تحميل رواية «عرف صعيدي» PDF
بقلم تسنيم المرشدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
هل تسمعني؟ هل تكترث لأمري؟ أنا هنا أحتاجك وبشدة، لقد خُلقت من ضلعك، فأنا المغلوبة على أمري أناديك من ثنايا قلبي، مُد يدك لتخرجني من تلك البقعة التي إنحدرت داخلها أصبحت شريك حياتي إذاً فلتحقق لي أهدافي، لطالما حلمت بالحرية أنت كنت ملجئ الوحيد ها أنا أمامك الأن فهل سنغدوا سوياً إن أمنت لي حقوقي؟ *** صدحت أصوات الزغاريد عالياً في أرجاء السرايا، تعالت هتافات الشباب وازدادت المباركات مهللين بسعادة. يتوسط أدراج سُلم السرايا شاب في مقتبل العشرين من عمره يرتدي جلباب صعيدي ناصع البياض يعلوه عباءة سوداء،...
رواية عرف صعيدي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم تسنيم المرشدي
كادت أن تقتلع عينيها من مكانهما فور نطقه بتلك السخافة، حتماً يمازحها. رمشت بعينيها عدة مرات تحاول هضم طلبه، وعندما لم يستوعبه عقلها هتفت بعدم تصديق مصحوب بالدهشة:
- اتخبلت في مخك إياك، جواز إيه اللي هنتجوزه من ورا أهلنا يا ضيف؟ شايفني رخيصة للدرجة دي قدامك عشان أوافق على طلبك ده؟
أوصد ضيف عينيه ومال برأسه يميناً ويساراً مطقطقاً عنقه، يحاول التحلي بالصبر قد المستطاع فأعصابه تالفة ولا يتحمل أي مناهدة في الأمر. عاد لينظر إليها محاولاً توضيح حسن نواياه:
- أني رايدك مرتي، وديه مش هيحصل غير بالطريقة دي، نحطهم كلهم قدام الأمر الواقع.
حركت رأسها مستنكرة تلك الترهات، رفعت بصرها عليه بندم شديد لمجيئها إليه وعزمت على المغادرة، لكنها ألقت آخر كلماتها معاتبة:
- أني اللي غلطانة إني جيت لك من أساسه، فكرتني سهلة وهوافق على كل طلباتك الرخيصة.
أدارت له ظهرها، لكنه لحق بها قبل أن تخطو خطوة أخرى. أجبرها على الالتفاف إليه ثم سحب يده حين شعر بفداحة تصرفه من خلف نظراتها على يديه. سحب نفساً وهو يحاول إقناعها بشتى الطرق:
- أني مهجرش أعمل غير أكده يا صفاء، أختي ممكن تتأذي لو اتجوزتك في العلن.
تجهمت تعابير صفاء وهي تهز رأسها بتهكم، فالأمر بدا أخرق بالنسبة لها. سألته مباشرةً حين فشلت في إيجاد سبب لتدخل شقيقته في علاقتهما:
- واختك إيه اللي دخلها في اللي بينا، مفهومتهاش؟
الكلمات باتت أكثر صعوبة الآن. كيف سيخبرها بمرافقته لصباح؟ سحب نفساً وبنبرة أكثر هدوءً لكي لا يجرح مشاعرها قال:
- صباح أخت طاهر جوز مروة أختي...
لم يعد يستطيع مواصلة ما بدأه للتو، فالأمر كان أصعب مما تصور. انتظرت صفاء بقية حديثه لكنه لم يفعل، فاضطرت هي إلى سؤاله بحيرة من أمره:
- مالها صباح؟
لم يستطع متابعة حديثه وعيناه مواجهة عينيها. استدار بجسده والتقط قطعة خشبية ذو سن حاد كانت تتوسط أوراق الشجر الذي يملأ المكان من حولهم. وقف أمام الشجرة موليها ظهره وبدأ ينحت في جزع الشجرة وهو يكمل بقية حديثه الناقص:
- كنت مرافقها...
شعر بغصة في حلقه لكنه أجبر لسانه على المواصلة:
- كان تسلية بس جت على دماغي في الآخر. مسكاني من يدي اللي بتوجعني، عملت تمثيلية قذرة كيفها لحد ما جوزت أخوها لمروة عشان تكسرني بيها. تلوعي دراعي عشان اتجوزها كيف ما رسمت في خيالها، وجت ما كنت بتنيل معاها.
أزفر أنفاسه براحة حتى انتهى من روايته لقصته المثيرة للاشمئزاز، فتفاجئ بسؤال صفاء الذي ألجم لسانه وشل عقله:
- كنت مرافقها وأنت تعرفني؟
خفق قلبه رعباً، فلم يتوقع سؤالها ذاك. التفت إليها ورأى الخذلان يتجلى في عينيها منتظرة إجابته التي تحدد مصير علاقتهما. صمت حل بينهم لثوانٍ، فاستشفت صفاء من عدم جرأته على إجابتها أن حدسها قد أصاب. شعرت بوخزة قوية في صدرها ولم تتمالك عبراتها التي سقطت رغماً عنها مرددة بتهكم:
- كنت مرافقنا اتنيناتنا!
التوى ثغرها للجانب مشكلة ابتسامة على محياها تحولت إلى ضحكات ساخرة وتابعت مضيفة:
- ليك حق تطلب مني طلب كيف طلبك، ما أني الرخيصة اللي قبلت ترافقك وأنت أصلاً ترافق غيري؟ يا ترى على كده أني الأولى ولا هي مين اللي جاية على الثانية؟
علم بأن الأمر لن يمرق على خير، فهناك الكثير من التبريرات والمعاتبة المصحوبة بالألم سيواجهها بعد. حاول تبرير وضعه أمامها فخرجت نبرته متلعثمة:
- متشبيهيش علاقتي بيكي كيف علاقتي بيها، دي كانت تسلية مش أكتر ملهاش مسمى غير أكده. حتى هي اللي كانت بتركض ورايا. عيبي الوحيد إني مصدتهاش. الجلالة خدتني مخابرش كنت بفكر في إيه وجتها بس اللي رايدك تعرفيه إني عمري ما حبيت غيرك. كلمة بحبك مخرجتش غير ليكي. قلبي مدقش إلا ما شاف عيونك. صدقيني يا صفاء إني...
قاطعته صفاء لاعنة سذاجتها التي استطاع من خلفها خداعها بسهولة:
- أنت إيه يا ضيف؟ أنت إيه؟ أنت لعبت بيا كيف ما لعبت بيها تمام. والمصيبة أنك لعبت بينا في وقت واحد. أنت استغفلتني يا ضيف، أكدت لي إني رخيصة ولا رخص التراب! أنت أندل واحد شفته في حياتي. ياريتك تشوف أني شايفة إزاك كيف دلوقتي هتتمنى الأرض تنشق وتبلعك. منك لله يا ضيف على كسرة قلبي اللي حاسة بيها دي، وعلى كسرة نفسي وخاطري اللي هعيش بيهم طول عمري. بس أني اللي غبية، أني اللي مسمعتش عقلي من الأول لما جالي يابت مفيش علاقات محرمة بتكمل، وأني عاندت نفسي وصدقتك من خبالي.
انفجرت باكية حين تشتت عقلها وازدادت أفكارها اضطراباً وسوءاً وتخبطت بينهم. كالضائعة في صحراء جرداء لا تعلم يمينها من يسارها، أي طريق تسلك؟ أي وجهة ستكون سبيلها إلى بر الأمان؟ لا تدري، فقط تشعر بالضياع دون غيره.
أمسك ضيف بذراعيها يحثها على التوقف وأردف بنبرة مختنقة متوسلاً إياها:
- والله غلطة مكنتش محسوبة.
صرخت فيه صفاء هدراً:
- بعد يدك عني.
أزاح يده من عليها متابعاً بكلماته التي يتمنى أن يؤثر بها عليها:
- أني ملعبتش بيكي يا صفاء، كان قدامك وأني بتجدم لعمك. يعني لو مش راجل صوح كيف ماشيفاني دلوقتي هتهرب منك وآخر حاجة هفكر فيها الجواز. بس أني من يوم ما عرفتك وأني مش بسعى لحاجة غير أكده. تعرفي إني اشتريت بيت من سبوع كده وكنت ناوي أفاجئك بيه يوم ما اتجدم لك. بس كل حاجة جت عكس اللي رتبت له. أني غلطت وبدفع تمن غلطتي ومستعد لأي حاجة إلا إني أخسرك وتبعدي عني. أني مكنتش ناوي أحكيلك عن صباح لأني مش شايفها من أساسه. بس هي شارطة عليا إني أطلب يدها وإما تأذي أختي. وأذيتها فعلاً عشان توريني إنها مش بتاعت كلام. لاه دي طلعت شيطان. عشان كده فكرت في الجواز منك بالطريقة دي.
مال عليها وتابع بنبرة ولهانة:
- سامحيني على الغلطة اللي محسبتش عواقبها يا صفاء، بس إوعاكي تهمليني.
وضعت صفاء كلتا يديها أمام وجهها متمنية الاستيقاظ من ذلك الكابوس اللعين مردفة بتمنى:
- أكيد أني بحلم، أكيد دي مش حقيقة.
انتبه ضيف على رنين هاتفه وتفاجأ بتلك العقربة هي من تهاتفه. كاد أن يغلق عليها لكنه تريث حين راودته فكرة ما ربما تحسن من موقفه أمام صفاء. وضع سبابته أمام فمه يحثها على التوقف:
- ششش اسمعي.
أجاب على المكالمة ودعس على زر مكبر الصوت، فأتاه صوتها الذي يبغض سماعه:
- نسيت أقولك يا ضيف وأنت جاي تتجدم لي متنساش تجيب شوكولاتة معاك عشان بحبها جوي.
أغمض عينيه يكظم غضبه الذي يود الانفجار بها. سحب نفساً وبجمود قاسٍ أردف:
- أنتِ مصدقة إني جاي؟ ربنا يعينك على مخك الضلم اللي مبيفهمش ده.
هنا صاحت به صباح منفعلة:
- أنت اللي مبفهمش في الكلام، أختك تحت يدي يعني روحك معايا يا ضيف. متختبرش صبري، أني صبري له نهاية ونهايته مع نهاية ساعات النهار. وسبق وجلتلك الليلة تكون في دارنا مع بوك تطلب يدي. اتجاي شري يا ضيف عشان شري وحش جوي.
أنهت صباح المكالمة، فحاول ضيف أن يستشف أي شعور يطمئنه من وراء نظرات صفاء الجامدة، لكنه فشل في فهم تعابيرها. أعاد وضع هاتفه في جيبه وهتف بقلة حيلة:
- سمعتي بودانك. عرفتي ليه طلبت منك نتجوز من غير ما حد يعرف؟
مسحت صفاء عبراتها تحت نظرات ضيف المتوجسة خيفة من هدوئها المريب، فلم تكن كذلك قبل قليل. أهو نجح بتصرفه في توطيد علاقتهما ثانيةً أم ذلك هدوء الذي يسبق العاصفة؟
خرجت صفاء عن صمتها وأردفت بقسوة شديدة في لهجتها:
- الحل في كل ده هو فراقنا. من الأول علاقتنا كانت غلط كبير وآن الأوان نصلحه. من دلوقتي طریقنا مختلفة يا ضيف. ربنا يسعدك في حياتك الجاية.
أنهت جملتها وأدارت له ظهرها، لكنه أسرع بالوقوف أمامها يأبى قلبه فراقهم. كيف حكمت على علاقتهما بالفراق بتلك السهولة وكأن الذي بينهم بات بهاءً منثوراً؟ تشكل التهكم على تقاسيمه وحدثها بإزدراء:
- فراق إيه اللي بتجوليه عليه؟ بالسهولة دي هتتخلي عني؟
أخفضت صفاء رأسها، فلم تتحل بالشجاعة في مواجهة عينيه وهي تودعه بكلماتها الأكثر نضجاً:
- كل الطريق ليها نهاية ودي نهاية طريقنا يا ضيف.
مرت بجواره دون إضافة المزيد وتركته واقفاً مذهولاً من حكمها الذي اتخذته بمفردها في علاقتهما. التفت ليتابع طيفها الذي يختفي من أمامه تدريجياً إلى أن بات خيالها سراباً. هل هذه نهاية المطاف؟ لكنه انتهى باكراً للغاية قبل حتى أن يحظى بلذة بدايته. يصغي ضيف لصدى أنفاسه المتهدجة ناهيك عن نبضاته التي شعر لوهلة باختراقهم لجسده من فرط قوتها.
حرك قدميه بصعوبة وعاد إلى منزله يجر أذيال خيبته خلفه. وقف قبالة والده الجالس على الأريكة يرتشف فنجان قهوته وأخرج ما يحتم عليه الواقع قوله:
- رايد أخطب صباح يا أبوي.
***
أنهت مروة طعام الغداء الذي أصرت على تناوله في تجمع عائلي. تبعها طاهر ليقوم بمساعدتها إن كانت بحاجة إلى ذلك، فهو على دراية بألم ساقيها اليسرى التي لا تتحمل الضغط عليها.
غسل يديه بعدما انتهت هي من غسيل يديها، ثم انضمت إليهم صباح بوجه بشوش يعكس ما تبطنه داخلها. لمحت مروة تلك الأرجوحة التي رأتها في الأمس من الشرفة وشعرت بإنجذاب قوي يدفعها إلى التوجه إليها.
دلفت للخارج ومن ثم سارت نحوها ولم تتردد في الجلوس أعلاها. أعادت لها الكثير من ذكريات الطفولة الجميلة. مشاعر بريئة قد اجتاحتها حينها. كم تمنت أن يدفعها أحدهم بقوة لتشعر بتحررها وعدم تقيدها كما في السابق.
لمحتها صباح من نافذة المطبخ وشعرت بالحقد يعصف بخلاياها حين رأتها تهرول إليها وعزمت بأن تخرب رونقها المزاجي. حمحمت ثم التفتت إلى حيث يقف طاهر الذي يطهو قهوته على نار هادئة وأردفت بخبث:
- مراتك بتتمرجح على مرجيحة حبيبة القلب!
طالعها طاهر بملامح جامدة لم تستطع فهم ما يدور في عقله، لكنها اكتفت بإخباره حتماً سينزعج من فعلتها ويرفض جلوسها عليها، وحينها سينفطر قلب مروة حزناً، وهذا تماماً ما سيعيد لصباح صفو رونقها.
كان قد انتهى طاهر من طهي القهوة وسكبها في فنجانه الخاص وتوجه مباشرةً إلى الخارج، بينما راقبت صباح تحركاته بفارغ صبر. وصل طاهر إلى مروة وسألها بنبرته المعهودة وهو يرتشف من القهوة قدراً:
- عجبتك؟
أجابته متلهفة:
- جوي.
بهدوء أردف:
- أني اللي عاملها. تحبي أمرجحك؟
لمعت عينا مروة بوميض مختلف وردت عليه بحماس شديد:
- ياريت.
ارتشف طاهر آخر ما تبقي من قهوته واقترب منها بخطى متأنية. وقف خلفها وحاوط الحبال المربوطة في فروع الشجرة بيديه وقام بدفعها بحذر. فلم يشعر بخوفها فزاد من قوة دفعة فأطلقت مروة ضحكة عالية شاعرة بالسعادة تتغلغل إلى أعماق قلبها وهي تحلق كالطائر في السماء.
دقت طبول السعادة قلب طاهر حين شعر بأنه نجح في إدخال السرور على قلبها، فضميره لا يكف عن التأنيب حيالها ويشعر بظلمه لها وأنه جعلها ضحية زواج ناتج عن هروبه من ورد وحبها.
على جانب آخر، تشاهدهم كمن يقف على نيران متقدة تتآكلها الغيرة وهي تصغي لضحكات مروة، فهذا ما لم تتوقعه حدوثه قط. لقد أرادت تعكير صفوهم ولكن في النهاية هي من تعكر صفوها. لكن لن تمرق الأمر قبل وضع بصمة داهية تعكر سعادتهم.
هرولت بخطاها إلى الخارج بوجه محتقن تغلي في عروقه الدماء. شكلت بسمة زائفة على محياها وهي تقترب منهم. انتظرت قليلاً لكي تجيد أداء الدور على أكمل وجه ثم هتفت بتلقائية مزيفة:
- زين أنك صلحتها لورد يا طاهر، أديها مروة استنفعت بيها. طلعت بتحبها كيف ورد تمام.
تجهمت تعابير طاهر حين وقع على مسامعه سخافة حديث صباح ورمقها بنظرات مشتعلة، فالمسألة لا تحتمل سيرة ورد مطلقاً، فهي مشحونة من حروف اسمها بمفردها وجاءت هي بكل سهولة أضافت وقوداً على النار فازداد لهيبها.
صدمت مروة من حديث صباح. ازدردت ريقها بصعوبة وسألتها بتوجس من سماع إجابتها:
- دي مرجيحة ورد؟
لبست صباح ثوب التلقائية العابثة مجيبة إياها بتصنع مع إيماءة خفيفة من رأسها للتأكيد:
- إيوة طاهر اللي عملها زمان وأحنا بنتة صغيرين وكانت اتجطعت وهو بردك اللي صلحها السبوع اللي فات لما كانت ورد إهنه.
بهدوء تام نهضت مروة من عليها محاولة إيجاد مبرر للهرب من أمامهم. شعرت حينها بألم طفيف في بطنها فانتهزت الفرصة وقالت وهي ممسكة ببطنها:
- عن إذنكم بطني موتتني من الوجع، محتاجة أرتاح.
انصرفت من أمامهم في أقل من الثانيتين فأسرع طاهر بنهر صباح مغتاظاً من حماقتها التي افتعلتها:
- حمار بيتحدت! كيف تجوليلها أنها بتاعت ورد وأني اللي عاملها ليها؟
حركت رأسها حين لم تأت بتفسير واضح لتذمره مرددة ببرود:
- وديه فيها إيه عاد؟ ورد بنت عمك وأكيد ليك ذكريات ياما معاها، فين المشكلة؟ أنت بس اللي حساس شويتين لأنك ممعتبرهاش بنت عمك وبس، لكن مروة مخابراش.
أنهت جملتها وعادت إلى المنزل، بينما وقف طاهر يجمع شتات وجدانه متمتماً داخله:
- ديه لو مغلطتش جدامها قبل أكده باسمها، واكيد شاكة في حاجة لاه ده أكيد متوكدة!
أوصد جفنيه بعصبية بالغة ثم عاد إلى المنزل يحاول استشفاف أي شعور تعيشه من خلف تقاسيمها. أدار مقبض باب غرفته وولج للداخل بعدما طرق عليه معلناً عن مجيئه. نظراته لم تُرفع من عليها، لاحظ تعقيدات وجهها التي ترسمها من آن لآخر وكأن هناك ما يؤلمها فعلياً وليست مبرراً للهرب كما اعتقد.
جلس أمامها ولم يتردد في سؤالها مهتماً لأمرها:
- كأنك بتتوجعي من حاجة صوح؟
أومأت له بتأكيد ثم تشنجنت تعابيرها مرة أخرى وهي تردف بتعب:
- بطني بتتجطع.
انخلع قلب طاهر حين رأى آلامها الظاهرة. نهض من جلسته مردداً بتوجس بالغ:
- جومي نروحوا المستوصف نطمنوا عليكي.
تذكرت مروة ميعاداً ما. سحبت هاتفها من جانبها وطالعت تاريخ اليوم الذي أوضح لها حقيقة تقلصات بطنها. أعادت وضع الهاتف مكانه ورفعت بصرها على طاهر بحياء قد اجتاحها، فكيف ستخبره بهذا؟
عضت على شفتيها السفلى بارتباك حرج واضطرت إلى إخباره بميعادها من كل شهر حين رأت إصراره على الذهاب إلى المشفى. أخفضت رأسها بخجل شديد فالأمر بات مخجلاً للغاية كما تلونت وجنتيها بالحمرة نتيجة لنظراته التي لم ترفع بعد من عليها.
انتبهت مروة على سؤاله الحنون:
- وديه بتاخدي لها حاجة تخفف من وجعك ولا بتعملي معاها إيه؟
ردت عليه وهي منكسة الرأس، فحيائها قد منعها من النظر إليه:
- بشرب قرفة. ولو الوجع مخفش بملي ميه دافية في إزازة وأحطها على بطني بتهدي التشنجات دي هبابة.
أخذ طاهر شهيقاً وأزفره بتملل ثم دلف للخارج دون أن تعلم هي وجهته. هبط إلى المطبخ وبدأ في تحضير مشروب قرفة لها وعلى نار أخرى وضع إناء به بعض المياه ووقف ينتظر الانتهاء من كليهما.
انضمت إليه ثريا وسألته بفضول أنثوي لعلها تساعده في شيء ما إن كان بحاجة إليها:
- بتعمل إيه يا ولدي أساعدك في حاجة؟
أومأ لها طاهر بالرفض موضحاً:
- لاه يا أمي تسلمي، بعمل قرفة وميه دافية لمروة بطنها بتوجعها هبابة.
استشفت ثريا ما وراء الأمر حين أخبرها بتحضيره للقرفة. التوى ثغرها ببسمة عريضة وربتت على ظهره بحب واضح:
- ربنا يجعلك حنين يا ولدي طول العمر.
تنهدت بصوت مسموع وتابعت ما لم تكمله:
- أوعاك يا ولدي تقسى على مراتك واصل ولا تمد يدك عليها وافتكر إن معاملتك مع مراتك هتترد لك في اختك. عزز منها لأنها بنت ناس وبنت الناس يتعاملوا زين مش ناخدهم نبهدلهم معانا.
بادلها طاهر بابتسامة عذبة وهتف بنبرته الرخيمة وهو يسكب مشروب القرفة في كوب عميق:
- أكيد يا أمي متجلجيش.
قام طاهر بملء المياه في زجاجة صغيرة وقبل أن يغادر أوقفته والدته نادمة على ما فعلته به طيلة الأعوام الماضية:
- ياريتني ما وقفت في طريق سعادتك يا ولدي وجفلت كل الطرق قدامك إنك تاخد ورد بنت عمك. أني خابرة زين كيف بتحبك...
قاطعه طاهر مستاءً من ذكر اسمها المتكرر في أوقات ليست في محلها:
- ورد ماضي وراح لحاله يا أمي وإذا سمحتي بلاش سيرتها تيجي تاني هنا عشان مروة متزعلش. مروة طيبة وربنا رضاني بيها. معايز يوحصل مشكلة من ورا سيرة ورد دي.
أومأت له بقبول لطلبه ودعت له بقلب سليم:
- ربنا يسعدك يا ولدي ويرزقك الذرية الصالحة.
آمن طاهر على دعائها ثم استأذنها وعاد إلى غرفته. تفاجأت مروة بحمله لزجاجة المياه وبيده الأخرى كوباً. لم يكن هناك داعي للتخمين، فرائحة القرفة النفاذة قد تسللت إلى داخل أنفها.
جلس بجوارها وناولها الزجاجة ثم وضع كوب القرفة أعلى الكومود مردداً:
- حطي المية على بطنك على لما القرفة تبرد هبابة.
دقت أسارير السعادة قلبها من فرط حنيته. تقوس ثغرها بابتسامة ممتنة وأردفت شاكرة إياه:
- متشكرة جوي يا طاهر.
عقد ما بين حاجبيه بغرابة وهتف متسائلاً بفضول ذكوري:
- بتتشكريني على إيه؟
عللت مروة سبب امتنانها:
- أنك اهتميت وجبت لي اللي يهون وجعي.
حاول أن يزيل التكلف من بينهم بقوله:
- مفيش حاجة، أي راجل هيعمل أكده مع مراته.
أماءت له نافية ما قاله موضحة حقيقة اعتقادها:
- لاه مش كل راجل حنين كيف حنيتك دي على مراته. حنيتك حلوة جوي أني حبيتها.
تفاجئ طاهر بتصريحها الذي لا يعلم أهذا بمثابة تصريح لشخصه أم فقط لصفته. لن ينكر أن في كلتا الحالتين ليس مزعوجاً، لكن هناك شيئاً ما بداخله يريد تصريحاً واضحاً منها على حبها له. هو في أشد الحاجة إلى ذلك.
ابتلع ريقه وهو يتخبط بين أفكاره التي تحثه على سؤالها وبين رفضه. فضوله قد تغلب عليه وسألها بإرتباك خجل:
- بتحبي حنيتي بس؟
سؤاله سبب لها الهياج في نبضاتها. هربت من نظره الذي ينتظر إجابتها وأخفضت بصرها في حياء. فركت أصابعها بتوتر بائن وهي تجمع شتات نفسها الذي تفرق. رفع طاهر وجهها بأنامله ليقابل عينيها مصراً على سماع إجابة واضحة منها.
عضت على شفتيها وبصعوبة بالغة قابلتها في إخراج الكلمات أخيراً أردفت بنبرة خافتة:
- وبحبك أنت كماني.
ظهرت شبح ابتسامة على ثغر طاهر وشعر أنه يود أن يكافئ تلك الشفاه التي صرحت بحبها له. لم يتردد في التودد إليها حيث انحنى على شفتيها وانهال عليهم بقبلة رقيقة فوجئت بها مروة.
كانت تلك قبلتهم الأولى، لم تحظ بها يوم زفافهم. كان أكثر نعومة ورقة سببت لها قشعريرة قوية في سائر بدنها. حاولت مسايرته رغم افتقارها إلى إتقان دورها. طالت قبلته وكأنه يروي ظمأه. أخيراً ابتعد عنها حين شعر بالاكتفاء القليل وسألها باهتمام:
- بطنك عاملة إيه دلوقتي؟
أجابته بعكس ما تشعر به مختصرة، فلا تريد إحزان قلبه الحنون:
- أحسن.
لم تكن كذلك، فلقد ازداد تشنج بطنها عن ذي قبل بسبب تصرفه المفاجئ. صغى كليهما إلى ندائات حمدان المتكررة على طاهر الذي توجه للخارج ملبياً ندائه، بينما مروة خفق قلبها كأنها تعيش اللحظة ذاتها من جديد. أخرجتها تقلصات رحمها من ذكراها الجميلة فالتقطت كوب القرفة وارتشفت منه القليل على أمل أن يهدئ من آلامها.
***
عاد إلى السرايا بعد يوم شاق قضاه في عمله. أمرت السيدة نادرة بتحضير الغداء فور مجيئه. صعد هو إلى الأعلى يبدل ثيابه. استقبلته ورد بوجه عابس يعكس ما ورائه من مصيبة قد حدثت.
قطب جبينه بغرابة ولم يتردد في سؤالها قائلاً:
- مالك يا ورد حصل حاجة؟
انفجرت به ورد بانفعال:
- صاحبك ده عديم الرجولة والنخوة، بيتوعد مع بنت الخلج ويلعب بيهم في وقت واحد. أخدهم دوريات حضرته!
امتعض مصطفى لنبرتها التي تحادثه بها وبنفس انفعالها حدثها:
- وطّي حسك وأنتِ بتتكلمي معايا وتخصدي مين بالكلام ده؟
أصدرت ورد قهقه ساخرة مجيبة إياه بمضض:
- كأنك مخابرش مين؟ إحنا بس نقولوا عديم النخوة تتفهم على طول إنه ضيف.
استشف مصطفى الأمر لكنه مزعوج من نبرتها المرتفعة التي تهاجمه بها ناهيك عن سبابها لصديقه. لم يرضى تصرفاتها الغبية التي بدت عليها ونهرها بعصبية شديدة:
- جلت لك وطّي حسك، وحاسبي على كلامك عنيه. ثم تعالي هنا أنتِ مالك بيه عاد؟
اتسعت مقلتاها تلقائياً مبدية ذهولها من سؤاله الساذج وأوضحت له سبب تدخلها في الأمر:
- أني مالي؟ صفاء اللي لعب بيها دي تبقى صحبتي وزعلها يهمني. والتانية اللي اتسلى بيها بردك تبقى بنت عمي يبقى أدخل ولا لاه؟
بعصبية فاقت الحدود دوى صوته في الغرفة:
- لاه متدخليش. بنت عمك دي أقذر من إنك تخلط نفسك بيها. بتجولي بنت عمي بعجرفة جوي وهي شمال ماشية بطال هتركض ورا الرجالة!
صعقت ورد لما يخبرها به. أبت تصديقه، فمهما كان بينهن لن تصدق عنها افتراءه الجريء ونهرته معنفة:
- متجولش على بنت عمي أكده واصل. صاحبك هو اللي خسيس و...
قطع مصطفى كلماتها بوضعه راحة يده على فمها محذرها:
- صدقيني يا ورد لو خشمك ده كمل كلامه لهزعلك بالجامد.
سحب يده وهو يطالعها بنظرات مشتعلة وأضاف متابعاً بنبرة أهدأ لكنها حازمة:
- وبعد أكده ووقت ما أدخل من الباب ده ملجاش بوزك الأبرم ده لأي سبب. وتاني مرة حسك ميعلاش عليا، اللهم بلغت اللهم فاشهد.
أدار لها ظهره وأخذ جلباب آخر يبدل فيه عن التي باتت متسخة عليه. دخل للمرحاض وتنعم استحمام بارد لعله يهدئ من أعصابه المشدودة.
خرج في حالة مهندمة غير التي كان عليها. وضع من قنينة عطره الخاص الذي انتشر في الأرجاء سريعاً. تعمد عدم النظر إليها فهو غاضب وبشدة منها. لقد قام بتدليلها بكثرة ولم يحسب أنه يخطئ في حق نفسه بفعله ذلك.
طُرق الباب من قبل أحدهم فتوجه مصطفى نحوه بقامة منتصبة ووجه متجهم. فتح الباب فإذا بها صفية أخبرته بانتهاءها من تحضير الغداء. انصرفت فور علمها بنزوله خلفها. وقف مصطفى مولي ورد ظهره وحدثها دون أن يتلفّت:
- جومي عشان نتغدى.
عارضته ورد فأي طعام سيُهضم بعد مشادتهم أمام بعضهم، والأحر أنه يحادثها وكأنه لا يوجد ثمة سوء تفاهم بينهم:
- مليش نفس للوكل.
كز هو على أسنانه ثم ألقى بحديثه في الوسط بنبرة صارمة:
- أني نازل ألاقيكي ورايا طوالي ومتخلنيش أعيد حديتي مرتين.
انسحب للخارج وأغلق الباب خلفه. هبط الأدراج بملل كبير، فلم يهبطه بمفرده منذ أن توطدت العلاقة بينه وبين ورد. أزفر أنفاسه بضجر بائن حين تذكر أسلوبها الفظ معه.
كان أول الجالسين على المائدة. انضمت إليه والدته متسائلة عن ورد باهتمام فلم يسبق له الجلوس بمفرده دونها:
- فينها ورد منزلتش معاك ليه؟
أجابها وعيناه مثبتة على الطابق العلوي لعله يلمح طيفها:
- نازلة ورايا أهي يا أمي.
حضر خليل هو الآخر وسأله عنها فأجابه بالحديث نفسه مثلما أجاب به على سؤال والدته. كان يهز قدميه بعصبية ناهيك عن الصوت الذي يصدره بأصابعه التي تنسدل على الطاولة واحدة تلو الأخرى.
لاحظ كليهما توتر حالة مصطفى وإلتزما الصمت حتى لا يسببوا له الضيق. إذا لاحظ انتباههم لحالته المتوترة. هذا يكفي إلى ذاك الحد. انتفض مصطفى من مقعده وكاد أن يهم بالصعود إليها لكنه تريث حين رأها تهبط أدراج السلم. عاد لمقعده من جديد بينما ألقت عليهم ورد التحية فأجابها خليل ونادرة في نفسٍ واحد. شاركتهن الطاولة التي لم يتناولن عليها سوى الطعام فقط دون حديث.
***
جهزت السيدة سنية حقيبتها وجميع مستلزمات سفرها، وتممت على المنزل جيداً قبل أن تغادر. ركبت عربة "التوكتوك" التي أوصلتها إلى سرايا العمدة. ترجلت منها وحملت حقيبتها بيدها وتوجهت إلى الداخل.
قرعت رنين الجرس وانتظرت أمامه لحين استقبالها أحدهم. فتحت لها هويدا مرحبة بها بحفاوة:
- أهلا يا أم ورد اتفضلي.
بادلتها سنية ابتسامة رقيقة ثم خطت بقدمها إلى الداخل. كانوا قد انتهوا لتوهم من تناولهم للطعام. قطبت ورد جبينها حين رأت والدتها ومعها حقيبة سفرها. هرولت إليها في قلق وسألتها مستفسرة:
- أهلا يا أمي إيه الشنط دي؟ أنتِ مسافرة ولا إيه؟
أقبلت عليهم السيدة نادرة برفقة مصطفى وقالت:
- همليها تاخد نفسها الأول يا ورد.
رحب بها خليل هاتفاً:
- كيف أحوالك يا أم ورد إن شاء الله تكوني بخير.
أجابته ممتنة:
- بخير الحمد لله يا عمدة.
رحب بها السيدة نادرة وكذلك مصطفى ثم وجهت سنية بصرها على ورد التي لا تطيق الانتظار لمعرفة سبب حملها لتلك الحقيبة:
- رايدة أتحدت وياكي يا ورد.
أماءت لها بقبول واصطحبتها إلى الأعلى حيث غرفتها. جلسن على الأريكة وبدأت سنية في حديثها متلعثمة لا تدري من أين تبدأ تحديداً:
- أني راجعة لدار خالك النهاردة.
عقدت حاجبيها بغرابة فهي على علم بمكوثها لآخر أيام الأسبوع فما الذي جد؟ أسرعت في سؤالها بحيرة:
- مش جلتي هتجعدي هنا لآخر الأسبوع!
شهيقاً وزفيراً فعلت سنية لا تود إخبارها بما حدث لكنها مضطرة فلن ينطلي على ورد أي مبررات ستعلل بهم سبب ذهابها. فغرت فاها وبخذي واضح أردفت:
- حمدان الكلب اتهجم عليا لولا مرته اللي أنقذتني من تحت يده.
لم تريد ورد تصديق تفكيرها العقيم وحاولت التأكد أولاً:
- اتهجم عليكي كيف يعني، مد يده عليكي؟
أخفضت السيدة سنية رأسها وبخجل مصحوب بالتقزز عقبت:
- لاه، اتهجم عليا يا ورد افهمي..
أصدرت ورد شهقة قوية كتمتها بوضعها ليدها على فمها. جحظت عينيها بصدمة جلية انعكست على تعابيرها. بعد ثوانٍ عادت إلى صوابها وسألتها بخوف:
- أنتِ زينة طالع أذى منه؟
حركت سنية رأسها نافية أسئلة ورد التي انتفضت من مقعدها متوعدة لذاك الدنيء أشر الوعيد:
- والله لأقطعه نصاير النجس ده وأعرفه إن الله حق.
أسرعت سنية في إيقافها عما تنوي فعله:
- لاه يا ورد لاه. ده بالذات مليكش صالح بيه واصل. لا ترمي له السلام ولا حتى تعاديه. ده عقابه عند ربنا يابتي هو مطلع وجادر يخسف بيه الأرض.
أبت ورد الرضوخ لاستسلام والدتها فلن تتراجع قبل أن تلقنه درساً يظل بقية حياته يتذكر قساوته:
- أني لازم أخليه يركع تحت رجلك ويطلب السماح!
منعتها سنية من التهور صارخة بخوف:
- ده جتال جُتلة. بعدي عن طريقه.
لحظة سكون عمت اختلطت فيها مشاعرهم المذهولة والنادمة. لم تكن تنوي السيدة سنية في البوح عن قتل حمدان لهلال. عادت إلى مقعدها وأخفضت رأسها واضعة كلتا يديها أعلى رأسها خافية معالم وجهها تماماً عن ورد.
وقفت ورد تردد تلقيب والدتها لحمدان بالقاتل، فمن قتله إذاً؟ دنت منها وبتوتر ألقت بسؤالها:
- حمدان قتل مين يا أمي؟
رفعت السيدة سنية رأسها محاولة نفي ما قالته:
- حمدان مجتلش حد يا ورد ديه من غيظي يابتي جلت أكده.
جست ورد على ركبتيها أمام والدتها ولم تكترث لما تحاول نفيه وهتفت بحدة:
- جولي يا أمي مين اللي اتقتل.
هربت سنية بنظرها بعيداً عنها ولم تدلِ بالحقيقة. لا تريد أن يصيب حدسها هذه المرة. تريدها أن تنفي ظنونها التي سيطرت على تفكيرها بالكامل. شهيقاً وزفيراً فعلت ورد وهي تكاد تسمع صدى نبضاتها الذي يعلو كلما ترسخت الحقيقة في عقلها.
"مفيش حد اتقتل غيره، هلال! حمدان قتل هلال يا أمي؟"
شعرت سنية بثقل يريدها من قبل ورد. لم تفعل سوى اللطم على رأسها حين تذكرت حادثة هلال بصورة واضحة لطالما طردت تلك الذكرى اللعينة من عقلها كلما حاول شيطان أفكارها التلاعب بها من خلالها.
نهضت ورد من جلستها وألقت جسدها بإهمال على الأريكة بجوار والدتها في حالة صدمة مصحوبة بعدم التصديق لحدسها الذي أصاب هذه المرة وكأن عقلها شُل. هزت والدتها بعنف مرددة بقوة:
- جولي لاه يا أمي مش هو اللي عمل أكده. استحلفتك بالله تردي عليا تجولي الحقيقة.
ظلت سنية تضرب رأسها من خلف المصيبة التي حلت عليها وهتفت نادبة:
- منك لله يا حمدان، الدنيا خربت من تحت راسك ربنا ينتقم منك.
توقف عقل ورد عن التفكير. أدركت حجم الكارثة التي تسببت فيها بغشوميتها. هي السبب في قتل هلال! هي المتسببة في إحزان عائلة كاملة على فراق فلذة كبدهم. هي من حرمت أم من رؤية صغيرها يعيش ريعان شبابه. المتسببة في كل شيء حدث لتلك العائلة بحكمها الغبي الذي حكمت به على هلال يوم زفافهم!!
حتماً ستُعاقب أشد العقاب ما إن علم مصطفى بتلك الكارثة التي أشعلت هي فتيلها. لكن لا يهم إن عُوقبت فهي تستحق ذلك، ولها مثل ما فعلت ولو بعد حين.
خرجت عن صمتها وهي تردد:
- يوحصل اللي يوحصل أني اللي جنيت على روحي.
طالعتها السيدة سنية بطرف عينيها فلم تستشف ما ترمي إليه ورد وسألتها بتوجس:
- يعني إيه اللي بتجوليه ده؟
انتفضت ورد من مقعدها حاسمة أمرها على عدم الصمت، فضميرها لا يسمح لها بالتكتم على الأمر. يكفي ما تسببت فيه حتى وإن كلف الأمر طلاقها منها. فورد الآن في حالة لا يرثى لها من خلف فعلتها الدنيئة ولن تهدأ قبل أن تعاقب نفسها على ما اقترفته في حق الجميع.
أسرعت سنية خلف ورد ناحية الباب ووقفت بينها وبينه مشكلة حاجز وهي تحاول منعها بشتى الطرق:
- أعجلي يا ورد وبلاها غشومية هتخربي على نفسك يا ضنايا.
جهشت ورد باكية بمرارة حارقة. لا تستطيع استيعاب أنها تسببت في فعل كبيرة من الكبائر الذي نهانا الله عن فعلها. حاولت تجميع الكلمات على لسانها وردت عليه بنبرة غير مفهومة:
- بعدي يا أمي مصطفى لازم يعرف.
تدرك السيدة سنية حجم الألم الذي تعيشه ابنتها من خلف ما أخبرتها به، فحتماً تُحمل ذلك الإثم لذاتها. لكنها لن تسمح لها بهدم عشها الذي تبدلت أحواله لتوه وصرخت فيها هدراً:
- هتجوليله إيه؟ هتجوليله عمي جتل خوك!! دي فيها طلاقك وخراب ديارك يا ورد!
هدأت كلتاهن حين استمعن إلى ارتطام شيء ما دوى في الخارج. اتسعت حدقتيهن بصدمة سيطرت على خلاياهن. حركت ورد قدميها إلى الأمام، تنحت والدتها للجانب سامحة بها بالمرور. وقفت ورد تلتقط أنفاسها ثم أدارت مقبض الباب بتهمل وكانت المفاجئة....
رواية عرف صعيدي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم تسنيم المرشدي
وقفت على آخر درجات السلم تطالعه بزفرتيها الذي انطفأ وميضهم اللامع، خلا جوفها من المشاعر، باتت باردة جامدة لا تقدر على فعل شيء سوى مطالعته دون حديث.
وبعد وقت مضى لا تعلم كم تحديداً، حركت قدميها إلى الأمام متوجهة نحوه، حاسمة أمرها. لاحظها مصطفى الذي لمح طيفها من على بعد، فتحرك هو نحوها حين أشارت إليه بالمجيء.
"في حاجة؟" هتف متسائلاً بينما أطالت هي النظر إليه. ماذا لو عرف بالحقيقة؟ ماذا سيفعل حينذاك؟ هل سيسامحها؟ أم سيثور عليها؟ لكن السؤال الأهم هنا، بعد ثورته، هل ستخمد نيرانه بعدها أم ستنال جزءاً من ثأره؟
بالتأكيد لن يمرق الأمر على خير، فقوة لهجته وحدة ملامحه المُصرة على أخذ الثأر خير إجابة لما سيطولها إن أخبرته.
تعجب الآخر من صمتها وحملقتها به دون داعٍ. بصوته الأجش جذب انتباها إليه.
"في إيه؟ ناديتي لي ليه؟"
"بهدوء تام مصحوب بالبرود في نبرتها، قالت: أني رايدة أروح مع أمي عند خالي."
ضيق مصطفى عينيه عليه بدهشة. مرت دقيقة واحدة فقط عليها دون أن يجيبها بشيء، لكنها سببت لها الذعر من نظراته المبهمة. فغر فاهه مردداً بملامح جامدة ونبرة متجهمة.
"وديه لإيه يعني؟"
ابتلعت ريقها في محاولة منها على مواصلة الحوار معه دون توقف، رغم ذلك خرجت نبرتها مرتجفة بعض الشيء.
"خطوبة أسما ب..."
قاطعها مصطفى بصرامة.
"دي لسه عليها أيام!"
لم تستطع مواجهة عينيه لمدة أطول، أخفضت بصرها مُصرة على ذهابها.
"معلاش أني رايدة أكون وياها من بدري يمكن تحتاجني في حاجة."
طلب ورد للذهاب أثناء مشادتهما سوياً كان بمثابة تخليها عنه، وهذا ما اعتقده مصطفى. أخذ نفساً عميق، فعليه أن يتأنى في تفكيره أولاً قبل أن يجيبها برداً على طلبها. طالعها لوقت ثم أردف بتريث.
"المشكلة اللي بينا تتحل وإحنا مع بعض مش بمشيك يا ورد!"
قطبت ورد جبينها لتفكيره الذي وصل إلى هناك وأنكرت اعتقاده.
"أني مريداش أروح وياها عشان خناجتنا، أني حابة أكون جار بت خالي في فرحتها مش أكتر."
لا يصدق مصطفى إصرارها على الذهاب فعلاً ولم يقتنع بما قالته، فهو يربط بين المشادة الكلامية التي اختلقت بينهم وبين ذهابها من السرايا. ضغط على أسنانه بعصبية، فإن أرادت تركه فليكن لها ذلك.
تجهمت تقاسيمه كما احتلت نبرته وظهرت غليظة صارمة.
"على راحتك يا بنت المنشاوي، طلاما ديه هيريحك."
تعجبت ورد من مناداته للقب عائلتها، فلم يسبق وأن نداها به من قبل. ما هذا الآن؟ أهو غاضب أم راضٍ على ذهابها؟ ربما لن يفرق في تلك اللحظة، الأهم أنها ستغادر، فهي غير قابلة للمواجهة بعد.
كاد أن يوليها ظهره لكنه تراجع ليسألها.
"وعلى أكده رايدة تمشوا ميتي الليلة ولا بكرة؟"
أسرعت ورد بالإجابة على سؤاله متهلفة.
"الليلة."
التوى ثغره بتهكم، ناهياً الحوار بسخريته.
"تبجي يدوب تلحجي تجهزي حاجتك."
أولاها ظهره فور انتهائه من جملته، فاستشفت هي ثمة أمر في لهجته. صوبت بصرها على طيفه الذي يبتعد عنها رويداً رويداً إلى أن اختفى خلف باب السرايا.
تدرك بأنها سببت لقلبه الحزن بتخليها عنه، لطالما لم يرضَ هو بياتها في منزل آخر غير غرفته، وهي جائت بكل سهولة تخلت عن غرفته وعن حضنه خير أنيس لها وفضلت الذهاب عن مواجهته.
تجزم بأنها لن تنجح في الصمود أمام عينيه دون أن تدلي بالحقيقة، لن تستطيع النوم معه على وسادة واحدة وهي تخفي عنه شيئاً عظيم كالذي علمته من دقائق.
حتى العبرات لا تساعدها على شعور بالراحة، تأبى النزول وكأن العبرات قد جفت جميعها. استدارت نحو السلم وصعدت، فصادفت نزول صفية. طالعتها بأعين لامعتين، فربتت الأخرى على ذراعها دون أن تردف شيئاً وتابعت نزولها إلى الأسفل، بينما أكملت ورد صعودها للأعلى لكي تبدأ في تحضير مستلزماتها التي ستحتاجها فترة مكوثها عند خالها.
تعجبت والدتها من وضعها لأشياء مبالغة وآخرى زهيدة، لو كانت في مكانها لما لتفكر لحظة في أخذهم. تابعت سنية بإنتباه جمعها لأشيائها وأردفت متسائلة باهتمام بعد أن حمحمت.
"واخدة كل الحاجات دي على فين يا ورد؟ دول كلتهما يومين وهتعاودي تاني."
توقفت ورد عن جمع البقية ورفعت بصرها على والدتها هاتفة بجمودٍ قاسٍ.
"شكلها مفيهاش عودة ياما."
دنت منها السيدة سنية عاقدة حاجبيها بغرابة من جملتها المريبة مرددة بتوجس شديد.
"واه ليه بتجولي أكده يا ورد؟"
واصلت ورد تجميع النواقص مجيبة إياها والرفض لما يدور داخلها مسيطر على مشاعرها.
"مخابراش، بس كان فيه حاجة جواتي بتجولي أكده."
رددت السيدة سنية مستاءة من لسانها الذي يقدر البلاء قبل وقوعه.
"بكفياكي حديت ماسخ يا ورد، هتعاودي لدارك بس بعد ما تريحي أعصابك في اليومين دولهما ومتجدريش البلا جبل وجوعه تاني، اتفائلي بالخير يابتي تلاجيه في خطوتك."
التوى ثغر ورد للجانب بتهكم، بربها أي خير سيأتي من خلف ما تسببت به؟ لقد ساهمت في قتل نفس بكل أنانية دون أن تنظر لعواقب الأمور. أي خير تتحدث عنه إن علم مصطفى بأنها العامل الرئيسي في مقتل أخيه الذي عزم على أخذ ثأره ممن حاول قتله؟ حتماً سيأخذه منها قبل أن يرف له جفن.
ظلت أفكارها تتأرجح ما بين الذهاب والإياب، مشاعر عدة تجتاحها لكن الشعور الأقوى من بينهم هو الخوف مما هي مقبلة عليه.
عاد طاهر إلى غرفته بعد أن علم بمراد والده. نظر إلى حيث تركد مروة مردفاً.
"جومي جهزي حالك أهلك جاين يطلبوا يد صباح لضيف."
قطبت مروة جبينها بغرابة من كلماته التي تصغي إليها لمرتها الأولى وهتفت بعدم استيعاب.
"ضيف أخوي هيتجدم لصباح اختك!"
شعر طاهر بالحيرة من ترديدها لحديثه وكأن هناك ثمة في الأمر يجهله. تجمدت تعابيره وهو يسألها بتجهم.
"فيها حاجة ديه؟"
أسرعت هي بالنفي معللة سبب غرابتها للأمر.
"لاه بس يعني أمي كانت بتتحدت معايا على المحمول الصبح ومجابتش سيرة فمستوعبتش وأنت بتجول."
تفهم طاهر موقفها وانتبه كليهما على رنين هاتف مروة التي تبسمت ما إن رأت اسم والدتها ينير الشاشة وأجابتها متلهفة.
"كنا لسه في سيرتك ياما."
ابتعدت عنه مروة لكي تكون على راحتها في الحديث مع والدتها. لاحظ طاهر تصرفها فدلف للخارج تاركاً لها بعض المساحة.
في الغرفة المجاورة، تقف صباح تتمايل بجسدها أمام المرآة، هي من انتصرت في النهاية، بفضل ذكائها الداهي أوقعت بشباك ضيف المغلوب على أمره.
أولت صورتها المنعكسة ظهرها وتوجهت إلى خزانتها وهي تتغتج يميناً ويساراً بفرحة عارمة، أخذت تجذب جميع ثيابها وتلقي بهم أعلى الفراش. وقفت أمامهم واضعة يديها في منتصف خصرها تريد التأني في تنقية أفضلهم، فاليوم ليس يوماً عادياً، بل سيقرأ الحضور الفاتحة مباركين علاقتها بضيف.
لا تصدق إلى الآن، اليوم أسعد أيام حياتها، بل هو بكل حياتها. أخذت تزفر أنفاسها بسعادة ثم بدأت تستعد لتجيهز نفسها لإطلالة تليق بكونها عروس.
انتهت ورد مما تفعله مع غروب الشمس، طالعت الغرفة بحزن واضح وكأنها لن تحظى بدخولها ثانيةً. أفكارها تزداد سوءاً كلما أدركت هول المصيبة الذي تسببت فيها.
سحبت حقيبتها ومن ثم نادت على والدتها التي تقف في الشرفة تلتقط أنفاسها بدلاً من ضغط جدران الغرفة عليها.
"أني خلصت ياما."
جائت السيدة سنية وعيناها يشع منهما الندم الشديد بسبب زلة لسانها التي أوقعت بإبنتها في تأنيب ضمير وإيلام لا ينتهي. لم يكن لديها ما تقوله لها، فمهما أردفت الأن سيكون هباءاً، ففضلت الصمت في تلك الأثناء حتى تستجمع ورد شتات وجدانها ثم يتحدثان معاً.
ولجن إلى الخارج ومن ثم هبطن درجات السلم معاً، تفاجئ خليل بحقيبة ورد التي تجرها خلفها، والأحر أن مصطفى جالس بجواره ولم يتحرك خطوة نحوها.
عقد حاجبيه بغرابة وألقى بسؤاله في الوسط بصوته الأجش.
"واه واخدة شنطتك وعلي فين يا ورد؟"
ازدردت الأخرى ريقها وحاولت جاهدة أن تجمع كلمات تجيبه به، فعقلها متوقف ولا ينتج أي أفكار سوى رسم مواقف لمصطفى وهو ينال منها بعدم رأفة.
تدخلت السيدة سنية حين لاحظت الحالة التي تسيطر على إبنتها وصعوبة حديثها.
"بت أخوي ماهر خطوبتها الجمعة الجاية وهنروحوا ويا بعضنا وتبجي ورد تعاود وجت ما الخطوبة تخلص."
لم يقتنع خليل بتلك التراهات، فمازال هناك العديد من الأيام، كيف ستقضيها بعيداً عن منزلها؟ وجه بصره تلقائياً على مصطفى الساكن على غير عادته وحاول أن يخترق سكونه بحديثه.
"ما تجول حاجة يا مصطفى ساكت ليه؟"
بجمودٍ في نبرته أجاب والده.
"هي رايده تهمل السرايا معنديش جول بعد اكده."
استشف خليل عدم رضا مصطفى برحيلها وعلى ما يبدو لا يود إحزانها، لكنه لن يرضى إحزان ولده أيضاً. حمحم لـ يلين من حشرجته هاتفاً بأمر.
"يبجي تخليكم لبكرة ياجماعة السفر في الليل مهواش أمان."
كان يحاول كسب المزيد من الوقت في صالح مصطفى، ربما ينجح في تغيير موقف زوجته من المغادرة، على الرغم من تعجبه لحالة مصطفى الهادئة وأسلوبه يعكس ما يخفيه بداخله، فهو لم يرضخ يوماً لشيء لا يقتنع به، إذاً لما الأن؟
ردت عليه السيدة سنية محاولة الفرار من البلدة وما فيها من أعباء تكثر كلما عاودت إليها مرة أخرى.
"اعذرنا يا عمدة بس الجطر هيفوتنا."
اتسعت حدقتي خليل بذهول كما لم يكن مصطفى أقل منه ذهولاً، فأي قطار تتحدث عنه؟ حرك رأسه مستنكراً ما يحدث وما يزيد الطين بلة أنه لا يقدر على مواجهتها ورفض تلك السخافات التي تقوم بها، فهي اختارت وقت غير مناسب بالمرة لذهابها وهذا ما أخذه مصطفى بعين الاعتبار.
حمحم خليل أبِه خروجهم من السرايا اليوم، فالرفض يتجلى في أعين ولده وعليه أن يفعل ما يمكنه فعله لكي يعطيه فرصة التحدث معها وإخبارها بعدم رغبته في ذهابها.
نادى صفية بنبرة مرتفعة.
"صفية."
جاءته بخطى سريعة فأمرها بصرامة.
"جهزي أوضة الضيوف لأم ورد."
وجه بصره عليهم متابعاً حديثه الأمر قبل أن تقاطعه إحداهن باعتراض.
"تقضوا الليلة إهنه وبكرة إن شاء الله مصطفى يوصلكم بالعربية بلاها حكاية الجطرات ديي مبطمنلهاش."
أغلق جميع السبل أمامهم بحديثه الذي لن تتجرأ إحداهن اعتراضه. أخرجت ورد تنهيدة مرهقة، فهي تود الفرار من هنا غير مستعدة لمواجهة أعين مصطفى، تريد المضي بعيداً مهما كلف الأمر، لم يكن أمامها سوى الرضوخ، فهو حكم ولابد من تنفيذه.
تركت حقيبتها مكانها، ففي النهاية هما ليسوا سوى عدة ساعات ستقضيها وتغادر. لم يعجب خليل بتصرف ورد وقبل أن تصعد للأعلى أمر ولده بنبرة تميل إلى الحدة.
"مرتك باينها مجدراش تطلع بالشنطة شيلها أنت عنيها."
أزفرت ورد أنفاسها بضجر، فخليل يضغط عليها دون أن يعي ما يفعله بها. تابعت صعودها إلى الأعلى برفقة والدتها بينما توجه مصطفى إلى تلك الحقيبة اللعينة وحملها ثم صعد عائداً إلى غرفته. لم يتوقع عدم وجود ورد فيها، بالتأكيد لازالت برفقة والدتها. شعر مصطفى بغرابة تصرفاتها، فلما كل هذا؟ فالمشادة لم تكن عظيمة كما تتصرف هي نتيجة لها. عزم بأن يحادثها ويراضيها، فهو لن يقدر على بعدها عنه تلك الأيام. جلس على طرف الفراش يطالع ساعة الحائط بفروغ صبر في انتظار عودتها.
اجتمعت العائلتين في منزل حمدان أبو "العروس"، تبادلا الترحيب فيما بينهم بحفاوة شديدة، فاليوم مناسبة خاصة فريدة من نوعها.
يجلس ضيف برفقة والده وزوج شقيقته، وعلى الجانب الآخر يجلس حمدان وإلى جواره ولده طاهر، يتسامرون في الحديث غير آبهين لشرود ضيف وعدم انتباهه لما يتناولونه في الوسط.
في المجلس النسوي، تجلس ثريا مرحبة بأميمة، فالجلسة قد تكررت لكن الأدوار اختلفت. حضرت صباح حاملة لصينية المشروبات والحلوى، وضعتها أعلى الطاولة ثم رحبت بالحضور وسعادتها تتحدث عن نفسها.
لم تتحل بالحياء كالفتيات في موقفها ذاك، بل كانت تشاركهم أطراف الحديث ومن آن لآخر تفتح هي بعض المواضيع المثيرة لكي تجذب انتباههم إليها.
في الخارج وبعد أحاديث عدة قد تسامروا فيها، بدأ الحاج حنفي في إدلاء ما جائوا لأجله بعد أن حمحم قائلاً.
"جاتني يا حمدان جبل سبوع وأيام تطلب يد بتي لابنك ويشاء الجدر الجعدة تتعاد تاني بس المرة دي أكون أني أبو العريس."
فغر حمدان فاهه مشكلاً ابتسامة عريضة لتظهر أسنانه الصفراء المثيرة للاشمئزاز.
لم يتردد في إبداء موافقته بتهلل.
"هنلاقي ضيف فين يا حاج حنفي؟"
بادله الآخر ابتسامة وسأله للتأكيد.
"يعني أفهم من أكده إنك موافق يا أبو طاهر؟"
أسرع حمدان في الرد عليه بتلقائية عابثة.
"ونجروا الفاتحة كماني."
رفع جميع الحاضرين أيديهم يباركون العلاقة بقراءة سورة الفاتحة بعدما أعطوا خبراً للنساء ليفعلن ذلك معهم.
"ولا الضالين أمين."
انتهى حمدان من الفاتحة ثم عاد ببصره إلى ضيف قائلاً.
"مبروك يا عريس."
انتبه الجميع لحالة ضيف المريبة حينما لم يجيب على مباركة حماه.
حمْحم إبراهيم ولكزه في ذراعه لكي يلفت انتباهه.
انتبه ضيف لفعلته ورمقه في حالة توهان شديدة.
فعلل الآخر سبب لكزه له.
"حماك بيباركلك."
أشار إبراهيم بأهدابه حيث يجلس حمدان.
فَوَجَّه ضيف بصره نحوه وبنبرة متلعثمة هتف.
"الله يبارك فيك."
تعجب طاهر من أمر ضيف، فحالته تشبهه كثيراً يوم تقدمه لطلب يد مروة.
أهو مجبوراً على زيجته من أخته هو الآخر أم يعطي للموضوع أكبر من حجمه؟
ارتفع صوت حنفي في الأرجاء موجهاً كلماته إلى زوجته قائلاً.
"جدمي الدهب يا أم ضيف."
أجابته من الداخل بقولها.
"تمام."
نهضت أميمة بعدما سحبت علبة صغيرة واقتربت من صباح التي تتلهف لرؤية ما يوجد بها.
تبسمت أميمة بحرج ثم فتحت العلبة فبرق لمعان الخاتم في عيني صباح.
لوهلة لم تريد التخمين أنه ألماس قبل أن تأكد لها أميمة ذلك.
حمْحمت أميمة وساعدتها في ارتدائه متممة حديثها بـ.
"ديه ألماظ ميجايش إلا للغالين."
رباه! لقد أكدت لها أميمة حدسها.
دقت أساريها بسعادة مفرطة لا تسعها.
لم ترفع بصرها من على الخاتم غير مصدقة أنها ترتدي ألماس حقاً كما في الأفلام تماماً.
كم ودت أن تضعه في وجه ابنة عمها بعجرفة، فعلى الرغم من زيجتها من ولدي العمدة إلا أنها لم تحظى بنصف ثمن ذاك الخاتم.
أخرجت تنيهدة حارة وهي تتخيل وجه ضيف المحتقن وهي تبارك له لعلاقتهم التي بدأت للتو.
انتبهت على صوت والدتها وهي تقول.
"الغالين ميجدموش غير الغالي كيفهم يا أميمة، تسلمي أنتِ وولدك."
أجابتها أميمة بدون تكلف.
"متجوليش أكده يا ثريا، صباح ديي كيف بسمة ومروة."
تولت صباح الرد عليها مازحة.
"كيفهم ايه عاد يا خالتي، اني أكده مجوزش لولدك."
انفجرت أميمة ضاحكة كما شاركنها الأخريات وتفوّهت من بين قهقهتها.
"شوف البت لاه ناصحة يا صباح، خلاص ولا تزعلي غلاوتك من غلاوتهم."
بسعادة واضحة ردت عليها.
"اذا كان أكده يبجي ماشي."
تابعن الحديث فيما بينما في الخارج سأل حمدان بحماسة ظاهرة في نبرته.
"وكتب الكتاب هيكون ميتى أن شاء الله كيف ما عملنا في طاهر ولا..."
قاطعه ضيف ناهياً سخافته التي يريد الوصول إليها.
"لاه."
توجهت الأنظار إليه متعجبين من رفضه.
فحاول هو إيجاد مبرراً لرفضه الذي خرج عفوياً.
"أني حابب يكون لي دار لحالي مش مع أبوي وأمي وديي محتاجة وجت ياما."
قام حنفي بالرد على حديثه هاتفاً بنبرة غلظة.
"الدار وموجودة وانت بنفسك اللي شاريه، ولو على كد التجهيزات فيه ملحوجة تخلص في شهر ويمكن أجل كمان."
لا يهم شهر من عام، الأهم أنه أجل ميعاد زيجته من تعيسة الحظ صباح.
تبادل حنفي مع حمدان أطراف الحديث عن التجهيزات وما عليهم من مستلزمات سيحتاج إليها المنزل.
أبي ضيف وبشدة أن تسكن إمرأة فيه غير فتاته.
ترفض أذنيه سماع المزيد من الترهات التي يتحدثون فيها.
حاول إشغال عقله بشتى الطرق حتى لا يفقد صوابه ويهدم المكان من حوله بكل ما أوتي من قوة، وحينذاك لن يقع الإيلام إلا عليه.
***
خرج مصطفى من شرفة غرفته ناهياً حواره مع ضيف الذي أخبره عن زيارته لمنزل صباح وطلب يدها رسمياً.
"أنت مش بتكسب وجت يا ضيف، أنت بتلعب بالبت تاني."
انفجر ضيف وأخرج ما في جوفه بعصبية شديدة.
"جولي أنت رايدني اعملوا ايه، بجولك بت الرفدي ديي بتإذي أختي، رايدني أجف اتفرج عليها لما الأذي يكون كابير في مرة!!، محدش حاسس بيا أنا جلبي عيتمزع بسبب التانية اللي مجدرش اتجوزها وهي كل دنيتي!، ومجدرش أهرب من بت حمدان لاجل أختي وأنت جاي تلومني كاني مش بشر عشان اللي بيحصولي ديه!!"
لمح مصطفى طيف ولوج ورد بعد ساعاتٍ قضتها برفقة والدتها.
كز أسنانه بعصبية وهو يطالعها.
عاد إلي صديقه قائلاً.
"أهدى لاول يا ضيف عشان نعرفوا نتحدتوا، هكلمك بعدين."
أنهى معه المكالمة وعينيها مازالت مثبتة عليها بغيظ وبصرامة باغتة أردف.
"كنتي بيتي الليلة ديي مع أمك!"
ابتلعت ورد ريقها ولم تقدر على مواجهته أكثر من خمس ثوانٍ وسريعاً ما أخفضت رأسها ولن تعقب على ما قاله.
حاول مصطفى لبس ثوب الصبر الذي لا يشبهه، فهو
نهض من فراشه مردفاً بنبرة متحشرجة:
– لسّاتك مُصرّة على السفر؟
نهضت هي الأخرى ودنت منه ثم قالت بنبرة رقيقة:
– هنعيدوه تاني يا مصطفى!!
أخرج زفيراً عميقاً وردد بعدم رضاء:
– مهجدرش أبعد عن العيون الزرج ديي كاتير.
أجبرت نفسها على رسم ابتسامة لم تتعدى شفاها، فضميرها لا يتركها وشأنها منذ معرفتها بحقيقة قتل هلال، وهتفت متوسلة:
– متصعيبش الموضوع يا مصطفى، دول كلاتهم يومين ومعاودة.
رقّقت من نبرتها وأضافت:
– عشان كمان تتوحشني.
انحنى مصطفى على شفتيها وطبع قبلة حارة عليهما ثم ابتعد مردداً:
– ربنا يصبرك يا مصطفى على اليومين دول.
بادلته ضحكة عفوية ثم حثته على الاستعجال من أمره بقولها:
– يلا بجا روح إلبس خلجاتك عشان نمشوا.
لَقِف مصطفى ثيابه التي تناثرت في أرضية الغرفة ليلقيها في صندق الثياب المتسخة. حظي باستحمام سريع ثم دلف للخارج محاوطاً خصره بالمنشفة وتابع سيره إلى فراشه التي وضعت ورد أعلاه ثيابه الجديدة.
كانت تتابعه باهتمام واضح حتى شردت بذاكرتها إلى ليلة أمس حين سبقته هي داخل الغرفة ووقفت في منتصفها تخلع ثيابها. شعرت باقترابه منها فرجف جسدها فجأة. أجبرها على النظر إليه وواصل هو خلعه لثيابها مردداً بنبرة خافتة:
– أنت بتعملي أكده معايا ليه يا ورد، مكانتش مشكلة صغيرة حصلت لكل ديه.
صوّب بصره على زرقاوتيها وبهيام تابع متسائلاً:
– يهون عليكي مصطفى واللي بتعمليه فيه ديه؟
تأثرت من سؤاله وخفق قلبها حزناً لنبرته التي يتملكها الشجن. لامت نفسها على معاملته الجامدة التي بادرت بها ودوماً ما تصدّه بها، لكنه أهون من أن تعامله بحسنة وتنافقه.
تعترف بأنها لم تعد تستطيع تلبس ثوب البرود بعد نبرته التي حدثها بها. تبخر جمودها المصطنع وتمنت أن تتودد إليه لكي تعتذر عما بدر منها ولربما تشبع منه فهي غير متأكدة من عودتها إلى هنا مرة أخرى.
أوصدت عينيها لتجمع شجاعتها في فعل ما تريده ثم أردفت بخجل واضح:
– اللي هتشوفه مني ديه ياريت متتعجبش منيه ولا تسأل عن سببه واصل، سيبني على راحتي أطلع اللي في جوفي يمكن أرتاح وجتها.
رحب مصطفى بما تنوي على فعله دون علم له بحقيقة ما هو مقبل عليه. جمعت ورد قواها فهي لم يسبق وأن بادرت هي في فعل ذلك لكنها ستفعلها من أجل كليهما.
اقتربت منه واحتضنت وجهه بكلتى يديها فتفاجئ مصطفى بقبلتها التي خارت قواه إثرها. طالت ورد في قبلتها كما تفننت فيها كما لو أنها ماهرة في ذلك. لم يصمد مصطفى لأكثر وحملها بين ذراعيه ووضعها أعلى الأريكة. تفاجئ بعبراتها تتساقط وكأنها في سباق من فرط سرعتها.
تعجب من حالتها المبهمة وسألها مستفسراً والقلق قد سيطر على خلاياه بالكامل:
– واه بتبكي ليه يا ورد، حوصل ايه؟
أجابته هي بحدة:
– جولتلك متسألش.
تأفف مصطفى من عنادها فكيف سيمنع نفسه من سؤالها وهو يراها على حالة مريبة. حاول التحلي بالهدوء لكي يطمئنها منه، ربما حينذاك تخبره بحقيقة أمرها.
تشبثت في عنقه تحثه على متابعة ما توقف عنده، لكن كيف وهي مازالت تبكي، كيف يستطيع مواصلة ما تريده وعبراتها تتساقط. ألا ترأف بقلبه الذي يعتصر ألماً على تلك الدموع المنهمرة!!
في النهاية واصل مصطفى ما توقف عنده حين رأى إصرارها متعمداً المعاملة معها برفق لعله ينجح في تبخر حزنها. كانت عبراتها تكثر كلما شعرت بأنها المرة الأخيرة لها معه. كلما حاولت السيطرة عليهم يعودون في التساقط مجدداً فهي والله لن تتحمل فراقه عنها!
طبع مصطفى قبلة على جبينها وهمس لها وهو يملس على وجنتها بنعومة:
– بكفياكي بكا يا ورد.
تنهدت هي وعقلها يتخبط بين إخباره بالحقيقة وبين إخفائها كما هي مخبئة. لا تعلم أيهما الأصلح لكنها تود الإفصاح حتى وإن كلف الأمر ما لا تتحمله هي، يكفي بأنها ستتحلى براحة البال.
طالعته لبرهة حاسمة أمورها وبنبرة تريد الخلاص هتفت:
– ............
رواية عرف صعيدي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم تسنيم المرشدي
انتبهت على صوته الذي قطع عليها حبال أفكارها بقوله:
- اديلي ساعة بنادي عليكي، غيرتي رأيك إياك!
انتفضت من مكانها نافية ظنه:
- لاه يلا بينا.
اقترب منها مصطفى وتناول يدها بين عقدة ذراعيه وبيده الأخرى حمل حقيبة سفرها، حمدت ورد ربها سراً بأنها تراجعت عن ما نوت الإفصاح عنه واختلقت مساراً آخر لحوارهما غير الذي كانت تسير عليه.
هموا إلى الخارج فتقابلا مع السيدة سنية في الممر المشترك بين الغرف، أسرع مصطفى نحوها وحمل عنها حقيبتها قائلاً:
- عنك يا أم ورد.
أجابته ممتنة:
- تسلم يا درش.
التفت مصطفى حيث تقف ورد وغمز إليها بعينيه هاتفاً بمشاكسة:
- هستناكي تحت.
أماءت له بينما انصرف هو من أمامهم، اقتربت منها والدتها وعينيها لم تُرفع من على مصطفى بغرابة من أمره وسألتها بحيرة:
- كنت مصطفى مروح النهاردة!
أخرجت وردة تنهيدة مهمومة وبنبرة مرهقة ردت عليها:
- مصطفى ميستاهلش الحزن ياما مجدرتش أتبارد وياه رغم أن جوفي مفيهش غير خوف.
تأففت لتلك الظروف التي قلبت حياتها رأساً على عقب بين ليلة وضحاها، ربتت والدتها على ظهرها بحنو مصحوب بالشفقة على حالتها وقالت مواسية إياها:
- ربنا كبير وجادر يجبر بخاطرك يا حبيبتي.
بنفاذ صبر أردفت بتوسل:
- يارب هون بقى.
تابعن سيرهن إلى الطابق الأول، بينما على الجانب الآخر لم يرضي خليل ذهاب ورد فلقد ظن بإعطاء مصطفى فرصة معها سينجح في إقناعها بالبقاء وعدم الرحيل لكن ما يهون عليه وجه مصطفى البشوش الذي يؤكد عدم رفضه للفكرة فذلك يكفيه.
قابلهم بإبتسامة وألقى التحية عليهم:
- صباح الخير يا جماعة.
أجابنه في نفسٍ واحد:
- صباح النور.
نادى خليل بنبرة جهورية أثارت فضول الواقفين:
- عسران.
أعادت ورد وشاحها على وجهها ومن ثم حضر عسران ملبي نداء سيده:
- نعم يا عمدة؟
حادثه خليل بأمر:
- حضر الحاجة اللي اتفاجنا عليها وخلي الرجالة يحملوها في عربية مصطفى.
أماء له بطاعة ثم هم لتنفيذ ما أمر به خليل، هبطت السيدة نادرة بعجالة لكي تلحق بورد قبل أن تغادر مرددة:
- زين إني اللي لحجتك قبل ما تمشي.
اقتربت منها معانقة إياها بحميمية لم تسبق وفعلتها وبصوت خافت همست لها:
- اوعاكي تنسي الوعد يا ورد!
اهتزت ورد بقوة إثر تذكرها لذلك الوعد التي كادت أن تخونه، ابتلعت ريقها وطالعتها دون حديث لكنها اكتفت بإيماءات من أهدابها لتطمئنها.
حضرت صفية هي الأخرى لتودع ورد بحرارة:
- توصلي بالسلامة يا حبيبتي.
دنت منها وهمست بقرب أذنيها:
- ويعينك على اللي عتتحمليه.
اكتفت ورد برمقها ممتنة لدعائها ثم انصرفت صفية إلى حيث جائت، ودعت السيدة نادرة سنية ثم انحسب الجميع إلى الخارج فتفاجئت ورد ووالدتها بهذا الكم الهائل من صناديق الفاكهة وآخرى مليئة بالخضراوات، يوجد مالذ وطاب من جميع الأنواع التي تشتهيها النفس، التفت سنية إلى خليل متسائلة بخجل شديد مسيطر على نبرتها:
- لإيه ديه كلها يا عمدة؟
أجابها بتلقائية دون تكلف:
- ديي زيارة بسيطة مش من جيمة أستاذ ماهر.
تلونت وجنتيها بالحُمرة وأردفت شاكرة فضله:
- مكنش له لزوم كل ديه كاتير جوي ربنا يزيدك من فضله.
بصوته الأجش قال:
- ولا كاتير ولا حاجة إحنا أهل.
أعادت سنية شكره مراراً بينما هتفت ورد عالياً:
- بس كل ديه مهتكفيهش عربية مصطفى وحديها.
تدخل مصطفى مجيباً إياها مستاءً:
- ديي رنج روفر يا ورد مش ١٢٨.
فغرت ورد فاها ببلاهة فلا علم لها بأنواع السيارات وإلتزمت الصمت لحين انتهاء الرجال من وضع الصناديق في السيارة ثم ودعت خليل ونادرة قبل أن تهم بالمغادرة.
استقل الجميع في مقاعدهم ثم تحرك بهم مصطفى مبتعداً عن السرايا بعدما قال بصوت مسموع:
- بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله.
حمحم بخشونة وأمر ورد بلطف:
- اربطي حزامك يا ورد إحنا هنطلعوا على طريج سفر والسرعة هتبجي عالية.
أماءت له بقبول وحاولت ربط حزام الأمان كما أمرها لكنها فشلت في جذبه فكان ثقيلاً للغاية، وجهت بصرها على مصطفى وأخبرته بعدم استطاعتها في جذبه:
- مجدرتش أشده تجيل جوي.
لم يتفاجئ مصطفى بما قالته لأنه على علم بمتانة الحزام ويصعب عليها شده بقوتها الهزيلة، دعس على مكبح السيارة فتوقفت تلقائياً ثم اقترب منها وقام بجذب حزام الأمان من جوارها وحاوطها به.
تفاجئ الجميع لذلك الصوت الدخيل:
- بتعمل ايه يا ابن الجبلاوي في نص الطريق أكده ملكش دار تلمك.
عاد مصطفى إلى وضعه وطالعه بنظرات مشتعلة مجيباً إياه بحنق:
- شكلي إني اللي هلمك في نص الشارع يا ضيف.
قهقه الآخر عالياً فمزاجُه يسمح له بمشاكسة مصطفى دون خوف من ردة فعله فهو على أتم الاستعداد لمواجهة يده الغليظة ناهيك عن كلماته الفظة فسيتقبلها بصدر رحب.
لكزه مصطفى في ذراعه بقوة وغمز إليه لثقته التي يحادثه بها:
- معلوم خيلان علينا، من حجك تدلع مين كدك.
ازدادت ضحكات ضيف ثم حرك يديه اليمني على صدره بحركات دائرية وبلهجة متعالية صاح:
- على قولك محدش كدي يا ولد العمدة.
أستند ضيف بمرفقيه على نافذة السيارة وأضاف:
- يلا اتوكل أنت عشان تعاود قبل ما الليل يليل.
أزاح مصطفى يدي الآخر من على سيارته وقام بالرد عليه وهو يبتعد عنه:
- هعاود لك ونوجبوا معاك يا...
چحظت عيني ضيف بصدمة وأرسل إليه إشارات تحثه على عدم متابعة ما يريد تفوهه فليس بحين يسمح له بمنداته باللقب الذي يدور في مخيلة مصطفي الأن.
تعالت ضحكات مصطفى على منظر ضيف ثم اعتدل في جلسته وتابع طريقه بسرعة متوسطة لحين الخروج من البلدة ثم سيزيد من سرعته.
توجه مباشرة إلى منزل حبيبته لطالما افتقدها منذ البارحة، طرق بابها ووقف أمامه يعد الثوانِ لكي تطل هي بطلتها البهية التي يعشقها.
فتحت له وتفاجئت بوقوفه، اتسعت مقلتيها بذهول ثم مالت برأسها للجانب متفحصة المكان من خلفه جيداً، عادت لتنظر إليه عندما تأكدت من خلو المكان وعاتبته بحدة:
- جاي تعمل ايه يا ضيف أمي مهياش إهنه.
قلب عينيه مستاءً وبلهجة ثابتة قال:
- خابر وعشان أكده جيت وجلبي مطمن.
عبست بوجهها فلم تحب نبرته الوقحة التي حدثها بها وحاولت إقناعه في الذهاب:
- طب يلا مش اطمنت روح شوف حالك بعيد عن إهنه.
بإصرار ورغبة ظاهران في عينيه هتف:
- أشوف حالي بعيد! مش لما أشوف حالي معاكي لاول.
دفعها للداخل وهو يتمتم بنبرة حارة:
- اتوحشتك جوي يابت.
حاولت الفرار منه لكنه فرد قوته عليها مقيداً إياها بكلتي ذراعيه هامساً بنبرة خافتة:
- تعالي داني مصدجت تجومي تهروبي مني.
وضع يده علي فمها يمنعها من التحدث ثم ركل الباب بقدمه فأنغلق دون مجهود منه ثم غاص في موجات حبه معها دون خوف أو تردد.
بعد مسافة طالت لما يقرب الساعة أوقف مصطفى سيارته على إحدى استراحات الطريق، التفت إلى ورد التي طالعته باستغراب فأوضح لها:
- هنزل أجيب فطار رايدين حاجة معينة؟
حركت رأسها نافية:
- لاه.
بينما قالت والدتها ممتنة:
- تسلم يا حبيبي.
ترجل مصطفى من السيارة وتوجه مباشرةً إلى الإستراحة، قام بشراء مالذ وطاب للفطور وأيضاً نقانق تسليهم لحين وصولهم، عاد إليهم بعد مدة ليست بطويلة، ناول كلتاهن طعامهن ثم شرع ثلاثتهم في تناوله دون حديث.
كان الأسرع من بينهن في إنهاء طعامه، التفت إليهن وسألهن باستفسار:
- لو اتحركت بالعربية تضايجوا؟
نفت السيدة سنية أي مضايقة قد تقابلها في ذلك بقولها:
- لاه يا حبيبي اتوكل على الله.
بادلها إبتسامة عذبة ثم تحرك بالسيارة متابعاً طريقه بسرعة متوسطة ازدادت مع مرور الوقت، شعرت ورد بالغثيان يجتاحها بسبب طعامها الذي لم يُهضم بعد.
حاولت الصمود قدر المستطاع إلى أن فقدت سيطرتها على التماسك، أوصدت عينيها لعل دوران رأسها يخمد قليلاً، مدت يدها وبحثت عن ذراع مصطفى التي تشبثت به ما أن شعرت به في ديها وشدت عليه بتعب.
مال مصطفى رأسه عليها متعجباً من أمرها فأسرعت هي قائلة:
- وجف وجف.
وضعت يدها علي فمها ثم ترجلت من السيارة سريعاً ما أن صفها مصطفى جانباً، ترجلا كليهما خلفها بقلبٍ مرتعب ووقفوا خلفها متابعين لها، تقيأت ورد ما تناولته بصعوبة، حاول مصطفى التخفيف من عليها بشد قبضته على رأسها إلي أن شعرت هي ببعض الراحة.
أعتدلت في وقفتها تلتقط أنفاسها التي ضاعت منها، في تلك اللحظة قد أحضرت لها السيدة سنية زجاجة مياه لكي تغسل فمها وكلتي يديها وبتوجس واضح سألتها:
- بجيتي أحسن؟
أماءت مؤكدة لها ثم وضحت سبب حالتها المفاجئة:
- من وقت ما دوجت الوكل وأني مش مظبوطة كانه طابج على نفسي بس الحمدلله بجيت زينة.
تنهد مصطفى براحة ثم قال:
- سلامتك يا وردتي.
بادلته إبتسامة رقيقة مرددة بإمتنان:
- الله يسلمك.
أعادت وضع وشاحها على وجهها وعادت معهم إلى السيارة ثم تحرك بهم مصطفى بعدما تأكد من أنها بحالة تسمح له بالتحرك، ساد الصمت بينهم طيلة الطريق لم يردف منهم أي أحاديث فالمشاعر كانت أكثر سيطرة عليهم، فمنهم من يخشى فراق الحبيب والآخر يخشى الليل الذي سيقضيه بمفرده والأخرى تتخبط بين الندم والحزن لزلة لسانها التي قلبت كيان ابنتها بالكامل.
دفعته بعيداً عنها وصاحت به منفعلة:
- جولت لك بعد عني، إلزم حدودك يا ضيف.
طالعها مستاءً من هروبها منه المستمر وهتف بحنق:
- أباي عليكي هتوك تهروبي مني أكده لميتي أني ما صدجت يا صفاء.
إمتعضت صفاء من سؤاله وهاجمته معاتبة:
- جولتلك أمي مهياش إهنه وجعدتك جاري لوحدينا متنفعش وانت مصُر بردك.
تجهمت تعابيره ثم أولاها ظهره وجلس على أقرب أريكة قادته قدماه إليها وبفتورٍ قال:
- أني جولت الحل اللي يريحنا وأمك موافجتش يبجي أني ذنبي ايه عاد؟
تأففت صفاء بضيق فالأمور تزداد تعقيداً، أخذت شهيقاً عميق وتوجهت إليه، جلست بالقرب منه متمتمة بقلة حيلة:
- لأنه مهواش حل يا ضيف، أنت خابر اللي ممكن يوحصل لو وافجت على اللي رايد تعمله! أني ممكن اتفضح في البلد كلاتها لو حد بس جالي عني كلمة بطالة.
برزت عروق عنق ضيف من فرط غضبه الذي يكظمه لكنه لم يستطع منع نبرته الحادة التي تحدث بها:
- اجطع لسان أي حد يتحدت عنيكي أكده ولا أكده لساتك مخابراش أني ممكن أعمل ايه عشانك.
كست الحُمرة وجه صفاء، أخفضت رأسها وبحياء شديد علقت على حديثه وهي تفرك أصابعها:
- معلوم عرفت بلي عملته امبارح ديه.
لم تصدق أذنيه ما صغت إليه لتوها وهلل بسعادة دقت طبول قلبه:
- إيوة بجا حني على الغلبان اللي طالع عينه عشان تبجي ملكه.
اتسع ثغرها ببسمة خجولة فلم يقاومها ضيف فكل جوارحه تطالب بالتودد إليها ربما يشعر بالكفاية من حاجته إليها، لم يصمد طويلاً واقترب منها فأشارت إليه محذرة إياه بسبابتها:
- رايح فين؟
بنبرة ولهانة أجابها وهو يتابع اقترابه منها:
- رايح أرتوي.
سمح لنفسه بلمس شفاها بأريحية لم يعهدها من قبل بينما لم تنجح هي تلك المرة في إبعاده عنها فلقد تمكن منها حتى شعرو بإرتخاء عضلاتها المشدودة واستكانت بين ذراعيه.
بعد برهة أبتعد عنها فلم تتجرأ هي على رفع عينيها عليه وظلت منكسة الرأس لبعض الوقت، إلتوى ثغر ضيف للجانب مشكلاً إبتسامة عريضة لحيائها الذي يعجبه كثيراً، حمحم بخشونة وأردف:
- اومال لو مكنتش...
قاطعته صفاء بقولها الذي يحثه علي التوقف ولازالت لا تستطيع النظر في عينيه:
- بكفياك أكده يا ضيف يلا هم وروح شوف أشغالك.
لم يريد ضيف أن يطيل في الأمر يكفيه ما حدث اليوم وبالتأكيد سيحدث الكثير في الغد، سحب نفساً وارتشف من زجاجة المياه التي أمامه ونهض ليهم بالمغادرة:
- ماشي يا صفصف فاصل ونواصل.
توجه نحو الباب ودلف للخارج فأسرعت هي بغلق الباب قبل أن يعود إليها مرة أخرى، تشكلت ابتسامة خجولة على محياها مرددة آخر ما قاله في عقلها، رفعت يدها على فمها وتلمسته بحياء مفرط فلقد حظى بقُبلة فريدة من نوعها اليوم، حركت رأسها تطرد أفكارها التي تسبب لها الهياج في نبضاتها وحاولت إشغال نفسها بالمذاكرة لعلها تنسي ما حدث قبل قليل.
لا يعلمون كم من الوقت مضى، لكن الأهم الأن أنهم قد وصلوا إلى وجهتهم، سار مصطفى في ذلك الطريق الراقي الذي يتوسط البنايات الحديثة المرتفعة.
راقت إليه المنطقة كثيراً فهي عكس ما اعتاد رؤيته في بلدتهم، صف سيارته أسفل بناية خالها حين أشارت إليه السيدة سنية على البيت المقصود.
ترجلت ورد برفقة والدتها بينما أعدل مصطفى من صفه للسياره بعناية ثم ترجل هو الآخر، توجه للأمام وسحب الحقائب من الباب الخلفي، نادت السيدة سنية على حارس البناية أمره إياه بلطافة:
- لو سمحت يا عم جناوي طلع ويانا الشنط ديي.
اماء لها بإحترام مردداً بطاعة:
- أنتِ تؤمري يا أخت الغالي.
شكرته على لطفه ثم رفض الحارس أن يحمل مصطفى لأي حقيبة كانت، حمل جميعهم بهمة وقام بتوصيلهم إلى الطابق المقصود بالمصعد الكهربي، وضع الحقائب أرضاً ثم سألهم مستفسراً:
- تؤمروا بأية خدمة تانية؟
أسرع مصطفى في إخباره فيما نسوه في السيارة:
- معلش يا عم جناوي فيه حاجات في العربية نسيتها تعالوا نطلعوها مع بعض.
رفض الحارس أن يهبط مصطفى مُصراً على حمله لجميع الصناديق بمفرده، بعد مدة عاد إليهم ووضع آخر صندوق معه أرضاً، شكرته سنية بينما دس مصطفى يده في جيبه وأخرج من الأموال قدراً وقام بإعطائه له مردفاً:
- تعبناك معانا يا بلدينا تسلم.
شكره الحارس ممتناً ثم انصرف سريعاً من أمامهم، قرعت السيدة سنية جرس الشقة فجائتها الإجابة بعد ثوانٍ قليلة من قِبل زوجة شقيقها، استقبلتهم بحفاوة شديدة مهللة بلهجة مصرية:
- البيت نور بيكم، ماهر لسه نازل الشغل من مفيش.
أجابها في نفسٍ واحد:
- منور بأهله، يعاود بالسلامة.
جئن الفتيات مرحبين بالجميع وبالأحر ورد التي نالت ترحيب حار فهن قد اشتقن إليها كثيراً وكذلك هي، قطع مصطفى أحاديثهن الجانبية بقوله:
- ما تاجي يا ورد ناخدوا لفة أهنه قبل ما أعاود أني.
على الرغم من تعبها من طول المسافة إلا أنها وافقت برحب فهي لا تعلم ستحظى بتلك اللحظات بعد ذلك أم ستكون الأخيرة!
كاد مصطفى أن يغادر إلا أنه تراجع ونظر إليها بحيرة وألقى بأفكاره في الوسط بصوت عالٍ:
- بس أني مخابرش أي أماكن إهنه هنعاودوا كيف؟
تدخلت عائشة محاولة حل الأمر حيث مدت يدها إلى مصطفى الذي تعجب من تصرفها المبهم وقالت بعفوية:
- هات موبايلك.
مرر مصطفى أنظاره بينها وبين ورد وبهدوء ناولها هاتفه دون علماً بما ستفعله به، مرت دقائق قصيرة لم يعرف الواقفين ماذا تفعل، ها قد انتهت مما تفعله ثم أعادت الهاتف إلى مصطفى وشرحت له ما فعلته للتو:
- بص أنا حددت لك موقعنا على GPS، هتلاقي عندك كل الأماكن التجارية اللي حوالينا واللي على بعد مسافة قريبة مننا موجود اسمها والطريق اللي ممكن توصله منها وفي نفس تقدر ترجع بسهولة.
رفعت عائشة عينها على مصطفى وتابعت بمشاكسة:
- ولا داعي للتصفيق.
بجمودٍ شديد في ملامحه قابلها مصطفى فهو لم يعتاد الحديث مع الفتيات بتلك الأريحية التي تحادثه هي بها، انتظرت عائشة ردة فعله أو ربما شكرها على ما فعلته لكنه لم يعقب فأثار خجلها واضطرت إلى الإنسحاب في صمت.
نظر مصطفى إلى حيث تقف ورد قائلاً:
- مش يلا عشان نلحج نعادوا بدري.
أماءت له بقبول ثم استأذنت من الجميع وهما بالمغادرة معه، عادت عائشة إلى الخارج ما إن تأكدت من ذهابهما وهتفت بوجه محتقن:
- ده حتى مقاليش شكراً!
قهقهن الأخريات عليها وحاولت سنية توضيح الأمر لها:
- معلش يا عيشة بس الرجالة حدانا مبيتعاملوش مع الحريم إلا أهاليهم أو تكون حرمته فيمكن هو استغرب حداك وياه مش اكتر.
ضربت الأرض بقدميها متذمرة فالخجل لم يختفي أثره بعد، اولتهم ظهرها وعادت إلى غرفتها متمتمة بنبرة خافتة:
- وقح.
استغلت مروة قيلولة طاهر الذي يأخذها بعد وجبة الغداء ودلفت للخارج تحظي بجلسة أنثوية برفقة صباح.
طرقت بابها ثم ولجت للداخل حين سمحت لها بالدخول، تفاجئت مروة بجلوسها أعلى الفراش تطالع خاتم خطبتها ولا ترفع عينها من عليه قط كأنها لا تصدق حقاً أنها ترتدي ألماسًا.
أثارت ضحكات مروة عليها وأردفت مازحة:
- كانك ممصدقاش أنك لابسة ألماظ يا صباح.
صعقت صباح مما وقع على أذنيها، احتقن وجهها بغضب وأعادت يدها إلى جوارها وهدرت بها شزراً:
- لاه وأنتِ الصادجة ممصدقاش إن خطيبي اللي هداني بيه مش أمه!
شعرت مروة بأن هناك تلقيحات وقحة تعود إليها، اجتاحها شعور كبير من الخزي ولم تقدر على الوقوف معها في الغرفة نفسها، أخذت شهيقاً وأزفرته على مهل ثم استأذنت منها بحرج:
- أكيد طاهر فاق هروح أطل عليه.
أنهت جملتها ثم أسرعت إلى الخارج بينما قلبت صباح عينيها بتزمجر وهتفت ساخرة:
- لاه اجعدي هبابة يا مروة.
عادت مروة إلى غرفتها تجر قدميها بثقل، جلست على أقرب أريكة قادتها قدميها إليها وجلست أعلاها بإهمال وحديث صباح يتردد صداه في عقلها متذكرة أيضاً لحظة تقديم السيدة ثريا لطاقم الحلي الذي خلعته حينها، فمن المفترض والذوق إن كانت ستهديه به كما أخبرتها وكأن الأمر مرتب كانت تضعه في علبة خاصة به ولا تخلعه أمامهم وبتصرفها النبيل تكون قد أحسنت صنعاً وأنقذت ولدها من موقفه المخجل الذي كاد أن يقع فيه.
جمعت حقيقة الأمور ثم عزمت على فعل الصواب، توجهت إلى خزانتها مباشرةً وتناولت علبة الحلي ثم هرولة إلى الخارج قاصدة غرفة السيدة ثريا على أمل أن تكون هناك.
سمحت لها ثريا بالدخول وهتفت ما أن رأت طيفها يظهر أمامها:
- يا أهلا بالعروسة الجمر.
بادلتها مروة ابتسامة رقيقة مرددة بحياء:
- تسلمي.
أخفضت بصرها بحياء مصحوب بالتردد فيما تنوي فعله لكنها لن ترضى أخذ ما يخص غيرها وامتلاكه له فهي في النهاية لا تحتاج إليهن فلديها الكثير غيره قد أهداها والدها بهم منذ الصغر.
حمحت بحرج ثم ناولتها العلبة هاتفة:
- رايدة أرجع لك حاجة تخصك مهياش من حقي.
وصلا كليهما إلى أقرب مول تجاري قد رآه مصطفى على GPS، لمح بعينه إحدى محلات الثياب النسوية فوجه حديثه إلى ورد بحماس:
- ما تاجي نجبولك طقم جديد على خطوبة بت خالك.
سعدت ورد بذلك الإقتراح كما وافقته أيضاً لكن بشرط:
- وأنت كمان تجيب طقم بس قميص وبنطلون.
عبس مصطفى بوجهه فهذا يستحيل فعله واعترض شرطها بلطف:
- لاه سيبك مني أني الجلابية مريحاني.
تجهمت تعابير ورد بتزمجر وهتفت بضيق:
- تلبسه يوم الخطوبة مش شايف الخلج شكلها جميل كيف.
طالعها مصطفى مستاءً من آخر ما أردفت متسائلاً بتهكم:
- وأني يعني شكلي اللي عفش!
أسرعت ورد نافية ما قاله بتلهف فهي لم تقصد ما استشفه:
- لاه والله مجصدش جصدي أن شكلهم جميل كيف اللي بيلبسوا جلابيب تمام مهياش حاجة عفشة كيف ما بتجول.
بهدوءٍ تمم على حديثه:
- ربنا يسهل يا ورد خلينا نشوفلك حاجة لاول.
ترددت ورد في طلبها لبرهة ثم جمعت شجاعتها وألقتها على مسامعه:
- كنت رايدة اشتري نقاب كيف الحريم اللي ماشين دول بدل ما أني ببجي حاسة إني هتخفى على خلجتي بسبب الوشاح ديه.
لو كانت هتفت بسبابه كان أهون عليه من أن تطلب ذلك، توقف مصطفى عن السير والتفت يمينه حيث تقف هي وبإزدراء أجابها:
- وعيونك تبان للخلج واللي ما يشتري يتفرج!!
تراجت ورد للخلف قليلاً فلقد ارتابت نبرته الصارمة فاستشف هو خوفها وعمل على تهدئة روعه فالحين ليس مناسباً لخلق أي نقاش، أخذ شهيقاً عميق ثم نظر حوله بإمتعاض لأشكالهن اللافتة وصاح عالياً:
- وديه اسمه نقاب، ديه اسمه بواجي قماش، ديي دقنها باينة من قصرها ويدها أول ما تترفع لفوق تبان طوالي، متبصيش للعالم ديي يا ورد.
التفت مصطفى ونظر خلفه فرأى أحد الرجال يقف أمامه بصحبة زوجته وولده الصغير، عاد لينظر إلى ورد وتابع حديثه ساخراً:
- رايداني أبجي كيف الطرطور اللي ورايا ديه؟
تفاجئ مصطفى بيد الرجل الموضوعة على كتفه وهو يتسائل بحدة:
- حضرتك بتقول حاجة؟
وقع قلب ورد رعباً خشية أن يحدث مشادة بينهم ودعت الله داخلها أن يمر الأمر بسلام بينما استدار إليه مصطفى مشكلاً إبتسامة على محياه ثم انحنى على الصغير الذي برفقة الرجل وملس على قبعته متصنع الحب:
- بجول حلو الطرطور ديه ربنا يباركلك فيه ويكبر.
سأله الآخر ساخراً:
- الولد ولا الطرطور؟
طالعه مصطفى مستاءً من سؤاله الساذج وبثقة قال:
- معلوم الولد الطرطور هيكبر كيف.
رسم على محياه بسمة سمجة وودعه بنبرة تريد الفرار:
- بعد إذنك يا أستاذ.
أولاه مصطفى ظهره وعاد إلى ورد التي أمسك بيدها وانصرف كليهما بخطى سريعة مبتعدين عن المكان، لم تتوقف ورد عن الضحك وسؤال الرجل يتردد في عقلها، رمقها مصطفى بغيظ وهتف من بين أسنانه:
- عجبك الطرطور؟
أجابته من بين قهقهتها:
- جوي جوي.
حرك مصطفى رأسه مستنكراً ما حدث قبل ثوانِ وأردف مازحاً:
- طب يلا همي جدامي عشان نمشوا من المكان ديه.
اصطحبها إلى أحد المحلات وقام بشراء ثياب جديدة لها وكذلك أصرت عليه ليشتري ثياب كلاسيكية مناسبة لحفل الخطوبة ثم عادا إلى السيارة ومن ثم عاد بها إلى المنزل.
رحب بهم خال ورد بحفاوة شديدة وأصر على مصطفى أن يتناول معهم وجبة الغداء لكنه رفض معللاً رفضه:
- يدوبك ألحج أعاود خلاص الليل داخل علينا أهاه.
رفض ماهر بشتى الطرق أن يرضخ لطلبه وبإصرار شديد هتف:
- والله لو قولت إيه مش هسيبك قبل ما تتغدى ولا يعني أنت فاكر إنكم أهل الكرم بس ولا إيه يا سي مصطفى.
شعر مصطفى بالحرج ووافق تحت ضغط منه، اصطحبه ماهر إلى شرفة إحدى الغرف التي أعددتها ابنته الصغرى لتكون مجلساً يتجمعان فيه كل يوم خميس من آخر الأسبوع، انبهر مصطفى بإعداد المكان على الرغم من صغر مساحة الشرفة إلا أنها أُعدت بعناية، تناولوا أطراف الحديث في مجالات مختلفة إلى أن أحضرن الأخريات وجبة الغداء ثم أخبروهم بإنتهائهن من التحضير.
جلس الجميع حول المائدة وشرع في تناول الطعام حتى انتهوا منه وكان أول من استأذن منهم كان مصطفى فالوقت يتأخر ولا يحب السفر في ظلام الليل الحالك.
تلقى مصطفى توديعاً حاراً مع بعض الدعوات، انصرف الجميع تاركين له بعض المساحة مع وردته التي ترقرقت العبرات في عينيها حزناً على افتراقهم.
حمحم مصطفى وبنبرته الرخيمة حاول تأنيب ضميرها لكي تعود معه:
- هيهون عليكي تسيبي مصطفى يعاود وحديه؟
لم تستطيع الصموت أمام كلماته وجهشت باكية، لم يتحمل مصطفى بكائها وحاول المزاح معها:
- غلطانين أنهم سموكي ورد كان حجهم يسموكي عيوطة.
تحولت بكاء ورد إلى ضحكات عفوية سعد الآخر بها، جذبها برفق إلى صدره وشد على خصرها بقوة قائلاً:
- هتوحشك اليومين دول هما وأني كمان جوي.
هتفت بهم ثم عادت إلى بكائها ثانيةً، تراجعت للخلف مودعة إياه بحرارة:
- يلا امشي عشان تلحق توصل قبل ما الليل يهل وخلي بالك علي نفسك.
أماء لها بقبول ثم انحنى عليها طبع قُبلة حارة تليق بوداعه ثم أولاها ظهره لكنها أوقفته بقولها:
- ابجي طمني عليك.
اكتفي بإيماءة خفيفة من رأسه وتابع نزوله حتى استقل في سيارته ومنها تحرك مبتعداً عن المكان عائداً إلى بلدته.
عاد إلى غرفته بحيرة من أمر تصرف زوجته، وقف مقابلها وطالعها لوقت طال قاطعته هي بسؤالها الفضولي:
- بتطلع فيا أكده ليه؟
أخرج أنفاسه بثقل ثم توجه نحوها بخطى متمهلة، جلس بجوارها على الأريكة وأجابها بسؤال آخر:
- ليه عملتي أكده، رجعتي الدهب لامي ليه؟
الأن استشفت الأمر، أخذت شهيقاً وبهدوء أردفت بنفس عزيزة:
- لأنه مش حقي، ديه حقها وكان لازم يعاودلها.
قطب جبينه بغرابة فلم يفهم ما وراء حديثها، نعم هو على دراية تامة بالأمر لكنها تجهله هي، فرك ذقنه بعصبية وهتف بحنق:
- حق ايه؟ تجصدي ايه بالحديث ديه؟
أعتدلت مروة في جلستها ورمقته لبرهة قبل أن تردف بإزدراء:
- يعني أني مش هبلة يا طاهر عشان مفهمش إن الدهب ديه أعطتهولي تلم بيه الموضوع، أصل يعني أجل حاجة تتعمل لو كان في نيتها صوح تعطهولي تجيبه في علبته مش تاجي تخلعه جدامي!!
تفاجئ طاهر بردها الذي ألجم لسانه، أخفض رأسه في حياء فاستشفت هي خذيه منها وأسرعت في إخباره بأن الأمر لا يهمها، جذبت علبة الحلي العادي إليها ثم عادت إليه هاتفة بعدم اكتراث:
- أني مش محتاجة دهب يا طاهر أني عندي كتير الحمدلله مش دول اللي هيزودني يعني.
رفع ببصره عليها وحدثها بجفاف في نبرته:
- بس ديي كانت شبكتك مكنتيش تفرطي فيها!!
هنه مش مكانها، أكيد مش هلبسها وأني عارفة إنها مش من حقي والشبكة اللي بتجول عنها ديي مفرقاش معايا إنها منقصلنيش أي حاجة يا طاهر لو على الدهب فعندي ياما ولو على الراجل فعندي أنت بالدنيا كلاتها.
فاجئته هي بتصريحها الأخير، ولم يكن عليه سوى جذبها من ذراعها وضمها إلى حضنه بهدوء تام حاسماً أمره على تعويضها بأروع الحُلي لطالما كان عليه إهداؤه لها في وقته المناسب.
خرجوا من لحظتهم على صراخ ثريا مستغيثة بولدها، كز طاهر أسنانه بغضب فحتماً والده خلف ذلك الصراخ، نهض من مقعده وأمر مروة حين رآها تشير خلفه بحدة:
- خليكي إهنه.
دفع الباب خلفه بقوة وترجل سريعاً وكما اعتقد تماماً، لم يتردد في اللحاق بوالدته من بين يديه الغليظة وهدر به شزراً:
- جولتلك يدك الملعونة ديي متتمدش على أمي تاني وأنت مفهمتش بالحديث يبجي اتحمل بجا.
صعد بوالدته إلى إحدى الغرف الخالية وسألها بفضول:
- مسك في خناجك ليه المرة ديي؟
أصدرت ثريا بعض الشهقات من بين بكائها وحاولت السيطرة عليه لكي تجيب طاهر على سؤاله، وبعد مدة ليست بطويلة أجابته بنبرة متلعثمة:
- مضيع كل ماله على الشرب والجرف اللي بدأ يشربه الأيام ديي ولما جولتله حاسب على مالك عشان عيالك جام مسك في خناجي كيف ما شوفت أكده.
حك طاهر مؤخرة رأسه بعصبية، صاح عالياً بتذمر مصحوب بالإحتقار:
- سبيه يضيعهم معايزنش حاجة منيه، من النهاردة أني اللي متكفل بيكم ويحرم ماله يدخل جوفي بعد النهاردة.
دخلت صباح الغرفة وتوجهت نحو والدتها مباشرةً متسائلة بلامبالاة:
- ايه اللي حصل ياما؟
قصت عليها ثريا ما حدث بينما أولاهم طاهر ظهره وانسحب للخارج بخطى غير مستقيمة، وقف أمام النافذة التي تترأس الممر ثم سحب بيده حجراً تالف من الحائط لا يلاحظه أحد، التفت يتفحص الأماكن من خلفه أولاً ثم دس يده للداخل وأخرجها محملة بسلاح والده!!
وبعد ساعات قضاها في الطريق وصل أخيراً إلى وجهته، صف سيارته أمام السرايا ثم هاتف وردته ليخبرها بوصوله كما حثته مراراً طيلة مدة عودته.
أنهى معها المكالمة سريعاً فالتعب إنهال منه وتملك من بدنه بسبب ذهابه وإيابه دون أخذ قسطاً من الراحة، توسط فراشه وحاول أن يغفوا لكن النوم لا يعرف سبيل الوصول إلى مصطفى، فوردته ليست بين ذراعيه تستند برأسها على صدره، فكيف سيأتيه النوم بدونها؟
حاول مراراً وفي النهاية تبوء محاولاته بالفشل الذريع، تأفف مصطفى بضجر واضح فهو يريد التنعم ببعض النوم لكي يقلل من تعب بدنه المرهق.
فشل في المرة التي لا يعلم عددها، نهض من مكانه فشعر بنفوره من الغرفة وحبيبته ليست فيها، خرج من الغرفة ومن ثم خارج السرايا بأكملها، كانت قد أشرقت الشمس وطلع النهار فتوجه إلى طوالة الخيل عله يعود إلى سلامه النفسي هناك.
وقف أمام مُهرة يطالع عقدة خصلاتها التي إلى الأن لا يريد تحرير قيدهم فهما من صنع يدي ورد ويجدر به الحفاظ عليهم، لم يستطيع صبراً وهاتفها ليمتع أذنيه بنبرتها التي يعشق سماعها، تفاجئ مصطفى بردها السريع فهو قد هاتفه للتو على ما يبدو أن هناك آخر لم يحظى بنوم تلك الليلة.
بتعجب سألها:
- كأنك قاعدة على الزرار.
أجابته بنبرة خافتة لكي لا تتسبب في إيقاظ الأخريات:
- معرفاش أنام وكنت هطلبك بس جولت أنك نايم.
أخرج تنهيدة متعبة قائلاً:
- أني بردك معرفاش أنام جيت الاسطبل يمكن أحس براحة شوية. عندك مُهرة تهون عليك، أنت بجا خدت حضنك وياك وأنت ماشي اعملوا ايه أني دلوك؟
هتفت بهم ورد بحزن فعاتبها مصطفى بلطف فهي من أصرت على الرحيل، لم يكن هناك داعي لإطالة الحديث في الأمر فرحيلها قد تم بالفعل.
أنهى المكالمة بعد مدة وعاد إلى السرايا لعله ينجح تلك المرة في أخذ قيلولة والنتيجة ذاتها، تأفف بضيق ثم نهض ليعود إلى عمله فكان هذا ملجئه الوحيد كذلك ورد أنشغلت مع بنات خالها ربما يقتلع مصطفى افتقادها إليه من عقله.
بعد حلول فجر اليوم مع فشلها الذريع في النعاس نهضت من جانب والدتها وولجت لشرفة الغرفة بعدما حاوطت كتفيها بسترة خفيفة، استندت بمرفقيها على حافة السور وطالت المكان من حولها بسلام داخلي فليس هناك أعين متطفلة قد تضايقها.
من يرى ازدحام شوارع المنطقة وضجتها نهاراً لن يصدق ذلك الهدوء التي تلمسه وتشعر به، تنهدت بصوت مسموع فقلبها يتأرجح ما بين الهموم والافتقاد لرفيق روحها وحبيب فؤادها.
انحنت برأسها على السور وهي تطالع ضوء الشمس التي على وشك الشروق ودندنت بنبرة خافتة من فرط شوقها إليه:
- أني كل ما جول التوبه يا بوي
ترميني المجادير يا عين
اتوحشت عيونه الزرج يا بوي
ومدوبني الحنين يا عين
متغرب والليالي يا بوي
مش سايباني فى حالي يا عين
والرمش اللي مجرحني يا بوي
ضيعني وأنا كان مالي يا عين
رموش جتاله وجارحه يا بوي
وعيون نيمانة وسارحة يا عين
أديكي عمري بحاله يا بوي
واديني انتي الفرحة ياعين
الجلب الأخضراني يا بوي
دبلت فيه الأماني يا عين
ولا قادر طول غيبتكوا يا بوي
أنا ما أقول التوبة يا بوي
ترميني المجادير يا عين
اتوحشت عيونه الزرج يا بوي
ومدوبني الحنين يا عين.
مع إنتهاء كلمات الأغنية تفاجئت بتلك السيارة التي تصف أسفل البناية التي تمكث هي فيها، أعتدلت في وقفتها تتأكد من حدسها، شهقت بسعادة غمرت قلبها حين رأته يترجل من سيارته، لم تتوقف لحظة بعد وهرولت مسرعة إلى الخارج لكي تستقبله استقبالاً حار تخبره بمدى اشتياقها إليه.
هبطت الأدراج فتقابلت معه في منتصف السُلم، لم يلمح مصطفى طيفها بعد ففوجئ بذلك العناق الذي اخترق صدره من قوته، أمسك الحائط بيده حتى يوازن بدنه الذي اختل بسبب عناقها المفاجئ ثم حاوط خصرها بيده حين استطاع الوقوف على قدميه بتوازن.
دفن رأسه في عنقها يشم رائحتها الذكية الفريدة من نوعها التي بدت غريبة تلك المرة فلم يحظى بها من قبل.
قطع ذلك الصمت صوتها المبحوح:
- لو تعرف اتوحشتك كد إيه.
شد على ظهرها بقوة مردداً بنبرة متيمة:
- النوم مجافيني وأنتِ مش في حضني.
أنزلها مصطفى بهدوء ولوهلة استشف وقوفها دون وشاحها، اتسعت حدقتيه بذهول وطال المكان من حوله بتفحص ثم أعاد النظر إليها معاتبها بلطف:
- كيف تنزل على حالتك ديي حد يشوفك.
نظرت ورد إلى حالتها التي لم تحسب لها، عضت على شفتيها بحرج وعللت تناسيها للأمر:
- لما شوفت طلتك مجدرتش أفكر في أي حاجة غير إني أحضنك.
أخرج مصطفى تنهيدة حارة من جوفه ثم قال وعينيه يتأجج فيهما الإيلام لعدم انتباهها لما فعلته وأردف:
- طيب يلا جدامي يا هانم.
تشكلت ابتسامة رقيقة على محياها ثم سبقته إلى الأعلى كما تبعها هو، أوصدت ورد الباب بحذر لكي لا تتسبب في إيقاظ من في المنزل، أشارت إليه إلى باب الصالون مرددة:
- ديي الأوضة الوحيدة اللي مع يدخلهاش حد تعالي ندخلوا فيها.
لم يكتفي مصطفى بإغلاق الباب وقام بتوصيده جيدا ثم نظر إليها متلهفاً لها فتفاجئ بعبراتها التي تنسدل بغزارة، قطب جبينه بغرابة من أمرهم وسألها باهتمام:
- واه بتبكي ليه؟
بهدوءٍ توجهت إليه حتى استكانت بين أضلعه مستندة برأسها على صدره معللة سبب بكائها:
- مطرحي عاودلي من تاني.
رفعت بصرها عليه وواصلت من بين بكائها بنبرة بالكاد يفهمها مصطفى:
- كنت حاسة إني ضايعة، متبعدش عني تاني واصل.
طالعها مصطفى مستاءً وعينيه يشع منهما العتاب فهي من أصرت على الرحيل، استشفت ورد ما يرمي إليه فهتفت نادمة:
- مكنتش أعرف إني هحتاس أكده من غيرك.
صاح مصطفى عالياً بنبرة متعبة:
- ياااه لو تعرفي أني نفسي في ايه دلوك؟
أسرعت هي في سؤاله بفضول مصحوب بالاهتمام:
- نفسك في ايه؟
أغمض عينيه وهو يسحب بعض الهواء مجيباً إياها بصوته الأجش:
- نفسي أنام معرفش ليا جفن وأنتِ غايبة عني.
ابتعدت عنه ورد ونظرت إلى حيث يقفان ثم عادت ببصرها إليه، رفعت كتفيها بقلة حيلة وأردفت:
- كيف ما أنت شايف أكده مفيهش مكان نناموا فيه وهنضطر نناموا على الأرض الليلة.
أعادها مصطفى برفق الي صدره مردداً بعدم اكتراث لموضع نومهم:
- مش مهم هنناموا فين كفاية أنه في حضنك.
لم تمنع ورد ابتسامتها التي رُسِمت عفوياً على ثغرها الوردي، وقفت على أصابع قدميها لكي تكون في نفس مستوي قامته وطبعت قُبلة ناعمة للغاية على طرف شفاه ثم انسحبت من بين ذراعيها موضحة:
- هجيب حاجة افرشها على الأرض وهعاود طوالي.
انصرفت سريعاً وقد عادت في سرعة لم يتصورها مصطفى، ساعدها في وضع ما جلبته أرضاً ثم استقل أعلاه مشيراً إليها بالمجئ إلى حضنه فلبت طلبه بصدر رحب.
استكانت أعلى صدره وأوصدت عينيها لتنعم ببعض الطمأنينة التي افتقدتها في بعدها عنه كذلك هو لم يطيل كثيراً وقد ترك العنان للنعاس يتملك منه فبدنه منهمك للغاية وبحاجة شديدة إلى الراحة وياحبذا راحته بقرب مهجة فؤاده.
في الصباح الباكر، استيقظت سنية قلقة على ضوء الشمس الذي تسلل داخل الغرفة عمودياً على فراشها، تعجبت من أمر الباب المفتوح فهي من أغلقته بنفسها ليلة أمس قبل أن تنام.
مالت برأسها للجانب قاصدة النظر إلى ورد فتفاجئت بعدم وجودها حتماً هي من فتحته، نهضت من فراشها ثم توجهت إلى الشرفة فلم تجدها.
عقدت حاجبيها بغرابة وقد تملك القلق منها، أعادت غلق الباب وهمت بالخروج باحثة عنها، قابلت أسماء ابنة شقيقها واقفة في منتصف الردهة فسألتها بقلق:
- مشوفتيش ورد يا أسماء ملجتهاش جاري.
قطبت أسماء جبينها فهي لم تراها منذ استيقاظها، نظرت يميناً ويساراً وقالت:
- لا والله يا عمتو مشوفتهاش أنا حتى صاحية من بدري عشان ألحق الجامعة ومتخيلتش بيها أصلا، يمكن في البلكونة شوفتيها؟
احتدت ملامح سنية بخوف عارم وأجابتها بتوجس:
- شوفتها يابتي ملجتش حد فيها.
لاحظت أسماء أن باب الصالون مغلق على غير العادة، توجهت نحوه وحاولت فتحه لكنه موصد من الداخل، تنهدت براحة والتفتت إلى حيث تقف عمتها وطمأنتها:
- ورد جوا يا عمتو متقلقيش.
أخرجت الأخرى تنهيدة مهمومة واقتربت من ابنة أخيها متمتمة بنفاذ صبر:
- مخابراش البت ديي هتفرحوا ميتى ديي يا حبة جلبي تطلع من حفرة تقع في ضحضيرة مبتلحجش تفوج من المصيبة تلبس في مصيبة تانية.
أشفقت أسماء على حالتها المذرية، دنت منها وربتت على كتفها بحنو وهتفت محاولة مآزرتها:
- بكرة الأيام تتعدل معاها يا عمتو وبصراحة أنا شايفة إنكم خايفين على الفاضي طالما جوزها بيحبها يعني هيقدر يسامح هي يعني كانت عملت ايه دي كانت متعمشة أنه يجيب لها حقها مش أكتر.
حركت السيدة سنية رأسها مستنكرة حديث أسماء الساذج، حاولت إظهار هول المصيبة الواقعة في ابنتها معلقة:
- حب ايه بس يابتي والحب هيشفع لها لما يعرِف إن أخوه اتقتل على يد عمها!
تفاجئن كلتاهن بفتح الباب وظهوره من خلفه بأعين چاحظتين قد تحول لونهما إلى الإحمرار القاتم يتطاير منهما الغضب الشديد، وبهدوء يسبق عاصفة غضبه سألهم للتأكيد:
- حمدان قتل هلال!!
رواية عرف صعيدي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم تسنيم المرشدي
سكون مريب حل لثوانٍ كانت بمثابة أعوام بالنسبة للجميع، لم يقدر أحدهم على التحدث من هول المفاجأة، فلقد تفاجئوا بوجود مصطفى ناهيك عن سؤاله الذي ألجم عقولهم قبل ألسنتهم.
خرجت سنية من صدمتها حين ألقى بسؤاله هاتفا بحنق:
"بتك كانت عارفة ومدارية عني؟"
بالتأكيد لن تجيبه، فكلماتها في تلك الأثناء لن تكون إلا وقوداً سيزيد من اشتعال نيران غضبه. استدار مصطفى بيده مولياً ظهره وعاد إلى فتاته النائمة، انحنى عليها جاذباً إياها من ذراعها بهجومية مجبراً إياها على الوقوف وهو يردد بنبرة غير قابلة للنقاش:
"جومي.."
رجف جسد ورد بذعر وتشوشت رؤيتها لبرهة بسبب نهوضها المفاجئ الذي لم تحسب له، ناهيك عن نبضات قلبها التي تتسارع كسيارات السباق. مرت أنظارها بين الجميع فلم تستوعب بعد ما يحدث.
انتبهت على صوته الغاضب حين صاح:
"كنتي تعرِفي إن حمدان هو اللي جتل أخوي!!"
صعقت ورد من سؤاله، لوهلة شعرت بأنها واقعة بين كابوس مرعب تريد الاستيقاظ منه. تأكدت أنه واقع مرير حين هزها مصطفى بكل ما أوتي من قوة مكرراً سؤاله:
"ردي عليا كنتي تعرِفي؟?"
طالعته والخوف مرسوم على تقاسيمها، فسودتاه مع لهجته تزيدها رعباً. كم تمنت أن تنشق الأرض وتبتلعها في تلك اللحظة، لا تريد مواجهته التي ستكون نهاية حتمية لعلاقتهم!
"انطجي وردي عليا.."
خرجت من شردها على صوته الذي يحثها على إجابته. طالعته لوقت ثم بهدوء تام أجابته ولسانها يرتجف خوفاً:
"عرفت بس.."
لم يعطيها فرصة إبداء أية تبريرات لن تجدي نفعاً معه. دفعها بغضبه الجامح فسقطت أرضاً مصدرة شهقة قوية إثر تفاجئها بتصرفه. هرول مصطفى إلى الخارج دون أن يلتفت، بينما تبعته السيدة سنية متوسلة إياه:
"اهدى يا مصطفى، اعجل يا ولدي ورد ملهاش ذنب عاد."
هيهات لكلماتها التي لا يصغي إليها، فأي كلمات ستهون ألم فراقه على أخيه، والأدهى أن من أعلن بها حبيبته قبل أن تكون زوجة له لها علم بقاتل صغيره ولم تشِ عليه. توقف عقل مصطفى تماماً حين ربط الأحداث كاملة لتظهر الصورة بوضوح أمامه، ورد من تسببت في قتل أخيه!!
تجمع من في المنزل إثر صراخ سنية لعلها تنجح في إخماد بركان غضبه. حضر شقيقها متسائلاً في قلق:
"ايه يا سنية؟"
سقطت السيدة سنية بإهمال على الأرض تندب بتحسر على ما تسببت فيه دون وعي منها:
"أني السبب، أني السبب مني لله."
جلس شقيقها بجوارها وربت على ذراعها في حالة ذعر مسيطرة عليه. وجه بصره إلى ابنته الكبرى وسألها حين فشل في فهم ما يجري من شقيقته:
"عمتك مالها يا.."
صمت ماهر حين وقع بصره على ورد الجالسة على الأرض في وضع مريب. حينها استشف أن هناك كارثة وهتف متسائلاً:
"حصل ايه يا أسماء انطقي!"
أخبرته أسماء ولا تزال أسفل تأثير رهبة الموقف:
"مصطفى عرف إن عم ورد اللي قتل أخوه!"
صعق ماهر من سماعه لما أخبرته به أسماء، كذلك لم تكن زوجته أقل منه صدمة وأصدرت شهقة قوية إثر صدمتها. تحركت أسماء للأمام حتى وصلت إلى ورد وجلست بجوارها متسائلة في اهتمام:
"أنتِ كويسة يا ورد؟"
كان سؤال أسماء بمثابة منبه أخرجها من حالة ذهولها التي إلى الآن لم يستوعبها عقلها بعد. طالعت أسماء وكأنها رأيتها للتو. خفق قلبها رعباً حين خُيل لها أخذ مصطفى لثأره من عمها. حتماً سينال عقابه بقية حياته بين جدران السجن إن لم يُحكم عليه بالإعدام!!
لا والله لن تتحمل. انتفضت من مكانها مذعورة ومشهد إعدامه لا يريد الاقتلاع من عقلها. هرولت إلى الخارج ومن ثم إلى الغرفة التي تقيم بها وقامت بتبديل ثيابها سريعاً. حاولت أسماء فهم ما تقوم به بسؤاله:
"رايحة على فين بس يا ورد؟"
أجابتها وهي تتابع ارتداء وشاحها:
"هعاود البلد يمكن ألحجه!"
تدخلت زوجة خالها بقولها:
"معاد القطر مش دلوقتي خالص لسه بدري عليه."
توقفت ورد عما تفعله ووزعت أنظارها بين الواقفين وعقلها متوقف تماماً عن إنتاج أي حلول في تلك اللحظة المروعة. حاولت عائشة حل الأمر مردفة:
"ثواني يا ورد هطلب عربية سفر من شركة اتعاملنا معاها قبل كده وإحنا جاين عندكم."
وافقتها أسماء على اقتراحها المناسب مرددة:
"أيوة صح فكرة حلوة."
حركت ورد رأسها بقبول ورددت بلهجة سريعة غير مفهومة:
"إيوة اطلبي بسرعة الله يرضي عنك."
ساعد ماهر السيدة سنية على الوقوف فتابعت هي سيرها حيث الغرفة التي تقيم بها، وقامت بتبديل ثيابها هي الأخرى حتى ترافق ورد في سفرها، بالتأكيد لن تتركها بمفردها. وكذلك انضم إليهم ماهر فهو عائلهم الوحيد الآن.
مر ما يقرب خمس وأربعين دقيقة عليهم وكأنها خمس وأربعين عاماً فالوقت يسير على نهج بطيء للغاية. لم تكف ورد عن مهاتفة مصطفى متأملة إجابته عليها لعلها تنجح على إخماد غضبه، لكن هيهات له فلا يرى في تلك الأثناء سوى أخذه بالثأر فقط.
نفخت ورد بنفاذ صبر حين أخبرتها عائشة بوصول السيارة. ركضت مهرولة إلى الأسفل كما تبعتها والدتها وخالها. استقلوا ثلاثتهم في السيارة ثم ارتفعت نبرة ورد التي تحث السائق على التحرك سريعاً:
"اطلع لو سمحت بسرعة عايزين نوصلوا البلد في أسرع وجت."
أومأ لها بقبول ثم تحرك بهم بسرعة فائقة كما أرادت ورد التي لم تتوقف عن الدعاء داخلها بأن تستطيع اللحاق بمصطفى قبل أن يحدث مالا يحمد عقباه.
قطع مسافة العودة في مدة قصيرة. وصل إلى السرايا ولم يرفع يده من على صافرة السيارة حتى فتح له الحارس في ذعر من أمره المريب.
صف مصطفى سيارته في منتصف الطريق بإهمال، ترجل منها بخطى مهرولة غير مستقيمة أثارت فضول الجميع حوله. طرق على الباب بعنف شديد حتى فتحت له صفية متوجسة خيفة في نفسها من أمر تلك الطرقات الغير حضارية.
تقدم للأمام ما أن فُتح الباب ولم يلتفت خلفه. تابع تقدمه إلى الأعلى أثناء خروج السيدة نادرة من غرفتها. لاحظت حالته المذرية التي خفق قلبها رعباً إثرها. هرولت خلفه في ذعر من أمره، ولجت لغرفته متسائلة بتوجس شديد:
"في ايه يا مصطفى؟"
شهقت بصدمة حين رأته يسحب سلاحه من خزانته وأعادت تكرار سؤالها بخوف عارم قد اجتاحها:
"في ايه يا مصطفى وبتاخد سلاحك ليه يا ولدي رد عليا."
لم يعيرها مصطفى اهتمام وهرول للخارج وما كان يتردد أمام رؤياه سوى القصاص لدماء أخيه الذي ارتوت بها الأرض. تبعته وهي تصرخ عالياً:
"رد عليا يا مصطفى رايح فين وهتعمل ايه بالسلاح؟"
بلهجة غاضبة غير سائلة للنقاش أجابها مختصراً:
"هاخد تار هلال ياما."
صعقت نادرة مما وقع على مسامعها ولم تستطع الصمت حيث علقت بسؤالها:
"لاه يا ولدي ملكش صالح بحمدان عاد!"
توقفت قدمي مصطفى تلقائياً بعدما أصغى إلى كلماتها. بهدوءٍ يسبق عاصفة غضبه استدار بجسده وطالها لبرهة قبل أن يردف:
"أنتِ كنتي تعرفي إنه حمدان وداريتي عني؟"
اقتربت بخطاها منه حتى وقفت أمامه مجيبة إياه بدافع العاطفة الأمومية والخوف:
"خوفت يا ولدي، خوفت عليك مفضليش غيرك من بعد خوك، مهجدرش أتحمل فراج تاني صدجني مهجدرش أشوف ابني بيرمي نفسيه للموت وأجف اتفرج من بعيد، أني ماصدجت حياتك ينصلح حالها ورضيت بمرتك وعشجتها أجوم أجولك مين اللي جتل خوك وكل ديه يبجي بح!!"
التوى ثغر مصطفى بتهكم مردداً بجمودٍ قاسِ:
"أنتوا جدرتوا تعملوا فيا أكده كيف؟ كيف جدرتي تبصي في عيوني التنين وأنتِ شيفاني بدور كل يوم علة أمل إني اوصله!!، والتانية اللي كانت بتنام على صدري كل ليلة وتطلع مدارية عني بس معلوم هتجولي كيف وهي السبب، هي اللي رمت أخوي فريسة لعمها ينهش فيه، أني مصدوم فيكم!"
أولاها ظهرها فأسرعت باللحاق به بمسكها لذراعه وصاحت عالياً مبررة تصرف ورد:
"أني اللي جولتلها متجولكش حاجة، أني اللي خدت وعد منيها من خوفي عليك، لو حد عليه اللوم يبجي أنى يا ولدي مش هي أني اللي أصريت عليها أني السبب هي ملهاش ذنب، مضيعش شبابك عشان واحد ميستاهلش يا مصطفى عشان خاطر أمك اسمع حديتها."
حرر مصطفى ذراعه من بين قبضتها بقوة وهتف من بين أسنانه المتلاحمة بغضب يفوق الوصف:
"خوي اتجتل وأني اللي هجيب له حجه أني اللي هاخد بتاره ولا أنتِ ولا هي تجدروا تمنعوا اللي ناويه لحمدان."
دنى منها وعروق عنقه تكاد تخترق بدنه من فرط بروزها وتابع هتافه ناهياً الحوار:
"ديه هلال ياما هلال!!"
أولاها ظهره وتابع هرولته إلى الخارج بينما تبعته هي إلى الخارج بخطى متعرقلة وهي تصيح عالياً:
"لاه يا مصطفى اسمع حديت أمك يا ولدي."
صرخت في عسران الذي حضر إثر صراخها:
"إلحجه يا عسران هيجتل حمدان."
قطب جبينه بغرابة وسألها بعدم استيعاب:
"أباه، حمدان! ليه عمل ايه؟"
أجابته بمرارة في حديثها:
"عرف أنه هو اللي جتل هلال، أحب علة يدك إلحجه ووعاك تهمله واصل."
تجهمت تعابير عسران وفارت دمائه بغضب شديد، فها قد علم بهوية قاتل هلال لطالما طال البحث عنه. أعدل من وضعية سلاحه على كتفه ثم التفت إلى حيث يقف رجاله وبنبرة جهورية أمرهم:
"هم بينا يا ولِد منك ليه ناخدوا بتار هلال!"
صعقت نادرة مما سمعته لتوا، فهي استنجدت به ليكون عوناً لها وحماية لولدها من شر نفسه والآن هو من يصرح بأخذ لثأر صغيرها. حركت رأسها في استنكار تام وهدرت به شزراً:
"بجولك احمي ولدي وامنعه من اللي ناوي عليه تجوم تجولهم هناخدو بالتار!!"
بلهجة غير سامحة للنقاش أردف بصرامة:
"ديه تارنا كلاتنا ولازمن نخدوه."
أولاها ظهره ثم هم بالمغادرة في إحدى السيارات ومن ثم تبعاه رجاله في سيارات عدة قاصدين منزل حمدان.
لم تقدر ساقي نادرة علي حملها وخارت قواها ما إن اختفوا من أمامها. همت صفية بالإسراع نحوها مساعدة إياها على صلب قامتها التي انحنت مرددة:
"تعالي ندخلوا جوا يا ست نادرة."
أبت نادرة الدخول قبل أن يأتيها خبر ما تخشى سماعه أو ربما يعدلها الله دون تدخل ولدها في الأمر ووقوعه في التهلكة. رافقتها صفية ولم تتوقف عن ترديد الكلمات الطيبة على أمل أن تهدي من روعها.
اقتحم الغرفة بصورة غير لائقة، بحث في جميع أرجائها عن مراده ولم يصل في النهاية إليه. فتح الخزانة وألقى ما بها من ثياب ومستلزمات أخرى أرضاً ربما يلقى ما يبحث عنه. خلع جميع الأدراج الموجودة في الغرفة والنتيجة ذاتها دون جدوى.
رفع بصره على تلك الجامدة التي تتوسط الفراش ولا تشعر بوجوده. اقترب منها متسائلاً بنبرة محتقنة:
"فين الحبوب اللي كانت في الحمام؟"
طالعته بلا مبالاة وبفتورٍ قالت:
"مخابراش."
تجهمت تقاسيمه فلم يقنعه ردها، انحنى عليها جاذباً إياها من ذراعها مجبرها على الوقوف أمامه، وبإنفعال واضح هتف:
"لا خابرة انطجي يا ثريا وجولي فينها الحبوب."
حررت ذراعها بقوة معنفة إياه ببغض في لهجتها:
"بجولك مخابراش الجرف اللي بتتعطاه ديه فين؟"
صفعها بعنف دوت قوته على وجهها. دفعته ثريا بشجاعة تحلت بها حينها ولم تخشاه تلك المرة بل صلبت قامتها وأردفت بإزدراء:
"يا أخي داني بكرهك كره العمى، داني أطيج العمى ولا أطيجكش، جرفت منيك ومن عمايلك السودة."
أزفرت بعض العبرات بمرارة ووصلت عتابها متسائلة:
"عملت لك ايه عشان تعاملني بالجسوة ديي، خلجات وأحسنهم كنت بلبسلك، اهتمام ومفيش واحدة في عمري بتعمل اللي أني بعمله ديه ولا كاني بت ١٦، ليه يا حمدان ليه؟"
أجابها بعدم رأفة لمشاعرها:
"مبحبكش ولا عمري حبيتك، جلبي مبيسكنوش غير واحدة وبس عنيا التنين مبتشوفش غيرها لكن أنتِ ولا عمري شوفتك ست من أساسه، مهما عملتي عمرك ما جدرتي تملي عيني."
قاطعته بقولها:
"لان عينك فارغة يا حمدان وتحب الرمرمة."
رمقته بنظرات احتقارية. شعرت بالنفور المختلط بالتقزز منه. لم يتحمل حمدان كلماتها المهينة وانقض عليها كمن أنقض على فريسته ولن يتراجع قبل اقتلاع روحها في يديه.
لم تصرخ ثريا مستعينة بطاهر تلك المرة وكأن مقاومتها قد انهارت وحلقت في الهواء. تحملت وتحملت دون أن يصدر منها أنين حتى شعر حمدان بالتعب فتوقف من تلقاء نفسه وانسحب إلى الخارج دون أن يلتفت إليها.
لم ترفع ثريا بصرها عن الباب الذي اختفى خلفه حمدان. كزت على أسنانها حاسمة أمرها بفعل ما يحثها شيطان أفكارها على فعله. شهيقاً وزفيراً فعلت ثريا ثم توجهت إليطى الأمام ودلفت للخارج بخطى متمهلة. وقفت أمام النافذة التي تتوسط الممر لوقت قبل أن ينضم إليها طاهر متعجباً من وقوفها بمفردها:
"صباح الخير ياما واجفة عندك بتهملي إيه؟"
حركت رأسها للخلف وطالعته بملامح جامدة. اقتربت منه وسمحت ليدها في التسلل إلى وجهه ومسحت عليه بنعومة شديدة وقد ارتخى جمود ملامحها ولانت. تقوس ثغرها بإبتسامة لم يستطع طاهر فهم ما خلفها فبدت مريبة بعض الشيء ناهيك عن تصرفها التي تفعله لمرتها الأولى.
خرج عن صمته بسؤالها في قلق قد سيطر على مشاعره:
"مالك ياما فيكي حاجة غريبة؟!"
ابتلعت ريقها وردت عليه بنبرة خافتة حنونة:
"مفيهش يا حبيبي، رايدة أوصيك وصية يا طاهر اوعدني أنك تنفذها."
لا يعلم لما تسلل الخوف إلى داخله كما خفق قلبه بصورة مضطربة وكأنها تودعه. حاول فهم ما ترمي إليه بنبرة قلقة:
"وصية ايه عاد ياما في إيه وبتتحدتي أكده ليه؟"
أخفضت يدها من على وجهها وربتت على ذراعه متابعة حديثها المسترسل:
"اسمعني لاول يا طاهر، خلي بالك من اختك واوعاك تزعيلها حابي عليها يا ولدي هي عجلها كيف البُلغة بس ديه ميمنعش أنها أختك وواجب عليك حمايتها."
كان يطالعها وداخله غير مطمئن بالمرة. رمش بأهدابه عدة مرات متتالية وأعاد سؤالها بتوجس شديد:
"ياما أنتِ بتخوفيني بحديتك ديه، ريحي جلبي وجولي لزمته ايه؟"
أزفرت الأخرى أنفاسها بتمهل مشكلة بسمة على محياها وحاولت طمأنته:
"مش لازم يكون في حاجة عشان أوصيك على اختك، حبوا بعض يا ولدي أنتوا اللي باجين لبعض من بعدنا."
شدت على ذراعه بقوة وواصلت مضيفة:
"واوعاك يا طاهر تبص وراك، عيش حياتك مع مرتك واملوا الدار عيال كاتير هما اللي هيكونوا عزوتك يا حبيبي."
أخرجت تنهيدة حارة ثم أعادت يدها إلى جوارها وأجبرت شفاها على رسم ابتسامة زائفة حتى لا تخيفه ناهية الحوار:
"كنت رايدة افضفض معاك شوية يا طاهر، يلا روح يا ولدي لمرتك ربنا يخليكم لبعض."
غادرها طاهر حين فشل في فهم حالتها المريبة. بينما عادت ثريا إلى النافذة ومدت يدها على الحجر الذي سبق ورأت طاهر يدس خلفه سلاح والده واحتضنته بيدها وهي تطالع الخارج بذهن لا يتردد فيه سوى شيء واحد فقط.
وصلا مصطفى إلى منزل حمدان. سحب سلاحه من أمامه وترجل من السيارة دون أن يغلق بابها. ركل باب الحديقة الصغير بقدمه حتى خلعه من مكانه. تابع سيره للداخل ثم وقف في منتصف الحديقة ورفع ذراعه للأعلى وضغط على زناد مسدسه فدوى صوت الرصاص في الهواء وبنبرة مشحونة من الغضب صاح عالياً:
"أخرجي لي يا حمدان، مصطفى الجبلاوي جاي ياخد بتار خوه منيك!!"
هنا كانت الصاعقة التي انسدلت على مسامع من في المنزل ألجمت ألسنتهم. تجمعوا في ردهة المنزل إلا من ثريا التي لم تحضر. كاد أن يخرج له طاهر لكن والده منعه بدافع الخوف:
"لاه خليك أنت إهنه هو مشايفش جدامه ممكن يصيبك عيار."
توجه حمدان إلى شرفة المنزل ورمق خارجه بخوف عارم فانتبه على صوت مصطفى الساخر:
"هتجف تبص عليا من ورا الشبابيك كيف الحريم."
أعاد مصطفى إطلاق الرصاص في الهواء مردداً:
"لو مخرجتش دلوك هطربج الدار بلي فيها ومهسميش على أيتها حد."
لم يتحمل طاهر كلمات مصطفى وهرول إلى الخارج فدوت صراخات مروة وصباح عالياً متوجسين خيفة عليه حيث قلن:
"لاه يا طاهر بلاها خروج إوعاك تخرج يا طاهر."
لم يكترث لهم وظهر أمام مصطفى بقامة منتصبة فسخر منه الآخر بحنق:
"خايف يخرج لي فبعتك انت!!"
دنى منه طاهر إلى أن التصق في سلاحه المصوب عليه وبلا مبالاة همس:
"أنت فاكر إنك هتخوفنا بسلاحك ديه؟"
كز مصطفى على أسنانه وبهدوء حذر هتف:
"غور من جدامي إما أخليكم تحصلوا بعض!!"
تفاجئ طاهر بدفعه للجانب فالتف ليري من الفاعل فإذا به والده يقول وعينيه تتأجج بهما الندم المصحوب بالشجن:
"خليك باعيد يا طاهر ديه تاره ولازمن ياخده."
وجه حمدان بصره علي مصطفى وببرود تصنع ثوبه أردف:
"أني جدامك اهاه خد تارك مني."
هتفت صباح صارخة من خلفه:
"لاه يا أبوي لاه."
رمقه مصطفى بنظرات احتقارية مشتعلة وهو يتذكر حالة أخيه حينذاك. ازدرد ريقه بصعوبة وهدر به شزراً:
"عملت أكده ليه، هلال عملك ايه عشان تجتله، كنت متفج مع بت أخوك انكم تجتلوه عشان تخرجوا من وراه بشوية فلوس ولا كان ايه اللي نواياكم وانتوا بتجتلوه!!"
تدخل طاهر مدافعاً عن ورد بشهامة:
"ورد ملهاش دخل باللي بتجوله ديه، ورد أشرف وانقى منيكم اتنيناتكم، محدش عارف جيمتها والكل بياجي عليها من أول عمها لحد جوزها!!"
لكمه مصطفى بكل قوته حين لم يتحمل حديثه على ورد، فمن يكون حتى ينطق بحروف اسمها بتلك الأريحية والأدهى دافعه عنها!!، وقع طاهر أرضاً إثر قوة لكمة مصطفى، كاد أن يهم بالوقوف ليرد له الصفعة بأضعاف لكنه فؤجئ برجال السرايا التي حاصرت المكان من حولهم ناهيك عن الرجال التي منعت وقوفه والوصول إلى مصطفى مرة أخرى.
شعر مصطفى بسيطرته على الوضع عند وصول رجاله الداعمين له. حان الآن فرض جبروته والقصاص لأخيه من ذلك الحقير. أمسكه مصطفى من تلابيب جلبابه هاتفاً آخر ما يدور في جوفه:
"هلال لما انجتل الخلج دعت له بالرحمة لكن أنت لما تتجتل بيجولوا الله يلعنه مطرح ما راح وديه بالظبط اللي رايده أنك تتعذب دِنِيا وآخره."
بهدوء تام وجه سلاحه على قلب حمدان ولازال ممسكاً بتلابيبه حتى دوى في المكان صوت تلك الرصاصة التي اخترقت جسد حمدان وسالت دمائه بغزارة.
الصدمة دون غيرها حلت على وجوههم. ثوانٍ قليلة مرت والجميع في حالة صمت مريبة يستوعبون فيها هول الموقف. طالعتها نادرة لوقت والذهول مسيطر على نبرتها التي علقت بها متسائلة:
"حمدان اللي جتل ولدي!!"
ازدردت ورد ريقها رعباً مما هي مقبلة عليه. توجهت إليها نادرة فأسرعت صفية التي كانت برفقتها في اللحاق بها قبل أن ما تتصرف بتهور:
"اهدي ياست نادرة."
دفعتها نادرة بعيداً عنها وتابعت سيرها إلى أن وقفت مقابل ورد ورددت متسائلة:
"ليه يعمل أكده، ولدي كان آذاه في ايه عشان يجتله!"
نكست ورد رأسها فهي المتسبب الأساسي في قتل هلال. ترقرق العبرات في عينيها وأجابتها بندم مختلط بالحزن الذي تبدد داخل قلبها:
"عشانه مفتري، آكل ورثي ولما هلال طالبه بيه.."
توقفت عن الحديث فلا تتحلى بالشجاعة لكي تواصل جملتها. أخفضت نادرة بصرها وعقلها مشوش تماماً إثر صدمتها فيما علمت به مؤخراً. ابتلعت ريقها مراراً حين جف حلقها وتسائلت بنبرة جامدة:
"مصطفى يعرِف بالحديت ديه؟"
تدخلت سنية مجيبة إياها لكي تحسن من وضع ابنتها:
"محدش عنديه علم بحاجة يا ست نادرة، أني لسه مبلغة ورد دلوك هي مكنتش تعرِف أيتها حاجة."
أعادت نادرة النظر إلى ورد وبنبرة فاجأت الجميع أردفت:
"ومحدش هيعرِف حاجة ومصطفى بالذات مينفعش ياخد خبر ياللي علمتيه ديه!!"
ذهلت ورد من أمر نادرة الحاسم، لكنها لم ترضِ أمرها فهذا سيكون غشاً. حركت رأسها رافضة بشدة:
"بس ديه يبجي اسمه غش، هنام جاره كيف وأني مخبية عنيه حاجة؟"
أوصدت نادرة الباب خلفها بهدوء وأعادت النظر إلى ورد متوسلة إياها بنبرة لحوحة:
"أحب على يدك يا ورد أني مفضليش غيره، ومرايدهوش يحصل أخوه، مصطفى رأسه كيف الحجر ولا هعاود جبل ما ياخد تار أخوه بيده، وأني ربنا يعلم ان جلبي اكتفى حزن ومهتحملش فراج غالي تاني، هطب ساكتة وراهم يا ورد أني ناري لسه مهدتش من ورا اللي راح تجومي تشعليلها أكتر بجولك لمصطفى!!"
أمسكت نادرة يد ورد وأردفت بتوسل شديد متابعة لحديثها:
"لو بتحبي مصطفى صوح اوعاه يعرِف حاجة، حِسه بيناتنا بالدنيا كلها يا ورد معايزاش أيتها حاجة بعديها."
أولاتهم ظهرها وتوجهت نحو الأريكة التي اعتلتها بإهمال وعقلها يأبي الرضوخ لما تحثها على فعله فهذا سيكون نفاق ولن تقدر على مواجهة مصطفى بعد، إذاً فعليها المغادرة.
أعادتها صافرات الإسعاف وسيارات الشرطة إلى أرض الواقع. خفق قلبها رعباً حين انتبهت على الازدحام والضجة المحدثة من بداية الطريق ونهايتها عند منزل عمها.
التفت حيث والدتها التي تفاجئت بها تطالعها والخوف مرسوم على تقاسيمها ناهيك عن وضعها لراحة يدها على يسار صدرها لعلها تهدئ من روع نبضاتها المتسارعة. أما كان هذا شعور والدتها فكيف تصف هي شعورها في تلك اللحظة!
توقف السائق بعيداً عن ذاك الحشد الكبير الذي يقطن أمامه مردداً وهو يطالع ماهر الجالس بجواره:
"أخري لهنا يا فندم حضرتك شايف الناس قدمنا كتيرة ازاي مش هقدر أتخطاهم إلا إذا كان في طريق تاني ممكن حضرتك تدلني عليه."
أومأ له ماهر برفض كما علق على حديثه ممتناً:
"لا تمام اوي كده، شكراً يابني."
أخرج من جيبه بعض الأموال وناولها له بينما ترجلن الأخريات من السيارة. تفاجئت ورد بثقل حركة قدميها فلم تستطع تحريكهم بسهولة كما كانت. استندت بيدها علي السيارة لبرهة لتستجمع قوتها التي خارت تماماً ثم حركت قدميها بكل ما أوتيت من قوة وتابعت سيرها للأمام وقلبها يعتصر خوفاً.
تبعته والدتها وخالها الذي كان يحاول مساعدتهم بإبعاد الواقفين من أمامهم وتهيئة سبيل مريح يسيرون فيه. وبعد مدة نجحوا في تخطي ذاك الحشد الهائل لكنهم توقفوا تلقائياً بسبب حواجز الموضوعة من قِبل الشرطة لتمنع أي دخيل من اجتياز الحد المسموح.
أصدرت ورد شهقة قوية منعت خروجها براحة يدها التي وضعتها على فمها حين رأت عمها غارق في دمائه، والأخر مشهد مصطفى الذي يمسكانه به إثنين من رجال الشرطة مقيدين حركته. في تلك الأثناء قد وصل خليل إلى مكان الحادثة وترجل من سيارته. فارت دمائه بغضب حين رأى تقيد الشرطة لولده ومنعه من التحرك.
اجتاز الحد المسموح فلم يقدر أحدهم على منعه. ارتفعت نبرته الغاضبة في الوسط وهو يأمر العساكر:
"بعد يدك عن ولدي منك ليه."
تدخل نفادي في الأمر بقوله:
"لازمن ناخده معانا على المركز يا عمدة."
نهره خليل بنبرة غير قابلة للنقاش:
"معلوم هيروح لكن مش متكلبش كيف ما أنت عامل فيه أكده، أنا ولدي هيروح في عربية مخصوص مش في البوكس حجك!"
أومأ له بقبول والتفت برأسه أمراً رجاله:
"سيبوه."
حرك بصره إلى الجهة المعاكسة أمراً رجاله عالياً:
"هاتوها وتعالوا."
صعقت ورد حين رأت ثريا تظهر من جانب رجال الشرطة في حالة لا يرثى لها، تضحك ببلاهة وكأنها فقدت صوابها. لمحتها ثريا من على بعد فهللت في سعادة بالغة وكأنها انتصرت في أحد المعارك:
"أني جتلت حمدان يا ورد خلصت الدنيا منيه، خلصت نفسي وخلصتك من جرفه."
التفتت ثريا إلى حيث يقف الجميع وهتفت بأعلى حنجرة لديها:
"أني جتلت حمدان يا خلج، أني جتلت الشيطان."
انهارت قوتها تماماً عند قولها آخر جملة. ارتخى جسدها بين أيدي رجال الشرطة فتفاجئوا بفقدانها للوعي. غيروا مسار وجهتهم وتحركوا بها نحو سيارة الإسعاف لكي يفعلوا اللازم معها.
لا يزال طاهر يجلس أرضاً لا يقدر على الحركة، فقط يتابع الأحداث في صمت مريب غير مستعد للتعليق فعقله قد ذهب مع الريح. بينما لم تكف صباح عن الصراخ فلقد أصابها الذعر حين رأت والدتها تهرول إلى الخارج حاملة لسلاح والدها وبدون تفكير ضغطت على زناده اللعين الذي أودى بحياة والدها أمام مرأي عينيها.
تحاول مروة التخفيف من عليها لكن كيف وهي أيضاً مصابة بالذعر منذ تلك الحادثة الفاجعة فكيف عنها وهما والديها التي فقدتهم في آن واحد!!
تحركت سيارات الشرطة برفقة سيارتي الإسعاف ومن خلفهم سيارات رجال خليل الذي يستقل داخل إحداهما مع ولده الذي لازمه الصمت.
بعد مدة بدأ الجميع في الانسحاب حتى بات المكان خالياً إلا من ورد ووالدتها وخالها. يقفون في حالة ذهول قد تملكت منهم بعد رؤية ما يشاهدونه أمامهم فقط في الأفلام. خرجت ورد عن صمتها بترديدها الخافت:
"مصطفى .. مصطفى."
أشفق ماهر على حالتها التي كانت عليها منذ رؤيتها للحادث. اقترب منها وضمها بحنو محاولاً تهوين الأمور:
"الحمد لله يا ورد أن مصطفى بعيد عن الموضوع كله، احمدي ربنا يا حبيبتي."
بدأ صدرها في الصعود والهبوط بصورة مضطربة، وبقوة هشة هذيلة أطلقت العنان لعبراتها في السقوط لكن بصعوبة بالغة قابلتها. انضمت إليهم سنية وملست على رأسها بآسى:
"هوني على نفسك يا ورد مصطفى بخير الحمدلله وديه اللي رايدينه."
تراجعت ورد للخلف قليلاً وقالت:
"رايدة أطمن عليه."
أومأت لها والدتها بقبول فهي تريد تنفيذ كل مطالبها ربما تنجح في التخفيف من عليها. أشار ماهر لإحدى سيارات الأجرة التي مرت من أمامهم بعد مدة وأمر سائقها للتوجه إلى قسم الشرطة.
في قسم الشرطة، ولج خليل بقامته المنتصبة مكتب رئيس المباحث وبنبرة صارمة حادة أردف:
"ولدي بيعمل ايه إهنه يا حضرة؟"
أجابه رئيس المباحث بعملية:
"ولدك متهم في شروع جتل يا عمدة!"
التوى ثغر خليل بتهكم ونهره بإنفعال:
"اذا كان الجاتل نفسيه معاكم يبجي شروع في جتل ايه بتتحدت عنيه؟"
بنفاذ صبر أجابه الآخر:
"يا عمدة إحنا جالنا بلاغ أن مصطفى رافع السلاح على حمدان ولازمن نجومو بشغلنا والخلج اللي كانت واجفة..."
قاطعه خليل ببرود:
"لو جبت كل اللي كان واجف هيجولولك إن مرته هي اللي جتلته وصدجني مش في مصلحتك إن ولدي يجعد أهنه اكتر من أكده."
فؤجئ بحديث خليل ولم يتحمل تهديده، انتفض من مقعده ضارباً مكتبه بغضب جامح وصاح به:
"أنت بتهددني يا عمدة وفي مكتبي كمان!!"
انتبه إلى اقتحام أحدهم مكتبه فور إنهائه لجملته، تجهمت تعابيره متوعداً لذاك الدخيل إلا أنه تفاجئ بأحد الضباط ذات الرتبة العالية الذي أمره بلهجة مختلفة قوية:
"مصطفى يخرج حالاً وقطع المحضر اللي قدامك ده مش عايزين شوشرة يا عماد، أمر واجب التنفيذ يا بيه."
رفع عماد إحدى ذراعه للأعلى بجوار رأسه بطاعة:
"أمرك يا فندم."
استدار الضابط إلى العمدة معتذراً له:
"إحنا آسفين يا عمدة تقدر تاخد ابنك وتمشي."
شكره خليل ممتناً لـ لطفه:
"متشكرين يا إسماعيل بيه نردهالك أن شاءالله."
نظر خليل إلى مصطفى وتعجب من شروده الواقع فيه منذ تلك الحادثة. حمحم بخشونة ليجذب انتباهه قائلاً:
"هم بينا يا مصطفى ورانا عزا ناخدوه."
نهض مصطفى جامد الملامح لا يتفوه بحرف، تابع سيره خلف والده إلى أن خرج كليهما من المركز. صاح رجال خليل مهللين بسعادة حين رأوهم. أشار خليل إلى عسران الذي لبى ندائه في ثوانٍ:
"أمرك يا عمدة."
أمره خليل بشموخٍ:
"انصبوا عزا يليق بمقام الغالي."
أومأ له عسران بطاعة ثم انصرف لكي ينهي سريعاً ما أمره به خليل الذي تابع سيره عائداً إلى سيارته برفقة مصطفى.
تفاجئوا بقدوم ورد برفقة عائلتها. وقفت أمام مصطفى ولم تعلم للحديث سبيل. باتت الكلمات أكثر صعوبة الآن وخصيصاً أنه لا يود مواجهة عينيها. تريد معانقته ليعود إليها أمانها وسكينتها من جديد.
تبخرت أمانيها حين أمر أحد رجاله بنبرته القوية:
"وصلوها لدار أبوها!!"
سار بجوارها وعاد إلى سيارته التي استقل بها ثم انضم إليه خليل الذي عزم على محادثته في أمر ورد في النهاية الذنب الأعظم كان لعمها الذي اقتص منه اليوم.
تحرك بهم السائق مبتعداً عن المكان، بينما لم ترفع ورد بصرها من على السيارة التي اختفى داخلها مصطفى بعد تشهيره علناً بإفتراق طرقهم بعد تلك اللحظة.
تعسرت قدمها فلم تعد تستطيع حملها لأكثر. أسرعت السيدة سنية باللحاق بها بمساعدة شقيقها الذي قال بحكمة:
"أنا رأيي أن ده رد فعل طبيعي يا ورد، مصطفى عقله مشتت في الوقت ده وغضبه لسه متبخرش يعني إديله مساحته يهدي ويرتب أموره وهتلاقيه بنفسه جاي لك يرجعك."
وافقه سنية الرأي هاتفة:
"خالك عنديه حج يا ورد، مصطفى محتاج يهدى لاول، اللي حصل مش سهل عليه يا حبيبتي."
لم تعلق ورد على ما قالاه، فإذا كان الحل لاستعادته رونقه البعد عنها فماذا ستفعل هي والحل لسكينة قلبها في وجودها بين ذراعيه بقرب قلبه!!
حثتها والدتها على السير إلى السيارة التي أمر مصطفى بعودتهم فيها. استقل ثلاثتهم بها ثم تحرك السائق إلى حيث منزل عائلة ورد كما جائته الأوامر.
رواية عرف صعيدي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم تسنيم المرشدي
استلم جثمان أبيه وتوجه به إلى المسجد حتى يصلي عليه صلاة الجنازة ومن ثم إلى مثواه الأخير.
وقف خلف إمام المسجد برفقة صديقه محمود في انتظار مجيء أهل البلدة لكي يشرع الإمام في بدء الصلاة.
أذاع الشيخ عن وفاة حمدان للمرة التي لا يعلم كم يحثهم على المجيء لكن دون جدوى.
مهما مر من الوقت قدراً لا يتغير شيء.
استدار الشيخ وطالع طاهر بخذى شديد لا يدري بأي وجه سيردف كلماته لكنه مضطر.
حمحم قبل أن يقول بحرج:
- هنعمل إيه يا طاهر إحنا استنينا كتير وإكرام الميت دفنه يا ولدي.
حرك طاهر رأسه للخلف يطالع المسجد الخاوي من الأناس.
ابتلع ريقه وأعاد النظر إلى الإمام قائلاً بهدوء مميت:
- صلي يا شيخ.
نكس الشيخ رأسه في خجل شديد منه ثم أولاه ظهره ليقف مكانه وبدأ في الصلاة.
لم يكن هناك من الرجال سوى ثلاثتهم ومن النساء سوى صباح ومروة.
انتهى الإمام من الصلاة والدعاء له ثم توجه إليه طاهر برفقة محمود وحملوه معاً ثم وضعوا التابوت داخل سيارة تكريم الموتى.
ابتعد عنهم محمود لكي يحضر سيارته سريعاً.
استقل أربعتهم فيها ثم تحرك بهم محمود خلف السيارة الأخرى إلى المقابر.
لم يصدر أي أصوات سوى بكاء صباح الذي لم يتوقف قط.
شهقاتها قوية متألمة على الفجعة التي حضرتها.
انقلبت حياتها رأساً على عقب في أقل من الدقيقة.
لم تبتعد عنها مروة لحظة بل كانت حريصة على وجودها الدائم معها ربما تنجح في لملمة جراحها لكن هيهات لجروحها التي لن تلتئم بسهولة بعد تلك الحادثة المروعة.
كما حاولت مواساة طاهر لكنه كان جامداً لا يتحدث ينهي ما عليه فعله في صمت مريب تخشاه هي.
لكن ما عليها سوى الصبر في النهاية ستجمعهم غرفة واحدة وحينها ستعلم ما إن سيخلع ثوب الجمود ذاك أم سيظل عليه طويلاً.
كان يتابع صباح بشفقة من مرآة سيارته.
يشعر بالضيق من أجل حالتها المذرية التي لا يملك لها سوى الدعاء بأن يربت الله على قلبها بالصبر والسلوان هي وشقيقها.
التفت محمود برأسه وطالع طاهر بآسى هو الآخر.
ربت على قدمه بيده دون تعقيب فأي كلمات ستهون عليه المصيبة التي حلت على رأسه.
تابع قيادته حتى وصل إلى المقابر الخاصة بعائلة المنشاوي.
ترجل سريعاً برفقة طاهر وحملوا التابوت إلى الداخل ومن ثم تنحى جانباً حتى يعطي مساحة لذويه في توديعه.
صرخت صباح وهي ترى جثمان والدها يختفي خلف باب القبر.
اقترب منها طاهر فتنحت مروة جانباً ربما ينجح هو في احتواء حزنها.
أحاطها طاهر بذراعيه ووصية والدته تتردد في عقله.
بصعوبة بالغة نجح طاهر في إقناع صباح على المغادرة.
رافقتها مروة إلى غرفتها بينما استلقى طاهر أعلى الأريكة بإهمال ممتناً لصديقه الذي لم يتركه كغيره.
- شكراً يا محمود على وجوفك إمعانا.
طالعه محمود مستاءً منه:
- بتشكرني على إيه يا طاهر ده أنت أخويا يواد.
ولو الدنيا كلها كانت ضدك اجف جارك في وشها.
حاوط طاهر عنقه براحة يده مردفاً بضيق واضح:
- حاسس إني في كابوس مخابرش هفوق منه متى.
أوصد عينيه لبرهة في تعب شديد لاحظه صديقه ولم يحب أن يطيل معه وحثه على أخذ قسطاً من الراحة حتى يعود لرشده.
- شكلك تعبان جوي جوم ارتاح لك هبابة عشان تجدر تصلب طولك أختك محتجاك جنبها في المصيبة دي.
تأفف طاهر بصوت مسموع فهم الآخر مستأذناً منه:
- أني موجود يا صاحبي في أي وقت.
هسيبك دلوك عشان تريح جسمك وعجلك شوية.
انسحب محمود للخارج لكنه لم يغادر بل فضل المكوث أمام المنزل لعل صديقه يحتاج إلى شيء ما فيكون أقرب في الوصول إليه.
في الداخل، نهض طاهر بصعوبة قابلها في سيره.
اتكأ على جدران المنزل حتى وصل إلى غرفته.
انتبهت مروة على صوت إغلاق باب غرفتهم وودت لو تذهب إليه لكن كيف ستترك صباح في تلك الحالة؟
انتبهت على صوتها الذي أخرجها من شرودها:
- همليني لحالي هبابة يا مروة أني رايدة أنام.
كذبت صباح في حديثها لكي تحظى بوقت تعيش فيه حدادها بمفردها.
بينما استغلت مروة الفرصة وأسرعت إلى الخارج لكي تؤازر طاهر في محنته.
طرقت على الباب ثم ولجت للداخل بهدوء.
كان يجلس على الأريكة يطالع السقف في سكون مريب.
اقتربت بخطاها منه خشية ردة فعله لكن عليها المحاولة لعله بحاجة إليها.
جلست إلى جواره وبتوجس نطقت اسمه:
- طاهر.
تفاجئت به يميل إلى كتفها فلامست هي ضعفه في تلك الأثناء ولم تندم على مجيئها إليه.
مالت على رأسه بحنو دون أن ترفد فيكفي أن تكون بقربه دون حديث وإن كان على أحدهم التحدث فسيكون هو وليس هي.
انحنى طاهر قليلاً ودفن رأسه في حضنها.
انتبهت مروة إلى شهقاته القوية التي هزتها بقوة.
لم تتمالك دموعها وجهشت باكية مشاركة إياه حزنه كما ربتت على رأسه بحنو وحب صادق.
"آآآه"
خرجت من جوفه بنبرة متألمة فتبعها بكاء مرير يتردد صوته داخلها.
شدت مروة على رأسه ثم انحنت عليه وطبعت قبلة على خصلاته مرددة:
- ربنا يصبر جلبك يا حبيبي.
ظل طاهر على وضعه لا يريد الابتعاد ولا يستطع السيطرة على عبراته حتى يفرغ جميعها.
ظلت مروة تؤازره ببعض الكلمات الداعمة حتى تساعده على استعادة صوابه عاجلاً.
يقفان بشموخٍ يأخذون عزاء غاليهم الصغير.
فاليوم تحققت العدالة وعوقب من قتله حتى وإن لم يحظوا بشرف قتله فيكفي أنه قُتل ولا يهم بيد من.
كان حجم سرادق العزاء على مساحة مهولة له أكثر من مدخل ومخرج ناهيك عن الأنوار التي تعم المكان بأكمله.
كذلك حرصوا على حضور مشايخ ذات قامة وقيمة لترتيل القرآن طيلة أيام العزاء.
الحضور من جميع الطبقات.
لم يصغِ أحد في البلدة عن عزاء هلال إلا وجاء ليقوم بواجبه.
المكان ممتلئ بالأنناس منهم فريق من الضباط ذات الرواتب المختلفة.
وعلى جانب آخر زملاء العمدة من كبار البلدة وأعيانها.
والآخرين الأهالي التي تركوا ما خلفهم فقط من أجل العمدة وأبنائه.
يصافح هذا وذاك ولا يدري هويتهم فهو لا ينظر في أعينهم من الأساس.
باتت ورد شاغله الأساسي.
ماذا سيفعل معها؟
حتماً لم يقدر على الفراق وفي الوقت ذاته لن يقدر على المواجهة.
كيف يستطيع المواصلة وكأن شيئاً لم يكن.
كيف بإستطاعته إلقاء الحقيقة خلف ظهره دون أن يتلفت.
هل سيصمد أمام زرقاوتيها دون أن يلقي اللوم عليها في كل وقت وحين.
لا علم له الآن.
عليه فقط مسايرة تلك الأيام الثقيلة حتى تنتهي وينفرد بنفسه ربما حينذاك يصل إلى حل قاطع لأفكار عقله اللعينة.
مرت الليلة الأولى من العزاء ولم يترك ضيف مصطفى مطلقاً فكان في رفقته طوال الوقت.
كذلك صفاء التي علمت بالفاجعة التي قلبت حياة ورد وظلت إلى جوارها فهذا واجبها ويحتم عليها فعله.
في صباح اليوم التالي، طرقت السيدة سنية باب غرفة ورد التي لم تظهر منذ مدة لتطمئن عليها.
شكلت بسمة على محياها حين رأتها تستند بذقنها على حافة الشرفة وكأنها في انتظار شيء ما.
حمحمت لتجذب انتباهها قبل أن تردف:
- صباح الخير يا ورد.
أعدلت ورد وقفتها وقالت وعينيها مثبتة خارج النافذة:
- رايدة أروح لصباح مبطلتش بكا من امبارح.
تعجبت سنية فتفكيرها بعيد كل البعد عن حالها.
استدارت ورد بجسدها ورمقت والدتها مضيفة:
- الليل كله مفيهش غير صوت بكاها.
هي محتاجة اللي يجف جارها.
اقتربت منها والدتها وربتت على ذراعها بحنو أمومي:
- ربنا يجبر بخاطرك يا ورد كيف ما بتجبري بخاطر الناس.
سحبت نفساً وتابعت:
- تعالي نفطروا لأول وبعدها روحيلها.
حركت ورد رأسها في رفض موضحة:
- أني راحة دلوك.
كانت تتهرب من الطعام كعادتها إن كان قلبها حزين.
لم تدع الفرصة لوالدتها في الاعتراض وهرولت للخارج دون أن تلتفت بعدما التقطت وشاحها من أعلى الحاملة الواقفة خلف الباب.
"صباح الخير يا ورد"
ألقى ماهر التحية عليها فأجابته وهي تغلق الباب:
- صباح النور يا خال.
تابعت توصيد الباب ومن ثم اتجهت إلى منزل عمها.
تعجب ماهر من هرولتها وبفضول سأل شقيقته:
- مالها ورد بتجري كده ليه؟
جلست سنية أعلى الأريكة.
أخرجت تنهيدة مهمومة وبنبرة حزينة مكلومة أردفت:
- طبعها الهرب وجت ما تبجاش زينة.
طالعها ماهر بشفقة وجلس بجانبها متمنياً لها السعادة:
- ربنا يبدل أحوالها يارب.
تردد كثيراً قبل أن يلقي بسؤاله الذي يدور في عقله بحرج بائن:
- احم، أنتوا ناوين على إيه يا سنية هترجعوا معايا؟
انتبهت الأخرى لما قاله وبقلة حيلة ردت عليه:
- مخابرش يا ماهر يا أخوي.
بس هنمشوا كيف وورد بالحالة دي ومن غير إذن جوزها، متهيقليش ينفع واصل.
كان يريد إخبارها بذهابه لكي يداوم عمله فغير مسموح له بالغياب كلما أراد.
انشغل بين أفكاره وانتقاء كلماته ليخبرها بالأمر دون حرج.
لاحظت سنية شروده واستشفت ما خلفه فأسرعت بحديثها:
- عاود أنت يا أخوي شوف مصالحك إني هفضل إهنه ويا ورد لما نشوف آخرتها إيه.
رمقها ماهر بنظرات ممتنة لكونها تفهمت الوضع وبحرج ظاهر في لهجته قال:
- غصب عني يا سنية والله أنتِ عارفة شغل الحكومة مفيهوش إجازة وقت ما أحب.
ربتت الأخرى على قدمه مرددة:
- عارفة يا حبيبي ربنا يعينك.
في الخارج، وقفت ورد تطالع الدماء التي تملأ الأرضية.
شعرت برجفة قوية اجتاحتها إثر تذكرها للحادثة البشعة.
لم تطيل النظر إلى المكان وتابعت سيرها إلى المنزل.
طرقت بابه وانتظرت استقبالها من قبل أحدهم.
استقبلتها مروة التي تفاجئت بحضورها.
لا تعلم أي شعور تملكها في تلك اللحظة لكن حتماً لم تحب رؤيتها.
فهي من سرقت لذة يومها الأول مع زوجها وكسرت مصداقية كلماته الحنونة بنطقه لإسمها باستمرار.
وعلى الرغم من الضيق الذي تملكها حينها إلا أنها استقبلتها باحترام مرحبة بها:
- اتفضلي يا ورد.
ولجت ورد إلى المنزل وهي ترمق المكان لطالما لم تدخلها منذ زمن بعيد.
أزفرت أنفاسها بحرارة والتفتت إلى حيث مروة ورددت بنبرة خافتة:
- رايدة اطلع لصباح.
اكتفت مروة بإيماءة قبول من رأسها فتحركت ورد صاعدة للطابق العلوي أثناء خروج طاهر من غرفته فتقابلا على السلم.
خفق قلب مروة متوجسة خيفة من ذلك اللقاء.
وقفت تتابع نظرات طاهر وتغيراته أمامها بإهتمام شديد.
تفاجئ طاهر بوجود ورد أمامه وللمرة الأولى لم يخفق قلبه لها.
هو فقط تفاجئ بها أمامه ليس إلا.
حمحت ورد قبل أن تردف بشفقة:
- جلبي عندك يا طاهر ربنا يصبركم.
كنت جاية أطمن على صباح وأشوفها لو محتاجة حاجة.
بفتور قال:
- فيكي الخير يا ورد.
مر بجوارها دون إضافة المزيد وهبط إلى الأسفل تحت نظرات مروة عليه.
على الرغم من أن تصرفه كان أقل ما يقال عنه عادياً إلا أن شعور الغيرة قد تملك منها وسيطر على خلاياها ولم تستطع التحدث معه بسهولة.
طرقت ورد باب غرفة صباح وولجت بخطاها للغرفة فلا داعي للانتظار فبكائها واضح للغاية لها.
"مريداش اشوف حد هملوني لحالي"
هتفت بهم صباح من أسفل الوسادة التي تعتلي رأسها فأسرعت ورد بتعريف هويتها:
- ديي أني ورد يا صباح.
سكون حل لثانية.
أزاحت صباح الوسادة من عليها لتظهر عينيها المتورمة.
أشفقت ورد كثيراً على حالتها المذرية.
اقتربت منها وهي تردد بحزن:
- جلبي عندك يا صباح.
كادت أن تجلس مقابلها إلا أن صباح فاجأتها بكلماتها:
- جاية تشمتي فيا؟
اتسعت مقلتي ورد مذهولة من سؤالها المريب.
فأي شماتة ستكون في الموت.
حاولت تبرير سبب زيارتها:
- شماتة! أني هشمت فيكي لإيه؟ أني جاية أجف جارك أشوفك لو محتاجة حاجة.
اعتدلت صباح في جلستها وتابعت هجومها بنبرة غير سوية:
- ولا جاية تشوفي الحال اللي وصلنا له.
جاية تشوفي صباح وهي منكسرة ومجهورة.
جاية تتشفي فيا.
كانت كلماتها تسبب الصدمة لورد كلما أضافت شيء آخر.
رفعت ورد يدها وأشارت على ذاتها بدون استيعاب:
- أني يا صباح! للدرجة دي شيفاني جليلة الأصل؟
نهضت صباح من مقعدها وهتفت ببغض واضح:
- لاه شيفاكي أصيلة وديه اللي مكرهني فيكي.
أني بكرهك من كل جلبي.
كل واحد عنديه عقبة سودة في حياته وأنتِ العقبة ديي يا ورد.
الذهول دون غيره كان سيد الموقف.
كانت تصغي ورد لما تقوله غير قادرة على الرد.
تابعت الأخرى بلهجة محتقنة معنفة ورد:
- من صغرنا وأني بكرهك.
كنتي واكلة عقول الكل.
ورد ورد ورد.
مفيهش غير ورد اللي اسمها بيتنطق طول الوقت في وداني.
ورد جميلة ورد بيضة ورد عيونها مكحلة ورد عيونها زرج.
ورد ذكية ورد شاطرة.
اعملي كيف ورد.
اتنصحي زييها.
الكل بيحب ورد وصباح لاه كاني مش موجودة من أساسه.
حركت ورد رأسها في ذهول تام رافضة ترهاتها السخيفة:
- أني كنت صغيرة وجتها أني كنت طفلة.
صاحت صباح بعصبية بالغة وهي تجيب عليها بأسباب عدة:
- حياتك كلها وردية أمك وابوكي كان شغلتهم يلعبوكي ويحضنوكي ويبوسوكي.
صوت ضحككم كان بيخرك طبلة ودني من علو حسكم وأني أبوي كل ما يشوفني يسبني ويبعد عني وأمي كل اللي يهمها المال وطول الوقت عتتخانج عليه وتعايره إنها أغني منيه.
وأمك في الوقت نفسه تكون جاعدة تحت رجلين عمي تغسلهاله.
كنا بنعملوا فرح لما أبوي ينادي أمي من غير سب ولا شتيمة وأنتِ أبوكي مكنش بينطق اسمها غير وهو زعلان منها.
رفضت ورد سماع المزيد من سخافتها التي تفاجئت بها:
- لاه دأنتِ حالتك حالة يا صباح.
أولاتها ظهرها وأسرعت للخارج لكن الأخرى لحقت بها وأجبرتها على الوقوف بمسكها لذراعها مضيفة بحقد:
- أنتِ أحسن مني في إيه؟
ليه حياتك أحسن من حياتي.
ليه مجدراش أحس بالكمال جدامك.
ليه الكل بيحبك ويتمنوا رضاكي.
خطابك كتير وهما ميعرفوش شكلك من أساسه.
اتجوزتي ابن العمدة ولما مات خوه خدك.
حضر طاهر ومروة إثر صوت صباح المرتفع.
وزع طاهر أنظاره بينهم في حيرة من أمرهم وألقى بسؤاله قائلاً:
- في إيه عاد؟
تولت ورد الرد عليه بنفاذ صبر:
- أختك اتجنت في مخها يا طاهر.
طالعت صباح شقيقها قبل أن تواصل ما لم ينتهي لديها:
- حتى طاهر من وإحنا صغيرين بيهتم فيكي أنتِ.
لما فكر يعمل المرجيحة عملها لبت عمه مش لاخته.
كنتي شاغلة تفكيره طول الوقت حتى لما كبر سكنتي جلبه.
أمسكتها صباح من كلتي ذراعيها وهزتها بكل ما أوتيت من قوة متسائلة بحسرة على حالها:
- بتعملي ليهم إيه؟
تدخل طاهر الذي صعق من رميها للحديث في الوسط دون اكتراث لمشاعر أحد بوضعه راحة يده على فمها والغضب يتطاير من عينيه فنعكس على نبرته التي تحثها على التوقف:
- اكتمي واجفلي خشمك ديه.
يلا عاودي على أوضتك.
دفعت صباح بيده بعيداً عن فمها ولم تتوقف قط فلن تتراجع قبل أن تنهي ما في جوفها لعلها تشعر بالراحة:
- ردي يا ورد وجولي بتعملي إيه يمكن اتعلم منك وتبجي حاجة تتغفر لك.
جولي سرجتي عجول الرجالة كيف وهما مشافوكيش.
دول بيتجوزوا عشان ينسوكي وبرده مبيعرفوش.
لم يستطع طاهر تحمل المزيد.
دفعه بكل قوته إلى أن أعادها إلى غرفتها ثم أوصد الباب قبل أن تهم بالخروج مرة أخرى.
نكس رأسه بخزي شديد فلا يتحلى بالشجاعة لمواجهتهن بعد إظهار حقيقة ما يخفيه عنهن.
انسحبت مروة في هدوء إلى غرفتها فلقد أصابت صباح حدسها وأكدت لها ظنونها فلا داعي لوقوفها عازول بين الحبيبان.
بينما التفت طاهر حين صغى لإغلاق باب غرفته وتأكد من ذهاب إحداهن فالأمر سيكون هين قليلاً لمواجهة ورد بمفردها.
طالعته ورد لبرهة ثم خرجت عن صمتها بنبرة محتقنة:
- أنتوا كلاتكم مرضى ولازمن تتعالجوا.
أولاته ظهره وهرولت إلى الأسفل ومن ثم عادت إلى منزلها في حالة لا يرثى لها.
أوصد طاهر عينيه وفرك مؤخرة رأسه بعصبية بالغة.
أعاد فتح عينيه التي صوبت مباشرةً على باب غرفته.
شهيقاً وزفيراً فعل قبل أن يتوجه إليها لكي يصلح ما أفسدته صباح.
تنفست الصعداء ما أن أغلقت الباب.
تفاجئت بأعينهم تطالعها بغرابة من أمرها.
حمحمت واعترضت أي سؤال قد تقابله منهما بصعودها إلى غرفتها.
توقفت حين وجهت لها والدتها الحديث:
- خالك هيروح يعمل الواجب ويعزي العمدة جبل ما يمشي.
استدارت إليهم حين راودتها فكرة ما.
ابتلعت ريقها وحسمت على تنفيذها:
- هاجي معاك.
اعترضت سنية بدافع الخوف:
- بلاها مرواحك يا ورد معايزنش حد يضايجك بالحديث.
هبطت الأدراج التي صعدتها واقتربت منهما.
توقفت ثم علقت على ما قالته بثقة:
- محدش هيجدر يضايجني ومصطفى موجود.
فوجئت سنية بردها وحاولت منعها مراراً:
- مش بعيد مصطفى نفسيه هو اللي يضايجك يا ورد اسمعي حديتي وبلاها مرواح للسرايا دلوك سبيه يهدي لأول يابتي.
حركت رأسها رافضة الرضوخ لحديثها موضحة:
- أني متجبلة مضايجته.
رفعت بصرها حيث يقف خالها وأضافت:
- هم بينا يا خال.
لم يكن في مقدرته الرفض فهو فقط يفعل ما يجلب لهم الراحة.
تنهد قبل أن يردف:
- يلا بينا.
طالعته سنية بنظرات تحثه على التراجع ومنعها من الذهاب فلا تريد أن ينكسر قلبها من خلف مصطفى وغيره.
أشار لها ماهر بأهدابه يطمئنها فحتماً لن يرضى أن يمسها حزن في وجوده.
اتجه كليهما إلى الخارج برفقة بعضهما البعض ثم توجهوا إلى سرايا العمدة حيث سرادق العزاء الذي يأتيهم صوت ترتيل القرآن من على مسافة بعيدة.
تسللت ورد إلى باب المطبخ بمساعدة صفاء التي علمت بحضورها.
بينما استأذنها ماهر في تأدية واجبه لأن تنتهي مما تريد فعله.
استطاعت ورد الوصول إلى غرفتها بسهولة لعدم وجود أي أناس في السرايا فالجميع في سرادق العزاء سواء كان رجال أم نساء.
هاتفت صفاء ضيف لكي تخبره بحضور ورد فقابلها هو بسؤاله:
- يعني أعمل إيه أني دلوك؟
ابتعدت صفاء عن ورد قليلاً لكي تكون على راحتها معه:
- شوف لك أي حجة تخليه يعاود بيها أوضته يا ضيف أنت هتغلب يعني.
تأفف مستاءً وأنهى مكالمته معها وعقله مشتت لا تأتيه فكرة يعيد بها مصطفى إلى غرفته.
علقت في ذهنه أحد الأفكار فأسرع في تنفيذها.
التقط فنجان قهوة من أحد العاملين الذي يقوم بضيافة الحضور.
ارتشف القليل وسار نحو مصطفى متصنعاً عدم معرفته لأحد الحضور ليصل إلى مبتغاه:
- ألا بجولك مين الراجل اللي جاعد جار الحاج أبوي وبيتودد معاه ديه؟
أخبره مصطفى بهويته في اللحظة نفسها الذي مال ضيف بيده الممسكة بالفنجان لتتساقط القهوة على جلباب مصطفى بسهولة.
هتف ضيف بندم زائف حين وقع بصره على جلبابه المتسخ:
- أني آسف يدي نملت فجاءة.
ألقى مصطفى بصره على جلبابه بضجر وبجمودٍ قال:
- محصلش حاجة.
هصعد ابدلها واعاود.
ظهرت ابتسامة لم تتعدى شفاه ضيف لتسديده هدفا رائعا.
أخرج هاتفه من جيبه وأخبر صفاء بقدوم مصطفى فهرولت هي سريعاً عائدة إلى المطبخ بعدما أعطت البشري لورد التي انتظرت عودته بفارغ صبر.
أدار مصطفى مقبض الباب وولج للغرفة بملامح جامدة من وقت علمه بحقائق الأمور.
تفاجئ بوردته تتوسط الغرفة وزرقاوتيها تطالعنه بإفتقاد وشوق ظاهرين.
خفق قلبه فور رؤيته لها.
لانت ملامحه فشوقه تغلب على غضبه.
لكن سرعان ما تجهمت مرة أخرى وصاح متسائلاً:
- ايه اللي جابك إهنه؟
أسرعت ورد بالإقتراب منه محاولة استعطافه وتبرير موقفها:
- صدجني أني كنت هجولك بس ست نادرة ضغطت عليا، وخوفتني عليك كان غصب عني.
حتى مجدرتش أواجهك بعديها وسافرت لاني معرفتش أداري عنك ولا أنام على المخدة نفسها معاك وأني حاسة إني غشاك.
توقفت عن الحديث في انتظار رده عليها.
طالعها مصطفى لوقت وبجمودٍ أجابه:
- ديه مينفعش حجيجة إنك السبب في موت أخوي وأني كل ما هشوفك هفتكر هلال وهو غرقان في دمه.
لم تتحمل ورد فهي تحادثه وبكائها على حافة السقوط.
أجهشت باكية بمرارة وهتفت بتلعثم:
- مكنش قصدى، مكنتش أعرف أنه هيوصل بيه الحال لإنه يتقتل.
أني اتعشمت فيه يرجع لي حقي ولما حصل اللي حصل شيلت ذنبه كاني السبب.
مكنتش خابرة إني السبب من أساسه بس والله ماكنت خابرة إن ديه اللي هيوحصل.
أني جولت حمدان هيخاف منيه عشان بوه العمدة وهيرجع لي حقي من غير خسائر.
سقطت ورد بإهمال وظلت تندب بتحسر:
- مكنتش خابرة إن ديه اللي هيجري، مكنتش خابرة.
فوجئت ورد بمروره من جانبها دون أن يكترث لحالتها التي كانت عليها.
من أين جاء بذاك الجحود.
لم يكن كذلك من قبل فما رأت منه سوى معاملته الحسنة الحنونة.
لم يتركها حزينة إلا وأصلح الأمور بينهم في اللحظة ذاتها فمن يكون هذا إذاً.
حتماً ليس مصطفى التي تعهده إنه النسخة السيئة منه.
ولج مصطفى إلى المرحاض هارباً من دموعها التي مزقت قلبه أشلاء.
أستند برأسه على الباب في محاولة جاهدة بأن يصمد حتى تذهب هي وبالفعل بعد دقائق معدودة صغى إلى غلق الباب.
أدار مقبض الباب ليتأكد من مغادرتها.
انهارت قواه حين رأى الغرفة خاوية.
لم يتحمل لأكثر وخار ثوب الجمود الذي يرتديه.
أخرج "آآآه" موجوعة من أعماق قلبه.
شعر بحرارة شيء غريب قد سقط على وجنته.
عاد إلى المرحاض وطالع صورته في المرأة فتأكد من كونه يبكي.
مصطفى يبكي.
لم يكف عن البكاء الذي يقطعه شهقات قوية يتردد صداها في المكان.
يعلو صدره ويهبط بصورة مضطربة.
كانت مرته الأولى لأن يسمح لقوته في الانهيار بهذا الشكل.
رفع ذراعه وبغضب لم يعد يستطيع السيطرة عليه ضرب المرآة براحة يده حتى تناثر حطامها في أنحاء متفرقة.
أخفض بصره على أصابعه التي تسيل من بينهم الدماء وبعد مدة فتح صنبور المياه ليغسل يديه جيداً ثم قام بتعقيمها وتضميدها بلفافة قطنية.
بدل جلبابه المتسخ وجلس على طرف الفراش يطالع المكان الذي ترك فيه وردته تبكي فيه بمفردها.
لعن موقفه الذي قيده ومنعه من معانقتها في تلك اللحظة لقد وعدها بأنها لن تبكي في وجوده وهو الآن من يتسبب في ذلك.
لكنه لم يخرج من صدمته بعد فكيف سيحتويها وقلبه منكسر لا يقدر على التئام جروحه ومدواتها.
فرت دمعة أخرى من عينيه رغماً عنه كلما فشل في اقتلاع صوت بكائها من عقله.
يشعر بضعفه وقلة حيلته.
سحب نفساً وهو يردد بخفوت:
"اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال".
تابع مطالعته للفراغ الماثل أمامه لعله يستعيد جزء من صفوه الذي ذهب ولم يعد إليه منذ علمه بحقيقة الأمر اللعين.
وصلت إلى الخارج بخطى متمهلة ثقيلة.
لم تنعم صفاء بمحادثتها فكان خالها في انتظارها وحتماً لن يتسامران أمامه ففضلت الصمت لحين الالتقاء معها بمفردهن.
ظهر ضيف فور اختفاء طيف ورد وخالها.
تقدم نحوها بخطى ثابتة.
وقف أمامها وعينيه متبسمة بإشراقة طاغية.
رفع ضيف بصره على القمر عالياً مردداً بلطف:
- ألله إيه اللخبطة دي بجا.
عقدت الأخرى حاجبيها متسائلة في غرابة منه:
- لخبطة إيه عاد؟
انحنى عليها وبتلقائية عابثة أجابها هامساً:
- جمرين في ليلة واحدة كتير جوي.
كست الحمرة وجنتي صفاء وأخفضت بصرها في حياء مشكلة ابتسامة عذبة على ثغرها.
حمحمت وأردفت وهي تفرك أصابع يدها من فرط الارتباك:
- طب جول أنت رايد إيه وامشي جبل ما أمي تاجي وتشوف وجفتنا تجوم تطخنا عيارين.
قهقه ضيف وهتف مازحاً:
- يلا اهو تبجي أرواحنا ويا بعضها بتحلج في السما بدل ما أني مش طايلك على الأرض.
بادلته صفاء ضحكة على ما أردفه.
بينما شعر ضيف بإنهيار ثباته لطالما تحلى به منذ وقوفه أمامها.
وضع راحة يده على صدرها دافعاً إياها للداخل.
يطالعها بشوق عازب يتمنى تسديد هدفا يهدئ من لوعة عشقه إن سمح له المكان.
لحقت به قبل أن يطيل في الأمر فليس بالوقت ولا المكان المناسب لفعل ما استشفته من نظراته:
- بعد عني يا ضيف إحنا في سرايا العمدة يعني تبجي فضيحة ما بعدها فضيحة إن حد شافنا.
لم يكترث لتحذيرها التي تخيفه به.
في حركة سريعة منه حملها وأجلسها على طاولة المطبخ الرخامية ووقف أمامها وهو يطالعها بعذوبة:
- أمك السبب في حالنا ديه.
ولو على الفضيحة يا أهلا بها حتى نخلصوا بجا.
حركت رأسها مستنكرة أجوبته الجاهزة على كل شيء تردفه:
- كن عندك استعداد لكل داهية بحاول أحذرك منها.
انحنى بقرب شفاها وهو يقول:
- هو أنتِ مخابراش؟
أماءت له بنفي مجيبة إياه بعفوية:
- لاه مخابراش.
حادثها بقوة هذيلة من خلف وضعهم المريب والمحبب إليه:
- أني بحب الدواهي جوي.
حسناً لم يستطع الصمود وسمح لنفسه بتذوق شفتيها الصغيرة.
لم يطل الأمر وابتعد عنها قبل أن ينفضح أمرهم فأمرته صفاء بحياء يكسوا وجهها:
- أخرج بجا جبل ما أمي تاجي.
وافقها على ما تريده وانسحب إلى الخارج.
بينما ظلت صفاء ماكثة مكانها تعض على شفاها السفلى بخجل مفرط.
انتبهت على سؤالها الصارم:
- ايه اللي مجعدك فوج أكده يابت يا صفاء.
تفاجئت بها صفاء وحاولت إيجاد مبرر واضح لجلوسها أعلى الطاولة:
- هااا.. كنت زهجانة جولت أجعد إهنه.
رُسم التهكم على تعابير صفية فإجابتها خرقاء ولا يصدقها عقل بشري.
حركت رأسها في استنكار لتصرفاتها المريبة هاتفة بتهكم:
- ليه مرجيحة هي.
قفزت صفاء من عليها محاولة الهرب منها:
- هروح أشوف لو الحريم محتاجين حاجة ياما عن إذنك.
في أقل من الثانية كانت اختفت من أمامها هاربة من أسئلتها التي ليس لديها أجوبة عليها.
انشغل عقلها بحياتها الوردية مع ضيف فمتى ستحظى بها.
عاد إلى غرفته بعدما فشل في محاولة ترتيب أفكاره وانتقاء كلماته التي سيصلح بها التوتر الذي حدث بينه وبين مروة.
أوصد الباب ونظر إلى الأريكة التي تتوسطها.
مسحت مروة عبراتها سريعاً ما أن ولج طاهر للغرفة.
اعتدلت في جلستها وكأن شيئاً لم يكن.
ما زاد من ضيق طاهر أنها شكلت بسمة على محياها لكي لا تزيد من همه وهي الحزينة من بينهم.
أخرج تنهيدة مهمومة وتوجه نحوها ثم جلس مقابلها وبعد تردد طال لوقت أخيراً بدأ حديثه:
- مروة اللي سمعته ديه.
قاطعته مروة بوقوفها هاربة منه ومما سيحادثها فيه فحتماً ستجهش باكية إن سايرته في الحديث وليس بوقت انهيارها الآن:
- مفيهش حاجة يا طاهر، صباح معذورة.
لحق بها قبل أن تتخطاه ووقف مقابلها.
رفع وجهها بسبابته وأجبرها على مواجهة عينيه فرأى دموعها التي تلمع وتتلألأ في عينيها.
سحب نفساً محاولاً تنقية كلماته لكي لا يجرح مشاعرها:
- أني فعلا حبيتها.
بربك لماذا.
لن تقدر على مواصلة حديثه الذي سيؤلم قلبها.
قاطعته للمرة الثانية بقولها:
- يا طاهر ديه مش وجت تبرير أنت في ظروف متتحسدش عليها.
أخرج من محنتك لأول والحديث بيناتنا كتير هروح فين يعني أني جدامك أهاه، سيبك مني أني المهم انتي دلوك.
رفض طاهر الاقتناع بعدم مراعاتها فهذا سيكون إثم عليه وظلم لها وتابع حديثه مضيفاً:
- الظروف كانت ضدي ومتوفقتش معاها.
نصيبنا مش واحد.
وديه اللي أني فهمته بعدين.
لم تتحمل مروة سماع المزيد وصاحت به بنبرة موجوعة:
- أني ذنبي إيه يا طاهر؟
ليه تكرهني في ليلة أي بت بتحلم بيها.
اللي حصل يوم الفرح ديه مكنش هيوحصل للحظة اللي واقفين فيها ديي لو مكنتش شوفتني ورد.
أنت لمست ورد يا طاهر مش مروة.
كان جلبي بيتمزع كل ما تناديني بإسمها.
مكنش ينفع تبدلها بغيرها يا طاهر أنت ظلمتني جبل ما تظلم نفسيك.
أوصد عينيه لبرهة فكل ما قالته صحيح وعلي علم به.
لكنه يريد أن يرضيها لا يرضي لقلبها الحزن.
مسح بأنامله عبراتها التي سقطت كالشلال وأردف:
- عارف إني غلطت وظلمتك بس يشهد ربنا إنك من يوم ما دخلتي الدار ديي وأني متعاملتش معاكي غير بكل حسنة ورحمة و.
قاطعته بتحليلها لآخر ما قاله:
- ديه لاني كنت صعبانة عليك.
أنت جلبك طيب وحنين ومبتحبش تشوف حد حزين جدامك فمعاملتك ديي طبيعية.
أغلقت جميع السبل أمام طاهر بوضعها لأحجار ضخمة هائلة للوصول إلى طريقة ما لمراضتها.
أزفر طاهر أنفاسه باختناق شديد قد عصف به حينها فأسرعت مروة في المعاتبة المصحوبة بالاعتذار:
- أني جولتلك بلاها حديث دلوك أنت اللي أصريت، اني آسفة يا طاهر اعتبرني مجولتش حاجة.
بهدوءٍ تام لم تتوقعه مروة ألقى بجسده داخل حضنها الصغير مستند برأسه على كتفها.
شعرت مروة بقوته الهذيلة التي عانقها بها وكأنه يستمد منها قوة لكي يواصل بها يومه.
انتبهت لنبرته المتحشرجة بسبب البكاء الذي يحاول منعه:
- رايد أبدأ من جديد.
رايد أبني حياتي معاكي انتِ.
أول مرة جلبي ميدجش قصادها وأحس إنها كيفها كيف صباح يمكن حسيت بنفور منها محستوش مع حد جبل أكده.
تراجع للخلف ليطالع عيني مروة وأضاف متابعاً:
- أني أول مرة أظهر ضعفي لمخلوج.
أول مرة أحس إني محتاج مساعدة.
أول مرة أرمي نفسي على كتف حد وأبكي والحد ديه أنتِ.
أني محتاجك تساعديني نبدأ مع بعض من جديد.
لم يكن في مقدورها الرفض فالأمل الذي يتشبث فيه يرغمها على القبول.
ناهيك عن حبه الذي سكن قلبها وبالتأكيد لن ترفض توطيد علاقتهم حتى تقوى ولو كان سيعاد كل شيء من أول وجديد.
أماءت له بقبول فعاد طاهر إلى حضنها مصدراً تنهيدة حارة تردد صداها داخل صدر مروة من قوتها.
ربتت بذراعيها على ظهره مرددة:
- كل حاجة هتعدي.
الأيام هتتعدل وهنفتكروا الأيام ديي ونحمد ربنا إنها عدت.
شد طاهر من قبضته على خصرها تاركاً نفسه يعيش لحظة ضعفه دون خوف أو خجل فهي زوجته حبيبته.
بئر أسراره من سيكمل معها بقية حياته وعليها أن ترى جميع أحواله لطالما لم يعيشه مع أحد غيرها.
انتهى اليوم الثاني من العزاء.
عاد الجميع إلى ديارهم يستعدون لليوم الأخير.
لم يتغير شيء فيهم بل كان هناك شيء مشترك بينهم وهو الحزن والقهر الذي تبددا داخل قلوبهم.
لم يعرف مصطفى طريقاً للنوم في غياب وردته كذلك لم يرف لها جفن لعدم زيارتها الراحة والاسترخاء التي تكتسبهم من نبضات قلبه أسفل أذنيها.
بزغ النهار ببطء على الجميع.
عزمت صباح على الذهاب إلى ضيف الذي لا يجيب على مكالمتها كذلك لم يقف بجوارها كما يحتم عليه دوره في العلاقة.
ودت إفراغ شحنة غضبها به لعلها تشعر بالقليل من الراحة.
كسرت مقبض الباب الذي لم يقوم طاهر بفتحه إلى الأن وتسللت إلى الخارج بحذر لكي لا توقظ الآخرين حتى خرجت من المنزل وتوجهت إلى إحدى الطرقات التي يصل آخرها إلى منزل ضيف.
في تلك الأثناء، خرج ضيف من منزله لكي يذهب إلى صغيرته كعادته صباحاً من كل يوم حتى يمتع نظره برؤيتها كذلك ليحظى بقبلة ثمينة تهدئ نيران قلبه المشتعل.
رأته صباح على بعد منها ولم تلحق به.
أسرعت خطاها خلفه فهي لن تتراجع عما نوت على فعله.
صعقت حين رأته يقف أمام منزل صفية خادمة السرايا يتلفت حوله ليتفحص المكان.
وقفت خلف إحدى البنايات لكي لا يراها وترى ماذا يفعل هناك ولماذا التوتر البادي عليه.
جحظت عينيها حين رأت صفاء من فتحت له وفي ثواني كان قد اختفى خلف الباب الذي ركله بقدمه.
شعرت بوخزة في قلبها وهي ترسم عدة مواقف جريئة بينهما.
لكن ما الذي أوصل بضيف إلى صفاء ومنذ متى.
احتدمت تقاسيمها وأقسمت بألا تترك الأمر دون أن تكشف قذارتهم ويكونوا حديث للبلدة في الأيام القادمة.
هرولت إلى المنزل متوعدة إليهم بأشر الوعيد.
طرقت بكل ما أوتيت من قوة على الباب هاتفة بعصبية بالغة:
- افتح يا ضيف كل حاجة انكشفت يا جليل الأصل والتربية.
رواية عرف صعيدي الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم تسنيم المرشدي
اتسعت حدقتيها بصدمة جلية حلت على تقاسيمها.
ناهيك عن نبضاتها التي ازدادت عن معدلها الطبيعي.
وضعت يدها أعلى فمها تمنع تسلل تلك الشهقة التي صدرت عفوياً حين صغت إلى كلمات صباح البذيئة التي تمس كرامتها.
"وجف عندك مينفعش تفتح لها. أني سمعتي هتتلط إن الباب ده اتفتح!"
كاد ضيف أن يفتح لها لكنها منعته بعصبية بالغة.
طالعها بدون تصديق لتراها.
"سمعتك هتتلط بحج وحجيجي لو الباب ده متفتحش!"
صاح بها مندفعاً وكان حريصاً بألا يتسلل صوته لآذان اللعينة التي تقف في الخارج.
نهرته صفاء بضيق شديد فهو المسؤول عن كل ما يحدث بتصرفاته المتهورة التي لا يحسب لها.
"مريدكش تتصرف من دماغك واصل. أني لازمن أقول لأمي تاجي. لازمن تكون موجودة بس هقولها كيف؟ هقولها أنت بتعمل إيه هنا في الدار اللي سبت ومنعتك من دخولها. منك لله يا ضيف أنت السبب في اللي أنا وجعت فيه ده."
حاول ضيف كبح غضبه من كلماتها الغبية التي لا تقنعه ولو بمقدار ذرة.
أوصد عينيه يكتسب بعض الصبر ثم بهدوء سحب هاتفه من جلبابه وهاتف أحدهم تحت نظرات صفاء المذعورة من تصرفه الأرعن التي لا تعلم إلى أين سيؤدي بها.
"أنت بتكلم مين؟"
أشار إليها بعينيه لكي تنتظر ثم أسرع في إلقاء كلماته موجهاً حديثه للطرف الآخر بتلهف.
"إيوة يا مصطفى، بقولك جيب صفية وتعالي على دارهم دلوقتي يا مصطفى."
تسائل الآخر بعدم فهم للأمر.
"ليه عاد؟"
حرك ضيف رأسه مستنكراً أسئلته التي ليست في أوقاتها وهتف بحنق.
"صباح برا وعاملة غاغة."
عاتبه مصطفى بهجوم.
"وأنت بتعمل إيه في دارهم يا ضيف؟"
أجابه الآخر بنفاذ صبر.
"مش وقته دلوقتي يا مصطفى. هم وجيبها جوام."
أنهى المكالمة وعاد بنظره إلى تلك المتكورة في نفسها متوجسة خيفة خشية أن يفضح أمرهم.
انتبه كلاهما على هتاف الأخرى من الخارج الذي يزداد دناءة.
"ما أنت بتحب الرمرمة أهاه. حتى دي رمرمة رخيصة دخلتك دارها في غياب أمها ويا عالم إيه اللي بيحصل جوه."
التفتت صباح وطالعت من تجمعوا إثر صراخها وتابعت مضيفة.
"اشهدوا يا خلق، ضيف ولد حنفي الحمايدي مع صفاء بت صفية وحديهم في الدار."
أعادت النظر إلى الباب وجوفها يتآكل غيظاً.
"وأني اللي جاية أعاتبه ليه مسألش في خطيبته اللي في محنة ومحتاجة اللي يقف جارها. طلع عنده أسبابه، طلع سايبني أنا عشان يكون على راحته مع جليلة الرباية الناقصة اللي مبتخافش ربها!!"
لم يتحمل ضيف الوقوف بيدين مقيدتين تاركاً لها حرية القول فيما يحلوا لها والإساءة لسمعتهم.
أسرعت صفاء خلفه مانعة إياه من فعل ما ينوي عليه بتوسل.
"أحب على إيدك يا ضيف سيبها تتحدت ولما تزهج هتمشي."
سحب ذاته من بين قبضتها وهدر بها شزراً.
"لما يبقوا يشيلوا من كلمة ذكر من البطاقة ويحطوا مكانها حرمة أبقى أسمع حديثك. بعدي من جدامي."
أزاحها من أمامه وتوجه إلى الباب بأعين جاحظتين وعروق بارزة من فرط غضبه.
فتح الباب وتفاجئ بذلك الحشد الذي يقف أمامه.
كز أسنانه بعصبية كاد أن يفتك بهم من شدتها.
"اللي بتتحدتي عنها دي تبقى مرتي!!"
"ضيف"
نطقت حروف اسمه بذهول فلم تعلم أن جرأته ستصل به إلى زيارتها في المنزل.
اتسعت حدقتيها بصدمة حين رأت مصطفى برفقته.
ابتلعت ريقها وهي توزع أنظارها بينهما.
تدخلت صفية متسائلة حين أطالت صفاء الوقوف أمام الباب.
"مين اللي جه يا صفاء؟"
أنهت سؤالها وتفاجئت بوقوف ضيف وخلفه يقف مصطفى.
رمقتهم بغرابة من أمر زيارتهم المبهمة فلم يسبق وأن نالت شرف تلك الزيارة من قبل.
سحبت نفساً فالأمر يبدو مريباً بعض الشيء وسألتهم بقلق سيطر على خلاياها.
"سي مصطفى في حاجة؟"
بحياء شديد في نبرتها أضافت.
"متأخذنيش يا ولدي بس مسبقش وشوفتكم قبل كده حدانا عشان كده متعجبة شوية."
التفت ضيف إلى مصطفى وحثه على التحدث فقابله الآخر بنظرات معاتبة لإشراكه في ذلك الأمر.
وقبل أن يردف بشيء انتبهوا لوصول عسران الذي قال فور مجيئه موجهاً حديثه إلى مصطفى.
"أديني جيت أهه كيف ما جولتلي. في إيه عاد؟"
حمحم بخشونة قبل أن يدلي بما جاء لأجله.
"جايين نكتب كتاب ضيف على صفاء!!"
وقعت كلمات مصطفى على آذانهم كالصاعقة.
عقد قران من على من؟ بربك يا مصطفى ماذا تهذي أنت؟
تدخل عسران بنبرة حادة وألقى بسؤاله قائلاً.
"إيه اللي بتجوله ده يا مصطفى، كتب كتاب مين؟ سبقت والآفندي ده طلب يدها وأني رفضت وأسبابي جولتها وخلصنا. كتب كتاب إيه بقى اللي بتتحدت عنه وهو أساساً خطب واحدة تانية؟"
أخذ مصطفى شهيقاً عميق فالحديث سيطول في تلك المسألة وعليه استكمال ما وعد به ضيف أن يفعله من أجله.
طالع المكان من حوله ثم أردف.
"هنجفوا نتحدثوا ويا بعض في الهوا أكده. تعالي ندخل الدار ونتحدثوا على راحتنا. الحيطان ليها ودان."
شعر عسران بالخجل فمن المفترض أن يدعوهم هو إلى الداخل وليس العكس.
حمحم بحرج بائن ثم دعاهم بترحيب.
"اتفضلوا يا أهلاً وسهلاً."
جلس الجميع في ردهة المنزل.
أسرعت صفية في نهر صفاء بغيظ.
"ادخلي أنتِ جوا دلوقتي."
لحق بها ضيف بنبرة سريعة تحثها على التوقف.
"استني يا صفاء، بعد إذنكم خلوها تحضر الجعدة. إحنا محتاجينها."
خفق قلب صفاء رعباً حين صرح ضيف بحاجتهم إليها.
بالتأكيد سيكشف أمرها في تلك الجلسة المفاجئة.
انتبهت على صوت عمها الجهوري.
"اجعدي يا بتي لما نشوفوا آخرتها."
مررت أنظارها بينهم فأشار إليها ضيف بأهدابه لكي تطمئن قلبها وأن الأمر سيمر مرور الكرام ولن يحدث ما تخشاه هي.
عادت لمقعدها تتابع تناولهم للحديث باهتمام في حين أن مصطفى بدأ الحديث بصعوبة قابله في البداية فالأمر ليس هين كما يظن ضيف المختل.
"خابر إن اللي هقوله ده مش أصول، بس حرام نكسر بخاطر جلبين عشان الظروف."
تدخل ضيف مضيفاً على حديث مصطفى بتلهف.
"مش ظروف رفض أبوي لأنه كان موافق على زواجي منها. ظروف مجدرتش أقف قصادها ورضخت ليها كانت أقوى مني، بس خلاص مجدرتش اتحملها وأخضع ليها أكتر من كده. إني جاي النهاردة مش أتقدم لصفاء لاني سبقت وعملتها. إني جاي أكتب كتابي عليها. إني بحبها ومقدرش أعيش من غيرها. إني رايدها في الحلال وياريت تقدروا ظروفي!!"
كلمات ضيف لم تضيف للأمر سوى تعقيداً فعن أي ظروف يتحدث عنها.
أهو مختل أم ماذا؟
حتماً لن يخرج حديث كهذا من فاه سوى مختل ليس إلا!!
انتهوا على حديثه الذي يخبرهم به عن حقيقة تلك الظروف التي وضعته في ذلك المأزق دون رحمة له ولا لغيره.
تفاجئ عسران وصفية بما قاله في حين أن الآخرين كانوا على علم به ولم يتأثروا كثيراً.
تدخلت صفية مبدية رفضها.
"وحتى لو اللي قولته ده صح أني بتي مهياش رخيصة عشان تتجوزوا بالطريقة ديي. معلوم إحنا ناس غلابة بس أني بتي هتبقى دكتورة كد الدنيا ومنقصهـا صباع عشان أوافق على اللي رايده ده!"
كان مصطفى مقتنعاً تمام الاقتناع بأن حديثها هو الصواب، لكن ما باليد حيلة.
هناك قلب يعتصر ألماً على فراقه من حبيبته وأه على فراق الأحبة فهو لا يتحمل فراق حبيبته يومين فماذا عن صديقه الذي لا يطول سماء ولا أرض؟!
وجه عسران بصره على مصطفى الساكن مردداً باستياء.
"ما تقول حاجة يا مصطفى. لو ليك أخت ترضالها تتجوز بالطريقة ديي؟"
حرك مصطفى رأسه يميناً ويساراً رافضاً الفكرة البتة.
"لاه."
جحظت عيني ضيف بذهول من رد مصطفى الذي جاء على غير هواه وحتماً سيزيد من تعقيد الأمر فهو ليس بحاجة إلى أي تعقيدات من الأساس ونهره بقوة.
"لاه إيه يا أبو عمو. ما تقول حديث زين أومال."
حاول مصطفى إصلاح ما اقترفه.
"بس ممكن أساعدهم لو شايف أن الحب اللي بيناهم والجلوب اللي هتتكسر بفراقهم."
تدخلت صفية بعدم إعجاب لخلط مصطفى المستمر لابنتها في حديثه.
"مالها بتي عاد باللي بتجوله ده يا مصطفى. بتي متعرفش صاحبك من أساسه عشان تجمعها معاه في الحديث."
لم يتحلى مصطفى بالشجاعة الكافية حتى يخوض في أمر لا يعنيه وترك البقية لصديقه في إتمامه حيث صاح ضيف بقوله.
"اتحدث يا صفاء جولي حاجة!!"
تفاجئ عسران بتوجيه ضيف لحديثه إلى ابنة أخيه كذلك لم تكن صفية أقل منه ذهولاً كأن هناك ثمة أموراً يجهلوها بالتأكيد لن يحثها على التحدث بتلك الثقة إلا إذا كانت هناك علاقة بينهما.
رفضت صفية الاستسلام لشيطان أفكارها تلك المرة فلقد أخذت وعداً قاطعاً بألا تصدق أقاويل كاذبة عن ابنتها دون دليل.
انتفضت عن مقعدها وأبت مسايرة الحوار المنهي أمره لديها.
"ملكش صالح عاد ببتي يا ضيف. أني آسفة بس مضطرة أنهي المجابلة ديي لأنها مسخت قوي."
نهض جميعهم عن مقعدهم حين حسمت صفية الأمر.
أومأ ضيف إشارة معاتبة إلى صفاء من نظراته تحثها على الوقوف إلى جواره وعدم الرضوخ لما يطلبه بهم الجميع.
نكس رأسه بخزي معانق للحزن الذي تشكل على تقاسيمه ناهيك عن قلبه الذي تحطم من خلف صمتها.
حرك قدميه بصعوبة وسار إلى الباب وقد تبخرت آخر آماله هنا في ذلك المنزل.
تبعه مصطفى شاعراً بحاله الذي يعيشه الآن.
توقفوا عن سيرهم حين ارتفع صوتها الذي دوى في المكان.
"أني بحب ضيف ياما!"
لم يكن هناك أمراً يتقضاه بينهم، فالأمر قد حُسم والرفض لا يوجد له مكان الآن.
تبسم ضيف بسعادة لم تسع قلبه الذي عاد إليه إشراقه وحيويته فور تصريحها علناً بحبها له أمامهم.
عاد بخطاه إليهم ولم تختفي ابتسامته العذبة من على محياه.
أسبل بعينيه في عينيها البنية الجميلة ثم أخفض بصره على ملامحها الذي يعشق تفاصيلها الرقيقة.
أخرج تنهيدة ملهوفة فلم يعد يطيق الانتظار حتى يجعلها امرأته.
التفت إلى حيث يقف عسران وبثبات وشموخ هتف.
"مش خارج من هنا قبل ما تكون على اسمي!!"
طالعه عسران بقلة حيلة.
شعر حينها بتقيد يديه عن وضع نهاية لتلك السخافة.
لكن كيف سيهم بالرفض وهو يرى وميض عينيهم اللامع الذي يثبت مدى عشقهم لبعض.
أوصد عينيه لثوانٍ قبل أن يتسائل.
"وبوك وعيلتك هي..."
قاطعه ضيف بحسمه للأمر.
"صدقني هما ميفرقش وياهم غير المال وأني مفارقليش غيرها."
تفوه آخر جملته وهو يطالع صفاء بهيام عاشق غير قادر على تحمل الفراق اللعين الذي ذاق مرارته البارحة.
بعد مشاورات بينهم استطاع ضيف إقناعهم بعقده للقران دون وجود عائلته فالمسألة ستكون خفية لبعض الوقت ليس إلا.
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير، بالرفاء والبنين إن شاء الله."
تلك كانت دعوة المأذون الذي انتهى للتو من عقد قرانهم.
لم يتحلى ضيف بالصبر واقترب من حبيبته التي باتت زوجته الآن وعانقها بقوة لم يتحلى بها من قبل.
فمذاق الحلال مختلف كلياً عن أي شعور قد شعر به مسبقاً.
دفعته صفاء برفق فهي لم تعتاد قربه بعد والأدهى أن هناك أناس حاضرين تخجل النظر في عيونهم بعد فعلته المتهورة.
التفت ضيف وشكر الجميع ثم قال بعدما انسحب الشاهد الثاني من رجال عسران تاركاً لهم مساحة التحدث.
"الدار هتنور بيكي يا حبيبتي."
تدخلت صفية رافضة اقتراح ضيف.
"كتب الكتاب وأهه حصل لكن خروج صفاء من هنا ميحصلش واصل."
قطب ضيف حاجبيه بغرابة فأسرعت في توضيح سبب رفضها.
"يابني أنت ناسي أن جوازكم ده في السر ومحدش يعرف عنه حاجة. هتجول إيه للخلق لما تشوف بتي داخلة خارجة على دارك؟ لو كنت بتحبها صح كيف ما بتجول خاف على سمعتها ولا هي تيجي عندك ولا أنت تيجي عنديها لما الوضع عندك يتعدل وتشهر جوازكم اللي لسه مبلعتوش ده وجتها تجدر تاخدها ما طرح ما تحب."
وافقها عسران ومصطفى الرأي فلم يكن أمام ضيف سوى الرضوخ أمام حكمها الذي يأباه عقله.
لكن يكفيه الآن الاستمتاع بهذا الحدث العظيم وحتماً سيصل إلى مبتغاه إن لم يكن الآن فلاحقاً.
بكسل شديد يسيطر عليه توجه إلى الخارج.
كاد أن يهبط الأدراج إلا أن صورة شقيقته تشكلت في مخيلته.
أزفر أنفاسه بضيق بائن فهو لم يصفو مما تسببت في فعله أمس ولا يريد مواجهتها لكي لا يتشابك معها.
لا مجال للهرب، عليه إخراجها من الغرفة وحتى وإن كان على غير هواه.
استدار بجسده وتوجه إلى الغرفة الذي تفاجئ بكسر مقبض بابها.
أسرع خطاه للداخل وكما توقع لم يجدها.
ضرب الحائط بجواره بعنف متمتماً.
"يا ترى إيه مصيبة هتعمليها المرة دي."
صدح رنين هاتفه ما إن أنهى جملته.
أجاب على صديقه بنبرة غير سوية.
"إيوة يا محمود."
أتاه صوت الآخر بنبرة لم يطمئن لها قلبه حيث قال.
"إلحق أختك يا طاهر، ماسكة في ولد الحمايدي واللي ما يشتري واقف يتفرج عليهم."
صعق طاهر مما سمعه.
أوصد عينيه بغضب يحاول كبحه ثم سأله بحدة.
"الحديث ده بيحصل فين؟"
أخبره محمود عن المكان فأسرع طاهر إلى الخارج لكي ينقذ ما يمكن إنقاذه.
ظهر طيف مروة من خلف باب غرفتها حين سمعت إغلاق صوت الباب.
تعجبت من خلو المنزل وتأكدت من مغادرة طاهر حين لم تجد له أثراً.
على الرغم من تعجبها لذهابه المفاجئ دون علمها بوجهته إلا أنها استغلت الفرصة وعادت إلى الداخل لكي تهاتف والدتها، فلديها من العتاب قدراً تحمله لهما ولم تقدر على فعلها في وجود طاهر.
كانت تهز قدميها بعصبية شديدة في انتظار سماع إجابة والدتها.
نهضت من مقعدها فور سماع أنفاسه واندفعت بها معاتبة.
"بجـ... أكده يا أمي تهملي بتك لوحديها في ظروف كيف اللي أنا فيها ديي؟ أبوي وأخوي وجوز بسمة فينهم محضروش الجنازة ووقفوا جار طاهر ليه؟"
تلفتت أميمة حولها تتأكد من عدم وجود أحدهم ثم أجابتها بنبرة خافتة.
"رايدة أبوكي يخسر علاقته مع العمدة عشان حمدان الله يجحمه ما طرح ما راح؟"
عاتبتها الأخرى بدافع الحب.
"لاه عشان خاطر جوز بتك الغلبان اللي كان واقف راسه محنية وهو ملاجيش حد جاره في مصيبة كيف مصيبته. عشان خاطر منظر بتك جدام جوزها!!"
تأففت أميمة بضجر بائن وهتفت بحنق.
"ابقى جولي الحديث ده لأبوكي مش ليا. أنا ما عليا غير السمع والطاعة."
لم تطيل مروة في المكالمة وأنهتها بعدما استأذنت من والدتها.
ألقت بالهاتف أرضاً والغضب يشع من عينيها على تصرفات عائلتها التي لا تليق بهم وعزمت على تعويض زوجها على ما فقده بكل حب وعاطفة.
وصل طاهر أثناء وصول الحاج حنفي وكذلك مصطفى برفقة صفية لينقذوا الوضع.
لكن وصولهم كان متأخراً كثيراً فالأوضاع قد تأزمت للغاية.
هرول طاهر نحو صباح التي لم تكف عن ضرب ضيف في صدره بقوتها الهذيلة.
كذلك لحق به حنفي بخطى سريعة لكنها متأنية.
عكس صفية التي تعثرت قدماها للحظة حين رأت ذاك الحشد المتجمع أمام منزلها الواقف على بابه ضيف.
توقف مصطفى عن سيره حين لاحظ تمهل حركتها.
استدار إليها متسائلاً في قلق.
"في إيه وجفتي ليه؟"
أجابته وعيناها مصوبتان على الواقفين بنبرة ضائعة.
"بتي اتفضحت يا مصطفى."
ردد الآخر مستاءً.
"فضيحة إيه اللي بتتحدتي عنها دي. جوزها!!"
حرك رأسه مستنكراً ما يحدث.
التفتت إلى حيث يقف الجميع وصاح بنبرة جمهورية.
"واقفين تتفرجوا على إيه، يلا كله يعود داره."
صدح صوت ضيف الذي أوقفهم قبل رحيلهم.
احتضن يد صفاء ودلف للخارج ظاهراً تشابك أيديهم للجميع وبقامة شامخة أردف.
"صفاء مرتي على سنة الله ورسوله وأقطع لسان أي حد يفكر أنه يمسها بكلمة أكده ولا أكده."
خرج أحد الرجال الواقفين عن صمته قائلاً.
"فين هي الجسيمة اللي تثبت الحديث ده؟"
صعق ضيف من سؤال الآخر الذي وضعه في مأزق كبير فالقسيمة لم تنته إجراءاتها القانونية بعد فما العمل الآن؟
"ولدي جال إنه متجوزها يبقى ديي جسيمة لوحدها يا أبو الهدى ولا تقصد أن ولدي بيكذب ولا يكنش أني كماني بكذب؟"
هتف بهم الحاج حنفي فكانت كلماته منقذاً لضيف أمام الجميع.
نكس أبو الهدى رأسه بخزي مصحوب بالخجل واعتذر منه.
"أني آسف يا حاج حنفي. ما عاش ولا كان اللي يكذبك أنت وولدك بس كنا رايدين نتوكدوا من صحة حديثه."
هنا صاح فيه حنفي بغضب لكي ينهي تلك السخافة الحادثة.
"أني أبوها أهه وبجول أنه متجوزها يبقى مفيش بعد أكده حديث!!"
أعاد أبو الهدى اعتذاره مراراً ثم انسحب من بينهم وكان منفذاً للجميع في الذهاب خلفه.
تفاجئ ضيف بتلك اللكمة التي دوت على وجهه.
صعق الجميع من تصرف طاهر الذي صاح به من بين أسنانه المتلاحمة.
"لما أنت متجوز يا واكل ناسك جيت اتقدمت لصباح ليه؟"
حرك ضيف فكه يميناً ويساراً لكي يعود إلى طبيعته وبهدوء حذر أجابه بغضب جامح.
"اسأل أختك نفسها. اسألها عملت إيه عشان تجبرني اتقدم لها!!"
كانت الصعقة التي لا يعلمون كم عددها التي انسدلت على الجميع صدمت عقولهم.
لم يرضخ طاهر بتلك السهولة وأبى تصديق ما يقوله ذلك الدنيء ونهره بإنفعال.
"تجبرك على خطبها، فاكرني هصدج الخبل ده إياك!"
بفتور قال ضيف.
"تصدج متصدجش أنت حر نفسك. أني عملت أكده من خوفي على أختي اللي على ذمتك وفي دارك، كنت بحميها من شر الشيطانة اللي واقفة هناك ديي، وديه مش دوري طالما بقت في دارك فوج للحديث يا أبو عمو، كل مصيبة حصلت لأختي من يوم ما دخلت داركم كانت أختك سببها عشان تلوي دراعي واتقدم لها ونجحت فعلاً، أختك دي تستاهل يتصفق لها تصفيق جماعي."
طالع ضيف من هم حوله مردداً.
"سقفوا يا جماعة، سقف يا مصطفى."
عاد بنظره إلى طاهر متابعاً بسخرية.
"سقف لها يا أخوها."
تفاجئ ضيف باللكمة الثانية التي فاقت قوة الأولى وهو يردد.
"يا نجس أنت كيف تتحدث عن أختي بالباطل أكده."
اقترب مصطفى فور تلقين ضيف باللكمة الثانية وقبل أن يدافع عن صديقه قد أخذ ضيف بثأره وأعاد له اللكمة بلكمات متتالية حادة قوية انسدلت على وجه طاهر سقط أرضاً إثرها.
أسرع مصطفى بتقييد ذراعي ضيف لكي لا يذهب خلفه ويتابع ضربه على الرغم من تمنيه من مشاركة صديقه في تلقينه ضرباً مبرحاً إلا أنه تريث حتى لا يقع الوزر على عاتقهم في الأخير.
ارتفعت نبرة ضيف عالياً وهو يطالع طاهر بتشفي.
"أختك دي شمال، كانت بتيجي لي الغيط وسط الفلاحين وميهماش. مصطفى أهه هو اللي كان بيمشيها كل مرة تيجي لي فيها ويخوفها أنه يبلغك فكانت تكش وتهرب جوام."
تدخل محمود الذي يتابع الأحداث من على بعد لربما يحتاج إليه صديقه.
هرول نحوه حين رأى سقوطه.
وقع على مسامعه كلمات ضيف البذيئة.
شعر بنيران نخوته تتقد داخله فماذا عن شقيقها.
هتف بحنق موجهاً حديثه إلى الحاج حنفي وهو يساعد طاهر على الوقوف.
"خلي ابنك يجفل خشمه يا حاج حنفي بكفياه حديث."
وجه حنفي بصره على ضيف وأمره بصرامة.
"بكفياك يا ضيف خلصنا."
أبى ضيف الرضوخ لأمر والده وهتف بتجهم.
"مخلصناش يا أبوي مخلصناش!!"
لقد بلغ الحاج حنفي ذروة تحمله على سخافة ضيف كذلك عصيانه لأمره ونهره بنبرة جهورية دوت في الأرجاء.
"وأني جلت خلصنا هتعصي كلمة بوك إياك؟"
همس له مصطفى ولازال ممسكاً به.
"اسمع حديث بوك واهدى بجا مش طلعت كل اللي في جوفك اركز."
حرر ضيف ذراعيه من بين قبضتي مصطفى بكل ما أوتي من قوة.
احتضن يد صفاء مرة أخرى هاتفاً.
"همي جدامي."
لحق به والده بمسكه لذراعه وانحنى على أذنه هامساً.
"أنت واخدها ورايح على فين، ما خلاص الفيلم انتهى ودارينا فضيحتك."
انسدلت كلمات والده عليه كاللجام الذي حاوط عنقه وسبب له الضيق.
سحب ذراعه بعنف وبغضب صاح.
"صفاء مرتي يا أبوي إيه اللي مش مفهوم في حديثي!!"
أنهى جملته ثم تابع سيره مبتعداً عن هؤلاء الأناس تحت نظرات حنفي المصدومة فلقد ظن أنه اختلق زيجته منها لكي يلملم الفضيحة التي افتعلتها صباح.
تبعه مصطفى بسيارته.
ضغط على صافرة سيارته لكي يجذب انتباهه فأسرع ضيف في الركوب بجواره بعدما فتح الباب الخلفي لصفاء واستقلت أعلى المقعد.
صلب طاهر قامته ثم استدار إلى شقيقته وهو يتوعد لها أشر الوعيد.
غرز أظافره في ذراعها وعلى الرغم من الألم التي شعرت به إلا أنها كانت جامدة كالتمثال لا تقوى على فعل شيء بعد فضيحتها أمام الجميع والأدهى زواج ضيف من صفاء بعد مخططاتها الكثر.
في النهاية هي من خسرت وفشل ما كانت تعتقد أنه قد نجح بجدارة.
خرجت من شردوها على دفع طاهر لها في سيارة محمود.
أغلق الباب بعنف ثم استقل هو في المقعد الأمامي وملامحه تتحدث عن بركان غضبه الذي سيثور عليها ما أن عادوا إلى منزلهم.
ركل الباب بقدمه فانغلق بسهولة من شدة دفعه له.
دفعها بغضب شديد فسقطت إثر دفعته.
طالعتها بجمود وكأنها لا تكترث لما يفعل.
لا تهتم لغضبه البادي عليه.
نفذ صبر طاهر على التحمل أمام برودها التي تتلبس ثوبه وألقى بأسئلته بنبرة اهتزت لها أعمدة المنزل.
"الحديث اللي ضيف جاله جدام الخلق ده صح؟"
لم تهتز لها خصلة فتابع طاهر معنفاً إياها أثناء هبوط مروة إليهم.
"انطقي وردي عليا، الحديث ده صح، كنتي بترمي نفسك عليه؟ كنتي مرافجاه يا بت حمدان؟ هتعجب ليه أبوكي وسبق وجتل مش بعيد عنيكي اللي سمعته!!"
انحنى عليها وصاح من بين أسنانه بغضب عارم.
"بتستغفليني يا بت الرفدي."
أنهى سبابه لها وإنهال عليها بالضرب المبرح على سائر جسدها.
تفاجئت مروة بتصرفه فلم تتوقع تصرف كهذا من طاهر ذو القلب الطيب والعقل الرزين.
أسرعت إليه محاولة منعه.
"اهدى يا طاهر حوصل إيه لكل ديه؟"
أزاحها طاهر بيده بعيداً عنه وتابع ضربه بقوة أكبر عن ذي قبل كلما ترددت كلمات ضيف في مخيلته.
عادت إليه مروة متوسلة إياه.
"أحب على إيدك يا طاهر هملها هتموت في يدك."
أمن طاهر على حديثها.
"يارب حتى نخلصوا من عارها اللي لطخني النهاردة."
وقفت مروة أمامه مشكلة حاجزاً بينهما وحثته على التوقف هاتفة.
"طب بعد عنيها عشان خاطري أنا."
توقف طاهر عن الضرب وطالع مروة بنظرات مشتعلة وأخبرها بما اقترفته صباح في حقها.
"اللي بدافعي عنها دي هي السبب في وجوعك من السلم!!"
اتسعت مقلتيها بصدمة جلية انعكست على تعابيرها.
لم يصدر منها أي ردة فعل لبرهة حتى قطع عليها طاهر حبال أفكارها.
"بعدي من جدامي يا مروة."
أبت مروة الابتعاد من بينهم مانعة إياه من الوصول إلى صباح.
انتبه ثلاثتهم إلى قرع الباب.
كز طاهر على أسنانه بعصبية وطالع صباح من خلف مروة متوعداً لها.
"جالك اللي نجـ...ـدك من تحت إيدي بس هنروحوا من بعضنا فين اليوم لساته في أوله، هربيكي من أول وجديد، غوري على أوضتك جوام."
انصرفت صباح من أمامه حتى اختفت تماماً عن أعينهم وعادت إلى غرفتها بينما توجه طاهر لفتح الباب فإذا به والد مروة.
رحب به على مضض.
"اتفضل يا حاج حنفي."
تفاجئ برد الآخر حين قال.
"ولا اتفضل ولا أعتب الدار النجسة ديي، نادي على بتي تعود معايا داري بتي ملهاش جعاد هنا بعد النهاردة."
ظهرت مروة من خلف طاهر عاقدة ما بين حاجبيها مستاءة من أمر والدها المفاجئ.
"إيه اللي بتجوله ده يا أبوي؟"
هدر بها حنفي شزراً.
"كيف ما سمعتي همي جدامي وحاجتك يبقى الآفندي ده يشيعها بعدين."
تشبثت مروة في ذراع طاهر وبثبات أردفت.
"أني ميهمش دار جوزي يا أبوي، أني مطرحي مطرحه وفين ما يحط رجليه أكون موجودة."
رُفع حاجبي حنفي مذهولاً من عصيانها لأمره فلم يسبق وأن عصاه أحد من قبل فما هذا الآن.
بإنفعال شديد صاح بها.
"هتعصي أبوكي إياك يا مروة؟"
شدت مروة على ذراع طاهر كنوع من استمداد القوة منه وبإحترام أجابت والدها.
"لاه معاش اللي يعصى كلمتك يا أبوي، بس كيف ما جولت طاهر جوزي ومفيش لا شرع ولا دين بيجول البت تهمل دار جوزها عشان أبوها جالها تهمله، مهخطيش عتبة الدار إلا ما طاهر نفسيه اللي يجولي امشي."
ضغط حنفي على أسنانه بغضب وقد كست الحمرة وجهه بسبب تمسك مروة بطاهر وعدم اكتراثها لأمره.
حرك رأسه بعدة إيماءات ثم أولاهم ظهره وغادر دون إضافة المزيد.
التفت طاهر برأسه إلى مروة وبإمتنان مصحوب بالخجل ردد.
"لو رايدة تروحي ويا بوكي مهمنعكش هيكون عندك حق."
رفعت رأسها للأعلى مستاءة من قوله وحاولت احتواء الموقف بلطافة.
"لو كنت رايدة أروح وياه مكنتش جولتله لاه."
أخفض طاهر بصره في خزي قبل أن يعلق عليها.
"يمكن تكوني خجلتي توافقي اكمني واقف بيناتكم، معايزكيش تندمي أنك جعدتي حدايا."
اتسعت مقلتيها بصدمة وأسرعت في نفي ما يظنه ذاك المختل.
"أخجل من إيه؟ منيك؟ أنت تشرف أي حد يا طاهر ولو في حد هيخسر هنا فهتكون أني لو طاوعت أبوي وطاوعتك، أنت بس اللي مخابرش قيمة نفسك."
إلتوى ثغر طاهر ببسمة متهكمة وأعاد تكرار ما تفوهته للتو.
"هتخسري مرة واحدة!!"
اقتربت مروة بخطاها منه إلى أن التصقت في صدره.
أشارت بسبابتها على قلبه وبنبرة متيمة قالت.
"معلوم هخسر طيبة جلبك وحنيتك اللي مجابلتهاش قبل أكده. أنا عاشرت راجلين عمرهم ما كانوا كيفك يا طاهر عشان أكده بجولك وأني واثقة من حديثي أن اللي هيخسر هتكون أني."
لم يعلم لشكرها طريق سوى الاستسلام إلى معانقتها لربما يستطيع إعطاؤها جزءاً من أفضالها عليه.
حاوطته مروة بذراعيها مرحبة به بقرب قلبها.
فهي أسعد امرأة على وجه الأرض في تلك اللحظة، لحظة ضعفه الذي تستشفه وهو بين ذراعيها دون خجل.
يترك العنان لأحزانه في التبخر بين يديها كما تلمس امتنانه لها بعناقه الهادئ.
أخرجت تنهيدة حارة شاكرة ربها بأنها أحسنت التصرف وتريثت في اختيارها.
تقوس ثغرها بابتسامة سعيدة لكون قلبها مرتاحاً إلى هذا الحد.
انتبهوا على اهتزازة هاتف طاهر التي قطعت عليهم خلوتهم.
لوهلة لم يريد أن يجيب فحتماً سيلقى ما يحزنه فلم يعد هناك أموراً ستجلب له السعادة بعد الآن.
أزفر أنفاسه بضجر حين رأى إسم جده ينير شاشة الهاتف وتمتم ساخراً.
"توك افتكرت إن ليك أحفاد!"
أجاب على مضض ففي النهاية هو يكبره عمراً ولابد من احترامه حتى وإن كان على غير هواه.
"خير يا جدي فينك مش ظاهر من ليلة امبارح ولا حضرت جنازة جوز بتك ولا حتى وقفت ويا حفيدك!!"
بفتور شديد أجابه الآخر.
"أنت رايدنا نخسر مصالحنا مع العمدة!"
فوجئ طاهر برده الصادم.
طالع أمامه لفترة وهو يستوعب أن من هم أقاربه كما تسير في عروقهم دماء واحدة نفسهم من تخلوا عنه من أجل مصالح لعينة مع العمدة.
انتبه طاهر على صوت جده القاتل.
"أني شيعت المحامي يجي نعرفوا منه وضع أمك إيه في القضية تعالي أحضر عشان تعلم أنت كماني بلي هيحصل."
تقوس ثغر طاهر بتهكم فليست بتلك السهولة كما يظن جده.
سحب نفساً عميق وببرود لم يتحلى به من قبل هتف.
"لاه أني هعرف وضع أمي بنفسي، متشكرين لأفضالك يا جدي."
أنهى المكالمة فور قوله جملته وبعصبية بالغة سيطرت على خلاياه بعد أن كان هدأ قليلاً في حضن مروة ألقى هاتفه بعيداً فارتطم في الحائط المقابل له وسقط بقايا حطام.
نهض من مقعده وقبل أن يهم للخارج ووجه حديثه إلى مروة.
"هروح أشوف محامي زين يكون ويا أمي."
رفع بصره للأعلى ومن بين أسنانه المتلاحمة أضاف محذراً.
"البت ديي متعاتبش برا الدار واصل."
أومأت له مروة بقبول فأولاها هو ظهره وغادر قاصداً محامي العائلة الذي بينهما تعاملات من قبل لكي يعلم وضع والدته في تلك القضية المنتهي أمرها.
صف سيارته أمام منزل ضيف الذي لم يحظى فيه بالسكن إلى الآن.
التفت ضيف إلى صفاء الساكنة وأعطاها مفتاح المنزل قائلاً.
"ادخلي وأني جاي طوالي."
ترجلت من السيارة وولجت للداخل كما أمرها بينما وجه ضيف نظره إلى مصطفى وحادثه بدافع الإخوة.
"هتوك سايب مرتك في دار أهلها لحد ميتى يا صاحبي؟ كانك هتطلقها؟"
تفاجئ ضيف من سرعة رد مصطفى عليه مستاءً من كلمته.
"الموت عندي أهون من اللي بتجوله ده."
حرك ضيف رأسه حين اختلطت أفكاره ببعضهم ولم يعد يفهم شيء وسأله مستفسراً.
"حديثك بيقول أنك بتحبها."
قاطعه الآخر بتعديله لكلمته.
"أني عاشقها!"
قطب ضيف جبينه وتابع أسئلته التي يريد لها إجابة واضحة وصريحة.
"أومال سايبها ليه يا مصطفى ومتجوليش هي السبب في قتل هلال والحديث الماسخ ده. أنت خابر زين إن أي حرمة هتلجأ لجوزها يرجع لها حقها وأنت بنفسيك اللي رجعت لها حقها يبقى إيه بقى يا صاحبي؟"
ضبط مصطفى أنفاسه في محاولة منه على التحلي بالهدوء.
ضرب الطارة أمامه بخفة قبل أن يردف.
"أني متلخبط يا ضيف، عجلي لساته ممستوعبش أن أخوي اتقتل من أساسه وأن مرتي كان ليها يد في قتله حتى لو خابر إن هي لجأت له بعشم بس في الآخر ليها يد، ودارت عني القاتل مع إن حقها تخاف عليا ومتجولش ما أني هروح في شربة مية."
طالعه ضيف لوقت ثم قال بعدم استيعاب.
"أنت بتقول الحديث وترد عليه يا مصطفى يعني خابر الحقيقة أهه مش محتاج حد ينبهك لحاجة!"
التفت مصطفى برأسه يطالع الخارج من النافذة المجاورة بقلة حيلة مجيباً إياه.
"ما أني جلتلك متلخبط، جوايا غضب مخابرش هيهدى ميتى فبعدتها عني عشان ميكنش ليها نصيب منه، تقدر تقول أني محتاج كيف ما بيقولوا أكده "هُدنة" أريح فيها أعصابي وأعاود لها من جديد."
أعاد مصطفى النظر إلى منزل ضيف فلمح طيف صفاء تقف أمام النافذة.
تنهد بحرارة وأردف ناهياً الحوار.
"يلا عاود أنت صباحية مباركة من دلوقتي."
أسرع ضيف في توضيح الأمر.
"أنت فاكر إيه مفيهش حاجة هتتغير، أني خدتها معايا عشان أثبت للعيون اللي كانت مترصدة ورا الشبابيك إن حديثي صح."
غمز إليه مصطفى غير مصدقاً حديثه.
"ضيف ديب الحريم هتعدي من تحت يده مرته!"
بنبرة غير قابلة للنقاش قال الآخر.
"تراهن يا ابن الجبلاوي؟"
بثبات مصحوب بالثقة التامة قال مصطفى.
"أراهن يا ابن الحمايدي."
صافح كلاهما الآخر بتحدي ثم ترجل ضيف من السيارة ومن ثم إلى منزله دون أن يلتفت بينما تحرك مصطفى مبتعداً عن المكان.
تعمد السير في طريق معين عله يرى وردته في طريق عودته.
أوقف السيارة على مقربة من دارها حين رآها تقف أمام أرجوحتها تقطع في حبالها بآلة حادة.
تعجب من تصرفها المبهم فلم تصل أفكاره إلى أي أسباب واضحة إلى ما تفعله.
اتسعت مقلتيه حين شعر بشيء غريب يحدث.
توقفت ورد فجأة ثم طالعت السكين لوقت وكأنها تفكر في شئ آخر غير قطع حبال الأرجوحة.
خشي مصطفى عليها من أن تسبب فيما لن يتحمله وأسرع في فتح الباب ربما يلحق بها.
رواية عرف صعيدي الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم تسنيم المرشدي
خرجت من منزلها حين راودها القلق في تأخير عودتها. قطبت ما بين حاجبيها متسائلة عن سبب وقوفها.
"واه واجفة حداكي بتعملي ايه يا ورد؟"
رجفت ورد بذعر إثر صوت والدتها الذي قطع عليها أفكارها. استدارت إليها ثم حاولت تبرير وضعها المريب.
"هاا.. كنت بجطع المرجيحة."
دنت منها والدتها بغرابة أكبر.
"أباه ليه أكده اللي يشوفك وأنتِ مبتجوميش من عليها يتعجب أنك اللي بتجطعيها!"
أزفرت ورد أنفاسها بضجر شديد. فكلمات صباح تتردد داخل عقلها تسبب لها الضيق. ألقت السكين أرضاً قائلة:
"متركزيش ياما مفيش حاجة بدوم."
ظهر طاهر من خلف باب منزله برفقة مروة التي ودعها وتابع سيره. توقف حين تفاجئ بقطع الأرجوحة. مرر أنظاره بينهن ثم أكمل خطاه إلى الأمام إلى أن اختفى من أمامهم.
أغلقت مروة الباب حين تأكدت من عدم وقوف طاهر مع ورد. بينما تعجبت السيدة سنية من تصرف طاهر فلم يسبق له ولم يلقي السلام يوماً. فرددت متذمرة من جفاف أسلوبه:
"ماله ديه كماني حتى السلام حرموا علينا!"
لم تتحمل ورد الحديث عن أحد وانسحبت بهدوء إلى الداخل ثم تبعتها والدتها. وأردفت وهي تغلق الباب:
"اجعدي يا ورد على لما أحضر الغدا."
هتفت ورد مبدية رفضها:
"لاه مليش نفس للوكل."
أصرت سنية على مشاركتها الطعام مستعطفة إياها بتوسل:
"أنى هموت من الجوع يا ورد، اللجمة يابتي ملهاش طعم من غير ونس."
تأثرت ورد بحديث والدتها ووافقت فقط لكي تتناول الأخرى بشهية على الرغم من نفورها الشديد لأي طعام.
"خلاص ياما حطي الوكل."
تقوس ثغر سنية ببسمة سعيدة ثم انصرفت سريعاً لكى تحضر الطعام قبل أن تقابل رفضها ثانيةً. جلست ورد أعلى الأريكة مهمومة حزينة لا تقدر على فعل شيء. تشعر بضعف قوتها في غياب مصطفى. ياله من شعور مميت وأنت تنتظر النهاية لطالما تجهل إن كانت ستسُر خاطرك أم ستكسِره!
شعرت ورد بالنفور الشديد حين تغلغلت إحدى الروائح إلى أنفها. وضعت يدها على فمها شاعرة بالاشمئزاز من الطعام التي أحضرته والدتها للتو.
لم تتحمل الرائحة لأكثر من ثانية وهرولت إلى المرحاض. تقيأت حتى أفرغت ما في معدتها ثم وقفت تستنشق الهواء الذي هرب من رئتيها.
كانت تطالعها والدتها بأعين مشفقة على حالتها المذرية مرددة:
"اتصابتي ببرد في معدتك ولا ايه يا ورد؟"
سيطرت ورد على حالتها المبهمة وأجابتها بنفسٍ مشمئزة:
"مخابراش ريحة الوكل جلبت لي معدتي، مهجدرش أكل كلي إنتِ ياما ومتغصبيش عليا بالله عليكى."
لم تضغط عليها سنية بعد رؤيتها لما أصابها. انصرفت ورد من أمامها عائدة إلى غرفتها تحت نظرات والدتها التى تفكر في سبباً واحد فقط لحالتها المفاجئة تلك.
في الخارج، عاد مصطفى إلى سيارته بعد أن اطمئن على ورد التى اصطحبتها والدتها قبل أن يظهر هو في المكان. انتبه لرنين هاتفه فأجاب فور تلقيه المكالمة.
"إيوة يا أبوي."
بنبرة معاتبة قال:
"أنت فين يا مصطفى أديلك كاتير غايب من وش الصبح نسيت العزا ولا ايه؟"
حادثه مصطفى مختصراً:
"لاه أني معاود طوالي."
أنهى المكالمة ثم تحرك بسيارته قاصداً العودة إلى السرايا. صفها جانباً ثم ترجل منها وتوجه نحو السرُادِق مباشرةً لكى يقف إلى جوار والده في آخر أيام العزاء.
حمحم قبل أن يدخل للمنزل بحنجرة رخيمة. أوصد الباب والتفت يبحث عن صغيرته لطالما طال هذا اللقاء كثيراً. رآها تقف مقبلة اليدين ترتجف في مكانها.
قطب جبينه بغرابة فخوفها آثار فضوله حول سببه. دنى بخطاه منها متسائلاً في حيره من أمرها المريب:
"واه مالك يا صفاء متكعبرة في نفسك أكده ليه كاني هاكلك!"
خرجت صفاء عن صمتها بسؤالها:
"هو أني أكده بجيت مرتك خلاص؟"
قهقه ضيف عالياً على داعبتها فماذا ستكون إن لم تكن كذلك. توقف عن ضحكاته مجيباً إياها مستاءً:
"أنتِ مرتي من وجت ما المأذون بارك لنا يا صفاء أنتِ كنتي نايمة ولساتك صاحية ولا ايه؟"
تلونت وجنتيها بالحُمرة كما أخفضت رأسها في حياء متابعة حديثها التى تريد توضيحه إليه:
"بس كنت جاعدة في دار أبوي، دلوك في دارك أنت، الوضع اختلف."
عضت على شفاها السفلية بخجل مفرط فأثارت رغبته بها. ابتلع ريقه وحاول التريث في تصرفاته. سحب نفساً لكى تخرج نبرته طبيعية دون تعرقل في الحديث:
"ديه مش داري يا صفاء ديي دارك أنتِ."
رفعت رأسها وطالعته لوقت قبل أن تردف:
"خابرة إن أني وأنت واحد و.."
لم يعطيها ضيف فرصة مواصلة حديثها حيث قاطعها بقوله:
"مجصدش اللي وصلك، الدار فعلاً دارك أني كتبتها بإسمك!!"
فوجئت صفاء مما أخبرها به لتو. اتسعت حدقتيها بذهول ورددت بدون استعياب:
"كيف يعني؟"
أولاها ضيف ظهره ثم توجه نحو أحد الأدراج الموجودة في المكان وسحب منه ملفاً ورقياً وعاد إليها ليثبت صحة حديثه.
"أهاه شوفي اتأكدي بنفسك."
مد يده بالملف فأخذت وقت تستوعب فيه المفاجأة. تناولته منه بخجل قد اجتاحها بشدة وقرأت المدون في الأوراق وبالفعل كان المنزل مسجلاً بإسمها.
رفعت بصرها عليه غير مصدقة ما فعله ورددت متسائلة:
"ليه عملت أكده؟"
اقترب منها وأحاط ذراعيها بكلتى يديه وهو يجيب على سؤالها:
"اشتريته عشان يبجي لينا نسكنوا فيه وحدينا، ولما صباح لعبت لعبتها خوفت مجدرش أوفي بوعدي ليكي وأكون ظلمتك، فروحت طوالي كتبت لك الدار بإسمك تعويض عني."
قابلته صفاء بنظرات معاتبة لترهاته التي لم تقنعها وقالت مستاءة:
"وأنت دار اللي تعوضك يا ضيف؟"
تقوس ثغره بإبتسامة عذبة ومال عليها متسائلاً بنبرة خافتة:
"أومال ايه اللي يعوض مكاني؟"
أسرعت في الرد عليه متلهفة:
"ولا الدنيا بحالها تعوض غيابك عني، أني بحبك يا عبيط."
دقت أسارير السعادة قلب ضيف وهلل عالياً:
"يا أبوي حلوة جوي."
سألته صفاء بحب:
"هي إيه؟ بحبك!"
أخفض بصره ليقابل بندقيتها مردداً:
"لاه عبيط."
انفجرت صفاء ضاحكة من خلف مزاحه. شاركها ضيف الضحك ثم توقف فجاءة وهو ينوي على ما يحاول منع حدوثه منذ وقوفه أمامها. أنحنى بجسده ووضع إحدى يديه أسفل ركبيتها والآخر خلف خصرها حاملها بين ذراعيه بسهولة فهي كانت نحيفة الجسد.
تفاجئت الأخرى بتصرفه الذي وقع قلبها إثره كما عاد إحمرار وجهها إليه مرة أخرى من فرط حيائها. توجه بها ضيف نحو الغرفة الجديدة التي ستحظى لمرتها الأولى في السكن اليوم حيث هتف ضيف برغبة قوية:
"تعالي بجا عوضيني عن اللي حرميتني منيه."
خفق قلب صفاء رعباً حين رأته يدلف بها للغرفة فهي ليست على أتم استعداد لما استشفته من خلف كلماته وتصرفاته. وضعها ضيف أعلى الفراش برفق فأسرعت هي محاولة منع الأمر قبل حدوثه بنبرة متلعثمة:
"أني مجهزاش يا ضيف.. مش.. مستعدة."
بهدوءٍ ونبرة لطيفة أردف:
"الحاجات دي حلاوتها أنها ميكنش مترتب لها."
خلع جلبابه وألقاه بعيداً فضاعف الرعب في قلب صفاء من تهوره. حاولت الفرار من بين يديه لكن هيهات لضيف المجنون فهو عزم نيته وبات الأمر منتهياً لديه.
أجبرها في البداية على مسايرته حتى نجح في إرخاء عضلاتها كلياً إلى أن وصل إلى مراده في النهاية.
جلس مقابله يخبره بكل تفاصيل القضية حتى يأتي منه بمعلومات تطمئنه عن وضع والدته إن كان هناك من الأساس. أنهى جملته بـ:
"بس أكده يا حضرة ديي كل الحكاية طمني الله يطمن جلبك."
أخرج المحامي تنهيدة لم يطمئن لها طاهر وأجبر أذانه على الإصغاء جيداً حين أجابه الأخر:
"اللي بتحكيه ديه يا أستاذ طاهر جتل متعمد يعني إعدام من غير حديت وديه أي حد يعلمه مش محتاچ محامي."
حرك طاهر رأسه بتفهم وحاول إيجاد ثغرات ربما ينقذ بها والدته:
"خابر بس أمي مكانتش في وعييها أني متوكد، أي حد بيجتل بيخاف ويهرب ديي وجفت جصاد الخلج كلاتها تجول إنها جتلته تفتكر حضرتك ديه طبيعي؟"
حاول المحامي التفكير معه بصوت عالٍ:
"رايد تجول إيه ممكن توضح."
نهض طاهر من مقعده وجاب الغرفة ذهاباً وجيئاً وهو يحاول إنقاذ حياة والدته التي ستنتهي قريباً بأكثر الطرق بشاعة بالنسبة له:
"أمي كانت في الفترة الأخيرة إليها سرحانة ومتعرِفش تاخد منيها عجاد نافع، أني جولت أنها في الحالة ديي بسبب أبوي وعمايله."
وقف المحامي عند قوله الأخير وأسرع في سؤاله:
"كان بيعمل ايه عاد؟"
توقف طاهر عن السير وطالع المحامي لبرهة قبل أن يردف بحرج بائن:
"بلاها السيرة ديي يا حضرة خلينا في الجضية دلوك."
أوضح له المحامي ضرورة الأمر:
"كل حاجة لازمن تتجال حتي وإن كانت صغيرة بالنسبة ليك هتكون كابيرة ومهمة في الجضية."
أماء له طاهر بتفهم ثم أدلى بالحقيقة المخجلة:
"أبوي كان يهينها طول الوجت، كان يضربها في كل فرصة تجابله شكيت أنه السبب في حالتها اللي كانت عليها ديي في الفترة الأخيرة، ولما عملت اللي عملته كانت صدمة كابيرة جوي بس الصدمة الأجوي لما لجيتها فرحانه بجتله كانها مش أمي كانها واحدة تانية معرفهاش."
نهض المحامي من مقعده والتف حول مكتبه ثم توقف وقال:
"رايد تجول أن أمك عنديها خلل فى قواها العقلية؟"
جحظت عيني طاهر بذهول وهاجمه على سوء تلقيبه لحالة والدته:
"إيه اللي بتجوله ديه يا حضرة!! احترم إنها أمي."
اعتذر الآخر عما بدر منه موضحاً حسن نواياه:
"أني مجصدش، بس اللي جولته وضايجك ديه ممكن يغير مجري الجضية خالص."
انتبه له طاهر بأذان صاغية فأوضح قصده:
"لو جدرنا نثبت أنها مريضة نفسية جايز وجتها ناخد حكم مخفف يبجي مؤبد."
طالعه طاهر مستاءً من حديثه الساذج ثم قال ساخراً:
"واه مؤبد مرة واحدة."
أخفض من نبرته معاتباً:
"وديه يبجي حكم مخفف من أنهي اتجاه يا حضرة؟"
استنكر المحامي سخرية طاهر وسرعان ما تجهمت تعابيره وصاح بحدة:
"أنت جاي تشاورني في جضية منتهية من أساسه، جتل متعمد يعني إعدام طوالي!"
حاول طاهر التحلي بالصبر حتى لا يخرب العلاقة بينهما فالوقت ليس في صالحه لإيجاد محامي آخر وقص عليه الأمر من البداية. شهيقاً وزفيراً فعل قبل أن يردف بجمود:
"طب وإيه العمل عشان ناخد المؤبد ديه؟"
شرح له المحامي ما سيفعلاه بسلاسة:
"هنعرض دليل جوي أو شهود يجولوا اللي شافوا ونشكك في قواها العقلية يجوموا يحولوها لـ لجنة من الطب النفسي."
انتظر طاهر مواصلته للحديث وحين لم يفعل سأله باهتمام:
"وبعدين؟"
بفتور أجابه الآخر:
"وبعدين ديي بجا ترجع للست الوالدة، هيعرفوا إن كانت مريضة ولا لاه والمحكمة هتجرر على أكده."
حرك طاهر رأسه بعدة إيماءات ثم نهض عن مقعده شاكراً إياه كما حثه على البدء فيما اتفق على فعله على أمل إنقاذ والدته من حبل المشنقة.
انتهى اليوم الأخير بسلام. عزم خليل ونادرة على محادثة مصطفى في إعادة ورد إلى السرايا فلا يوجد داعى لعدم وجودها وخصيصاً أنهما على علم بحبه الشديد لها.
اجتمع ثلاثتهم حول المائدة فى إنتظار إنتهاء هويدا من وضع الطعام حيث استأذنت صفية في أخذ قسطاً من الراحة اليوم فبعد ما حدث في الصباح لن تقدر على مواجهة العالم ناهيك عن عدم قدرتها لمداومة عملها كما كان ولابد من هُدنة قصيرة تسترد بها صوابها وقوتها.
صمت طال لحين انتهوا من الطعام. لاحظوا تقليب مصطفى فى الطعام وعدم تناوله بشكل طبيعي كسابق أيامه. نهض من مقعده ليهم بالمغادرة فأسبق والده في اللحاق به قائلاً:
"اجعد يا مصطفى رايد اتحدت وياك."
رمقه مصطفى لبرهة ثم عاد إلى مقعده على مضضٍ فهو يريد الإختلاء بذاته قليلاً. فما عاد يوجد ما يدعوا للتبرير في عدم وجود حبيبته بعد. لقد انقضت ثلاثة أيام العزاء الذي كان يعلل بهم غيابها. أخرج تنهيدة مهمومة وأعاد النظر إلى والده في إنتظار ما سيحادثه فيه.
لم يطيل عليه الأمر وألقى حديثه دفعة واحدة:
"هترجع ورد ميتي؟"
تفاجئ مصطفى بسؤال والده وكاد أن يجيبه رافضاً التدخل فى خصوصياته إلا أن خليل لحق به وتحدث بنبرة قوية:
"أنت كبير كفاية وعاجل ما شالله عليك يعني مش محتاج نجولولك إنها ملهاش يد في اللي حوصل و.."
قاطعه مصطفى مستاءً من تبريراته التي وضعها لصالح ورد:
"يا أبوي ديي مراتي يعني خابر زين اللي بتجوله ديه."
تبادلا خليل ونادرة النظرات المتعجبة فتصرفاته تناقد حديثه. ارتفع صوت نادرة متسائلة:
"أباه لما أنت خابر زين أنها ملهاش يد مهملها عند أمها ليه عاد؟"
أخرج مصطفى بعض الزفير المتمهل بضجر فلا يتركه أحد يعيش غضبه قليلاً حتى يهدأ من نفسه. كلما شعر بالهدوء الداخلي يعود إليه بقوة أكبر مع كلماتهم التي تشعره بكونه نذل مع زوجته.
نهض عن مقعده وأجابهم بنبرة محتقنة ناهياً أي نقاشات في الأمر:
"محتاج وجت أجمع فين نفسي وبعدين أرجعها، عن إذنكم."
استأذن وهم بالمغادرة لمكانه الخاص يناديه بكل قوته حتى يأتيه غاضباً يعيد تأهيل روحه هناك ثم يعود مصطفى من جديد.
وصل إلى طوالة جياده، صعق مصطفى من ذلك العمل الغبي الذى حتماً قام به عامل الطوالة. بنبرة جمهورية صاح متوعداً له:
"سمعان."
جاءه راكضاً بخوف شديد فتلك النبرة يعهد ما خلفها من عصبية حتماً هو المتسبب فيها. وقف مقابله فنهره مصطفى بقوة:
"مين اللي فك ضفاير مُهرة؟"
وزع العامل أنظاره بين مُهرة ومصطفى وأجابه بتوجس:
"أااا أني كنت رايد أحميها."
لم يتوقع العامل ثورة مصطفى التي حدثت فور اعترافه بفعلتها كأنها ليست عقد وضيعة يمكن لأي شخص صنعها من جديد.
أنهى مصطفى توبيخه له بـ:
"غور من جدامى."
اقترب من مُهرة فى محاولة منه على إعادة صنع الجدائل مرة أخرى لكنه فشل وبجدراة، فكانت جدائل ورد متقنة ذو شكل مثالى رائع لن يقدر على إعادتها كما كانت. ارتخت عضلات وجهه بحزن شديد فالأشياء التي يكن لها مشاعر خاصة تحلق مع الرياح ولا تنتظر.
سحب مقعداً خشبي كان بالقرب وجلس أعلاه يعيد ترتيب أفكاره من البداية حتى يحسم أمره على فعل الصواب فقط لا غيره.
حالة من السكون عمت المكان تستوعب فيه حديث زوجها الذي أخبرها به للتو. حركت رأسها مستنكرة تصرف ولدها قائلة:
"لاه أكيد عمل أكده عشان الفضيحة ضيف ميعملهاش."
هدر بها حنفي شزراً:
"بجولك وجف جصادي وجالى صفاء مرتي يا أبوي وخد البت جدام عنيا التنين اللي بتاكلهم الدود ومشي على بيته!!"
نهضت أميمة من مقعدها غير متقبلة الفكرة بالمرة. كيف له أن يكون أنانياً لتلك الدرجة كيف يحرمها من رؤيته عريساً ومن حضورها لعرس ولدها البكري الشاب الوحيد لديها؟!
جابت المكان ذهاباً وإياباً ويكاد عقلها يجن من هول الصدمة التي وقعت فيها. توقفت عن السير وهي تردد:
"كيف يعمل أكده، كيف يحرمني من شوفتي لطلته وهو عريس، كيف يعصة أوامرنا ويتجوز بت الخدامة! أودى وشي من الخلج فين؟"
علق حنفي ساخراً على آخر ما أردفته:
"لاه وأنتِ الصادجة فكري هتجولى ايه وابنك اتجوز البت من غير علمنا."
نهض حنفى هو الآخر ضارباً بعصاه الأرض ثم هتف بحنق:
"بس لاه مهنولش لحد يتحدت عنينا بالعيبة واصل."
دنت منه أميمة متسائلة في فضول:
"هتعمل ايه يا حنفى نورني يا حاج."
هتف بما يدور في عقله حتى يمنع الأقاويل التي ستحول حولهم:
"هعمله ليلة ولا اجدعها ليلة، لازمن نوري للناس إننا موافجين وعلى علم بعملة ولدك المطينة بطين، لازمن نلحج الفضحية جبل ما توجع بجد."
استلقت أميمة على الأريكة بإهمال غير راضية عما ينوى زوجها على فعله هاتفة بحنق:
"بجا بت الخدامين ديي تتهني بولدي وكمانى يتعملها ليلة كابيرة!!"
عاد حنفى إلى مقعده مردداً بقلة حيلة:
"عنديكى حل تاني يا أم المحروس؟"
رمقته أميمة بنظرات مشتعلة لسخريته منها ثم صاحت بإنفعال:
"أي حاجة اوافج عليها إلا أنها تبجى مرت ولدى."
بفتورٍ مختلط بالسخرية قال:
"ماهي بجت خلاص يختي ابنك حطنا جدام الجطر وفات هو منك لله يا ضيف."
نهرته أميمة مستنكرة دعائه على ولدها:
"متدعيش على الواد."
طالعها بطرف عينه مستاءً منها. لم يطيل الجلوس برفقتها وهم بالمغادرة وهو يتمتم:
"أنتِ وولدك على اللي جابوكوا."
تركها تندب حظها وتتحسر على زواج ابنها من ابنة الخادمة ناهيك عن خجلها المفرط التي ستواجه به أعيان البلدة بعد فعلة ولدها. بينما وهرول للخارج لكي يتفق مع عمال الزفاف في تشيد أكبر سرُادِق لم يسبق لأحد وأن بنى بعظمته حتى يليق بعائلة الحمايدي أمام منزل ضيف الجديد.
عاد طاهر إلى المنزل بأمل قد خلق داخله في إنقاذ والدته. تفاجئ بوقوف محمود أمام المنزل. اقترب منه بخطى متريثة فقابله الآخر بحفاوة:
"يا أهلا بالغالى كنت غايب عنينا فين؟"
جلس طاهر أعلى الأريكة الخشبية وأجابه بحماس:
"كنت عند المحامى في أمل أن أمي تاخد مؤبد بدل إعدام."
هلل الآخر بفرحة:
"ديه خبر زين يا صاحبي ربنا ما يجيب أحزان تانية واصل يارب كله فرح وبس."
أمن عليه طاهر فهو لم يعد يتحمل أي مصائب أخرى:
"أمين يارب."
طالعه محمود بحرج شديد. فما جاء لأجله ليس وقته لكنه مضطر في محادثتة في ذلك التوقيت بالتحديد. شعر طاهر بثمة أمر في صديقه لعدم اتزانه فسأله مستفسراً:
"واه مالك مش واجف على بعضك أكده ليه؟"
خجل محمود كثيراً فلم يعد هناك رجوع وعليه إدلاء بما في جوفه حتى وإن قابل صعوبة في ذلك:
"عارف إن اللي هجوله ديه مش وجته بس اعذرني يا صاحبي أني كلها أجل من سبوع وهعاود مكان ما جيت."
قطب طاهر جبينه بغرابة فحديثه مبهم ولا يفهم عليه. رفع رأسه إليه متسائلاً فى فضول:
"أني مفاهمش بردك أنت رايد ايه؟"
جلس محمود بجواره ولم يرفع نظره من على طاهر حتى استمد منه القوة وتحلى بالشجاعة وقال مراده:
"رايد اتجوز صباح!!"
صعق طاهر من طلب محمود المفاجئ. فهي للتو قد فسخت خطبتها، متى أعاد التفكير بها؟، اعتدل طاهر فى جلسته وطالع الفراغ أمامه في صمت حل لوقت قطعه طاهر بأسئلته:
"متواخذنيش يا صاحبي طلبك غريب جوي، البت لسه فاسخة خطوبتها النهاردة وأنت حضرت بنفسيك المشكلة وعرفت اللي فيها، يبجي رايد تتجدم لها كيف وفكرت فيها ميتى من أصله؟"
حديث طاهر صحيح مئة بالمئة وعلى الآخر إنتقاء كلماته بعناية لكى لا يساء الظن به:
"أنت خابر زين يا صاحبى إنى عايش لحالى، بطولي في الدنيا، من وجت ما أمي وأبوي راحوا للي خالجهم وأني جوزت اخواتي البنتة ومجدرتش أجعد فى البلد أكتر من أكده حسيت إني أديت دوري وخلاص أشوف حالي بجا، وأنت الحِمل بجا تجيل عليك و.."
انتفض طاهر بعصبية بالغة ونهره بإنفعال:
"كانك رايد شروة من الأخر، تشتريها تونسك وتخلصني منيها، لا يا محمود أني مرميش لحمي بالسهولة ديي وأنت عشان العشرة اللي بيناتنا هعمل إني مسمعتش حاجة منيك، تصبح على خير."
أسرع محمود فى اللحاق به، أجبره على التوقف بمسكه لذراعه فى محاولة منه على توضيح سوء الفهم الحادث:
"أني مجصديش اللي فهمته واصل، يا طاهر الوحدة في الغربة وحشة جوي يا أبوي، وهنكة الحريم على جفا مين يشيل يتمنوا بس تشاور على واحدة منيهم، بس أنى محاببش أمشي في الطريج ديه أنى رايد الحلال، وأنت أدرى واحد بيا صاحبك ميعبوش حاجة واصل لا أخلاجه ولا جيبه مستورة والحمدلله."
لم يصدق طاهر مسامعه، فالأمر بدى أخرق للغاية، فكيف سيصدق سرعة محمود في التقدم لطلب شقيقته التى لم يشفى جرحها من علاقة وضيعة بعد؟!
أخذ طاهر شهيقاً وأزفره بتمهل مردداً:
"أشمعنا بردك أختي يا محمود، متأخذنيش يعني أي واحد هيسمع الحديت اللي اتجال عنيها النهاردة ديه مهيهوبش نحيتها من أساسه وانت ما شالله عليك فكرت جوام جوام وجيت تتجدم والموضوع واجف على مواجفتي كمان!!"
نكس محمود رأسه فى خذى لوقت قبل أن يردف:
"متأخذنيش يا طاهر بس أنى حسيت أن اختك عندها نجص ومحدش فاهمها لأن لو كان حد فاهمها كان سد الفراغ ديه، هي بتتعلج في جشاية كيف الغريق تمام وأني محتاج ونس معايا فى غربتي ومظنش أن هيكون فيه احسن منيها وعلى الاجل نونس بعضنا ونسد الفراغ اللي جوانا."
حديثه جميل وما يطمئنه كثيراً أنه على علم بخلق محمود ولن يتمني لشقيقته رجلاً أفضل منه. لما الرفض؟ إن كل هناك مصلحة لصباح ألا تريد أن تتزوج فالخاطب قد دق الباب وليس بأي خاطب أنه محمود ذو القلب الحنون والعقل الرزين والأهم من بينهم يخشى ربه وبالتالي لن يحزن قلب شقيقته.
أوصد طاهر عينيه لبرهة يحاول التريث في حكمه:
"سيبني أفكر يا محمود واخد رأيها وأرد عليك لما ياجيني الرد باذن الله."
وافقه محمود في طلبه لكنه حثه على التعجل معللاً أسبابه:
"بس جوام يا طاهر عشان لو فيه نصيب ألحج أبدأ في إجراءات جواز سفرها."
أماء له طاهر ثم استأذن محمود فى المغادرة بينما عاد طاهر إلى المنزل وعقله غير مصدق ذاك الحدث العظيم فآخر ما كان يتوققه زيجة صباح من صديقه الخلوق.
أخبرها طاهر بالأمر كاملاً فهللت هي فى سعادة من سماعها لهذا الخبر السعيد:
"زين يا طاهر وانت ناوي على ايه؟"
تنهد بحرارة وهو يفكر بصوت عالٍ:
"مخابرش إن جيتي للحج أني خايف أخسر علاجتي بيه من وراها، محمود ديه أخر علاجة متبجيالي، مرايدش أخسره بسببها."
حاولت مروة التخفيف من خوفه قائلة:
"وليه متجولش إن ديه نصيبها وربنا هيهديها معاه وتكون ونعمة الزوجة، كلنا بنغلط يا طاهر ونستاهلوا فرصة تانية يمكن ديي فرصتها التانية الله أعلم."
انحنى بجسده للأمام وعقد كفوف يديه في بعضهما البعض ورد عليها:
"هتحدتوا وياها وأشوف رأيها إيه."
نهض من مقعده وتوجه بخطاه للخارج متوجهاً إلى غرفة صباح التي لم يصدر لها صوت منذ الصباح. طرق بابها عدة مرات وحين لم يجد رد منها سمح لنفسه بالدخول مصدراً صوتا ينبهها بدخوله.
لم يتفاجئ حين رآها مستلقية على الفراش حاضنة وسادتها بين ذراعيها. اقترب منها فتفاجئ بعبراتها التي تتساقط في صمت. خفق قلبه حزناً على حالتها. أشفق على ما وصلت إليه بسبب تصرفاتها الحمقاء التي لا تحدثها دون الرجوع لأحد.
أخرج زفيراً عميق فليس بحين يعاتبها فيه، فهو جاء من أجل عرض الأمر عليها ويأخذ منها رداً يعطيه لصديقه. جلس مقابلها على مقعداً قد جلبه وطالعها لوقت طال قبل أن يردف..
"محمود طلب يدك."
قالها طاهر دون سابق إنذار فلم يرى منها أي تأثير بالأمر. شعر لوهلة أنها لا تصغي إليه فتابع حديثه لعله ينجح في لفت انتباهها:
"جالى أنه محتاچ ونيس معاه في غربته، محمود أخلاجه عالية وطيب وكسيب، بيكسب بالحلال وأني هبجي مطمن عليكي معاه بس طبعاً ديه يرجع ليكي أنتِ، شوفي رايدة تعملي ايه وخبريني بس ياريت يكون جوام عشان هو خلاص كلها كام يوم ومسافر."
نهض عن مقعده وأولاها ظهره قاصداً الخروج تاركاً لها حرية الرد فتفاجئ بردها الذي تعجب من سرعته:
"أني موافجة."
صباحاً، ظلت تطالعه غير مصدقة أنه بات زوجها قولاً وفعلاً. ترمقه بحياء تارة وبإمتنان لكونه وفي بوعده لها تارة أخرى.
نظرت حولها لعلها ترى أي ثوب ترتديه بدلاً من ثيابها الخاصة بالخروج لكن لا يوجد، فلم تحسب لتلك اللحظة التي جائت على فجاءة دون ترتيب مسبق.
بحثت عن هاتف ضيف لكي تهاتف والدتها فلقد خرجت من منزلها دون أن تأخذ شيئاً. لَقِفته من جيب جلبابه الملقى أرضاً ثم عادت إليه محاولة فك تلك الشفرة الغبية التي لا تنفك بشتى الطرق التي أجرتها هي.
عادت بنظرها إلى ضيف بأسف فستضطر إلى إيقاظه لكي يخبرها بحل شفرته المعقدة. اقتربت منه فكانت تعتليه برأسها ودندنت بصوت عذب:
"مشربتش من نيلها، طب جربت تغني ليها؟"
استقيظ ضيف إثر دندنتها الغريبة. طالعها لوقت برؤية مشوشة قائلاً بنبرة متحشرجة:
"حد يغني مشربتش من نيلها يوم صباحيته يا بجرة."
عبست صفاء بوجهها رافضة سبابه ورددت بحنق:
"أني بجرة؟"
جذبها ضيف من ذراعيها فسقطت على صدره ثم قال لها:
"أحلى بجرة كماني."
طالعته بإزدراء تحول إلى خجل شديد حين سرق قُبلة من شفتيها. حاولت التملص من بين يديه لكنه أبى وبحركة سريعة منه كان يعتليها كما قيد حركة ذراعيها بقبضته هاتفاً:
"هتهروبي منى على فين ما خلاص العصفور دخل العش ومعدلوش خروج."
تلبست ثوب الحدة وبنبرة صارمة حادثته:
"بعد عني يا ضيف أني مبكلمكش هااا."
انحنى عليها وحرك شفتيه بنعومة على عنقها فرجفت هي وابتلعت ريقها بصعوبة. رفع رأسه ونظر إليها قائلاً ببسمة عذبة:
"صباحية مباركة يا عروستي."
تبخر تمرد صفاء عليه وشكلت إبتسامة خجولة على محياها. هربت بأنظارها بعيداً عنه فانحنى مرة أخريى على عنقها ملثماً إياها بالقبلات الحارة. أوصد ضيف عينيه بضجر حين وقع على مسامعه قرع الباب.
دفعته صفاء بعيداً عنها بكل ما أوتيت من قوة متمتمة بتوجس شديد:
"ديي أكيد أمي، هجولها ايه دلوك؟"
قطب ضيف جبينه مستاءً من سذاجتها وهم بالرد عليها:
"مخبولة في عجلك إياك أنتِ مرتي يابت يعني اللي حوصل ديه عادي افهمي ومتجفليش مخك الزنخ ديه."
ارتدت صفاء ثيابها سريعاً بينما لم يرتدي ضيف أي ثياب واكتفى ببنطاله الأبيض. توجه إلى الخارج وفتح الباب فإذا به والده. شعر ضيف بالحرج الشديد الذي عصف به فور رؤيته لوالده الذي يطالع جسده العاري بحرج.
حمحم ضيف واستقبله بحفاوة:
"أهلا اتفضل يا أبوي."
ولج الحاج حنفى على مضضٍ وظل منكس الرأس خشية أن تظهر زوجة ولده بهذا المظهر هي الأخرى. جلس على أقرب مقعد قابله وبدأ حواره مباشرةً:
"أنى كلمت عمال الفراشة هياجوا بعد ساعة أكده يبدأوا يجهزوا الصوان عشان الليلة اللي هتتعمل النهاردة."
بعدم استعياب سأله ضيف:
"ليلة إيه يا أبوي؟"
أوضح له والده بتجهم:
"ليلتك ليلة فرحك يا إبن الحمايدي، أنت عملتها ولطيتنا لازمن نوروا الخلج أن كل حاجة ماشية تمام مش نسيبها سايبة واللي في جوفه حاجة يجولها، بالفرح ديه هنكتم أي خشم عيتحدت في البلد ديي."
إلتوى ثغر ضيف للجانب مُشكلاً إبتسامة عريضة وشكره مراراً:
"شكراً يا أبوي."
نهر ه الآخر بضيق شديد منه:
"أني عملت أكده عشان اسم العيلة ميتلطش مش عشان سواد عيونك."
نهض من مقعده فور انتهائه من إخبار ضيف بما جاء لأجله ثم انصرف سريعاً بينما عاد ضيف ليخبر صفاء عن سبب زيارة والده حتى تتجهز لكونها عروس.
شعرت بالملل الذي لا يوجد غيره تلك الأيام التي تمر ببطئ شديد. روادتها عدة أفكار اختارت واحدة من بينهم لتفعلها ربنا تشعر بالتحسن كما سبق وشعرت به في المرة الماضية.
ترجلت أدراج السُلم سريعاً حارصة بألا يصدر منها صوتاً تنتبه له والدتها. بحثت عنها قبل أن تخطوا للخارج، فإذا بها واقفة فيى المطبخ مولية ظهرها إليها. استغلت ورد الفرصة وتابعت سيرها إلى الباب ثم همت بالخروج موصدة الباب خلفها بحذر شديد.
أسرعت من خطاها متوجهة إلى وجهتها المقصود الوصول إليها. على الرغم من بعد المسافة إلا أنها فضلت السير عن الركوب على أملاً أن يحسن السير من صفوها.
وبعد مدة طالت لا تعلم كم تحديداً وصلت إلى طوالة الخيل، فلقد أخبرها مصطفى بتحسن مزاجيته حين يمتطي جواده كما أنها حظت بتجربة فريدة من نوعها مسبقاً وبالفعل تبخر حزنها في دقائق معدودة ما أن امتطت الجواد برفقة مصطفى.
دني منها حارس الطوالة جاهلاً هويتها:
"محتاجة حاجة يابتي؟"
طالعته لبرهة قبل أن تفصح عن هويتها:
"أني مرت مصطفى."
ازداد ترحيبه بها مهللاً بحفاوة:
"يا مرحب يا مرحب اتفضلي."
شكرته ثم دلفت بقرب مُهرة حبيبها. ملست على خصلاتها بنعومة فلم ينفر منها الجواد كما في السابق هو اعتادها ويكفيه أنها ترافق مصطفى دوماً.
لاحظت ورد تحرر خصلاته التي تضايق عينيه فبدأت في تشكيل الجدائل مرة أخرى بحب. انتبهت لصوت من خلفها حين انتهت مما تفعله:
"فيكي الخير إنك عملتيها متعرفيش الباشمهندز بهدلني كيف لما فكيت الضفاير حجها وجامت الجيامة حتى حاولت اني اعملها معرفتش لدرجة اني فكرت أشيع لمرتي في يوم تاجي تعملها هي بس أنتِ ما شاء الله عليكى عملتيها كيف لاول وأحلى كماني."
ابتسمت ورد حين أخبرها بذلك كما تأكدت أنها مازالت في قلب مصطفى ولا يريد أن ينتهي شيئاً سبق وفعلته. أخرجت تنهيدة حارة متمنية أن تمر تلك الأيام سريعاً ويجمع شملهم في القريب العاجل.
نظرت إلى حيث يقف العامل وأردفت حاسمة أمرها:
"أني هخرج مُهرة."
عقد ما بين حاجبيها بغرابة وسألها مستفسراً:
"متواخذنيش بس ممكن أسأل ليه؟"
أجابته ورد مختصرة:
"هركبها."
بالفعل بدأت فى مساعدة الجواد على الخروج من مكانه بينما أسرع العامل فى إبداء رفضه محذراً:
"بلاها أحسن مش أي حد يركب مُهرة لازمن يبجي فارس على الفرازة كيف ما بيجولوا، أنتِ ممكن تتأذي."
لم تتأثر بكلماته وهتفت بلا مبالاة:
"متجلجش."
لم تصغي ورد إلى رفضه الذى حثها عليه فهو يخشى أن يصيبها مكروه وحينذاك لن يطيل التوبيخ سواه إن لم يكن فيها رفده من المكان.
بسلاسة إمتطت ورد الجواد فلقد تعلمت من أخطائها في المرة الماضية ناهيك عن عدم وجود مصطفى حتى يمد لها يد العون إذاً فلتساعد ذاتها بذاتها.
لم يستطع العامل الوقوف ومشاهدة ما يحدث وترك الأمر يأتي كما هو مقدر له وأسرع فى إبلاغ رب عمله عن طريق الهاتف الخلوي.
انتظر إجابته على أحر من الجمر وأسرع فى الحديث فور إجابة مصطفى:
"إلحج يا باشمهندز، مرتك إهنه وركبت مُهره."
انتفض مصطفى من نومته وهدر به شزراً:
"امنعها يا بهيم أنت."
أخبره بعدم اكتراثها لتحذيراته قائلاً:
"والله حذرتها بدل المرة عشرة وهي راسها والف سيف لتركبه خوفت يجرالها حاجة جومت بلغتك."
حادثه مصطفى وهو يلتقط جلبابه من حامل الثياب بنبرة ملهوفة:
"وجفها ومتخليهاش تمشي أعمل اي حاجة ووجفها أنى جاي حالاً."
كاد العامل أن يغلق الهاتف إلا أن مصطفى صاح به متوعداً:
"لو حوصلها أيتها حاجة حسابي معاك أنت."
أنهى المكالمة وهرول إلى الخارج سريعاً لكي يلحق بها قبل فوات الأوان بينما كانت تستمتع هي بسير الحصان الهادئ وبالفعل بدأت تستعيد جزءاً من رونقها إلى أن شعرت بالسرعة تزداد رويداً رويداً إلى أن فاقت السرعة قوة تحمل ورد وصرخت بأعلى حنجرتها مستغيثة بأحدهم.
لم يقدر أحد على إيقاف الخيل فهو لا يقف إلا بإشارة من فارسه. شعرت ورد بالدوار يعصف برأسها حتى تشوشت رؤيتها بالكامل وفقدت التحكم في الصمود أعلى الجواد. سقطت من عليه مرتطمة بالأرضية بقوة حتى غاب وعيها وحلق في عالم آخر مظلم.
رواية عرف صعيدي الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم تسنيم المرشدي
وصل مصطفى داعياً ربه بأن تكون الأمور على ما يرام.
لم يحدث مكروه لها، فهو على دراية تامة بسرعة مُهرة الفائقة.
وإن لم يجيد الفارس قيادتها، ستحدث هوائل.
ترجل من سيارته مهروفاً إلى الداخل بخطى غير مستقيمة.
انخلع قلبه حين رأى تجمع العاملين، ناهيك عن محاولة سيطرتهم على الجواد الذي يرفض الاستسلام إليهم.
بصوت عالٍ صاح فيهم:
"بعدوا بعدوا."
تنحى العمال جانباً لكي يمر مصطفى ويصل إلى زوجته الملقاه أرضاً.
صعق حين رآها هامدة لا يصدر منها أي حركة.
انحنى عليها وجلس على ركبيته يتفقد نبضاتها أولاً.
أوصد عينيه مع خروج زفيره براحة حين شعر بنبضاتها أسفل أنامله.
انتبه على صوت أحد الرجال وهو يخبره بما فعلوه:
"إحنا بلغنا المِركز يبعت عربية إسعاف وزمانتها على وصول."
اعتدل مصطفى في وقفته وحملها بين ذراعيه مردداً:
"مهستناش إسعاف أني."
ولج بها إلى الخارج، فساعده أحد العاملين بفتحه لباب السيارة الخلفي.
فأسرع مصطفى في وضعها بحذر شديد خشية أن يؤذيها.
أغلق الباب واستقل خلف مقوده وتحرك بالسيارة بأقصى سرعة تمتلكها.
كان يترقبها من حين لآخر أثناء تركيزه في القيادة.
جذب انتباهه أنينها الخافت، فأوقف السيارة فجاءة وإستدار بجسده نحوها متسائلاً في خوف شديد:
"ورد، حاسة بإيه؟"
بدأ أنينيها في العلو إلى أن تحول إلى صراخ موجوع وهي تهتف بألم:
"يدي، نار في يدي."
تمزق قلبه أشلاء بعد نبرتها الموجوعة تلك.
حاول التحلي بالقوة التي خارت تماماً مردداً بعض الكلمات لكي يطمئنها:
"هنروحوا على المستوصف جوام حاولي تتحملي."
حركت رأسها مستنكرة ما يحثها على فعله:
"ممتحملاش الوجع فوج طاجتي مجدراش."
كلماته كانت تقيد مصطفى عن التصرف والتفكير بشكل صحيح.
صغى إلى صافرة الإسعاف التي على وشك الاقتراب منه.
حمد ربه داخله أن هناك من سيساعده في تلك الورطة التي وقع بها.
أوقف السيارة في منتصف الطريق وترجل منها.
وقف أمامها وأشار بكلتي يديه جاذباً انتباه سائق الإسعاف ومن ثم انتظر مجيئهم إليه.
ترجل المسعفين بعدما تأكدوا من هوية مصطفى الذي ساعدهم على وضع ورد على الناقلة الطبية.
رافقها في سيارة الإسعاف بعد أن تمم على غلق السيارة.
هاتف عسران وأبلغه بتلهف:
"إيوة يا عسران أني هملت العربية في الحودة اللي على يمين الاسطبل شيع حد ياخدها وياجي على المستوصف جوام."
شعر عسران بالقلق حيال نبرته وسأله بتوجس:
"وااه ايه صوت الإسعاف ديه أنت فيك حاجة؟"
أخبره مصطفى بحقيقة الأمر مختصراً حديثه:
"ديي ورد وجعت من على الحصان."
أنهى مصطفى المكالمة بينما طالع عسران المكان من حوله بعينين جاحظة مردداً:
"يا واجعة سوخة يولاد."
أسرع في إبلاغ العمدة ليكن على علم ثم أمر أحد رجاله في إحضار سيارة مصطفى مستعيناً بالمفتاح البديل الذي برفقته.
عادت ورد لصراخها متألمة من ذراعها كلما حاولت تحريكه يزداد الألم فيه أضعافاً.
طالع مصطفى من هم أمامه وحثهم على فعل شئ بصرامة:
"إعملوا حاجة منك ليه بدل ما هي عتصرخ أكده."
تولى مهمة الرد عليه أحد المسعفين بقوله:
"كتفها بينه مخلوع وأسلم حل منجايش جنبه."
فوجئ مصطفى من تشخيصهم لحالة ورد وتمتم بشفقة:
"مخلوع!"
حاول التحلي بالصبر قدر المستطاع حتى وصلوا إلى المشفي.
ترجل برفقة المسعفين وتبعهم للداخل.
لم ينجح في الدخول معها في غرفة الطوارئ، فقابل رفض تام من قِبل الطبيب.
لم يريد خلق مشادة فالوقت ليس مناسباً وفضل المكوث مكانه لحين خروج أحدهم ليطمئنه على وردته.
مرت حوالي عشرة دقائق كأنهم ساعات على مصطفى.
وأخيراً ظهر الطبيب من الغرفة وأردف بنبرة عملية أمراً مساعديه:
"جهزوا العمليات طوالي."
صدم مصطفى من ترديده لتلك الكلمة التي خفق لها قلبه رعباً وأسرع في سؤاله بتوجس شديد:
"واه عمليات ليه يا داكتور؟"
أوضح له الآخر مقصده من الحديث:
"كتفها مخلوع ولازم لها عملية، بالمناسبة الجنين زين رغم إن حوصل نزيف من أثر الوجعة بس ربنا ستر، فلو سمحت روح عند الاستجبال خلص إجراءات العملية بسرعة عشان ندخلوها جوام."
شعر مصطفى لوهلة بأنه أضاع سبيله ولا يعلم طريق العودة، فالأحداث جاءت متتالية لم يستوعبها عقله بعد.
قطع عليه تشابك أفكاره صوت والده الذي دوى في الأرجاء:
"مالها ورد يا مصطفى إوعاك تكون عملت لها حاجة."
تجهمت تعابير مصطفى فما الذي يمكنه فعله مع وردته لكي يلقى تحذيراً ساذجاً كتحذير والده.
حرك رأسه مستنكراً، فأسرع عسران في توضيح الأمر حين استشف ضيق مصطفى:
"ديي وجعت من على الحصان يا عمدة."
تخطاهم مصطفى معللاً سبب ذهابه:
"رايح أخلص إجراءات العملية في الاستجبال."
أنهى مصطفى جميع الإجراءات اللازمة سريعاً لكي تبدأ ورد في الحين.
أنهى جميع المطلوب ثم لم يستطع الجلوس بينما حبيبته في الداخل يُجرى لها عملية.
أهي تتألم؟ أهي تشعر بما يفعلوه بها؟ أجنينه يتألم؟ متى تكون ذاك؟ لما ليس على علم به؟
أوصد عينيه يلوم أفكاره الساذجة التي ليست في محلها الآن.
انتبه لإهتزاز هاتفه الموضوع على وضعية الصامت، سحبه من جيبه فإذا بها والدة ورد.
تردد في إجابتها لبعض الوقت لكن عليه إبلاغها بما حدث، حتماً ستكون قلقة بشأن غيابها الذي طال.
أجاب وهو لا يعي كيفية إخبارها بتلك المصيبة الفاجعة.
ابتلع ريقه واستمع إلى استرسالها:
"غيتني يا مصطفى ورد بجالها ياجي ساعة مخابراش عنيها حاجة ملجيتهاش في أوضتها ولا في أي حتة حدانا جولت أكلمك يمكن تكون خابر بمكانها."
تنهد مصطفى، فأثار قلق السيدة سنية وتسائلت بخوف قد سيطر على خلاياها:
"معناتها إيه التنهيدة ديي يا ولدي طمني."
حمحم مصطفى قبل أن يردف:
"ورد ركبت الحصان ووجعت من عليه وإحنا دلوك في المستوصف."
ضربت سنية صدرها بقوة مرددة بذعر:
"بتي حوصلها حاجة يا مصطفى طمني الله يطمن جلبك."
أجابها بقلة حيلة:
"مخابرش حالتها يا خالة هي في العمليات دلوك لما تخرج هنعرفوا."
جحظت عيني سنية بصدمة حلت على تقاسيمها وبلهفة شديدة سألته:
"يا مصيبتي هي حصلت عمليات، يا وجع جلبي عليكي يا بتي."
صمتت سنية لبرهة ثم تابعت ناهية الحوار:
"أني جاية حالاً."
أسرع مصطفى قبل أن تغلق الهاتف بقوله:
"خليكي يا خالة وأني هبعت لك عربية تجيبك لهنه."
شكرته سنية ثم أغلقت الخط.
لم تطيق الانتظار والمكوث في مكانها وقررت الوقوف في الخارج حتى تستقل في السيارة أسرع فور وصولها.
بينما اقترب مصطفى من باب الغرفة على أمل أن يحظى برؤية وردته لكنه فشل، فكان هناك حاجزاً أمام الباب يمنعه من التملق في شيئ آخر غيره بعدما كلف أحد رجاله بالذهاب إلى والدة ورد ليصطحبها إلى هنا.
أضطر إلى الرجوع للخلف وانتظار مرور الوقت الذي يكرهه، فهو يمر بتمهل شديد ولا يحدث أي جديد.
وصلت السيدة سنية بخطى مهرولة، ألقت التحية على الجميع وتوجهت مباشرةً إلى مصطفى متسائلة في قلق:
"مفيش جديد ياولدي؟"
أومأ لها مصطفى نافياً قبل أن يجيبها بلهجة قلقة:
"لاه لساتها جوا."
وضعت السيدة سنية يدها أعلى يسار صدرها وتمتمت داعية ربها:
"ربنا يطمنا عليكي يابتي."
فُتح باب الغرفة ما أن أنهت السيدة سنية دعائها.
تنحيا جانباً هي ومصطفى لكي يسمحوا للطبيب في المرور.
سأله مصطفى متلهفاً لسماع ما يسُر قلبه على ورد:
"طمني يا داكتور؟"
خلع الطبيب كمامته الطبية وأجاب على سؤاله بعملية:
"العملية عدت على خير إطمن."
أزفر الجميع أنفاسهم براحة اجتاحت قلوبهم.
ظهر طيف حبيبته غافية على الناقلة.
امتعض مصطفى لوجهها المكشوف دون حائل.
لم يكن في مقدرته سوى إفراغ غضبه في رجاله أمراً:
"لفك وشك منك ليه."
أولى الرجال ظهورهم إليه سريعاً بينما تعمد مصطفى عدم الابتعاد عن الناقلة وكانت خطاه على نفس خطى عجلاتها لكي يمنع الأعين المتطفلة من رؤية وردته.
يكفيه ذلك الغبي الذي يتنقل بها متوجهاً إلى إحدى الغرف.
كم تمنى لكمة لكن ما يمنعه أنه يتحاشى النظر عن ورد.
انسحب الطبيب برفقة التمريض وباتت الغرفة خالية إلا من مصطفى ووالده والسيدة سنية التي ظلت مرافقة لإبنتها رافضة الابتعاد عنها قبل أن تطمئن عليها.
طُرِق الباب عدة طرقات ثم فُتح قبل أن يُسمح له بالدخول.
تجمعت تعابير مصطفى وتوجه نحو الباب لكي يشتبك مع الدخيل إلا أنه رأى والدته فتبخر غضبه وارتخت ملامحه.
تنفس الصعداء وعاتبها بلطف:
"زين أنه أنتِ كنت هتعارك مع اللي دخل أكده من غير لا إحم ولا دستور."
ابتسمت له السيدة نادرة وتسائلت عن ورد بحب:
"كيفها ورد دلوك ياولدي؟"
رمش مصطفى بأهدابه ليبث فيها الطمأنينة مجيباً إياها بنبرة رخيمة:
"زينة العملية عدت على خير بس لساتها مفاجتش."
ربتت نادرة على ذراعه تأزره في محنته:
"ربنا يطمنا عليها يا ولدي."
تابعت نادرة خطواتها إلى الأمام ورحبت بالسيدة سنية بحفاوة ثم انضمت إليهم مشاركة إياهم في الحديث.
حتى قطع أحاديثهم خليل بسؤاله:
"ألا جولي يا مصطفى أني سمعت الداكتور عيجول الجنين بخير ولا ديه كان تهيئات؟"
تذكر مصطفى ما قاله الطبيب ولوهلة ظن أنه يحلم لعدم أخذ تأكيداً من الطبيب على ما أخبره به:
"والله يا أبوي أني نفسي مخابرش إذا كان اللي سمعته ديه صوح ولا لاه، إتلهيت في العملية ونسيت أسئله."
تدخلت نادرة مهللة بسعادة عارمة:
"يا ألف نهار أبيض على الاخبار الزينة."
تذكرت سنية حالة ورد التي عليها منذ فترة وفكرت بصوت عالٍ:
"ورد بجالها ياما حالتها مش اللي هي أني شكيت بس مردتش أعشمها جبل ما نتوكد لاول."
تقوس ثغر مصطفى بإبتسامة عذبة وهو يرسم عدة مشاهدة لذاك المولود الجديد قبل أن ترتخي ملامحه بذهول لحديث والده:
"بردك أتأكد يا ولدي أصل يطلع ما كيف ما عيسموه حمل كاذب."
حملق به مصطفى لثوانٍ ثم رد عليه مستاءً:
"ليه هي متجوزة جفص جوافة؟"
انفجرت السيدتان في الضحك ولم يسيطرن على ضحكهن بسهولة.
حرك مصطفى رأسه مستنكراً ما يفعلنه ناهيك عن حديث والده الذي استشاطه غيظاً.
التزم خليل الصمت فعلر ما يبدو أنه أخطأ في حق ولده.
انتبهوا جميعاً على أنين ورد الخافت.
أسرع مصطفى من الجهة اليمنى التي كانت أقرب في الوصول إليها كذلك اقتربت منها السيدة سنية من الجهة الأخرى.
انحنى عليها مصطفى وسألها باهتمام:
"عاملة إيه يا ورد؟"
بنبرة ثقيلة للغاية تمتمت بدون استيعاب لما تتفوه:
"فين المانجة يا مصطفى؟"
قطب مصطفى جبينه بغرابة وسألها مستفسراً:
"مانجة إيه عاد يا ورد دلوك؟"
بصعوبة أجابته:
"اللي سرجتها من الدار اللي جار السرايا."
اتسعت حدقتي مصطفى على آخرهم مذهولاً من تلك الفضيحة التي تسببت بها.
انحنى ليكون أقرب إلى أذنها وهمس قائلاً:
"إكتمي فضحتيني يا واكلة ناسك."
قهقهت ورد عالياً كما ارتفعت نبرتها وهي تضيف على ما قالته:
"بوك كان عيجول مشافش حرامي مانجة مخابرش إن ولده اللي سرجها."
تضاعفت ضحكات ورد بثقل مما أثبت للجميع أنها غير واعية لما تقول حتماً أثار المخدر مازال يغيب عقلها.
استدار مصطفى برأسه للخلف فتفاجئ بأعين الجميع يرمقانه بدهشة مرسومة على تعابيرهم.
نهض خليل من مقعده وتوجه نحوهم وبنبرة متحشرجة سألها:
"وإيه كماني يا ورد جولي في اللي جوفك كلاته."
رمقه مصطفى بنظرات مذهولة غير مصدق لما سمعه للتو وردد:
"واه يا أبوي ديي كانت مرة مفيهش غيرها، كنا بنلعبوا الشايب وحكمت عليا."
حرك خليل رأسه مستنكراً حديث ولده:
"يا عيب الشوم عليك يا ابن الجبلاوي على أخر الزمن بجيت حرامي عشان الشايب!!"
شعر مصطفى بالخجل يعصف به من خلف كلمات أبيه الساخرة.
عاد بنظره إلى ورد متوعداً لها بعد أن تستعيد وعيها.
نهره خليل بنبرة آمرة:
"جوم روح اتوكد من حديت الداكتور عن الحمل ولا أنت متعرفيش غير تسرح المانجة من عند الخلج؟"
عاتبه مصطفى بغيظ:
"خلصنا يا أبوي بجا."
أسرع خطاه إلى الخارج قبل أن يلقى سخرية أخرى من قبل والده بينما ضحكتن السيدتان على موقف مصطفى أمام أبيه الذي لم يتوقف عن إيلامه.
"لاه ياما محضرش الفرح ديه."
أردفتهم بحنق بينما تلقت الرد من والدتها:
"ومين ليه نفس يحضر يا مروة بس ديه أخوكي يا حبيبتي ولازمن نحضروا الخلج تاكل وشنا."
برفض تام هتفت:
"ولو ياما ولدك جرح جلب البنية وفضحها جدام الخلج وأني لا يمكن لساني يخاطب لسانه بعد أكده."
نهرتها والدتها بعصبية بالغة:
"وأني اللي فاكراكي مش راضية عن جوازته بالبت ديي، طلع جلبك على اللي ما تتسمي التانية، مش عارفة يارب ألاجيها من الواد ولا البت ربنا يهديكي يا بسمة أنتِ اللي فيهم."
انتبهت مروة لنزول طاهر فأنهت المكالمة على الفور:
"سلام ياما هكلمك بعدين."
لحقت بها أميمة قبل أن تغلق معقبة:
"هتاجي ولا لاه يابت؟"
بنبرة سريعة أجابتها:
"بعدين بعدين."
وضعت الهاتف جانباً ثم اقتربت من زوجها مُشكلة إبتسامة رقيقة على محياها مرحبة به:
"صباح الخير."
تفاجئت مروة بالقُبلة التي توسطت جبينها، شعرت برجفة قوية سرت في أوصالها فجاءة.
خرجت من حالتها التي انحشرت بينها على رده لتحيتها:
"صباح النور، أني بجول تروحي تجضي اليوم من أوله في دار بوكي عشان تروحي وياهم الفرح، أنتِ أكيد خابرة إني ممهوبش دار أخوكي ديي ولو إيه حوصل."
تعجبت من حديثه المبهم وأبدت رفضها فيما يحثها على فعله:
"بس أني مش هروح يا طاهر."
عاتبها طاهر بنظراته قبل كلماته فتعجبت هي من إشارات عينيه.
أخرج طاهر تنيهدة حارة وبدأ حديثه دون ممطالة ليرضي فضولها:
"أني سمعت حديتك مع أمك ومعجبنيش اللي إتجال، ديه راح ولا جه أخوكي مينفعش تخسريه عشان حد ديه دمك يا مروة واللي بيني وبينه ملكش صالح بيه واصل ولو فاهمة إني هزعل لو روحتي فأحب أجولك إني هزعل بجد لو مروحتيش."
حاولت مروة معارضته:
"بس...."
قاطعها حاسماً الأمر:
"مبسش يا مروة هتروحي الفرح ويلا إطلعي حضري حالك عشان أوصلك عند أهلك."
طالعته لوقت ثم بهدوء مالت على صدره مرددة بنبرة مُتيمة:
"إنت كيف حلو أكده؟"
بدون تفكير ولا زيف في الحديث أجابها:
"بحاول أتعلم منك."
رفعت رأسها للأعلى لتقابل سودتاه ولم تمنع البوح بمشاعرها في تلك اللحظة الثمينة:
"بحبك جوي يا طاهر."
شعور لا يوصف، لا يضاهى بثمن، تأتي أثمن اللحظات في أشد الأوقات ضعفاً لتداوي الجراح وتقوي هشاشة القلب المنكسر.
ملس طاهر على وجهها بنعومة وحثها على الإسراع قائلاً:
"يلا همي جهزي حالك."
على الرغم من انتظارها لتصريحه هو الآخر بحبه لها إلا أنها اكتفت بتصرفاته التي لم تفشل مرة في أسر قلبها.
هي متأكدة من أن هناك وقت مقدر لذاك التصريح العظيم وسنتنظره بفروغ صبر.
ابتعدت عنه لكي تجهز ما ستحتاجه في زفاف شقيقها ثم عادت إلى طاهر من جديد بعدما بدلت ثيابها بأخرى.
خرج كليهما متشابكين الأيدي وتوجهوا إلى الطريق الذي يصل آخره إلى منزل عائلتها سيراً على الأقدام.
مرت ساعة تلو الأخرى والثالثة على وشك الانتهاء ولا يحدث جديد.
لم تستعيد ورد وعيها بعد، حتى هلوسة عقلها لم يعد لها أثر.
قلق مصطفى حيال ذلك وقرر محادثة الطبيب لكي يطمئنه عليها.
بالفعل حضر الطبيب وأعاد فحصها ثم وقف بقامة منتصبة وأشار إلى مصطفى أن يسبقه للخارج.
لم يطمئن كلاً من الحاضرين من تلك الإشارة المبهمة وتبعوا الطبيب إلى الخارج خلف بعضهم ليعملوا ما بها.
صدح سؤال مصطفى في الوسط ما أن خرجوا جميعاً من الغرفة:
"إيه يا داكتور خير؟"
تنهد الطبيب وأخبره على ما استنتجه:
"مرتك زينة وفايجة بس شكلها خايفة من حاجة، من حد عشان أكده مبتطلعش صوت شوف أنت بجا هي خايفة من إيه وحاول تطمنها منيه، عن أذنكم."
غادرهم الطبيب بينما تبادل ثلاثتهم النظرات المذهولة.
حسم مصطفى الأمر قبل دخول أحدهم إليها بقوله:
"أني رايد اكون معاها شوية لوحدينا."
لم ينتظر إجابة أحد ودلف بخطاه للغرفة وهو يهتف بنبرته الرخيمة:
"لَمَّا رَآنِي فِي هَوَاهُ مُتَيَّماً
عَرفَ الحَبِيبُ مَقَامَهُ فَتَدَلَّلاَ
فَلَكَ الدَّلاَلُ وَأنتَ بَدرٌ كَامِلٌ
وَيَحِقُّ لِلمَحبُوبِ أن يَتَدَلَّلاَ."
انتهت كلمات الغزل فيها مع انتهاء خطوات وصوله إليها.
جلس على طرف الفراش من الجانب الآمن لها حتى لا يسبب لها الألم في ذراعها.
بهدوء مختلط بالندم أردف:
"إصحي يا ورد خابر أنك صاحية، خايفة مني؟ أني بجيت بخوف للدرجة ديي؟"
أبعدت ورد أهدابها المتلاصقة عن بعضهم وحركت رأسها إلى حيث صوت مصطفى.
انحنى الآخر عليها معاتباً بلطف:
"أني أخر واحد تخافي منيه يا ورد، أني حمايتك فاهمة يعني إيه؟"
ابتلعت ريقها وحادثته بنبرة خافتة:
"خوفت تعرف إني فايجة تهملني تاني، خليتني نايمة عشان صوتك ميبعدش عني!"
تأثر مصطفى من حديثها ولعن ذاته التي أبعدتها عنه، لكنها لن تفهم أنه رفض قربها حتى لا يمسها أذى غضبه.
أوصد عينيه لثوانٍ قبل أن يوضح لها الأمر:
"أني بعدتك عني عشان ميطلكش غضبي وعصبيتي يا ورد، أني لا يمكن أتخلي عنك واصل، أني أبيع الدنيا كلاتها ومشتريش غيرك، ده أنتِ مكانك في السوادة في نن العيون!!"
طالعته متأثرة من حديثه، دقت أساريرها فرحاً بعودة الحبيب وكلمات الغزل التي اشتاقت إليها.
مالت برأسها على يده الموضوعة جانبها بحنان فملس بيده الأخرى على وجهها بنعومة معتذراً مراراً عما اقترفه في حقها.
انتبهوا لطرقات الباب، أبتعد عنها مصطفى سامحاً للطارق بالدخول وإذا به الطبيب المتابع لحالتها برفقة طبيبة أخرى يجهل الواقفين هويتها.
تبعهم ممرضتان حاملان أحد الأجهزة الكهربية وقاموا بوضعه إلى جانب ورد.
نظرت الطبيبة إلى ورد مرحبة بها بلهجة مصرية:
"حمدالله على سلامتك يا مامي، زوج حضرتك قالنا إن أنتوا مكنتوش تعرفوا بالحمل، قولنا نجيب السونار لغاية هنا تشوفي البيبي بنفسك."
تدخل الطبيب معرفاً عن هويتها:
"داكتورة سمر داكتورة نسا جاية تطمن على وضع الجنين."
نظر إلى الطبيبة وأضاف:
"أني برا يا داكتورة لو احتجتي لايتها حاجة."
أجابته ممتنة:
"متشكرة يا دكتور."
وزعت ورد أنظارها بين الجميع بعدم استيعاب.
صوبت بصرها على مصطفى متسائلة في فضول:
"جنين إيه اللي عيتحدتوا عنيه؟"
التوى ثغر مصطفى بإبتسامة عريضة وأخبرها عن ذلك الخبر السعيد الذي تأكد بنفسه منه:
"هياجينا هلال الصغير."
اتسعت مقلتي ورد غير مصدقة ما قاله.
انتبهت لصوت الطبيبة التي تحثها على شيئ:
"بيني بطنك لو سمحتي."
رمقتها ورد لبرهة ثم فعلت ما أمرتها به فتابعت الأخرى عملها.
كانت عينيها مصوبتان على شاشة الجهاز أمامها كذلك ورد ومصطفى والسيدة سنية ونادرة لعلهم يحظون برؤية الصغير.
هتف مصطفى بحنق لعدم رؤيته أي شيئ:
"إيه ديه أني مشايفش حاجة."
قهقهت الطبيبة وبدأت في شرح ما يجهله بإشارة من سبابتها على نقطة ما على الشاشة:
"شايف حضرتك النقطة السودة ديي، ده بيكون الجنين."
حملق مصطفى في الشاشة وهتف:
"بس ديه نقطتين أنهي فيهم؟"
ابتسمت الطبيبة وبعملية أخبرته:
"الأتنين."
استدارت إلى ورد وتابعت مضيفة:
"مبروك أنتِ حامل في تؤام!"
تفاجئت الطبيبة بزغاريد نادرة السعيدة بينما انتبهت لسؤال مصطفى:
"جنسهم إيه يا داكتورة؟"
نهضت من مقعدها وهي تجيبه:
"لا لسه بدري علي لما نعرف النوع، هي تمت الشهر الأول إمبارح لسه ٣شهور كمان على لما يظهر النوع."
وجهت بصرها على ورد التي مازالت تحت تأثير الصدمة مرددة:
"لو احتجتي حاجة أنا موجودة، بعد أذنكم."
اختفى طيف الطبيبة خلف باب الغرفة بينما تلقت ورد التهنيئات والمباركات من الجميع بما فيهم خليل الذي أخبره مصطفى للتو.
كانت تشعر بالغرابة من الأمر، أي جنين يتحدثون عنه، فهي لا تشعر بالتغير، لا حركة لا شعور مختلف عن ذي قبل.
سمحت ليدها بالتسلل أسفل غطائها إلى أن وضعتها أعلى بطنها وتحسستها برفق وأسئلة رأسها لا تتوقف قط.
أهنا يكمن أجنتها؟ تحملهم بين أحشائها؟ هنا سيترعرعان بالداخل ويكبران معاً! ستنتفخ بطنها ويتغير شكلها بالكامل، ستفقد جزءاً من أنوثتها لولاهم، سترزق بإثنين معاً هل هي جديرة بذلك؟
قطع عليها مصطفى حبال أفكارها بسؤاله:
"مبسوطة يا وردتي؟"
تقوس ثغرها ببسمة تلقائية وبعفوية أجابت على سؤاله:
"جوي جوي."
انحنى عليها مصطفى مقبلاً جبينها ثم انتبه لأحاديث الآخرين الذي شاركهم فيها، كذلك كانت تشاركهم ورد من حين إلى آخر ثم تعود بها أفكارها إلى أطفالها التي تحاول رسم أشكالهم في مخيلتها.
أدلف بقرب فراشه وألقى هاتفه بتزمجر شديد مردداً بحنق:
"أوف ما ترد بجا."
التفتت إليه وسألته باهتمام:
"مين ديه اللي مبيردش عليك؟"
أخبرها بنبرة لا تسمح بالنقاش:
"مصطفى أديلي من صباحية ربنا بطلبه على المحمول ومبيردش."
حاولت التفكير معه بصوت مسموع:
"ممم طيب ما تطلب عمي أكيد خابر مكانه."
طالع لوقت واقتراحها يتردد في عقله وفي ثواني قد فعله فلا يوجد غيره.
التقط هاتفه وهاتف عسران الذي أجاب في الحال:
"كنت جاي أطخك عيارين على عملتك اللي عملتها ليلة إمبارح بس ممنعنيش غير الشديد الجوي، اللي حوصل جه في مصلحتك يا ضيف أفندي."
تأفف ضيف بضجر بائن وأردف بنفاذ صبر:
"بكفياكم عتاب بجا اللي حوصل حوصل وأهو جه في مصلحتنا في الأخر أبوي ناصب لي صوان برا أوبهة والليلة فرحي علي بت أخوك يعني محدش هيفتح خشمه بعد أكده واصل، رايد إيه أكتر من أكده؟"
نهره عسران بصرامة:
"كان يوحصل أكده بالأصول مش لما البت تتعرض للفضيحة!"
أبعد ضيف الهاتف عن أذنه مستاءً من تلك الأصول التي لا يتغاضى عنها قط.
أعاد وضع الهاتف على أذنه مغيراً مسار الحوار:
"جولت اللي حوصل منعك عني إيه اللي حوصل عاد؟"
أخبره عسران ما أصاب ورد فصدرت شهقة قوية من صفاء التي تقع إلى جواره تصغي لأحاديث عمها.
التقطت الهاتف من يد ضيف وسألته بإهتمام مصحوب بالتوجس:
"حصلها ايه يا عمي؟"
أخبرها عما يعرفه بصوته الأجش:
"أخر حاجة شوفتها وهي خارجة من العمليات، مخابرش عنيها حاجة تانية."
أبعدت الهاتف عنها ونظرت إلى ضيف قائلة:
"رايدة أروح أطمن عليها يا ضيف."
قطب جبينه مستاءً من طلبها وأبدى رفضه:
"تروحي فين يا مخبولة أنتِ النهاردة فرحك ولازمن تتجهزي عشان اليوم ديه، أني هوصل لمصطفى وأخليكي تكلميها تطمني عليها."
انتبهت صفاء إلى صوت عمها الصادر من الهاتف مؤيداً حديث ضيف:
"اسمعي حديت ضيف يا صفاء رغم إني مش طايجه بس أسمعي حديته."
ضحكت صفاء على ما قاله بينما قلب ضيف عينيه متذمراً من ذاك العتاب الذي لا ينتهي.
أضاف عسران على ما قاله:
"هطلع أديلهم المحمول تطمنوا عليهم، خليكم معايا."
دلف عسران بخطاه بقرب الغرفة القاطن بها الجميع.
طرق الباب ثم حمحم بصوت مسموع ظاهراً هويته.
أتاه مصطفى بعد قليل متسائلاً:
"في حاجة يا عسران؟"
ناوله الهاتف موضحاً:
"ضيف معرفش يوصلك وصفاء رايدة تطمن علي مرتك."
تناول منه الهاتف وعاد إلى الداخل مجيباً على صديقه مرحباً به بحفاوة:
"يا هلا بالعريس، سبج وجولنا صباحية مباركة النهاردة نسئلك الجواز حلو؟"
نهره ضيف مستاءً:
"أبو اللي يكلمك تاني، كنت مكلمك ابلغك أن أبوي رضي عني وهيعملي ليلة النهاردة كنت رايدك جاري بس شكلك أكده مهتعرفش تاجي."
صمت مصطفى لبرهة قبل أن يجيبه:
"هشوف أحوالي أكده وأجولك."
أسرع ضيف في الإجابة عنه:
"يا عمنا لاه خليك في اللي أنت فيه، المهم طمني الأخبار عنديك كيف؟"
طمأنه مصطفى وهو يحتضن يد ورد:
"زينة حتى هتبجي عم العيال ما إنك متستهلهاش."
هلل ضيف عالياً حين استوعب ما يرمي إليه مصطفى:
"جول والله."
ضحك مصطفى وهو يطالع وردته ثم أكد لضيف قائلاً:
"وتوم كماني."
تشاركن الضحك ثم بارك له بحب:
"مبروك يا صاحبي ديي الأخبار اللي تشرح الجلب المهم أني مهتنازلش عن ضيف الصغير."
بفتور رد عليه:
"نجوم السما أبعدلك، بكفايانا مخبول واحد."
عاتبه ضيف بحزن مصطنع:
"بجا ديي أخرتها ماشي يا ولِد خليل."
تدخل خليل متسائلاً:
"ماله خليل عاد يا ضيف؟"
اتسعت حدقتي ضيف بذهول وردد معتذراً:
"سيد الناس يا عمي."
ضحك الجميع على انسحابه من الحوار سريعاً.
ناول مصطفى الهاتف لوردته حين أخبره ضيف بطلب صفاء على الاطمئنان عليها حيث تسائلت عن أحوالها باهتمام.
بارك لبعضهما البعض على الأخبار السعيدة التي تعود لكلاً منهن كما اعتذرن أيضاً لعدم قدرتهن على مشاركتهن للأحداث الأخيرة.
رواية عرف صعيدي الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم تسنيم المرشدي
عاد بعدما أوصل زوجته إلى منزل عائلتها أثناء حضور صديقه الذي أمره بالمجيء فلبى أمره على الفور.
يقف محمود في توتر شديد خشية أن يلقى ما يكسر خاطره، استشف طاهر ارتباكه فهو على علم بتصرفاته إن كان على ما يرام أم أن هناك أمراً آخر.
حمحم وحاول تلطيف الأجواء المشحونة بالتوتر:
"مالك مش على بعضك إكده ليه؟ أومال لو مكنتش عريس إياك!"
طالع محمود بنظرات مذهولة غير مصدق ما سمعته أذنيه. التوى ثغره ببسمة ازدادت اتساعاً كلما أدرك الأمر. اقترب بخطاه منه يتأكد من حدسه:
"جصدك تجول أنها وافجت؟"
أومأ له طاهر مؤكداً فلم يستطع محمود منع سعادته التي تشكلت في عناق دافئ شاركه مع طاهر. تعجب الآخر من تصرفه وتساءل كثيراً عن كيفية رضاه بشقيقته بعدما قيل عنها أمامه.
هل يمكن للحياة أن تبتسم في وجهها وتعوضها عما عاشته طيلة السنوات الماضية؟ هل ستتغاضى عن أخطائها وكأن شيئاً لم يكن؟ هل ستحظى "صباح" بحياة هنيئة بجوار صديقه لطالما حمد الله على أخذه لتلك الخطوة حتى يطمئن على شقيقته مع رجل مثله.
ربت طاهر بحب على ظهر صديقه ثم تراجع للخلف. محمود بنبرة ملهوفة هتف:
"يدوبك نلحج نطلع الباسبور يا صاحبي، خليها تجهز على لما أجيب حاجة من الدار وأفوت أخدكم عشان نخلصوا الإجراءات جوام."
وافق طاهر ومن ثم انصرف كليهما في الاتجاه المعاكس لكل منهما. صعد طاهر متجهاً إلى غرفة "صباح" لكي يحثها على تحضير كل ما ستحتاجه في ذلك المشوار.
طرق الباب وهم بالدخول حين سمحت له. بوجه عابس ونبرة حادة حدثها:
"جهزي حالك عشان هنروحوا مع محمود يطلع لك باسبور."
أنهى طاهر جملته وانتبه على حقيبة سفرها الموضوعة بجانب الخزانة. عقد ما بين حاجبيه متعجباً من وجودها هناك، فمكانها أعلى الخزانة إذاً ماذا تفعل هنا بالأسفل.
حمحم قبل أن يسألها بفضول:
"الشنطة ديي بتعمل إيه إهنه؟"
رفعت "صباح" بصرها عليه وملامحها مازالت جامدة لا يظهر منها أي مشاعر سوى الجفاء وأردفت بنبرة خالية من الروح:
"جهزتها عشان مفيش حاجة تعطلني عن السفر وجت ما يجول هنمشوا."
حالة من الذهول التام قد سيطرت على خلايا طاهر. حاول هضم ما تفوهته لكنه لم يستطع. قادته قدميه إليها معاتباً إياها بكلماته:
"للدرجة ديي رايدة تهجي وتهملينا؟"
تفاجئت صباح برده العجيب. التوى ثغرها للجانب بتهكم شديد مردفة بعض الكلمات المستاءة:
"لاه وأنت الصادج أني رايدة أهج يمكن ترتاح، وعاري يغور معايا."
اتسعت حدقتي طاهر بعدم استيعاب لما تفوهته للتو ناهيك عن ظنونها السيئة به والتي رفض البتة أن يتقبلها:
"إوعاكي تكوني مفكرة إني وافجت على محمود عشان أخلص منيكي؟ أنتِ تستاهلي جطع رجابتك صوح بس في الأول والآخر أنتِ خيتي من دمي وأمي وصتني عليكي وأنتِ لو تعرفي خوكي زين هتعرفي أنه عمره ما يجدر يبيعك لأي حد واصل."
رمشت بأهدابها مرات متتالية ساخرة من حديثه:
"إيوة إيوة بأمارة ما وافجت على صاحبك اللي اتجدم ليلة المشكلة ديي صدفة أكيد."
استشاط طاهر غيظاً من سذاجة تفكيرها المحدود وصاح بها منفعلاً:
"يا بهيمة إفهمي أنتِ مش شروة عشان أبيع وأشتري فيكي أنتِ خيتي وعمري ما كنت هوافج على أي واحد والسلام، بس ديه محمود أني أدرى واحد بأخلاجه ومتوكد أنه عمره ما هيحزنك، أني لو مكنتش متوكدة من نيته مكنتش وافجت عليه."
لم تقتنع صباح بما قاله. قلبها بات محبطاً للغاية ولم تعد تثق في أقل الأشياء بساطة، فمن وعد خان ولم يكتفي بذلك بل تزوج من أخرى دون رأفة لمشاعرها حتى وإن كان مجبراً على خطبتها.
أخرجت تنهيدة حزينة وبإستسلام شديد أردفت:
"أهي جوازة والسلام."
استنكر طاهر ما تردفه ولم يكن في مزاج سوي يسمح له بوضع مبررات ستكون واهية بالنسبة لها. نهض من مكانه وأعاد تكرار ما حثه عليها في البداية:
"جهزي حالك جوام محمود على وصول."
لم تجبه فتابع خطاه إلى الخارج لكن ضميره قد منعه من مواصلة سيره قبل أن يقنعها بعدم إجبارها على شيئ. استدار بجسده وطالعها بوقت قبل أن يهتف قائلاً:
"أني معايزكش تعملي حاجة عشان تهروبي من حاجة أنتِ وحديكي اللي بتفكري فيها، الدار ديي دارك جبل ما تكون داري، يعني مطرحك إهنه وإن كنتي رايداني أجول لمحمود معندناش بنتة للجواز هجوله المهم متبجيش مجبورة على حاجة!"
سقطت عبرة تلاها شلال من العبرات التي تعبر عن ما تشعر به من حزن شديد ناهيك عن قلبها المحطم. لا تدري أيهما الأفضل لها ولمستقبلها، لكن ما تجيد علمه أن المستقبل لن يكون في أزهى عصوره في المكان الذي سبق وحضر دناءة الماضي.
عليها المغادرة لتحيا بحياة طيبة إن وجدت من الأساس. تفاجئت صباح بإجبارها على الوقوف والأحر عناقه لها. يا له من شعور رائع، لا يقدر بثمن، لا يمكن للكلمات وصف تلك اللحظة التي داوت الجراح كما التأم القلب المكسور من خلفها وشُفيت الروح من أي شقاء، فقط عناق غير مدبر له تسبب في تبخر كل الآلام التي كانت بداخلها، لقد ذهب عنها الغضب التي اكتسبته في صفاتها منذ الصغر.
أهذا كان الحل طيلة الوقت ولم يوفره لها أحد. أزفرت صباح أنفاسها مطلقة عدة تنهيدات خلف بعضهم قائلة:
"أه يا أخوي، أني كنت تعبانة جوي."
تراجع طاهر للخلف فأسرعت هي بضمه مرة أخرى مرددة بتوسل:
"خليني إكده هبابة."
ابتسم طاهر لطلبها مرحباً به بقوله:
"غالي والطلب رَخيص."
مرت دقائق لم تشعر بمرورها صباح فكانت تزداد تشبثاً به كلما حاول الابتعاد عنها. انتبه طاهر لرنين هاتفه فسألها دون تكلف:
"ديه أكيد محمود، ها جولتي إيه؟ أجوله بلاها جواز؟"
ابتعدت هي عنه ونكست رأسها مجيبة إياه بخجل:
"لاه."
سألها مرة أخرى للتأكيد:
"متوكدة؟"
أومأت له برأسها ثم رفعت بصرها عليه معللة سبب موافقتها على زيجتها من محمود:
"أني رايدة أهمل البلد ديي يا طاهر مليش عين أبص في عيون الخلج بعد اللي حاصل واللي إتجال.."
قاطعها طاهر مستاءً من حديثها الساذج، فما دوره هنا إن لم يوف لها الحماية:
"أني جادر أكتم أي خشم عيتحدت عنيكي عفش يا صباح."
أسرعت مؤكدة علمها بشهامته قائلة:
"خابرة، بس إن كنت بتحبني ورايد مصلحتي صوح سيبني أهمل البلد ديي رايدة أمشي منيها بأي طريجة."
لم يستطع طاهر إبداء رفضه بعد أن رأى تمسكها بالسفر ومغادرة البلدة التي لم يروا فيها سوى كل سوء. انتبهوا على رنين الهاتف للمرة الثانية فحثته صباح على الرد بنبرة لينة:
"رد عليه على لما أجهز حالي جوام."
أومأ لها بقبول ثم انسحب من الغرفة لكي تبدأ هي في تجهيز ما ستحتاجه معها ناهيك عن تبديل ثيابها بينما أجاب طاهر على صديقه الذي أخبره بوقوفه أمام المنزل فانضم له طاهر على الفور في انتظار كليهما حضور صباح.
انسحب الجميع من الغرفة متعمدين ترك لهم المساحة الكافية حتى يتوددوا إلى بعضهم البعض ويزول أي خلاف بينهم.
أزفر مصطفى أنفاسه براحة حين باتت الغرفة خالية إلا من كليهما. اقترب من ورد وابتسامته مرسومة على محياه، جلس مقابلها على الفراش وبلهجة تشع منها الشوق قال:
"إتوحشتك يا وردة مصطفى."
قابلته بملامح جامدة وعاتبته بلطف:
"كيف جدرت تهملني كل المدة ديي؟"
انحنى عليها مصطفى وطبع قبلة حارة على جبينها وأردف معتذراً:
"حجك عليا يا وردتي، عملت إكده عشان مصلحتك عشان متشليش مني لو إتعصبت عليكي أو رطرطت بالحديت الماسخ، الموضوع كان صعب عليا جوي فوج ما تتخيلي، هلال ديه مكنش أخوي وبس ديه كان ابني كمان موته كان صعب جوي والأصعب أن إحنا معارفينش نجيبوا ابن الفرطوس اللي عمل أكده، جلبي كان عيتوجع على أخوي اللي انجتل غدر كل يوم ويزيد عن اليوم اللي جبليه، ويوم لما أعرف مين الجاني تطلعي كنتي عارفة مكنش سهل عليا واصل."
صمت مصطفى من تلقاء نفسه فهو لا يريد أن يطيل في الماضي، يكفيه ما عاشاه في الفترة الأخيرة، وعليهم تبديل أحزانهم إلى أفراح لا تنتهي، عليهم تعويض كل ثانية قد مرت وهما مفترقين.
أخرج مصطفى تنهيدة ثم حاول تغيير مسار الحوار. اتسعت حدقيه حين تذكر فضحها لأمره واسترسل معاتباً بحدة مصطنعة:
"بجا تفتني عليا وتجولي جدامهم إني سرجت المانجا؟!"
ذهلت ورد مما صغت إليه وتمتمت ما قاله بعدم تصديق:
"أني جولت أنك سرجت المانجا!"
ضاق بعينيه عليها مؤكداً لها ما لا تصدقه:
"كنتي بتخرفي في البنچ وجولتي على كل حاجة."
فغرت فاها ببلاهة وهي تعيد رسم وجوه الحاضرين وهي تخبرهم بسرقته للمانجا، لم تستطع الصمود وانفجرت ضاحكة مرددة من بين ضحكاتها:
"بوك جال إيه؟"
حرك رأسه مستاءً من إلام والده الذي لم يتوقف منذ علمه بالأمر وأخبرها به:
"مهملش فرصة إلا واتمجلس عليا."
تعالت ضحكات ورد فأشعلت بها فتيل غيظه نحوها. اقترب منها وعينيه مصوبة عليها:
"بجا أخرتها تفضحيني يابت المنشاوي ماشي لينا دار يترد لك اللي عملتيه."
نظرت ورد إلى الأعلى متحججة بمرضها بثقة عمياء:
"يدي تمنعك تعمل أيتها حاجة."
قهقه مصطفى عالياً وبتهكم مصحوب بالعجرفة في نبرته تمتم:
"يتمنعن وهن الراغبات."
فغرت ورد فاها ببلاهة مصدرة شهقة قوية فلم تصدق ما أردفه للتو ورددت كلماته بذهول:
"أني بتمنع وأني اللي رايدة؟"
نهض مصطفى عن مقعده وأولاه ظهره وهو يقلد بعض النقاش بصوتها:
"كيف جدرت تهملني كل المدة دييخوفت تعرف إني فايجة تهملني تاني، خليتني نايمة عشان صوتك ميبعدش عني!"
لم يتوقف عن الضحكات الاستفزازية التي نجحت في إخراج ورد عن هدوئها وانفعلت عليه بحنق:
"أني أستاهل ضرب البلغة إن لساني خاطب لسانك تاني."
نكست رأسها وقد احتدت تعابيرها ناهيك عن عقدها لحاجبيها بغضب خُلق من خلف سخريته. توقف مصطفى عن الضحك بصعوبة وأدلف بخطاه منها وعاد إلى وضعه أمامها. سحب نفساً عميق وبهدوء سمح لنفسه في تذوق شهد شفتيها لطالما افتقدها كثيراً.
شعر بالسكون يجتاحه حين اطمئن قلبه بوجودها مرة أخرى. في الجهة المقابلة لم تتوقع ورد ردة فعله الرقيقة تلك، فأعتقدت أنه سيقدم اعتذار عن سخريته لها لكنه فعل مالم تستطع منعه من فعله، شعرت بعودتها إلى موطنها، إلى ديارها لطالما تمنت أن تحظى بعودته سريعاً.
لم تصمد أمام مشاعرها المتأججة والتي تطالبه وبادلته القبلة فضاعفت من حرارتها. شعر مصطفى بانهيار قوته وحتماً سيحدث مالا يحمد عقباه إن طالت القبلة لأكثر من ذلك.
تراجع بهدوء تاركاً شفتيها على مضضٍ، فهو لم يشعر بالرضاء فيها لكن عليه التريث في النهاية هي عادت إليه وسيرضي رغباته عاجلاً.
تحول لون عينيها إلى الاحمرار الشديد، لم تقدر على مواجهة عينيه واستندت برأسها على صدره فأحاطها هو وباتت هي حبيسة ذراعيه. تنهد مصطفى قبل أن يردف:
"جومي خليني نهمل المستوصف، الداكتور جال إنك زينة وتخرجي في أيتها وجت تحبيه."
حركت رأسها موافقة ثم ابتعدت عنه فساعدها هو على ارتداء وشاحها وكذلك ساعدها على النزول برفق من أعلى الفراش. شعرت ورد بالدوران يعصف برأسها ما أن وضعت قدميها على الأرض. استندت على ذراع مصطفى سريعاً قبل أن تسقط أرضاً فأثارت قلقه عليها وسألها باهتمام:
"مالك في إيه؟"
ردت عليه بنبرة مرهقة:
"دايخة جوي."
باهتمام باين سألها مستفسراً:
"أخر مرة كلتي فيها كانت ميتي؟"
فكرت ورد لبعض الوقت ثم أجابته حين لم تصل إلى إجابة صريحة:
"مخابراش."
طالعها مصطفى مستاءً من إهمالها وعاتبها بدافع الحب:
"كماني!! يعني النهاردة مأكلتيش حاجة واصل، بتعملي في حالك إكده ليه يا ورد؟"
حاول مصطفى كبح غضبه وواصل استرساله:
"ملحوجة، أني هعلمك تاخدي بالك من حالك كيف بعد إكده."
أنهى جملته ثم تفاجئت ورد بإنحنائه على ركبتيها فأسرعت في سؤاله:
"هتعمل إيه؟"
بسلاسة رد عليها:
"هشيلك مش بتجولي دايخة."
أبدت ورد رفضها لما ينوي على فعله قائلة:
"لاه أني زينة."
لم يكترث لها وبالفعل في أقل من الثانية كانت بين ذراعيه. أعادت ورد تكرار محاولة منعه بخجل مفرط:
"يا مصطفى هتمشي كيف وسط الخلج إكده نزلني عشان خاطري."
برفض تام أردف:
"عشان خاطرك مهنزلكيش، من إهنه وجاي كل حاجة بحساب خطوتك بحساب ووكلك بحساب حتي نومك بحساب، إسمعي حديتي عشان منتعبش مع بعض لسه جدامنا ٨ شهور."
بتعب هتفت:
"ديه بينه مرار طافح داخلين عليه."
لم يهتم لسخافة كلماتها وهتف بلا مبالاة وهو يسير بها إلى الخارج:
"سميها زي ما تسميها، إستعنا بالله."
دفنت ورد رأسها في كتفه ما أن ظهر كليهما للمارة فلن تتحمل رؤية أعينهم المصوبة عليهم يكفيها شعورها بالحياء لهذا الوضع الجرئ.
سار مصطفى بخطاه في ذلك الممر ومنه إلى المصعد الكهربي ولم يهتم لأعين الجميع عليه، فوضعهم من القلائل التي تحدث في المكان وبالتالي الأنظار كانت مسلطة عليهم.
وصل إلى السيارة فاضطر إلى إنزالها لكي يفتح السيارة. هرولت ورد إلى مكانها ما أن صغت لصوت السيارة التي يؤكد فتح أبوابها، جلست في المقعد الأمامي سريعاً قبل أن يتدخل مصطفى في تلك المسألة هي الأخرى.
استقل مصطفى في مكانه وقبل أن يتحرك التفت إلى ورد وتناول يدها ثم وضع قبلة رقيقة داخل كفها مرحباً بها بنبرة متيمة:
"نورتي دنبيتي من جديد."
بادلته ورد ابتسامة لم تصل إلى مرأى عينيه بسبب وشاحها. أعتدل مصطفى إلى جلسته ودعس بقدمه على المحرك فتحركت بهم السيارة عائداً بها إلى السرايا التي ستبتهج اليوم بعودة وردته.
ولج ضيف إلى غرفته لكي يرى إلى درجة وصلت إليها صفاء في التجهيزات، كذلك ليخبرها بحضور عائلته التي استقبلتهم صفية بحفاوة لحين مجيء ابنتها. تفاجئ بوقوفها أمام المرآة لا تفعل شيئ سوى مطالعة ذاتها في صمت.
قطب ضيف جبينه متعجباً من أمرها، فعلى ما يبدو أنها شاردة الذهن فلم تلاحظ وجوده. توجه نحوها وحاوط خصرها بذراعيه واستند بذقنه على كتفها.
انتفضت صفاء مذعورة بسبب قربه المفاجئ. حاول ضيف طمأنتها بنبرته الحنونة:
"ششش متخافيشي، الجمر وافج سرحان في إيه؟"
استدارت إليه بوجه عابس لا يبشر بالخير. قطب ضيف جبينه من خلف تجهم تقاسيمها وردد متسائلاً باهتمام:
"واه مالك يا صفاء إيه الوش ديه؟"
لم تروغه فهي ليست على حالة تسمح لها بذلك. تنهدت وأخبرته عن سبب حزنها بنبرة مستاءة:
"مفرحناش يا ضيف، حاسة إننا إتسرعنا جوي على خطوة الجواز ديي، محساش كيف أي عروسة في مكاني دلوك."
أضاق ضيف عينيه عليها لبرهة من الوقت قبل أن يعاتبها بقوله:
"أنتِ جاية دلوك تجولي أكده، بعد ما خلاص الفرح اتنصب وأبوي وافج..."
قاطعته صفاء بعصبية:
"بوك موافجش بوك إتجبر يعمل إكده عشان منظركم جدام أهل البلد لكن لو عليه هيعلجنا إحنا التنين من رجابينا!!"
طالعها ضيف دون رد، فكان مستاءً من حديثها الذي لن ينكر أنه ألمه. لقد فعل ذلك من أجل حبه لها، لم يطيق الانتظار حتى تأتي الرياح إما بما تشتيه أنفسهم وإما عكس إرادتهم، لقد افتعل الكثير من الأخطاء وتعدى الأعراف فقط من أجلها هي. ماذا عنها الأن؟ أكلماتها بمثابة تخلي واضح عنه أم ماذا؟ حقاً إنه مشتت للغاية ولا يدري ما عليه التفكير به حتى لا يحمل في قلبه حزناً منها.
استشفت صفاء ما يوجد ما خلف هدوئه وتطلعه بها. حاولت ترتيب كلماتها بعناية قبل أن تردفهم لكي لا تحزنه إن لم يكن قد حزن من الأساس:
"أني خابرة إنك عملت كل ديه عشاني وعشان بتحبني، بس كل ما أفتكر الصراع اللي هنعيشه بسبب رفض أهلك ليا بضايج، أنت خسرت خلج كاتير جوي يا ضيف عشاني، هترجع تجوي علاجتك معاهم تاني ميتي وينفع من أساسه ولا لاه."
صمتت لبرهة ووصلت مسترسلة:
"أني كنت بحلم بحياتي معاك بس حياة هادية مفيهاش مشاكل وصراعات، ونجعدوا نراضي في ديه ونصالح في ديه، وأني لسه الطريج في جامعتي كابير وطويل وهكون محتاجة هدوء أكتر عشان أعرف أنجح وبالمشاكل ديي مش هعرف أركز من أساسه."
تفاهم ضيف الوضع وحاول تخفيف عبء التفكير من عليها:
"مفيهش صراعات طول ما أني موجود، صدجيني ياصفاء كل اللي عملته عشان أوصلك عندي استعداد اعمل كده أضعاف بس تكوني مرتاحة وناجحة، وأني في ديك الساعة لما مرتي تكون الداكتورة صفاء!!"
اقترب منها وحاوط خصرها بإحدى ذراعيه وبالأخرى ملس على وجهها بنعومة وتابع حديثه:
"صدجيني كل حاجة خايفة منيها أني جادر أنهيها وبعدها عنك، ولو على أهلي هما بس لو عرفوكي صوح كل الصراعات اللي عتتحدتي فيها ديي هتزول لوحديها."
رفع ضيف رأسها بيده الموضوعة على ذقنها لتعيد النظر إليه ثم هتف بحنق زائف:
"وبعدين للدرجة ديي مش واثقة في چوزك؟ معلوم أنتِ بجرة."
تفاجئت صفاء من إهانته المتكررة ثم ضربته بكل ما أوتيت من قوة على صدره مرات متتالية خلف بعضهم فصاح عالياً بألم:
"أه حرام عليكي وجعتيني."
توقفت صفاء عن الضرب متأثرة بحديثه وسألته بلهفة مختلطة بالخوف وهي تتفقد صدره بيده:
"فين اللي بتتوجع منيه؟ حاسس بإيه إنطج؟"
حَضَن يدها الموضوعة على صدره بيده ثم شكل بسمة عريضة على محياه وهو يردد:
"حاسس إني عايز أبوسك."
تراجعت للخلف ولكزته في صدره بقوة فأنة هو بألم شديد فعادت إليه متوجسة خيفة خشية أن تكون أصابته بمكروه تلك المرة:
"أني اسفة.."
وقبل أن تواصل بقية حديثها أطبق على خاصتها يلتهمهم بشوق ورغبة شعرت بها من تصرفاته فأسرعت في الابتعاد عنه محذراه:
"أمي برا يا ضيف."
فغر ضيف فاهه حين تذكر وجود عائلته وأخبرها بنبرة سريعة:
"وأبوي وأمي وأخواتي كماني برا."
شهقت صفاء بصدمة ورددت بتوتر قد سيطر عليها:
"واه وأني هجابلهم كيف بعد اللي حاصل ديه؟"
أوصد ضيف عينيه بضجر فمهما تحدث لا تنظر إلى كلماته قط، أعاد فتح عينيه وقال بتذمر:
"ما جولنا طول ما أني موجود مفيهش خوف!!"
صممت الأخرى ولم تجيبه فحتماً إن أضافت شيئ يعبر عن مدى خوفها ستتعقد الأمور بينهم ففضلت الصمت.
تابعت ارتدائها للفستان ومن ثم وضعت بعض المساحيق التي برزت ملامحها ثم نظرت إلى ضيف الذي علق على مظهرها الرائع:
"أجمل عروسة شوفتها."
تقوس ثغرها بإبتسامة خجولة فتابع هو قائلاً:
"همي نخرج نستجبل الخلج اللي برا ديي وبعدها أروح ألبس أني."
أومأت له بقبول ثم تعلقت في ذراعه وسارت معه إلى الخارج وجوفها يرتجف من خلف تلك المقابلة التي حتماً لن تسُر خاطرها، لكن هيهات للقدر الذي يأتي عكس الأماني.
ابتسمت ورد تلقائياً حين رأت سرادق الزفاف ظهر أمامهم. التفتت برأسها إلى اليسار حيث مصطفى، ترددت قبل أن تخبره بمرادها لكن عليها الإسراع فسوف سيتخطون المنزل.
"مصطفى رايدة أسلم على صفاء جوام وأعاود." هتفت بهم قبل أن يصلوا إلى منزل العروسين. أجابها مصطفى برفض:
"أنتِ تعبانة يا ورد والمفروض ترتاحي."
أصرت على مرادها متوسلة إياه بلطف:
"مهطولش كلاتها خمس دجايج أبارك لها وأشوفها وهي عروسة ونمشوا طوالي."
رأى مصطفى التوسل في نبرتها فلم يحب أن يبدي رفضه فهما خمس دقائق فقط حتماً لن تشعر بالتعب فيهما. أوقف سيارته أمام المنزل وتصرفه كان خير رد لطلبها.
هلت ورد في سعادة بالغة:
"ربنا يخليك ليا."
التفت حيث تجلس وبهدوء أردف:
"أي خدمة."
كادت ورد أن تترجل إلا أنه منعها معللاً أسبابه:
"هديله خبر لاول جبل ما تدجي الباب."
وافقته الرأي ثم هاتف مصطفى ضيف وتفاجئ بالضجة من حوله فقال ساخراً:
"وأني اللي جولت إنك..."
قاطعه ضيف حين استشف ما يرمي إليه وأسرع في نفي أفكاره السيئة:
"يابني جولت لاه لاه مش أني اللي أعمل إكده."
قهقه مصطفى غير مصدق ما يحاول إقناعه به، توقف عن الضحك وأخبره بوجوده في الخارج فرحب به ضيف ونهض ليخرج له على الفور.
أعاد مصطفى النظر إلى ورد وحثها على معرفة ما يريد معرفته:
"بجولك يا ورد."
أجبرت أذنيها على الإصغاء جيداً فتابع ما يريده تحت نظرات ورد المذهولة مما يخبرها به. أنهى حديثه فأبدت هي رفضها التام:
"لاه طبعاً مش هعمل إكده."
رمقها مصطفى بنظرات مستاءة وبعصبية قال:
"هو أني بجولك هاتي تفاصيل!، يا أه يا لاه."
سألته بفضول:
"ليه يعني؟"
أوضح لها قائلاً:
"صاحبي ورايد أبارك له."
ظهر ضيف من خلف باب منزله فالتزمت ورد الصمت. التفت إليها مصطفى وحثها على ضرورة معرفة ما يريده فأجابته بفتور:
"ربنا يسهل."
جحظت عيني مصطفى على ردها المبهم وأسرع في التأكيد عليها:
"مفيهش ربنا يسهل فيه هتعرفي يا ورد."
حركت رأسها مستنكرة وترجلت من السيارة. ألقت السلام على ضيف وقبل أن تسأله عن صفاء تفاجئت بيدها تشير من خلف الباب لكي تجذب انتباهها إليها.
ولجت نحوها سريعاً وتقابلن بالعناق كما حرصت ورد على التريث في حركتها لكي لا يؤلمها ذراعها المخلوع.
شعرت ورد بحياء حين رأت عائلة ضيف، رحبت بهم مختصرة حديثها معهم ثم استأذنت منهن صفاء وصعدت إلى غرفتها لكي تنفرد بورد قليلاً لربما تستمد منها القوة لطالما لا تتحلى بها سوى في وجودها.
أنهى محمود الإجراءات اللازمة لعمل جواز السفر لصباح. أصر على ضيافتهم لكن طاهر أبدى رفضه وبشدة، فما كان في يد محمود سوى شراء العصير الطازج لثلاثتهم.
حمل أكواب العصير وعاد إليهم، ناول طاهر الجالس بجواره أولاً ثم استدار بجسده للخلف لكي يعطي صباح مشروبها لكنها كانت شاردة الذهن لا تنتبه عليه.
أضطر محمود إلى إصدار حمحمة قوية لكي يجذب انتباهها مضيفاً:
"إتفضلي."
انتبهت إليه فأعاد تكرار ما قاله:
"اتفضلي العصير."
تناولته منه فلسمت يده الخشنة. قشعر بدنهم وكأنه حدث صاعق كهربي اهتز كليهما إثره. ابتلعت صباح ريقها وهربت بنظرها بعيداً عنه بينما اعتدل محمود في جلسته بشعور غريب تملك منه.
دعس على المحرك وابتعد عن المكان قاصداً العودة إلى منزل طاهر. لم يمنع نظره من التطلع في ملامح صباح من المرآة الخارجية. ظهرت ابتسامة على محياه فإنه على حافة تحقيق حلمه.
وصلا بعد عدة دقائق قليلة، ترجل طاهر أولاً وتبعه محمود ثم حان دور صباح التي تفاجئت أن هناك مشكلة في الباب فمحاولاتها على فتحه بائت بالفشل.
طرقت على النافذة فانتبه كليهما لها. توجه نحوها طاهر فأشار إليه بأن الباب والنافذة معطلان. حاول طاهر فتحه مراراً وكذلك فشل مثلها.
تدخل محمود مطالباً بفرصته في النهاية هي سيارته ويجيد التعامل معها. حاول فتحها بشتى الطرق وعينيه معلقتين على صباح التي شعرت بالخجل من نظراته التي لا ترفع من عليها قط. نظرت أمامها أثناء نجاحه في فتح الباب تلك المرة.
تنهد براحة ثم تراجع للخلف تاركاً لها مجالاً للمرور. أولاها ظهره وقد تقوس ثغره للمرة الثانية بابتسامة عذبة لا تظهر سوى أمامها بينما ترجلت صباح وتابعت سيرها إلى المنزل مباشرةً دون أن تلتفت.
حمحم محمود ولم يود المغادرة قبل أن يأخذ منه ميعاداً لعقد القِران:
"نكتبوا الكتاب ميتي يا صحابي؟"
طالعه طاهر لوقت لا يعلم سبيل للإجابة عليه. تولى محمود تلك المهمة التي يريد إنهائها في أقرب فرصة بقوله:
"ياريت يبجي بكرة رايد أخلص كل حاجة جبل أيام السفر عشان بتبجي ملخبطة."
فكر طاهر لبعض الوقت ولم يرى هناك أي مشكلات ليرفض فأسبق بالقبول متمنياً لهم السعادة:
"على خير الله."
قابله محمود بإبتسامة عريضة تعجب لها طاهر لكنه لم يعقب. دعاه إلى الداخل لكنه رفض واستأذن للمغادرة وبالفعل غادر بعد أن ودعه. اختلس النظر إلى نافذة غرفتها لعله يلمح طيفها.
ارخت ملامحه بحزن حين لم يراها. انتبه لقيادته وآلاف الأفكار قد راودته في تلك اللحظة. رسم مواقف عدة لهما بقرب بعضهما البعض. ظهرت ابتسامته الثالثة اليوم فعلى ما يبدو أن الأيام القادمة ستضحك في وجهه وتفرد له ذراعيها وتقابله بالقبلات الحارة.
صف مصطفى سيارته أمام باب السرايا فتفاجئوا بإطلاق النيران ترحيباً بعودة ورد إلى السرايا من قبل رجال الغفر. شكلت ابتسامة سعيدة على محياها وكادت أن تترجل إلا أنه أوقفها بسؤاله:
"سألتي صفاء ولا لاه؟"
التفت إليه ورد بوجه خجول، لا تعلم كيفية إخباره فيما لا يخصه ولا يعنيه. تنهدت بقوة مبدية تذمرها من سؤاله فهتف هو مستاءً:
"جولي آه يا لاه بس إكده أنتِ اللي مصعباها على نفسك."
ابتلعت ريقها وألقت بالكلمة سريعاً:
"أه."
ترجلت من السيارة سريعاً لكي تمنع أي أسئلة قد تقابلها منه بينما هلل مصطفى عالياً وهو يصفق بيديه:
"يا حلاوتك يا ضيف ده أنت مش هتتعتج من تحت يدي."
ترجل هو الآخر ورافقها إلى الداخل. قابلتهم هويدا بالزغاريد التي عمت السرايا. أزاحت ورد عن وشاحها فظهرت ابتسامتها التي تغزو شفتيها الوردية. عانقتها هويدا بحب مرحبة بها:
"السرايا زادت نور وبهجة بطلتك ورد."
بادلته ورد عناقها بحب صافي. تدخلت السيدة نادرة نافية حديث هويدا بقولها:
"لاه وأنتِ الصادجة ديي كانت مضلمة ومنورتش إلا بعودتها."
اقتربت منهن وقبلت ورد من وجنتيها بسعادة غامرة. بادلته ورد ابتسامة عذبة وردت عليها بحياء معانق للامتنان:
"تسلمي يا ست نادرة بس هي كانت منورة بأهلها."
أسرعت نادرة بالرد عليها معدلة حديثها:
"أول هام بطلي كلمة ست نادرة ديي جوليلي ياما كيف ما عتنادي أمك وتاني هام السرايا مكنش ليها طعم كانت ماسخة من غيرك شوفي يا ورد حتي لما كنا بتناجروا جصاد بعضينا كان ليه طعم تاني، حتي ديه كمان اتوحشته."
تدخل مصطفى رافضاً لذكر أي خلفات باتت في الماضي:
"مناجرة إيه بس صلوا علي النبي."
تمتمت جميعن في آن واحد:
"عليه أفضل الصلاة والسلام."
تابع مصطفى استرساله بحثهم على خلق مواقف طيبة قائلاً:
"مفيهش مناجرة بعد النهاردة، اللي جاي كلاته فرح وبس مرايدنش الحزن يدخل دارنا تاني واصل."
وافقت نادرة الرأي حيث أردفت:
"عنديك حج يا ولدي اللي جاي إن شاء الله كلاته فرح، ربنا يسعدكم ويحلي أيامكم."
عقب مصطفى على قولها:
"يارب، ويخليكي لينا يا سيدة الجصر."
تفاجأت ورد بتلقيبه لذاك المسمى التي سبق ولقبتها به. اتسعت بؤبؤتي عينيها عليه وهي تحثه على عدم البوح بذاك السر. لم يكترث مصطفى لإشارتها الموحية إليه وبسذاجة هتف:
"إيه يا ورد مش ريداني أخبرها إنك أنتِ اللي طلعتي عليها الاسم ديه؟"
صعقت ورد مما تفوهه للتو، لا تصدق أنه أخبر والدته بهذا بعد أن توطدت العلاقة بينهما أخيراً. تمنت لو تنشق الأرض وتبتلعها أهون عليها من نظرات الجميع المسلطة عليها. كم تمنت لكمه وبقوة حتى لا يعيد تكرار فعلته الغبية تلك لكن هل هناك مرات أخرى؟ انتبهت على صوت نادرة وهي تقول:
"سيبها تجول ما بادلها ملكش صالح أنت."
على الرغم من ردها الذي فاجئ الجميع إلا أن ورد لم لتكن لتفوت تلك الفرصة قبل أن تضع بصمتها وترد له الصاع أضعاف. انتبه مصطفى لضحكها الذي دوى في المكان من شدته.
رفع حاجبيها مستنكراً ضحكاتها وردد بفتور:
"عجبتك جوي؟"
غمزت له ورد بانتصار وأجابته بثقة:
"جوي جوي."
عاتب مصطفى والدته رافضاً قلب الطاولة عليه:
"الحج على أمي اللي سابت إبنها وجت في صفك أنتِ."
نهرته والدته بعصبية:
"وهي إيه؟ ماهي بتي كيف ما أنت ولدي تمام."
اقتربت منها وأحاطت ورد فباتت الأخرى حبيسة ذراعيها ووصلت ما لم تنهيه:
"وغلاوتها زادت الضعف بجت تلاتة!!"
لم يخفض مصطفى حاجبيه مذهولاً من الصفعات التي يتلقاها من والدته، على الرغم من كونه سعيد بهذا التغير الكبير إلا أنه لم يبديها لهم وتصنع استيائه من تصرفاتها ليضيف لمسة مرحة للحوار:
"لو أعرف إن الغلاوة بتزيد كنت حبلت مكانها."
انفجرن ورد وهويدا ضاحكتين على داعبته عكس نادرة التي نهرته بقوة:
"اتحشم يا ولد أنت راجل متجولش إكده."
دنى مصطفى بخطاه منهن وهي يصيح عالياً:
"أيوة أكده عرج الحنفاوة طلع أهاه مش هتتغيري واصل ياما لو علجوا فانوس على راس المعتوس."
برفق جذب ورد من بين يديها معتذراً لتصرفه:
"معلاش بجا رايد أنفرد بمرتي حبيبتي هبابة."
بسلاسة وخفة حمل ورد بين ذراعيه وأولاهن ظهره فلحقت به السيدة نادرة بقولها:
"واد يا مصطفى براحة على البنية."
لم يجيبها وأكتفي بالضحك فأعادت تكرار تحذيراتها:
"بالهدواة يواد."
لم يستطع مصطفى التماسك لأكثر وانفجر ضاحكاً بقوة شاركته ورد في ضحكاته. سيطر على قهقهته بصعوبة وحاول طمأنة والدته بقوله مع آخر صعوده للأدراج:
"متخافيشي ياما اني حنين جوي."
وجه بصره على ورد وسألها وهو يغمز إليها بخبث:
"مش إكده ولا إيه يا ورد؟"
لكزته ورد بقوة في صدره فأوة بألم معاتباً إياها:
"يدك بجت تجيلة جوي."
رفعت ورد كفها في وجهه مرددة:
"الله أكبر كفاية يد واحدة هيبجوا التنين."
قهقه وهو يواصل مزاحه:
"هبجي أتوضي وتاخدي مية وضوي تغتسلي بيها بسيطة يعني."
وضعها مصطفى على الفراش بحذر بينما حركت ورد رأسها مستنكرة تعقيبه عليها:
"إيوة يعني أنت ناوي تحسدني ونقضيها غسيل بمية وضووك."
لم يعقب عليها تلك المرة بل خلع جلبابه سريعاً وكانت من نصيب الأريكة في احتضانها تلك المرة. تابعت ورد ما يفعله بغرابة وقبل أن تسأله عما ينوي على فعله دوي صوته التي يحثها على الانتباه له:
"سيبك من الحديت اللي ممنوش فايدة ديه."
اعتلى مصطفى الفراش وفرد ذراعيه مرحباً بها في حضنه فلم تتردد ثانية واقتربت منه حتى باتت بقرب قلبه شاعرة بنبضاته العنيفة أسفل أذنيها.
أحاطها مصطفى بذراعيه حارصاً على عدم الضغط على كتفها لكي لا يسبب لها الألم. أخرج تنهيدة حارة وهتف براحة شعر بها للتو حين هدأت نبضات قلبه مستأنساً بقربها:
"أأأأه، يا مرحب بيكي في مطرحك يا وردتي!"
رواية عرف صعيدي الفصل الثلاثون 30 - بقلم تسنيم المرشدي
ظهر ضيف بعروسه داخل سرادق النساء، فهللت النسوة بالمباركات، ومنهن استقبلنه بالزغاريد، وأخريات بالتصفيقات الحارة.
رفع ضيف يده للأعلى ثم وضعها على صدره ممتناً لهم، تابع سيره إلى حيث مجلس العروسين. كانت صفاء لا تقدر على رفع بصرها في أعين النسوة خشية أن تتلقى اتهامات منهما.
الخوف لا غيره مسيطر على خلاياها، مانعاً أي شعور سعادة من التسلل داخلها. لا تعلم كيفية مجاراة ما يحدث دون أن تعطي للأمر أكثر من حجمه.
تعمد ضيف عدم تركها وهي على تلك الحالة، حتى وإن تأخر على ضيوفه من الرجال. فما يهمه هو حبيبته، ولن يذهب قبل أن يبخر حالتها المريبة التي بدت عليها منذ حضورهم.
نهض عن مقعده ثم أشار إلى منظمة الحفل وأمرها بنبرته الجهورية:
"رجصينا يا ست."
لبت الفتاة أمره، وبدأت الحفل بأولى الأغنيات الشعبية التي تتردد في الحفلات: (الصعيدي دايماً ريس).
أرسل ضيف طلباً باستعارة أحد العصيان من سرادق الرجال، فأتاه على الفور. مد يده إلى عروسه الهادئة التي تفاجأت بتصرفه ورفضت بتة:
"لاه مش هجوم."
لم يكترث لرفضها المستمر وأجبرها على الوقوف بيده، وبدأ يرقص معها مع حثه إليها المستمر على مشاركته الرقصة. كانت تشعر بالخجل الشديد، فلم تفعل كهذا من قبل، ناهيك عن تلك الأعين المصوبة عليهم في انتظار رقصتها معه. لكن كيف أمام ذاك الحشد الكبير من النسوة؟
فوجئت صفاء بالتشجيع الذي حثها على مشاركته الرقصة من قبل الحضور. حماسهم ازداد أضعافاً، فشعرت أنها مضطرة على فعلها.
تقوس ثغرها بابتسامة خجولة، وبدأت تتمايل على نغمات الأغنية. تشكلت ابتسامة سعيدة على ثغر ضيف حين رآها تخضع لطلبه أخيراً.
كان ينوع من حركاته معها، فتارة يحبسها بينه وبين عصاه، وتارة يدور حولها بفرحة عارمة لا تسع قلبه. الكثير من الجهد قد بذله ضيف حتى ينجح في تبخير حالة صفاء الجامدة، وها قد نجح وبجدارة.
توقف عن الرقص حين انتهت الأغنية، تعمد سحبها إلى حضنه برفق، فظهرت للجميع تصرف عفوي لم يرتب له، لكنه في الحقيقة مرتب له جيداً حتى يبخر ثوب خجلها التي ترتديه.
ضبط من أنفاسه اللاهثة ثم استأذن ليغادر إلى ضيوفه، هامساً في أذنها:
"همشي أني عشان الخلج اللي جاية تباركلي ديي."
أومأت له بقبول، ثم انحنى هو عليها وطبع قبلة عذبة توسطت جبينها. تعمد إطالتها حتى يثبت مدى حبه لها للجميع.
انسحب من المكان وتركها منشغلة مع أقاربها وأصدقائها المقربين، بينما عاد إلى والده ووقف معه يرحب بالحضور. بعد مدة ليست بقصيرة، جاء مصطفى برفقة والده وبعضاً من رجال الغفر.
اقترب مصطفى من ضيف وعيناه تتوعّدان إليه. مد يده له، فصافحه الآخر بحفاوة:
"نورت يا أبو هلال."
غمز له مصطفى وبهدوء أردف:
"بوس يدي يا كلب."
رفع ضيف شفاهه العليا بتهكم ثم نفض يد مصطفى بعيداً عنه مستنكراً طلبه:
"أبوس مين يا أبو عمو، اتخبلت إياك؟"
دنا منه مصطفى وهمس بقرب أذنه بنبرة ماكرة:
"هتبوس ولا أفضحك وأجول إنك تميت جوازتك."
تراجع ضيف للخلف ورمقه بأعين جاحظة. حرك مصطفى رأسه مؤكداً ما أردفه وواصل استرساله:
"بالدليل كماني يا إبن عمي."
رفع مصطفى يده مرة أخرى وبهدوء أمره:
"هتبوس ولا.."
أخذ مصطفى مراده قبل أن يتم تهديده. التوى ثغره بابتسامة عريضة بعدما شعر بحرارة القبلة التي توسطت يده. ربت على ذراعه برضاء عن فعلته مردداً:
"عفارم عليك يا ولِد الحمايدي، يلا استقبل ضيوفك على ما أفكرلك في حاجة تانية."
أبدى ضيف رفضه معترضاً:
"لاه معتش هتشوف مني حاجة لو اتجلبت."
قهقه مصطفى عالياً ساخراً منه وبثقة أردف:
"هنشوف.."
تركه وولج بقرب المعازيم ورحب بهم بحفاوة شديدة، بينما وقف ضيف يتابع ما يفعله وهو على علم بعقله الذي يشبه الحجر لا يلين إطلاقاً. وحتماً لن يتراجع قبل أن يفعل كل ما في وسعه حتى يندم على اليوم الذي ولد فيه.
مرت بعد الدقائق وبدأ العاملين في تقديم العصائر للمعازيم. نادى مصطفى بنبرته الرخيمة على صديقه الذي جاء على مضضٍ، بالتأكيد هناك حيلة أخرى يريد فعلها.
"نعم يا سي مصطفى، رايد إيه المرة ديي؟" هتف بهم متسائلاً.
فأجابه الآخر ببرود:
"جيبلي عصير وشربني."
اتسعت حدقتا ضيف مذهولاً من وقاحته وصاح به غير مهتم لعواقب ما سيحدث:
"جرأتك مجوية جلبك، إسم الله عليك. روح جول للي رايد تجوله ياعم، متجرفيناش. أني شاجتها؟ ديي مرتي."
رُفعت حاجبا مصطفى لتلك الثقة التي يحادثه بها ضيف. حرك رأسه مردداً:
"صفية هتفرح جوي بالخبر ديه. عن إذنك أروح أدور عليها."
لحقه ضيف متوسلاً:
"لاه صفية لاه."
توقف مصطفى وطالعه لبرهة في انتظار تلبية أمره. تأفف ضيف بضجر وفي النهاية رضخ لطلبه وقال من بين أسنانه المتلاحمة:
"انت تؤمر."
أولى ظهره ثم أحضر له كوب عصير وعاد إليه. تفحص المكان من حوله أولاً قبل أن يرفع يده بالكوب ويساعده على الشرب. تعمد مصطفى إظهار مدى استمتاعه بالوضع الذي هما عليه.
أراد وضع بصمة تضيف للوضع مرحاً بسيط. أشار بيده لصديقه قائلاً بلا مبالاة:
"استنى."
سحب هاتفه من جيبه وهاتف وردته لكي يطمئن على صحتها:
"عاملة إيه يا حبيبي؟"
أجابته بنبرة متحشرجة تدل على نومها:
"زينة بس رايدة أنام، كاني منمتش من سنة."
وافقها الفكرة بقوله:
"نامي علي راحة راحتك وأني هبابة وهعاود."
أنهى المكالمة وعاد لذلك الذي يرمقه بنظرات مشتعلة، ثم أخرجه من شروده فيه حين أردف:
"بتبحلج فيا ليه؟ شربني بجيت العصير."
أنهى ضيف تلك السخافة سريعاً ثم انسحب من أمامه وهو يتأفف بتزمجر. لم يمنع مصطفى ضحكته من الظهور وهو يتابع هرولته، يظن أنه بإمكانه الهروب بركضه بعيداً عنه، لكن هيهات لمصطفى، لن يتركه وشأنه بتلك السهولة.
مر الحفل بسلام. حرص ضيف على إنهائه سريعاً لكي يغلق أي سخافات سيواجهها من مصطفى مرة أخرى. تفرق الجميع عائدين إلى ديارهم، بما فيهم ضيف الذي اصطحب صفاء إلى منزلهم.
وقفوا أمام الباب يودعون عائلاتهم. شعر ضيف بأن هناك ثمة أمر في والده من خلف كلماته التي تخرج بصعوبة، فسأله مستفسراً:
"مالك يا أبوي من وجت الفرح وأني حاسك تعبان؟"
وضع الحاج حنفي يده على صدره وأخبره بما يشعر بنبرة ثقيلة:
"مخابرش بس صدري مجفول، حاسس إني مش مظبط. سيبك أنت أني هبجي زين."
لم يرضخ ضيف لتهوينه للأمر وأصر عليه بحديثه:
"لو تعبان نودوك المستوصف."
تدخل مصطفى بقوله:
"أني موجود يا عمي، تعالى نروح نطمنوا عليك."
رفض حنفي ذهابه إلى أي مكان وحاول طمأنتهم على حالته:
"أني هبجي زين يولاد م..."
توقف من تلقاء نفسه حين شعر بالوضع الذي يزداد سوءاً. تشوشت رؤياه كما ظهرت حبات العرق على وجهه بكثرة، ولم يصمد كثيراً حتى سقط مغشياً عليه.
صدرت صرخة قوية من قبل صفاء التي كانت تتابع حوارهم على بعد مسافة بسيطة منهم. انتبهت أميمة ومروة اللتان رفضن الترجل من السيارة ومشاركتهن آخر لحظات اليوم.
ترجلن سريعاً وهرولن نحوه بخوف قد سيطر على قلوبهن. حاول ضيف إفاقته لكن دوى جدوى. رفع بصره إلى مصطفى وأردف:
"ديي بينها غيبوبة سكر كيف ما عتاجيه على طول."
نهض مصطفى حاسماً الأمر:
"جوم نودوه المستوصف."
انسحبت صفاء من بينهن للداخل ثم عادت بسرعة قسوة وهتفت قائلة:
"أطلبوا الإسعاف وحد يجيب الحجنة ديي."
نهرتها أميمة بعصبية بالغة:
"حجنة إيه اللي رايدة تديهالوا، رايدة تموتي الراجل."
لم تهتم صفاء لها وصوبت بصرها على ضيف الذي يتابع ما يحدث في صمت وحثته على التحرك:
"هات الحجنة ديي ضيف على لما الإسعاف يوصل."
لم يتردد ضيف لحظة وأخذ منها الورقة فتدخل مصطفى بتلهف:
"تعالي ندخله جوا وهات الورجة أجيبها أني."
أومأ له ضيف بقبول وناوله الورقة ثم انحنى كليهما حاملين الحاج حنفي ودلفوا به للردهة. وضعوه على الأريكة برفق ثم تحرك مصطفى مبتعداً عنهم لكي يحضر الحقنة سريعاً، بينما اقتربت صفاء من ضيف وربتت على ذراعه قائلة:
"هيبجي زين متخافش."
اكتفى بإيماءة من رأسه وظل بجانب والده يتفقد نبضه من حين لآخر لحين وصول سيارة الإسعاف الذي قام بالاتصال بها على الفور.
لم تستطع أميمة الوقوف ومشاهدة تلك اللعينة تتلاعب بحياة زوجها وأبدت رفضها التام:
"بوك مهياخدش حُجن، هيروح على المستوصف طوالي."
تدخلت صفاء موجهة حديثها لزوجها:
"الحجنة مهمة يا ضيف."
طالعها لبرهة قبل أن تواصل هي لتزيد من ثقته بها:
"صدقني مش هضره واصل."
لم يعط ردة فعل تدل على موافقته أو حتى رفضه. الأجواء كانت مشحونة للغاية ولا تتحمل كلمات ستزيدها سوءاً.
عاد مصطفى بعدما طلب الحقنة المطلوبة فقامت صفاء بتحضيرها على الفور. لم يهدأ بال أميمة وظلت تصيح عالياً مبدية رفضها لأخذ زوجها أي أدوية مجهولة المصدر خشية على حياته.
"أبوي هياخد الحجنة، خلصنا." هتف بهم ضيف فحسم الأمر ولم يستطع أحدهم الاعتراض بعد حديثه.
أعطته صفاء الحقنة سريعاً أثناء وصول سيارة الإسعاف فور خروج سنها الرفيع من بدنه.
هرولت أميمة إلى الخارج لاستقبال المسعفين لكي ينقذوا زوجها مما فعلته تلك التعيسة:
"إلحقوا جوزي الله لا يسيئكم، جاطع النفس."
رد عليها أحد المسعفين بعملية:
"طب وسعي يا ست عشان نعرفوا نشوفوا شغلنا."
تنحت أميمة جانباً ولم تكف عن النواح:
"اللي هناك ديي إديته حجنة مخابراش تطلع إيه، بالله عليكم غيتوه."
حملوه على الناقلة ثم التفت أحدهم حيث تقف صفاء وسألها بجدية:
"إديتله حجنة إيه؟"
بعملية أجابته صفاء:
"Glucagon.."
حرك رأسه بتفهم ثم تابع خروجه إلى سيارة الإسعاف. بدأ الحاج حنفي في استعادة وعيه تدريجياً فأنتبه له أحد المسعفين وأخبر عائلته:
"الحاج فاج بالسلامة."
تمتمت أميمة شاكرة ربها:
"الحمد لله، الحمدلله."
وجه الآخر حديثه إلى صفاء قائلاً:
"زين إنك اتصرفتي وإديته الحجنة."
تحولت الأنظار على صفاء التي تلونت وجنتاها بالحمرة خجلاً من نظراتهم المعلقة عليها. أولتهم ظهرها وعادت للداخل سريعاً، تبعتها صفية تخفف من عليها بالتأكيد هي حزينة من خلف كلمات أميمة الغليظة.
وجه ضيف بصره على والدته مستاءً منها:
"مش واجب تعتذري لها ياما وتشكريها؟"
امتعضت أميمة وفضلت الصمت عن تقديم اعتذار لتلك الفتاة. اقترب ضيف برفقة مصطفى من باب السيارة لكي يطمئنوا على والده وهما يقومان بعمل الفحوصات اللازمة له حتى يتأكدوا من اعتدال معدل السكر في الدم.
استأذن مصطفى بعد أن اطمئن على صحة الحاج حنفي وغادر، بينما ساعد ضيف والده على الترجل من السيارة وسأله باهتمام:
"تحب ترتاح جوا هباب يا أبوي؟"
حرك رأسه رافضاً وأوضح ما يدور في نيته:
"لاه بس رايد أشوف صفاء."
تعجب ضيف من طلبه للوهلة الأولى ثم شعر بأن الأمر منطقي، فعلى الجميع تقديم شكر خاص لها بعد تصرفها النبيل معه. عادوا إلى الداخل ولم يطل ضيف البحث عنها فكانت برفقة والدتها في الردهة.
حمحم الحاج وبنبرة تميل إلى الندم قدم امتنانه لها:
"تسلمي يابتي، أنتِ السبب إني أجف على رجلي تاني."
نهضت عن مقعدها وفركت أصابعها بخجل معانق للإرتباك الواضح وردت عليه دون تكلف:
"على إيه يا عمي، أني عملت واجبي."
أعاد حنفي تكرار شكره لها بينما تفاجأ الجميع بما وقع على مسامعهم:
"أني اسفة على جلة ذوقي بس كنت خايفة عليه، متشكرة على اللي عملتيه وياه."
تشكلت بسمة عريضة على شفتي ضيف بعد اعتذار والدته ونبرتها الندامة، ناهيك عن امتنانها لها في تقديم شكر خاص لما فعلته من أجل والده. تنهد براحة وقد شعر بأن ما حدث فقط ليوطد العلاقات بينهم لقوله تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ...).
لم تطِل صفاء الأمر وباحترام وود قالت:
"أني مجدرة خوفك، ربنا يبارك في عمره."
آمن الجميع على دعائها ومن ثم انسحبوا واحد تلو الآخر حتى بات المنزل خالياً إلا منهما. توجه ضيف إليها بعدما تأكد من مغادرة الجميع وبعد رفض والده لتوصيلهما إلى المنزل.
أسبل بعينيه في تلك البندقيتين التي تأسره أسراً. تقوس ثغره بابتسامة عذبة زادت من وسامته ثم همس لها بنبرة ولهانة عشقاً:
"بحبك يا أجمل واحدة شوفتها في حياتي."
بادلته ابتسامة رقيقة ولم تتردد في أخذ عناق يبدل من صفوها. شعرت بالسكينة ما إن استندت برأسها على صدره. شعور مختلف أن تجد ثمرة صبرك في النهاية بعد العيش مع صراع الخوف أسفل سقف واحد. ها هو قد حطم وشيد مكانه سقف السكينة والطمأنينة.
***
في اليوم التالي، استيقظ طاهر مبكراً لكي يقوم بزيارة إلى والدته بعدما طلب من المحامي تصريحاً له بفعل ذلك.
اصطحب صباح معه في ذلك المشوار، لربما تكون المرة الأخيرة للقائهم. جلسوا في انتظار حضورها. مرت خمس دقائق ثم ظهر طيفها برفقة العسكري الذي حرر عنها الأصفاد وغادر للوقوف إلى الخارج لحين النداء عليه.
اقتربت صباح منها أولاً وعانقتها دون جهد وتفكير متمتمة بشوق حار:
"إتوحشتك ياما."
"إنتِ مين؟" سؤالها سبب صاعقة قوية لأذهانهم. تراجعت صباح قليلاً معلنة عن هويتها باستغراب:
"أني صباح ياما، بتك نستيني ولا إيه؟"
ابتسمت ثريا بحنين، مدت أناملها وتحسست وجه صباح وهي تجيبها:
"إنتِ بجا صباح، جالولي عنك كتير."
قطبت صباح جبينها في غرابة من أمر والدتها المريب. وزعت أنظارها بينها وبين طاهر ثم سألتها باهتمام:
"هما مين اللي جالولك؟"
لم تعقب ثريا على سؤالها وظلت تبتسم كالبلهاء. التفت صباح ونظرت إلى حيث يقف طاهر وبنبرة تهدد بالبكاء سألته:
"هي مالها يا طاهر؟"
أدلف بخطاه منهن ثم ربتت على ذراع شقيقته مأزراً إياها. حمحم بخشونة ووجه حديثه إلى والدته:
"إنتِ زينة ياما؟"
طالعته ثريا لبرهة ثم مالت على صباح وهمست لها متسائلة:
"مين الجدع ديه؟"
لم تستطع صباح الصمود لأكثر من ذلك وجهشت باكية أمام تصرفات ثريا المريبة. التفتت إلى شقيقها وسألته بنبرة غير مفهومة من بين بكائها المرير:
"هي بتعمل إكده ليه؟"
عانقها طاهر وظل مثبتاً نظره على والدته بشفقة كبيرة لتغير أحوالها فجاءة. بادلته ثريا نظرات مشفقة على بكاء صباح وسألته بنبرة رقيقة:
"هي بتبكي ليه، أني زعلتها في حاجة؟"
جاء دور طاهر في الانهيار. تبخر ثوب تماسكه فور انتهاء سؤالها. سقط منه شلال من العبرات لم يتوقف بسهولة. جذب والدته إلى حضنه وضمهم بكل ما أوتي من قوة.
تمنى لو بإمكانه إعادة الوقت ومنع ما حدث قبل حدوثه. تمنى لو سلم السلاح في التوقيت الذي عثر عليه فيه. ود لو يخبئهم داخله ولا يسمح بافتراقهم نهائياً.
طُرق الباب فابتعد طاهر عنهم وسمح للطارق بالدخول فإذا به رئيس المباحث يقول:
"معلاش بس الزيارة إنتهت."
عانقوا ثريا مرة أخرى ثم عاد كلاً منهم من حيث جاء، لكن بشعور مرهق تماماً. لقد تبدل صفوهم وضعفت أنفسهم. فضلوا العودة سيراً على الأقدام لربما يشعروا بالتحسن عند وصولهم.
لكنهم اكتشفوا بأنها طريقة فاشلة، فالسير يتسبب في ألم القدمين ولا يساعد على تقليل الحزن ولو بذرة. حتماً من ابتضع ذلك ما هو إلا محتال كبير.
توقف طاهر عن الدخول وأمر شقيقته بنبرة لينة:
"إدخلي إنتِ، أني معاود طوالي."
لم تعارضه فهي ليست في مزاج سوي يسمح لها بالنقاش. ولجت للمنزل، بينما توجه طاهر إلى منزل عمه. وقف أمامه وقرع رنينه ثم انتظر لحين فتحه.
بعد قليل، فتحت له السيدة سنية ورحبت به بقولها:
"كيف حالك يا طاهر."
أومأ لها برضاء:
"زين يا مرت عمي، كنت جاية أبلغك إن صباح كتب كتابها النهاردة على محمود صاحبي، ياريت تاجي وتجفي معاها، صباح محتاجة للي يجف جنبها."
قبلت سنية دعوته وبسعادة غامرة أردفت بحب:
"ألف مبروك، ربنا يتمم لها على الخير يارب. أكيد هاجي إن شاء الله."
رسم طاهر بسمة لم تتعد شفاه وبمزاج غير سوي هتف:
"تسلمي يا مرت عمي، هستناكي على أخر النهار إكده، متتأخريش."
باختصار رددت:
"إن شاء الله يا ولدي."
رمقه طاهر لوقت بعد تلقيبها بذلك. على الرغم من أنها لم تكن المرة الأولى لأن تناديه بولدها إلا أنه شعر بقيمتها الثمينة التي لا تقدر بمال. ضبط من حالته المزاجية ثم تحرك سريعاً مبتعداً عنها قبل أن يبكي كالطفل الذي فقد والدته ويريد العودة إليها.
ولج إلى منزله ثم إلى غرفته ومنها إلى حضن مروة، الملجأ الوحيد الذي بات يلقي همومه وأحزانه فيه ويعود من جديد بنفس راضية بفضله.
***
تسلل صوته إلى عقلها الباطن فجذبها من عالمها إلى عالمه قائلاً:
"صباح الخير يا ورد، جومي عشان تفطري."
فتحت عينيها بثقل وحركتها إلى حيث مصدر الصوت. التوت شفتيها بابتسامة عذبة حين رأته يحمل صينية الطعام.
اعتلت من نومها ملقية التحية عليه بحنجرتها المبحوحة:
"صباح الخير يا جرنوبي."
صعق مصطفى من تلقيبها له، عقد ما بين حاجبيه بشدة وردد ما قالته للتو:
"جرنوبك!"
قهقهت ورد وأوضحت له سبب تسميتها له بذلك الاسم الغريب:
"دلوك بجت البنتة على الفيس عتنادي حبيبها بـكتكوتي، فأني حبيت أناديك كيفهم بس يكون مختلف عنيهم، ومن إهنه وجاي اسمك جرنوبي."
رد عليها مصطفى وهو يضع الصينية بجوارها على الفراش:
"ربنا يعينك يا ورد على المهلبية اللي في راسك ديي."
قطبت جبينها متصنعة الزعل، اقترب هو منها قائلاً بمرح:
"لاه ميهونش عليا زعل أم هلال واصل."
تعجبت ورد من ترديده لاسم "هلال" منذ معرفته بخبر حملها. التفت برأسها إليه وسألته مستفسرة:
"انت جاعد تجول هلال هلال، ما يمكن تاجي بت؟"
أسرع مصطفى في رفض ما قالته:
"إن شاء الله ياجي هلال، متجاطعيش إنتِ بس."
حركت رأسها مستنكرة ظنه الذي من المحتمل أن يخيب. تنهدت وذكرته بأنها تحمل في رحمها اثنين:
"أنت عتتحدث كأنه واحد، ناسي إنهم توم."
وضح لها أمنيته التي يطلبها من الله:
"ياجي هلال والتاني أو التانية ياجوا على كيفهم، بس أمنيتي إني أسمي هلال على اسم الغالي."
ربتت ورد على كتفه بحنو ودعت له بتحقيق أمنيته:
"ربنا ينولك اللي بتتمناه يا جرنوبي."
انتبه مصطفى لذاك المسمى التي اعتادته وأبدى تذمره منه:
"بطلي تجولي الإسم اللي عيستفزني ديه."
حركت رأسها رافضة التوقف عن قوله، وضعت يدها على بطنها وتحسستها ثم أردفت بميوعة:
"هلال رايدني أجولك إكده."
فغر مصطفى فاهه، فلقد حولت الأمر تلقائياً لنقطة لن يرضى تغيرها بعد الآن. حرك رأسه مستنكراً دهائها وهتف مستاءً:
"يكرم جرنوبي لاجل عيون سي هلال."
جحظت عينا ورد بذهول فأسرع مصطفى في تعديل ما قاله قبل أن تقيم الحد عليه:
"ولاجل عيون أم هلال."
غمز إليها ثم أشار بيده على الطعام:
"من إهنه وجاي الوكل هيكون إهنه، مفيهش خروج برا الأوضة ديي جبل ما تتمي التلت شهور الأولانين."
لم تعقب برفض، بل هي في أشد الحاجة إلى الراحة وخصوصاً النوم الذي يراودها بكثرة وبالكاد تفتح جفنيها أمامه. شرع كليهما في الطعام مع تعمد مصطفى إطعامها من حين لآخر كلما شعر بضعف شهيتها، منهمرين ببعض الأحاديث التي تناولوا أطرافها من آن لآخر.
انتهوا من الطعام ثم تلقت ورد مكالمة هاتفية. سعدت كثيراً بها وأجابت على الفور:
"لو تعرفي إتوحشتك كد إيه يا أسما."
بنبرة ملهوفة ردت عليها أسماء ابنة خالها:
"وأنا كمان يا ورد والله. عرفت اللي حصلك من عمتو وإتصلت أطمن عليكي وأقولك إنى لبست الشبكة في البيت كده مع بعضنا من غير حفلة."
هللت ورد في سعادة بالغة:
"ألف مبروك يا حبيبتي، معلاش بجا إحنا السبب في العطلة اللي حصلت ديي."
بحرج شديد تحدثت الأخرى:
"عطلة إيه بس، انتِ لو تعرفي حالتي كانت إزاي وأنا عارفة إني كنت السبب في اللي حصل. مش عايزين نفتكر بجد الأيام دي، المهم طمنيني عليكي."
طمأنتها ورد على صحتها:
"الحمد لله زينة، أحسن كتير."
نظرت إلى مصطفى القاطن بجوارها وواصلت بنبرة متيمة:
"وكفاية إن مصطفى جاري."
تفاجأ مصطفى بردها ولم يتردد في جذبها إلى حضنه فاستندت هي على صدره وأوصدت جفنيها، شاعرة بعودة سلامها النفسي من جديد.
انتبهت على رد ابنة خالها مردفة بحب:
"ربنا يخليكم لبعض يا ورد، وصحيح ألف مبروك علي baby's."
بامتنان أجابتها:
"الله يبارك فيكي يارب."
ناولت أسماء هاتفها إلى والدها ومن ثم والدتها وشقيقتها الصغرى لكي يطمئنوا على حالة ورد ويباركون لها على خبر حملها.
***
بعد غروب الشمس مباشرةً تجمع محمود برفقة شقيقاته الثلاثة وأزواجهن وكذلك أولادهن. حضر المأذون بعد وصولهم بدقائق معدودة.
انضمت إليهم السيدة سنية وتعمدت الجلوس إلى جوار صباح لربما تحتاج إلى شيء ما فتلبيه بصدر رحب.
بدأ المأذون يلقي خطبة عن فضل الزواج وما عليه من حقوق وواجبات لكلتي الطرفين. كان يصغي محمود باهتمام واضح عكس صباح التي كانت منهمرة بين أفكارها ولا يصل إلى آذانها أي كلمة مما تقال في الوسط.
أنهى المأذون خطبته وكذلك جهز الأوراق اللازمة لإمضاء العروسين عليها لكي تكتمل القسيمة. بدأ يردد المتعارف عليه في مثل تلك المناسبة ومحمود وطاهر يرددان كلماته خلفه ثم تمم على الزواج بقوله:
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير إن شاء الله."
تعالت زغاريد شقيقات محمود بفرحة، فهو شقيقهم الوحيد ولابد من إظهار السعادة لتلك المناسبة الجميلة. اهتممن به كثيراً، فأسبقت السيدة سنية في المباركة لصباح بسعادة بالغة. تعجبت صباح من تلك الفرحة الواضحة، فهي وابنتها لم يروا منها سوى كل سوء، وفي النهاية قابلتها بود وحب لا تستحقهما.
انتهى اليوم على خير بعد أخذ التهنيئات والمباركات. استأذن الجميع في المغادرة وباتت صباح وحيدة في غرفتها تعيد ما حدث قبل قليل متسائلة في نفسها، ماذا لو كانت تسرعت؟ ماذا إن كان هذا قرار متهور ستحصد ثماره في المستقبل؟
ماذا لو كان محمود من فصيلة عديم النخوة ضيف ولم يتق الله فيها؟ لكنها رأت سعادته اليوم، استشفت رضاه التام عن زيجته منها من خلف نظراته التي لم ترفع عنها قط.
للمرة الأولى تشعر بأنها ضائعة ولا تقدر على فعل شيء. فقدت زمام الأمور ولم تعد تستطيع النجاح في التحكم في أقل الأمور بساطة.
طردت مخاوفها من رأسها بهروبها إلى تحضير ما ستحتاجه معها في سفرها داعية الله بأن ينظر إليها برحمته لا بتصرفاتها.
***
بعد مرور عدة أيام، وصلت الطائرة إلى دولة الكويت في تمام الساعة الثامنة صباحاً ومنها إلى المنزل الذي يقطن به محمود.
أوصد الباب خلفه وما زال عقله يعمل على الاستيعاب، لقد حقق حلمه لطالما تأكد من عدم الوصول إليه بشتى الطرق لتدخل الظروف في حياتهم.
استدار إليها فرآها تطالع المكان من حولها بتفحص. لم يكن يليق بمنزل عروس، لكنه ليس سيئ. حمحم محمود ليجذب انتباهها وأردف بخجل بائن:
"المكان مش من جيمتك خابر، بس إن شاء الله نفرشوه على ذوقنا بعد أكده."
قيمة!! أهي قيمة وهناك من يخبرها بذلك؟ قهقهت صباح داخلها على تلك الداعية التي لم تصدقها. ردت عليه بعد فترة بنبرة جامدة:
"لاه المكان زين."
"عشان شيفاه بعيونك."
أردفهما بنبرة غريبة وكأنه متيم في حبها. نفضت أفكارها بعيداً عن رأسها، فمن أين سيحبها حباً في الله؟
تفاجئت بيده تحتضن أناملها ثم سار بها بقرب أريكته المستطيلة. جلس وحثها على الجلوس إلى جانبه. لم يعلم محمود بأي حديث يبدأ فالكلمات هربت منه وتخبط بين أفكاره.
حاول التحلي بالهدوء لكي يرتب أفكاره بعناية. مر وقت ليس بالطويل بدأ حديثه بحرج:
"خابر إن الوضع غريب عليكي، يعني مسبقش لينا حديث جبل إكده وبين ليلة وضحاها بعدتي عن أهلك وناسك وبجيتي مرتي ومعايا في دار واحدة. يمكن تخافي مني وأني هكون مقدر خوفك بس رايدك تتوكدي إني لا يمكن أأذيكي واصل. أني راجل أعرف ربنا وبتجي ربنا في خلجة ما بالك باللي دج الجلب ليها؟"
تفاجأت صباح بآخر ما تفوهه، أكان ذلك بمثابة تصريح لحبه لها؟ أم أن حاجتها إلى الاهتمام والحب من يشعرونها بذلك؟
أمسك يدها للمرة الثانية لكن بقوة أكبر وواصل استرساله بنبرة أشد رقة وتلهف:
"كنت كل ما أشوفك أحس بمشاعر غريبة جوي، حاجات محسيتش بيها جبل إكده ومكنتش خابر ديي معناتها إيه، بس كنت بفرح جوي لما أشوفك أو تجمعنا الصدفة."
نكس رأسه في خجل وتابع تحت نظراتها المذهولة عليه:
"كنت حابب اللي بحسه جدامك بس مكنش في يدي حاجة أعملها، كنت ضايع ومفيهش شغلانة تسندني وكنت بفكر في السفر وفعلاً سافرت وفي المرة اللي نزلت فيها أول حد حبيت أشوفه كان إنتِ، كنت بتحجج بأي حجة عشان أجابل طاهر عندكم في الدار يمكن ألمحك."
رفع بصره في عينيها فاستشف الدهشة التي تشع منهما، وحين لم يقابل رفض واصل ما لم ينهيه:
"لما علمت أنك اتخطبتي حسيت بنار جايدة جواتي، متحملتش لدرجة إني كنت بصلي وأدعي أن يحصل أيتها حاجة تفشكل الجوازة ديي ويوم ما حصل اللي حصل حسيت إن ربنا استجاب لدعائي ويومها اتحدتت مع طاهر جبل ما يفوت الأوان تاني."
الذهول لا غيره كان مسيطراً على عقل صباح، لا تستوعب حقاً أنها مرغوبة ومن؟ من رجل!! هناك سؤال كان يتردد في عقلها ولم تستطع إخماد فضولها بالصمت وسألته مستفسرة بخجل:
"حتى بعد اللي سمعته؟"
أسرع في إجابته عليها بصوته الأجش:
"هتصدجي لو جولتك مفرجش معايا، مخابرش بس كلنا بنغلط، وغلطك كان وجت وأني مش موجود في حياتك والغلط الأكبر كان على الراجل اللي المفروض كان يوفي بوعده، تعرفي إني مشايفهوش راجل من أساسه!، الوعد دين يتسدد وخصوصاً إنه راجل صعيدي والصعايدة معندهمش جلة الأصل ديي، سيبك من كل اللي فات خلينا في اللي جاي، أني طلبتك تكوني حلالي ورايد أكمل بجية عمري جارك، موافجة تكوني شريكة حياتي نعيشوها بحلوها ومرها؟"
هل ترك لها القرار؟ لا تعلم ما عليها فعله. للمرة الأولى تفشل في أخذ قرار جدي بهذا الشكل. دوماً كان لديها قرارات قاطعة لكل شيء، ماذا عن الآن؟ بالتأكيد لن ترفض، في النهاية هي بحاجة إلى من تستند إليه، من يعوض الماضي، من يداوي الآلام ويضمد الأحزان، وإن كان محمود ذلك الشخص فيا مرحباً به زوجاً وحبيباً لها.
ابتعلت ريقها ثم أومأت له بقبول متمتمة:
"موافقة."
دقت أسارير محمود من فرط الحماس المتدفق في الأدرينالين خاصته. تناول يدها وطبع قبلة رقيقة داخل كفها. رفع بصره عليها وصرح بمشاعره دون خجل:
"بحبك."
***
صباحاً، استيقظ طاهر على رنين هاتفه. فرك عينه وهو يتثاءب بثقل. تناول الهاتف وانتفض من مكانه بهلفة ما أن قرأ اسم المحامي المدون على شاشته.
أجابه متلهفاً لسماع ما سيخبره به:
"إيوة يا أستاذ فهمي."
قلقت مروة على نبرته المرتفعة. نهضت ووقفت إلى جواره في انتظار معرفة هوية المتصل بفضول شديد من خلف لهفة طاهر في سرعة إجابته عليه.
ارتخت ملامح طاهر فجاءة كما أوصد عينيه وأخرج زفيراً بتمهل. أعاد فتح عينيه ثم أجاب على المحامي:
"متشكر جوي يا أستاذ فهمي."
أنهى المكالمة ثم وجه بصره مباشرةً على مروة التي كانت تتابع تصرفاته المبهمة بغرابة. وقبل أن تسأله عن حقيقة ما يحدث فاجأها طاهر بحمله لها. تشبثت في عنقه من هول المفاجأة.
دوت ضحكاتها في الغرفة فشاركها طاهر الضحك بسعادة بالغة لا تسع قلبه من فرطها. أنزلها فسألته بعفوية:
"ربنا يزيد من فرحك يا حبيبي بس إيه اللي حصل لكل ديه؟"
رفع طاهر رأسه للأعلى وهتف عالياً بخلاص:
"أووف."
أعاد النظر إليها ورد عليها بنبرة عنفوانية مختلفة مليئة بالحيوية:
"أمي خدت مؤبد بدل إعدام."
لم يحب طاهر مواجهة عيني مروة التي حتماً سيرى فيهما الشفقة على وضعه. اخترق حضنها بدون استئذان فأحاطته بذراعيها مشاركة إياه اللحظة السعيدة على الرغم من شعورها القوي بالشفقة تجاهه، فالتخفيف في الحكم ليس هيناً أيضاً لكنه أهون من حكم الإعدام.
تراجع طاهر للخلف وتحسس وجهها بنعومة. طالعها لبرهة حامداً الله على وجودها في حياته فكانت خير عوضاً له. التوى ثغره بابتسامة عذبة وأخرج تنهيدة حارة قبل أن يبوح لها بما يخفيه بداخله:
"بحبك يا مروة."
خفق قلبها وبات أسيراً لتصريحه لها. إنه صرح بحبه وأخيراً. تكاد تجزم بأن قلبها يكاد يخترق جسدها من شدة تدفق الدماء المتسببة في نبضاته بتلك الصورة العنيفة.
لم يتردد ثانية وانحنى على شفتيها يتذوق شهدها لطالما افتقد إليه في الأوان الأخيرة. سمح لنفسه بالتمتع فيما يحل له، تحولت قبلاته الرقيقة إلى حارة مليئة بالرغبة التي استشفتها مروة.
تمكن منها طاهر بسهولة فلم تعارضه هي على الرغم من خجلها التي تتخبط بينه. كذلك طاهر الذي حاول مقاومة خجله وتوتره فلم يسبق لهما وأن خاض كليهما تلك التجربة الخاصة من بعد يوم زفافهم والتي ستكون في عين الاعتبار مرته الأولى معها. برقة مبالغة تعامل معها حتى حلق كليهما معاً في سماء دنياهما الخاصة.
***
بعد مرور عام وثمانية أشهر.
في حديقة السرايا التي زُينت بالبالونات المترابطة منتجة رسومات رائعة، الأنوار تضيء داخلها وخارجها.
يصدر صوت قهقهة الأطفال الذين يمرحون ويتسابقون في المكان، كذلك ترتفع أصوات الكبار بسبب الأعداد الهائلة من الحضور داخل السرايا. تمسك بيد صغيرها الذي يتعلم سير خطواته الأولى اليوم. دندنت بفرحة عارمة:
"تاتا خطي العتبة، تاتا حبة حبة، يلا يا حلو يلا خطوة خطوة يلا، يلا يا حلو خطوة بخطوة تمشي وتبجى كابير وشاب ملوش مثيل."
سحبت يدها برفق شديد لكي لا يسقط ثم صفقت بسعادة حين نجح في الوقوف بمفرده مهللة:
"شاطر يا صاصا."
ذعر الصغير من تصفيقاتها وخر واقعاً. قهقهت عالياً وهي تردد:
"كفاية عليك أكده النهاردة، يلا عشان نلبسوك خلجاتك وننزل نطفي شمع أحلى مصطفى وأحلى هلال."
"إحنا خلصنا جبلكم." هتف بهم مصطفى وهو يلوح بيد صغيره بانتصار. بينما ساعدت ورد الصغير على ارتداء بقية ثيابه سريعاً ثم أعدلت من وقفتها وقالت:
"وإحنا بردك خلصنا."
ترجل مصطفى وهو يحمل صغيره هلال بين ذراعيه، كذلك رافقته ورد حاملة التوأم الآخر مصطفى وخرجوا إلى الحديقة لكي يبدأوا مراسم عيد الميلاد.
وقف الجميع حول المائدة البيضاوية الضخمة، وبدأوا في الغناء معاً. انتهوا من الأغنية ثم أطفأ مصطفى الشمعة نيابةً عن هلال، وكذلك فعلت ورد ثم انشغلوا في الترحيب بضيوفهم واستلام الهدايا منهم.
"كل سنة وهما طيبين يا ورد." هتف بهم صوت مبهم لكن ليس غريب على آذانها. استدارت بجسدها لكي تعلم هوية الصوت فتفاجأت بها أمامها. بملامح جامدة رددت:
"صباح!"
تقوس ثغر الأخرى بابتسامة لم تعهدها ورد من قبل. ازدادت ضحكات صباح على منظر ورد المذهول والأقرب للوصف المصدوم، فمعها كل الحق لم تكن يوماً علاقتهما ودية لكي تستقبلها ورد بغير ذلك الوجه.
اقتربت صباح بخطواتها منها ثم عانقتها بحب وأردفت معتذرة:
"أني أسفة جوي يا ورد على أي أذى كنت السبب فيه، أني ندمانة على كل اللي عملته معاكي ومع غيرك ومع نفسي وياريت نتفتحوا صفحة بيضة ونبدأ من أول وجديد."
تراجعت صباح للخلف لكي تستشف ردة فعلها التي طالت، فالتحول المفاجئ ليس هيناً على عقل ورد استيعابه، لكن قلبها دوماً يفوز أمام عقلها.
تقوس ثغرها ببسمة عريضة ورحبت بها بحفاوة:
"نبدأوا صفحة جديدة يا بت عمي."
دقت طبول السعادة قلب صباح فهي على أولى خطواتها في تصليح ما سبق وتسببت فيه. دنت منها ورد هامسة بفضول أنثوي:
"ربنا مرزقكيش بحاجة؟"
ارتخت ملامح صباح وأجابتها بحزن:
"لاه لسه، بس إن جيتي للحج أكده أحسن، أني لساتني بتعافى حياتي القديمة رايدة أكون أم وجت ما أكون جاهزة عشان مظلمهمش معايا وأبجي حنينة كيفك أكده."
ربتت ورد على كتفها بشفقة ورددت داعية:
"ربنا يعوضك خير يا حبيبتي ويرزقك الذرية الصالحة."
آمنت صباح على دعائها ثم استأذنت للمغادرة فهي قد وصلت للتو من المطار ولم تر شقيقها إلى الآن خشية أن تفوت الحفل.
حضر ضيف بمفرده حاملاً للهدايا وتوجه نحو مصطفى مباشرةً، وبمزاح صاح:
"كل سنة وهما طيبين يا أبو العيال، شوف أني زعلان إن اسمي متتسمش بس مش خسارة فيهم الهدايا."
لكزه مصطفى بقوة في كتفه وأجابه بحنق:
"يا أخي أنت هتعجل ميتي ده أنت بجيت أب، يا خوفي يطلع عجلها كيفك أكده تبجي البلد عليها العوض."
قلب ضيف عينيه ورفع طرف شفاه العليا للأعلى مجيباً إياه بتهكم:
"بس إبجي بعد عيالك دول عنيها، وإن جيتني في يوم تجولي رايد أطلب يدها هنجولولك معندناش بنتة للجواز."
انفجر مصطفى ضاحكاً وأردف من بين ضحكاته:
"يعني يوم ما يجولوا يا جواز ميلاجوش غير الاسم المايع ديه 'أسيل'."
أوصد ضيف عينيه كما حرك رأسه مستنكراً وبتجهم قال:
"متفكرنيش بالاسم ديه، كله من الجوية اللي مشت حديتها عليا ويا هو يا مليش صالح بالبت، شوفت الجبروت؟!"
ازدادت ضحكات مصطفى عليه وبنبرة ساخرة هتف:
"مش صغيرة هي على اللي بتعمله فيك ديه؟"
أخرج ضيف تنهيدة حارة قبل أن يردف:
"هنعملوا إيه بجا، مبجدرش أزعلها."
انضمت إليهم ورد ورحبت بوجود ضيف ثم سألته باهتمام:
"كيفها صفاء دلوك والنونة الصغيرة كيفها؟"
طمأنتها ضيفه عليهم بقوله:
"بخير الحمد لله وصفاء بتعتذر إنها معرفتش تاجي، إنتِ خابرة لساتها نفسة."
تفاهمت ورد الأمر وتحدثت دون تكلف:
"خابرة، ربنا يطمنا عليهم."
غادر ضيف وترك لهم المساحة لكي يعودوا إلى ضيوفهم ليرحبوا بهم. بعد مدة جائت رحاب "مساعدة ورد في تربية الأطفال" مهرولة وقالت بنبرة لاهثة:
"محمولك مبطلش رن من وجت ما نزلتي."
أخذته منها وشكرتها ثم عادت هي إلى الداخل، بينما أجابت ورد على المكالمة الدولية بسعادة مرسومة على تقاسيمها وأيضاً واضحة في نبرتها:
"مصر نورت يا أسما."
سعدت الأخرى بالتغزل فيها وردت عليها ممتنة:
"تسلميلي يا حبيبي."
"Happy birthday للقطاقيط."
بحب شديد ردت عليها:
"تسلمي يا أسما، عجبال ما نشيلوا عيالك يارب."
بسعادة في لهجة أسماء أعلنت عن المفاجأة وهي تضع اختبار الحمل أمام كاميرا الهاتف:
"قريب إن شاء الله."
صرخت ورد في سعادة بالغة:
"ربنا يتمم لك على خير يا أسما، إنتِ تستاهلي كل خير."
أنهت أسماء المكالمة حارصة على عدم الإطالة، فلدى ورد ضيوف لابد من الترحيب بهم. كانت الأجواء مشحونة بطاقة إيجابية جميلة. الجميع في حالة سعادة بالصغيرين اللذان أضافا للسرايا والعائلة بهجة فريدة من نوعها، فكانوا خير عوض لخليل ونادرة عن فقدانهما لفلذة كبدهما الصغير.
كذلك هم من كانوا السبب في عدم رحيل السيدة سنية من البلدة مرة أخرى، فلم تعد تستطيع الابتعاد عنهما مطلقاً ولم يكونوا بمفردهم الذين بدلوا أحوالها هناك أيضاً "حمزة" الابن البكري لطاهر، فكانت تلعب دور الجدة معه تعويضاً لعدم وجود ثريا.
انتهى الحفل على خير، عادت ورد إلى الغرفة بعد أن تأكدت من غفو الصغار. نفخت براحة وتمتمت:
"أخيراً ناموا، مخابراش كنت هعمل إيه من غير رحاب، بجد العيال صعبين جوي ربنا يهديهم."
آمن مصطفى على دعائها قائلاً:
"آمين، يلا نامي بجا عشان كلها ساعتين ونصحوا عايزين نلحقوا الشروق من أوله."
أومأت له بقبول ثم توسطت صدره وفي ثوانٍ قليلة قد غابت عن الوعي دون جهد في المحاولة، فصغارها يستنزفون طاقتها طيلة اليوم إلى أن تعيد شحن طاقتها بالنوم استعداداً لبدء يوم جديد معهم.
***
بدأ الفجر في البزوغ فصدح رنين المنبه الذي يضبطه مصطفى كل ليلة جمعة. استيقظ إثره وقام بإيقاظ ورد هي الأخرى.
بدلوا ثيابهم إلى أخرى أكثر راحة ثم ترجلوا إلى الطابق السفلي ومنه إلى الخارج. استقلوا في السيارة ثم تحرك بها مصطفى إلى المكان المقصود كما اعتادوا في الأوان الأخيرة.
صف السيارة أمام طوالة الخيل وترجل منها أولاً ثم تبعته ورد. رحب بهم الحارس قائلاً:
"صباح الخير يا باشمهندس."
أجابه مختصراً:
"صباح النور."
كاد أن يتابع خطاه للداخل لكنه توقف وسأله مستفسراً:
"اللي طلبته وصل؟"
بعملية رد عليه:
"إيوة يا باشمهندس من بدري."
كتفى مصطفى بإيماءة من رأسه ثم تابع خطاه للداخل برفقة ورد. وقفوا أمام طوالة الخيل فتفاجأت ورد بوجود جواد جديد من بينهم. عقدت ما بين حاجبيها بغرابة فلم تراه من قبل وتساءلت عنه بفضول:
"ديه وصل ميتي؟"
غمز إليها مصطفى وأجابها بنبرته الرخيمة التي تعشقها:
"ديي بجا ورد ضيفتنا الجديدة، رحبي بيها لساتها واصلة حالاً."
فوجئت ورد بما قاله ورددت بعدم تصديق:
"واه، ورد!"
أومأ لها مؤكداً، فهرولت إلى الجواد وظلت تتحسسه بأناملها ثم أردفت بحماس شديد:
"يلا نجربوها."
أشار إليها بيده بفعل ما تريد فلم يعد يقلق بشأن ركوبها للخيل فهي باتت بارعة في امطائه. أسرعت ورد في امتطاء الجواد في أقل من الثانية ثم امتطى مصطفى هو الآخر مُهرة وسار الاثنان بجيادهما إلى جوار بعضهما البعض.
غمز مصطفى إليها بمرح وسألها مستفسراً:
"جاهزة؟"
أتقنت من مسكها بلجام الجواد وأجابته بثقة:
"جاهزة."
أمر كليهما جيادهما بالركض بسرعة فائقة. رفعت ورد إحدى ذراعيها للأعلى وصرخت بأعلى حنجرة لديها، شاعرة بتلك الراحة التي اجتاحتها فور ارتطام الهواء في وجهها وكأنه يعيد شحن طاقتها من جديد.
اقترب منها بعد أن أبطأ من سرعة جواده وكذلك هي. مد يده إليها فاستشفت ما يريده ولبت طلبه على الرحب. احتضنت يده بيدها وبسلاسة وخفة استطاعت أن تمتطي مُهرة، حاوطته بذراعيها واستندت برأسها على ظهره موصدة كلتي عينيها مستأنسة به.
كان هذا الوضع المحبب لقلبها متمنية وقوف الوقت في تلك اللحظة وتظل كهذا إلى الأبد.
***
تمت.
ابتهجتم من الرواية؟
إلى اللقاء في موعد آخر مع رواية جديدة إن كان هناك في العمر بقية.
دمتم بخير.
تسنيم المرشدي.
عرف صعيدي.
النهاية.