تحميل رواية «عروس السيد فريد» PDF
بقلم فاطمة الزهراء احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"محكمة" تلك الكلمة التي ظللت أكرهها طوال حياتي البائسة. فأنا من عائلة مهوسة بالقانون، لها تاريخ كبير في المحاكم. أمي كانت محامية، وأبي وكيل نيابة، وجدي وعمي قاضيان. وجميعهم ماتوا. لم يتبق لي سوى أخي الذي استطاع الفلات من تلك اللعنة، والتحق بكلية الطب. وهذا الخبر كان كالصاعقة للعائلة، وقد حاولوا إقناعه بتركها والالتحاق بكلية الحقوق. خرجت من أفكاري على نغزة مساعدي. نظرت له وكدت أن أتحدث، لكني استمعت إلى صوت القاضي يقول بصوت عالٍ: "الدفاع يتفضل" انتبهت لما يقول القاضي، لذا سارعت بالوقوف وقلت وأنا أ...
رواية عروس السيد فريد الفصل الحادي عشر 11 - بقلم فاطمة الزهراء احمد
إرتديت ملابسي ونظرت لنفسي في المرآة أشعر بقلق شديد، ملامحي أصبحت باهته بسبب عدم نومي ليلة أمس. لقد قضيت الليل كله أفكر في فريد وأخته الغريبين. استمعت إلى طرقات الباب، اسمحت للطارق بالدخول وما كان سوى فريد ذو الابتسامة اللطيفة. تغيرت ملامحه للتعجب من حالتي ليقول:
"عدالة أنتِ كويسة؟"
كان هذا السؤال الذي خطر على باله بمجرد النظر لوجهي الباهت. قلت بابتسامة:
"أيوة طبعًا كويسة، بس أنا علشان منمتش امبارح فتلاقي وشي مرهق شوية."
"خلاص خليكي متحضريش معايا."
قلت نافية:
"لا لا طبعًا جاية، إمال مين اللي هيحيلك المشكلة دي؟"
سرنا للأسفل، قلت وأنا بجانبه بمزاح محاولة لتخفيف الأجواء:
"أنا مش عارفة لوليا، كنتوا هتعملوا إيه؟ لازم أنا دايمًا اللي أحل لكم مشاكلكم ولا إيه؟"
ضحك بخفة وهو يدخل للغرفة التي بها العائلتين، ثم قال:
"معلش يا عدالة هانم، دايمًا تعبينك معانا."
جلس فريد على كرسي مكتبه ووقفت بجانبه أتعجب من تحوله الغريب هذا، فهو كان الآن يتميز بملامح لطيفة تحولت إلى جدية وشموخ. قال فريد بجمود:
"أنا عاوز أفهم إيه اللي حصل."
تسارع الجميع بالتحدث مع بعضهم البعض ولا أحد يستطيع فهم ما يقولون. ليقول فريد بصرامة ممزوجة مع غضب:
"إيه قاعدين في زريبة، واحد هو اللي يتكلم."
أشار لشخص كبير في العمر قليلاً:
"قول يا سعد."
قال المدعو سعد وهو ينظر نحو شخص بكره:
"يا سيد فريد، اللي حصل إن إحنا كنا عايزين نبيع الأرض بتاعتنا فجماعة الهاشمي لما عرفوا قالوا إنهم عايزين الأرض. قولنا ماشي، بس لما اتعرض علينا مبلغ أكبر من جماعة تانية اعتذرت لجماعة الهاشمي، بس هما مقبلوش الاعتذار وكانوا عايزين ياخدوا الأرض بالعافية. غلطنا إحنا."
قال فريد بهدوء وهو يلعب بقلمه:
"لا أبدًا مغلطوش."
ابتسم الرجل باتساع، لكن بسمته اختفت تدريجيًا عند سماع فريد يقول بخبث وهو يلعب بالقلم:
"بس هو مين اللي إداكم إذن تبيعوا الأرض؟"
توتر جميع الرجال الموجودين، ليقول فريد:
"مين اللي إداكم إذن تبيعوا الأرض لجماعة الهاشمي أو أي جماعة تانية؟"
ابتسم فريد بعد صمت جميع الرجال، ثم قال بحدة:
"الأرض تتزرع زي كل سنة، بس محصولها لمدة 5 سنين هتتوزع على أهل الوالي، ويتاخد من جماعة سعيد والهاشمي والجماعة التانية اللي كانت هتشتري الأرض بسعر أعلى، كل واحد 2 مليون. وخلص الكلام، اتفضلوا."
نظر الجميع بصدمة إلى فريد وحديثه. لم يتحدث أحد، لم يقو أي شخص على الحديث. رحل الجميع بصدمة. وكاد الأستاذ حامد يرحل، أوقفه فريد وهو يقول:
"الفلوس اللي تتاخد تتوزع على أهالي المتضررين من المشكلة اللي حصلت بسبب الأرض دي، وبعد كده خلي بالك إن محدش يبيع من غير إذني. أنا هعديها المرة دي، بس المرة الجاية مش هعديها يا حامد، وإنت فاهم."
هز رأسه بخوف ورحل. نظرت لفريد بفم مفتوح، لقد حل الأمر في ثوانٍ، إذن لماذا أرادني أن أحضر؟ شعرت بلمسته ليدي ليسحبني خلفه، هو يقول ببسمة لطيفة تعجبت منها، ألم يكن مخيفًا وغاضبًا منذ قليل:
"يلا علشان ناكل سوا."
جلسنا على المائدة وأنا أنظر له بخوف، أشعر أن هناك سر وراء هذا. فريد فاجأني بقوله:
"أنا هسافر القاهرة بكرة، عندي شغل ضروري."
كدت أتحدث، قاطعتني الخادمة قائلة بمساعدة:
"أمانة عليك يا سيد فريد، وإنت في القاهرة تجيب لي حاجة من هناك."
قال ببسمة وهو يأكل:
"عيني، عايزة إيه؟"
"عايزة نيلة زرقا."
توقف الطعام في حلقنا نحن الاثنان، ونظرنا لها بصدمة. لأقول:
"عايزة إيه يا أختي؟"
"نيلة زرقا."
قال فريد بصدمة:
"طب ودي بتتباع فين؟"
قال بتلقائية:
"عند بتاع النيلة."
نظرت لفريد بصدمة، ثم قلت:
"ودي إنتِ عايزاها في إيه؟"
قالت وهي تضع ما تبقى من الطعام:
"أصل أنا، اعبال عندك، حامل. ولما سألت الدكتور قانون أخد إيه علشان ابني يطلع عينه زرقا زي الأجانب، قالي كلي نيلة زرقا."
كدت أتحدث، قاطعتني دخول الخادمة الأخرى قائلة:
"إيه دا؟ مهو كمان قالي لما سألته أكل إيه علشان ابني يطلع عينه خضرا، قالي كولي جرجير كتير وابقي تعالي توفي في وشي لو حصل. بس أنا مفهمتوش معنى كدا، إيه يا ست عدالة؟"
"ابقي تعالي توفي في وشي لو فهمت."
ضحك فريد على حديثي، ليقوم وهو يقول:
"أنا هروح أحضر الشنطة اللي هاخدها."
هززت رأسي ليرحل فريد، وأسأل الخادمة بصوت منخفض:
"الا هو فريد واخته متخانقين ليه؟"
قالت الخادمة (والتي كانت تريد النيلة):
"لا لا مش متخانقين ولا حاجة، هما دايمًا كدا، مش بيتجمعوا سوا غير قليل قوي."
قلت وأنا أتناول الطعام:
"طب هو فريد متعود يسافر كدا ولا لأ؟"
"آه، هو بعد موت ليلي هانم..."
توقفت عن الحديث ورحلت فورًا بتوتر. سألت نفسي:
"مين دي ليلي اللي توترت عند الحديث عنها ورحلت سريعًا، كأن وحشًا هناك يطردها؟"
قررت أن أذهب لأخي قانون وأرى ما يفنه في الطب.
بالصدفة قابلت صابرين، أي يكن ما هو الاسم هذا. سألتها:
"صابرين، كنت عايزة أسأل سؤال."
توقفت وقالت لي:
"اتفضلي."
قلت:
"هي مين ليلي اللي ماتت دي؟"
"عرفتيها منين؟"
قلت بصرامة:
"عرفت وخلاص، هي تبقى مين؟"
قالت وهي تعطيني ظهرها وترحل:
"كانت تبقى مرات فريد اللي قتلها."
رحلت لأشعر أن الأكسجين بدأ يقل وأشعر أن روحي ستصعد للسماء. هل قالت:
"اللي قتلها؟"
حقًا قالت هذا؟ فريد قتل؟
جماعة الفصل اللي جاي أو اللي بعده هيبقى آخر فصل لعدالة لأنها هتموت. فودعوها بقى.
رواية عروس السيد فريد الفصل الثاني عشر 12 - بقلم فاطمة الزهراء احمد
كان الأمر صادمًا بالنسبة لي. ذهبت لأخي بسرعة إلى الوحدة التي أعمل بها وقلت بصوت عالٍ:
"فريد طلع قاتل يا قانون!"
نظر لي بتفاجؤ، ثم نظر في أرجاء الغرفة ليحمد الله أن لا أحد موجود بها سواه. ليقول بحنق:
"أي الله يخربيتك! هتجيبي للراجل مصيبة. إهدي. قتل أي ده؟"
قلت بجنون وبخوف:
"بقولك فريد طلع قاتل، فاهم يعني إيه؟"
قال باستهزاء:
"طب وعرفتي إزاي يا شارلوك هولمز العرب؟"
نظرت له بصدمة. هو لا يصدقني. نعم، يبدو عليه أنه يستهزئ بي.
"صابرين أخته هي اللي قالت لي أنه كان متجوز بنت اسمها ليلي وقتلها."
نظر لي بصدمة ثم قال:
"أنت متأكدة يا عدالة؟ ولا بيتهزأ؟"
قلت بجنون:
"هزار أي يا قانون؟ هزار إيه؟ هو حاجة زي دي فيها هزار؟"
زفر بتعب ثم قال:
"طب روحي أنت دلوقتي، وأنا لما أجي هنشوف الموضوع ده سوا."
كدت أحدثه، قاطعنا صوت عالٍ جاء من الخارج فجأة. ففتح الباب علينا ليقول أخي بغضب:
"أي الهماجية دي؟ هي زريبة؟"
قالت الممرضة بخوف:
"أنا آسفة يا دكتور، بس الأستاذ هو اللي دخل كدا."
كانت تشير لرجل يمسك بيد زوجته. ليقول أخي وهو يحاول أن يمسك آخر ذرات الصبر لديه:
"ميصحش اللي عملته ده يا أستاذ."
قال الرجل بسعادة مبالغة وهو يدخل برفقة زوجته:
"معلش يا دكتور، حقك عليا. أنا آسف، بس أول لما عرفت إن في دكتور من المدينة وصل، جبت الجماعة وجيت على طول."
نظر لهم أخي بريبة وقال:
"خير؟"
قال الرجل بطريقة مريبة وهو يقترب منه:
"أنا مراتي حامل يا دكتور."
كانت طريقة حديث الرجل غريبة، جعلت أخي يقول بخوف:
"والله ما مني."
نظر له بغرابة، ثم نظر لي لأقول بسرعة:
"ولا مني والله."
قال الرجل بحنق:
"منك ومنها إيه؟ مراتي حامل مني أنا."
قال أخي بنقيق:
"طب طالما حامل منك والدنيا تمام، جاي لي أنا ليه؟"
قال الرجل بسعادة غريبة، يقترب من أخي بطريقة غريبة مريبة جعلت قانون يعود للخلف:
"أنا مراتي حامل في الشهر الأول وعاوز ولد."
نظر لي أخي بتعجب، ثم قال للرجل:
"أيوه يعني انت شايفني بعين واحدة ولا إيه؟ انت شايفني المسيح الدجال ولا إيه؟"
قال الرجل:
"مسيح دجال إيه؟ مش انت دكتور، يعني جبت في الثانوية العامة 99%، يعني تعرف تعمل أي حاجة."
قال أخي بدهشة من تفكير الراجل:
"يعني علشان جبت 99% بقيت بعرف أعمل أي حاجة؟ أطير مثلاً ولا إيه؟ وبعدين عرفت منين إني شاطر؟ ها؟ عرفت منين؟"
قال الرجل بغرابة:
"مش انت دكتور وجبت 99% في الثانوية العامة، تبقى شاطر."
قلت للرجل بتعجب:
"شاطر مين يا عم الحج؟ ده كان شايل مادتين."
قال الرجل:
"بقولك يا دكتور، أنا ميهمنيش الكلام ده. أنا عاوز أعرف أكل المدام إيه علشان تجيب لي ولد."
نظرت لأخي بتعجب لأقول:
"هوا الطب الحديث بقى بيخلي العيال يجوا بالأكل؟ أنا لحد علمي كان بالجينات. جيت أنت يا أبو مادتين وخليته بالأكل؟"
رحلت لأتركه مع ذلك الرجل الذي يصمم على أن يكتب له شيئًا ليجعل زوجته حامل في ولد. وصلت للمنزل وسألت على فريد، لتقول لي الخادمة أنه يتجهز للسفر. فقررت أن أذهب خلفه وأراقبه وأعلم كل شيء عنه. وقفت أمام المكتب أتصنت عليه لأسمعه يقول في الهاتف بعصبية:
"تمام، عاوزك اليومين اللي هغيبهم دول تراقبهم كويس زي المرة اللي فاتت، ومن غير ما تحس. لا، مش مهم أخوها. المهم هي، أي حركة منها توصلي، فاهم؟"
شعرت بدموعي بدأت بالتساقط. هو يتحدث عني. أشعر بالخوف. لم أعد أشعر بقدمي. رحلت من أمام المكتب بسرعة وقد قررت أن أهرب قبل أن يرحل، لأستطيع مراقبته.
دخلت للمنزل بعد يوم متعب حقًا. العمل مع سكان هذه القرية متعبة، وحتى عندما حاولت التحدث معهم واستشف منهم أي شيء عن فريد ذاك، لا أستطيع. كتومون، وهذا ما شككني به، وبدأت أصدق حديث عدالة. أخذت أبحث عنها هنا وهناك، لم أعثر عليها، لأشعر بقلبي بدأ يتوقف وأنفاسي تقل. قلت بغضب لأحد الخادمات:
"عدالة فين؟"
قالت برعب:
"معرفش."
"طب واللي اسمه فريد؟"
قالت بخوف وهي تلتفت هنا وهناك:
"السيد فريد لسه مسافر من ساعة تقريبًا."
أمسكت شعري أبعثره بجنون:
"عدالة فين؟ راحت فين؟"
قالت الخادمة بخوف:
"والله معرف."
ركضت للأعلى لتنزل بعد دقائق أخت تقول بتعجب:
"عدالة فين؟"
قلت بجنون وأنا أحاول التحدث في الهاتف:
"معرفش، معرفش. أنا بكلمها تليفونها مقفول."
قالت وهي تمسك هاتفها وتحاول الاتصال بشخص:
"أنا هتصل بفريد."
أمسكتها من يدها وقلت بغضب:
"إنت أي حكايتك أنت وأخوك؟"
قالت وهي تحاول إفلات يدي التي تمسك يدها بعنف، لاكني لم أكن أرى أي شيء. غضبي كان هو المسيطر. أود قتلها هي وأخوها.
"أنا مش فاهمة، إنت بتتكلم على إيه؟"
قلت بغضب:
"لا يا روح أمك. دي أختي، يعني ميكفينيش فيها عيلتك كلها، فاهمة؟"
هزت رأسها بخوف ودموعها بدأت بالتساقط. ندمت على ما قلته، لاكن لم أظهر هذا وأكملت بغضب:
"ها؟ هتقولي ولا هزعلك؟"
هزت رأسها بخوف وقالت:
"حاضر، حاضر هقولك بس سيب أيدي."
تركت يدها وصرخت في الخادمة التي كانت تتابع الموقف لترحل هي الأخرى بخوف. لم أهتم. لم أهتم لبكائها ولا لخوفها. كل ما أهتم له الآن هو أختي الصغيرة. غير هذا، فليذهب كل شيء إلى الجحيم.
"أختك مش أول واحدة يتجوزها فريد. اتجوز قبلها كتير، وكلهم ماتوا. كل اللي بيتجوزها فريد بتموت، أو الأصح يعني بتتقتل."
قلت وأنا أحاول جمع شتات نفسي. ما قالته هذه الفتاة وقع كالدلو البارد على رأسي:
"مين اللي بيقتلهم فريد؟"
"لا مش فريد بس، هو السبب."
نظرت لها بصدمة لأقول بغضب:
"بت انت هتقعدي تقولي لي ألغاز؟ انطقي على طول. أخوك السبب في موتهم إزاي؟"
كادت تتحدث، قطعها صوت قادم من بعيد. اخترق هذا الصوت قلبي ومزقه. شعرت أن قدمي لم تعد ستتحمل جسدي، فما سمعته كان مخيفًا.
"يا سيد فريد! يا سيد فريد! لقينا المدام عدالة مذبوحة في أول القرية."
رواية عروس السيد فريد الفصل الثالث عشر 13 - بقلم فاطمة الزهراء احمد
"وحيات أبوك يا قانون بيه اااه اااه بالله عليك اااه والله هي كانت هنا"
لم أكن أدري بما يقوله كل ما أفعله هو أن أكسر وجهه الأحمق هذا الذي أوقع قلبي وحطمه عندما أخبرني أن أختي قتلت.
أمسكته بي تلك الفتاة صبي وهي تقول بخوف من حالتي:
"بالله عليك يا قانون إهدي الحمد لله إنها مطلعتش هي إحمد ربنا"
تركته ومسحت يدي التي أصبحت ملطخة بدماء هذا الرجل الأحمق لتقول هي:
"يا ابني إنت مش قولت أنها كانت هنا"
قال وهو يبكي ويمسح دمائه:
"والله العظيم كانت هنا طب مش ممكن يكون حد من أهل البلد شافها ووداها الوحدة"
قلت بغضب أعمى وأنا أضرب السيارة التي جئنا بها:
"مش في الزفت أنا رنيت الممرضة قالت محدش جه الوحدة راحت فين"
لم أكمل كلامي حتى لاحظنا اقتراب سيارة أنا أعرف هذه السيارة جيداً هي لهذا الوغد فريد خرج منها بجمود لا تظهر على ملامحه أي خوف أو قلق كاد يتحدث، سارعت بلكمه في وجهه وأمسكته من ياقته:
"وربنا ماهسيبك يا زبالة"
لم يأخذ أي ردة فعل بل نظر لأخته وكأنه يسألها بعينه عن ما يجري لتقول:
"عدالة مختفية ومحدش لقيها وعيد جه قالنا أنه لاقاها مذبوحة زي مراتاتك اللي ماتوا"
توقف عقلي للحظات ماذا تقصد بمراتاتك اللي ماتوا إذا الأمر هو انتقام أخذت أربط الأمور ببعضها لأتمكن من جمع الخيوط كلها ببعض.
بعدما سمع حديث أخته أخذ سيارته وأشار لها بأن تركب ركبت بعدما أسندت الرجل الذي أبرحته ضرب ورحلوا بكل برود رحلوا أي أنهم معتادين على تلك الأمور ركنت على السيارة وأخذت دموعي بالنزول لقد رحلت زهرة حياتي عن العالم آخر ما تبقى لي من عائلتي مجنونتي الصغيرة لم تستطع قدمي على التحمل لأقع على الأرض ومازلت أبكي وأصرخ من وجع قلبي.
وأقسمت على أن انتقم.
رحلت إلى المنزل ودخلت بهدوء لأجد رجال الشرطة محاوطين المكان لم يبدو أنه كل ما استطاع فعله هو إبلاغ الشرطة قلت بسخرية وأنا أمرر نظري على رجال الشرطة والسيارات:
"طب والله كويس أنه بلغ طمر فيه العشرة"
"لا أنا اللي بلغت"
نظرت لأرى من قال هذه الجملة وقد كان السيد حامد.
قلت بسخرية:
"كمان يعني حتى مهتمش يبلغ"
خرج فريد وكان أول مرة أرى ملامحه بهذا الشكل قال لي بغضب:
"مين اللي بلغ"
قال السيد حامد:
"أنا يا فريد أنا اللي بلغت"
نظر له بغضب وابتلع السيد حامد ريقه بخوف أشعل النيران في جسدي كله بعد أن هدأتها أمسكته من ياقته وقلت بغضب أعمى:
"انت إيه يا أخي أنت جنس ملتك إيه يا حيوان انت يعني إيه مش عايزة يبلغ يعني كنت عارف أنها ممكن تموت ومش عايز تبلغ"
أفلت يدي واقترب مني ببطء وهمس بخبث:
"آه كنت عارف أنها هتموت ومش مهم بالنسبالي تغوروا انتوا الاتنين في ستين داهية"
أشعل الغضب جسدي فكدت ألكمه لاكنه أمسك كفي وبحركة سريعة أدار جسدي فأصبح ظهري مقابل لبطنه وأخرج مسدساً ووضعه على رأسي وقال بهمس بجانب أذني:
"أنا عديتلك المرة اللي فاتت عشان أختك بس وربنا لو اتكررت لهخليك تحصل أختك في الآخرة فاهم"
أمسك حامد المسدس يقول برجاء وهو يحاول أن يبعده عنه لاكن لم يستمع فريد لحديثه حتى جاء شرطي ومعه بعض العساكر هنا أزاح فريد السلاح وحرر يدي ليقول لي الشرطي:
أستاذ قانون أنت متهم بقتل المدام عدالة أختك.
نعم.
نظرت له بصدمة أنا المتهم من المفترض أن يكون الحقير فريد هو المتهم وليس أنا.
"قتل مين يا باشا دي أختي أقتلها إزاي"
قال ببرود وهو يشير للعساكر بأن يضعوا الكلبشات في يدي:
"يا أستاذ قانون فريد بيه بيتهمك أنك أنت اللي قتلت مدام عدالة عشان تستولي على ورثها"
نظرت للشرطي بصدمة ثم لفريد لأجده يبتسم لي بخبث ويشير لي بيده في علامة للوداع لا أشعر بالعساكر يجروني للخارج وأخر ما رأيته هو ابتسامة فريد الخبيثة.
لم أتوقع أن يحدث كل هذا اليوم كل تلك الأحداث حدثت في يوم واحد لاكن كل ما أريد معرفته الآن ماذا حدث لعدالة لذالك ذهبت لعيد أسأله طرق على باب بيته ليفتح لي فأدفعه للداخل تحت صدمته خلعت الوشاح من على وجهي وقلت له بغضب:
"عدالة فين يا عيد"
نظر لي لثواني بصدمة ثم تحولت لخبث وقال:
"مالك مهتمية أوي كدا ليه مش أول ولا أخر واحدة أموتها يعني"
كدت أتحدث قاطعني صوت فتح الباب وكان أخر شخص أتوقع رأيته كان أخي فريد قال وهو يجلس على الأريكة:
"ماشاء الله متجمعين في الخير يا جماعة"
قال الآخر ببرود وكأنه كان يتوقع قدومه:
"وهو هيبقي في خير في وجودكم يا ولاد القاضي"
رواية عروس السيد فريد الفصل الرابع عشر 14 - بقلم فاطمة الزهراء احمد
أجلس الآن وبكل برود ظاهري أشعر بتعب وكأنني حملت علي كتفي جبال من الهموم أنتظر ذلك الشرطي أن يأتي ويخرجني وبالفعل جاء وقال:
"أستاذ قانون أنت متهم بقتل المدام عدالة أنت الوحيد المستفيد من موتها"
قلت بكل برود ظاهري:
"حضرتك معاك دليل على كلامك"
نظر لي وقال:
"لا ما فيش دليل بس أنت أكثر واحد مستفيد من موتها"
ابتسمت بسخرية وقلت:
"حضرتك أنت لسه قايل اسمي من شويه سمعني كده ثاني اسمي إيه"
قال بغضب:
"انت هتستظرف يالا"
قلت بسخرية:
"لا والله ما بهزر بس أنا اسمي قانون وعيلتي كلها محامين وقضاة فأنا أكثر واحد فاهم فيه فالشويتين اللي بتعملوهم دول مش هيكلوا معايا"
قال بتوتر لإدرك حيدر أن تخميني كان صحيح:
"شويتين إيه يالا أنت اتجننت"
"لا أنا ما اتجننتش ولا حاجة بس أنا ما فيش داعي أفضل موجود أنا لا في دليل عليا ولا حتى أنا المستفيد الوحيد زي ما قولت فريد كمان مستفيد من موتها علشان الورث برده"
قال بكل غضب:
"السيد فريد عمره ما يعمل كده"
تعجبت لما يدافع عنه وكأنه أخوه الشقيق بالطبع لاحظ ما قاله لينادي العسكري ليأخذني عنادته ليقول لي:
"هتبات النهارده في الحجز وبكره هتخرج"
لم أعاند هذه المرة لكي لا تصير المدة يومان وأنا بالفعل أحتاج مكان هادئ وبعيد كل البعد عن الحقير فريد فلا بأس إن كان الحبس هو هذا المكان.
دخلت لمكتب أخي وجدته يتحدث في الهاتف ببرود يقول:
"تمام سيبه بكره ولا بعده لغاية ما يتربي شوية على ما أتصرف أنا في الحادثة"
نظر خلفه ليجدني أقف قال ببرود وهو مازال يتجاهلني:
"بقولك لو عمل نوش أو قلق خلي أي حد من السجن يوضبه علشان يتربي يا سلام"
أغلق المكالمة لأقول بغضب:
"انت بتتكلم عن قانون صح"
لم يرد لاتأكد من شكوكي لاصرخ به:
"انت إيه يا أخي ما فيش دم ولا إحساس حرام عليك"
نظر لي ليقول ببرود:
"وانت مالك زعلانة ومقهورة أوي عليه ليه وبعدين أنا في إيدي إيه أعمله أسلم عيد وأقول إن هو اللي بيقتل الستات اللي بيتجوزهم علشان يفضحنا ويوديني أنا وأنت في داهية يا هانم"
قلت وأنا أبكي:
"أنا تعبت يا فريد من اللي بيحصلنا بجد تعبت أوي"
اقترب مني وضمني إليه وكانت هذه من المرات القليلة التي يشعرني بها أخي بالحنان قلت له وأنا أشدد من ضمه:
"هدوءك بيحسسني إنها لسه ما ماتتش"
قال لي بغموض:
"هدوء ده لانها ماتت"
أبعدت رأسي عن صدره ودموعي لم تجف بعد
"قصدك إيه مش فاهمة"
أمسك خدي وقال بحنان:
"هتعرفي بعدين المهم دلوقتي قانون يفضل بعيد علشان مصلحته ومصلحتنا أنا خليهم يفرجوا عنه بكره لازم تلازميه وتبيني له إنك بتكرهيني وترقبيه وتشوفي هيعمل إيه وهيتصرف إزاي يا صبي"
قلت له وأنا ابتسم:
"حاضر"
"مين اللي عمل في وشك كده السيد فريد تاني"
قلت بسخرية:
"السيد فريد"
قالي لي بضجر:
"من كتر ما بنقولها لنفسنا اتعودنا عليها"
قلت بشر:
"قريب أوي هينتهي عصر فريد قريب أوي بس المهم مش هو اللي ضربني أخو المرحومة"
قال لي بهمس:
"هو أنت بصحيح اللي قتلها"
كدت أجيب لاكن توقف لساني عن النطق عندما نظرت لتلك الواقفة بعيد كانت غريبة جميلة شعرها بني قصير وجهها أبيض وجسدها عادي ليس ممشوق كعارضات الأزياء ولاكنها كانت جذابة ربما وجهها الطفولي هو ما جذبني هذا الوجه الذي كان يخالف عدالة في كل شيء فعدالة كان وجهها حنطي كان وجهها فيه شموخ وكبرياء غريب ربما بسبب مكانة عائلتها ومناصبهم أصبح هكذا ذاك الوجه المرفوع بكل فخر دائما راق لي كثيرا أن أشوه وما أحب على قلب الرجل أكثر من أن يحطم كبرياء الأنثى توقف عقلي عن التفكير عندما سمعت صوتها اللطيف وعلى فمها ابتسامة لطيفة مثلها:
"لو سمحتم تعرفوا فين قصر فريد القاضي"
نظرت لها قليلا ثم قلت بمسكنة:
"السيد فريد آه أنا أعرفه أنا خدامه يا هانم تؤمري"
نظرت لي ومازالت مبتسمة وقالت:
"ممكن توديني ليه"
قلت بخبث غير ظاهر:
"تؤمريني"
رحلت معها بعدما أشرت لأشرف صديقي وشريكي في كل شيء بأمر وهو يفهمه وكانت وجهتنا لقصر السيد فريد
دخلنا إلى القصر لأتفاجأ بقانون ينقض على فريد وفريد يدافع فقط وأخته تصرخ:
"بالله عليكم وقفوا"
قال فريد وهو يبعد قانون عنه:
"أنا لحد دلوقتي مش عاوز أوريك وشي التاني يا قانون أحسن لك تحترم نفسك بدل ما أفجر سلاحي في دماغك"
وهكذا ظل الأمر لدقائق فريد يبعد قانون وقانون لا يتوقف وصبي أخته تصرخ إلا أن استمع الجميع إلى صوت طلقات نارية فتوقف الجميع ينظرون لبعضهم يبحثون عن مصدر الطلقات والتي لم تكن سوى لتلك الفتاة ذات الشعر البني القصير والوجه الطفولي والابتسامة اللطيفة رأها فريد ليقول بغضب:
"انت مين وإزاي تسمحي لنفسك تضربي نار في قصر السيد فريد"
قالت بهدوء وهي تقترب منهم وأنا أتبعها:
"أولا أنا مين أنا اللي جايه أحقق في موت عدالة مرات السيد فريد"
"ثانيا ضربت نار علشان توقفوا اللي بتعملوا ده"
قال فريد بهدوء غريب هو الآخر:
"اطلعي بره"
قالت بصرامة:
"مش همشي أنا قرار حامد"
أعاد فريد النظر لها وقال بغضب:
"قرار أحمد قرار حامد أنا ميهمنيش أنا مبمشيش ورا قرارات حد"
قالت له بتوضيح وببسمة بلهاء:
"لا حضرتك فهمت غلط أنا اسمي قرار حامد اسمي قرار"
قال قانون بتعجب:
"اسمك قرار إيه الاسم الغريب ده"
نظرنا له جميعنا بتعجب فكان يتحدث وكأن اسمه عادل أو محمد وليس قانون
سارع بقول:
"لا لا بس استغربت إن في حد اسمه غريب زي"
نظر لها فريد مرة أخرى وقال بصرامة:
"لاخر مرة هقولك بره"
قالت بتحدي:
"أنا جايه بأوامر من فوق يا فريد بيه ولازم غصب عنك تتعاون معايا ولا هتضر جامد"
لم يتحدث انسحب وتركها لتقول بفرحة بسبب فوزها:
"جت لكم قرار يا قرية مفكيش راجل جت لكم قرار اللي هتكشف الأسرار جت لكم....."
كادت تكمل لاكن توقفت عندما استمعنا إلى صوت ضرب نار ولاكن هذه المرة كان من فريد لتسارع بالركض وهي تصرخ:
"يا ماما أنا عيلة وربنا وربنا أنا عيلة"
رواية عروس السيد فريد الفصل الخامس عشر 15 - بقلم فاطمة الزهراء احمد
ذلك الأحمق فريد لقد أهانني ورغم ذلك لم أيأس في محاولة اكتشاف الحقيقة، لذا بدأت التحقيق فورًا. فذهبت لذاك الذي يدعي عيد لأسأله، بما أنه الوحيد الذي رأى الجثة.
"ها يا عيد، قول لي هو أنت كنت في الوقت بتعمل إيه، يعني إيه اللي وداك على أول القرية؟"
قال لي بملامح طبيعية:
"كنت رايح أجيب حلويات لأمي، أصل كان نفسها فيها. أحنا في البلد عندنا مفيش غير اثنين، الأول مسافر من أسبوع وقافل المحل، والثاني تعبان، فقولت أروح القرية اللي جنبنا أجيب حلويات لأمي وأجي، فلقيت الجثة."
كتبت ما قاله في دفتري لأسأله مجددًا:
"قول لي تشك في مين؟"
قال بنفس الملامح الطبيعية:
"معرفش والله، أصل أهل البلد كلهم طيبين وغلابة."
قلت بسخرية:
"طيبين إزاي، دي مش أول ولا آخر واحدة تموت هنا."
صمت قليلا ثم قلت:
"قول لي هو في حد اتق*تل قبل كده غير مرات فريد؟"
هرب بعينيه عني وقال:
"لا أبدا، مظنش إن ده حصل."
كتبت في دفتري أنه كاذب، بالطبع كاذب. هو لن يستطيع أن يكذب على شخص مثلي، شخص درس لغة الجسد جيدًا وأستطيع أن أعرف أنه يكذب. لذا ركزت عند هذه النقطة، لكن لم أبين له أني كشفت كذبه وقلت بكل هدوء وتصديق:
"امم تمام، قول لي بقى ليه محدش شافها غيرك؟ يعني غريبة أوي إنك الوحيد اللي شفتها، ولما راحوا علشان يتأكدوا ملقوش حاجة. غريبة أوي صح؟"
قال وهو يخفي يديه:
"معرفش."
لأكتب في دفتري أنه يكذب مجددًا. يستطيع اللسان الكذب، لاكن الجسد وحركاته التلقائية لا تكذب أبدًا. أكملت كلامي:
"تفتكر عدالة لسه عايشة؟ أصل لحد دلوقتي لسه محدش لقي الجثة. تفتكر إيه؟"
قال وهو يخفي يديه مجددًا:
"معرفش، أصل يعني هي أكيد مات*ت. أنا شفتها بعيني إنها مات*ت، كان الدم مغرق الدنيا. مستحيل ما تم*وتش."
كتبت في دفتري أنه يخفي شيئًا ما، لأقول:
"تمام كدا يا عيد، أشكرك."
قال ببسمة:
"ولا يهمك، وأتمنى أنك تلاقي الفاعل."
قلت ببسمة:
"لا اطمن، هلاقيه الفاعل والمفعول كمان."
تشنجت ملامح وجهه، لأقول في نفسي أني لا أحسن النكات. رحل لأكمل التحقيق، وكان ثاني شخص هو صبي، التي دخلت غرفتها بعدما أذنت لي.
"إيه ده، أنت لسه ممشيتيش؟"
قلت بسماجة:
"لا، لسه مامشيتيش."
لاحظت وجود قانون معها، نعم لقد علمت أن أخو المرحومة يدعى قانون.
"طب كويس إنكم مع بعض، وفرتوا وقت. يلا نبدأ."
قالت بعصبية:
"نبدأ إيه، أنت مش مرحب بوجودك أصلا."
قلت لها بهدوء:
"يا ستي، أنت هتخسري حاجة؟ مش يمكن نلاقيها؟ ولا أنت خايفة من حاجة؟"
قالت بثقة:
"وهخاف من إيه؟"
كتبت في دفتري أنها تخاف من شيء. لقد كانت تتحدث بثقة، ولاكن ليست الثقة العادية، ولاكنها ثقة زائدة جدًا جدًا، وهذا يعني أنها تخفي شيئًا بتلك الثقة، وخصوصًا عندما ابتلعت ريقها.
قلت بعدما كتبت:
"تمام، هبدأ مع الأستاذ قانون. قولي آخر مرة شوفت عدالة كانت إمتى؟"
قال بهدوء وحزن كان في عينه:
"قبل اختفائها بساعة تقريبًا."
كتبت في دفتري وأنا أسأل:
"تمام، والكلام بينكم كان على إيه؟"
"كانت خايفة بعد لما صبي قالتلها إن فريد كان متجوز مراته."
نظرت بسرعة لصبي لتقول:
"أنا كان قصدي إنه السبب في موت*ها، لأن كان عارف إن أي واحدة بيتجوزها بتم*وت، وهي كانت طيبة زي مراته ليلي."
سألتها هي:
"طب ما تقوليلي ليه اتجوز ليلي ومات*ت إزاي؟"
"اتجوزها علشان مصالح شخصية، بس مات*ت إزاي، فـ أنا معرفش."
كتبت في دفتري أن نصف إجابتها صحيحة والأخرى تكذب وتخفي شيئًا، وهذا بسبب تحريك يديها لأنفها.
سألتها مجددًا:
"طب وعيد؟"
اتسعت عينيها لأكمل:
"مش يمكن يكون هو اللي قتلها مثلا؟"
قالت وهي تبعد عينيها عني مجددًا:
"مستحيل، ده عيل غلبان، مستحيل طبعًا."
لقد قطعت التواصل البصري بيني وبينها مئات المرات، وهذا يعني أنها تخفي شيئًا مهم.
قررت أن أختم هذه الجلسة لأتأكد من شيء.
"قولي لي بقى، أنتِ ما تقدريش تعرفي اللي قتلها؟"
قالت وهي تحرك عينيها لأسفل:
"لا، مقدرش."
ابتسمت بهدوء وكتبت في الدفتر أنها تعرف من القاتل وتشعر بالذنب اتجاه معرفتها. وقد اخترت كلمة "تقدري" وليس "تعرفي" لأتأكد من أنها تعرف وتشعر بالذنب. شكرتهم وذهبت، وكانت وجهتي الثالثة هي الخدم. دخلت المطبخ، رحب بي الخدم. وبالطبع أنا لن أذهب لأي واحدة وأسألها، أنا سأختار فريستي بتأني، لأن من الممكن أنهن مخلصات لفريد جدًا. لذا قررت أن أستخدم الحيلة، فأخرجت بضعة نقود أمامهن لأقول لإحداهن:
"خدي الفلوس دي وهاتيلي شيبسيات بقى وحاجة ساقعة."
أخذت النقود ورحلت، وبعدها أشرت لواحدة كانت تقف بعيد أن تعد لي كوب شاي وتحضره لي، ثم رحلت. وابتسمت بخبث، لقد اخترت تلك الفتاة من بين الجميع لأنها كانت تنظر للمال بشهوة كبيرة، يبدو أن شهوتها ستتغلب على ولائها.
مرت بضع دقائق طوال حتى دخلت الخادمة ومعها كوب الشاي. وضعته أمامي وقالت باحترام:
"تؤمري بحاجة يا هانم؟"
قلت ببسمة:
"اه، اقعدي."
نظرت لي بصدمة لا أفهم لها سبباً، فجلست. قلت وأنا أشرب الشاي:
"أنت اسمك إيه؟"
قالت باحترام:
"سعاد يا هانم، في حاجة؟"
"متجوزة يا سعاد؟"
قالت باحترام مجدداً:
"آه الحمد لله، ومخلفة كمان."
أخرجت بضعة نقود لتنظر لهم بشهوة كبيرة. أعطيتها إياهم لتأخذهم على استحياء مصطنع. قالت:
"ربنا يبارك لك يارب و..."
وقبل أن تكمل، صدمتني بسؤالي:
"هما مرات فريد ماتوا إزاي؟"
قالت بتوتر وهي تنهض:
"معرفش."
أمسكتها وأخرجت مبلغاً نقدياً كبيراً. نظرت له بشهوة كبيرة وصوت أنفاسها بدأ يعلو:
"ليه بس يا سعاد، دا أنا بحبك ومتخفيش. محدش هيعرف حاجة خالص عن كلامنا، صدقيني."
نظرت لي ثوانٍ، ثم أخذت المال وهي تقول:
"كلهم ماتوا مشنوقين، ما عدا ليلي هانم ماتت زي عدالة هانم، مدبوحة. وعيد برضه لقي جثتها على أول البلد."
ابتسمت بخبث وقلت:
"طب وص*بي تعرف هما بيموتوا إزاي؟"
قالت وهي تعد النقود:
"طبعاً، دي كانت حاضرة في كل موتة."
تذكرت حديثي مع عيد، ثم سألتها:
"هو في حد اتقتل من البلد هنا غير مرات فريد؟"
قالت وهي تفكر:
"آه، في اتنين. الأول كانوا بسبب تار ودول كانوا رجالة. والتانية كانت واحدة ست وكانت مرات عيد. وقتلها عشان كانت بتخونه وما اتحبسش. كانوا بيقولوا اسمها جريمة أشرف باين."
قلت بتعجب:
"أشرف مين؟ اسمها جريمة شرف."
قالت وهي تخبئ النقود:
"أيوه، هي دي. أمشي أنا بقى، لحسن يلاحظوا غيابي ويروحوا يقولوا للسيد فريد، ودا ممكن يقطع عيشي وساعتها مش هعرف أشتغل تاني وعيالي هيموتوا من الجوع."
قلت لها بعدم اهتمام:
"تمام، تمام. روحي."
كادت تخرج من باب الغرفة، لكني أوقفتها عندما أمعنت في حديثها للحظات:
"الا قوليلي، آخر سؤال بس وهمشيكي."
قالت بتوتر:
"ماشي، بس بسرعة بالله عليك."
قلت لها:
"متخفيش، بس قوليلي أخبار علاقة فريد وعدالة إيه؟"
نظرت لي بتعجب، لأفهم أنها لم تفهم سؤالي. فأعدت صياغته من جديد كي تفهم:
"أقصد هما كانوا إزاي مع بعض؟ يعني بيحبوا بعض؟ بيكرهوا بعض؟ فريد كان بيحتقرها؟ بيكرهها مثلاً؟"
قالت بعد تفكير:
"بصي، هو في حاجة غريبة. أصل فريد بيه راجل مبيحبش الغلط، جبروت. عمره ما فوت غلطة، بس لما الست عدالة جت، ماشاء الله عليها كانت بتعمل بلاوي ومصايب. ياما كان بيفوت وبيعدي. ودا حتى ساب القرية عشان يبقى جنبها في الحبس. وأول لما جت، تصرفاته كانت غريبة."
رحلت بسرعة البرق. وذهبت أنا أدون كلامها في الدفتر. ابتسمت لأني اقتربت قليلاً من الحقيقة. لم يتبق لي سوى زيارتان. أمسكت حقيبتي بعدما وضعت بها كل ما أريد، ودخلت لمكتب السيد فريد بعدما أذن لي بالدخول.
نظر لي وقال ببرود:
"أنا مش قولتلك تمشي من هنا؟"
قلت له بهدوء وأنا أفترس ملامحه وتعابير وجهه لأستطيع تحليلها:
"أنا همشي فعلاً، بس عندي شوية أسئلة صغيرة."
قال ببرود:
"برا."
قلت بخبث:
"دي شوية أسئلة، انت مش خسران حاجة. ولا انت خايف من حاجة؟"
وعلى عكس أخته الحمقاء، لم يتصرف أي تصرف مريب. وقال ببرود:
"برا."
لقد علمت أن فريد هو أيضاً درس لغة الجسد جيداً، وسيكون من الصعب التعامل معه. لذا أخذت أفكر قليلاً. ليقاطع تفكيري مجدداً:
"أنا قولت برا."
وقفت وأنا أدور في المكتب، أنظر هنا وهناك:
"ليه دا؟ حتى انت أبو الكرم كله يا راجل."
وقف من على كرسي المكتب وقال لي بغضب:
"أنا صبري قليل، فمتحاولش تختبره."
سألته وقد أخذتها فرصة جيدة:
"بس تعرف إن اللي اسمها عدالة دي أوطى واحدة انت اتجوزتها؟ أصلي عرفت إنها قبلت تتجوزك عشان الأرض والورث، زبالة أوي، باعت نفسها عشان فلوس. وآخرتها إيه؟ ماتت موتة بشعة."
نظرت له، وجدت ملامحه جامدة، ولكن إصبعه الصغير كان يضغط بزفرة على إصبعه الأوسط. وهذا يعني أنه يكتم غضبه. أنا لم أرد أن أتحدث عن عدالة بهذا الشكل، ولكن عندما أخبرتني الخادمة بتعامل فريد الغريب مع عدالة وليس سواها، خطر في بالي فكرتان: أنه يود منها شيئاً، أو تمسك عليه شيئاً، لذا لا يود إغضابها، أو لن يستطيع الوقوف لها. لذا سيكون الشخص الأقرب لأن أشك في أنه السبب في موتها. أو الثاني أنه يحبها، فيستحيل أن يقتلها. ومما فعل بيده يبدو أنه يخفي حبها. لذلك رحلت فوراً كي لا يقتلني، وخصوصاً أن أنفاسه كانت حارقة مثل الثور.
أخرجت قلمي وعلمت على فريد وقانون. وهما الشخصان اللذان استبعدت أن يكون لهما يد في موتها. والاحتمال الأكبر كان لعيد، وبالطبع لتلك الكاذبة ص*بي.
لقد اقترب موعد كشف الحقائق. ولم يتبق لي سوى أن أذهب لقسم الشرطة الموجود في تلك القرية لأنظر في ملفات موت زوجة عيد. ابتسمت بخبث وأخذت أسأل عن الطريق. لقد كان غريباً. وهذه القرية هي الأغرب، والناس هنا أغرب وأغرب. كيف أن يكون هنا نجاران فقط وحداد واحد؟ وعندما أسأل أي شخص يقول لي: "هذه أوامر السيد فريد." هذا الفريد وما يخفيه من أسرار. ولاكنه لم يعلم أن قرار ستكشف كل الأسرار. ابتسمت على بلاهتي وسرت أمشي في تلك المتاهة هنا وهناك، ولا أعلم أين سأصل. حتى وجدت فتاة جميلة ذات شعر أصفر وبشرة ح*نطية. كانت جميلة جداً، ولكن ثيابها متسخة ورقبتها عليها شاش. اقتربت منها وهززتها لتفيق مفزوعة وتختبئ خلف شجرة. ولكن عندما وجدتني قالت بخوف:
"انت مين؟"
قلت لها ببسمة وبنبرة حنونة لأحاول أن أطمئنها:
"أنا اسمي قرار، وأنا جديدة هنا في القرية. انت اسمك إيه؟"
نظرت لي مطولاً، ثم قالت:
"إسمي عد... عديلة، اسمي عديلة."
كانت تتلعثم. لم أهتم. أحضرت لها ماء من حقيبتي لتمسكه وتشرب بشراهة. ثم غسلت وجهها. نظرت لها بعدما غسلته، كانت حقاً جميلة. ورغم حالتها المزرية تلك وثيابها المتسخة، إلا وأن وجهها كان يحمل في ملامحه كبرياء وشموخ. يبدو أنها من عائلة راقية. لاحظت نظراتي، لأشعر بالحرج. ثم أعطيتها شوكولاتة لتأكلها بشراهة. وعزمت عليها أن نذهب سوياً لقسم الشرطة. فرحبت وسرنا معاً. واكتشفت أنها كانت مخطوفة من قبل عصابة وكانوا يريدون بيعها، ولكنها هربت. وأخبرتها أنني أحقق في قضية قتل، فرحبت بالفكرة وقررت أن تساعدني. وأخبرتني أنها محامية، وستساعدني. وجعلتها مساعدتي الشخصية. أخيراً وصلت لمركز الشرطة بعد تعب وعناء، ولكن كل هذا التعب سيزول عندما أكشف سر جديد من أسرار عرائس السيد فريد.
رواية عروس السيد فريد الفصل السادس عشر 16 - بقلم فاطمة الزهراء احمد
سرنا أنا وتلك الفتاه سويًا إلى أن وصلنا لمركز الشرطة. قابلنا الشرطي وسألته عن ملف قضية موت زوجة عيد. لاحظت عليه التوتر والقلق.
"بس مش أي حد يعوز ملف أي قضية ياخدها، وكمان الموضوع ده هياخد وقت عقبال ما ألاقي الملف المطلوب ده، أكيد وسط ملفات كتير."
قلت بثقة وأنا أفرس ملامحه ليتوتر:
"آه، بس أنت مطلوب منك تتعاون معايا."
قال بهدوء:
"طبعًا طبعًا، هتعاون معاك. أوعد بعد يومين هجبلك كل الأوراق اللي عاوزاها. استنوا والله. اتفضلوا."
بالطبع شعرنا بإحراج شديد. رحلنا من المكتب لتقول لي مساعدتي:
"الواد ده شكله مخبي حاجة. إحنا نروح إحنا الأرشيف ونشوف ملفات القضايا."
نظرت لها بخبث وقد راقت لي الفكرة جدًا. ذهبنا بالفعل للأرشيف وأعطينا رشوة للعسكري لنستطيع الدخول. نظرنا للكم المهول من الورق والملفات بصدمة. وأخذنا نبحث هنا وهناك بسرعة، لكن الوقت لم يسمح.
لتقول لي المساعدة:
"أنا تعبت. إحنا مستحيل نقدر نلاقي القضية دي في الوقت ده."
لم تكمل كلامها حتى سمعنا صوت العسكري يقول بصوت عالٍ:
"أهلاً أهلاً يا باشا. اتفضل يا باشا."
اختبأنا لنسمع الشرطي يقول:
"إيه، معلي صوتك كده ليه؟"
قال وهو يدخل معه:
"معلش يا باشا."
قال الشرطي وهو ينظر للمكان:
"آه، طب تمام. امشي أنت بقى."
قال بتوتر:
"طب أساعدك يا باشا."
نظر له وقال:
"لا لا، روح أنت. أنا تمام."
لم يتحرك لينظر له الشرطي بغضب:
"على شغلك يا عسكري."
رحل العسكري ليسارع الضابط في إمساك الهاتف والاتصال بشخص. كل هذا ونحن نراقبه ليقول:
"أيو يا سيد فريد. البنت اللي قلتلي عليها جت وسألتني على ملف قضية عيد."
صمت قليلاً ليقول ثانيًا:
"أيو والله زي ما بقولك كده."
صمت ثانيًا ثم قال:
"لا لا طبعًا ما أدتهولهاش. أنا هحطه هنا."
سار في المكان وكاد يكشف عديلة، لكنها سارعت بالاختباء قبل أن يكشفها. أخذ يبحث هنا وهناك حتى وجد ملف أسود ثم قال:
"الملف معايا. متقلقش. أنا هحطه عندي في المكتب لحد لما تيجي. تمام يا سيد فريد."
رحل وهو يتكلم معه لأقول:
"يا ابن الغدارة! طلع متفق مع فريد."
قالت مساعدتي:
"طب إيه علاقة السيد فريد بموت مرات عيد؟"
قلت لها وأنا أفكر في الأمر:
"مهو أنا شاكة إن عيد هو اللي قتل مراته السيد فريد وهو اللي قتل عدالة، وأكيد واحتمال فريد وأخته عارفين إن عيد اللي قتل، وعشان كده بيخبوا حقيقته. بس السؤال هنا، هما ليه بيحموا عيد؟"
قالت لي بصدمة:
"معلش، إيه اللي قولتي ده؟ إنت قولتي إن عدالة مرات السيد فريد ماتت؟"
قلت بلا مبالاة:
"آه ماتت. لقوها مذبوحة على أول القرية."
وضعت يدها على رقبتها وقالت:
"يعيني عليك يا بنتي يا صغيرة على الموت. يا شابة."
قلت لها بتعجب:
"إيه؟ أنت إزاي متعرفيش؟ ده القرية كلها ملهاش سيرة غير الموضوع ده. أنت مش عايشة ولا إيه؟"
قالت بغرابة:
"أنا فعلًا مطلعتش عايشة."
لم أهتم لحديثها وأخذت أفكر كيف سندخل لمكتب الضابط. لم أجد أي أفكار، حتى صرخت في مساعدتي:
"متفكري معايا بدل ما أنا بفكر لوحدي."
سألتني:
"أفكر في إيه؟"
قلت بحنق:
"تفكري في طريقة نوصل بيها لملف القضية اللي مع الضابط."
أخذت هي الأخرى تفكر حتى قالت بفرحة:
"جتلي فكرة استوحيتها من مجرمة كنت بدافع عنها."
قلت بفرحة:
"كويس. إيه الفكرة؟"
قالت لي وهي ترحل:
"تعالي ورايا."
سرت وراها وأنا أقول:
"ها، هنعمل إيه؟"
وصلنا لباب المكتب وقالت لي:
"استني. أدخل وبعدين أنا هعمل شوشرة جوه. وأنا بعمل الشوشرة، اسرقِ انتِ الملف."
هززت رأسي وسألتها:
"وهتعملي شوشرة إزاي؟"
قالت لي ببسمة خبيثة:
"هتعرفي."
وبالفعل أدخلنا العسكري بعدما أخذنا الإذن. قال الشرطي بعدما رآنا:
"ها، قال يا قاعدين يكفيكوا شر الجايين."
ظلت تنظر له بنظرات غريبة ومريبة أربكته، لينظر خلفه ظنًا منه أنها تنظر لشخص خلفه، لاكنه لم يجد شيئًا. نظر لها بغربة ثم لي، أهز بيدي أنني لا أعرف شيئًا. أظن أنه شعر بالخوف مثلي. لتتحدث أخيرًا وقالت بفرحة:
"ممدوح عامل إيه؟"
قال بتعجب:
"ممدوح مين؟"
اقتربت منه ووضعت يديها على وجهه وقالت بفرحة:
"ممدوح وحشتني يا ابني والله. وأخبارك وأخبار مراتك الحرباية إيه؟"
قال بصدمة:
"مراتي مين؟ أنا مش متجوز أصلًا. أنتِ مين؟"
وضعت يديها على فمها بصدمة وابتعدت عنه وقالت:
"كده يا ممدوح؟ كده بتستعر من أمك؟ أخس عليك. حسبي الله ونعم الوكيل فيك."
قال بعصبية وهو يترك مكتبه ويقترب منها:
"أستعر من مين؟ هو أنا أعرفك أصلًا؟"
جلست على الأرض وأخذت تضرب بيدها على قدمها بحسرة:
"آه يا ني. تعالي شوفي خلفك الأسود يا أم ممدوح. ابنك بقى عاق. بيتعصب عليكي وكمان متبري منك."
قال بعصبية:
"لا، أنت اتجننت خالص."
قالت وهي تقوم وتمسك حذائها:
"وكمان بتعلي صوتك على أمك يا قليل الأدب."
وفي ثواني أخذت تضربه بحذائها على رأسه وجسده. كل هذا وأنا أراقب بتعجب. حتى أشارت لي. لم أفهم لماذا تشير، ثم ثواني حتى تذكرت أمر الملف. أخذت أبحث عنه هنا وهناك حتى وجدته. وبسرعة وخوف أخذت هاتفي وظللت أصور الملف جيدًا وبسرعة. ونظراتي تتنقل بين الملف ومساعدتي مع الضابط. حتى وجدته. استطاع الإمساك بها. ومن شدة غضبه كاد يضربها على وجهها، لاكن ما صدمني هو الشخص الذي دخل وأمسك بيده بسرعة قبل أن تنزل على وجه مساعدتي، وكان السيد فريد.
رمقه فريد بنظرات شر والضابط كان ينظر بخوف. ثم قال:
"يا سيد فريد. هما دول البنتين اللي جم هنا يا سيد فريد و..."
وقبل أن يكمل، أشار له السيد فريد أن يصمت. وأمسك بيد مساعدتي وكاد يرحل. أوقفه الشرطي قائلاً بغضب:
"يا سيد فريد. البنت دي هاجمت عليا وأنا..."
وقبل أن يكمل، قاطعه فريد مجددًا قائلاً:
"البنت دي تبقى عدالة عدل العادل. زوجة السيد فريد."
وقع الكلام كالصاعقة علينا أنا والضابط وكل العساكر الذين كانوا يستمعون للحديث. رحل فريد معها وتركنا. ثواني حتى أُفقت من صدمتي ولحقت بهم. وأنا أركض وبحمد الله استطعت أن أصل قبل أن يغادرا. ركبت معهم. لم يهتم لي فريد وسار بالسيارة تحت صمت الجميع. لم أستطع أن أكتم أسئلتي أكثر، حتى قلت بحنق:
"طب طالما أنت اسمك عدالة ومرات السيد فريد، منطقيتيش ليه؟"
قالت ببسمة حمقاء ومتوترة أصبحت بارزة أكثر عندما نظر لها فريد:
"أصل زي ما كنت قولتلك، أنا كنت مخطوفة. فا لما قابلتك مكنتش واثقة فيك. فا مرديتش أقولك على اسمي. ولما قولتي إن مرات فريد ماتت مذبوحة، افتكرت إني لما صحيت شفتني مرمية على الطريق ومتغرقة دم. فا افتكرت فيلم كنت اتفرجت عليه إن الروح بعد لما بتموت بترجع وبتساعد محقق عشان يكتشف مين اللي قتلها. فا افتكرت إن الفيلم بيتحقق وإني أنا متت وجاية عشان أساعدك تكتشفي مين اللي قتلني. واتحمست الحقيقة، بس واضح إن فرحتي راحت لأني مامتش للأسف. كان نفسي أحقق الفيلم."
قال فريد بشر:
"متخافيش، أنا هساعدك تحققيه."
قالت ببسمة متوترة:
"متشكرة يا فري، مش عاوزة أتعبك."
نظر لها بشر لتصمت. وهكذا مر الوقت بالصمت حتى وصلنا جميعنا لقصر السيد فريد. ارتجلت من السيارة ودخلت ولحق بي الآخرين. وبمجرد دخول عدالة حتى فُتحت أفواه الجميع من الصدمة ولم يتحرك أحد. سوى قانون الذي استوعب الصدمة سريعًا وركض اتجاه أخته وضمها بقوة وبكاء. وكان هي كذلك. وكان الأمر يبدو وكأنه لقاء أخوة مؤثر. حتى صدمت من حديثهم عندما قال قانون:
"كنت خايف مشوفكيش. مكنتش هعرف طريق التيشرت الأخضر بتاعي."
قالت وهي تبكي:
"أنا لبساه تحت القميص."
قال وهو يبكي:
"يعني اتي لبساه دلوقتي؟ الله يخربيتك ريحتك معفنة."
قال وهي تبتعد عن حضنه ومازالت تبكي:
"أنا بقالي أكتر من يومين غايبة عن البيت، فأكيد ريحتي هتبقي وحشة."
قال وهو يصرخ لها:
"طب لبستيه ليه؟"
قالت وهي تضمه مجددًا:
"كنت سقعانة يا أخي. كنت سقعانة وهو بيدفي."
قال بحنق:
"يا سلام. طب ما أنا كمان كنت سقعان وجالي برد بسببك. منك لله يا عدالة."
قالت بحنق هي الأخرى:
"طب ما تلبس حاجة تاني."
قال بتذمر كالاطفال:
"لا، أنا مبحبش إلا هو. مليش دعوة."
كانت صدمتي في تصرفاتهم أكبر من صدمتي بأن عدالة على قيد الحياة وأنها كانت معي كل هذه الفترة. ثواني حتى قال فريد بصرامة:
"عدالة تعبانة ولازم ترتاح شوية."
قالها وهو يأخذها من يدها لأعلى تحت صدمة الجميع. ثواني حتى لحق بهم قانون، وعيد الذي كان كل هذا الوقت لم يخرج من صدمة أنها على قيد الحياة. دخل إلى مكتب السيد فريد. أما عن صبي، اقتربت مني وقالت:
"إحنا متشكرين جدًا على مجهوداتك العظيمة والحمد لله عدالة رجعت. أظن كده مالكيش مكان بينا، ولا إيه؟"
نظرت لها بغضب لتقابلني بنظرات ساخرة. وقبل أن ترحل قالت لي:
"هبلغ الخدم يحضروا شنطك عشان تسافري بكرة. باي."
بمجرد أن رحلت قلت بإستهزاء:
"باي."
نفخت بغيظ. لقد كنت أنتظر كل هذا الوقت لأحل القضية. شعرت بأنني فاشلة. هذا الشعور مؤلم. كدت دموعي أن تسقط، لاكني تماسكت عندما سمعت صوت السيد قانون يقول ببسمة لطيفة:
"أنا متشكر جدًا على اللي عملتيه مع عدالة. هي قالتلي إنك إنتي اللي لقيتيها وساعدتيها."
قلت بتوتر:
"لا عادي، أي حد مكاني كان عمل كده."
قال ببسمة ونبرة لطيفة جعلت قلبي يصرخ عندما نطق اسمي:
"لا أبدًا يا قرار. مش أي حد كان عمل زيك. أنتِ عملتِ كده عشان أنتِ قلبك أبيض وطيبة. وأنا سعيد إني اتعرفت على بنت جميلة وشجاعة زيك. معاكِ تليفون؟"
أخذت أحاول الحديث والرد على هذا الكلام اللطيف، ولكني وكأن لساني السليط انعقد الآن. أخرج من جيبه قلم وأخذ ينظر هنا وهناك لم يجد ما يبحث عنه. أمسك يدي. شعرت بقشعريرة تجري في جسدي وأنفاسي أصبحت تقل وضربات قلبي تقرع كالطبول. أخذ يكتب رقمه على يدي. كل هذا وأنا أشعر أن قدمي لم تعد تستطيع حملي. حتى انتهى وكاد يتحدث. قاطعتنا صوت تلك الحرباء صبي تقول:
"قانون، يلا الوقت اتأخر. سيب الأستاذة عشان تلحق تسافر بكرة."
نظر لها ثم لي وقال:
"ده رقمي. لو احتجتي أي حاجة، ارجوكِ كلميني ومتردديش. صدقيني هعمل كل ما في وسعي عشان أساعدك. تصبحي على خير. وشكرًا ليكِ تاني."
رحل وتركني. وبمجرد أن اختفى، حتى وضعت يدي على قلبي وأخذت أتنفس بسرعة وكأنني كنت أركض في سباق. لا أعرف بعدها كيف سرت للغرفة وكيف رميت نفسي على السرير. كل ما عرفته أنني عملت هذا اليوم كثيرًا وجسدي وعقلي لا يريدان سوى النوم والراحة.
أخذت أسترجع كل ما حدث معي منذ خروجي لمراقبة فريد. شعرت بأحدهم يخدرني ثم استيقظت فوجدتني ملطخة بالدماء ليغشى علي مجددًا. وبعدها استيقظت لأجد أن....
قطعت أفكاري عندما شعرت بأحدهم يفتح الباب. أغمضت عيني وادعيت النعاس، فأنا ماهرة في هذا الأمر. فعندما كان أخي يضع المشروبات الغازية في الثلاجة وأشربها، كنت أدعي النوم كي لا يضربني، وكان لا يضربني عندما يجدني نائمة.
شعرت بهذا الشخص يتغلل تحت البطانية معي. شعرت بأحدهم هذا يضمني إلى صدره، وبيده يحكم ضمّي له، وبيده الأخرى يلعب في شعري، وصوته الأجش يقول:
"مع إنك بوظتيلي اللي كنت بخططله علشان أحميك منهم، وهتعرضي حياتك وحياتي للخطر، بس على قلبي زي العسل لو ده مش هيبعدني عنك."
همس بصوته الأجش في أذني:
"رغم إني كنت عارف إنك في أمان، بس قلبي كان وجعني أوي يا عدالة وأنت بعيدة عني. كنت وحشاني أوي، ووحشني جنانك أوي."
شدد من ضمه لي حتى شعرت بخنق:
"متبعديش عني تاني. مش هسمحلك إنك تبعدي عني تاني."
كنت أود أن أخبره أنه هكذا سيرسلني إلى الموت. لو ظللت هكذا، أخذت أتلمل ليبعدني عنه قليلاً، ثم قبل جبهتي ونام بعدما وضع رأسي على قلبه. انتظرت لساعات حتى نام. بالطبع لم أستطع أنا النوم في هذه الوضعية الغريبة والمريبة لي. هل كان هذا فريد حقًا؟ هل من قال لي هذا الكلام المعسول هو فريد؟ لا، لا، بالتأكيد لا.
أفقت من تفكيري وحاولت الإفلات منه حتى نجحت. سرت على أطراف أصابعي وخرجت من غرفتي. أخذت أبحث عن غرفة تلك التي تدعي قرار لأخبرها بما قاله فريد. استطعت العثور على غرفتها بعد عناء. أخذت أطرق الباب لدقائق طوال حتى فتحت الباب وقالت بحنق:
"أهلاً أهلاً، المرحومة نفسها بتزرني."
قلت بحنق:
"مش وقت استظرافك. أنا كنت عاوزة أقولك على موضوع يخص القضية."
أخذت تصنع بأصبعها حركات دائرية على عينيها لتستطيع أن تفيق، لتقول:
"ثواني."
عادت بعد ثوانٍ ومعها دفتر وقلم وقالت بفرحة:
"إيه؟ افتكرتي حاجة عن اللي خطفك؟"
"لا."
قلتها لتتغير معالم وجهها من الفرحة للحنق:
"أمال جاية ليه؟"
قلت بحنق:
"تصدقي إني غلطانة."
سارعت بالإمساك بي قبل أن أرحل:
"خلاص خلاص، قولي عرفتي إيه."
قالت له وهي تستعد لتكتب:
"لما كنت نايمة جالي فريد وقعد يقولي كلام غريب إنه أنا بوظت الدنيا بظهوري، وإنه كده هيعرض حياته وحياتي للخطر بسبب إني رجعت."
أخذت تدون حديثي، ثم قالت بعد تفكير:
"تمام. كده معناه إن فريد هو اللي خطفك."
شهقت بعنف لأقول بعدم تصديق:
"إزاي؟"
قالت ببسمة:
"أنا تقريبًا فهمت حاجات كثيرة."
قلت لها بفضول:
"هي إيه؟"
ابتسمت بخبث وقالت:
"هقولك بس مش دلوقتي."
ثم قالت وهي تفكر:
"يا ولاد اللعيبة، ده انتوا طلعتوا داهية."
قلت لها بتعجب:
"هم مين دول اللي داهية؟ وكده فريد طيب ولا شرير؟"
قالت بعدما أفاقت من شرودها:
"لا يا حبيبتي متخفيش، فريد طيب مش شرير. وبلا روحي نامي علشان بكرة ورانا مشاوير كثيرة. أنا مش همشي إلا لما أكتشف كل حاجة."
أنهت حديثها وأغلقت الباب في وجهي قبل أن أكمل حديثي، لأقول بحنق:
"وطية. يلا مش مهم، المهم إن فريد مش شرير."
أخذت أفكر في حديثها، لكن أوقفني صوت غريب يأتي من أسفل. شعرت بخوف وكدت أن أذهب وأوقظ قانون أو فريد، لاكنني تراجعت وقلت لنفسي:
"إيه يا عدالة؟ خايفة من حتة صوت؟ اتشجعي كده وانزلي لوحدك. ده انت قعدتي مع مجرمين وبلطجية بعدد شعر راسك."
أخذت أكمل حديثي وأنا أنزل لأرى ما مصدر تلك الضوضاء:
"وبعدين لو مطلعش حاجة كبيرة كده فريد وقانون هيتريقوا عليك. أنا عندي أموت ولا حد يتريق عليـ..."
لم أكمل حدثي بسبب صدمتي من مصدر الصوت، وكان ذلك الديك الذي كنت ألعب معه المصارعة. وما أكد لي حديثي هو الضمادات الطبية التي كانت تملأه.
نظر لي بشر وتحدي. لأنظر له بتوتر. لما أشعر بالخوف من هذا الديك؟ أخذت أحدث نفسي بغرابة: هل حقًا أشعر بخوف من ديك؟ ما هذه الحماقة! انتبهت للديك عندما وقف على قدم واحدة، وبالأخرى أخذ يبعدها للخلف ثم يقدمها وكأنه ثور يتجهز للانقضاض على فريسته. وبالفعل وجدته بدأ يحرك أجنحته ويركض اتجاهي واستعمل أجنحته للانقضاض علي. وبحركة سريعة منه أصبح فوق وجهي يجرحه باستخدام مخالب قدمه. وأنا أصرخ وأحاول التخلص منه. لاستطيع في النهاية أن أمسكه وأرميه على الأرض. وضعت يدي على وجهي لأشعر بدماء. يبدو أن هذا الحقير ينتقم مني. نظرت له بشر وقلت:
"والله لأموتك يا ديك يا ابن الفرخة."
سارع في الركض وأنا ركضت ورائه بجنون حتى دخلنا لغرفة الطعام. أمسكت ذلك الصحن الموضوع عليه الفاكهة وضربته به، لاكنه تفاداه ليهاجمني أنا هذه المرة. ومن خلال أجنحته استطاع القفز لمكان عالٍ وأسقط تلك المزهرية التي كانت ستسقط على رأسي، لاكنني لحسن الحظ استطعت أن أتفاداها، لأقول بحنق وغضب:
"بقي عاوز تقتلني أنا؟ يلا أنا لما كان قتلة القتلة بيعملولي تعظيم سلام، كنت أنت لسه كتكوت. أنا هعلمك إزاي تتجرأ على أسيادك."
أخذ يركض ويصيح وأنا أركض خلفه حتى وصلنا للبهو مجددًا. أخيرًا استطعت الإمساك به، ولاكن هذه المرة لم أنقض عليه بجسدي بل بيدي. أخذت أخنقه بيدي الاثنتين وأنا أضحك بشر وجنون:
"موت موت."
وأضحك مجددًا بجنون:
"موت موت."
وأخنقه مجددًا وأضحك حتى لمحت حذاء منزلي لشخص. أخذت أدعو الله في سري أن لا يكون له، لاكن مجددًا كان حظي يدمن اللون الأسود. لأجده هو هذا الشخص. كان السيد فريد ينظر لي بغرابة. لابتسم بتوتر. وسمعنا نحن الاثنان صوت صياح خفيف يشبه الأنين. لينظر تحت يدي ليجد ديكه. ليرفع رأسه بصدمة لي ويشير بيده إشارة معناها:
"تاني يا عدالة."
لم أستطع سوى أن أهز رأسي. ليأخذه من تحت يدي ويذهب في أحد الاتجاهات. رحل لأسمع صوت أخي يقول:
"الله يخرب بيتك. وأنت ميتة مش عارفين ننام، وأنت عايشة مش عارفين ننام."
نظرت لأعلى لأجد الجميع يستند على الترابزين. ويبدو أنهم شاهدوا هذه المعركة. قالت قرار وهي تسأل أخي:
"هو اللي حصل ده حقيقي؟ هي كانت بتتخانق مع ديك؟"
هز أخي رأسه ليقول:
"ولسه يا ما هتشوفي."
كدت أتحدث، توقفت عندما شعرت بجسدي يرتفع عن الأرض. وكان هذا فريد بعدما عاد. حملني ليسير بي للأعلى تحت نظرات الجميع المندهشة. قرب فمه من أذني وبأنفه أخذ يلعب بشعري وهو يقول:
"قومتيني من جنبي ليه؟"
قلت بخجل من هذا الوضع:
"كنت عطشانة."
قالت وهو مازال يهمس بنبرة خدرتني:
"متقوميش من جنبي تاني."
لم أستطع الحديث، كل ما استطعت فعله هو أني هززت رأسي. ليبتسم لي ويقبل جبيني تحت نظرات الجميع الصادمة. أدخلني الغرفة لأنام اليوم في أحضان السيد فريد.
رواية عروس السيد فريد الفصل السابع عشر 17 - بقلم فاطمة الزهراء احمد
استيقظت صباح اليوم لم أجد فريد بجانبي. كدت أظن أن ما حدث أمس كان حلمًا، لاكن ما أكد لي أنه حدث بالفعل هو تهامس الخدم ونظراتهم لي وضحكاتهن الخافتة. لذا أدركت أن ما حدث أمس كان حقيقة.
جلست مع الجميع على طاولة الفطور ونظرات الجميع كانت موجهة لي بشكل مريب. لم أهتم ليدخل بعدها فريد بجمود كعادته ليجلس ونبدأ في الأكل بصمت.
حتى تحدثت صبيحة:
"وانت ناوية تمشي امتى يا قرار؟ على العصر ولا الظهر؟"
قاطعها فريد:
"قرار مش هتمشي."
نظر الجميع له بصدمة بما فيهم أنا. ليكمل:
"هي جاية علشان تحقق في موت زوجاتي واحنا لقينا عدالة بس معرفناش مين اللي خطفها، علشان كدا مش هتمشي دلوقتي."
ابتسمت بنصر. لأنظر أنا لفريد بشك، ثم لقرار. ولاول مرة ألاحظ أنها جميلة، شعرها القصير البني ووجهها اللطيف. لاحظت أن شعرها بني وفريد يعشق هذا اللون بشدة. هل فريد أعجب بتلك الفتاة لذا يود أن تبقي؟ ظللت أنظر له بشر ليلاحظ هذه النظرات ليهمس لي:
"وحشتك؟"
نظرت له بصدمة ليقول:
"اصلك قاعدة تبصيلي طول الوقت، لو وحشك متزعليش، هجيلك بليل. اصلك انت كمان وحشاني."
لم أستطع أن أرد عليه. هذا الرجل سيقودني للجنون. أحيانًا يكون لطيفًا، وأحيانًا شرير، وأحيانًا غريب لا تفهمه، وأحيانًا تفهمه. لاكن كل ما أعلمه أنني أشعر تجاهه بشعور غريب. هو شعور مؤلم ولذيذ في نفس الوقت. هل سبق وأن عشق أحدهم الألم؟ أنا أعيش هذا الشعور الغريب مع السيد فريد.
قاطع تفكيري دخول عيد صاحب الأذنين المميزة. تشتت كل أفكاري أمام أذنيه المثيرة. لأعترف، أنا لا أكرهه، ولا أحب تناول لحم البشر. ولكن أذنيه مستفزة، تستفز خلايا فكي لأعضها. كان يتحدث بسلاسة مع السيد فريد، حتى لاحظ نظراتي الموجهة لأذنه. لينظر لي برعب ويتوقف عن الحديث. ويبدو أن السيد فريد انتبه عندما توقف هو فجأة. ابتسمت بخبث لأحاول الانقضاض عليه، لكن يدي السيد فريد كانت أسرع مني. أمسكني بقوة، وأنا أحاول الإفلات لأهجم على أذن عيد الواقف بذهول. ليقول فريد بغضب:
"أنت وقفلها يا غبي، إمشي من قدمها."
وكأن عيد أعطى لقدمه تصريحًا للفرار، ليفر هاربًا لغرفة مكتب فريد. ليقول لي هو:
"وانت اهدّي بقى، دا انت كنت ميتة امبارح."
قلت بحزن:
"على فكرة ودانه هي اللي مستفزة، أنا لو ما عضتوش دلوقتي هعض قانون."
قال قانون بحنق:
"ألاه وأنا مالي يا لمبي."
نظرت له لأقول:
"خلاص هات لي الديك بتاعك أعضه."
قال بغضب وهو يفلتني:
"ارحمي أمه، صبحي معدش فيه حتة سليمة."
قلت بتعجب:
"الديك بتاعك اسمه صبحي، وانت اسمك السيد، وأختك اسمها صبي. دا إيه الأسماء العرة دي."
رحلت وأنا أقول:
"أنا لا يمكن أعيش مع ناس أسمها عرة كدا، No way."
قال لي وأنا أصعد للغرفة:
"الله يرحم أبوك، دا انت اسمك عدالة. أمال لو كان اسمك فريدة ولا نهلة كنت عملتي فينا إيه."
رحلت عدالة لأقول أنا لقانون:
"هي هبلة كدا دايما ولا أوقات وأوقات."
قال بشموخ وكبرياء غريب:
"24 hours."
نظرت له بصدمة. ليقوم من على المائدة ويصعد. وقبل أن يفعل، قال لفريد:
"اسمه صبحي omygad، عرة أوي. أنا مش فاهم إزاي your dad سماكوا أسماء عرة كدا."
رحل بكل شموخ تاركًا إيانا ننظر له بصدمة. لكن يبدو أن فريد كان متوقع هذا الجنون. لذلك رحل وهو يهز رأسه في يأس. لأهمس أنا لنفسي:
"وأنا اللي افتكرته دكتور عاقل ومحترم، طلع أهبل زي أخته. واضح إنها جينات."
دخل فريد المكتب لأقول له بغضب:
"والله لولا إنها مراتك لكنت قتلتها بجد."
قال وهو يكمم فمي:
"اخرس، الله يخرب بيتك. وطب صوتك، هتفضحنا."
أبعدت يدي عنه لأقول بحنق:
"معلش أصلها عصبتني، دي كانت عاوزة تعض وداني تاني. أنا تعبت، انت مبتأكلهاش يا ابني."
قال وهو يجلس أمامي:
"احترم نفسك، دي مراتي."
نظرت له بحنق. ليكمل هو غير مهتم لنظراني كعادته. فريد:
"ها، قولي عرفوا حاجة."
قلت له:
"لحد دلوقتي لسه. بس انت ناوي على إيه بعد لما الهانم بوظت كل اللي عملناه."
قال بحنق من حديثي:
"متقلقش، أنا قعدت أفكر طول الليل ولقيت الحل إنهم يفضلوا فاكرينها ميتة. أفضل ليها ولينا."
قلت له باستخفاف:
"هو حل كويس وكل حاجة، بس تضمن منين إن محدش يعرف برجوعها. دي عدالة يعني سيدة الوالي الأولى، مش أي حد برضه."
ضحك من دون صوت وقال:
"لا متقلقش، أنا كنت عامل حسابي. عشان كدا محدش من القرية شافنا وأنا بجيبها. ونبهت على كل القسم محدش يجيب سيرة. وكمان اللي هيأكد ده وجود اللي اسمها قرار. لما تفضل هيفتكروا إنها لسه بتحقق في موتها. وأنا نبهت على عدالة امبارح إنها متخطيش برا عتبة القصر. وكدا كدا محدش من الخدم هنا هيعرف يتكلم. فا متقلقش محدش هيعرف."
كاد يكمل حديثه. قاطعنا صوت غريب وقوي. لنخرج نحن الإثنين. سألنا قانون الذي كان يقف ومبتسم ابتسامة بلهاء:
"إيه الصوت ده."
قال بنفس البسمة البلهاء:
"لا دي عدالة ماشية تلف على أهل القرية بميكروفون تعرفهم إنها عايشة وإنها رجعت."
نظرت له بصدمة وأعين متسعة. وفريد وضع يديه على قلبه وبيده الثانية ساند. وقال:
"انتوا لو قصدكم تشلوني مش هتعملوا كدا. أقسم بالله."
ثم صرخ به:
"والله أنا اللي هقلهم. المرادي مش هستنى حد."
دخل لغرفة مكتبه تاركني أشعر بأعراض الشلل. وقانون يقف متجعبًا لا يعلم سبب غضب فريد. لا يعلم أنه أوقع نفسه وأخته في هلاك.
خرج فريد وهو يضع مسدس في ثيابه. لألحق به. وأظن أن قانون لحق بنا. وما كدنا نخرج حتى جاء طاهر مهرولاً يقول:
"يا سيد فريد، في مصيبة. عدالة هانم والست اللي جات أول امبارح اتخطفوا."
أغمض فريد عينيه كأنه يكتم غضبه عن الجميع. ثم نظر لي نظرة أفهمها. لأرحل. ويقول قانون:
"يعني إيه؟ هي لحقت ترجع لما هتتخطف تاني."
"أعمل إيه منكم لله."
رحل ليرحل خلفه قانون. وأنا أنظر في أثره. وسأذهب لأفعل ما أمرني به فريد.
"على فكرة بقى دي مش طريقة تعامل، فين جمعية حقوق المجرمين."
قالت لي قرار بحنق:
"مفيش حاجة اسمها جمعية حقوق المجرمين."
نظرت لها بصدمة ثم قلت:
"يعني إيه مفيش جمعية حقوق المجرمين؟ مش فيه جمعية حقوق المرأة والأطفال والحيوان؟ ليه بقى ميعملوش للمجرمين؟ هما قتلة القتلة، النشالين، أقل منهم ولا إيه؟ أخرج أنا بس وهرفع قضية على الحكومة أجبرها تعمل جمعية تضمن حقوق قتلة القتلة."
نظرت لي وقالت بغضب أجهل مصدره:
"يا متخلفة، مش لو قتلة القتلة دول سابونا عايشين الأول تبقي تفكري ترفعي قضية تضمن حقوقهم."
قلت لها بحنق:
"انت متعرفيش قتلة القتلة دول غلابة وطيبين إزاي. على فكرة انتي اللي واخدة عنهم فكرة غلط."
نظرت لي نظرة وكأنها تود قتلي. لم أفهم لما. لاكن لم أهتم. لتتوقف فجأة السيارة التي كنا نركبها. لم نستطع النظر لأننا نجلس في الجزء الخلفي من السيارة ومغطاة الأعين والأيدي والقدم. فجأة شعرنا بضرب نار وأصوات صراخ. أخذنا نحن الاثنين نصرخ. واقتربت من قرار التي كانت ترتجف. لأشعر بأحدهم يفتح باب السيارة. وقام هذا الشخص بإزالة الغطاء الذي على عيني أنا وقرار. ليشير للأشخاص الذي معه. فيخرجونا من السيارة ويفكوا قيودنا. لأقول:
"والله يا رجالة ما كان لازم اللزوم التعب ده. والله متشكرين."
قالت قرار وهي تنظر لهم بشك:
"انتوا مش بوليس. مش باين عليكم. انتوا مين."
قلت ببسمة وسعادة:
"أكيد تبع السيد فريد صح."
اختفت بسمتي عندما قال قائدهم:
"لأ. أحنا أصلاً بنعادي السيد فريد. أحنا خاطفينكم عادي، مش تبع حد."
قلت بصدمة:
"أصلاً. طب كان لازمتها إيه بقى تفكونا وتربطونا تاني؟ ولا انتوا مبتحبوش تشتغلوا ورا حد زي الصنايعية؟ هتربطونا ربطة جديدة."
قالت قرار بحنق:
"إيه ربطة جديدة دي وإحنا أكياس رز."
قلت لها:
"اتنيلي اتنيلي."
ثم نظرت له وسألت:
"طب كدا يعني مين اللي هينقذنا دلوقتي؟ فريد ولا البوليس ولا الخاطفين اللي كانوا خطفونا قبلكم."
قال ببسمة بشوشة وهو يشير للسيارة:
"اتفضلوا ادخلوا العربية."
سرت وأنا أقول:
"طب والله مجرم محترم، هيخلوني أرفع قضية على الحكومة فعلًا."
ركبت السيارة مع قرار التي شعرت أنها غاضبة. وكنت سأسألها لماذا. لاكن السؤال الذي راودني حقًا:
"يا ترى فريد عامل إيه دلوقتي."
قلت مجددًا، ولاكن بثقة:
"أكيد حزين على فراقي، أو هيتشل من غبائي."
رواية عروس السيد فريد الفصل الثامن عشر 18 - بقلم فاطمة الزهراء احمد
"ايوه ياباشا مرات فريد بيه طلعت عايشة."
جأني الرد من الهاتف لاقول له:
"ايوه والله ياباشا أنا اتأكدت من موتها صدقني معرفش عاشة إزاي تاني بنت القرود دي."
انتظرت الرد لاقول:
"يعني هي كانت معاك واتخطفت منك؟"
ودجددًا قلت:
"متقلش ياباشا مش هعرف السيد فريد انها مش معاك هخليه علي عماه وخايف منك."
"طبعًا طبعًا ياباشا دا أنا عينك اللي بتشوف بيها هنا متقلقش لو رجعت هقولك."
أغلق معي لاحدث فريد فورًا بعد أنتهاء المكالمة أخذت أحدثه لاكن لم يرد قررت أن أحدث قانون ليفتح من أول محاولة وقال بسرعه ولهفة:
"ها يا عيد عرفت هي فين؟"
قولت له:
"لا يا قانون بيه معرفتش للاسف ممكن تديني فريد بيه."
قال لي:
"تمام اهو معاك."
وبمجرد أن قالها قلت بسرعه:
"يا فريد بيه أنا كلمته زي ماقولتلي وكان هو اللي خاطفها بس إتخطفت منه و..."
سكت عندما قال قانون بصدمة:
"هو مين اللي خطفها أنت كنت عارف مين اللي خطفها؟"
سمعت شتيمة السيد فريد لأدرك أن قانون فتح مكبر الهاتف لذا استمع هو الآخر لكل شئ لذا أغلقة الهاتف فورًا وأنا أدعو الله أن يعثر عليها السيد فريد ليس لانني أحبها ولاكن ليخفف هذا من عقابه لي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قام المجرمون بأخذنا من طرق جانبية غريبة وطرق زراعية لم أرها ولا مرة حتي وصلنا لقرية غريبة هي بجانب قرية فريد ولاكنها تبعدها بقليل وأيضًا لن تلاحظ وجودها بسبب كمية الأشجار والطرق الجانبية التي ستتوهك ولن تصل للمكان لذا عرفت أنه من المستحيل أن يعثر علينا أحد وفي هذا الوقت أردت أن أضرب نفسي بحذاء لانني خالفت أوامر فريد الذي كان يترجاني لكي لا أخرج من القصر ولاكن أنا وبكل غباء كالعادة لم أهتم لما قاله وكل ما همني أن أخرق الأوامر.
وصلنا أخيرًا لأجد سكان القرية كلها يتجمعون حولنا وخلفي يقف المجرمون قال قائدهم:
"أهلا نوتوا قريتنا."
نظرت لقرار التي كانت تركز في المكان بدقة وكأنه تبحث عن شئ ما.
فهمت أنهم بالتأكيد سيقتلونا بعد أن يغتص*بونا أو يبيعونا ويتاجروا بنا لذا تجهزت لوضعية القتال فقبضت علي يداي ورفعتهم لوجهي كحركة الملاكمين الذين أشاهدهم علي التلفاز وقلت:
"لا بقولكم إيه أنا جيتوهنا بإرادتي ومحدش هيعرف يلمسني دا أنا متربية مع مجرمين وقالين قتلة، دا أنا عدالة واللي يجي علي عدالة ميكولش بقلاو...."
توقفت عن الحديث عندما وجدت ذلك الرجل الوسبم جدًا يخرج لنا كان طويل جسده ليس رفيع ولا ضخم كان متوسط قمحي اللون مثلي عينيه عسلية إبتسامته جذابة جعلتني انزل يداي وأبتسم ببلاهة علي وسامته وقلت:
"البقلاوة حضرت."
نظرت اي قرار بصدمة ثم قالت:
"انت عبيطة أحنا هنموت."
قلت لها:
"يا بنتي دي هتبقي أحلي موته وهو في حد يكره يموت وهو بيشوف حاجة حلوة."
قالت بهمس لكنني سمعته:
"يارب فريد يجي ويسمعك."
تحدث أخيرًا البقلاوة أقصد الرجل وهو يقول ببسمة جذابة:
"أنا عارف أن الطريقة اللي اتجابتم بيها مكنتش لطيفة، اتفضلوا معايا."
كدت أسير معه لاكن قرار أوقفتني ظلت تنظر له وأنا اتأفف ثم هزت رأسها وأمسكتني لاسير خلفه وخلفنا الخاطفين الذين أحضرونا همست لها:
"شوفتي حتي انتي كمان كنتي بتبصي عليه ولا عو حرام ليا وحلال ليك."
قالت بحنق وصوت هامس:
"يا غبية أنا كنت بقرأ لغة جسده."
وقفت وقلت بصدمة وصوت عالي لم أدركه:
"يا متحرشة كنت بتبصي علي جسمه."
نظرت لي بفزع ثم نظرت لجميع الرجال الذين ينظرون لنا بصدمة لتقول:
"الله يخربيتك أسكتي."
اكملنا الطريق والجميع يشعر بالحرج لاكنني همست لقرار وأنا انظر لقائد القرية:
"بس باين عليه معندوش عضلات مع انه أمور أو يمكن عنده بس بيخاف من الحسد."
نظرت لي بصدمة ولم تتحدث لاكمل بهمس أكثر أظن أنها لم تسمعني:
"ياتري فريد هو كمان عنده عضلات أنا أول مرة ألاحظ واضح أني مكنتش بهتم بفريد."
قاطعني قائد القرية هذا والذي اتضح أن إسمه مصطفي:
"أحنا هنا مش في قريه دي حتت أرض إدهلنا الأستاذ عدل الله يرحمه."
قاطعتني قرار:
"اللي هو والد عدالة مرات السيد فريد صح."
نظر لها وهز رأسه لتخرج من ثيابها قلم أجهل من أين أحضرته ايقول:
"قولي بقي علاقتك إيه أنت والأستاذ عدل."
قالت وهي تدون:
"الأستاذ عدل الله يرحمه كان ماسك قضية كبيرة جدا لواحد قتل مراته."
نظرت لي قرار بسرعة وقالت:
"اللي هو عيد."
هز رأسه وتعجب من كون قرار تعرفه وقالت:
"وبعدين أتعرف علي فريد ومعملته لاهل قرية الوالي وفي وقت كناكرهين فريد ومعاملته وتحكماته قررنا نعمل ثورة فافريد أمر أن أي حد يدخل القصر بتاعه يضرب بالنار فالما الأستاذ عدل عرف الموضوع عرض علي كل اللي بيعادي فريد انهم يمشوا ويسيبوا القرية ولان عددنا كان قليل وفريد كانت نفوذه كبيرة.
اضطرينا نوافق فسبلنا الأرض بعد لما أشتراها من فريد عيشنا فيها في حالنا وأي حد علي الطريق بقينا بنساعده فالما رجلتنا شافكوا وانتو بتخطفتوا قررنا نساعدكم."
ظللت أحاول أجمع هذا الكلام في رأسي حتي قاطعت قرار افكاري وهي تقول بخبث:
"أنت أكيد عارف هي مين."
نظرت لها ثم له ليقول بهدوء:
"عارف عدالة مرات السيد فريد، متقلقوش أحنا عمرنا مأذينا ستات وكمان علشان جميل أبوك لينا بس لو كان فريد أنا كنت..."
كنت هتعمل أي.
أنا أعرف هذا الصوت جيدًا، لفريد. استدرنا جميعنا لنري مصدر الصوت، وكنت محقة عندما خمنت أنه فريد. وقد كان هو وبجانبه أخي.
"أيوه يا باشا، فريد بيه خرج يدور على مراته. آه طبعًا، قلت له زي ما قلت لي بالظبط."
دخل وهو يبتسم ينظر للقصر:
"عفارم عليك يا عيد. دلوقتي مصطفى أكيد هيخلص عليه، وكل حاجة هترجع لمكانها."
قلت له ببسمة:
"وأنا ياباشا، دا أنا خدامك."
قال وهو يخرج سيجارة ويشعلها:
"طبعًا يا عيد، طبعًا. فريد بس يموت وأنا هروقك."
كدت أحدثه، قاطعني دخول صابري تقول بصدمة:
"أنت بتعمل إيه هنا؟"
قال هو لها:
"إيه المقبلة الوحشة دي يا صابري؟ في حد يقابل عمه كدا؟ واضح إن أمك الخوجاية معرفتش تربي."
قالت بغضب:
"اطلع بره."
قال وهو يدخن سيجارته:
"يا سيد."
جاء رجل ضخم ينظر باحترام ليقول له:
"خد الهانم لبره تشم هوا."
نظرت له برعب، لتنظر له هي الأخرى. ذهب لها ربيع وأمسكها يخرجها غصبًا بعيدًا، وأنا أجهل ما سيفعله. وآخر ما سمعته منها:
"يا عيد بالله عليك الحقني، متعملش كدا، متعملش فيا أنا كدا يا عيد."
ولم أسمع صوتها. ليقول لي الباشا عم فريد:
"أنا مبسوط منك يا عيد إنك مضعفتش."
ابتسمت. ليمسك هو الهاتف ويقول لربيع:
"أيوه يا ربيع، اتحركت تمام."
فتح مكبر الهاتف وقال:
"نفذ يا ربيع."
بعدها استمعنا لصوت صراخ صابري، وبعدها صوت طلقات نار. وقال ربيع:
"حصل يا باشا."
أغلق الاتصال وقال لي:
"خليهم يحضروا لي الحمام يلا، عاوز أستريح. أنت عارف الطريق من القاهرة لهنا متعب أوي."
هززت رأسي وذهبت لأفعل ما أمرني به. وكل ما أتذكره هو جلوسي بجانب صابرين وهي تقول لي وهي تعطيني الشاي:
"نفسي أعيش معاك في بيت صغير، تروح تزرع الأرض وبعدها تجيلي وأنت متغرق طينة. أحضر لك الأكل، وبعدها نحبس بكوباية شاي بالنعناع في الأرض اللي أنت لسه زارعها، ونقعد نتفرج على الأرض الخضرة ونجيب في سيرة الناس."
ضحكت، لتضحك وأقول لها:
"بس أنا مبعرفش أزرع."
"ويعني أنا اللي بعرف أطبخ."
ضحكت ضحكة رنانة مرحة.
لا أفيق على ذكرياتي بسبب مياه ساخنة شعرت بها على وجنتي. وضحكت أنا أيضًا، لكن لم تكن ضحكة رنانة مرحة، بل ضحكة حزينة مؤلمة.
"في أي حد أذاك؟"
"والله نفس السؤال اللي كنت هسألهولك وأنت متلقح كدا."
قلت لها هذا الكلام وأنا أنظر له، فقد كان مكتفًا بالحبال في شجرة. وبالجانب الآخر من الشجرة كان أخي مكتفًا بنفس الحبل.
قال أخي:
"والله هتندموا، انتوا متعرفوش أنا مين."
قال مصطفى وهو ينحني له:
"مين؟"
نظر لي ثم قال:
"مين الواد الأمور دا."
نظر له مصطفى بصدمة. لأنظر أنا لقرار وأقول لها:
"شفتي علشان تعرفي أني مش لوحدي اللي شايفاه حلو."
قلت لفريد وأنا أنحني له بجانب مصطفى:
"والله ووقعت يا فريد بيه ومحدش سمي عليك."
قال فريد لمصطفى وهو يعيد رأسه للخلف:
"إرحمني يارب، اقتلني أحسن."
ضحكت ضحكة شريرة بصوت عالٍ أخافت الجميع، ومن ضمنهم مصطفى الذي سأل فريد:
"هو في إيه؟"
قال فريد:
"لا أبدا، بس المدام بتحب تتفرج على أفلام كتير، فهتبدأ بقى."
"هتبدأ إيه؟"
قال فريد بسخرية:
"هتشوف."
لم أهتم لما قالوا، لأني كنت قد تقمصت دور شخصية المعلمة الجبارة التي أراها في الأفلام. لذا قلت لمصطفى بعدم اهتمام، أنه القائد:
"واد يا مصطفى، روح أحمي لي سيخ حديد علشان أربيه."
قال مصطفى بصدمة:
"واد أنا واد؟ وتربي مين؟"
قال فريد بسخرية:
"تربيني أنا."
شهق الجميع ليقول مصطفى:
"هي بتقولك كدا السيد فريد بجلاله وجبروته؟ حتة عيلة تقوله كدا."
قلت له بغضب:
"عيلة مين يالا؟ دا أنا المعلمة عدالة على سن ورمح، واللي بيجي على عدالة مبيكولش بقلاوة."
وقبل أن أكمل، شعرت بيد توضع على كتفي. لأنظر لمصطفى بخوف وأنا أهز رأسي بلا. ليهز هو رأسه بنعم. أعدت رأسي للخلف، وقد كان ما أخاف منه خلفي، فريد:
"هتربي مين؟"
نظرت لقانون الذي كان يكتم ضحكته، ولقرار التي استغلت فرصة انشغال الجميع وظلت تبحث وتسأل جميع الموجودين عن أمور القضية الخاصة بها. لاقول لفريد الغاضب وبنبرة كخاصة تلك المذيعة التي تدعي ياسمين عز:
"يا جرحني بلقمة ناشفة والعيش عندك طري، تقلان عليا ليه ما تحن يا مفتري."
رواية عروس السيد فريد الفصل التاسع عشر 19 - بقلم فاطمة الزهراء احمد
كنت أضحك على ما تفعله الحمقاء عدالة، فأنا أعرفها عندما تتقمص تنسي من هي ومع من تتكلم. كانت بين يدي فريد كالجرو الصغير الخائف، فكنت أضحك عليها.
عندما شعرت بأحد يقف بجانبي، نظرت فوجدتها قرار. ابتسمت لي وأنا أيضًا ابتسمت لها.
وما كادت تتحدث حتى شعرنا بضرب نار. نظرت فوجدت هجومًا من بعض الرجال الملثمين. أمسكت بيد قرار واختبأنا وراء أحد البيوت. نظرت لأطمئن على أختي فوجدت أنها بأمان مع فريد. حمدت الله وأمسكت برأس قرار وأدخلتها في أحضاني لكي لا ترى منظر الدماء هذا.
وكان الأمر أيضًا مع عدالة، ولكن فريد ربط عينها بمنديل قماشي وأمسك سلاحه وذهب ليضرب نيران مع رجال المدعو مصطفى.
حاولت المرور للاطمئنان على عدالة وأن لا أتركها بمفردها، لاكن لم أستطع بسبب تشبث قرار بي وبسبب طلقات النيران.
عندما رآني فريد ركض بسرعة اتجاهي وقال بصوت لاهث:
"قانون خد البت اللي معاك وحاولوا ترجعوا البيت وأنا هاخد عدالة معايا."
قلت له بسرعة:
"طب ما اخد عدالة برده."
قال لي وهو يخبئ مسدسه:
"مينفعش علشان نعرف نشاتتهم. هما جايين علشانا فلازم نتفرق وحاول ترجع بآمان وأنا رجالتي في الطريق هتوصل وتخلص عليهم بسرعة يا قانون يلا."
قال كلماته الأخيرة بصراخ.
لامسك أنا بيدي قرار وقبل أن أرحل قلت له:
"خلي بالك من نفسك وحاول توصل بدري."
تعجب من حديثي وقال:
"مش المفروض تقولي خالي بالك من عدالة وانها توصل بسلامة."
قلت له بسخرية قبل أن أرحل من اتجاه معاكس:
"لا عدالة خلاص وصلت السودان وانت طيب."
لم يفهم حديثي، فنظر للمكان الذي ترك به عدالة فلم يجدها. ليمرر النظر في المكان فلمح أثرها تسابق الريح. فقال وهو يركض ليلحقها:
"يابنت الغدارة إستني يا بت."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كنت أركض وأركض، لم أشعر بقدمي ولا أعلم أين سأذهب. كل ما أعلمه أنني أخاف وأريد الاختباء بين أحضان أخي. ولأني لم أجده فقررت الهروب بعيدًا. كانت دموعي تتسابق مع خطوات قدمي لترى من الأسرع.
شعرت بركض شخص خلفي، فأسرحت أكثر. حاولت النظر خلفي لأرى من هو، ولاكن دموعي منعت عيني من الرؤية. لذا واصلت الركض حتى شعرت بتوقف الراكض خلفي. لذا توقفت أحاول أخذ نفسي.
وما كدت أفعل حتى شعرت بمسدس يوضع على رأسي. يبدو أن هذا الراكض استطاع الإمساك بي. مسحت دموعي وأنا أرتجف من الخوف. نظرت وكان رجلاً ضخمًا أسنانه صفراء، يبدو أنه يشرب السجائر أو الحشيش. نظر لي بمكر وقال بصوت خشن مريع:
"أهلا أهلا بعروس السيد فريد الجديدة."
كان ينظر لي بتفحص ونظرات حقيرة جعلت الخوف يسري في كل أوردتي. وكل ما استطعت فعله الآن هو البكاء ودعاء الله في سري.
أكمل وهو ينظر لي بجراءة:
"لا بس المرادي فريد بيه عرف ينقي بصحيح."
وما كاد ينتهي من حديثه حتى وجدته يرمى على الأرض بفعل شخص. وما كدت أنظر حتى ضمني هذا الشخص لأحضانه. وسمعت صوت ضربات نيران. يبدو أن هذا الشخص بعدما أسقط الرجل ضربه بالنيران.
أنا أعرف هذا الشخص جيدًا، هو ما كان دائمًا منقذي في صغري. إنه أخي. رفعت رأسي له فوجدته فريد. تعجبت كثيرًا. لأجده يبتسم لي وقال:
"أنت كويسة."
هززت رأسي بالإيجاب، وسألته:
"قانون فين."
قال بهدوء وهو يدهثني في أحضانه ويستنشق رائحة شعري:
"أخد قرار وهربوا."
قلت بفزع:
"لا مستحيل قانون يسبني ويمشي."
ابتعد عني. قال بهدوء:
"أنا معرفش، أنا رحتله علشان يجي معانا لقيته هرب مع قرار."
لا أعرف لما لا أستطيع تصديق كلامه. أنا متأكدة من كونه يكذب. يستحيل أن يتخلى عني قانون ويرحل هكذا من دون سبب.
سألني هو يرفع رأسه لي:
"أنت زعلانة."
هززت رأسي بنعم. ليبتسم ويضمني له ويقول:
"ما تزعليش، أنا معاكي."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أمسكت بيد قرار وأخذت أركض وأركض حتى صرخت بي:
"أستني يا عم الحج نفسي اتقطع."
قلت لها وأنا أخذ نفسي بصعوبة بسبب الركض:
"يلا بسرعة هيحصلونا."
قالت بسخرية وهي تنظر للخلف:
"مين دول اللي هيحصلونا انت ما خلاص يا بابا معدلهمش أثر خلا..."
ما كادت أن تنهي الجملة حتى استمعنا لصوت طلقات نيران.
فقلت بحنق وأنا أسحبها خلفي وأركض:
"نقيتي فيها يا بنت الفقرية."
تعبنا من الركض فاختبأنا خلف شجرة. شعرنا بصوت خطوات شخص.
لتقول لي وهي تعطيني صخرة ليست صغيرة جداً ولا كبيرة:
"خد أول ما يعدي اضربه."
قلت لها بهمس:
"طب ما تضربي انت."
نظرت لي وقالت بحنق:
"مش انت الراجل، افرضي جيت أضربه راح ضربني أنا."
قلت بحنق:
"يا سلام، طب ما افرضي ضربني."
قالت بهمس صارخ:
"انت الراجل، أنت اللي المفروض تدافع عني."
سمعنا صوت غريب يقول بجانبنا:
"متخلصوا بقى، مين اللي هيضرب؟"
نظرنا للمتحدث بفزع، وكان هو الشخص الذي مازلنا نقرر من سيضربه.
قلت له:
"بقي بذمتك شيخ؟ مش هما عملوا فينا فيها أنثى مثقفة ووقت الجد يخلعوا ويقولوا أنت الراجل اتصرف."
قال القاتل بحزن:
"نفس دماغ نجلاء خطيبتي، تقعد تقولي أنا أنثى مستقلة، أنا مدركة إيه، وأول ما تقع في مصيبة إلحقني يا أشرف، الحقني يا أشرف."
كان يقول جملة "الحقني يا أشرف" بصوت ناعم ساخر وكأنه يقلد خطيبته. فأعطته قرار قراراً بالغضب، ظهر هذا على وجهها، لاكنه لم يهتم ليكمل:
"ستات عايزة قطع الرقبة."
قلت له بحنق وأنا أنظر لقرار التي تشتعل غضباً:
"أيوه والله."
قالت هي بحنق:
"يا سلام، طالما مش عاجبينكوا بتتجوزنا ليه؟"
قال القاتل:
"حكمة ربنا، ربنا ما خلقش آدم لوحده، لازم حواء تكون معاه عشان يكملوا بعض، لا حواء تعرف تستغني عن آدم ولا آدم ينفع يستغني عن حواء، فا حوار إن الأنثى مستقلة دا بطيخ بيضحكوا بيه على عقول الستات، زي موضوع الموضة بالظبط، كل ما تعري جسمك بقيتي على الموضة، كلام فارغ."
صمت ثم قال:
"بقولكم إيه، اشمئزوا من هنا يلا، انتوا صدعتولي دماغي ولفلفتوني وراكم، غوروا بدل ما أقتلكم."
أمسك هاتفه وهو يقول:
"أما أروح أكلم نجلاء خطيبتي."
أمسكت بيد قرار التي غرقت في التفكير في حديث القاتل. وقبل أن أرحل سألته:
"معلش بس يا أستاذ أشرف، لو مفيهاش إزعاج، نجري كدا ولا كدا؟"
كنت أشير له في اتجاهات، فاشار لي في اتجاه مختلف تماماً وهو يقول:
"هتجروا كدا هتوصلوا للطريق."
هززت رأسي وشكرته، وركضت مع قرار التي ظلت صامتة.
***
كنا نسير سوياً، يمسك بيدي وكأنني سأهرب منه. ينظر لي كل حين وآخر، يبتسم لي. قررت مقاطعة هذا الصمت وسألته:
"عمرك حبيت قبل كدا يا فريد؟"
توقف ونظر لي وعلى وجهه علامات التعجب. ثم قال بمكر لاحظته، فأنا صرت أعرف تعابير وجهه جيداً:
"بتسألي ليه؟"
قلت بلامبالاة كاذبة:
"عادي بنتسلى معاك واحنا بنتمشى."
قال وهو يسير:
"آه، حبيت مرة واحدة بس."
قلت بلهفة:
"هي مين؟"
قال هو بهدوء:
"واحدة اتجوزتها."
بمجرد أن قال جملته هذه، حتى خطر ببالي زوجته ليلى التي حدثتني عنها صبي من قبل. وسألت نفسي هل يقصدها أم فتاة أخرى من زوجاته؟ لذا سألته مجدداً:
"مين يعني؟ ما أنت على حد علمي اتجوزت كثير."
"تسعة."
قالها، فشعرت بالصدمة وقلت:
"نعم؟ كام؟ ويا ترى بيا ولا من غيري؟"
قال بلامبالاة:
"من غيرك بيكملوا عشرة."
قلت بصدمة بعدما توقفت قدماي عن السير:
"يا ابن المفترية، دا أنت لو اتجوزت كمان واحدة هشكل فريق كورة."
ضحك بشدة، لأضحك وكدت أنا أضحك أيضاً على ضحكه، لكني توقفت عندما تذكرت ضحكة شرشبيل خاصتي. أما فريد، فكانت ضحكته جميلة.
توقف ونظر لي، فسألته بنبرة مرتعشة حزينة:
"هو أنا لو مت، هتتجوز بعدي برضه؟"
صمت لأعرف إجابته. وما كدت أتحدث حتى سحبني بسرعة وركض. وأنا أركض خلفه، كدت أسأله عن السبب، حتى سمعت صوت طلقات. لأقول وأنا أركض:
"هو يوم باين من أوله، الله يخربيتك يا قرار."
أخذنا نركض في اتجاهات، أقسم أن فريد نفسه لم يعد يعرف أين هو. حتى وصلنا لكوخ خشبي. طرق فريد الباب مرتان، لم يفتح أحد، ليكسره بقدمه ويدخل. دخلت وراءه وأنا أقول بغضب:
"أنت تعرف جريمة التعدي على ممتلكات الغير عقوبتها إيه؟"
نظر لي بحنق وقال:
"لا معرفش."
قلت ببلاهة وأنا أتخطاه:
"ولا أنا والله، فيه هنا أكل."
***
وصلنا أخيراً للطريق، وقفنا لننتظر. وكانت قرار مازالت صامتة. قررت أن أقاطع هذا الصمت وقلت لها:
"بس ماشاء الله، أنت ذكية قوي يا قرار وعندك سرعة بديهة."
ابتسمت لي لأكمل:
"على كدا مجموعك كان كام في الثانوية العامة؟"
اختفت بسمتها لتقول لي بصرامة:
"وعلى كدا أنت بتقيس مستوى ذكاء الناس بنتائجهم في الثانوية العامة؟"
قلت ببرود:
"كل الناس كدا."
ابتسمت بسماجة وقالت ببرود:
"أنا سقط مرتين في الثانوية."
نظرت لها بصدمة، لتهز رأسها. لأقول أنا بصدمة:
"مش معقول، على حد علمي إنك ذكية وعندك سرعة بديهة عالية وبتقدري تحللي اللي قدامك بنظرة عين."
قلت ببرود:
"شفت بقي كل المميزات دي وسقط مرتين، معنى كدا إني غبية؟ ولا معنى كدا إن المنظومة هي اللي فاشلة؟ وإننا بنحاسب على مواد مش هنحتاجها في مجال عملنا، بس لازم ولا بد ننجح فيها؟ أنا لو متميز وناجح في حاجة، ليه حلمي يتدمر عشان مادة مقدرتش أعديها بالدرجات المضبوطة؟ وليه أصلاً درجات هي اللي بتحدد مستوى ذكائي عند الناس؟ ليه طالب هندسة عبقري وطالب تجارة فاشل في نظرهم؟ أنا عايزة أقولك يا قانون إن أنا حياتي اتدمرت بسبب نظرة الناس لكليتي اللي عمري ما حبيتها، عشان كدا عملت زي كل الشباب، رميت شهادتي واشتغلت حاجة بحبها."
نظرت لها بصدمة، يبدو أنها كانت تعاني الكثير. لذا لم تشعر بدموعها التي سارعت بالنزول. حاولت أن تداريها. نظرت أمامي لكي لا أرى دموعها، يبدو أنها لا تحب مثل كل أنثى، لا تريد أن ترى شفقة في عيون البشر. تود دائماً أن تكون حواء القوية.
قلت لها بهدوء بعدما أخذت نفساً عميقاً:
"تعرفي، وأنا برضه عمري، عمري ما حبيت كلية الطب. كان نفسي في كلية حقوق."
نظرت لي بصدمة وقد نسيت بعض قطرات الدموع على خدها. لم تجففها من صدمة حديثي:
"إزاي؟ أنا على حد علمي إنك الوحيد في العيلة اللي دخلت كلية غير كليات أهلك."
قلت وأنا أجفف تلك القطرات من على وجنتيها:
"مهو عشان كدا دخلت كلية تانية. أنا مكنش في دماغي طب ولا غيره. أنا كان كل اللي في دماغي إني اسمي ينكتب في تاريخ العيلة، إن هذه هي صورة الوغد الحقير الذي دمر سلسلة العائلة، قانون عدل العادل."
ضحكت، لأشاركها الضحك وأكمل:
"لو تشوفي نظرة الصدمة لما أمي عرفت إني هدخل طب، ولا عمي كان هيجيله انهيار عصبي."
قالت وهي تنظر للطريق الذي يبدو أن السيارات انقطعت عن المرور فيه:
"محدش بيختار اللي بيحبه."
قلت لها بغموض:
"الفراشة رغم جمالها حشرة، والصبار رغم جماله فهو زهرة."
قالت بتعجب:
"يعني إيه؟"
قلت لها بنفس تعبير الوجه خاصتي:
"بصي، هو فيه حكمة في الموضوع، بس أنا مش عارف هي فين."
رواية عروس السيد فريد الفصل العشرون 20 - بقلم فاطمة الزهراء احمد
نازل وأنا ماشي على الشوك برجليا وإنتِ السبب يا قرار ياللي خليتي بيا مع الواطي قانون.
"بس بقي أنا صدعت."
كان هذا صوت فريد الصارخ الذي يبدو أنه قد مل من غنائي، لاكن لا بأس، سأحرمه من فني. تأففت وأنا أجلس بجانبه على هذا الشيء الذي يشبه الأريكة. أخذت أرتشف فنجان القهوة التي وجدتها في المنزل.
قال بغضب: "بطلي تعملي صوت."
فهمت أنه يقصد صوت ارتشافي للقهوة. لم أهتم وأكملت استمتاع.
قال وهو يحاول التحكم في غضبه: "عدالة وهو أنتِ متعرفيش حاجة عن الهدوء؟"
قلت ببرود: "بص يا فريد بيه، علاقتي أنا والهدوء عاملة ذي علاقتي بالديك بتاعك، مبنطقش بعض."
نظر لي قليلًا وأخذ يقول شيئًا في سره، أعتقد أنه دعاء، لاكن لا أعرف إن كان لي أو علي. لم أهتم على أية حال. نهض وأخذ معه وسادة انتزعها من جانبي بعنف وهو ينظر لي بحنق. بعدما أخذ الوسادة ذهب لركن بعيد ووضعها على الأرض وتمدد وأغمض عينيه.
كدت أكمل غنائي، قاطعني هو: "أسمع نفس، هقوم أعلقك وأنا مبهددش تمام."
نظرت له بخنق وأخذت أشرب القهوة. نظرت له ثانيًا ووجدته فتح عينه. يبدو أن صوتي وأنا أشرب تلك القهوة أزعجه. كاد يقوم لينفذ تهديده ويعلقني حقًا. سارعت برمي القهوة ووضعت يدي على فمي بعلامة قسم لن أتكلم مجددًا. تراجع وعاد ليتممد.
لأنظر له ثانيًا بحنق، فهذا الذي يدعي فريد دائمًا يعكر مزاجي بمشاكله. إذا كان مع قتل ذلك الديك الذي يملكه، أو عض أذن مساعده، أو الصوت العالي، لا أفهم حقًا ما مشكلته مع تلك الأمور. إنها ممتعة. ربما سأعتاد على ذلك بعد فترة على كآبته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أخذت أسترجع ذكرياتي مع صَبي، كم كنت أحبها من صغري، وهي أيضًا كانت رقيقة كالوردة. لم تخذلني يومًا، بل استمرت بالدفاع عني دائمًا. كانت هي الحامي الخاص بي، كانت دائمًا تحميني من الناس ومن نفسي. لقد كانت الشيء الوحيد الذي يجعلني أكبح متعة قتل الناس. وبعد موتها، لن يستطيع أحد إيقافي، فقد عاد (الصياد).
ابتسمت تلك الابتسامة التي ما كان يدعوها ضحاياي السابقين مختلة. نعم، أنا مختل، مهووس بالقتل، وخصوصًا قتل البشر. كم أن هذا الأمر لذيذ وممتع.
استمعت لصوت الباشا، عم السيد فريد، يصرخ باسمي. أخفيت بسمتي المختلة كما يدعوها البعض وعدت مجددًا بملامح جامدة. نظرت له بإحترام ظاهري: "أومرك يا باشا."
قال بإنفعال: "الزفت فريد لسا عايش!"
نظرت وعلى وجهي علامات الصدمة، لاكني من داخلي أعرف أن السيد فريد لن يصيبه خدش.
"إزاي مش معقول، مش المفروض اللي اسمه مصطفى كان يقتله؟"
قال ويحرك يديه في الهواء بعشوائية بغضب: "معرفش، أنا بعت ناس تخلص عليه احتياطي لو مصطفى مقتلوش. عرف يهرب منهم هو ومراته."
ابتسمت بسخرية وبسرعة خفيتها، ثم قلت بتعجب مصطنع: "طب وهنعمل إيه دلوقتي؟"
نظر لي ثم قال بحنق: "أنت خلاص روح وأنا هتصرف."
ذهبت ولم أعيره أي اهتمام. فكل اهتمامي الآن كيف أنتقم ممن قتل وردتي البريئة. ماتت ضحية وغد حقير، لذا أقسمت أن أحرق كل الحديقة بوردها وشوكها وصبارها. لن أهتم إن كان هذا ظالم أو ذاك مظلوم. كل ما سأهتم به هو أنني سأحرق تلك الحديقة بمن فيها، وأنا لا أقصد الحديقة بنفسها، بل أقصد الوالي بمن فيها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عدنا للمنزل أنا وقرار أخيرًا. دخلنا وكنت أشعر بالتعب. كل ما أريده هو الاطمئنان على عدالة والنوم فقط. كدت أدخل لأنام، سمعت صوت قوي يقول: "انتوا مين؟"
نظرت له وقلت: "انت اللي مين وفين فريد؟"
قال وهو يهبط من على الدرج: "أنا هاشم بيه القاضي، عم فريد الكبير."
نظرت لقرار بتعجب لتقول: "عمه؟ فريد بيه عنده عم؟"
قال وهو يقف أمامنا بكبرياء: "وله عمين كمان غيري، بس هما مسافرين حاليًا."
تعجبت من عدم إخباري فريد بالأمر، لذا قلت: "أسف، مكنتش أعرف أن فريد عنده أعمام."
قال بكبرياء وهو يضع قدم فوق قدم: "وأديك عرفت أنتوا مين."
قالت قرار بسرعة: "ده قانون أخو عدالة، مرات فريد، وأنا قرار خطيبته. هو فريد ليه مرجعش؟"
نظرت لها بتعجب، لماذا قالت أنها خطيبتي؟ انتبهت له يقول: "للأسف، فريد ولا مراته رجعوا."
قال جملته ورحل. لأقول أنا لقرار: "انت ليه قولتي له إني خطيبك؟"
قالت قبل أن ترحل: "هتعرف بعدين، تصبح على خير."
قالتها ورحلت. جلست أنا على الأريكة، بالطبع لن يأتيني النوم، وعدالة لم تعد بعد، لذا جلست على الأريكة بتعب أنتظرها. وسألت في نفسي: "ياترى عاملة إيه يا عدالة؟"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"أنا تعبت، أنت مبتتعبش."
نظر لي وقال بحنق: "مش أنتِ اللي قعدتي تقوليلي عاوزة أروح، عاوزة أروح. أهو هنروح."
نظرت له بتذمر وسرت معه حتى وصلنا أخيرًا للطريق. سندت ظهري على شجرة وأغمضت عيني، فنحن منذ ساعة نسير ونحاول الوصول للطريق. أما فريد، أخذ ينظر للطريق حتى مرت سيارة علينا، توقفت أمامنا ونزل منها شاب وسيم، شعره بني ناعم، لون بشرته كانت بيضاء. قال ببسمة وهو يرفع يديه لضم فريد: "أهلاً أهلاً بإبن العم."
نظرت لفريد وقلت بصدمة: "إبن العم؟"
نظر لي الشاب وقال: "أنت أكيد مرات السيد فريد بيه، إبن عمي."
نظرت له بتشنج، فقد ذكرني ما قاله بمسلسل قديم اسمه الضوء الشارد عندما كانت تقول السيدة ونيسة عندما تنادي ابنها (رفيع بيه ولدي). ونعد تذكري لهذا، أخذت أضحك مما عجب الاثنين. لأسمع ذلك الغريب يقول: "أنتِ المحامية عدالة صح؟"
قلت بكبرياء: "صح."
هز رأسه ببسمة وقال وهو يشير للسيارة: "اتفضلوا، أنا كنت رايح لبابا القرية، أصله وصل إمبارح. هيفرح أوي لما يشوفك."
هز فريد رأسه وهو يشير لي. أقتربت منه وقلت له بهمس: "شوف عرفني إزاي على طول، مش أي حد. أنا دا أنا محامية جامدة برده."
قال بسخرية: "أنتِ تقوليلي على يدي يا بتاعت السنان البيضة."
قلت بحنق: "بس يا بتاع فريق الكورة اللي اتجوزته."
نظر لي بحنق وصعد، لأصعد خلفه ورحلنا. وبمجرد أن جلست، أخذت أفكر في حديث فريد، كيف عرف بأمر القضية الخاصة بالأسنان؟ هو لم يحضر سوى المرافعة الثانية وليست الأولى. أخذت أفكر حتى خطر ببالي أن قانون ربما هو من قال له، لذا لم أهتم كثير وركزت على أن نصل بسرعة.
لم تمر نصف ساعة حتى وصلنا. هبط فريد وفتح لي باب السيارة، لأقول له: "يا ترى قانون عامل إيه؟ أكيد بيبكي على فراقي."
قاطعنا ابن عم فريد الذي قال: "أنا هروح مشوار وراجع، اسبقوا انتوا."
هز فريد رأسه ودخل معي. لا أعلم لماذا أشعر أن فريد يكره ابن عمه ذلك. نظراته له طول الطريق كانت جامدة، لم يكن فريد المتذمر المبتسم معي لحظة واحدة. أول مرة ألاحظ أن فريد يمون معي مبتسم، أنا فقط عن سواي، مع أي شخص يكون جامد، فلا ترى ذلك المتذمر اللطيف.
قطع أفكاري صوت فريد الساخر وهو يشير لمكان: "آه واضح إنه مقطع نفسه من العياط عشانك."
نظرت إلى المكان الذي كان يشير له فوجدت أخي يجلس وأمامه صينية مليئة بالطعام. قلت فرحة: "أكل، الواحد هيموت من الجوع."
قبل أن أركض للطعام، سمعت فريد يقول: "هتموتي من الجوع؟ إيش حال ما أنتِ اللي أكلتي الفرخة ونص اللي كانوا في الكوخ ومحليتي بطبق جلاش يا مفترية، دي أنتِ مسبتيليش غير الأجنحة."
لم أهتم لما قاله لأذهب وأتناول الطعام مع أخي، والذي كان أرز وحمام وسلطة وخضروات ومحشي. ويوجد طبق بجانب أخي يوجد به شاورما، على ما أعتقد أنه تركه ليحلي به. أخذت أتناول الطعام بنهم مع أخي الذي كان يتناوله بنفس الطريقة. شعرت بوجود شخص بجانبي. نظرت له وفمي مليء بالطعام، لم أعرف لماذا كان على وجهه علامات الاشمئزاز والقرف. قلت وفمي مليء بالطعام: "في إيه؟"
نظر لي وقال بقرف: "مفيش، ابلعي اللي في بوقك، جاتكوا القرف."
نظر له قانون وقال والطعام في فمه أيضًا: "في إيه؟ ما تسيب البت تاكل، البت هفتانة."
قال بصدمة: "مين دي اللي هفتانة؟ دي ناقص تاكلني."
تأفف أخي وقال لي: "في إيه؟ مش طايقك لي كدا؟"
قلت بحنق: "أصلي عرفت إنه كان متجوز تسعة وبقوا عشرة."
توقف الطعام في حلق أخي. أخذت أعطيه الماء وأنا أسمع فريد يقول بحنق: "مش هنخلص من الحوار دا أنا عارف."
قال قانون: "بسم الله ما شاء الله، أنت ناوي تشكل فريق كورة؟ بالله عليك يا شيخ خليني الحكم، أنا بحب أصفّر أوريك."
قام أخي بالتصفير بأصابعه. سمعت فريد يقول: "شايفة تفاهة أخو..."
كاد يكمل لاكنه توقف عندما وجدني أحاول التصفير مثله. لاحظت هذا فتوقفت بحرج، ليقول هو: "أقول إيه، حسبي الله ونعم الوكيل، استعوضتك صحتي يا رب."
رحل، لأقول بصوت عالي: "طب لو هتعملوا خليني هجوم زي محمد صلاح."
سمعت أخي يقول لي: "هجوم إيه؟ مش أنتِ محامية، تبقي دفاع."
قلت له بفرحة: "يا ابن الايه، تصدق صح، ما شاء الله عليك يا قانون، عبقري."
قال بغرور: "طول عمري، بس هو جوزك مقريف ليه؟"
قلت ببرود وأنا أكمل طعامي: "والله معرف يا ابني، أي دا."
قالت بصدمة: "إيه ده؟"
قال أخي بعدما انتفض: "إيه؟ في إيه؟"
قلت له بتعجب: "مفيش، البنية فين البنية؟"
قال بحنق: "جوزك يا هانم طلع معفن، تصوري روحت أسأل الطباخ عليه، قالي فريد ببه مرضاش يجيب."
قلت بهدوء وأنا ألوي شفتاي: "قلبي كان حاسس إنه جلده، يلا منه لله."
هز أخي رأسه بحزن على حالتي التي أوقعتني مع هكذا رجل بخيل، لأكمل بلا مبالاة: "وريني كدا الخمسطاشر ساندويتش شاورما دول بيقولوا إيه."
هز رأسه، وقبل أن أقطم من الشطيرة، سمعت صوت فريد من الأعلى يقول: "حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله ونعم الوكيل، فوضت أمري إليك يا رب."
نظرت فوق لأجده فريد وهو يضرب بيديه ويحسبن. لا أعلم لماذا، لاكن بسرعة قفزة لعقلي فكرة لأقول لأخي: "هو سمعنا ولا إيه؟"
قال أخى وهو يقطم: "معتقدش، وبعدين ما يسمع، هو اللي جلده ومعفن."
قلت وأنا آخذ شطيرة: "معاك حق."