الفصل 44 | من 48 فصل

رواية عروس الصعيد الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم نورهان اشرف

المشاهدات
24
كلمة
1,519
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 92%
حجم الخط: 18

كانت جنه تخرج من المدرج وهي منهاره من البكاء. تبكي بحرقة وحزن وندم، فهي تبكي لأنها سمعت عن مرض والدتها ولا تعرف حتى كيف تذهب إليها. وتبكي أيضًا على حالها وما وصلت إليه. تشعر أن قلبها انقسم إلى نصفين.

نصف يريد أن يذهب إلى والدتها وإلى ذلك الطفل الصغير الذي تعلقت به، وكان أمانة لديها من نواره. ونصف آخر يرفض العودة إلى ظلم وتكبر رحيم. فهي تعلم أنها إذا ذهبت إلى البلد، فلن يتحمل قلبها بعدها عن ذلك الطفل الصغير، وستعود إليه مرة أخرى لتضمه إلى أحضانها بكل حب وعشق. ونصف آخر يرفض ويريد أن يبقى هنا، يريد أن يختار لأول مرة. ماذا عليها أن تفعل؟

تريد أن تكسر أنف رحيم، تريد أن تكسر غروره وتكبره. تريد أن تعلمه أنه ليس له أي أهمية بدونها. تريد أن تعود مرة أخرى إلى منزل رباب لكي تستشعر الدفء والحنان الذي كانت تستشعره بين جدران ذلك المنزل. ولكن أوقفها صوت صديقتها رحمه، التي كانت تنادي عليها بصوت عالٍ وهي تقول: "جنه يا جنه استني، أنا عايزة أتكلم معاكي." نظرت لها جنه بتعب وهي تقول: "خير يا رحمه، في إيه؟ عايزة تتكلمي في إيه؟ رحمه بهدوء:

"عايزة أعرف وعايزة أفهم. معقولة اللي كنتي بتقوليه مكنش حلم؟ معقول مكنش تهيؤات وطلع صح؟ معقولة دكتور رحيم جوزك... مسحت جنه على رأسها بتعب وهي تقول: "متقوليش جوزي، هو مش جوزي. إحنا سيبنا بعض من سنة. أيوه، اللي بقوله طلع حقيقة فعلاً، ما طلعش حلم. يعني أنا ما طلعتش مجنونة زي ما إنتي ما بتقولي." نظرت لها رحمه بأسف وهي تقول: "أنا آسفة بجد، ما كنتش أقصد. بس أنا عايزة أفهم كل حاجة. عايزة أفهم كل حاجة من طقطق لسلام عليكم."

نظرت جنه بتعب وهي تقول: "صدقيني أنا مش قادرة أتكلم يا رحمه. ومعنديش حاجة أقولها. أنا عايزة أرتاح وبس." رحمه بهدوء: "ماشي يا جنه، أنا هسيبك تروحي وترتاحي. كمان بس ده ميمنعش إنك هتعرفيني كل حاجة." لم ترد عليها جنه، بل ذهبت دون أن تضيف أي كلمة أخرى. ***

أما عند رحيم، كان يقف في المدرج وهو ينظر إلى طيف جنه باستغراب. نعم، هو يعلم أنه جرحها وكسرها، ولكن لا يصدق أنه فعل فيها كل هذا بتلك الطريقة التي تجعلها حتى أنها لا تود أن تنظر في وجهه. حتى أنها لا يفرق معها تعب أمها لكي لا تذهب إلى البلد، لأنها تعلم أنها لو ذهبت، سيجبرها على أن تبقى معه. ليس بطريقة سيئة، ولكن عن طريق ذلك الصغير.

لا يصدق أنه كسر جنه بتلك الطريقة السيئة التي تجعلها حتى لا تفكر في منظرها أمام الجميع. ولكن للحق، هو لا يفرق معه أحد ولا يهمه أحد سوى جنه. هو فقط يود أن يذهب لها ويترجاها لكي تسامحه وتغفر له ذنبه. هو يعلم أنه اقترف في حقها الكثير من الذنوب، ويود أن يجعلها تنسى كل ما حدث وأن تبدأ معه صفحة جديدة خالية من كل تلك العيوب، خالية من كل تلك الأشياء.

خرج من المدرج وأخذ يبحث عنها بنظره، يبحث عنها في كل مكان. يود أن يراها، يود أن يتحدث معها، يود أن يفهم منها كل شيء. ويود أن يعتذر لها عن كل ما حدث منه. يريد أن يفعل لها الكثير والكثير من الأشياء. أخذ يبحث عنها بعينه. ولكن عندما وجدها، وعندما ودد أن يذهب إليها، تحركت هي بكل سرعة وغادرت المكان. فركض بسرعة اتجاه تلك التي كانت تقف أمامه، وهو ينظر لها بهدوء ويقول: "بعد إذنك يا آنسة، انتي تعرفي المكان اللي سكنة فيه جنه؟

هزت رحمه رأسها برفض، ثم موافقة. نظر لها رحيم برجاء وهو يقول: "أرجوكي لو انتي تعرفيها، أبوس إيدك قوليلي بس المكان اللي هي ساكنة فيه. جنه تبقى امراتي وأنا أبقى جوزها. وكنت بأدور عليها من زمان. أرجوكي لو انتي تعرفي المكان اللي هي ساكنة فيه، وديني ليها." رحمه بهدوء: "بس هي مش عايزة تشوف حضرتك." رحيم بدموعه:

"وأنا عارف كده كويس، بس أنا عايز أتكلم معاها. أرجوكي، ولدتها تعبانة جداً، لأنها فكرة إنها حصلها حاجة. وأنا عايز أوديها ليها، عايزها تشوفها. أبوس إيدك ساعديني." نظرت له رحمه بهدوء وهي تقول: "بص يا أستاذ، أنا عارفة المكان اللي جنه ساكنة فيه، وأنا هاوديك فيها. لكن أكتر من كده أنا مش هقدر أعمل." قالت ذلك وأشارت له أن يذهب معها. أما رحيم، أخذ يدعو الله من كل قلبه أن يجعل قلب جنه يرق وتعود معه مرة أخرى. ***

أما في البلد، عند محمدي، كان يجلس حمزة أمام جده وهو ينظر له بحزن. محمدي بتعب، فهو منذ رحيل جنه، أصبح أكبر عمراً. من ينظر إليه يظنه قد تخطى المئة عام من كثرة التعب والهم. نظر له محمدي وهو يقول: "بأقولك يا ابني، انت بقالك ساعة عمال تلف وتدور، قول فيه إيه بدل اللف والدوران ده كله؟ حمزة بهدوء: "جدي، أنا في حاجة عرفتها امبارح وأنا في بيت رحيم. والحاجة دي خلتني أسيب بنتهم عندهم وما أجيبهاش تاني." نظر

له جده باستغراب وهو يقول: "فيه إيه يا حمزة؟ إيه اللي عرفته وخلاك تسيب مراتك وتيجي من غيرها؟ مسح حمزة على وجهه بتعب وهو يقول: "اللي أنا عرفته إن جنه، إن ميتها بقى لها سنة. ورحيم كان عارف بس مرضيش يقول عشان خاطر تفضل في البيت."

عندما استمع محمدي إلى تلك الكلمات، شعر بدوار كبير. حتى أنه لم يستمع إلى باقي حديث حمزة. فهو كان يضع أملًا كبيرًا على أن تبقى جنه حيًا. ولكن ذلك الخبر الذي قاله حمزة قد أضاع كل ذلك الأمل. حتى أنه حاول أن يتحرك تجاه الفرندة لكي يتنفس بعض الهواء، ولكن لم يقدر، فوقع مغشيًا عليه. آخر شيء استمع إليه هو صوت حمزة وهو بصراخ باسمه. ***

أما عند جنه، كانت تجلس على الفراش. منذ أن دخلت إلى المنزل، لم تتحدث مع أحد ولم تفتح حتى فمها. هي لا تريد أن تتحدث مع أحد، لا تريد أن تفعل أي شيء سوى الجلوس تنظر في الفراغ. تشعر أن قلبها ليس معها، فهو الآن قلبها مسافر إلى والدتها. تريد أن تراها وتنظر إلى وجهها، تريد أن تضمها إلى صدرها وتشتم عبق رائحتها. تريد أن تفعل الكثير من الأشياء.

ولكن أوقفها صوت مألوف عليها إلى حد كبير. أول شيء يذكرها بعبق الماضي ورائحته، صوت حبيبها مالك. خرجت من الغرفة، وجدته ذلك الصغير يقف أمام باب الغرفة. لم تشعر بنفسها سوى أنها تضمه إلى صدرها وتشتم رائحته وتنظر له بسعادة وهي تقول: "مالك، وحشتني وحشتني قوي قوي يا روح ماما." نظر لها ذلك الصغير بحزن وهو يقول: "أنا زعلان منك." أخذت تنثر جنه قبلاتها على مالك وهي تقول: "آسفة يا روحي، ماما ماما جنبك أهي، واخدك في حضنها."

كانت تقول ذلك وهي تتحسس وجه الصغير بكل عشق وحب كبير، تحت نظرات ذلك الذي كان ينظر لها بكل فرحة وسعادة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...