جلس رحيم مع الصغير اليوم بطوله، حتى أنه لم يلحظ غياب الشمس. فهو عندما حمل ذلك الصغير شعر أنه كالمغناطيس يجبره على الاقتراب منه أكثر وأكثر، يشده إليه ويذهب معه إلى عالم بعيد ليس فيه سواه. حتى أنه تذكر حديث والده له قبل زواجه من نواره،
وهو يقول له: "الواحد لما بيخلف ما بيكونش عاوز حاجة من الدنيا دي غير الضحكة اللي بتترسم على وجه ابنه. أكتر من كده لا. عارف يا رحيم، أنا أول ما شلتك على إيدي وضحكت لي حسيت إن الدنيا كلها ما تسواش. ظافر رجلك اللي بيطير، لقيت إنك أحسن حاجة ربنا خلقها لي. في الفترة دي وأنا عارف ومتأكد إنك هتحس بكده مع ابنك بإذن الله لما تشيله على إيدك." لم ينظر له رحيم إلا بابتسامة وهو يقول: "إن شاء الله يا بوي."
قال والده بجدية: "المهم عاوزك تعلم ابنك يكون راجل وجدع كلمته." رد رحيم بهدوء: "بإذن الله يا حج، انت اللي هتعلمه كدا بنفسك." قال والده بهدوء: "يارب يا رحيم يطول في عمري عشان أشيل ابنك على إيدي، لأن بجد ساعتها هكون أسعد إنسان في الدنيا." خرج رحيم من تلك الذاكرة على صوت جنه وهي تقول: "يلا يا رحيم هات مالك عشان أكله، ويا ريت انت كمان تنزل تاكل." قال رحيم بهدوء: "لا، أنا عاوز أفضل قاعد معاه شوية."
قالت جنه بهدوء: "هو معك على طول وهيفضل جنبك، بس يعني لازم يأكل وانت كمان، انت مش شايف منظرك عامل إزاي." نظر لها رحيم بهدوء وهو يقول: "أنا عاوز أشكرك على كل اللي انتي عملتيه معايا ومع مالك." نظرت له جنه بهدوء وهي تقول: "أنا معملتش حاجة، أنا اللي عملته ده طبيعي مش أكتر من كدا. وبعدين أنا بعتبر مالك ابني، لا ده أكتر من ابني كمان، ده حتة من روحي. ده أنا أول واحدة سألت عليه لما خرج من نواره الله يرحمه."
قال رحيم بجدية: "جنه، انتي لو عاوزة تطلقي أنا معنديش مانع، انتي ملكيش ذنب إنك تفضلي رابطة نفسك معايا، انتي ليكي حق تعيشي حياتك." قالت جنه بسخرية: "ده على أساس إن مكانش ليا الحق ده قبل كدا؟ ده على أساس إن مكنش المفروض ده يحصل قبل كدا؟
بقولك إيه يا رحيم، أنا مش متماسكة بيك أو ولا أروع تكون فكرني إني هموت عليك، لا انت اصلا مش فارق معايا أصلا. بس برضو أنا مش هينفع أسيبك، مش عشان خاطر سواد عيونك، لا ده عشان أنا مش هينفع أحمل لقب مطلقة. وغير كل ده، أنا كمان مش هقبل إنك تسبب مالك. أصل أوع تفتكر بعد ما قعدت مع مالك وحسيت بالإحساس اللي حسيته معاه إني هسيبه، لا تبقى غلطان. أنا مش هسيب ابني."
قالت ذلك وهي تأخذ مالك في حضنها بخوف حقيقي. فعلاً صدق من قال إن الأم ليست التي تحمل وتنجب، الأم من تربي. نظر لها رحيم بجدية وهو يقول: "طب أنا عندي سؤال، انتي هتقدري تهتمي بيه؟ هتقدري تخلي بالك منه؟ انتي طفلة، طفلة هتخلي بالها من طفل؟ وفيها إيه يا جنه، افهم أنا بقول كدا عشان خاطرك انتي. انتي لسه صغيرة على اللي بيحصل فيكي ده كله يا جنه. أنا خايف عليكي والله. انتي دلوقتي بتتكلمي من منطلق إنك واحدة اتعلقت بحاجة،
لكن بعدين هتقولي: وأنا مالي؟ أنا إيه اللي خلاني أنهف في عقلي وأوافق على الجنان ده." قالت جنه بسخرية: "ليه؟ هو انت فكرني أنا أقدر أسيب ابني؟ أقدر أتحمل عن حتة مني؟ يا رحيم، انت كنت قافل الباب على نفسك وأنا كنت بخلي بالي منه. ده أنا اللي سميته، حتة. لكن انت مين؟ انت ولا حاجة. انت كنت عايش جوة القوقعة بتاعتك، عاوز بقا لما تخرج منها تيجي تاخد كل حاجة وتمشي؟
لا، يبقى أحسن حاجة ترجع تاني جوة القوقعة بتاعتك، لأنها مش هقول بكدا." قالت ذلك وهي تضم الصغير إلى أحضانها أكثر وأكثر، فهي شعرت معه بإحساس الأم والأب. وعندما أراد رحيم أن يأخذ الصغير من أحضانها، تحولت عليه وأصبحت قطة شرسة يمكن لها أن تقطع أي شخص يقترب منها ويود أن يأخذ طفلها منها، فتلك هي الأم يا سادة. خرج رحيم من الغرفة وترك جنه تنظر له بكره كبير، فهي في كل لحظة ترى أن رحيم هو أسوأ إنسان قد رأته في تلك الحياة.
أما رحيم، فكان يفكر بطريقة أخرى، هو لن يحب أحد بعد نواره، وهي طفلة يجب عليها أن تعيش حياتها بطريقة صحيحة، ولكن أن تكون معه هذا شيء جنون ليس أكثر من ذلك.
كل ذلك حدث تحت أنظار بهيه الغاضبة من ابنها، فهي ترى أن ابنها غبي للغاية، يريد أن يضيع تلك الفتاة التي تحمل كل الصفات الحسنة بتفكيره العقيم. نعم، هي تعلم أن نواره شخصية طيبة ولن تتكرر أبداً، ولكن يجب على ابنها أن ينسى نواره وينسى كل شيء ويبدأ من جديد، يرى حياته من منظور مختلف، فهي لا تريد أن يظل وحيداً، لا هو ولا ابنه، فهو وابنه لن يكونوا سعداء أبداً وهم منفردين.
وبعدين، كل البعد، فهي رأت مدى تأثير جنه عليه. فهي لولا أنها دخلت له أمس الغرفة وتحدثت معه بتلك القوة، لم يخرج من الغرفة أبداً. فهي قد تعبت من الكلام معه وعن إخباره أن نواره الآن في مكان آخر، وهو يجب عليها أن يتأقلم مع ذلك، ولكن كان دائماً يخبرها أن نواره معه في كل خطوة يخطوها، حتى أنها ظنت أن نواره شبح مخيف، لذلك يراها ابنها.
مسحت رأسها بتعب من رحيم ومن تلك الأفكار اللعينة التي تدور داخل رأسه، وتذكرت ابنتها الأخرى رنا، التي منذ أن أصبحت حامل، تأتي لها كل يومين لتجلس معها أسبوع. نعم، هي سعيدة أن ابنتها تأتي إلى المنزل، ولكن أيضاً ليست سعيدة بتلك الطريقة التي تجلس بها معها في المنزل. كانت تفكر في كل ذلك، فهي كبيرة العائلة ويجب عليها أن تجد الحل المناسب لكل شيء.
أما عند جانيت، كانت تجلس مع طارق في التراس، ترتشف من كوب القهوة العربي الخاصة به. نظر لها طارق بابتسامة وهو يقول: "مالك، بتفكري في إيه؟ قالت جانيت بهدوء: "طارق، أنا عايزة أفهم حاجة. دلوقتي نواره ماتت والطفل بقى موجود مع جنه. كل يوم بيتأكد إن بنتي معاها كأنها هنا، وإن بنتي مش هتسيب البلد دي. وآيات، وأنا مش متقبلة كده، مش متقبلة كل اللي بيحصل معايا ده." قال طارق بهدوء: "وأنا برضه مش متقبل كدا، بس هنعمل إيه؟
مفيش حاجة في إيدينا غير إننا نسكت ونحط جزمة في بؤنا، لأننا ما عندناش حق إننا نتكلم. أصل حتى لو اتكلمنا، هنتكلم هنقول إيه؟ طلاق بنتك رفضاه ومش عايزاه، وإنتي عارفة إني لو قلت طلق بنتك مش هيتقبل، حتة لو جوزها قبل بنتك. وبعدين تعالي هنا، أنا عاوز أسألك سؤال، انتي فكرة بنتك ممكن تقبل؟ لا طبعاً بنتك مش هتقبل. يبقى خلينا ساكتين لحد ما نشوف آخرتها."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!