تحميل رواية «عروس السيد فريد» PDF
بقلم فاطمة الزهراء احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"محكمة" تلك الكلمة التي ظللت أكرهها طوال حياتي البائسة. فأنا من عائلة مهوسة بالقانون، لها تاريخ كبير في المحاكم. أمي كانت محامية، وأبي وكيل نيابة، وجدي وعمي قاضيان. وجميعهم ماتوا. لم يتبق لي سوى أخي الذي استطاع الفلات من تلك اللعنة، والتحق بكلية الطب. وهذا الخبر كان كالصاعقة للعائلة، وقد حاولوا إقناعه بتركها والالتحاق بكلية الحقوق. خرجت من أفكاري على نغزة مساعدي. نظرت له وكدت أن أتحدث، لكني استمعت إلى صوت القاضي يقول بصوت عالٍ: "الدفاع يتفضل" انتبهت لما يقول القاضي، لذا سارعت بالوقوف وقلت وأنا أ...
رواية عروس السيد فريد الفصل الأول 1 - بقلم فاطمة الزهراء احمد
"محكمة"
تلك الكلمة التي ظللت أكرهها طوال حياتي البائسة. فأنا من عائلة مهوسة بالقانون، لها تاريخ كبير في المحاكم. أمي كانت محامية، وأبي وكيل نيابة، وجدي وعمي قاضيان. وجميعهم ماتوا. لم يتبق لي سوى أخي الذي استطاع الفلات من تلك اللعنة، والتحق بكلية الطب. وهذا الخبر كان كالصاعقة للعائلة، وقد حاولوا إقناعه بتركها والالتحاق بكلية الحقوق.
خرجت من أفكاري على نغزة مساعدي. نظرت له وكدت أن أتحدث، لكني استمعت إلى صوت القاضي يقول بصوت عالٍ:
"الدفاع يتفضل"
انتبهت لما يقول القاضي، لذا سارعت بالوقوف وقلت وأنا أقف أمام القاضي:
"المحامية عدالة عدل العادل"
استمعت إلى أصوات ضحكات خافتة. نعم، فإسمي كان مصدر كبير للسخرية، فمثلما قلت إن عائلتي مهوسة بالقانون. نفخت بضجر ثم قلت بهدوء:
"الحاضرة عن المتهم"
قال القاضي بصوت واضح:
"اتفضلي ابدأي مرافعتك"
قلت وأنا أنظر إلى القاضي بثقة:
"سيدي القاضي، حضرات المستشارين، لن أبدأ بمقدمات لكي لا أضيع وقت حضراتكم الثمين، وسأقول أن موكلي لا يتعاطى أي نوع من الحشيش. يستحيل يا سيدي، بل من سابع المستحيلات أن يحدث"
استمعت إلى صوت ساخر، وكان وكيل النيابة، والذي دائما كان الشرير في جميع الأفلام والمسلسلات. عندما يكون البطل محاميًا ويحاول الدفاع عن الشخص المظلوم، يأتي ذلك الشرير يحاول إيقاعه، لاكن البطل وبكل ذكاء يفلت من شباكه. وهذا ما سيحدث الآن. انتبهت إلى صوت طرقات المطرقة الخاصة بالقاضي، نظرت له وجدته يقول:
"سمعتي اللي النيابة قالته؟"
قلت بتوتر وأنا أهز رأسي بنفي:
"سرحت شوية"
قال القاضي بضجر:
"النيابة كانت بتسأل عن إثباتك إن موكلك برئ"
وهنا استعدت ثقتي وقلت بكل ثقة وأنا أنظر لذلك الشرير وكيل النيابة:
"أنا موكلي برئ لأن أسنانه بيضة"
صمت بعدما أفحمتهم بمعلوماتي، لاكني تعجبت عندما وجدت ملامح الجميع متشنجة، من أول القاضي إلى الحاجب، وحتى موكلي. استمعت بعدها إلى بعض الهمهمات ليقاطعها القاضي وهو يضرب بالمطرقة ويقول:
"وضحي كلامك"
قلت بثقة:
"أقصد إن الحشيش بيسوس السنان وبيوقعها كمان، وأنا موكلي مشاء الله سنانه لؤلؤ"
تعجبت مرة أخرى عندما علت ملامح التشنج مرة أخرى، لاكن هذه المرة تدخل وكيل النيابة قائلاً بسخرية:
"معلش بس إنت عوزانا نفرج عن موكلك علشان سنانه مش مسوسة؟"
هززت رأسي بفرحة، وأخيرًا هناك من فهمني. لأستمع إلى أصوات ضحك وهمهمات، وصوت موكلي يقول لقريبه وهو يضرب يديه على وجنتيه:
"الله يخربيتك، استرخصته وجبت لي واحدة هبلة. والله أنا لو مكان القاضي لهجيب لي إعدام"
نظرت إلى موكلي وقلت بغضب:
"إخرس ياض بدل ما أجيب لك إعدام بجد"
مجددًا ضرب القاضي بتلك المطرقة. لكم وددت ضرب رأسه بتلك المطرقة اللعينة التي سببت لي صداع بالرأس. خرجت من أفكاري الشريرة على صوت القاضي وهو يقول بضجر:
"يا أستاذة، اللي بتقولي دا مش منطقي أبداً. يعني إيه سنانه بيضة؟ معني كدا أي واحد إسنانه صفرة ولا مسوسة نقبض عليه علشان بيشرب حشيش؟"
قلت ببسمة وبدون إدراك إني في قاعة المحكمة:
"والله يبقى أحسن، على الأقل هنرتاح من اللي ريحة بقوهم معفنة. ويسلام بقي لو قبضتم على اللي ريحتهم وحشة، وخصوصًا إننا داخلين على الصيف بقي وأنت فاهم الريحة وكدا"
ضحكت ضحكة قصيرة لاكني كتمتها عندما وجدت ملامح القاضي أصبحت مخيفة. يقول بحنق:
"كملي مرافعتك يا أستاذة وخلصي علشان الوقت"
ابتلعت ريقي وأنا أقول بخوف من شكل القاضي:
"أنا بطلب التأجيل لمراجعة أوراقي وحاجتي وأقلامي"
"حكمة المحكمة بتأجيل القضية ليوم الأربعاء الموافق..."
ابتسمت بإرياحية، لاكن اختفت بسمتي لتعتلو مكانها الصدمة، وخاصة بعدما استمعت إلى بقية كلامه:
"وحبس المحامية عدالة عدل العادل لمدة 24 ساعة. رفعة الجلسة"
قلت وأنا أسير مع العسكري:
"الله يخربيتك، هات لي محامي"
وقبل أن يسحبني العسكري لخارج قاعة المحكمة، استمعت إلى صوت موكلي قائلاً بصراخ:
"طب وهنعمل إيه القضية بتاعتي؟"
قلت بحنق قبل أن أخرج:
"اتنيل، كان القرد نفع نفسه"
رواية عروس السيد فريد الفصل الثاني 2 - بقلم فاطمة الزهراء احمد
خرجت من حمامي بعدما تخلصت من تلك الرائحة العفنة التي التصقت بي في الحجز. نظرت إلى ذلك الحقير أخي الجالس على الأريكة يأكل بكل تبجح، غير مبالٍ لذلك. اقتربت منه وأنا أضربه على كتفه وأقول بغضب:
"إنت جنس ملتك إيه يعني؟ أختك كانت بايته بره البيت وأنت نايم كدا عادي؟"
قال وهو يتحسس كتفه:
"يعني مش فاهمه، عاوزاني أعملك إيه؟ وبعدين إنت كنت عند الحكومة يعني أنام وأشخر وأنا مرتاح."
أمسكت الزهرية وكدت أقذفه بها، لكن أوقفني صوت الطرق على الباب. ذهبت لأفتح الباب، وجدت رجلاً كبيراً بالعمر يبدو عليه الوقار. سألته:
"حضرتك مين؟"
شعرت بأخي يقف خلفي ليدفعني للداخل. نظر للرجل لثوانٍ ثم قال:
"المهندس إبراهيم فوق في الدور الرابع."
قال الرجل بهدوء وبصوت رخيم:
"بس أنا جاي عشانك يا قانون."
اعتلت الصدمة وجوهنا. لهمست لأخي:
"إنت تعرف الراجل الكبير دا ياض منين؟"
قال أخي بصدق:
"أقسم بالله معرف ناس نضيفة بالشكل ده. أنا أنضف حد من اللي أعرفهم سعيد وزة."
قلت بصدمة وسعادة، متناسية ذلك الرجل الذي يرمقنا بغرابة:
"يا ابن الإيه! تعرف سعيد وزة؟ دا عنده معرض عربيات؟"
قال بثقة لا تليق مع البجامة (الكاستور) والشبشب الذي يرتديهما:
"أنا شخص مقرب جداً ليه، بس أنا اللي مبحبش أتفشخر بمعارفي."
انتبهنا للرجل الواقف بعدما حمحم. وقد أنستني سعادتي أن أخي يعرف سعيد وزة أن الرجل مازال يقف على الباب. ابتعدت ليأخذه ويدخل. وبالفعل دخل وجلسنا بعدما أحضرت الشاي. ليقول أخي:
"وخضرتك عاوزني لأيه بالظبط؟ وعرفتني منين؟"
قال الرجل بهدوء وبصوت رخيم:
"أنا مش بس جايلك يا قانون، أنا كمان جاي لأختك عدالة."
نظر لي ليقول:
"مش عدالة برده؟"
هززت رأسي بالموافقة. ليبتسم ثم قال:
"أنا أبقى حامد، صديق قديم لجدكم العادل الله يرحمه ويغفر له."
ترحمنا عليه ليكمل وهو يخرج من حقيبته أوراق أعطاني إياها أنا وأخي لنقرأها، وهو يقول:
"دي وصية جدكم الله يرحمه. المفروض إني أديهالكم من زمان، بس بسبب سفري والظروف الصحية منعتني. والحمد لله وفيت بوعدي ورجعتلكم حقكم."
أخذ أخي ينظر لأوراق الأرض وهو يقول بهمس:
"يااه يا جدي! كنت فاكره ضيع فلوسه في القمار والنساء، بس طلعت ظالمة. كم أنت عظيم يا جدي."
لم أهتم لحديث أخي وأنا أقول:
"بس دي صورة، فين العقود الأصلية والوصية؟"
قال وهو يعطيني ورقة:
"هتاخدوها بس مش دلوقتي، لما تروحوا لمكان الأرض الأول. العنوان بالتفصيل في الورقة. القرية اللي فيها الأرض اسمها (الوالي). أستناكم هناك."
قال أخي وهو يضع قدم فوق قدم بكبرياء لا يليق بما يرتديه:
"ما قولتلناش الأرض دي تساوي كام كدا؟"
قلت أنا بهمس:
"نزل رجلك يا حيون، الشبشب باين وشكلك عرة."
أنزل قدمه بإحراج. ليقول حامد وهو يقف ليرحل:
"مش كتير، حوالي 17 مليون على ما أعتقد."
من الصدمة لم أر يده الممدودة لي، لكن ثوانٍ وأدركت وسلمت عليه. ونكز أخي، لكنه ترك فمه مفتوحاً حتى إني لاحظت دخول ذبابتين داخل فمه ولم يخرجا. على ما أعتقد سيأخذون فمه عش زوجية.
رحلت مع الرجل، أودعه بعدما أغلق الباب. صرت أرقص كالقرد أجرب، لا أستطيع تصديق الأمر. أقسم أخيراً أفاق أخي من صدمته ليرقص كغوريلا جرباء. ظللنا نرقص ونصرخ حتى توقفت أنفاسنا. لنجلس نحن الاثنان بتعب. ويقول أخي بفرحة:
"إنت إنشاء الله تروحي على القرية وتشوفلنا موضوع الأرض دي إيه؟ وياسلام لو لقيتي حد يشتريها وتجيلي الفلوس وأنت جاية."
قلت بسخرية:
"مش عاوز DVD بالمرة؟ DVD."
قال بحنق:
"يااه يا عدالة! إنت مش كدا كدا رايحة عشان تشوفي نصيبك؟ شوفي برده نصيبي ومتبقييش أنانية."
قلت بفرحة وأنا أريح ظهري وألعب بشعري:
"أنا لو روحت هبيع الأرض وأخد الفلوس كلها وأهاجر بره مصر. وإبقي قابلني لو أخذت مليم واحد."
قال بحزن وبنبرة مستعطفة:
"أنا عارف ومتأكد إن كلامك دا من ورا قلبك. أكيد لأني يا تيم، أخذ حق اليتيم حرام."
قلت له بسخرية وأنا أذهب لغرفتي لأحضر أغراضي للسفر لتلك القرية:
"يا ابني، أنا أكلتي المفضلة مال اليتامة. ها جاي ولا الدور الجاي؟"
وبالفعل سافرنا في صباح اليوم التالي. غادرنا منذ الصباح لنذهب لقرية الوالي. تلك قلت بتذمر:
"لسه كتير، أنا تعبت. إحنا بقالنا حوالي خمس ساعات."
قال أخي بحنق:
"معرفش يا عدالة، أنا بسوق حسب الوصف اللي في الورقة."
فجأة شعرت بتوقف السيارة. قال أخي بغضب:
"دا اللي كنت عامل حسابه."
فتح باب السيارة بغضب ليخرج ويفتح الغطاء الأمامي للسيارة (الكابوت). نظر لها ثم نفخ بحنق. بالطبع لم أتحدث، فأنا لست بحمقاء لأتكلم معه وهو غاضب. برغم مرح أخي إلا وأنه عندما يغضب يتحول. لذا أتجنبه لدواعي أمنية.
مرت ساعات لا أعلم عددها، حتى توقف أمامنا سائق توكتوك.
قال وهو ينظر للسيارة:
"في حاجة يا باشا؟"
قال أخي بهدوء:
"لا أبداً، دي العربية عطلت وكنا رايحين قرية إسمها الوالي."
قال الرجل بتهلل:
"دي قريتي يا باشا. اتفضلوا أوصلكم، دي مش بعيدة."
قال أخي بهدوء:
"لا متشكرين، مش هينفع عشان الشنط. إحنا عاوزين بس ميكانيكي."
قال بعدما خرج من التوكتوك:
"ياباشا، العربية مش هتشتغل، عاوزالها ميكانيكي. ومش هتلاقيه هنا، مفيش غير واحد بس ودا في قرية تانية، لأن الميكانيكي اللي في قريتنا عيان."
قال أخي بشك:
"إنت عاوز تفهمني إن مفيش في قريتكم غير ميكانيكي واحد؟"
قال الرجل بضحكة خفيفة:
"من حقك متصدقش. أصلك مش من قرية الوالي، اللي مش أي حد ممكن يشتغل فيها كدا عادي."
صمت. ثم نظر لي وأكمل:
"بص يا باشا، أنت معاك حريم، ومينفعش تقعد كدا. الدنيا هتليل عليكم. وبعدين ياسيدي سيب الشنط وخد الحاجات المهمة واركبوا معايا، وأنا بنفسي هروح أجيب الميكانيكي من القرية التانية. وبعدين هحاسبك، متقلقش."
نظر لي أخي، لأهز رأسي برفض. بالطبع هذا الرجل نصاب. من ذا الذي يترك مشغاله لأجل أشخاص لا يعرفهم؟ نرى تلك المواقف فقط في السينما. لكن إن نزلت لأرض الواقع، فستجد غابة. هذا الرجل بالتأكيد يعمل لدى عصابة ويريد خطفنا، أو يريد أن نذهب ليتمكن من سرقة أشياءنا. استمعت لأخي يقول:
"طب اديني بطاقتك."
ابتسم الرجل وأخرج البطاقة وهو يقول:
"حقك ياباشا."
وضعها أخي في جيبه بعدما تفحصها، ليقول:
"هديهالك لما أجي أحاسبك."
هز الرجل رأسه وهو يصعد للتوكتوك. وبعدها صعدت بحنق. ليقول أخي:
"أعمل إيه؟ مكنش في حل تاني. الدنيا هتليل، وبعدين متخفيش، إنت معاكي راجل مش نحمده."
سار بنا، وأنا أذكر الله وأضع يدي على قلبي وأدعو الله أن يحفظنا أنا وأخي. لاحظ السائق توتري ليتحدث معنا محاولاً تخفيف القلق. وظل يتحدث ويتحدث، وأخي يرد عليه وقد اندمج معه كثيراً. حتى قال الرجل:
"يعني إنتوا جايين عشان أرض؟ إنتوا كدا لازم تروحوا للسيد فريد."
تعجبت من الأمر. لماذا السيد فريد؟ هل هو سمسار؟ قاطع أخي أفكاري ليسأل نفس سؤالي:
"هو الأستاذ فريد دا سمسار؟"
ضحك الرجل وهو يقول:
"سمسار إيه؟ السيد فريد دا يبقى العمدة. ومفيش كبيرة ولا صغيرة بتحصل غير بموافقته. أمال أنا كنت بقولكم مفيش غير ميكانيكي واحد ليه؟ عشان السيد فريد هو اللي بيحدد مين اللي بيشتغل ومين لا. ولو السيد فريد ما رضاش إن الأرض بتاعتكم تنباع، انسوا إنها تنباع."
نظرت أنا وأخي إلى بعضنا بتعجب. ماذا وكيف؟ متى هذا فريد الذي يتحكم في عمل الناس؟ أي جبار هو هذا؟ بالتأكيد أول شيء خطر ببالي هو رجل في الخمسين من عمره يرتدي جلباباً ولديه شارب أبيض طويل وتظهر التجاعيد عليه، ومتزوج أكثر من اثنين. رجل شرير، ظالم، فاسد.
انتبهت على توقف التوكتوك والرجل يخبرنا أنه هذا قصر السيد فريد. وقد كان، فكلمة قصر لا تليق إلا بهذا الشيء العمالاق. رحل الرجل وقد رفض أخذ المال من أخي، مخبراً إياه أنه سيذهب لإحضار الميكانيكي أولاً، وأنه لن يأخذ مالاً إلا عندما يتأكد من إصلاح والاطمئنان على السيارة. وقد زاد ذلك الشيء شكوكي نحو هذا الرجل. فكيف يكون متساهلاً في حقه بطريقة مرعبة هكذا.
نظرت لأخي لأجده عاد لطبيعته بعدما هدئ غضبه. دخلنا بعدما أخذتنا الخادمة لغرفة الجلوس. لنجد السيد حامد جالساً يشرب الشاي بهدوء. وبمجرد أن رأنا قال:
"مكنتش متوقع إنكم تيجوا بالسرعة دي، بس كويس عشان أقول كلامي مرة واحدة."
قلت بتعجب:
"كلام إيه؟"
قال وهو ينادي للخادمة:
"هتعرفي دلوقتي يا عدالة، متستعجليش."
قالت الخادمة:
"تشربوا إيه؟"
قال أخي أولاً:
"حمام."
نظرت له بتعجب لأضحك وأقول:
"بيهزر؟ هات لنا ميه."
رحلت الخادمة. لأنظر لأخي بحنق. قال بتذمر:
"كنت عاوز أجرب الحمام. السواق قالي الحمام المشوي هنا تحفة."
قلت بغضب:
"دا أنا اللي هعملك تحفة وأعرضك في المتحف المصري."
ثوانٍ وأحضرت الخادمة الماء، لأمسكه لاكن توقفت عندما رأيت رجلاً يدخل للغرفة. لم يكن رجل عادي. لقد كان غريباً، ليس غريباً بالمعنى الحرفي، أن له ثلاثة أعين. مثلًا، بل كان به شيء شدني لأتأمل تفاصيله. من أول شعره البني الذي لم يكن ناعماً جداً ولا مجعداً، بل كان ناعماً مع بعض التجاعيد البنية، وعينيه البنية، وبنطاله القماش البني أيضاً. أعتقد أنه مثلي يفضل البنيات. لاكن لم يكن كل شيء بني. لقد كان يرتدي قميصاً أبيض وحمالات، ولديه بشرة حنطية، وعلى شفتيه ترتسم ابتسامة رأيتها كانت عذبة وصافية، هادئة.
لم أشعر بنفسي إلا عندما حمحم أخي بجانبي وقال بحنق:
"بطلي تبصي عليه، الواد نفسه اتحرج."
قلت بحرج:
"أنا آسفة، بس أول مرة أشوف ناس نضيفة كدا. قعدتي مع المجرمين نسّتني أشكال الناس."
نظر ثم قال:
"عذرك طبعاً. الواد نضيف نضيف، تقول إيه أمه كانت بتتوحم على شوكولاتة جلاكسي."
انتبهنا عندما تعثر في السجاد وكاد يسقط. لاكنه تماسك. لأنظر لأخي بحنق:
"مبسوط أهو؟ كان هيتكسر دلوقتي."
فكرت أنه بالتأكيد ابن ذلك العمدة. وبالتأكيد مثل الأفلام يكون ابن العمدة فاسد، يشرب الخمر، يضحك على الفتيات الحمقاوات. لذا لم أعره انتباه عندما اقترب مني ليصافحني. أخذت أشرب الماء. ليقول السيد حامد وهو يحاول جذب انتباهي:
"السيد فريد عمدة البلد."
لم أشعر بنفسي إلا عندما بصقت عليه كل ما شربته من الماء. لينصدم السيد حامد. وانصدمت عندما تحول وجهه من الابتسامة الجميلة إلى الجمود. شعرت بأن القادم لن يكون بخير أبداً. لذا قلت:
"يا عيني عليك يا قرمط."
همس أخي بجانبي من شكل فريد:
"هنطرمط."
أسرع السيد حامد وأحضر منديلًا من القماش ليحاول تجفيف وجهه. وأنا أنظر له بحرج. ليقول وهو يبعد يد حامد بهدوء:
"خلاص، محصلش حاجة. اتفضلوا."
أشار لنا بالجلوس. فجلسنا. وأنا أشعر بالحرج من نفسي. لاكن لقد كان الأمر صادماً بالنسبة لي. فكيف لهذا الشاب الوسيم أن يكون عمدة البلد؟ فكرة في كل الأفلام والمسلسلات. كيف تكون شخصية العمدة الشاب الوسيم؟ لاكن لم أتذكر، لأنه وربما لم يكن. انتبهت لحمحمة السيد حامد وهو يقول:
"أنتم كنتم سألتموني على الأوراق الأصلية للأرض والوصية."
بالطبع لم أرفع رأسي حتى، لكني سمعت أخي يجيبه. ليكمل:
"تمام. الأول حابب أعرفكم تاني بعمدة البلد، السيد فريد. مفيش كبيرة ولا صغيرة بتحصل ولا هتحصل إلا ولازم يكون عرفها ويوافقها كمان. دا قانون البلد هنا. تاني حاجة بقي هي إن مفيش ورق للأرض هتخدوها مني إلا لما تحققوا شرط الوصية."
هنا رفعت رأسي منتظرة أن يكمل. وبالفعل أكمل:
"وهي إنكم لازم تعيشوا في قرية الوالي لمدة سنة."
وهنا لم أستطع إمساك لساني السليط لأقول بغضب:
"نعم نعم نعم نعم! نعيش إيه؟ ليه إنشاء الله؟ لا يا حبيبي، أنا فاهمة أوي المسلسل الهندي، التركي، العربي دا اللي هي هنقعد هنا لمدة سنة ونشتغل كمان هنا فنحب الناس الحياة ونلعب بالوز ونروح نتجوز البطل، وهو يتجوز أخت البطل."
كانت تشير على أخيها لتكمل وهي تضرب يديها ببعضهم:
"لا يا حبيبي، أنتم باين عليكم طامعين في حتت الأرض بتاعتنا وعاملين الحوار الأ هبل ومفكرني كروديا. لا فوق يابا منك له، دا أنا دايرة على أقسام مصر كلها. دا أنا نص حياتي عشتها مع المجرمين."
وهنا قال قانون وهو يقف:
"حصل. دول كانوا بيشوفوها أكتر مني والله، وخصوصاً نبيلة أم بلحة."
تذكرت أيام من الماضي لأقول بحنين:
"يااه! أم بلحة! دا أنا اللي يعتبر ربيت بلحة. يا ترى بقي عامل إيه دلوقتي."
اقترب ذلك العمدة قائلاً بهدوء بعدما تركني أصيح:
"إنت فاهمة الموضوع غلط."
"لا يا حبيبي، اللي يجي على عدالة مياكلش بقلاوة."
كاد يقول:
"أنا مبحبش البقلاوة. ثم إيه علاقة البـــ..."
كاد يكمل. قاطعته بضربة من رأسي على رأسه (روسية). ابتسمت بنصر ثم أسقطته على الأرض. آخر ما سمعته صراخ أخي الأحمق بفرحة وهو يقبل فريد من وجنتيه.
"الله أكبر عليك! عملتها إزاي دي؟"
ثم نظر لي قائلاً:
"ربنا يهدك يا مفترية."
ثم نظر لفريد:
"ها بقي هنقعد فين؟ على فكرة أنا مش معاها."
وهنا أغمضت عيني ولم أرَ شيئًا سوى عيون السيد فريد.
رواية عروس السيد فريد الفصل الثالث 3 - بقلم فاطمة الزهراء احمد
صوت هذا الديك مزعج للغاية أقسم أن أمسك به وأصنع منه حساء لحظة أي ديك هذا لم يكن في منزلنا ديوك.
فتحت عيني لأجدني في غرفة غريبة أين أنا بحق الله أنزلت قدمي الأولى ولكني صرخت عندما نقرني هذا الديك الحقير نظرت له بكره ليبادلني النظرة بتحدي.
حول عينيه عني لأفكر أنه ربما كان أحول، تحسست فروة رأسي وأنزل قدمي مرة أخرى لينقرني. حسنًا لقد تأكدت أنه ليس أحول هو يقصدني لذا سارعت بالركض خلفه هو يركض ويصيح وأنا أركض خلفه في الغرفة وعيوني تشتعل من الشر حتى لم أنتبه للذي فتح الباب. ركض الديك نحو الباب صعدت على السرير وبحركة مثل التي كنت أشاهدها في مباريات المصارعة على التلفاز أقفضت عليه وأصبحت فوقه وأنا أقول:
"والمصحف لاهفطسك"
وأنا فوقه وصوت صياحه بدأ ينخفض لمحت بعيني حذاء جلدي بني اللون وقبل أن أرفع عيني ظللت أدعي في سري أن لا يكون هو لاكن لأن حظي كان يعشق اللون الأسود كان هو نعم صاحب العيون البنية والإبتسامة العذبة الصافية السيد فريد ولم يكن فريد فقط بل كان ورائه أخي والسيد حامد ينظرون جميعًا بنظرات متعجبة من وضعي. وقفت وأنا أبتسم ببلاهة لألاحظ نظرهم.
جميعًا نحو الأرض لأجدهم ينظرون نحو الديك. حسنًا هو لم يجد ديك أظن كلمة (ملصق) أصبحت أفضل فقد التصق بالأرض. أمسكته من دمه ثم أعطيته للسيد فريد الذي أمسكه بحرص أعتقد أنه كان يعني الكثير له وإلا ما كان سيتركه في غرفة من ذا الذي يضع ديك في غرفة بحق الله. أخذه مني ونظر لي نظرة جعلتني أبتلع ريقي وأعود للخلف بخوف. رحل هو ينظر للديك بحزن لم أهتم وكدت أعود للنوم لاكن همس أخي للسيد حامد أوقفني وجدته يميل عليه هامسًا:
"مش قولتلك يا باشا أنها هبلة تيجي نبعتها العباسية وأخد أنا الورث لوحدي"
قلت بغضب:
"أه يا حيوان والله لافطسك زي الديك"
انقضت عليه ولأنه لم يكن صغير كالديك تسلقته فكان المنظر وكأني قرد يتسلق شجرة. أمسك شعره وأشده وهو يصرخ ويحاول إبعادي متجاهلين نحن الاثنين نظرات السيد حامد لنا الذي ركض بجنون يصرخ باسم السيد فريد أعتقد أنه ظننا مجانين هل نحن حقًا مجانين.
نزلت بعدما ارتديت ملابسي التي وجدتها في الخزانة سألت على السيد فريد لتقول لي خادمة أنه في المكتب مع السيد حامد. كدت أدخل لاكنني توقفت ثواني وضعت أذني على الباب لم أسمع شيئًا لثواني حتى فتح الباب فجأة لأرمي بأحضان أحدهم ولم يكن سوى السيد حامد الذي كاد يسقط على السيد فريد. عدلت نفسي وأنا أقول بحرج:
"معلش كنت بألمع الأوكر"
نظر لي السيد حامد بيأس وتخطاني تاركني مع نظرات فريد الذي اقترب مني وقال بصوت أجش:
"كنت جاية عاوزة إيه"
قلت بإحراج تصنعته:
"كنت جاية علشان أعتذر عن الديك اللي فطسته بس لما عرفت أن عمو حامد معاك افتكرت في الأفلام لما الشرير الوغد بيعمل مؤامرة مع المحامي عديم الذمة علشان يستولوا على فلوس الورثة بيسمعهم حد لما بيكونوا بيتكلموا"
كنت أتحدث بحماس فأنا دائمًا أنسج الأفلام في واقعي. سمعت همهماته ثم قال بصوت منخفض وهو يقترب مني أكثر:
"بس مش فاكرة برده في نفس الأفلام لما الحد دا بيسمع مخططات الشرير الوغد والمحامي بيقتلوه"
انعقد لساني نظرت له بخوف لأسمع ضحكاته بالطبع كان يكذب قال وهو يتخطاني:
"يلا علشان نتغدي"
"نتغدي"
قلتها بصدمة كيف لقد جئنا على صوت أذان المغرب وكأنه استمع إلى أفكاري فقال بصوت أجش:
"ما إنتي نمتي لتاني يوم"
تركني في صدمتي لألحق به نحو غرفة الطعام وأنا أقول في نفسي:
"هذا المنزل كبير لو كنت اعتمدت على نفسي لم أكن سأصل إلا على وجبة العشاء"
جلست مع بعدما جلس السيد فريد ليلاحظ الكدمات التي على وجه أخي حول نظره للسيد حامد وكأنه يسأله على ما حدث ليحول نظره لي فقلت بتعجب:
"بتبصولي كدا ليه"
قال أخي بتوجع:
"ربنا على الظالم والمفترى منك لله"
فلت مني ضحكة والذي تعجبت منه مشاركتنا في الضحك. لاحظت نظرات فريد النارية لتقول:
"في إيه مالك أنا عملت حاجة"
قلت لها وأنا آخذ قطعة الحمام المشوي من أخي المتذمر:
"هو كدا السيد دا مش بيطيق حد"
قال الجميع بتعجب:
"مين السيد"
أشرت على السيد ليقول وهو يشير لنفسه:
"أنا اسمي السيد"
هززت رأسه وقولت:
"أه إي يعني متتكشف عادي يعني طب أقولك حاجة أنا مثلا اسمي عدالة أه والله والأهبل اللي جمبي اسمه قانون أسماء عرة بس عادي يعني"
قال أخي وهو يأكل:
"هو في الأول بس بعدين هتكتسب تناحة وعلي رأي المثل عاوزة تعيشي مرتاحة اتعلمي التناحة"
نظر لنا الجميع بتشنج ينظرون لنا بغرابة وكأننا من كوكب آخر ليهمس لي أخي:
"أعتقد أنه مبهور من ذكائنا وهيدينا الأرض قبل المدة"
استمعت إلى صوت همس ساخر ولاكنه لم يكن من أخي:
"أه طبعًا مبهور حتى ابقوا تعالوا تفو في وشي لو لمحتم الأرض دي"
كاد يرحل لاكنه توقف على صوتي:
"في إيه بتعمل كدا ليه دا انت حتى اسمك السيد أمّال لو كان اسمك مراد ولا إبراهيم كنت عملت إيه وبعدين بتبص الاثنين اليتامة في أرضهم وانت عندك أراضي وفدادين تسد عين الشمس وتسد مجاعات يا راجل"
صدح صوت قادم من بعيد لرجل يهرول ويقول:
"يا فريد بيه يا فريد بيه الأراضي كلها ولعت والمحاصيل اتحرقت"
بالطبع لن أحتاج لأنظر لأعرف أن الجميع ينظر لي. ابتلعت ريقي وقلت:
"عادي بتحصل حد مثلا كان مولع سيجارة والمحاصيل ولعت صدفة وبعدين انت لسا عندك بهايم إيه تسد عين الشمس يا راجل"
مجددًا صدح صوت الرجل وهو يقول:
"يا سيد فريد يا سيد فريد نص البهايم طفشة ومش لاقيينهم"
كدت أن أتحدث وأخبره أنه لازال لديه النصف الآخر لاكن كانت يد أخي التي وضعت على أسرع ليقول بهمس:
"اسكتي الله يخربيتك بدل ما يربطونا مكان البهايم اللي سابت"
قال أخي للسيد حامد وهو مازال يكممني:
"شوفة يا باشا قولتلك مش مؤهلة تورث احنا نبعتها على العباسية أديني أنا الورث"
أمسكته من شعره ليسارع الرجل الذي أخبر السيد فريد الأخبار السئ يحاول أن يفكنا عن بعض لأضعه مع أخي ومسكه هو الآخر من شعره وأعض أذنه تحت نظرات الأستاذ حامد والسيد.
"عايزين الأرض هجبهلكوا من عيني"
نظر الرجل الذي مازلت أعض أذنه:
"الحقني يا فريد بيه"
ليقول لي بغضب:
"سيبي ودنه"
لم أستمع له لأكمل عض والرجل يصرخ لم أتركه لأني أكره لاكني أحببت الأمر. أسرع أخي يحاول فكاك الرجل من بين أسناني لأفك حصاره وأركض للخارج. نظرت نحو أخي بحزن ثم ركضت خلف الرجل بسعادة لأعضه مرة أخرى. خرجت وآخر ما سمعته صوت صياح أخي:
"البت اتسعرت"
رواية عروس السيد فريد الفصل الرابع 4 - بقلم فاطمة الزهراء احمد
ظللت أركض خلف الرجل لكنني لم أجده.
لأدرك بعد ثوانٍ أنني لا أعرف الطريق.
لأبدأ أبكي على حظي الذي دائماً ما يعشق الأسود.
ثوانٍ حتى أمطرت السماء والجميع يركضون نحو بيوتهم.
وأنا أبكي من الخوف والبرد.
ظللت واقفة لدقائق وقد أصبحت الأرض طينية.
إذا تحركت خطوة واحدة بالتأكيد سأقع.
لذلك وقفت تحت المطر أبكي وألوم نفسي على ركضي خلف الرجل.
لكن ماذا أفعل فقد أحببت أذن.
أحببت عض أذن.
استمعت إلى صوت يصرخ باسمي.
لأجد أنه أخي والسيد حامد والسيد الذي ينكر اسمه.
لأركض باتجاههم بفرحة متناسية الأرض الطينية.
لاتزحلق وأخبط رأسي في مقدمة رأس السيد فريد.
ونقع نحن الاثنان في البحيرة (الترعة).
جاء الرجل الذي كنت أركض ورأه.
لا أعلم من أين ظهر لي ليقول صارخاً:
"يا سيد فريد يا سيد فريد يا أهبل البلد السيد فريد وقع في الترعة."
قال السيد بغضب:
"تعالى ساعدني يا غبي بدل ما تفرج الناس علينا."
قال الرجل بصراخ:
"يا سيد فريد الناس كلها اتفرجت خلاص."
ليكمله متجاهلاً كلام السيد:
"يا أهل البلد يا أهل البلد السيد فريد وقع في الترعة."
كل هذا وأنا لا أركز سوى مع أذنه التي أود عضها.
لأجد أن السيد صعد بواسطة أخي الذي مد له يده متجاهلاً إياي.
نظر نحوي ليجدني أنظر إلى أذن الرجل كأنها وجبة شهية.
لاحظت ابتسامته الخبيثة.
ليدفع الرجل إلى الترعة.
وبدلاً من أن أمسك بيد أخي الممدودة لي.
أمسكت بالرجل الذي كاد يفر عندما رآني.
لأمسك برأسه وأغرفها.
ثم انقض على أذنه.
أفترسها تحت أنظار الجميع المذهولة.
ليقول أخي وهو يفكر:
"أنا شفت اللقطة دي قبل كده في ناشونال جيوغرافيك لما الفهد هاجم على التمساح الصغير في الماية."
بالطبع لم يلاحظ نظرات السيد فريد وحامد الذان ينظرون نحونا بخوف وكأننا من عالم آخر.
لكنني لاحظتها وأنا أفترس أذن الرجل وهو يصيح.
لأجد رجلاً آخر يأتي باتجاهنا بصياح باسم شخص يدعى "عيد".
لأدرك أنه هو الشخص الذي أعض أذنه الآن.
لألاحظ أن أذن هذا الرجل أفضل من أذن الذي معي.
لأقول بفرحة محاولة النهوض بصعوبة من الترعة:
"إيه العيلة اللي كل ودنها حلوة دي."
وعندما رأني السيد فريد أخرج.
قال لحامد بخوف وهو يركض:
"إجري يا حاااامد."
بالطبع لم أهتم لهم.
فقد ركضت خلف الرجل الذي أعجبت بأذنيه.
والذي عندما وجد السيد فريد يركض مني.
ركض هو الآخر.
وآخر ما سمعته هو قول أخي للرجل الذي في البحيرة (عيد):
"أهو ده بقى برضه كان على ناشونال جيوغرافيك لما الشيتا كانت بتجري ورا الحمار الوحشي."
بالطبع لن أحتاج أن أخبركم أنني أصبت ببرد بعدما حدث.
لأقول بغضب:
"أنا لازم أمشي من هنا، إحنا بنتهان."
استمعت إلى صوت أخي الساخر:
"آه إيه اتهانتي يا عنيني، دا إحنا اللي من أول ما جينا بنهين الراجل يعني."
استمعنا إلى صوت دقات الباب.
ليسمح أخي للطارق بالدخول.
لتدخل فتاة جميلة تحمل نفس عيون السيد.
والتي كانت هي الفتاة نفسها التي قابلناها على الغداء.
لتقول:
"عاملة إيه دلوقتي؟ أنا صَبي مش فاكراني."
لأقول بضحك:
"لا لا طبعاً، صَبي ولا فتاة، فاكراني، إنتِ تبقي مرات السيد صح."
هزت رأسها بنفي.
لتقول وهي تضع الحساء جانباً:
"لا أنا مش مراته، إنتِ اللي مراته، أنا أخته."
قلت وأنا أهز رأسي:
"آه إنتِ اختـــــ..."
توقف فمي عن الكلام من الصدمة.
عقلي لا يستوعب ما يحدث.
هل قالت أني زوجته؟
لمحت بطرف عيني أخي وهو يضرب وجنتيه بهدوء ولطف.
ولاحول نظري بسرعة الصقر نحوه.
لأضرب صدره بدل وجنتيه قائلاً بصدمة مصطنعة:
"يا نهاري! إنتِ اتجوزتي يا بت."
ثم نهض بخوف من نظراتي يقول قبل أن يركض للخارج:
"قلبي وركبي غضبانين عليك، حسبي..."
لم يكمل حديثه بسبب ركضي خلفه بغضب وأنا أقول بشر:
"خد ياض والله لأجيبك."
ركضت خلفه حتى وصلنا لغرفة لم أعرف ما هي بسبب غضبي.
لأجده يختبئ خلف السيد فريد قائلاً بخوف:
"الحقني يا باشا."
قال بعدم فهم:
"في إيه؟ إيه جو العيال ده؟"
قلت بغضب:
"وإنت لسه شفت حاجة؟ أنا عاوزة أعرف موضوع الجواز ده إيه."
نظر السيد فريد لي ثم إلى السيد حامد.
ليقول الأستاذ حامد بهدوء بعدما كان يتابع الموقف بعدم اكتراث بعدما تعود على أفعالي أنا وأخي:
"ما إنت امبارح ما خليتنيش أكمل كلامي على موضوع الأرض وتكملت الكلام إنك مش اللي هتقعدي المدة المحددة دي اللي هيقعدها قانون."
قلت وأنا أرفع يدي للأعلى بفرحة:
"الله أكبر! يحيا العدل! أروح أنا بقى أُوضّب حاجاتي عشان أرجع للمجرمين بتوعي. يلا سلام."
قال السيد حامد:
"أما إنت المفروض تتجوزي السيد فريد."
استدرت بعنف لأقول:
"نعم يا عنيا؟ اتجوز إيه؟ اتجوز السيد؟ في حد يتجوز واحد اسمه السيد؟"
استمعت إلى صوت أخي الساخر:
"لا يابت، حسبي، إنتِ اللي اسمك سارة، دا إنتِ اسمك عدالة."
قلت وأنا أضرب يدي ببعضهم:
"مالك يا قانون؟ في إيه يا قانون؟ دا إنت حتى اسمك قانون يا قانون."
ثم استدرت إلى السيد حامد قائلاً بعنف:
"مفيش الكلام ده، جواز إيه اللي أتجوزه ده؟ إنتوا اتجننتوا."
قال السيد حامد بنبرة غامضة:
"آه دا اللي حصل، لأن زمان أبو فريد..."
قاطعته أنا أقول بتعجب مشيرة نحو السيد:
"إيه ده؟ إنت اسمك فريد مش السيد."
استمعت إلى صوت ضربة والتي كانت من السيد الذي اكتشفت أن اسمه فريد وليس السيد.
وكان يضرب جبهته وينزل بيده التي ضرب بها جبهته على كامل وجهه ويقول:
"يا لله يا الله ارحمنا يارب، الطف بعبادك."
لأسمع إلى السيد حامد قائلاً بحنق:
"يا ابني حرام عليك، اسكت بقى، عاوز أقول الكلمتين عشان أروح لعيالي قبل ما أنجلط."
قاطعته مرة أخرى وأنا أسأل بغباء:
"إيه ده؟ إنت مخلف؟"
ومجدداً استمعت إلى ضربة.
لكن هذه المرة كانت من السيد حامد الذي ضرب وجهه وهو يقول:
"يارب يارب، الصبر، معتش قادر، هتجلط."
استمعنا جميعاً إلى صوت أخي قائلاً وهو يضع يديه على ذقنه مفكراً:
"معنى كدا إنك متجوز."
نظرت نحوه بإنبهار من ذكاء أخي.
بالطبع يستحق كلية الطب على ذكائه.
حتى أنا لم يخطر ببالي هذا الاستنتاج.
لأستمع إلى صوت بكاء أخرجني من أفكاري.
وكان صوت حامد:
"أنا تعبت والله، أنا عاوز أرجع لعيالي، أنا مش عاوز حاجة تاني."
ثم رفع يده للسماء قائلاً:
"ربنا يسمحك يا عادل على اللي عملته فيا."
وأظن أن فريد الذي اكتشفت أنه فريد وليس السيد.
لا أعلم لماذا يناديه الجميع بالسيد وهو ليس بالسيد.
ليس مهماً.
لقد قرر هذا الشخص أن يرحم الأستاذ حامد وينوب عنه.
محاولة إفهامي:
"بصي، الموضوع إن أبوك بعد لما خلف أخوك قعد سنين ميخلفش.
راحوا لدكاترة كتير بس للأسف مكنش فيه حل.
وبالصدفة كان الموضوع كذلك معايا.
أهلي بعد لما خلفوني قعدوا فترة ميخلفوش مهما راحوا لدكاترة.
بعد سنين الحمد لله والدتك والدتي الاثنين حملوا.
فندر جدي إن لو بنت هنجوزها لابن أمك اللي جاي.
والأمر معكوس.
بس لما الاثنين جابوا بنات قرروا إن أنا وإنتِ نتجوز.
وحطوا دا شرط عشان تعرفي تاخدي الأرض وأنا أعرف أورث القصر ده.
وأخوك مطلوب منه إنه يقعد لمدة المحددة عشان يورث ذيك.
بس فهمتي."
هززت رأسي لأقول بهدوء بعكس جناني:
"بس أنا مش عاوزة اتجوزك."
قال الأستاذ حامد:
"بس إنتِ مجبورة على دا يا عدالة، وإلا مش هتورثي حاجة."
قلت وأنا أصيح بهم:
"أنا مش عاوزة حاجة! أنا هاخد حاجتي وأرجع المدينة عشان عندي قضية مهمة يوم الأربعاء."
سمعت صوت أخي الساخر:
"ما تتهدي بقى يابت وتتجوزي، وبعدين الواحدة ملهاش غير بيت جوزها.
وبعدين اتهدي بدل ما تتحبسي تاني."
نظرت للأخي وفريد ثم الأستاذ حامد وقلت بدرامية:
"صحيح مفيش أمان لأي man."
قال فريد بصراخ وغضب:
"أنا تعبت من كمية الغباء ده."
قلت بصدمة وأنا أشعر بإهانة:
"قصدك إنّي غبية؟ لا إنت متعرفنيش، دا أنا عدالة اللي حبست نص مصر وحبست نفسي معاهم.
دا أنا عدالة واللي ييجي على عدالة ميكُلش بقلاو..."
كدت أكمل.
لأني شعرت به يسحبني من فكي ويضع شيئاً في فمي.
ثوانٍ لأدرك أنه فوهة مسدس التي في فمي.
وهو يمسك المسدس قائلاً بغضب وقد اتضح أنني استنفذت كل الصبر لديه:
"أنا تعبت منك ومن أخوك.
أنا إيه اللي يخليني أستحمل.
بقولك إيه؟ خلاص البلد الليلة عارفة إنك خطيبتي.
فأنا ممكن أموتك.
وبعدين أبصمك على عقد جواز وهورث أنا وأخوك وندفنك ولا حد هيعرف عنك حاجة.
فتبطلي عبط وتتنيلي نتجوز ولا أموتك."
هززت رأسي بالموافقة.
فبالطبع أنا لست غبية لأدرك تلك النظرة المخيفة.
ليتركني.
لأنظر نحو أخي بحزن أقول بدرامية:
"يااه، للدرجادي أنا رخيصة عندكم قوي كدا."
قال أخي بحزن:
"لا والله، هما اللي أجبروني على كدا."
قال فريد بصدمة:
"دا إنت اللي اقترحت عليا من شوية نسمها."
اقترب مني أخي يمسك خدي ويقول:
"لا لا، آآه لاااه، أنا جاي معاك، مش هسيبك، أنا جاي معاك."
قال الأستاذ حامد وهو يضرب رأسه:
"جاي فين؟ جاي فين؟ الله يخربيتكوا، كشفت راسي ودعيت عليكوا يا ولاد عدل."
"إيه ده؟ يابت إنتِ واكلة إيه؟"
قلت وأنا أريح ظهري على بطنه:
"لسه واكلة ودان عيد."
ثم أكمل بخبث:
"وقريب هتبقى ودان فريد."
رواية عروس السيد فريد الفصل الخامس 5 - بقلم فاطمة الزهراء احمد
لقد تم الأمر أسرع مما توقعت، أنا الآن أجلس بجانب أخي الذي يضع يداه في يد السيد فريد، ذلك الوسيم. الآن سيصبح زوجي. وبعد أن أنهى المأذون الحديث المعتاد، أخبرني أن أوقع في الدفتر. أمسكت القلم وأنا أنظر للسيد فريد وحامد والمأذون بشك، ليرتبك المأذون ويسأل:
“هو في إيه؟ هي العروسة مالها يا جماعة؟!”
قلت بشك:
“وأنا إيه اللي يضمني إن ده عقد جواز مش كمبيالات هتمضوني عليها؟”
ضرب السيد حامد يديه على رأسه وهو يقول:
“أنا كنت عارف إنها مش هتعدي أي حاجة بالساهل وهتشغل ذكائها.”
قال أخي بغضب:
“كمبيالات إيه يا متخلفة انت؟ أنا مشوفتش في حياتي غباء كده.”
ثم همس للسيد حامد:
“أنا مش همضي على حاجة، صح؟”
نظر له السيد فريد وحامد بصدمة ليقول:
“يا رب أنا تعبت والله تعبت، إمضي بقى عشان أروح لعيالي.”
تأففت ثم وقعت على أول ورقة تحت نظرات الجميع المتحمسة، لأقاطع هذا الحماس قائلة:
“إحنا لسه متفقناش على المؤخر والقائمة والحاجات دي.”
تأفف السيد حامد بغضب ليقول:
“يابنتي إحنا اتفقنا مع أخوكي على كل حاجة، السيد فريد كتب لكِ مؤخر كبير.”
وقعت الورقة الثانية ثم قلت:
“طب أنا عاوزة 500 دولار وشنطة براند (GG).”
قال السيد حامد بنفاذ صبر:
“حاضر يا حبيبتي هجيب لكِ اللي عاوزاه.”
كدت أكمل التوقيع، استمعت لقول أخي المتذمر:
“إيه ده؟ اشمعنى هي وأنا كمان عايز كوتشي.”
قال السيد حامد بنفاذ صبر:
“هو أنا كنت خلفتكم ونسيتكم؟ إمضي بقى يا بنتي وريحينا.”
أنهيت التوقيع وبصمت أيضًا، ليمسك السيد فريد القلم ويبدأ بفعل المثل، وأنا أنظر له أود معرفة أي الشخصيات هو، هل هو بارد أم لطيف؟ هل هو أحمق أم سخيف؟ خرجت من شرودي على صوت المأذون وهو يهنئ الجميع ويرحل، والسيد حامد يرحل معه مهرولًا. وبمجرد أن رحل الشيخ حتى استمعنا جميعنا إلى صوت (زغاريط) ومباركات الرجال وصوت أغاني، نادي السيد فريد أحد الرجال ليأتي وهو خافض رأسه:
“ها يا طاهر الرجالة اتعشت؟”
قال طاهر وقد رفع رأسه مردفًا بفرحة:
“الرجالة كلها اتعشت وبتبارك لك يا سيد فريد، ربنا يخليك لينا.”
هز السيد فريد رأسه وهو يشير لأخي أن يأتي معه وقال لي:
“الستات هتيجي تبارك لك دلوقتي، أنا خارج للرجالة.”
ورحل تاركني أجلس بمفردي لأستمع إلى صوت النساء قادمات. عدلت من وضعي ل أجدهم دخلوا، تقبلوني ويهنئوني وكأنني ربحت كأس أو ميدالية، ومن بينهم كانت نظرات حقد وغيرة وحب ولامبالاة. لأستمع لإحداهن تقول:
“بس بسم الله ما شاء الله، قمر 14.”
لتقول إحداهن:
“آه بس عادي يعني، بنات المدينة عاديين مش قد كده.”
بالطبع لم أتحدث، لأنني كنت أمثل البراءة التي أشك أنها عندي من الأصل. سمعت إحداهن تسأل:
“وهو انت اسمك عدالة؟”
هززت رأسي لأسمع ضحكات، تمالكت نفسي من أن أقوم أمسك بشعورهن وأخذت أتنفس، لأسمع أخرى تسأل:
“وهو انت دارسة إيه؟”
قلت بثقة وأنا أنظر لتلك الفتاة التي استفزتني:
“أنا والحمد لله محامية، ومفيش قضية واحدة مسكتها ومفشلتش، قصدي نجحت.”
تمالكت نفسي لأنظر، فأجدهن مبهورات مني، لتقول إحداهن:
“ما شاء الله، السيد فريد فعلاً عرف ينقي، الله أكبر، مرات عمدتنا الجديدة هي اللي هتمسك البلد في غيابه وهديرها.”
توقف عقلي عن جملتها. لم أهتم لأ كلامهن بعد هذا، وأنا أفكر فيما قالته المرأة، لقد أصبحت زوجة العمدة وسيدة هذه القرية الآن. بالطبع لم أحتاج أن أخبركم بأن عيني أصبحت تلمع حتى نافست ضوء المصباح. رحلت النساء، وظللت واقفة أفكر فيما سأفعله في القادم، لأسمع صوت السيد فريد يقول:
“تمام يا قانون، أنا هفكر في اللي قولته لي.”
خرجت من غرفة الاستقبال تلك وأنا أفكر في كم تلك الغرف الموجودة في هذا القصر، وقفت أمامهما، ليرحل أخي ويظل السيد فريد ينظر لي. ابتلعت ريقي وقلت:
“حمد لله على السلامة يا فري.”
تشنج وجهه بالكامل وهو يهمس الاسم الذي قلته بصدمة، ثم قال:
“فري إيه؟ فري دي؟”
قلت وأنا أقترب منه وأغلق منتصف عيني:
“انت مش أنا بقيت مراتك، أكيد مش هقولك سيد فريد زى بقيت الناس، أنا أقولك يا فري وانت تقولي يا دولي.”
نظر لي قليلاً ثم قال وهو يصعد:
“تصبحين على خير يا عدالة، روحي نامي.”
قلت بغضب مما فعله:
“ده أنت غتت.”
استيقظت بنشاط لأني أصبحت عروس السيد فريد، نزلت لأجد أخي والسيد… أقصد فري عزيزي يأكلان، وقال فري:
“أنا فكرت في اللي قولته لي وموافق، بس لما أجي من السفر هنبدأ وتكون أنت جبت شهاداتك تمام.”
هز أخي رأسه لأسأل:
“مين اللي مسافر وشهادات إيه اللي بتتكلموا عليها؟”
قال أخي:
“أنا اقترحت على السيد فريد امبارح بما إني هقعد هنا فترة، فا حبيت أشتغل وبما إني دكتور ومفيش هنا دكاترة كتير غير بتوع الوحدة، فهشتغل بس هجيب شهاداتي والسيد فريد هيساعدني في مكان كويس وهيجب لي ممرض وكده، بس لما يرجع من السفر.”
قلت وأنا أنظر له:
“سفر إيه ده؟”
قال وهو يأكل:
“هروح القاهرة عشان مشاكل المبيدات بتاعت الأرض بمشاكل ملكيش فيها، المهم إني هرجع بعد بكرة عشان تبقي عاملة حسابك.”
ثم حول نظره لأخى وقال ممازحًا:
“بس يارب ترفع راسنا يا دكتور، لاحسن دكاترة الوحدة دول أي كلام.”
قال أخي بثقة:
“شوف هبهرك.”
لم يكمل كلامه حتى جاء صوت عالٍ ليخرج السيد فريد من غرفة الطعام ونحن ورائه، لنرى رجل يدخل ويسنده رجلان آخران، ليقول أحد الرجلان:
“الحقنا يا سيد فريد، حمدي وقع من على الحمار، الجموسة دست عليه، روحنا لدكاترة الوحدة ملقيناش حد، الحقنا.”
قال فري بهدوء وهو يشير لاخي:
“نزلوه على الكنبة، متلقوش الدكتور قانون هيعالجه.”
ابتلع أخي ريقه وقال بصدمة:
“نعم يا أخويا؟!”
نظر له فري وقال:
“مش كنت عاوز تفتح عيادة وتشتغل؟ أهو عيان عالجه.”
قال أخي بخوف:
“هو أي حاجة كده وخلاص؟ مش لازم ممرضة وسماعة وأدوات طبية؟”
قال فري وهو يفكر:
“خلاص شوفه، حاول تساعده بأي حاجة وبعدين نوديه الوحدة، هما هيكملوا.”
نظر له أخي بحنق ثم اقترب من الرجل ليقول أخي:
“ابعدوا شوية عشان النفس، بسم الله الرحمن الرحيم.”
أخذ يتفحص به، يمسك يداه، ثم جفنه، ثم قدمه، ولا يوجد شخص يفهم ماذا يفعل، ليتقول إحدى الخادمات التي جاءت على الصوت:
“منحط له شوية بن؟”
لتقول أخرى:
“لأ، إحنا نحط له تلج.”
قال أخي بحنق:
“ما تيجوا تعالجوه انتوا وامشي أنا، امال أنا درست 7 سنين في إيه؟ هو أي هبد وخلاص.”
قلت بحنق:
“طب ما تورينا الـ 7 سنين دول أخدتهم في إيه بدل ما أنت عمال تقلب فيه كده.”
قال أخي بثقة:
“هأوريك، هتشوفي.”
ثم سأل الرجل بتوتر:
“أنت كويس؟”
سمعني الرجل يقول (آه)، لاكن لا نعلم أهي من الوجع أو الموافقة، لاكن أخي لم يمهلنا لنسأله، فقال بفرحة وهو يضرب صدر الرجل:
“طب ما الراجل كويس أهو ومفيهوش حاجة، بتقلقونا ليه؟ يلا خذوه.”
نظر الرجلان لأخي بتعجب ليقول:
“إيه؟ مش أنا دكتور وبقولكم أهو، خدوه مفيهوش حاجة، طب ده الراجل نفسه قال إنه كويس، يلا خدوه، بس متفرجوهوش على أفلام هندي عشان ميتشلش، ولا مصري لأنه هيتشل برضو، بصوا متفرجوهوش على حاجة، ارموه في الترعة أحسن.”
رحل الرجلان وهما يسندان الرجل، ليقول أخي لفريد بفرحة:
“ها إيه رأيك؟ مش قولتلك هبهرك؟ يلا روح انت عشان السفر.”
قلت له بثقة:
“شوف هبهرك.”
لم أعرف لماذا تغيرت معالم وجهه هكذا، ولكني لم أهتم، لأرحل وأنا سعيدة لأني أصبحت “عروس السيد فريد”.
رواية عروس السيد فريد الفصل السادس 6 - بقلم فاطمة الزهراء احمد
لقد رحل فريد والآن حان الوقت.
ارتديت ملابسي المكونة من بذلة وقميص وبنطال.
رفعت رأسي عاليًا بشموخ وكبرياء يليق بمكانتي الجديدة وسرت وأنا رافعة رأسي.
سقطت من على السلم في مظهر أقسم أنك لو رأيته ستموت ضحكًا.
وهذا ما فعله أخي الأحمق.
وقفت ورفعت رأسي عاليًا بشموخ وكبرياء وكأن شيئًا لم يحدث.
نظرت له بقرف بطرف عيني وأمر بجانبه لأسمعه يقول:
“متشيكة كدا وراحة فين وجوزك مش هنا يا محترمة”
قلت بصوت مليء بالكبرياء:
“رايحة أشوف أحوال الرعية”
رفع حاجبه بتعجب وقال بسخرية:
“راعية إيه اللي هتشوفي أحوالهم أيتها الملكة”
نظرت له بنفس نظرة الكبرياء وقلت:
“أنا دلوقتي مش مرات السيد فريد اللي هو العمدة يعني اللي هو يعتبر حاكم القرية وأنا أبقى مرات حاكم القرية والحاكم مش موجود يبقى مين اللي هيحكم”
قال أخي بتفاجؤ وفرحة:
“انتِ”
هززت رأسي وقلت:
“إبعد بقي علشان أروح أتفقد أحوال رعيتي”
“إستني” قالها بسرعة لاستدير له بتعجب ليكمل:
“أنا جي معاك أنا مش هسيبك أنا هبقى المستشار بتاعك من هنا ورايح”
مد يده وانحني لي لأمر أمامه بكبرياء، وأنا أفكر أن الأن حان الوقت لأحكم قرية الوالي وأبهر زوجي العزيز.
سرت مع أخي والجميع ينظر لنا بغرابة ليأتي أحدهم لنا ويقول:
“مش انت مرات السيد فريد”
هززت رأسي ليقول بفرحة وهو يشير لي بالجلوس في المكان المخصص للرجال (قهوة بلدي):
“يا أهلًا وسهلًا اتفضلوا اتفضلوا”
جلست بكبرياء وبجانبي أخي والجميع ينظر لي بفم مفتوح متعجبين.
لأهمس لأخي:
“هما بيبصولنا كدا ليه”
رفع أكتافه في علامة أنه لا يعرف.
لأسمع صوت ذلك الرجل الذي أدخلنا المكان يقول:
“بس مش غريبة أنك تاني يوم بعد كتب الكتاب بتاعك انت والسيد فريد كدا تنزلي مش كان يستحسن أنك تقعدي لحد ما السيد فريد يرجع وبعدين تنزلي وتتفرجي على القرية براحتك أصل يعني الأستاذ قانون مش هبقى عارف البلد”
نظرت لأخي ثم قلت:
“لا مهو أنا منزلتش علشان أتفرج على القرية بس”
نظر لي بتعجب لأكمل لاكن بصوت عالي ليسمعني كل الجالسين:
“انتوا طبعاً عارفين إن السيد فريد مسافر ومش هيجي غير بعد يومين وأنا بما إني زوجته فأنا اللي هباشر أعماله لحد ما يجي إن شاء الله”
صمت رهيب حل على المكان وبعدها صوت همسات.
ليقول أحدهم:
“بس دا عمره ما حصل السيد فريد دايما لما بيسافر بيسيب طاهر أو أستاذ حامد المحامي مكانه”
قال أخي بتعجب:
“طاهر مين”
“أنا يا أستاذ قانون” وكان هذا هو الرجل الذي اصطحبنا إلى المكان الجالسين به الآن.
لم أهتم لأقول:
“دا كان زمان أما دلوقتي أنا اللي هكون مكان السيد فريد ومتقلقوش البلد هتكون في أمان دا كفايا أنا اللي هحكمها”
سمعت صوت أخي يهمس:
“ما دا اللي أنا قلقان منه ربنا يستر”
ضربته في كتفه ثم نظرت للجميع وجدتهم يتهامسون وعلى وجههم يبدو الاعتراض.
لأسارع وأنا أقول:
“أنا عارفه إن الموضوع غريب عليكم إن واحدة وكمان غريبة هي اللي هتحكم البلد بس أنا مش أي واحدة أنا مرات السيد فريد يعني خلاص بقيت منكم وكمان أنا محامية شاطرة جدا دا غير إني هعمل عيادة طبية وهنعالج الناس ببلاش”
علت معالم الاندهاش والفرحة لأتأكد أن خطتي بدأت تنجح.
لأقول:
“أنا كنت لسا بشوف مكان كويس علشان نعمل العيادة ومش بس كدا أي حد محتاج أي حاجة يتواصل مع طاهر علشان يقولي عليها وأنا هعملها لو كانت قانونية”
رحلت مع أخي وتركت الجميع يتناقش وأنا أبتسم بخبث.
لأعود للمنزل وأتفاجأ بوجود تلك الفتاة التي تدعي صَبي والتي تكون أخت زوجي.
أنا لم أتعرف عليها كثيرا وحتى لم أراها في كتب الكتاب.
تبدو غريبة كأخيها.
لم نظرت لي مطولاً ثم رحلت وعلى وجهها ابتسامة تلك الفتاة مريبة حقًا ويجب أن أتجنبها.
خرجت من شرودي على شد أخي لي وهو يجلسني ويقول بغضب:
“إي اللي هببتيه دا يا آخر صبري دا انت جوزك لو عرف هيعمل مننا بوفتيك”
قلت له وأنا أضع قدم على قدم بكبرياء:
“محدش يقدر يعملي حاجة لو خايف إمشي أنا هكمل، عن إذنك هدخل مكتب زوجي أباشر أعماله”
وقبل أن أرحل سمعته يقول:
“يارب زوجك يجي يفرمك يا بعيد”
دخلت إلى المكتب واتصلت بطاهر من هاتف المكتب وأخبرته أن يأتي لأناقش معه بعض الأشياء.
ليأتي فعلاً ونبدأ مناقشة بعض الأمور.
لم يمر ساعات حتى جاءت الخادمة تخبرنا أن هناك بعض النساء والرجال يريدون مقابلتي.
لأقابلهم واحد تلو الآخر وأفهم مطالبهم.
وقررت بأن آخذ أول فرمان لي وقد بدأت من اليوم الأول ضاربة بتحذيرات فريد عرض الحائط.
رواية عروس السيد فريد الفصل السابع 7 - بقلم فاطمة الزهراء احمد
"ها إيه الأخبار يا سيدة الوالي الأولة؟"
كان هذا صوته الساخر، صوت السيد فريد.
قلت وأنا أمسك تلك البلوزة المقطعة والمهلهلة وأمسح بها السلم: "لا تمام، بس سؤال هو انتوا معداش عليكوا حاجة اسمها مساحة أبدًا؟"
قال ببرود وهو يتخطاني متعمدًا أن يوسخ المنطقة التي قمت بمسحها: "لا."
نظرت له وفي داخلي خطة شريرة.
استمعت له يتحدث مع أخي وهو ينزل إلى الأسفل، حيث قانون ينظف، والذي كان يرتدي بنطال بجامة ويربط طرحة على رأسه وكأنه يعاني من الصداع، وطرف الطرحة يتدلى من الجانب.
"ها إيه الأخبار؟"
بصق أخي في ملابسه مثل النسوة اللاتي يفعلن هذا عندما يخيفهن أحد.
قال: "خضيتني يا سي فريد، متقلقش الأرضية بقت فلة."
قال فريد وهو متعمد يمر من أمامي، المكان الذي قمت بمسحه: "أه مشاء الله نظيفة."
قال أخي متحسرًا: "أقصد كانت نظيفة، طب ليه يعني مضيقاك، مكنت مشيت من هنا."
أشار للمكان الذي كان جافًا لم يمسحه بعد، ليقول فريد بأسف: "أه معلش مخدتش بالي."
ثم سار مجددًا على المكان الذي كان يمسحه، ثم استدار ليمشي في المكان الجاف.
نظر لأخي ثم قال ببسمة لطيفة: "ها إيه رأيك سعيد؟"
نظر أخي للمكان الذي وسخه السيد فريد مرتين وقال بحسرة: "أه سعيد أوي أوي، حتي بص سعدتي."
نظر له فريد بشماتة وقال: "أه شايف، يلا كمل تنظيف، عاوز القصر دا يلمع."
قال أخي بتذمر: "طب أنا مالي، هي عملتلي فيها الملكة فريدة، أنا مالي."
قال وهو يضع يداه في جيب بنطاله: "مهو مين اللي راح معاها القهوة ومين اللي اقترح عليها موضوع الشورما والبسين؟"
قال وهو يشير لنفسه: "أنا، بس والله كانت أفكار تجنن، هتندم عليها."
قال فريد بشماتة: "يا سيدي أنا بحب أندم."
كاد يرحل، أوقفه أخي: "طب وبالنسبة لموضوع العيادة، أي أخباره معاك؟"
قال فريد وهو يرحل: "للأسف هعملها، لاننا محتاجينك."
رحل، ليستدير لي أخي يقول بعدما نظر لي لثوانٍ: "مش عارف ليه مش مرتاح لنظراتك، ناوية على أي؟"
ابتسمت بهدوء وقلت وأنا أرمي تلك القماشة من يدي: "ناوية على خير للسيد فريد زوجي العزيز."
قال وهو يمسح الأرض: "بقولك إيه، أنا مش فيها، أنا مش حمل امسح تاني، أنا فقراتي الظاهرية باظت."
لم أهتم لما قال وأكملت المسح.
مر هذا اليوم وأنا أتجنب السيد فريد بعد ما فعله بي، لاكن دائمًا ما يجمعني القدر به، أو لنقل مائدة الطعام.
ليس القدر مثل ما حدث اليوم على مائدة الإفطار عندما دخل (طاهر) علينا.
"صباح الخير يا سيد فريد."
رد عليه فريد وهو يشرب الشاي: "صباح النور يا (طاهر)، أخبارك إيه؟"
قال باحترام: "الحمد لله في نعمة."
قال فريد وهو ينظر لأخي: "يارب دايما، عاوزك تدور على مكان نعمله عيادة للدكتور قانون، شد حيلك ولقيلنا مكان كويس."
قال طاهر بفرحة: "لا مخلاص، أحنا لقينا المكان من زمان وبعتنا نجيب الأجهزة من بره مصر."
قال بصدمة: "مين اللي عمل كدا؟"
قال بفرحة وهو ينظر لي: "سيدة الوالي الأولة، ربنا يخليهالنا، جبنا المكان وبعتت تجيب أجهزة من بره مصر على حسابك، ربنا يخليكي لينا يا سيدة الوالي الأولة."
قال فريد بصدمة وهو ينظر لي: "دا انت نهار ابوكِ إسود، أجهزة من برة مصر."
أكمل طاهر بفرحة: "على حسابك."
قال فريد بصراخ أرعب الجميع: "سمعت يا خويا سمعت، ويارتني ما سمعت."
نظر لأخي ليتراجع إلى الوراء بخوف: "وربنا معرف حاجة عن الموضوع دا."
قال طاهر بفخر: "لا يا سيد فريد، الاستاذ قانون ميعرفش حاجة عن الموضوع دا فعلا، أنا اللي مظبط كل حاجة."
قال بفريد بفرحة غريبة: "يا حبيبي أنت اللي مظبط كل حاجة."
هز طاهر رأسه بفرحة وفخر وكأنه يُكرم.
ليقول فريد: "قانون هات الحبل."
وهنا وضعت الشاي الذي كنت أشربه بصمت وقلت بثقة: "لا معلش يا حبيبي، أنا رفعت قضية طلاق."
استمعت إلى شهقة أخي وطاهر وصوت فنجان القهوة يُكسر.
لم أمهله وقت يفكر لأرحل وأنا أقول: "أنا راجعة المدينة، أقبلك في المحكمة يوم الأربعاء، سلام يا فري، وعلي فكرة أخويا ميعرفش حاجة عن الموضوع دا، لاني رفعت عليه هو كمان قضية، سلام يا رجال."
كدت أرحل لأستمع لصوت طاهر يقول: "يا سيدة الوالي الأولة راحة فين ومين اللي هيحل مشكلة حمدي والجموسة يا سيدة الوالي الأولة؟"
لم أهتم ورحلت لأحضر حقيبتي لاذهب للمدينة.
استمعت لصراخه باسمي لينزل ليقول لي بغضب: "هو إيه اللي حصل في مكتبي دا؟"
تعجبت لأني نسيت ما فعلته.
ليقول بغضب: "انت عملتي مكتبي للاستشارات ولا إيه، وبعدين إيه انت اشتغلتي لحل مشاكل القرية؟"
قلت بهدوء وبرود: "أنا أسفة، هلم الأوراق وهمشي دلوقتي."
كدت أمشي، أمسكني من ذراعي وقال: "أنت هتمشي فعلا، وموضوع الطلاق دا موضوع حقيقي."
هززت رأسي وسرت نحو المكتب تحت صدمته لأخذ أوراقي.
وقد قررت أن أذهب إلى المدينة.
والآن وصلت إلى المدينة، لقد اشتقت لها حقًا.
سرت في الشوارع ودخلت إلى أحد المطاعم لأناقش القواضي التي تركتها.
دقائق حتى وجدت طفل صغير، ابتسمت له ليبتسم لي وقال: "طنط أنا عاوز أقطع الورق اللي في إيدك وأعمله مركب."
قلت وأنا ألعب بشعره بلطف: "لا يا حبيبي، أنا بشتغل مينفعش."
قال الطفل: "لا أنا هاخدهم أعملبهم مركب."
قلت ببسمة سمجة: "لا يابابا أنا بشتغل."
قال الطفل بتحدي: "طب والله لاقطعهم."
قلت بصدمة: "طب لي يا حبيبي؟"
قال الطفل ببرود: "تناحة، أنا أعين تنح."
نظرت له بصدمة ليأخذ الورق وأنا أركض ورأه: "ولا خد يالا."
أمسكته لأقول له: "حبيبي مينفعش، أنت طفل كيوت، الحركات دي متنفعش."
قال الطفل ببرود: "لا أنا عيل غلس ومش متربي."
قلت له بغضب: "اه دا انت مش متربي فعلاً."
لأجده يركض وأركض ورأه.
وقف في مكان عالي وقال بصوت عالي في المطعم: "فريد جوزي الله يخربيته، والله لارفع عليه قضية وأجيبه الارض، واخويا كمان هـ"
قلت وأنا أحاول الوصول له: "بس يلا دا انا عيل غلس."
قال الطفل وهو يرقص: "اي دا انت اسمك عدالة، ابوك سماكي عدالة."
قلت بحسرة: "هو اللي بعمله في الناس بيطلع عليا، الله يخربيتك يا فريد."
أمسكته أخيرًا لأوقعه، واقع عليه لتأتي أمه تقول: "في إيه، انت بتعملي ايه في الواد، هو انت بتتخانقي مع اخوك وجوزك والعيل الصغير كمان، الله يخربيتكم."
قلت بحنق: "في إيه يا ولية، بدل ما تتخانقي معايا ربي ابنك."
قالت المرأة وهي تساعد ابنها في النهوض: "أنا ابني متربي، روحي شوفي اللي راحوا رفعوا قواضي على أجوزتهم."
قالتها ثم رحلت، ليستدير ابنها ويرفع يديه لي ولسانه في محاولة إغاظتي.
لأقول بحنق: "دا أنا لو شفت حد بيقول أحباب الله دي تاني هعمل منه شورما."
رحلت.
لأنتظر اليوم الثاني وقد جاء.
وها أنا أقف في ساحة المحكمة.
رفع القاضي نظره ليجدني، ابتسم، قال وهو يتنهد: "ها يا سيدة المحامية، معاك معجون أسنان المرادي؟"
قلت ببسمة: "لا مش دي القضية يا سيدة القاضي، أنا جاية لقضية تانية."
بصدمة: "نهارِك أسود، انتِ رافعة قضية على مصر كلها ولا إيه؟"
"لا ياسيدة القاضي، أنا هرفع قضية على اللي بيقولوا إن الأطفال أحباب الله بس."
صمت، لأجد شهقات الجميع ترتفع.
وبعدها نظرت لأجد أخي وزوجي يجلسان وينظران بدهشة.
رواية عروس السيد فريد الفصل الثامن 8 - بقلم فاطمة الزهراء احمد
وقفت بكل ثقة وقلت:
"الأطفال أحباب الله"
"معلش مين اللي قال كدا؟ أنا على حد علمي إن المقولة دي مقالهاش لا الرسول ولا ذكرت في قرآن. ليه دايماً لما بنيجي نربي أولادنا ويغلطوا وحد يجي يكلمهم ويعنفهم يقولك: "دا الأطفال أحباب الله، حرام عليك ياشيخ متعملش فيهم كدا، سبهم!" لأ، ولا الكلام دا مش حقيقي. إحنا في مجتمعنا دا بقينا نشوف بلاوي بيعملوها الأطفال. يا سيادة القاضي، الأطفال اللي أنا أقصدها مش أطفال مدينتي ولا الزمالك، أنا أقصد على أطفال الحارات. لو نزلت وشوفتهم هتتصدم. الأطفال في عمر الـ 8 والـ 9 سنين بيشربوا سجاير. الأطفال لو متربوش من صغرهم صح، هنندم. لازم قبل لما الناس تقرر تخلف، لازم تكون قد مسؤولية كبيرة زي دي. مش أي حد يتجوز ويخلف وبعدين يرمي عياله في الشارع، ولا يرميهم للتليفون يتفرج على حاجات متصحش ويبدأ يقلدها. لازم الأشخاص اللي يفكروا يتجوزوا يكونوا سويين نفسياً."
صمت قليلاً بعد انفعال لأكمل ولكن بصوت عالٍ:
"علشان كدا أنا بطلب بعمل قانون جديد ويكون فيه إن حد قرر يتجوز لازم يوضع تحت اختبارات تتأكد إن الشخص دا سوي نفسياً ويصلح يكون زوج وأب. وكذلك الأمر مع الستات. إحنا مجتمعنا بيتدمر بسبب التربية الخاطئة وبسبب وجود أشخاص غير سويين بيعيشوا فيه، بينجبوا أطفال مبيتحملوش مسؤوليتهم."
انتهيت لينظر لي القاضي لدقائق ثم يتناقش مع المستشارين وبعدها قال بصوت رخيم:
"قررت المحكمة حضوريًا برفض الدعوة التي قدمتها الأستاذة عدالة عادل العدل."
بالطبع كنت أعلم أن هذا سيحدث، لاكنني ورغم تأكدي أن الدعوة التي قدمتها سترفض، إلا أنني قررت أن أتحدث وأقول ولن أصمت. وقد كان ما توقعته. جلست مكاني مجددًا لأسمع الحاجب ينادي بالقضية التالية والتي هي قضيتي مع الشاب الذي أمسكوا الحشيش برفقته. وبعدها أسمع القاضي ينادي "الدفاع؟" لأقف وأقول بثقة:
"حاضرة يا فندم."
ليسمح لي بالبدء فأبدأ وأقول:
"سيدي القاضي، حضرات المستشارين، أنا لن أبدأ بمقدمات من أجل وقت حضراتكم الثمين، وسأبدأ أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته. وأين هي الإدانة يا سيدي الرئيس؟ لا توجد إدانة على موكلي."
قاطعني وكيل النيابة قائلاً بسخرية:
"إدانة إيه يا سيدة المحامية؟ دا متلبس بالحشيش."
قلت بثقة وأنا أمسك بالقلم:
"تمام، حضرتك معاك حق. موكلي اتلبس بالحشيش، بس هل دا إثبات؟"
درت في القاعة ببطء ثم أكملت:
"أقصد إن ممكن أي حد كدا يتهم أي حد بأي حاجة. يعني مثلاً، أنا بتهم الأستاذ دا أنه سرق القلم بتاعي اللي كان في إيدي."
أشرت لشخص كان يجلس ليس له علاقة بالموضوع ليشير لنفسه بفزع، لأهز رأسي بالإيجاب وأقول:
"آه، أنت."
نظرت للقاضي بثقة وقلت:
"يا سيدة القاضي، أنا بتهم الأستاذ دا أنه سرق القلم اللي كان في إيدي، وممكن تفتشوه وتتأكدوا."
وضع الرجل يده في جيوبه وبدأ يبحث حتى وجد القلم ليقول بخوف وتفاجؤ:
"والله ياسيدة القاضي معرف القلم دا وصل لجيبي إزاي."
ذهبت للرجل وأمسكت القلم منه وقلت ببسمة واثقة:
"وهو دا اللي حصل ياسيدة الريس. أنا اللي حطيت القلم في جيبه، وبرضه زي لما حد حط الحشيش في شقة موكلي."
قال وكيل النيابة بسخرية:
"مكنش ليه لازمة الـ show اللي حصل دا، كنتي قولتي الكلام دا وخلاص."
قلت بهدوء:
"أنا آسفة إني ضيعت وقت المحكمة. وحابة أقول إن موكلي يا سيدة الريس موظف حكومي. ولما اتعرض عليه رشوة ورفض، اتحط له الحشيش زي ما أنا ببساطة وقدام الكل هنا قدرت أحط القلم في بدلة الراجل الغلبان دا. والرجل الغلبان دا اتهم بكل بساطة. على شان مفيش قانون ياسيدة الريس، مفيش تربية. لو ربينا من الأول صح مكنش كل دا حصل. وأنا النهاردة جيت علشان أحاول أصلح المنظومة الفاشلة، بس سيادتك مبتساعدش للأسف."
صمت بعد انفعالي لأنظر للقاضي الذي بدا على وجهه علامات الامتعاض والحنق من حديثي:
"وإيه دليلك يا عدالة على كلامك دا؟"
رجعت إلى حقيبتي وأنا أبحث عن ملف معين وأقول:
"طبعاً معايا دليل، ودليل قوي كمان. دا ياسيدة القاضي شيك من السيد (فوزي عواد) لموكلي، وطبعاً دا كان رشوة، وكمان فيه القرار اللي السيد فوزي كان عاوز موكلي يمضيه."
أعطيتهم الملف وأنا أقول بثقة:
"طبعاً زي ما حضرتكم شايفين الملف شروطه بتنافي الشروط اللي الدولة حطيتها علشان المشروع الخاص بالسيد الفاسد فوزي عواد. ما مش معقول يعني واحد رافض رشوة ورافض مشروع خطير زي دا يكون بيحشش. وكمان يا سيدي الريس فيه شهود موجودين بيأكدوا على حسن سلوك موكلي. وكمان..."
قلت بثقة:
"بقي مش معقول يا سيدة الريس بعد كل اللي قولته دا، حضرتك تشوف إن موكلي مجرم؟ ياسيدة الريس الموضوع هو إن شاب فاسد مدلع قرر يعمل حاجة غلط. فالما شاف حد متربي وكويس وبيخاف من ربنا، قرر ينهي حياته وسمعته بكل بساطة. لا وكمان الحكومة بتشترك معاه في تلك الجريمة الحقيرة يا سيدة القاضي. لذلك أنا أطلب من عدالتكم أن ترحموا هذا الرجل الذي تعبوا أهله في تربيته على الخلق. ياسيدي، نحن نحتاج لأمثال هذا الرجل الشريف في مجتمعنا الفاسد."
انتهيت من مرافعتي لأستمع إلى أصوات تصفيق كثيرة وصوت موكلي يقول ببكاء:
"والله يا سيدة القاضي أنا عمري ما شربت سجاير حتي. كل دا علشان أوفر اللقمة الحلال لولادي. بالله عليك يا شيخ أنا مظلوم. بالله عليك أنا مظلوم."
ضرب القاضي المطرقة وقال:
"الحكم بعد المداولة."
ليقول الحاجب بصوت صاخب:
"محكمة."
رحل القاضي وهو ينظر لي بيأس ومعه المستشارين، لأذهب أنا لموكلي وأحاول تهدئته. لأشعر بشخص خلفي يقول بصياح جعلني أرتجف:
"إيه دا؟ إيه الحلاوة دي يا بت."
نظرت خلفي لأجده أخي لأقول بحنق منه:
"يا حيوان خضيتني."
قال بسخرية:
"سلامتك من الخضة يا عنيا."
نظرت له بحنق ثم نظرت لموكلي لأكمل حديثي معه. نظرت خلفي بعد وقت من حديثي لأجد أخي ذهب ليجلس مع زوجي السيد فريد وهما يتحدثان في أمور لم أسمعها لبعد المسافة. دقائق مرت حتى قال سمعنا (حاجب) المحكمة يقول:
"محكمة."
اعتدل الجميع ووقفت بثقة ليقول القاضي بعد جلوسه:
"حكمت المحكمة حضوريًا ببرائة السيد طارق لطفي من التهمة المنسوبة إليه، وتحويل الأستاذ فوزي عواد إلى التحقيق في أمر ما ثبت عنه في الأوراق الموضوعة أمامنا."
زفرت بعد تعب، لقد كانت هذه القضية متعبة بحق. اختفت بسمتي على صوت القاضي يقول:
"وكما حكمت المحكمة أيضاً بتحويل المحامية عدالة عادل العدل يومين للتحقيق."
قلت بصدمة والعسكري يحاول وضع الكلبشات في يدي وأنا أركض نحو القاضي أحاول تسلق هذا الحاجز الخشبي:
"ليه ياسيدة الريس؟ وأنا عملت إيه؟"
قال بحنق:
"علشان المنظومة الحكومية فاشلة يا عدالة هانم، وعلشان الحكومة كانت بتشارك في الجريمة، وعلشان تتربي يا عدالة وما أشوفش وشك في المحاكم لأني زهقت منك. منه لله أبوك وجدك هما اللي بلونا بيك."
رحل لأنظر للعسكري لأقول بحزن:
"شايف ياعم محمد بيعملوا فيا إيه."
قال عم محمد وهو يضع الكلبشات:
"معلش يا بنتي، إنتِ برضو مستفزة وتجلطي الواحد والله."
رحلت معه تحت أنظار الجميع والصحافة لأسمع أخي يقول:
"أقبلك بقى في محاكم الأسرة، بس بعد ما تخلصي اللي عليك."
توقفت لأنظر له وقلت بحنق:
"بتشمت فيا يا واطي؟ والله لأوريك."
حاولت الانقضاض عليه لاكنه أخذ السيد حامد درعًا حاميًا له، وأيضًا العسكري كان يمسك بي فكان من الصعب عليا الوصول له.
قال السيد حامد الذي كنت أمسك بذلته وأشدها لدرجة أن أزرارها خُلعت في يدي:
"أنا مالي، بتتحامي ورايا ليه؟ أنا مالي. إلحقني يا سيد فريد."
قلت لأخي وأنا أحاول الوصول له:
"أنا تتشمت فيا يا حيوان؟ دا أنا بيه ابن بيه، دا أنا سيدة الوالي الأولى."
استمعت إلى صوت هادئ رخيم يقول بعدما نزع يدي بكل هدوء ومر من أمامي، وكان هذا فريد الذي استطاع المرور ببساطة لأني كنت أحجز الطريق بإمساكي ببذلة السيد حامد:
"على فكرة أنا مش زعلانة خالص، دا أنا حتى هقابل أصحابي المجرمين بقالي كتير ما شفتهمش. تفتكر تابوا يا عم محمد."
قال عم محمد:
"والله معرف يا بنتي، ابقي اسأليهم إنتي. اركبي يلا."
ركبت سيارة المجرمين، لاكن لاحظت سيارة تسير خلفنا. لألحظ بعد ذلك أنها للسيد فريد وأخي وحامد.
لم أهتم كثيراً، كل ما اهتممت به أنني نجحت اليوم في مرافعتي، لذا أرحت رأسي للخلف وابتسمت بارتياحية وهدوء وسعادة.
رواية عروس السيد فريد الفصل التاسع 9 - بقلم فاطمة الزهراء احمد
جلست في الزنزانة أشعر بصداع في رأسي لأقول لإحداهن:
"بقولك إيه يختي منك ليها محدش معاه حاجة للصداع"
قالت إحداهن وهي تمضغ علكة (لبان):
"أمال يا قمر معايا"
أخرجت من معها شريط لتقول بخبث:
"بصي هتخدي واحدة من دي من هنا هترتاحي علطول"
قلت وأنا أمسك الشريط وأنا أضحك بغباء:
"برشام بقي أنا عدالة عادل العدل فتاة القانون و سيدة الوالي الأول أضرب برشام لا طبعا"
قلت بصوت منخفض:
"أنا مبخدش غير المستورد"
قالت وهي مازلت تأكل العلكة:
"مستورد يا ختي مستورد"
قلت بفرحة وأنا أخذ البرشام:
"مستورد يلا علي البركة أهو أرحم من الصداع دا"
جلست لتقترب مني المرأة وتأخذ الشريط تخفيه:
"ألا الحلوة جاية في إيه باين عليك محترمة مش زي الأشكال دي"
كدت أتكلم قاطعتني إمرأة تشهق:
"ومالها الأشكال دي يا يسرية ملها يا حبببتي"
قالت المدعوة يسرية بحنق للمرأة:
"أشكال عرة يا ختي مش زي لهطة القشطة دي"
قلت بمجملة قبل أن أشعر بشئ حاد يقترب مني:
"ربنا يباركلك يا نهار إسود"
نظرت للشئ الحاد والذي لم يكن سوى سكين صغير تمسكه تلك المرأة التي كانت تحدث يسرية:
"إستهدي بالله يا أستاذه دا شطان ودخل ما بينا"
قالت المرأة بغضب:
"طب إيه رأيك لاعورك إنتي ولهطة القشطة دي"
قلت بخوف:
"طب ولهطة القشطة دي مالها بس الحقني يا قانون"
سمعنا صوت فتح الزنزانة لتسحب المرأة سلاحها وتنظر لي بشر ثواني حتى دخل العسكري وهو يصطحب إمرأة عرفتها فور رأيتها لأسارع للذهاب لها بعد دخولها ومغادرة العسكري:
"أم بلحة الحقيني"
قالت وهي تنظر لي من خلفها بعدما اختبأت خلفها من المرأة ذات السكين الصغير:
"إيه دا الأستاذة عدالة بذات نفسها هنا عاش من شافك والله"
قالت تلك المرأة الممسكة بالسكين وهي تنظرلي:
"أنت تعرفيها يا معلمة نبيلة"
قالت العزيزة أم بلحة بقوة:
"امال دي سيادة المحامية عدالة عادل اللي بيضرب اسمها يرج جدران المحاكم الهم صلي علي النبي"
قلت بثقة وأنا أعدل بذلتي:
"أه دا حقيقي فعلا"
أكملت أم بلحة بحب:
"دي حبسيتني 4 مرات قبل كدا لما كانت بتترافع عني"
قلت بتوتر:
"ميكونش قلبك إسود جري إيه يا أم بلحة طب أعملي حساب لبلحة اللي أنا مربياه"
قالت بضحك وهي تسحبني لأجلس بجانبها:
"لا بس والله أحنا عشرة عمر والعشرة متهونش غير علي ولاد الحلال"
قلت بخجل مصطنع وأنا أجلس بجانبها:
"وهو دا العشم يا أم بلحة ألا صحيح أخبارك إيه وأخبارك أبو بلحه وأخبار بلحة أي"
قالت بتنهيدة:
"يا ستي أبو بلحة راح لمحامي ربنا يخرب بيته لبسه 5 سنين بسبب قصية نصب ياله منه لله"
قلت بحزن وأنا أشعر بالخيانة:
"كدا كدا يا أم بلحة تروحوا لحد غيري كدا أبو بلحة يتحبس بسبب حد غيري قصدي يترافع عنه حد غيري"
قالت وهي تشرب سيجارة:
"ما أنا يا ستي رحتلك لقيتك مسافرة"
قلت بحنق:
"أه مهو أنا كنت بتجوز"
إختنقت بسبب السيجارة وقالت بصدمة ثم زغروطة:
"إتجوزتي ألف مبروك يا حبيبتي الف مبروك والله زعلانه كدا متعزمنيش"
قلت وأنا أشعر بأن البرشام بدأ مفعوله يعمل:
"مهو الموضوع حصل بسرعة وبعدين دا كان كتب كتاب إن شاء الله لما نعمل الفرح هزعمك"
قالت وهي مازلت تدخن:
"ماشي يا ستي لما نشوف بس أنت بس تتسرعي وتتجوزي بسرعة علشان تجبيلنا محامين كدا صغيرين أمال مين اللي هيترافع عن بلحة إبني لما يكبر"
"يااه بلحة هو بدأ يتعلم الإجرام"
قالت وهي تخرج صورة لبلحة:
"أمال بسم الله مشاء الله بقي بيثبت العيال في المدرسة بيسرق منهم السندوتشات"
قلت ببسمة:
"مشاء الله مشاء الله ربنا يبارك وعلي كدا بيثبت أي حد"
قالت بتأكيد:
"أمال أي حد حتي لو الناظر نفس"
أكملت بتحذير:
"بس لو حد بيشتغل في الحرام لا أصل مره لقيته بيقولي ياماما أنا مسبتش ابواد علاء ابن عمي رجب علشان بيغش الناس في الميزان وأنا عارف أنه حرام فاخوفت ربنا يزعل مني"
قلت بفرحة وسعادة عارمة:
"مشاء الله خاف من ربنا ونعم التربية صحيح طمرت فيه تربيتي"
شعرت أنني أود أن أفرك رأسي وهنا أدركت أن مفعول برشام الهلوثة الذي أخذته من يسرية قد بدأ.
دخل العسكري ينادي باسمي لأجاوبه وأسير معه دخلنا مكتب وكيل النيابة لأجد فريد وأخي والسيد حامد استأذن وكيل النيابة ورحل العسكري أيضا لأركض لاخي وأنا أضمه وأقول:
"قانون حبيبي شوفت اللي حصل لاختك"
استمعت إلى حمحمة ثم صدر صوت من الذي أضمه:
"عدالة أنا فريد قانون قاعد هناك أهو"
رفعت رأسي من على صدره لأجده فريد حقا حسن يبدو أن البرشام بدأ مفعوله يظهر حقا.
ابتعدت ثم ضممت أخي بعدما تأكدت أنه هو لاكن يبدو أنني أخطأت مجددا لأسمع صوت أحد:
"عدالة أنا الأستاذ حامد المحامي أخوك أهو"
قالها وهو يدفعني له لأسقط في حضن أخي وأقول بضحك:
"حبيبي يا قانون إنت روحت فين دا أنا أخدت مشوار طويل علشان أجيلك يا راجل"
قال وهو يبعدني عنه:
"بت هما شربوك حاجة جوة"
قلت بضحك:
"أه شربوني كولا"
قال بحنق:
"الله يخربيتك يا عدالة نفسي أسيبك مرة ملقكيش عاملة مصيبة"
قلت بإستعطاف:
"أنا هتحبس يا قانون"
قال السيد حامد بحنق:
"طب ما أنت محبوسة أصلا وبعدين كان لازم تعملي فيها أحمد ذكي في ضد الحكومة وتقولي منظومة فاسدة طب متترفعي وانت ساكته"
قلت بضحك:
"اه والله أنا محبوسة أصلا"
قال السيد فريد وهو يغلق بذلته:
"إحنا اتكلمنا مع وكيل النيابة انت هتتعرضي على النيابة بكرة إن شاء الله وهنخرجك بكفالة"
أقترب مني وهو يفتح فمي ويشمه:
"أنت بجد شربه حاجة"
دخل وكيل النيابة علينا وقال بصدمة عندما رأنا أنا والسيد فريد على هذا الوضع:
"إنتوا بتعملوا إيه"
قلت بسرعة وأنا أحاول تبرير ما يراه:
"اوعب تفهم غلط يا باشا دا بيتأكد إذا كنت بشرب مخدرات ولا لا"
قال بصدمة:
"مخدرات"
استمعت إلى أخي يضرب يديه بوجنتيه بخفة يقول:
"الله يخربيتك جيتي تكحليها عميتيها"
قلت لأصحح حديثي السابق:
"لا يا باشا أنا مش بشرب مخدرات أنا واخدة برشام الديلر إسمها يسرية وجوزي دا اللي بيسرح"
استمعت إلى صدمت فريد يقول:
"بـسـرح"
قلت وأنا أشير له:
"أه بتسرح في الشوارع مع بلحة ابن أم بلحة اللي جوه في الحبس"
استمعت إلى أخي يقول وقد تناسى كل ما يحدث:
"اي دا انت قبلتي أم بلحة"
قلت وقد تناسيت فريد ووكيل النيابة الذي ينظر بصدمة للجميع والسيد حامد الذي ارتفع ضغطه:
"اه مش هتصدق بلحة كبر مشاء الله وبقي بلطجي كبير قد الدنيا بقي بيثبت العيال والناظر في المدرسة"
قال أخي بصدمة:
"بجد مشاء الله وإيه أخبار أبو بلحة"
قلت قبل أن يقاطعني وكيل النيابة بصراخه:
"إسكت مش راحــ"
"بس بس الله يخربيتكم يا عسكري"
جاء العسكري بسرعة مهرولا يقول:
"تمام يا فندم"
قال وهو يجلس على مكتبه يضع يداه على رأسه الأصلع:
"خد البت دي من هنا بسرعة أه دماغي هتنفجر"
قلت له قبل أن أرحل مع العسكري:
"أجبلك برشام من يسرية"
رواية عروس السيد فريد الفصل العاشر 10 - بقلم فاطمة الزهراء احمد
خرجت اليوم من الحبس بعدما دفعوا لي الكفالة. خرجت بكل كبرياء وشموخ مع السيد حامد لأجد أخي ينتظرنا يتكئ على سيارة تبدو باهظة الثمن. أعتقد أنها تخص السيد فريد، لكني لا أجده.
لاحظ قانون نظراتي لي ليقول:
"مجاش معانا وإضطر يسافر بسرعة علشان كان في مشاكل في البلد."
قلت بتفاجؤ:
"مشاكل؟ مشاكل إيه؟"
هنا قال حامد بغضب وغيظ:
"طبعاً إنتِ متعرفيش ما إنتِ عايشة في ماية المخلل ولا دريانة باللي بيحصل. جوزك إضطر يسافر إمبارح لإن المحافظ جه على غفلة ومالقاش جوزك موجود. وكمان علتين كبار من أهل البلد إتخانقوا خناقة كبيرة وناس كتير إتصابت من العلتين ومن أهل البلد اللي مالهمش ذنب. وجوزك للأسف كان بيجري وراكي هنا وهنا، ويعيني مكنش بينام وحضرتك ولا على بالك."
شعرت بالذنب الكبير تجاه ما حدث لفريد. ظللت شاردة طوال الطريق في كيف ستكون ردة فعل فريد. هل سيؤنبني؟ حقاً هذا من حقه، ولكن أنا لم أطلب منه أن يترك كل أعماله ومشغله ويركض خلفي هنا وهناك. قلت لنفسي:
"حقاً يا عدالة تلومينه على وقوفه بجانبك يا فتاة؟ من ماذا خلقتِ؟"
وهكذا ظللت طوال الطريق ألوم نفسي، ثم أدافع عنها بكل قوة، ثم أعود لألومها، ثم أدافع عنها إلى أن وصلنا. دخلت إلى القصر بكل خزي وخجل من فريد. كدت أن أفر صاعدة إلى أعلى، لاكن صوت الخادمة التي نادتنا لأن فريد يحتاجنا. دخلت خلفهم كي لا يراني. نظرت من بين أكتاف أخي والسيد حامد لأجده مشمر ذراعيه منكب على أوراق كثيرة وكأنه طالب جامعي ويذاكر للامتحان آخر العام. قال بعدما خلع نظارته الطبية التي أول مرة أراها عليه:
"حمد الله على سلامتكم."
رد عليه السيد حامد:
"الله يسلمك يا سيد فريد. ها عملت إيه؟"
قال وهو يضع يديه على رأسه بتعب، يبدو أنه يعاني من صداع:
"كل حاجة هتمشي إن شاء الله."
ثم رفع رأسه لقانون وقال بلهفة:
"كويس إنك جيت. عاوزك تاخد صابرين وتروحوا الوحدة تساعدوا الدكاترة والممرضين اللي هناك في علاج الناس."
دخلت تلك الفتاة المدعوة بـ (صابرين) والتي قالت لنا أنها أخت السيد فريد. قال لها فريد:
"كويس إنك جيتي يا صابرين، خودي قانون وروحوا الوحدة..."
قاطعته ببرود:
"صابرين اسمي صابرين."
ضغط على أسنانه وقال بحنق:
"روحي يا صابرين مع قانون الوحدة، يلا."
أشارت لأخي بتتبعها، وياريت للخارج بغضب. أعتقد أنها تعاني مشكلة مع اسمها. ظللت أنظر في أثرها وأثر أخي الذي لحق بها. لا حول، نظرت للأمام مجدداً فوجدت فريد ينظر لي. اقترب مني وأنا أبتلع ريقي بخوف. لأجده يضع يداه على ذراعي ويقول بتلك الابتسامة العذبة التي أصبحت أعشقها. لحظة واحدة كي لا تفهموني بطريقة خاطئة، أنا أعشق البسمة وليس فريد. قال لي بطريقة غريبة علي:
"حمد الله على سلامتك."
قلت بخوف:
"الله... يسلم... يسلمك."
انتزع يداه عني وقال وهو يخلع نظارته الطبية:
"كنت عايز منك خدمة يا عدالة، ممكن؟"
قلت بتوتر:
"آه... لأ... قصدي آه ممكن، خير؟"
قال لي وهو ينظر في عيني. لحظة واحدة، هل قلت من قبل أن لديه عينين جميلتين؟ حسناً، إن لم أكن قلت من قبل فأنا أكبر حمقاء أنني لم ألاحظها. وإن كنت قلتها فسأقولها مجدداً، عينيه ساحرتين، أشبه بسمته. أفقت من شرودي وتأملي له على قول السيد حامد بحنق:
"إنت اتجننت يا فريد؟ مين دي اللي هتصلح النفوس دي هتشعللها؟"
نظر له فريد بهدوء، ثم دار بنظره لي ليكمل:
"ها قولتي إيه؟"
"إيه؟"
قال بتعجب:
"إيه إيه؟ في اللي قولته؟"
قلت ببسمة غباء:
"آه في اللي قولته. هو أنت قولت إيه معلش؟"
قاطعه السيد حامد بضحك:
"مش قولتلك مين دي اللي تعتمد عليها؟"
نظرت للسيد حامد بشر، ثم نظرت لفريد لأقول بثقة:
"متقلقش، إعتمد عليا."
قال السيد حامد بسخرية:
"إنتِ عارفة هو هيعتمد عليكي في إيه؟"
قلت بخجل:
"لأ، كنت سرحانة شوية."
إبتسم تلك الابتسامة مجدداً، تلك الابتسامة اللطيفة ستجعل قلبي يتوقف. نظرت للسيد حامد ليقول فريد:
"عدالة بصيلي عشان تفهمي كلامي."
قلت في سري: أيها الأحمق، لو نظرت لك مجدداً فلن أركز في أي شيء سوى عينيك وتلك الابتسامة اللطيفة. قلت بصوت وأنا مازلت أنظر للأستاذ حامد:
"لأ متخافش، أنا مركزة. ها قول بقي."
قال بصوت حانق:
"هتركزى إزاي وإنتِ مش بصالي أصلاً؟"
قلت بتأفف:
"يا سيدي قول وهفهمك، هي كمية."
سمعت صوته يقول:
"طيب عموماً، أنا كنت عاوزك تيجي معايا بكرة في قعدة الصلح اللي ما بين العلتين."
نظرت له بصدمة وأنا أشير لنفسي وقلت:
"أنا؟ عاوزني أنا أصلح بينهم؟"
هز رأسه مع ابتسامته اللطيفة التي اخترقت قلبي كسهم:
"أيوه يا عدالة، عاوزك معايا. أنا متأكد إن مفيش حد هيقدر يصلحهم غيرك."
قلت وأنا على نفس وضعي:
"أنا؟ أنت تقصدني أنا؟"
قال بضحك خفيف:
"أيوه، القاعدة هتحصل هنا. وبما إنك سيدة الوالي الأولى وزوجة العمدة لازم تكوني مشتركة في القاعدة دي. ولا إنت إيه رأيك؟"
قلت بصدمة:
"أنا؟ تقصدني أنا؟"
ضحك ليقاطعه السيد حامد بحنق:
"أقطع دراعي إن ما هتبوظ كل حاجة. وأنا وأنت أهو."
رحل فريد بعدما أخذ بعض الأوراق الموضوعة على المكتب ورحل هو والسيد حامد. لاكن قبل أن يرحل توقف أمامي وابتسم بلطف وأخذ يلعب بخدودي قائلاً بلطف:
"أنا واثق فيكي يا عدالة."
رحل. لأهمس لنفسي:
"الله يخربيتك يا فريد، يا ريتك شتمتني."
قررت أن أذهب لأخي لأخبره بأمر فريد وأستشف أي شيء بخصوص موضوع المشكلة تلك. عندما دخلت وجدت الكثير من الجرحى وكأن هناك حرب قامت وليس مجرد مشكلة. سرت بين طرقات الوحدة. الحالة تبدو صعبة. لقد شعرت بالذنب. لو أن فريد كان هنا وليس معي، يركض خلفي بين الأقسام والمحكمة، لما حدث كل هذا. هل هو حقاً ذنبي؟ شعرت بيد توضع علي، فانتفضت وأنظر خلفي. وكانت صبي أو صابرين. قالت لي بابتسامة:
"بتعملي إيه هنا؟"
قلت لها بخوف من أثر الخضة التي تعرضت لها:
"جيت أشوف قانون وأطمن على أحوال الناس."
قالت ببسمة:
"تمام، تعالي ورايا."
سرت معها لأسألها:
"بقولك إيه؟ أنا حاسة إن طبيعتك إنتِ وفريد غريبة. يعني مش إخوات، مش بتشاكلوا سوا، مش بتضحكوا سوا، غريبة. مش بحسكوا زي الإخوات."
نظرت لي ولمحت في عينها أثر حزن وقالت:
"تعرفي إني بحسدك إنتِ وقانون بجد. للأسف أنا وفريد مش زي بعض. أنا اتربيت بره مصر علشان مع ماما وهو اتربى هنا مع بابا لأن ماما مكنتش بتحبه."
قلت بصدمة:
"هو في أم مبتحبش ابنها؟"
قالت بضحك:
"حبيبتي، أنا وفريد إخوات مش شقايق. هو من أم وأنا من أم."
وقفت مصدومة من حديثها. لتقول بخبث:
"واضح إن جوزك بيخبي عنك حاجات كتير جداً. خلي بالك، فريد مش طيب ولطيف زي ما بتشوفي. أنا لو خبيثة، ففريد يبقى تعبان."
صدمت أكثر من حديثها. هي تقول على نفسها خبيثة وفريد أخبث؟ أم لا أفهم؟ هل تكره فريد لهذا تقول هذا الحديث أم أنها تقول الحقيقة؟
قاطعت أفكاري عندما قالت وهي تقترب بخبث:
"فريد ممكن يضحي بكل حاجة وأي حد عشان اللي عاوزه. أي حد، فاهمة كلامي يا عدالة؟"
أشارت لي:
"ادخلي استني قانون جوه، هيجيلك دلوقتي. ومتنسيش كلامي يا عدالة. سلام."
دخلت وجلست على أول كرسي وجدته. أخذت أفكر في حديثها. هدوء فريد الغريب دائماً، طريقته اللطيفة أحياناً، تعبيراته التي تشد أي امرأة. لماذا اختارني أنا؟ لماذا تزوج بي دوناً عن كل النساء؟ ولماذا يتحمل كل مصائبي؟ سينفجر رأسي في التفكير.
ليدخل علي أخي. بدا أنه كان متعباً، فآثار الدماء كانت تغطي ثيابه كما أن العرق كان يصب في جبهته. قال عندما دخل:
"في حاجة؟ إنتِ كويسة؟"
قلت ببسمة:
"إيه مالك خايف كده ليه؟ أنا جيت بس أطمن عليك."
زفر بهدوء وجلس بتعب وأرجع رأسه للخلف بتعب ليقول:
"آه، أنا تعبت أوي أقسم بالله."
قاطعته وقلت:
"..."
نظر لي بحاجب مرفوع وسأل:
"إشمعنى؟"
"عادي، بسأل."
قال ببرود:
"بصراحة أنا مبستريحلوش، لا هو ولا أخته. بحسهم مش سهلين، وراهم حاجة؟ مكتومين جداً. بس الأستاذ حامد بيحبه وأنا بصراحة بثق فيه لأنه راجل طيب، بس فريد نفسه لأ."
"بس بتسألي ليه؟"
قلت بشرود:
"مش عارفة يا قانون، بس اللي جاي بينه ما يطمنش."