بعد مرور دقيقتين كان يدخل رحيم إلى رواق المشفى بكل سرعة وخلفه جنة وهي تحمل الصغير بين أحضانها. رحيم: اختي مالها يا حمزة؟ حمزة: رنا في أوضة العمليات دلوقتي عشان الطفل نزل. جنة: (تضع يدها على فمها بصدمة) لا تصدق ذلك الخبر الصادم. رحيم: طب أختي فين يا حمزة؟ حمزة: لسه مش عارف حاجة بس إن شاء الله تخرج بسلامة. جنة: ربنا يعوض عليك يا حمزة، متزعلش، بإذن الله ربنا هيجبر خاطرك وخاطرها ويعوضكم.
حمزة: مش مهم البيبي، أهم حاجة إنها تخرج بسلامة، لكن أي حاجة تانية لا، مش مهمة. جنة: بإذن الله ربنا هيجبر بخاطرك وتخرج بألف صحة وسلامة. هز حمزة رأسه بهدوء، فهو لا يحتاج في تلك اللحظة أي كلمة من أي أحد. هو يريد فقط أن يشعر بالطمأنينة تجاه حبيبته وتخرج من تلك الغرفة ويرآها بعينه، فهو لا يريد أي شيء في هذه الحياة سواها.
أما رحيم، نظر إلى جنة بهدوء بابتسامة، فهو في كل يوم يرى فيها جانبًا جديدًا من شخصيتها. فجنة طيبة، تحب الجميع، تقف بجانب الجميع. جنة شخصية مثالية إلى أبعد حد، تعشق الجميع وتحب أن تكون بجانبهم، لا تحب أن تحزن أحد. كل تلك الأشياء كانت أشياء تجعل رحيم يفكر في تلك الجنة التي لو فكر في لحظات لوجدها هدية من الله له. أما جنة، كانت تقف بجانب أمها. نظرت جانيت إلى ذلك الصغير باستغراب وهي تقول:
جانيت: هو أنتِ بتفضلي شايلها كده على طول؟ جنة: أه يا ماما، مش ابني. جانيت: ابنك؟ جنى تعالي اتكلم معاكي شوية، لأني بجد تعبت من تصرفاتك دي، أنا مش فاهمة أنتِ بتعملي كده ليه. جنة: (تهز رأسها وتتجه خلف أمها) وقفوا في آخر رواق المشفى. نظرت جانيت إلى ابنتها بغضب وهي تقول: جانيت: أنا عايزة أفهم، أنتِ بتعملي التصرفات الغريبة اللي أنتِ بتعمليها دي ليه؟ شايلة الولد على إيديكِ كده ليه؟ وهو ابنك عشان تعملي كده؟
جنة حبيبتي، ده مش ابنك ولا أنتِ أمه. جنة: (بتهدئة) ماما، الطفل ده بقى أمانة عندي وأنا عمري ما هاسيبه، ده أمانة نواره، وهي ما عملتش معايا حاجة وحشة عشان أعمل معاها حاجة وحشة أو أعمل في ابنها. لا، بالعكس، نواره وقفت جنبي وساعدتني، وعشان كده أنا عمري ما أفكر أني أعمل مع ابنها أو في حتة منها. وبعدين أنتِ متضايقة ولا زعلانة ليه؟ هو أنتِ مش كان نفسك دايماً تشوفيني متجوزة ومخلفة؟
اديني اتجوزت وخلفت يا ستي وبسرعة أهو. أرجوكي يا أمي اتعملي بحب تاني مع الناس، ارجع تاني ولدتي الطيبة، بلاش يبقى فيه شعور الكره والضغينة ناحية حد، ولا حتى البيبي ده ملاك نازل من السماء، ربنا خلقه عشان يدخل الفرحة والسرور على قلبي. بصراحة بقى، أنا مبسوطة بيه، مبسوطة انبساط غير طبيعي. أنا بقيت بفرح لما بضمه لصدري، والله العظيم فعلاً أنا بحس إن هو ابني، بحس إنه قطعة من روحي. طب بصي حتة في وشه يا أمي، هتلاقي نفسك مش عايزة أي حاجة في الدنيا دي، هتحسي إنه قطعة منك.
نظرت جانيت إلى ذلك الملاك النائم على كتف ابنتها بهدوء. شعرت فعلاً براحة تفسير داخل عروقها، فهو ملاك حقاً بذلك الشعر الأسود الناعم الذي كان يحيط وجهه، وتلك العيون المتسعة التي تشبه عيون المها ذات الرموش الطويلة. ابتسمت جانيت في وجه ذلك الصغير بلا إرادة بسبب تلك الابتسامة التي رسمها الصغير على شفتيه. حملته جانيت بين يديها ولا تعلم لماذا أرادت أن تضع قبلة على رأسه وضمته إلى صدرها بهدوء.
بعد مرور نصف ساعة من الوقوف أمام غرفة العمليات، كان يخرج الترولي أو العربية الناقلة من غرفة العمليات وكانت تنام رنا عليها بتعب. نظر لها حمزة بحزن شديد، فهو لا يصدق أن حبيبته كانت بين الحياة والموت من دقائق، وأن الله قد ردها له. حتى أنه لم يكلف نفسه أن يسأل الطبيبة، بل ذهب خلف الترولي دون أن يزيد كلمة واحدة. نظر رحيم إلى الطبيبة بهدوء وهو يقول: رحيم: إيه يا دكتورة، حالة أختي عاملة إيه؟
الطبيبة: حالتها مش كويسة خالص يا فندم، الرحم عندها ضعيف جداً وما قدرش يتحمل تقل بيبي عليه، عشان كده البيبي نزل. والمشكلة دي هتبقى على طول معاها لأن جدار الرحم بتاعها ضعيف، ما بيستحملش، مش هتقدر تخلف، وأي حمل هيحصل ده هيكون الناتج بتاعها إن البيبي ينزل في الشهور الخمسة الأول.
نزلت تلك الكلمة الصاعقة على أذن الجميع، فهي تخبرهم بكل هدوء أن رنا لا تصلح لكي تكون أم. وذلك الشيء قد كسر بفؤاد الجميع وحطم أحلام بكري أن يصبح جداً. أما رحيم، شعر بالخوف على أخته، فهذا يعني أنها سوف تطلق، فهو يعلم أن الطفل مهم جداً عندهم، هم الرجال، وليس الجميع يمكن أن يستغنى عن الأطفال. بعد مرور دقائق، كان يخرج حمزة من غرفة رنا بعد أن اطمئن عليها. وجد رحيم ينتظر أمام باب الغرفة. نظر له رحيم بهدوء وهو يقول:
رحيم: حمزة، بعد إذنك، أنا عايز أتكلم معاك شوية. حمزة: (يهز رأسه بهدوء) تمام. وقف حمزة بعيداً عن أعين الجميع وهو ينظر إلى رحيم بهدوء ويقول: حمزة: خير يا رحيم، في إيه؟ رحيم: بص يا حمزة، أنت لو حابب تطلق أختي، أنا معنديش مانع. وأحب أقولك إننا متنازلين عن كل حاجة، مش عايزين ناخد منك أي حاجة، بس تطلقها يكون الطلاق بهدوء عشان ما يؤثرش على نفسيتها. حمزة: (ينظر له بسخرية) أطلق مين؟ هي عملت إيه عشان أطلق رنا؟
رحيم: هو في حد بيطلق من الباب للطاق؟ رحيم: حمزة، أنا أختي مش هينفع تخلف تاني، عندها مشكلة في الرحم، وأنت راجل ومن حقك تتجوز وتخلف وتنبسط بحياتك، وأنا مش هقبل إن أختي يبقى لها درة. عشان كده الطلاق هو أنسب حاجة، تطلقها والموضوع يخلص من غير شوشرة ومن غير مشاكل. حمزة: (ينظر له بهدوء)
وأنا مش هطلق يا رحيم. أنا امرأة هتفضل على ذمتي لحد آخر يوم في عمري. وبعدين العيل اللي مات دهوت، ربنا يرحمه. وبعدين مين قال إن موضوع الخلفه هيأثر على علاقتنا أصلاً؟ أنا مش فارق معايا حاجة. طب لو العيب فيا كان إيه اللي حصل؟ كنت هتقول إن الطلاق هو أنسب حل؟ رحيم، بلاش التفكير ده، وبعدين ربنا ممكن يديك ظن الدكاترة ورنا تخلف، كل حاجة بيد ربنا. عشان كده أنا مش هطلق مراتي ومش هستغنى عنها.
شعر رحيم بالسعادة من تلك الكلمات التي قالها حمزة، فهو علم أن الله قد اختار لأخته الأفضل. فالكلمات حمزة قد أكدت أن حمزة رجل بصحيح، وكل ما يفعله يجعله يزداد في نظر رحيم أكثر وأكثر. بعد مرور ساعة، كانت تبدأ رنا بالاستيقاظ من تلك الغيبوبة التي كانت فيها. مسحت على معدتها بكل هدوء وهي تقول: رنا: ابني كويس صح يا حمزة؟ مش أنا ابني كويس؟ وأنت لحقته؟ حمزة: (يبتسم)
اهدى يا رنا، اهدى يا حبيبتي. وبعدين ربنا هيعوض علينا بأحسن منه، بس اهدى أنتِ. رنا: (تبكي وتصرخ) أنا عايزاه، مش عايزة يجيلي واحد أحسن منه، أنا عايزاه. حمزة: (بهدوء) طب اهدى، لأن أنتِ بتعمليه ده مش هيعمل حاجة، بالعكس ده يؤثر عليكي أنتِ. رنا: (تأخذ تبكي بانهيار) يؤثر؟ أنا عايزاه يؤثر. أنا مش عايزة حاجة في الدنيا دي غير ابني. ثم نظرت إلى السماء وهي تقول: يا رب، تعمل كده؟ أنا ما عملتش حاجة وحشة مع أحد تاخده مني ليه؟
والله ما عملت حاجة وحشة مع أحد ولا آذيت حد. طب كنت سيبه لي، أنا عايزة ابني، كان نفسي ابني يفضل معايا، أنا عايزة ابني يا حمزة. أنا هموت من غيره. قالت ذلك وانهارت في البكاء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!