لقد مر أكثر من أسبوع، كان رحيم لا يبعد عن الصغير. حتى أنه أصبح ينام في الغرفة الخاصة به هو وجنة، لكي يكون قريبًا من ابنه وحبيبه. ذلك الطفل الذي عندما ينظر إليه، يرى فيه الراحة التي كان يتمناها. حتى أنه بدأ يتعود على فقدان نواره، ويحاول أن يتعود أيضًا على أنه يدخل إلى المنزل ولا يجدها أمامه. أما عند جنه، فكانت تشعر براحة كبيرة عندما بدأ رحيم يقترب من ابنه. فهي كانت تريد أن يحدث ذلك.
نعم، هي فقدت نواره، ولكن يجب أن تكمل من أجل ذلك الصغير الذي وهبه الله لها. فهي ترى ذلك الصغير نعمة كبيرة قد وهبها الله لها. كانت تنام جنه بجانب الصغير بتعب، بعد يوم طويل جدًا. فقد ظل طول النهار يبكي، حتى أنها عندما وجدته قد غفا، لم تصدق نفسها. وأرادت أن تنام هي أيضًا. ولم تفرد ظهرها على الفراش وتنام، حتى عاد الصغير إلى البكاء مرة أخرى. مسحت على وجهه بتعب، وهي تقول: "حرام عليك يا مالك، أنا تعبت خلاص."
كادت أن تقوم وتذهب له، ولكن أوقفها صوت رحيم الذي كان يدخل إلى الغرفة في نفس اللحظة، وهو يقول: "نامي أنتِ، لأنك تعبتِ اليوم على الآخر. نامي وارتاحي، وأنا الذي سأهتم به." "جنه: بن... لا، بلاش، لحسن يقع منك، ولا تعرف تهتم به." "رحيم بهدوء: لا، متخفيش. أنا مش عيل صغير، وبعدين لو احتاجت أي حاجة، هخليكي تقومين تساعديني." ما صدقت جنه أن تسمع تلك الكلمات، حتى غفت بسرعة، كأنها أخذت حبة منوم.
نظر رحيم لها بابتسامة، ثم اتجه إلى ذلك الصغير وضمه إلى حضنه بحب، وهو يقول: "إيه يا أستاذ مالك؟ مالك تعبت؟ أخذ يبتسم الصغير في وجه والده، وكأنه يفهم والده. نظر له رحيم بهدوء، وهو يقول: "اممم، أنت بتضحك عليّ يا أستاذ بحلاوتك دي؟ لا، أنا مش بتهز من ضحكة من حضرتك." ضحك مالك في وجه والده، فتحدث رحيم بهدوء: "امممم، يعني أنت بتثبتني صح؟ نظر إلى جنه بهدوء، وهو يقول:
"أنا عارف إنك زعلان زي ما أنا زعلان على والدتك، بس أنت ربنا عوضك بأم تانية لك. يعني زي ما تقول كده، ربنا حب يعوضك بسرعة عشان متحسش إنك يتيم." ثم أكمل بجدية:
"أنا عارف إنها زعلانة مني على تصرفاتي معاها، وعارف إنها أكيد مش طايقاني. هو ده وده الطبيعي. أنا أذيتها كتير وضايقتها كتير. بس والله، كل ما أحاول إني أبعدها عني وأبطل أذى فيها، ألاقي إن الزمن بيجبرني إني أزعلها أكتر. ولما حاولت أسيبها، لقيتني مجبور أكتر إني أفضل معاها."
"عارف يا مالك، أنت أحسن حاجة حصلت في حياتي. كنت فاكر إني هكرهك من اللي حصل، بس إني حبيتك وحبيت وجودك، اكتشفت إن ربنا خلقك عشان تطبطب عليّ وعلى أحزاني. حاجة غريبة، لما تحس شعور الكره مع حد، وبعد ما تشوفه، تلاقي نفسك بتحبه ومش عارف تستغني عنه. ده نفس الشعور اللي أنا كنت حاسه معاك. كنت حاسس إني لازم أكرهك، لأنك أخدت نواره مني. بس في الحقيقة، لقيت نفسي باحبك. باحبك عشان أنت حتة منها وحتة مني. باحبك عشان أنت بتجمع ما بيننا إحنا الاتنين. باحبك عشان كل حاجة فيك بتخليني أحس إني لازم أحبك وإني لازم أبقى فرحان بيك."
كان يقول ذلك، ولم يلاحظ مالك الغافي على يده. فهو منذ أن حمله والده على يده وبدأ يتحدث معه، ذهب في نوم عميق. نظر رحيم إلى مالك بابتسامة، وهو يضع قبلة على رأسه، ويقول: "نوم الهنا يا ملوكي." وضعه على الفراش، ونظر إلى جنه النائمة بكل هدوء. لأول مرة يلاحظ جمالها وملامحها الهادئة. أخذ ينظر إلى عيونها المرسومة. فعلاً، كانت جنه جميلة، ولكن جميلة بجمال خاص بها لا يشبه أحد. ولكن نواره أجمل.
أخرج هاتفه وفتح الهاتف، لتظهر صورة نواره أمامه. نظر لها بابتسامة، وهو يقول: "ابنك بقى حلو يا نواره، ومغلبني. بقاله شهرين موجود على الدنيا دي، وأنتِ بقى لك شهرين تحت الأرض. بس ابنك مجنن جنه على الآخر. أكيد لو كنت لسه موجودة، كنتِ أنتِ كمان هتجنني زي ما جنه مجنونة كده. ربنا يرحمك يا حتة من قلبي." قال ذلك وأغلق الهاتف، وذهب لكي ينام على الأريكة. ***
أما عند رنا، فكانت تجلس على فراشها بكل هدوء، تنتظر مجيء حمزة حبيبها وحبيب قلبها من العمل. ولكن فجأة، شعرت بمغص كبير أسفل معدتها، حتى أنها كادت أن تشعر أن قلبها يتوقف من كثرة الوجع. لم يمر لحظات، وكانت تنزل الدماء من بين قدميها. نظرت إلى بحر الدماء الذي أصبح أسفلها، والدموع تنهمر من عينيها. فهي تشعر أن ليس الجنين الذي يغادر بطنها، بل تشعر أن روحها التي تغادر قلبها.
أخذت تصرخ بقوة، كأنها لم تصرخ من قبل، وهي تنده بها على حمزة لكي ينجدها ويلحق ابنها قبل أن يذهب إلى خبر كان. فهي لا تود أن تخسر صغيرها. بعد دقائق من الصراخ المتواصل، كانت دخلت جانيت بستغراب إلى الغرفة، وهي تنظر إلى رنا بصدمة، حيث أصبحت هدومها مليئة بالدماء. فنظرت لها جانيت بتهدئة، وهي تقول: "اهدي، اهدي يا رنا، وبلاش صويت عشان ما يأثرش على حالتك."
أخذت الدموع تنهمر من عيني رنا، أما جانيت فبدأت تلبسها ملابسها، وندت على طارق بصوت عالي، لكي يأتي ويذهب بهم إلى المستشفى بكل سرعة. بعد مرور نصف ساعة، كانت رنا في غرفة العمليات، تصنع عملية تنظيف رحم، لأنها قد فقدت ابنها. أما في الخارج، فكان يقف محمدي وهو يستند على عكازه بضعف، وهو ينظر إلى حمزة ويقول: "اهدأ يا ابني، ما تعملش في نفسك كده." "حمزه بتعب: اهديه إزاي بس؟ أنا خسرت ابني ومراتى دلوقتي ما بين الحياة والموت."
"نظر له والده بهدوء، وهو يقول: إيه يا شيخ حمزه؟ هو أنت مش عارف إن الدنيا دوارة ولا إيه؟ ربنا بيخلص بسرعة وما بيسيبش حق حد. واللي أنت عملته مع بنت عمك كان لازم يترد لك، صح ولا إيه؟ المهم، ربنا دلوقتي بيختبر صبرك ورضاك. عاوز يشوفك أنت فعلاً راضي ولا لا، وأنت عليك تحمد ربنا على اللي حصل معاك. وباذن الله، اللي جاي خير ليك أنت ومراتك." كان يقول ذلك لكي يهدأ ابنه، ولكن هو أيضًا كان يشعر بحزن كبير، حيث فقد أول حفيد له.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!