نفس وأردفت بحزن زائف:
- أني حاسة بيك يا خوي مهما مسكنا في خناق بعض في الاخر إحنا إخوات ودمنا واحد وأكيد عنحس ببعضنا وأني جلبي واجعني على حالتك ديي والصراحة عندي الحل بس خايفة من ردة فعلك.
أوصد عينيه بتعب وأخذ زفيراً وشهيقاً لكي يواصل حواره معها بصدر يساع هرائها.
أضافت هي حين لم تتلقي منه الرفض كما توقعت:
- أنت بجالك كد إيه عايش على ذكراها وهي مهتحسش بيك؟ كاتير جوي. يبجي جه الوجت اللي تشوف نفسك فيه وتدور على واحدة تحبك كيف ما تحبها مش اللي مش شيفاك من أساسه ديي.
فتح طاهر عينيه فهو لن يقتنع بما أردفته فكيف له أن ينسي عشق طفولته بتلك السهولة ويبدلها بامرأة أخرى.
تقوس ثغره بمسة متهكمة ساخراً على تفكيره الساذج.
فهي تزوجت من غيره وبدل الرجل رجلين وإلى الأن هو موضوع أعلى ركن ضئيل لا يسعه التنفس به.
ربما عليه أن يرفرف بجناحيه ويقفز من ذلك الركن الذي لم يعد يسعه مطلقاً.
أخرج تنيهدة مرهقة فعقله مشتت تماماً ولا يعلم ما الطريق الذي عليه أن يسلكه ويلقي جزاء صبره في آخره.
خرج من شروده على إقتراح صباح بخبث فسره هو حماس أخوي:
- إيه رأيك في البت مروة؟
عقد ما بين حاجبيه متعجباً من ذاك الاسم الذي شعر بترديده على مسامع أذنيه من قبل.
حرك رأسه لليمين قليلاً ورمقها باستغراب فتابعت هي موضحة:
- مروة أخت ضيف صاحبك.
رواية عرف صعيدي الفصل التاسع 9 - بقلم تسنيم المرشدي
خرجت من غرفتها مسرعة ما أن استيقظت لعلها تطمئن على صحة العمدة، كانت تقدم قدم وتؤخر الأخرى خوفاً من تصرفات السيدة نادرة المبهمة التي لا تعلم سببها ولما تفعل معها ذلك فلم يصدر منها أي أخطاء تُعاقب عليها.
وقفت في منتصف الطابق في ذلك الممر الذي يجمع بين جميع الغرف، وقبل أن تخطو خطوة للأمام تفاجئت بيد تدغدغها من خلفها. أصدرت صرخة متوجسة خيفة من ذاك المجهول، فأسرعت الأخرى بوضع يدها أعلى فمها لكي تمنع صراخها الذي حتماً سيسبب مشكلة كبيرة.
إلتقطت ورد أنفاسها التي إنحشرت داخلها من فرط الخوف حين رأت صفاء تقف أمامها، رمقتها بغيظ ورددت معاتبة:
- حرام عليكي يا صفاء، جلبي وجع في رجليا ديي، عاملة تعمليها بردك.
إلتوى ثغر الأخرى متبسمة بانتصار، فلقد أخافتها على التمام والكمال. أخذت نفساً وأجابتها بمرح:
-وليه متجوليش أنتِ اللي خفيفة وبتخافي من خيالك؟
عقدت ورد ما بين حاجبيها بذهول، ثم إستشفت لعبتها ولم تعقب، فهي ليست بارعة فيما تبتكره صفاء في فعله. بادلتها ابتسامة راضية وقالت:
-ماشي ياستي هعديهالك، بس جوليلي الست نادرة فينها؟
لوت صفاء شفتيها كما قلبت عينيها بتذمر ورددت مستاءة:
-ست نادرة بتحضر الفطور للعمدة تحت.
تنهدت ورد براحة وأردفت بتلهف:
-زين جوي، هدخل أطمن على عمي خليل طوالي جبل ما هي تاجي.
أماءت لها صفاء بقبول، ثم انسحبت للطابق الأول سريعاً قبل أن يراها أحدهم. استغلت ورد تلك الفرصة الذهبية وتوجهت نحو غرفة خليل سريعاً قبل أن تعود السيدة نادرة، لكن لا تأتي الرياح بما تشتهي السفن، فصوتها الذي دوي عالياً قد أخاف ورد وخفق قلبها رعباً إثره:
-وجفي عِندك، رايحة فين؟ كأنها تيكية بوكي تروحي وتاجي على كيفك؟
إقتربت منها بمشية متثاقلة وقامة مستقيمة ثابتة، وواصلت حديثها بقوة:
-استأذنتي جبل ما تدخلي أوضتي، ولا متعلمتيهاش ديي في داركم؟
صعقت ورد من إهانة نادرة التي لا تنتهي، وحاولت الدفاع عن نفسها بنبرة مهزوزة:
-أني كنت هستأذن من العمدة جبل ما أدخل..
قاطعتها الأخرى بصياح مهاجمة إياها:
-وتدخلي للعمدة وحديكي! مهتخالجيش عاد؟ ولا أنتِ متعودة على أكده؟
اتسع بؤبؤ عيني ورد بصدمة جلية رُسمت على تقاسيمها الرقيقة التي انكمشت في نفسها من صدمتها. فغرت فاها وكادت أن ترد عليها رافضة لتلك الإهانة التي تمس كرامتها، لولا خروج مصطفى من غرفته في تلك الأثناء. فأسرعت والدته بمنادته بإنفعال:
-تعالى يا ولدي شوف مرتك وهي عترد عليا، أني نادرة على سن ورمح، مفيش واحدة جدرت ترفع عينها عليا جبل أكده، مرتك بترد عليا أني.
حملقت بها ورد مذهولة مما تصغي إليه أذنيها، لكنها لن تقف صامتة وتترك لها المجال لتقول ما ليس فيها:
-أني مجولتش ح..
-ششش اسكتي، أنتِ هتردي على أمي إياك؟
هتف بهم مصطفى بنبرة آمرة، فكانت الصفعة الأقوى. هي الآن وحيدة بينهم ينفردون بها، ولا تقدر على إعفاء نفسها أمامهم، فهم من يرمونها بالباطل عمداً. فماذا تنتظر منهم؟
زفيراً وشهيقاً فعلت هي، ثم أردفت متعمدة تبرئة نفسها:
-أني مردتش عليها ومغلطتش، وأنت زي ما سمعت منها تسمع مني، أني مرتك..
هاجمتها مصطفى رافضاً لتلك الحقيقة التي لا يعترف بها للآن:
-متجوليش مرتي..
استدار لليمين ورفع سودتاه عليها، فلم يري سوي وشاحها الغبي الذي يزيده حنقاً منها. وواصل بغضب:
-وسابج وجلت أني مشايفكيش غير مرت أخوي، يعني كل اللي بينا حتة ورجة لا راحت ولا جت. وأمي خط أحمر، وعجبك على أكده عجبك، ليكي رأي تاني الباب يفوت جمل وعنزة مهتجيش عليكي.
رجفت شفتيها مهددة بعاصفة بكاء شديدة على وشك الوصول. لقد تبخر تماسكها تماماً، لطالما حاولت جاهدة بأن تتلبس ثوب القوة أمامه خصيصاً. إنهارت قوتها وتحولت إلى شهقات حاولت هي إخفائها قدر الإمكان إلى أن تبتعد عنهم، فلم تستطيع النجاح في ذلك وصدرت آنه من بين آنينها وقعت على مسمع مصطفى.
شعر بإنعدام رجولته في تلك اللحظة حين تأكده من بكائها. حسناً، يعترف بأنها لا تعنيه، لكنه لا يريد أن يجرح قلبها بهذا الشكل المؤذي. نعم، هو حاد الطباع ولا ينظر خلفه في تصرفاته مهما كانت بلهاء، لكنه قد ندم على فعلته الحقيرة تلك.
حرك رأسه عفوياً مع سيرها بعيداً عنه، لكنه سرعان ما اعتدل عن ما يراود أفكاره ونظر في الفراغ أمامه يذكر كبريائه بأنه لن ينحني لأنثي!
عدل من وضع وشاحه الذي يعتلي كتفيه بنظرة تحولت إلى العجرفة والتعالي وهو يذكر عقله من يكون هو. دنت منه السيدة نادرة وملست على صدره بفخر واعتزاز شديد، ورددت برضاء كامل عن تصرفه:
-عشت يا ولدي، دايماً رافع راسي.
تنهدت وسألته بفضول:
-على فين من بدري أكده؟
أجابها مختصراً حديثه بعبوس:
-على الشغل.
تراجع للخلف وأولاها ظهره، ثم توجه نحو السلم. خطاه كانت تسير على نهج بطيء للغاية وسودتاه تطالع باب غرفته التي اختفت خلفها ورد. لا يرضي بما فعله، لكن هيهات لتكبره، فهو لن يتنازل ويعتذر من أجلها.
أسرع من خطاه وهبط للأسفل سريعاً ليثبت لنفسه بأن الأمر لا يعنيه وأنه فقط فعل الصواب، بينما ظهر طيف بسمة طفيفة على محيا السيدة نادرة بانتصار لكونها ليست بمفردها من تتصرف بقسوة مع تلك الفتاة، فبالأخير مهما طالت فترة مكثوها في السرايا ستفر هاربة منهم.
عادت إلى غرفتها تتغنج وتتراقص بسعادة عكس الحالة المذرية التي كانت عليها ورد. إنهارت بالكامل كلما تردد داخل عقلها حديثهم. هي من وافقت بسهولة على تلك الزيجة، إذاً فلتتحمل عواقبها.
***
في منزل آخر، اجتمع من في المنزل حول مائدة الطعام يتناولون الفطور. الصمت سيد الجلسة، حيث قاطعه بقوله ساخراً:
-منوياش تهملينا انتي كمان يا صباح، بت عمك اتجوزت بدل المرة تنين، حتى في ديي أنصح منك.
شرقت صباح وارتفع سعالها. رمقه طاهر بغيظ عارم، ثم نهض عن مقعده وضرب براحة يده الغليظة على ظهرها بقوة وساعدها على ارتشاف القليل من الماء لكي تبتلع كلماته التي وقفت في حنجرتها ولم تستطيع ابتلاعهم. نهره طاهر بتجهم:
-نصيبها لسه مجاش، ولا أنت نسيت النصيب هو كمان؟
وضع حمدان قطعة الخبز التي بيده دفعة واحدة في فمه، انتظر حتى هضمها بالكامل، ثم تشجأ في وجههم وحدثه بجمود:
-لا منسيتوش يا سي طاهر، وإبجي اتحدت معايا زين بدل العنتزة اللي عتحدت بيها بوك ديي.
كز طاهر على أسنانه بغضب يحاول كظمه، ثم انسحب من بينهم ودلف للخارج بخطى مهرولة، يود أن يهرب منه ومن المنزل ويترك خلفه حياته السابقة بأكملها. رفعت ثريا بصرها على حمدان وعاتبته بهجوم:
-عاجبك أكده؟ الواد مكملش لجمته وإحنا ما صدجنا يجعد ياكل إمعانا.
رمقها حمدان بطرف عينيه شزراً كما لوى شفتيه للجانب الأقرب لها وهمس لها بتحذير:
-كان العلجة بتاعت كل يوم، إتوحشتك يا ثريا.
سرت رجفة قوية في أوصال ثريا متوجسة خيفة في نفسها من تحذيره. نهضت عن مقعدها بهدوء وتركت له المكان يفعل به ما يحلوا له، فهي ليست على استعداد بتلقينها ضرباً مبرحاً من يديه الغليظة، فعلاماتها الزرقاء لازال أثرها موجود على جسدها. نهضت صباح هي الأخرى، فلن تعطيه الفرصة ليختلي بها ويسُم بدنها بالكلمات البذيئة. دلفت للخارج لعلها تلحق بطاهر حتى تواصل ما بدأته البارحة.
تفاجئت بوقوف طاهر مع زوجة عمها وشقيقها أمام منزلهم. لم تتردد وأسرعت خطاها نحوهم، ربما تعلم أي شيئ عن تعيسة الحظ ابنة عمها.
-على فين يا مرت عمي؟
خرج السؤال من فاه طاهر باهتمام، فأجابته السيدة سنية بلطف:
-رايحين نطمن على ورد يا ولدي، عشان نتوكل على الله نعاودا مصر جبل ما الليل يدخل علينا.
إرخت ملامح طاهر وباتت تعابيره جامدة لا تدل على شيء. استشفت سنية ما خلف تطلعاته الباردة وربتت على كتفه بآسي:
-كله نصيب يا ولدي، إرضي بنصيبك وربنا إن شاء الله يعوضك بلي تستاهلك وتستاهل جلبك الطيب يا طاهر، بس رايدة منيك طلب واحد.
تحول برود عينيه إلى شغف وهم بسؤالها مهتماً:
-رايدة إيه يا مرت عمي؟ جولي.
تقوس ثغرها ببسمة سعيدة وشدت على كتفه بامتنان وأردفت موضحة طلبها:
-ورد أختك يا طاهر، أطمن عليها يا ولدي، أني مهبجاش موجودة وانت إهنه حمايتها، وجت ما تحتاج لضهر كون لها أخو حنين، أني عارفاك مهتهملهاش واصل، بس جلب الأم بجا لازمن أمشي وأكون مطمنة عليها.
على الرغم من صعوبة اقتناعه بأنها شقيقته كما لقبتها زوجة عمه، إلا أنه لن يتخلي عنها حتى وإن كان النصيب لا يرضيه. إلتوى ثغره للجانب مشكلاً ابتسامة متهكمة، ورد عليها بشموخٍ:
-متخافيش يا مرت عمي، ورد في عنيا التنين.
بادلته ابتسامة حين روادها شعور الطمأنينة وسكن قلبها. شدت على كتفه بحب وقالت مودعة كليهما:
-أشوفك وشكم بخير.
غادرت برفقة شقيقها وزوجته وبناته متجهين إلى السرايا ليطمئنوا على ورد قبل سفرهم. لم تتحرك بؤبؤة عيني طاهر على السيارة التي اختفوا فيها.
"شقيقة"، تلك الكلمة التي لا تريد الاقتلاع من عقله، يتردد صداها داخله. ألم يحن وقت الاقتناع بها؟
-أخرتها تبجي أختك؟ عالم ناجصة.
هتفت بهم صباح بحنق وهي تتابع طيف سيارتهم التي بدأت في الاختفاء. التفتت حيث طاهر وتابعت حديثها بازدراء:
-مآنش الأوان تشوف اللي تستاهلك يا خوي؟ أنت جلبك طيب كيف البفتة البيضة وتستاهل واحدة تشبهك تعوضك عن اللي فات، وصدجني مفيش أحسن من مروة، أنا خبراها زين وبأكدلك أنها المناسبة ليك.
سحب شهيقاً وأخرجه ببطء، ثم حرك قدميه للأمام قاصداً الخروج. فأوقفته صباح بسؤاله:
-جولت إيه يا خوي؟
أجابها مختصراً:
-مش وجته يا صباح، بعدين.
نفخت بتذمر شديد، فهي تريد أن تتم العلاقة بينهما سريعاً لكي تلقن ذاك الضيف درساً لن ينساه مدى حياته.
***
رحبت صفية بضيوفهم بحفاوة عكس الشعور المسيطر داخلها، فهي على دراية تامة بما حدث البارحة. صعدت للأعلى لكي تخبر ورد بوجودهم. طرقت بابها بخفة، لم تسمع أي صوت أو حركة تدل على وجودها.
أعادت طرقاتها بقوة أكبر قائلة:
-يا ورد يا بتي، والدتك وخالك تحت ورايدين يطمنوا عليكي.
فتحت الباب وظهرت من خلفه بعينين متورمتين من فرط البكاء. أصدرت صفية شهقة خافتة حين وقع بصرها على حالتها المذرية. نظرت يمينها ويسارها ثم ولجت للداخل وأوصدت الباب خلفها وسألتها باهتمام:
-مالك عاد يابتي؟ ليه البكا ديه كلاته؟
مسحت ورد بسبابتها على أنفها لتجفف الماء الذي يسيل منها، وردت عليها بنبرة مرتجفة:
-أني تعبت، مخابراش بيحوصلي إكده ليه؟ متهنتش بجوازتي من هلال وبعدها متهنتش بجوازتي من خوه، كاني شوم كيف ما بتجول الست نادرة.
فرت دمعة على مقلتيها حزناً حين تذكرت هجومها وافتراءها عليها في الصباح، وواصلت حديثها بتلعثم:
-حتى الست نادرة حالها اتبدل، أو يمكن كانت أكده وأني موخداش بالي، دي افترت عليا وجالت لولدها اني برد عليها وأني والله مرديت عليها ولا رفعت صوتي حتى.
لم تستطيع التماسك لأكثر وجهشت باكية، ورددت من بين بكائها:
-حتى ولدها عام على عومها وداس على كرامتي لاجل أمه.
وضعت كلتى يديها على وجهها وانهمرت في البكاء الغزير. أشفقت صفية على حالتها التي أثرت بقلبها. اقتربت منها وضمتها لحضنها محاولة التخفيف عنها:
-والله معرفاش أجولك إيه يا بتي، ربنا يعوضك خير عن اللي شوفتيه.
ابتع
دت عنها ورد وأردفت ما عزمت عليه:
-أني مهجعدش إهنه تاني، أني مستاهلش المعاملة ديي، أنا لساتي صغيرة على كل بيحوصلي ديه.
ربتت صفية على ذراعها وأردفت مشجعة اقتراحها:
-معاكي في كل اللي هتعمليه، المهم تكوني مرتاحة.
حركت ورد رأسها عدة حركات متواصلة حاسمة أمرها على الهروب من ذلك السجن التي حُصرت بين جدرانه. شهيقاً وزفيراً فعلت ثم دلفت للخارج بعدما ارتدت وشاحها الأسود الذي لا يظهر منها أي شيء، وهبطت للأسفل بتريث.
أسرعت خطاها ما أن رأت والدتها بتلهف. ألقت بنفسها بين أحضانها الدافئة. لا تعلم كيف تماسكت في ذلك الحضن الحنون ولم تخر قواها وبكت. ابتلعت ريقها لتتحلى بالتماسك أكثر أمامهم.
ابتسمت لها السيدة سنية وبدأت بالحديث:
-جيت أطمن عليكي يا جلب أمك جبل ما أهمل البلد.
دنت منها وسألتها بهمس:
-طمانيني عليكي، حوصل؟
أهذا الكلام بمثابة تخليها عنها؟ لا تدري حقاً، لقد تشتت عقلها. طالعتها لوقت قبل أن تردف:
-هتمليني لوحدي ياما؟
خفق قلب السيدة سنية تأثراً بنبرتها التي شعرت من خلفها بتخليها عنها. أخرجت تنهيدة مليئة بالهموم وأجابتها بنفاذ صبر:
-مليت يا ورد من جرف حمدان اللي مهيخلصش، بيتحكم فيا كاني جارية عنديه مش أمانة خوه، طهجت يا بتي رايدة أرتاح لي شوية، بس طبعاً لو جولتي لاه مههملكش وحديكي يا حبة عيني، أني مليش غيرك.
رفعت ورد بصرها وحملقت في معالم السرايا بتفحص واهتمام. تشاور عقلها فيما نوت عليه، أتكمل فيها أم تغادرها؟
لكن مواصلتها للعيش في ذلك السجن لن يكون منصفاً لها، وإن غادرت لن يكون منصفاً لوالدتها حتماً. لن يغادروا البلدة قبل انتهاء ورد من عدتها إن تم الطلاق دون رفض من الجهة الأخرى، وستضطر لأن تتعامل مع سخافة حمدان.
تريد أي علامة توجهها إلى أي طريق تسلك. أعادت النظر إلى والدتها التي تنتظر إجابتها بفارغ صبر.
-سافري ياما، اموري بخير.
هتفت بيهم ولا تدري ما الذي دفعها لقول ذلك والسماح بسفرها. لم تترك لها الحياة خيار لتختار أفضلهم، ففي كلتا الأمرين لن تتراضى عواقبهم.
أدركت أنها أكثر نضجاً الآن حين فضلت راحة والدتها على ذاتها، فمن المستحيل أن تضحي من أجل أي شخص إلا لها، فهي من أحبتها بصدق ولم تندم على قرارها السريع التي لم تحسب عواقبه بعد، لكن حتماً سيرضيها الله.
لم تكتف سنية بجملتها، فهي أكثر الناس حفظاً لنبرتها حين ترفض شيئاً. سحبت نفساً وأردفت مؤكدة:
-ليه حساكي مش بتجوليها من جلبك؟ جولي لو ريداني أجعد وحداكي، المهم تكوني مبسوطة يا جلب أمك.
رسمت ورد بسمة زائفة وردت عليها تنكر حدسها:
-أكيد ياما، زعلانة عشان هنتفارجوا، بس هكون مبسوطة وأنتِ مرتاحة وبعيدة عن حمدان وعمايله.
ربت ورد على ذراع والدتها وتابعت مضيفة:
-سافري ياما، متشليش همي، أني بخير في سرايا جوزي، طلع طيب وعيخاف عليا كيف أبوي الله يرحمه، أنا إهنه في أمانته.
كلماتها بثت الطمأنينة في قلب السيدة سنية وشعرت بالراحة المفرطة داخلها. ضمتها للمرة الأخيرة قبل مغادرتها، ومن ثم تلاها خالها وزوجته ثم بناته الحبيبات.
وقفت ورد على باب السرايا تلوح لهم بيدها مودعة إياهم وقلبها ينفطر حزناً لكونها باتت وحيدة لا يعولها أحد. أعادت يدها لجانبها ما إن اختفى طيف السيارة من أمام مرأى عينيها. حسناً، لقد حان الوقت لأن تنهار قوتها، وها قد بدأت عبراتها في النزول بألم شديد يكاد يخترق ثيابها من شدته.
رأته يعود من جديد إلى السرايا. لا تعلم أي شعور يصف تلك اللحظة، لكنها تريد معانقته لعل عناقه لها يهدئ من روعها قليلاً ويبدل حالها إلى الأفضل.
سار بجوارها كأنها نكرة لم يراها ولم يهتم لوقوفها على تلك الحالة التي لا داعي لها. استدارت حيث يسير ولم ترفع زرقاوتاها الذي انطفئ وميضهم من عليه بقهرة كبيرة سكنت قلبها.
عادت إلى غرفتها تجر خيباتها التي انسدلت عليها خلف بعضها دون رأفة لقلبها الرقيق. أوصدت باب غرفتها وببطء شديد تركت جسدها يهبط رويداً رويداً إلى أن احتضنت الأرض التي نالت نصيبها من الدموع التي تختفي بين ثغراتها. لم تكف عبراتها في الهطول، بكاء صامت يقطعه أنين خافت من حين لآخر. ظلت على حالتها تلك إلى أن أنهال عليها التعب وغفت رغماً عنها بمشاعر جامدة خالية من أي شعور.
***
في المساء، جلس مصطفى برفقة والدته على المائدة يتناولون العشاء بمفردهم فلا يوجد غيرهم. حمحمت نادرة وقالت متسائلة بنبرة مندفعة:
-هتعمل إيه مع اللي ما تتسمي؟
إحتقن وجهه بغضب ورد عليها بعبوس:
-مخابرش، مش في دماغي من أساسه، وجودها زي عدمه.
ظهرت شبح ابتسامة على ثغر نادرة ثم أخفتها سريعاً قبل أن يلمحها مصطفى وتابعت حديثها معه:
-طليجها يا ولدي وشوف حالك، بدل الإسم متجوز وإتحسبت عليك جوازة الندامة.
أماء رأسه بقبول، فهذا ما يدور في عقله لكن بطريقة مختلفة بعض الشيء. تنهد وأردف بقوة:
-ده اللي هيحصل، بس لما بوي بنفسيه يجولي طليجها!!
عبست الأخرى بعدم إعجاب ولامته بإمتعاض:
-وبوك مش هيجولك طليجها، ده الود وده يظبط الأمور بيناتكم، يعني إنسي يا ولدي.
طالع أمامه بجمودٍ وردد:
-العمر لساته منتهاش، والبادي أظلم.
رفعت نادرة إحدى حاجبيها بتعالٍ وتريث لكون ولدها بذلك الدهاء. ستنتظر، لا تملك سوى الصبر، فهو مفتاح الفرج، وفي النهاية ستجني ثمرة صبرها.
تابعوا تناولهم للطعام في صمت إلى أن شبعت بطونهم. عادت نادرة إلى غرفتها تطمئن أن زوجها قد أنهى طعامه، فلقد امتع عن مشاركتهم المائدة العائلية منذ إصابته بتلك الوعكة. بينما انسحب مصطفى للخارج يجلس برفقة عسران. مرت مدة ليست بقصيرة، انضم إليهم ضيف وأكملوا ثلاثتهم سهرة ذكورية على أصولها. فعل عسران فعلته المعتادة كل مساء وهي الاستماع إلى الطرب القديم أسفل ضوء القمر والنجوم مع ارتشاف فنجان قهوة سادة ثقيلة، فذلك ما يعدل صفوه.
كانت الأغنية تلك المرة مختلفة، كانت تعود للشحرورة "صباح":
أنا هنا يا ابن الحلال
لا عايزه جاه ولا كتر مالبحلم بعشأملاه أنا سعد وهنا
أنا هنا يا ابن الحلال
استيقظت ورد إثر دندنة الأغنية. رفعت رأسها بثقل قد شعرت به في الجزء الأيسر من رأسها. قاومت حتى نهضت مستندة على الحائط إلى أن صلبت قامتها وتوجهت إلى الشرفة تتبع صوت الأغنية.
مليت لك القلة.. عطشان تعالا
عطشان تعالا يا جميل ياما
مليت لك الابريق عطشان تعالا
عطشان تعالا وسلامه طريقي
أنا ورا الشباك سهرانه بستناك
علمت قلبي هواك من قبل ما تجيني ولا أتملاك
شعور قوي قد راوده في تلك الأثناء، ورفع بصره عفوياً على شرفة غرفته فتفاجئ بطيفها واقف كوقوفها بالأمس. لم يرفع بصره عنها وظل مثبتاً نظره على الشرفة مع دندنة الأغنية.
بحلم بعشأملاه أنا سعد وهنا
أنا هنا يا ابن الحلال
دندنت ورد مع كلمات الأغنية التي شعرت بوصف حالها، متعجبة من نظراته التي تطالعها دون غيرها:
و إن جيتني يا مهنّي ندرن علي
اندرن عليا العين والنني
و إن جيت تدق الباب ندرن علي
اندرن عليَّا القلب يشيله حجاب
فرشت لك رمشي اخطر عليه و امشي
من شوقي ما بنامش
يباستنا حتا العمر مستني
بحلم بعشأملاه أنا سعد وهنا
أنا هنا يا ابن الحلال
فى الغيبه انا شايفاك انا انا شايفاك
قلبي انكشف عنه الحجاب و لقاك
فى الغيبه انا شوفتك انا انا شوفتك
قلبي شاور لي عليك وعرفتكانت اسمراني جميل
لك غيه فى المواويل
والقلب لك بيميلمن قبل ما يكون لي نصيب وياك
بحلم بعشأملاه أنا سعد وهنا انا هنا يا ابن الحلال
أخفض بصره ما إن انتهت كلمات الأغنية. رمق من هم بجواره ليتأكد أن الأمور تسير على ما يرام. تنهد براحة حين رآهم يتبادلون أطراف الحديث ولم ينتبه له أحد.
لمح ضيف طيفها يظهر من خلف باب المطبخ. أعاد النظر مراراً لكي يتأكد من هويتها. إلتوى ثغره للجانب مشكلاً بسمة عذبة حين تأكد منها. نهض فجاءة وسار متجها نحوها، فأوقفه مصطفى بسؤاله:
-على فين إكده؟
وقع قلب ضيف في قدمه، فهو لم يحسب لذلك السؤال مطلقاً. إلتفت إليه وحمحم ثم أجابه بإرتباك حرج:
-ها.. لا كنت هروح أشرب مية من القُلة اللي هناك ديي، بحب ميتها.
أماء له مصطفى متفهماً ثم انصرف ضيف سريعاً من أمامه. أزفر أنفاسه براحة كبيرة لم يستوعبها عقله، فكاد أن يفضح أمره وبالتأكيد العواقب ليست محمودة.
اقترب من القارورة الفخارية ورفعها للأعلى يرتشف منها، فجائته الأخرى على استحياء تاركة مساحة كافية بينهم. أخفض القارورة من على فمه ولا يزال محتفظ بها بين قبضتيه وطالعها بأعين متيمة مردداً بنبرة ولهانة:
-إتوحشتك جوي.
أخفضت بصرها في حياء كما احمرت وجنتيها وسارت كالبندورة في تمام جنيها. ابتسمت بعذوبة وقالت:
-جولتلك بلاها الحديت ديه.
ظهرت بسمة سعيدة على محياه، فهو يعشق حيائها الذي يتعامل معه باستمرار والذي يدل على براءتها الأنثوية. ابتلع ريقه وسألها بمرح:
-أومال أجوله ميتي؟
رفعت بصرها عليه وقد انعقد حاجبيها تلقائياً كما عقدت ذراعيها بتذمر ورددت بحنق:
-جوله وجت ما أكون مرتك حلالك كيف ما وعدتني، ولا نسيت الوعد إياك؟
أسرع هو بالرد عليها ينفي حديثها:
-لا طبعاً منسيتهوش، أني بس مستنظر الوجت المناسب اللي أجي اتجدم لك فيه عشان أليج بحضرة الداكتورة.
لم تمنع ضحكتها التي خرجت عفوية، فخفق لها قلبه وتسببت في اضطرابات مشاعره التي تحثه على التودد معها أكثر. ماذا إن سمح لهما الوقت والمكان؟
تقابلا في نظرة حب صادق طالت لوقت، قطعها ذلك الصوت الدخيل:
-واجفة حداكي بتعملي إيه يا صفاء؟
اتسعت حدقتي صفاء على آخرهم بصدمة حين انسدل سؤال والدتها عليها. رجف جسدها من فرط الارتباك والتوتر التي انحشرت داخلهم. حاولت أن تستعيد جزءاً من رونقها والتفتت إليها مجيبة إياها بتلعثم:
-كنت بملي القُلة عشان لو الغفر احتاجه مية.
أماءت لها صفية باقتناع ثم صوبت بصرها على ضيف، فلم يروق لها وقوفه في الوقت ذاته مع خروج ابنتها. لم تريد أن تطيل في الأمر أثناء وجوده وأمسكت بذراعها آمرة إياها:
-همي جدامي يلا.
لم يرف له جفن منذ أن تفاجئ بوجود والدتها. أوصد عينيه ما إن اختفت من أمامه يتنفس الصعداء. حاول ضبط أنفاسه المتهدجة التي يصغي إلى صداها داخله، ثم عاد إلى صديقه بهدوء.
رمقه مصطفى متعجباً من حالته المريبة وسأله مستفسراً:
-المية عجبتك للدرجة دي، مجدرتش تفوت القُلة وحديها؟
انتبه ضيف لتلك القارورة التي لازالت تتوسط صدره. ابتسم بتهكم، فهو لازال أسفل تأثير المفاجأة وقال:
-مختش في بالي معلاش بجا، الظاهر إني محتاج أنام، يلا تصبحوا علي خير.
ألقى بجملته ثم انصرف سريعاً، بينما استأذن مصطفى هو الآخر ونهض ليعود حيث غرفته التي لم يعتدها بعد. وقبل أن يولوج للداخل راوده ذاك الشعور مرة أخرى، فرفع رأسه للأعلى قاصداً شرفة غرفته، لكنها لم تكن واقفة كما توقع. أخفض رأسه وأكمل سيره إلى الداخل حيث غرفته ثم فراشه الذي ألقى ببدنه عليه، وكما اعتقد تماماً لن ينام بسهولة كسابق أيامه في تلك الغرفة اللعينة.
***
اعتادت ورد على الليالي التي تقضيها بمفردها وحيدة بين أربعة جدران. يزداد اكتئابها في الظهور كل يوم كما في الشهور الماضية من بعد وفاة هلال. منعت الطعام لفترات طويلة، فقط تأكل حين تحتاج أجهزة جسدها لذلك.
مر أسبوع لم يتغير به شيء. لا تبرح فراشها إلا لدخولها المرحاض. كما تزداد قساوة السيدة نادرة كل لحظة تجمعها بها. لم يحدث بينها وبين مصطفى أي لقاء حتى وإن كان عابراً، فقط تنتظر الليل لتقف في الشرفة تصغي إلى الأغنية الجديدة الذي يختارها عسران وتدندن معها بشغف قل تدريجياً مع الوقت إلى أن التزمت غرفتها ولم تعد تخرج إلى الشرفة.
على الرغم من يومه الروتيني المعتاد الذي لا يتغير نظامه، إلا أنه ينتظر لحظة وقوفها مع بدء ترنيم الأغنية ثم يعود إلى غرفته التي اعتاد النوم فيها مؤخراً.
استعاد خليل جزءاً من صحته وعاد يتابع أعمال أراضيه بنفسه كما كان يفعل، لكن الفجوة تتسع بينه وبين مصطفى كأنه عزم بألا يحادثه مرة ثانية قبل أن يوطد علاقته مع ورد التي خربها بغشوميته.
تزداد السيدة نادرة حنقاً وامتعاضاً كلما مرت الأيام ولا تزال تلك الفتاة تعيش معها أسفل سقف واحد، لكنها لا تملك سوى الصبر لبعض الوقت لحين تتغير الأحداث بمفردها.
استمرت صباح في الإلحاح على طاهر لعله يوافق على ما تريده هي. استحوذت على عقله وتفكيره بطريقة تشبه أساليب السحر، وربما تتفوق عليها، فتأثير الزن المستمر أشد حقاً من مفعول السحر. لا تكل ولا تمل لحظة بل تزداد تشبثاً في تحقيق مرادها.
أيام ثقال مملة تسير ببطء شديد على الجميع، لا يحدث أي جديد بها يبدل مجرى حياتهم. حسمت صفاء على افتعال خطة ما، ربما تنجح في توطيد علاقة ورد ومصطفى.
نهضت من الصباح الباكر وصعدت إلى غرفة ورد قبل أن يستيقظ أحدهم وطرقت بابها بخفة ثم ولجت للداخل قبل أن تأذن لها. لم تتفاجئ برؤيتها غافية فالوقت لا يزال باكراً. اقتربت منها بخطى خفيفة لكي لا تزعجها. جلست بجوارها تنتظر إيقاظها.
مرت دقيقتان بالتمام فلم تتحمل انتظارها للدقيقة الثالثة. انحنت عليها وضربت على ذراعها بخفة تحاول إعادتها لأرض الواقع:
-ورد جومي صباح الخير، رايدة أخبرك بلي في راسي، مجدراش استني لما تصحي.
شعرت ورد بأن ذلك الصوت في أحلامها، لكن مع تكراره تأكدت أنه حقيقي. فتحت أهدابها ورمقت صفاء لبرهة دون استيعاب ما يحدث بعد.
جذبت صفاء انتباهها بحديثها الذي يحثها على النهوض:
-صباح الخير يا جلبي، يلا جومي ورانا شغل ياما نعمله.
نهضت ورد من نومتها وفركت عينيها بكسل، فهي تشعر كأنها غفت للتو ولم تأخذ كفايتها من النوم. رمقتها بطرف عينيها وقالت بصوت متحشرج:
-في إيه يا صفاء؟ الساعة كام؟
قهقهت الأخرى بمكر مع نظرة عابثة استشفت ورد منها أن الوقت لا يزال باكراً. سحبت نفساً عميقاً وسألتها:
-شغل إيه عاد اللي ورانا؟
نهضت صفاء عن الفراش وجابت الغرفة ذهاباً وجيئاً وهي تخبرها بحماس ما استحوذ على أفكارها طوال الليل لكي تحل مشكلة علاقتها بمصطفى.
أنهت حديثها وسألتها بتلهف بنفس بداية حديثها:
-ها جولتي إيه؟
قابلتها الأخرى بجمود، فلقد تعكر صفوها تماماً من تلك العائلة ولا تريد خوض تجربة نسبة فشلها كبيرة. حتماً ستنتكس ما أن رأت ردة فعل لن تعجبها من خلف ما ستفعله، فأسرعت بالرفض:
-بلاها الفكرة ديي، أني ملياش نفس اعمل أي حاجة واصل، همليني لحالي يا صفاء الله لا يسيئك.
صممت صفاء على تنفيذ فكرتها وأردفت بإصرار واضح:
-لا مههملكيش لحالك وهنفذوا اللي جولته بحذافيره، وأني متوكدة أنك هتطلعي مجبورة الخاطر.
-وإن متجبرش بخاطري وجتها أعمل إيه؟
رددتهم ورد بفارغ صبر، فهي حقاً باتت هشة المشاعر ولن تتحمل خذلان آخر. وقفت صفاء أمامها وقد انعكست تعابير وجهها للغضب وأجابتها بإنفعال:
-تبجي تطلجي وبلاها العيشة اللي مش عيشة ديي.
أوصدت ورد عينيها بإرهاق بادٍ على تقاسيمها ثم اختفت معالمها خلف يديها التي وضعتهم أمام وجهها، فأشفقت صفاء على حالتها المذرية وأقتربت منها ضمتها بحنان وقالت ربما تخفف من عليها:
-مش بيجولوا أإن ربنا لما يحب عبد بيبتليه، أنتِ ربنا ابتلاكي بتنين مش واحد بس.
ابتعدت عنها ورد وقطبت جبينها بغرابة، فوضحت لها صفاء قصدها:
-نادرة وولدها.
انفجرت كلتاهن ضاحكتين على مزحة صفاء التي دقت أسارير السعادة قلبها حين نجحت في رسم الابتسامة على وجهها. تنهدت بصوت عالٍ وقالت:
-أيوة إكده اضحكي، محدش واخد منها حاجة.
أخرجت ورد تنهيدة مرهقة وأعادت تكرار خطة صفاء التي علقت في ذهنها. رفعت زرقاوتاها عليها وأطلقت سؤالها بخجل:
-هنبدأوا كيف؟
اتسعت ضحكة صفاء التي طالت أذنيها من فرط سعادتها الممزوج بحماسها. وبدأت تعيد ما قصته عليها قبل دقائق معدودة ولاحظت إصغاء ورد لها باهتمام فازدادت تلهفاً بمبادرة ما تنويان على فعله.
فعلت ورد كل ما أخبرتها به صفاء دون زيادة أو نقصان بمساعدتها ثم هرولن للخارج لمتابعة بقية خطتهن. تفاجئن كلاً من صفية وهويدا بخطة صفاء الداهية وكالمعتاد نهرتها والدتها ورفضت تدخلها، لكن لم تكترث لها صفاء ووقفت أمام باب المطبخ تنتظر نزول مصطفى على أحر من الجمر.
نفخت بتذمر، فالوقت يمر ببطء عليها وهي لا تطيق الانتظار من فرط حماسها. ها هو ظهر طيفه من ذلك الممر ثم هبط الأدراج بتريث وثبات، فصرخت صفاء ما إن رأته يقترب منهم مهللة:
-نزل نزل نزل...
رواية عرف صعيدي الفصل العاشر 10 - بقلم تسنيم المرشدي
أنهى مصطفى آخر درجة في السُلم فتفاجأ بخروج إحداهن من المطبخ، رفع ذراعه للأعلى أمام وجهه يمنع عينيه من التمعن بها وهتف متسائلاً بغلظة:
- مين اللي خالعة راسها ديي؟ متعرفيش أن فيه رجالة في السرايا؟
لم تتحمل صفاء الوقوف خلف الباب ومراقبة ما يحدث دون أن تضع بصمتها، دلفت للخارج مسرعة ولم تكترث لنداءات والدتها الآمرة التي تحثها على التوقف مكانها وعدم التدخل فيما لا يعنيها.
أقتربت من مصطفى وأردفت بخبث:
- دي ورد مراتك يا سي مصطفى، معرفهاش ولا إيه؟
"ورد!"
ردد بإسمها يستوعب حديث صفاء، إزداد ريقه فهو ليس على استعداد لمواجهة ذات الوشاح الأسود، لا يريد الإختلاط معها على حالتها تلك فتُحسبه زواجاً حقيقياً ما إن رآها.
لا يوجد مفر أمامه، أخفض ذراعه ببطء وتعمد أن يتحاشى النظر عنها لكن شئ ما جذبه لأن ينظر إليها وكأنه رأى تلك الهيئة من قبل.
سمح لسودتاه أن تلتفت حيث تقف فذُهل مما وقع أمام مرأى عينيه.
إنها هي! التي تفارق عقله في النهار ولا يعلم للنوم سبيل لصورتها التي يبدأ برسمها بوضوحٍ في مخيلته ليلاً.
تمعن النظر فيها بعدم تصديق، أهي كانت أمامه طوال الوقت ولا يعلم أنها نفسها من جمعتهم الصدفة ليلة زفافهم!
كم أراد لكم نفسه بكل قوته ندماً على هروبه منها، اضطرابات غريبة قد أصابته لحظتها ناهيك عن تدفق الأدرينالين في الدم المندفع في شرايينه فتسبب في خفقان قلبه بقوة كما زاده حماساً وعنواناً.
تفحص كل أنحائها بإهتمام واضح، صوب بصره على زرقاوتيها التي تشبه صفاء السماء والتي تختفي بين أهدابها الكثيفة التي تسر الناظرين.
أخفض بصره قليلاً ليرى وجنتيها الحمروتين وشفاها الوردية المنتفخة كحبة البرقوق.
ثم تمعن النظر أكثر على انحناءات جسدها الصارخة ذات اللون الحليبي، لم تكن نحيفة بل مليئة بعض الشئ ذات قوام ممشوق وياحبذا فستانها بنفسجي اللون الذي يتماشى بتناسق مع منحنياتها وينتهي طوله قبل ركبتيها.
ماهي إلا ثوانٍ قليلة إلا أنها قلبت كيانه بالكامل.
إقترب منها حين إستشف أن ذاك الجمال الرباني يمكن لغيره رؤيته، هرع إليها ووقف قبالتها فخفق قلبها رعباً من طوله اليافع الذي شعرت به للمرة الأولى، فعلى الرغم من كونها طويلة القامة إلا أنها شعرت بضآلتها أمامه.
جف حلقها من شدة التوتر التي وقعت بين ثناياه وخصيصاً بعد قربه منها لتلك الدرجة.
خرج مصطفى عن صمته حين طُرق باب السرايا وهتف بعصبية:
- محدش يدخل إهنه.
أمسك بيدها وأمرها بوجه محتقن:
- همي جدامي.
أجبرها على السير خلفه بخطى سريعة كادت أن تتعرقل إثرها، حركت رأسها عفوياً لتنظر إلى صفاء موحية إليها بإشارات معاتبة لخطتها اللعينة التي ستسبب لها المتاعب حتماً.
غزت الإبتسامة شفاه صفاء حين طالعتها ورد ثم غمزت إليها بمرح وإنسحبت سريعاً داخل المطبخ بسعادة، فلقد نجحت خطتها.
وصل مصطفى إلى غرفته السابقة وأوصد الباب خلفه والغضب يتطاير من عينيه.
أوقفها أمامه ونهرها معاتباً بغلظة:
- كيف توقفي في نص السرايا بخلاجتك ديي؟ متعرفيش أن فيه رجالة داخلة خارجة على السرايا إياك؟
إزداد ريقها فالتوتر والإرتباك سيّدا الموقف وتملكا منها حتى كادا ينهيانها بالكامل، فتلك مرته الأولى لمحادثتها وبالأحرى معاتبتها، فكيف ستواصل الحوار معه؟
فغرت فاها لتبدأ بالحديث لكن الكلمات لا تريد الخروج من جوفها، إبتلعت ريقها مراراً لتبلل حلقها الجاف وقالت بتلعثم:
- الغفر بيدخلوا السرايا بعد ما يستأذنوا، يعني مفيش حد هيشوفني.
رفع حاجبه الأيسر بعدم إعجاب لهرائها وردد:
- وأبويا! هيستأذن هو كماني وهو هيمشي في سرايته؟
أجابته مبدية استنكارها لحديثها الساذج:
- أبوك مش حرام يشوفني أكده؟
أسرع مصطفى بالرد عليها بنبرة حادة لا تريد النقاش:
- ولو.. خجلك ديي أني بس اللي أشوفك بيها!
إزدادت نبضات قلبها كما ارتفعت وتيرة أنفاسها المتهدجة التي تسمع صداها داخلها، لم ترفع زرقاوتيها من عليه إطلاقاً، فقوله لمس شيئاً ما داخلها لا تعلم ماهو لكنه أزاد من انجذابها إليه.
كذلك لم يرف لمصطفى جفن وهو يطالع زرقاوتيها بتمعن يتأكد من كونهما حقيقيتان وهي نفسها من تسببت في هروب النعاس من عينيه طيلة المدة الماضية بسبب التفكير والانشغال بها.
لكن ليس بتلك السهولة على عقله يستطيع استيعاب ما توصل إليه في دقائق معدودة.
إنسحب من أمامها فأسرعت هي باللحاق به وأمسكت بيده فرجف جسده إثر قبضتها الرقيقة.
التفت إليها مصطفى عاقداً حاجبيه مستفسراً عما تريد:
- في حاجة؟
ترددت في السؤال الذي تريد طرحه عليه لكن دفعته في وجهه دون تفكير زائد قبل أن تتراجع قائلة:
- لساك معتبرني مرات أخوك؟
وقع سؤالها على عقله فنشط كل ذكرياته وقد تذكر أنها كانت امرأة لأخيه قبله، فكيف له أن يتقبل فكرة أن من انشغل العقل وطالب القلب بها نفسها زوجة أخيه رحمة الله عليه.
حرر يده من بين قبضتها وأولاها ظهره وانصرف من الغرفة سريعاً أسفل نظراتها المبهمة عليه، فلم يجيب على سؤالها، إذا ما الذي عليها افتراضه الآن؟ كلماته ومعاتبته لن تكون إلا لزوج لزوجته، لكن ماذا عن هروبه وعدم رده عليها؟
نفخت بتذمر شديد، فعلى ما يبدو أن هناك المزيد من الوقت تقضيه في الانتظار المرهق التي تكرهه من أعماق قلبها.
أسوأ شعور هو الانتظار، انتظار الأشياء التي يتمناها قلبك وتطالبها حاجتك، انتظار كلمات حنونة صادقة تربت على القلب وما يعيشه من حزن طالت أيامه، انتظار حدث عظيم يغير الحياة إلى الأفضل.
صراع أزلي تعيشه مع ذاتها المغلقة لا يشعر بك من حولك، لا يشاركك أحدهم ذلك الانتظار الذي يشبه الموت بحد عينه لكن ببطء شديد.
عادت إلى الخلف وجلست على طرف الفراش، تشتت عقلها بالأفكار اللعينة التي تسببت في خنقها، فهناك الأحلى فيما حدث منذ ثوانٍ وهو أنه تجرأ وأمسك بيدها ووقف قبالتها ونظر بسودتاه إلى عينيها، لقد لمست في نظراته شيئاً ما، تجزم أن شعورها لن يخدعها وحدسها سيكون في محله وما شعرت به كان صحيحاً حقيقياً وأنه لم يعد يعتبرها زوجة أخيه كما أدلى من قبل، لكن عقله يأبى قول ذلك.
ظهرت ابتسامة عريضة على ثغرها الوردي وهي تتمنى أن يصيب حدسها تلك المرة ولا تعود وحيدة كما كانت ولا تزال تعيش كذلك.
***
ولج للغرفة وتوجه نحو المرآة مباشرةً، وقف أمامها يطالع سودتاه التي بدت حدتان تشبه طباعه.
رفع يده وأدخل إصبعين داخل عينيه واقتلع عدساته اللاصقة ثم أعاد فعلته في العين الأخرى لتظهر عينيه بلونهما الأصلي.
طالع عيونه باهتمام بالغ فالآن يبدوان كعينان ورد تماماً، تشبهان زرقاوتيها وكأنهما نفسهما.
شعور ما قد تغلغل إلى أوتاره فأجبره على لوي شفتيه للجانب مشكلاً ابتسامة على ذلك التشبيه المريب.
سرعان ما اختفت ابتسامته حين تردد داخل عقله سؤالها التي طرحته عليه، أهو انسحب لأن أمره قد فضح أمامها أم لأنه لا يتقبل فكرة زواجها من رجلاً آخر؟
رمق صورته المنعكسة في المرآة وأغلق على أسئلة رأسه داخله دون أن تخرج للحياة.
لقد تمنى زواجاً لم يقترب منها رجلاً غيره، فماذا الآن؟ هل سيقبل بها فقط لأنه رآها مرة واحدة!
كان تفكيره دوماً يعود به إليها كلما حاول نسيانها حتى لا يعيش على أمل كاذب، لكن ما حدث اليوم كأنه دليل قاطع على أن الأمل يمكن أن يتحقق بين ليلة وضحاها ويكون حقيقة يلمسها بمشاعره قبل لمسها بالأيدي!
حرك رأسه ينفض أفكاره التي لا يتوصل معها لنهاية ترضيه.
أعاد وضع عدساته اللاصقة ودلف من الغرفة وهبط سريعاً دون أن يلتفت وينظر خلفه.
لمحت صفاء طيفه فانتظرت حين غادر السرايا وأسرعت نحو الطابق العلوي لكي تعلم نتيجة خطتها.
طرقت على الباب ثم فتحته دون استئذان فالحماس يكاد يتساقط منها، فلم تلحق ورد رفع عينيها على الباب فتفاجئت بولوجها، شعرت بالضيق لفعلتها المتكررة وعزمت أن تحادثها في تلك المسألة إن كررتها مرة أخرى.
ركضت إليها صفاء ووقفت أمامها متسائلة في عجالة:
- ها جوليلي حصل إيه؟ خطتي نجحت؟ إوعاكي تجولي لاه أزعل والله.
نهضت ورد من الفراش وأجابتها بتهكم:
- محصلش حاجة، جالي مينفعش أقف بخجلتي أكده والسرايا داخلها وخارجها رجالة.
نفخت ورد بضجرٍ بيّن ورددت بعدم استيعاب:
- أني معرفش طاوعتك كيف في اللي جولتيه ده، منابنيش غير التأنيب وبس.
قطبت الأخرى جبينها مستنكرة حديثها وأسرعت بتوضيح اعتقادها الساذج:
- تبجي خطتي نجحت، طالما عاتبك يبقي غيران عليكي، العتاب من الحب.
قلبت ورد عينيها غير متقبلة حديثها وأردفت وهي تحرك رأسها بعدم تصديق:
- غيرة إيه وحب إيه ده، أني سألته لساك معتبرني مرات أخوك، سابني وخرج من غير ما يرد عليا، تبجي غيرة كيف ديي؟
لم تختفي الابتسامة من على وجه صفاء وأوضحت لها ما تقصده:
- هو مردش عليكي يبقي أكده فيه احتمالين يا أيوة يا لاه، لكن لما يرد عليكي يبقي حسم أمره ومهيغيرش عليكي، إفهمتي؟
جلست ورد على الفراش بإهمال ورددت بنفاذ صبر:
- أني زهجت من كل اللي بيحصل، ياريتني ما جولت لأمي تسافر، ياريتني مشيت وياها.
نفخت بضيق شديد تشعر به، فحاولت صفاء التخفيف من عليها:
- هانت يا جلب أختك، أني متأكدة أن اللي عملناه ده هيرضيكي، بس انتي اصبري وشوفي.
أوصدت عينيها، فلقد نفذ صبره ولم يعد له مكان داخلها.
نظرت إلى الأعلى وهتفت بحنق:
- صبرت كتير قوي يارب، هون اللي جاي بجا.
***
عاد مصطفى إلى السرايا بعد أن بدأت الشمس في الغروب وكالمعتاد استقبلته والدته بحفاوة شديدة وقالت:
- ثواني والأكل هيكون جاهز.
بادلها الإبتسام فأسرعت هي إلى المطبخ تؤمر خادمتها بإعداد الطعام ووضعه على المائدة.
تفاجأ مصطفى بنزول والده فتوجه نحوه دون تردد يريد مساعدته:
- يدك يا بوي، أساعدك.
أبعد خليل يديه عن مصطفى وهدر به شزراً:
- لساتني واقف على رجليا، ممحتاجش مساعدتك.
هتف مصطفى وهو يطالع الأرض بخجل:
- ربنا يديك الصحة يا أبوي.
تابع خليل نزوله إلى الأسفل ثم نادي بنبرة جهورية:
- صفية يا صفية.
جاءته السيدة نادرة راكضة فلم تسعها السعادة حين سمعت نبرته تتردد في أرجاء السرايا مهللة بفرحة:
- يا ألف نهار أبيض يا عمدة، حمد الله على سلامتك.
لم يعقب على ما قالته وكرر ندائه بنبرة مرتفعة:
- يا صفية.
جاءت مهرولة فنهرها بإنفعال:
- مش بنادم عليكي مبترديش ليه؟
إزداد ريقها بخوف واجابته بتلعثم:
- ستي جالتلي خليكي مطرحك وأني هشوفه بنفسي.
مرر أنظاره بين السيدة نادرة وصفية ثم أمرها بغضب:
- بعد أكده لما أنادم عليكي بالاسم تاجي طوالي.
أومأت رأسها بطاعة فواصل حديثه:
- جهزيلي الأكل يلا عشان أروح أشوف مصالحي.
أومأت برأسها وهتفت:
- أمرك يا عمدة.
أولاته ظهرها وأسرعت داخل المطبخ لكي تكمل إعداد الطعام وهو معهم، جلس ثلاثتهم حول المائدة، بدأ خليل في تناول طعامه سريعاً حتى يغادرهم ما إن ينتهي منه.
وزع مصطفى أنظاره بين الجالسين وبين باب غرفة ورد الذي يظهر منه جزء أمامه.
تردد في فعل ذلك لكن داخله يحثه على فعلها فنادي بنبرته الرخيمة:
- صفاء.
لم يكرر ندائه فهي كانت متابعة لما يحدث وجاءته مهرولة ما إن أصغت إلى اسمها فقال:
- جولي لصفية تحضر طبق زيادة واطلعي نادي ورد تاجي تاكل معانا.
الدهشة دون غيرها قد تشكلت على تقاسيم الجميع.
إتسعت حدقتا صفاء بذهول على أمره ورددت بعدم تصديق:
- أطلع أنادم ورد تاجي تاكل وياكم!
رمقها بطرف عينيه وأردف مؤكداً:
- أيوة جولت حاجة غريبة إياك؟
أسرعت بتحريك رأسها يميناً ويساراً نافية سؤاله وهتفت بحماس:
- هنادم عليها طوالي.
ارتفعت نبرتها وهي تخبر والدتها بإحضار صحن زائد لورد قبل أن تصل إلى المطبخ، فحماسها قد أنساها ثباتها التي تتلبس ثوبه أمامهم.
صعدت إلى الأعلى ما إن أخبرت والدتها وتلك المرة لم تتطرق باب ورد بل ولجت للغرفة مباشرة.
إنتفضت ورد من مكانها إثر دخولها المفاجئ، لم تتحمل تصرفها تلك المرة وكادت أن تعاتبها لكن لم تترك لها المجال لتتحدث وأسبقت هي بالحديث بأنفاس لاهثة:
- سي مصطفى جالي أنادم عليكي تنزلي تاكلي معاهم تحت!!
إبتسمت صفاء ما إن أنهت جملتها بينما عقدت ورد جبينها بغرابة ورددت متعجبة:
- جالك تجوليلي أكده ولا ديي لعبة من ألاعيبك؟
أسرعت صفاء بالرد عليها نافية ظنونها:
- جسماً بالله جالي كيف ما جولتلك أكده يلا إنزلي طوالي.
إرتبكت ورد على تلك الخطوة التي لم يسبق وأن خطتها من قبل سوى مرة واحدة لكن لم يكن مصطفى زوجها بعد، فهل حان فعلاً جني ثمار صبرها؟
إختارت عباءة باللون الأخضر مطرزة بالفضة، لا تعلم لما ارتدتها فبالأخير سيغطيها وشاحها لكنها شعرت أن عليها التألق لذاك النداء الأول.
وضعت أعلاها وشاحها وهبطت الأدراج سريعاً.
إرخت ملامح خليل وقد تحولت إلى الراحة ما إن لمح طيفها ناهيك عن سعادته بطلب مصطفى لمشاركتهم المائدة، بينما لم تبعد السيدة نادرة نظريها عن مصطفى بغضب شديد لطلبه المبهم، تتآكل غيظاً من الداخل كذلك احمر وجهها بسبب كظم غضبها.
تقابلت عيناها مع عيني مصطفى فأرسلت إليه إشارة موحية بعدم رضاها عن طلبه فحاول هو توضيح الأمر لها بنظراته التي يشير بها على والده فاستشفت أنه افتعل ذلك من أجل أن يوطد العلاقة بينه وبين والده.
إلتوت شفتي نادرة للجانب بتهكم ما إن رأت هطول ورد عليهم عكس ابتسامة خليل التي اتسعت بسعادة وهلل مرحباً بوجودها:
- أيوه أكده الأكل بجا له طعم تاني مع الجمر.
أخفضت بصرها في حياء قد انعكس على ملامحها فاحمرت وجنتيها لكن حمد الله لم يراها أحد.
تنهدت وردت عليه بارتباكٍ حرج:
- ربنا يخليك يا عمي.
أسرع خليل بالرد عليها قائلاً:
- لاه، جوليلي يا بوي لو تحبي يعني.
رفعت ورد بصرها عليه بامتنان كبير ورددت بحياء:
- أكيد طبعاً أحب أكده.
بادلها خليل ابتسامة فسارت هي متوجهة نحو مقعدها التي اعتادته بجوار خليل.
توقفت قبل أن تجلس حين وجه مصطفى حديثه لها:
- تعالي اجعدي جاري يا ورد.
إتسعت مقلتاها بعدم تصديق لما وقع على مسامعها وطالعته من أسفل وشاحها ثم اقتربت منه وهي لازالت أسفل تأثير الذهول.
نهض مصطفى ما إن جلست هي فخفق قلبها رعباً من ابتعاده عنها فهو من طلب أن ترافقه مقعده فما هذا إذن؟
اقترب مصطفى من باب السرايا تحت نظرات الجميع المندهشة عليه ونادي بنبرة جهورية قائلاً:
- عسران.
جاءه ملبياً ندائه فأمره مصطفى بثبات:
- تؤمر الغفر محدش منهم يهوب داخل السرايا واصل وأني هؤمر صفية تطل كل شوية عليهم تشوف لو محتاجين حاجة وأي دخيل تعرفني بوجوده جبل ما يدخل السرايا، مفهوم؟
أماء له بطاعة وقال:
- مفهوم يا باشمهندس.
أغلق الباب خلفه وعاد لمقعده، التفت حيث تجلس ورد وأردف بلطف:
- دلوك تجدري تخلعي وشاحك وتطلعي وتنزل على كيفك.
إنحنى بقرب أذنها وواصل حديثه هامساً:
- مش بكيفك جوي يعني، اعملي حساب أبويا.
ابتعد عنها فلم تستطع هي منع ابتسامتها العذبة التي أشرقت وأضافت لوجهها حيوية وأزادته عنفواناً.
كانت السيدة نادرة تتابع ما يحدث أمام مرأى عينيها بعدم تصديق، تكز على أسنانها ببغض واضح وهي ترى ابتسامة ورد تزداد إشراقاً، لكنها لن تقف تشاهد في صمت، بالطبع ستوقف ولدها عند حده وقبل وقوعه فيما تخشاه.
***
أعدل من وضع جلبابه ليكون مهندماً ودلف للخارج بخطى متأنية قاصداً سرايا العمدة لكي يطمئن على ابنة عمه وأمانة زوجته.
توقف عن السير وردد بنبرة خافتة:
- وعشقي...
سحب شهيقاً عميقاً وتابع سيره متلهفاً لسماع نبرتها مع تذكره لملامحها الطفولية آخر ما يتذكره منها.
أوقفه والده بسؤاله:
- على فين العزم؟
أوصد عينيه لثوانٍ ثم استدار إليه وأجابه على مضضٍ مختصراً الحديث معه:
- على سرايا العمدة، هطمن على ورد.
رمقه حمدان لبرهة ثم بدأت ترتفع ضحكاته في العلن بسخرية، حاول التحدث من بين قهقهته مردفاً:
- لساك عايش على الأحلام اللي متصحاش منها ديي.
دنى منه حمدان وواصل سخريته:
- البت اتجوزت، رملناها جامد، اتجوزت أخوه، خايف تترمل تاني؟ تتجوز عسران نفسيه؟
طالعه طاهر بتقزز وقال بإزدراء ناهياً الحوار:
- عتتحدث براحة غريبة، أني نفسي معرفش أعيشها من يوم اللي حصل وأني مليش علاقة بالموضوع، كانهم شالوا جلبك وحطوا مكانه حجر.
اتسعت حدقتا حمدان بذهول لسماعه ما تفوهه طاهر، رفع ذراعه للأعلى يريد تأديبه بصفعة تعيد إليه صوابه لكنه تفاجئ بمنعه للوصول إلى وجهه.
قبض طاهر على يد والده بقوة وهو يكز على أسنانه بغضب، كم يكرهه ويبغض تلك الحياة التي يعيشها معه أسفل سقف واحد.
سحب طاهر يده إلى جانبه ثم توجه إلى الخارج بخطى سريعة يهرب من مخاوفه، لطالما تمنى أن ينتصر عليها لكنه لا يمتلك الشجاعة، فبالأخير هو والده وله حق الطاعة.
نفخ بضيق شديد ربما يحاول إخراجه مع أنفاسه التي يزفرها، عاد ليكمل سيره متجهاً إلى سرايا العمدة.
وصل بعد دقائق ليس إلا وتفاجئ بأحد رجال الغفر يمنعه من دخول السرايا موضحاً:
- ديي أوامر الكبير، خليك إهنه على لما نعطيه خبر.
قطب طاهر جبينه بغرابة فالأمر لم يكن هكذا من قبل، لم يملك سوى الانتظار لحين إعطائهم خبر بوجوده، بينما هاتف الرجل مصطفى وأخبره بنبرة خشنة:
- طاهر ولد حمدان المنشاوي إهنه.
ألقى مصطفى سؤاله متعجباً:
- وديه جاي يعمل إيه عندينا؟
رفع الرجل بصره على طاهر وسأله بحدة:
- رايد إيه؟
مفاجئة أخرى قد تلقاها طاهر من خلف سؤاله المريب الذي لا يوجد له معنى.
حاول التحلي بالصبر قدر المستطاع وأجابه على مضضٍ:
- جاي أطمن على بت عمي.
أخبر الرجل مصطفى ما قاله له طاهر فنهض مصطفى عن مقعده ونظر إلى ورد وأردف:
- طاهر بيجول جاي يطمن عليكي، خير يطمن عليكي من إيه؟
عقدت ورد حاجبيها بغرابة فالأمر يبدو مريباً بعض الشئ وخصيصاً سؤال مصطفى الذي يليه العديد من الأسئلة المحملة بالتهم، وأجابته بنبرتها الرقيقة:
- مخبراش، أني هروح أشوفه رايد إيه.
نهضت هي الأخرى فتفاجئت بيد مصطفى تمنعها من المرور قائلاً:
- خليكي إهنه أني هشوفه.
عارضته بلطف:
- معلش سيبني أني أشوفه رايد إيه.
سمح لها مصطفى بإيماءة من رأسه فأسرعت هي بوضع وشاحها أعلى رأسها وأقتربت من الباب فظهر طاهر من خلفه بملامح مشدودة بسبب تصرفات هؤلاء الحمقى.
وقف قبالتها وسألها بتوجس:
- أنتِ زينة؟
حركت رأسها مؤكدة سؤاله وقالت بقلق:
- أني بخير، في حاجة جلجتني؟
سحب نفساً وأوضح لها سبب زيارته:
- مرات عمي وصتني عليكي جبل ما تهمل البلد وأني جيت أطمن عليكي لو محتاجة حاجة كيف ما جالتلي.
شعرت ورد بالامتنان لاهتمامه فهي حقاً في أشد الحاجة لوجود من يهتم لأمرها.
كادت أن تجيبه لكن أسبق مصطفى بالحديث بنبرة جامدة:
- هيحصلها إيه عاد وهي في سرايا العمدة؟
اقترب منه قليلاً وربت على كفته وواصل حديثه:
- اطمن يا طاهر، ورد في حمايا.
رفعت ورد بصرها عليه ما إن أدلى أنها في حمايته، لم تستطع السيطرة على نبضاتها التي ازدادت باضطراب شديد.
أجبرت عقلها على العودة إلى الواقع فليس بحين يسمح لتصرفاتها البلهاء في الحضور.
نظرت إلى حيث طاهر وهتفت ممتنة:
- أني زينة متجلقش عليا، وشكراً على مجيتك ديي، حسستني إني ورايا أهل مش لحالي.
تقوس ثغر طاهر ببسمة لم تتعد شفاهه وردد حديثه الذي يأباه قلبه ساخراً لكن حان وقت الاقتناع به:
- أنتِ في مقام خيتي وواجب أطمن عليكي، وبما إنك زينة هستأذن أني بجا، العوافي.
رددت ورد ممتنة له عكس نبرة مصطفى الحادة:
- الله يعافيك.
أولاهما طاهر ظهره وغادر وقلبه يعتصر حزناً، فأي شعور يمكن أن يصف وجهه في تلك اللحظة التي يعترف بكونها شقيقته وهي لم ولن تكون كذلك!
التفتت ورد إلى يمينها فتفاجئت بسودتاه تطالعنها وأحست أن خلفهما شيئاً يريد قوله.
انتظرته ربما يدلي ما في جوفه لكنه لم يفعل فولجت للداخل بخطى متأنية فقلبها يرقص فرحاً على تلك الأحداث الجديدة التي حدثت اليوم.
كان يقف العمدة في انتظارها وحين اقتربت منه ابتسم في وجهها وأردف معاتباً بلطافة:
- بجا أكده بردك متاجيش تطمني عليا؟ مش بتعتبرني كيف أبوكي ولا إيه يا ورد؟
شعرت ورد بغصة مريرة في حلقها فهي حاولت مراراً لكنها دوماً تتلقى الرفض من السيدة نادرة.
وجهت بصرها عفوياً خلف خليل حيث تقف نادرة فاستشف خليل الأمر كله من خلف نظراتها.
حرك رأسه مستنكراً أفعال نادرة الدنيئة ثم حاول تغيير مسار الحوار الذي بدأه:
- بس الأكل كان له طعم تاني وأنتِ مشاركانا فيه، ربنا يديمها نعمة يا بتي.
إلتوى ثغرها للجانب مشكلة ابتسامة خجولة وردت عليه بحياء:
- ربنا يخليك يا أبا الحاج ويديم وجودك بيناتنا.
ربت خليل على ذراعها بحنو وردد:
- ويديمك في حياتنا يا بتي ويتعرف جميتك.
قال آخر جملته وهو ينظر إلى مصطفى الذي استشف ما يرمي إليه جيداً.
أخفض رأسه بخجل ثم حاول إنهاء ذلك اللقاء باقترابه من ورد قائلاً:
- بكفيّكِ واقفة في نص السرايا، اطّلعِ على أوضتك أو ادخلي أوضة الضيافة أهي مقفولة بردك.
انتظر تلبيتها لأمره لكنه فوجئ بحديثها:
- شيفاك عتؤمرني في الراحة والجيه، كاني مش مرات أخوك عاد؟
تعمدت ورد إلقاء حديثها لكي تأخذ منه اعترافاً صريحاً باعتبارها زوجته.
تقوس ثغر خليل ببسمة حاول إخفائها حين فهم ما تحاول هي فعله ووقف يتابع رد مصطفى على أحر من الجمر عكس نادرة التي كانت تقف كمن يقف على جمر متقد لا ترضى نبرة تلك اللعينة التي تحدث بها والدها كما تعترض كل ما حدث من مصطفى إلى الآن فهي كانت مطمئنة حيث ترى عصيانه لأمر والده وتمردها على تلك الفتاة!
خرجت من شرودها وتابعت الأحداث على مضضٍ.
وقف مصطفى يتخبط بين إجاباته، لا يجد إجابة واضحة صريحة يرد عليها بها فهو في الأساس لا يعلم ماذا يكن لها داخله.
حسناً، الانسحاب في ذلك الوقت هو الحل الوحيد.
لم يتردد مصطفى في الخروج من السرايا بخطى مهرولة قبل أن تعيد سؤالها مرة أخرى والنتيجة ستكون ساحقة أمام الجميع.
ظهرت شبح ابتسامة على ثغر ورد فهي توقعت هروبه لكنها لن تتراجع عن اعترافه بها زوجة له وأمام من أدلى لهم من قبل أنها في اعتباره زوجة أخيه وليست زوجته!
عادت بأدراجها إلى غرفتها فقط يكفيها ما حدث اليوم من روائع فلقد فقدت الأمل في حدوث نصفها.
استلقت على الفراش وهي تعيد كلماته التي همس بها في أذنها فقشعر له بدنها فلم يسبق وأن تقرب منها رجلاً بتلك الحميمة برضاها.
ستعترف أنها استمتعت بقربه كثيراً ربما لأنها أرادته هو عكس أخيه التي نفرت منه.
***
مساءاً.
تردد قبل أن يفاتح والده في ذلك الموضوع لطالما تأخر عنه كثيراً.
حسم أمره أن ينهي ذاك الحب الذي يعيشه معها في الخفاء ويخرجه للنور أمام الجميع بدلاً من اللقاءات التي تجمعهم صدفة ولا يحق له أن يحادثها على راحته بل يختلس النظر إليها كالسارق الذي يسرق شيئاً ليس من حقه.
شهيق وزفير فعل هو ثم بدأ حديثه مباشرة قبل أن يتراجع:
- بجولك يا أبوي كنت رايد أفاتحك في موضوع أكده.
انتبه جميع الجالسين إليه ثم التقط والده جهاز التحكم وأغلق التلفاز وأجبر أذنيه على الإصغاء إليه جيداً حيث تابع الآخر حديثه بتلعثم:
- عايز أتقدم لصفاء بت عم رياض الله يرحمه.
شهقت والدته بصدمة ورددت بدون تصديق:
- صفاء بت صفية الخدامة!!
تدخلت شقيقته معاتبة والدتها:
- مالها صفاء ياما؟ بت زينة ومتتعايبش.
استشاطت والدتها غيظاً وهدرت بها شزراً:
- اجفلي خشمك أنتِ وملكيش صالح عاد بالموضوع ده.
تضايقت مروة من أسلوبها الفظ معها وانسحبت من بينهم فتابعت الأخرى حديثها برفض تام:
- أنت متعرفش انت مين ومن عيلة مين إياك عشان تطلب أننا نناسب بنت الخدامة!
شعر ضيف بالاختناق الشديد يجتاحه بسبب حديثها الذي تقلل به من شأن حبيبته وحاول أن ينفيه:
- صفاء في كلية الطب ياما وبت ناس محترمين وكيف ما مروة جالت ميعيبهاش حاجة، يبجي إيه المانع؟
انتفضت من مكانها والغضب قد سيطر على تقاسيمها وصاحت بإنفعال:
- الموانع كاتير، أولهم أنها متناسبش عيلة الحمايدي وتانيهم متناسبش ضيف ولد أميمة، أودي وشي من الخلق فين وولدي عيتجوز بنت خدامة ومش أي خدامة ديي خدامة نادرة يعني تاكل وشي لما تعرف.
لقد بلغ ضيف ذروة تحمله، نهض من مقعده وأجابها بصوت عالٍ:
- ديي مش طريقة حدبث ديي، أني لا ليا دخل لا بنادرة ولا بغيرها، اني أحب البت ورايدها في الحلال.
دنى من والدته وواصل حديثه بغضب:
- وبعدين إيه خدامة خدامة، كانها عيبة! مش بتشتغل من عرق جبينها وبسبب شغلها ديه دخلت بنتها كلية الطب.
دوى صوت والدته في المكان بعصبية بالغة:
- كلية طب كلية طب، خلاص عرفنا إن السنيورة في طب بس برده لاه لو آخر واحدة مهاتخدهاش يا ضيف، وعايز تعرف مالهم الخدامين هجولك.
صاحت عالياً:
- بت يا عزة أنتِ يابت.
جاءتها خادمتها راكضة ملبية ندائها:
- أمرك يا ست أميمة.
توجهت أميمة إلى الطاولة التي تبعدها بضعة سنتيمترات ثم التقطت الكوب من عليها وألقته أرضاً حتى بات حطاماً.
وجهت نظرها إلى عزة وأمرتها بتعالي:
- جمّعي يابت اللي اتكسر ده بسرعة.
انتظرت أميمة حتى انتهت عزة من جمعها لحطام الكوب والتنظيف بعده ثم أعادت النظر إلى ضيف وقالت بتهكم:
- يرب الرسالة تكون وصلت لمخك الضلم ده.
لن يخضع لها ضيف بتلك السهولة، حرك رأسه لليسار قليلاً حيث يجلس والده ويتابع ما يحدث في صمت وقال له:
- ساكت ليه يا أبوي جول حاجة.
نهض الحاج حنفي بشموخٍ وتحدث ناهياً الحوار:
- البت متلِقش بعيلة الحمايدي، خلص الحديث.
مر بجواره دون إضافة المزيد فصعق ضيف من رده الذي حسم الأمر، لم يرفع عيونه على مكان وقوف والده بصدمة قد حلت عليه وانعكست على تقاسيمه.
تركته السيدة أميمة وغادرت وهي تتمتم بالحديث:
- معتش إلا بنتهم الخدامين كماني.
إزدادت أنفاس ضيف باضطراب فلقد شعر لوهلة أنه لا يستطيع التنفس بشكل صحيح.
جلس على المقعد خلفه لعله يعود إلى رشده لكن صدمته كانت أكبر وغطت على تفكيره في أي شيئ ولم يستطع أن يهدئ من روعه بسهولة.
نهض عن مقعده وغادر المنزل وهو يشعر بالضياع ولا يرى أمامه، فلقد أصبحت الرؤية مشوشة بسبب سيطرة حديث والديه الذي يتردد بداخله ويمنعه من رؤية وسماع شيئ آخر سواه.
قادته قدماه إلى حيث سرايا العمدة ربما يحالفه الحظ ويرىها فيشعر بالتحسن القليل أو يصادف صديقه ويبوح له بما يخفيه لعله يشعر بالراحة.
***
رفض ضيف أن يخرج ما يخبئه الآن ربما لأنه شعر بضعفه في تلك الأثناء وهو يكره ما يتفوه به في تلك الحالة.
إلتزم الصمت طيلة الجلسة على الرغم من إلحاح مصطفى عليه أن يخبره سبب تحوله هكذا لكنه دائماً يتلقى الرفض منه.
كان ميعاد بداية السهرة لدى عسران فلقد أنهى جميع ما عليه من أعمال شاقة اليوم.
جاء بجهاز الصوت الخاص به وحرص على تنقية أغنية مختلفة اليوم لكنها حتماً لن تبعد عن مسار الطرب القديم، فكانت تلك المرة لـ "سعاد محمد".
وحشتني عدد نجوم السما
وحشتني عدد كلام الهوى
وحشتني في كل يوم انما
وحشتني أكتر وأكتر واحنا سوا
تعالى نخلي الحلم حقيقة تعالى تعالى
تعالى نعوّض كل دقيقة تعالى تعالى
من خوفي لبكرا يفرقنا
واحنا يا روح قلبي ما صدقنا
اشتقت لي ورجعت لي
وقلت لي وحشتني
آخر كلمات المقطع الأول كان يضغط على وتر حساس في قلب ضيف، فهو فعلياً يخشى فراقها، هو يحبها حباً جماً ولا يقدر على تحمل فكرة فراقهم.
لن يتنازل عنها بتلك السهولة فإن كان للعمر بقية سينازع حتى تُكتب على اسمه!
لم يتجرأ مصطفى على رفع بصره تلك المرة على الشرفة، فليس لديه القدرة على مواجهة عينيها حتى وإن لن يراها فحتماً تراه هي بوضوحٍ.
اكتفى بسماع كلمات الأغنية وتخيل ملامحها التي فوجئ بها اليوم على تناغم الموسيقي.
ليالي ليالي ليالي
ما فارقتش ثانية خيالي ليالي
بستنى الفرحة وبستناك
وبغني وأنا بحلم بلقاك
الله على لقا الحبيب بعد الغياب
حلاوته بتخلي الهوى يرجع شباب
مع انتهاء آخر كلمات المقطع الثاني تغلب مصطفى على نفسه ورفع بصره للمكان المراد النظر فيه وفوجئ بعدم وقوفها كما اعتاده في تلك الأثناء.
لم يرفع بصره من على الشرفة لعله يلمح طيفها لكنها لم تفعل، تسلل القلق بداخله فاليوم قد عاملها بلطف بالغ فما المانع أن تقف؟
يا قمر يا سهر راجعين راجعين بحنين كل العاشقينا
اسهرو ونورو ليالينا
نادا الشوق ياما دوب فينا
ربنا يوعدنا ويسعدنا
ولا تخلص ابدا مواعيدنا
ونقول لبكرا يستنى
ونقول لبعدو ابعد عنا
تعالى نخلي الحلم حقيقة تعالى تعالى
تعالى نعوّض كل دقيقة تعالى تعالى
من خوفي لا بكرا يفرقنا
واحنا يا روح قلبي ما صدقنا
اشتقت لي ورجعت لي
وقلت لي وحشتني
انتهت الأغنية ولم تظهر إلى الآن.
نهض مصطفى ولم يلتفت لأحدهم وسار متوجهاً داخل السرايا حيث غرفته السابقة ليعلم سبب اختفائها.
طرق بخفة على الباب فلم تجيبه، أعاد تكرار فعلته مراراً والنتيجة واحدة.
تملك منه القلق وقد توجس خيفة في نفسه خوفاً أن قد مسها ضرراً وحسم أن يلج للداخل ليطمئن عليها.
لم يجد لها أثراً في الغرفة لكن هناك مصدراً لصوت ما يأتي من داخل المرحاض.
أقترب بخطى سريعة فتفاجئ بما رآه أمام عينيه وخفق له القلب والفؤاد.