كانت تجلس رنا على الكرسي تستمع إلى كل تلك الكلمات وهي تشعر بغضب كبير داخلها، لا تصدق أن أخيها يقول لها هذه الكلمات القاسية. هل هي فعلاً السبب في كل ما يحدث معها؟ هل أصبحت هي السيئة في جميع الروايات وهم جميعهم الجيدون؟ نظر لها رحيم وهو يمسح على وجهه بجدية ويقول: "هتقعدي في الفيلا دي، مش عاوز أسمع صوتك ثاني، ومش عاوز أنك تفتحي أي موضوع يخص البلد ثاني. تقعدي هنا باحترامك وبادبك، لأن غير كده لا."
قال ذلك وخرج من الفيلا دون أن يتفوه بأي حرف آخر، فهو لا يريد أن يتحدث معها أكثر من ذلك، فهو لا يريد أن يفتح معها أي حوار آخر. أما عند جنه، كانت تجلس على الفراش بكل هدوء تفكر، فهي لم تنم منذ الأمس. ظلت تنظر إلى رباب وتفكر في كل ما يحدث معها. فهي إن قصت لأحد حكاياتها، سيقول عنها أنها مجنونة وأن كل تلك الأشياء ليست إلا خيال، ليست أكثر من ذلك. كيف تقول لهم أن هذه هي الحقيقة وأن قصتها حدثت بالفعل؟
كيف تقول أنها عاشت في تلك البلاد وأحبت شخصًا لا يعرف للحب طريقًا ولا سبيل؟ حاولت أن تستجمع شجاعته، ولكنه إذا ذهبت إلى الجامعة، سوف تراه وهي لا تريد أن تراه، لا تريد، لا تريد أن ترى وجهه الذي كانت تتأمله فيه طول الليل، أن تنظر إليه. تريد أن ترى نظرات القوة التي كانت تجعل منها قلبها يرتعش. تلك الأشياء كانت أقرب إلى الجنون بالنسبة لها. قطع كل تلك الأفكار دخول رباب وهي تنظر لها بهدوء وتقول:
"صباح النور، إيه يا جوجو مالك يا قلبي؟ بتعملي إيه يا روحي؟ جنه بهدوء: "مفيش، قاعدة." جلست رباب بجانبها على الفراش وهي تقول: "هو إنتي مش هتروحي الجامعة ولا إيه؟ نظرت لها جنه بتعب وهي تقول: "مش عايزة أروح النهاردة." نظرت لها رباب بجدية وهي تقول: "طب ليه بس؟ في حاجة حصلت؟ نظرت لها جنه بهدوء وهي تقول: "لا، ما فيش حاجة حصلت، بس أنا مش عايزة أروح النهاردة." رباب بهدوء وهي تقول:
"جنه، أنا عارفة يا بنتي إنك أكيد زعلانة، وعارفة إنك زي ما إنتي مبسوطة أن الذاكرة رجعتلك، إنك زعلانة وده حقك. أكيد اللي إنتي عايزة تعمليه، اعمليه. عايزة تروحي لأهلك، روحي. بس صدقيني يا بنتي، مفيش حد هيحبك قدي. والله العظيم ما حد من أهلك هيحبك قدي، ولا زيك. أنا فقدت بنتي الوحيدة وبحاول أعوض الشعور ده معاكي، وربنا يعلم أنك من ساعة ما دخلتي البيت ده وأنا بعاملك زي بنتي وأحسن، لأن كمان مش عايزة أفقد بنتي الثانية. يا جنه، عشان كده يا بنتي أنا بقولك أهو، والله العظيم أنا بعاملك بما يرضي الله."
نظرت لها جنه بهدوء وهي تقول: "وأنا عارفة كده كويس أوي، وأنا ما قلتش لحضرتك إن عايز أسيبك، بالعكس. أنا بس مش فاهمة اللي حصل معايا، فمش عايزة أخرج." نظرت لها رباب بجدية وهي تقول: "اخرجي، وحتى لو عايزة تروحي عند أهلك، أنا مش هقدر أمنعك. بس أنا هستناك النهاردة على الغداء، هتيجي تتغدي معايا، وأنا واثقة من كده يا بنتي." قالت ذلك وخرجت من الغرفة، وتركت جنه تقف لوحدها تفكر، هل تذهب وترحل أم تبقى؟
ولكن قد حسمت قرارها، سوف تخرج لكي تأخذ قرارها بعيدًا عن أي ضغط. سوف تأخذ قرارها عن طريق قلبها، إذا أراد لقلبها أن يعود، وإذا أراد أن يرحل، سوف نرحل. بعد مرور دقائق، كانت تخرج من الغرفة، بل تخرج من الشقة بأكملها دون أن تضيف أي كلمة أخرى، تحت أنظار رباب القوية. لا تريد أن تبكي، لا تريد أن تترجاها أن تبقى. هي تعلم أنها سوف تأتي وسوف تعود لها. نظر لها عبد الرحمن باستغراب وهو يقول: "غريبة، متقبله الموضوع عادي؟ رباب بهدوء:
"عشان واثقة أنها هترجع." عبد الرحمن بسخرية: "هترجع لأهلها يا رباب، وده الصح. إن هي ترجع لأهلها، إحنا اللي عملنا الغلط من الأول." نظرت له رباب بهدوء وهي تقول: "هترجع لنا يا عبد الرحمن، وأنا متأكدة من كده 100%. متأكدة إنها هترجع لي أنا."
نظر لها عبد الرحمن وهو يحرك رأسه بتعب. لا يعرف ما الذي في دماغ زوجته لكي تظن أن فتاة تترك لها أهلها وتبقى معها. لا أحد يفعل ذلك، وأيضًا يعلم أن زوجته على مدار سنة وأكثر منذ تلك الحادثة وهي تحسن معاملته، ولكن أيضًا هي لها الحق أن تبقى مع عائلتها وتعود لهم. هم لا يقدرون على أن يجبروها على أي شيء. هي فقط من تقرر إذا بقيت معهم أم لا. هو يعلم أن زوجته قد أحبته، ولكن لن تريد على أن تجبرها على البقاء. فهي أيضًا كأي أم تشعر بذلك الألم الذي يكون الآن في صدر والدتها.
خرج من الشقة وهو يدعو لكي تعود جنه إلى منزل عائلتها مرة أخرى. نعم، هو يعلم أنه سوف يتعب بقوة مع زوجته لأنها لم تقبل هذا، ولكن يكفي أن تعود تلك المسكينة إلى عائلتها. فهو إذا كان علم عائلتها من قبل، لكان قد ذهب لهم وأخبرهم عن مكان ابنتهم. أما عن جنه، كانت تتمشى في الطرقات وهي لا تعرف أين تذهب وأين تأتي. لا تعلم هل تعود مرة أخرى إلى عائلتها؟ هل تعود مرة أخرى إلى بيتها؟ أم ماذا عليها أن تفعل؟
أخذت تدور وتدور حتى وصلت إلى مكان الجامعة الخاصة بها. كانت تجلس في المدرج، جسد بلا روح. لم تتحدث مع أحد ولا تريد أن تتحدث. هي فقط تريد أن تفكر. ولكن قطع كل ذلك التفكير والصراع الغريب صوت العذاب، كما تقول عنه، صوت أحب الأشخاص إلى قلبها برغم كل ما فعلوا معها. كان يتحدث في الميكروفون بكل هدوء وهو يشرح، ولم يكلف حتى أن يدقق نظره في الجالسين لكي يراها. أما هو، أخذ يشرح بكل هدوء ويتحدث بكل جدية.
ولكن للحظة، عندما نظر في عيون تلك الفتاة، شعر بشعور غريب. شعر أنه يعرف تلك العيون من قبل. عندما دقق النظر داخل أعينها، لم يصدق نفسه. فجأة ارتسمت الابتسامة على وجهه، كأنه كان غريقًا لساعات طويلة والآن وجد طوق النجاة الذي سوف يحمله. تحرك بسرعة تجاهها وذهب إليها يريد أن يتأكد إذا كانت هي أم جنه. عندما رأته يتحرك لها، قامت بسرعة وقبل أن تخرج إلى خارج القاعة، أمسك رحيم يدها والنظر إليها بهدوء وهو يقول: "كنت فين؟
نظرت له بسخرية وهي تقول: "إنت مين؟ أنا ما أعرفكش." نظر لها رحيم بجدية وهو يقول: "عينيك بتقول عكس اللي إنت بتقوليه. عينيك بتقول إنك عارفاني. كنت فين ده كله؟ بعدت عني ليه؟ عارف إني آذيتك كثير وعارف إني ضيقتك أكثر، بس عارف إنك كنت بتحبي مالك وكنت عايزة تفضلي جنبه حتى لو على إيه. ليه تمشي؟ ليه تبعدي عنه؟ إنت عارف هو تبعدي عنه إنت عارف هو تعذبه بعيد عنك إزاي؟ طب بلاش مالك، أهلك، ما فكرتيش فيهم؟
ما فكرتيش إن اللي بتعمليه ده بيأذيهم وبيضغط عليهم؟ إنتِ تعرفي إن والدتك كانت هتموت بدل المرة ألف مرة بعيد عنك؟ أنا عايز أعرف إنتي عقلك كان فين وإنتي بتعملي كده؟ كان عقلك فين وإنتي بتمشي وتبعدي؟ نظرت له جنه بقوة وهي تقول: "إنت مين عشان تتكلم عن العقل؟
إنت ما تعرفش حاجة عنه أصلًا. وبطل تعمل دور المظلوم اللي في الحكاية، إنت عمرك ما كنت مظلوم. إنت كنت دائمًا الظالم اللي في الحكاية. إنت قلبك جاحد وقاسي، عمرك ما كنت حنين. بلاش تلعب بالألفاظ. ياريت تنسى إنك شفتني، وأنا كمان هنسى إني شفتك." قالت ذلك ورحلت أمام أنظار الجميع المصدومة مما يحدث أمامها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!