بعد مرور يومين .. خرج كلا من سليم وأدهم وحسام إلى عملهم. تبعتهم فريال التي خرجت للتسوق. فلم يتبق سوى جميلة التي كانت في غرفتها كالعادة، ومصطفى وليديا، كلا منهما في غرفته. خرج مصطفى من غرفته بعدما تأكد من خلو الفيلا من الجميع. اتجه ناحية غرفة ليديا وطرق الباب عليها لتفتحها بسرعة وتسأله: "ها، كلهم خرجوا؟ أومأ برأسه وقال: "أيوه، آخر واحدة خرجت أمي. مفيش غير تيتة وهي أصلاً في أوضتها ومتقدرش تصعد فوق." ابتسمت ليديا وقالت:
"تمام، أنا جهزت كل حاجة. كل اللي عليك توقف قدام السلم ومتخليش حد من الخدم يجي هنا." أومأ برأسه قبل أن يقول بتوتر: "بس يلا، متطوليش." ثم اتجه إلى السلم ووقف أمامه يراقب الطابق السفلي. ليجد ليديا تخرج بعد لحظات وهي تحمل العديد من الأكياس. دلفت مسرعة إلى غرفة أدهم. أدهشتها مدى أناقة الغرفة ورقيها وترتيبها. إلا أنها أزاحت هذه الأفكار سريعًا، فهي يجب أن تنفذ المهمة بأسرع وقت ممكن.
فتحت خزانة ملابسه لتتفاجئ بالكثير من الملابس. زفرت أنفاسها وهي تفكر بأن هناك أكثر من مكان للملابس. منها ملابس الخروج، وأخرى ملابس المنزل. تمتمت بكلمات غاضبة وهي تفكر في الطريقة التي سوف تستطيع من خلالها حمل كل تلك الملابس. ثم أسرعت وبدأت تخرج الملابس وترميها على السرير. لم تترك شيئًا سوى ملابسه الداخلية. رمت جميع ملابسه، والتي كانت كثيرة للغاية، على سريره.
حملت الأكياس خاصتها وبدأت تخرج الملابس منها وتعلقها بسرعة داخل الخزانة. أما في الخارج، كان مصطفى واقفًا في نفس مكانه يتطلع حوله بتوتر. حينما وجد رنا الخادمة تصعد درجات السلم. ما أن وصلت آخر درجة حتى وجده يقف في وجهها ويسألها: "على فين؟ أجابته بتعجب: "هنظف أوضكم يا بيه." "خليها وقت تاني." قالها بجدية استغربتها. إلا أنها ردت بهدوء: "يا بيه، فريال هانم وصتني أنظف الأوض كلها ولازم أبتدي دلوقتي عشان ألحق أخلص قبل العصر."
زفر مصطفى أنفاسه بضيق وقال محاولًا كتم غيظه: "يا رنا، افهمي. أنا بقولك مش عاوزك تنظفي دلوقتي." ردت بضيق وشك: "هو فيه حاجة يا مصطفى بيه؟ مالك واقف زي واحد عامل عملة وعاوز يخفيها؟ رفع بصره نحو الأعلى بنفاذ صبر. ثم تذكر أمرًا ما فأخرج من جيبه بضعة وريقات مالية وقال: "خدي دول وأجلي حكاية التنظيف دي." تطلعت إليه رنا بدهشة قبل أن تسأله: "دول كام يا بيه؟ قال بجدية: "٢٠٠ جنيه." "لا قليل، خليهم ٥٠٠."
"نعم يا أختي." قالها مصطفى بصوت عالٍ قليلًا. لترد بخبث: "خلاص يبقى أنظف بقى. ولو منعتني هقول لفريال هانم إنك مخلتنيش أنظف الأوض زي ما طلبت." "واطية وطماعة." قالها مصطفى بضيق. ثم ابتلع مصطفى ريقه بخوف وهو يفكر في ردة فعل والدته. فقال بسرعة: "طب خدي دول وهديكي الباقي بعدين، لأني مش معايا غير دول حاليًا. ويلا انزلي بسرعة ومتجيش هنا ومتخليش حد من الخدم يجي هنا. انتي فاهمة؟ سألته رنا بفضول: "هو انت بتعمل إيه هنا يا بيه؟
صاح بها بغيظ: "وانتي مالك؟! مش كفاية هتاخدي فلوس؟ خدي فلوسك واسكتي." أومأت برأسها وهي تقول بضيق: "طب خلاص، متصرخش." ثم هبطت إلى الطابق السفلي. ليتمتم مصطفى ببعض الكلمات الغاضبة وهو يفكر أنه سيخسر الأموال بسبب أدهم وأفعاله الغبية. نظر إلى غرفة أدهم وهو يشعر بنفاذ الصبر. فليديا تأخرت. ليجدها تخرج بعد لحظات وهي تحمل العديد من ملابس أخيه. "يلا بسرعة! إحنا كنا هنتفضح. تأخرتي أوي." أجابته بجدية:
"الهدوم كتير وأخذت وقت لحد ما علقت الهدوم التانية." "طب يلا بسرعة." قالها مصطفى بنفاذ صبر. لترد ليديا ببساطة: "لسه فيه هدوم كتير لازم أجيبها." "كمان؟ " قالها مصطفى وهو يكاد يبكي. بينما هزت ليديا رأسها بعدم اكتراث واتجهت إلى غرفة نومها. ثلاث مرات اتجهت ليديا من غرفة أدهم إلى غرفة نومها. فملابس أدهم كانت كثيرة للغاية. خرجت أخيرًا من غرفتها واتجهت نحو مصطفى قائلة: "خلاص خلصت." تنهد مصطفى براحة وقال: "أنا خفت نتكشف."
ابتسمت ليديا بعذوبة وقالت: "شكرًا يا مصطفى إنك ساعدتني. بجد أنت بطل." اتسعت عيناه بعدم تصديق وهو يقول: "قوليها تاني." "هي إيه؟ " سألته ليديا بحيرة. ليرد: "قوليلي إني بطل." قالت ليديا بعفوية: "أنت بطل." تنهد مصطفى بحرارة وقال: "ياااه، أحلى كلمة سمعتها في حياتي." ابتسمت ليديا بسعادة ثم جرته خلفها وأدخلته غرفتها قائلة بفخر: "كل هدومه بقت هنا. مسبتش حاجة ليه."
تطلع مصطفى بدهشة إلى كمية الملابس الموضوعة على سريرها والتي كانت جميعها من أغلى الماركات. "ما شاء الله.. ده فاتح محل." بينما قالت ليديا بسعادة: "نفسي أشوف شكله لما يشوف هدومه الجديدة." تنحنح مصطفى وقال: "ليديا.. أنا مش هوصيكي.. أنا مليش دعوة بحاجة." ابتسمت ليديا وقالت بخفة: "متقلقش.. أنت متعرفش حاجة أصلاً. أنا عملت كل ده لوحدي." تنهد براحة ثم سألها بفضول: "طب هنعمل إيه بالهدوم دي؟ هنخبيهم فين؟ أجابته ببساطة:
"هخبيهم عندي في الحمام وأقفل الباب وخلاص." أومأ مصطفى برأسه متفهمًا. بينما أخذت ليديا تحمل ملابس أدهم وتضعها في الحمام الملحق بغرفتها. ليسارع مصطفى في مساعدتها. *** مساءً...
دلف أدهم إلى المنزل بعد يوم شاق قضاه في الشركة. كان يشعر بالاشتياق الشديد لها ويريد رؤيتها. وكم تمنى أن يجدها في صالة الجلوس، لكن آماله خابت عندما وجد المنزل فارغًا. اتجه نحو الطابق العلوي وهو يفكر بليديا واشتياقه الغريب لها. حقًا بات يشعر بالضيق من مشاعره التي تزداد يومًا بعد يوم نحوها. كم تمنى لو لم يشعر بكل هذا ويبقى كما هو مع عليا خطيبته التي اختارها بعقله وأرادها زوجة له وأمًا لأولاده.
كان يسير نحو غرفته حينما وجد حسام يخرج من غرفته ويشير له بسرعة: "تعالى، عايز أكلمك." دلف أدهم إلى غرفة حسام يتبعه الأخير. ليقول أدهم وهو يستدير نحو أخيه: "فيه إيه؟ مالك؟ سأله حسام بجدية: "فكرت في حل لمشكلتي؟ رد أدهم بصدق: "لسه بفكر." قال حسام بعصبية: "أنا غلطان إني حاكيتلك. أكيد يعني مش هتفكر في حل ليا وانت أصلاً مش موافق على كل اللي عايز أعمله." تطلع إليه أدهم بضيق وقال بهدوء جاهد كي يسيطر عليه:
"أنا مش هرد عليك ولا هتعصب لأني مستوعب اللي أنت بتمر بيه. بس لازم تعرف إني لو مكنتش عايز أساعدك كنت قلتها في وشك. أنا مش منافق عشان أخدعك وأقولك عكس اللي بعمله." تطلع حسام إليه وقال بأسف: "أنا آسف يا أدهم، بس أنا متوتر بجد." ثم أكمل بحيرة: "وبصراحة مش مصدق إنك عايز تساعدني. لأني عارفك وعارف تفكيرك وإنك آخر واحد تحب إني أخطب واحدة فقيرة. طول عمرك بتفكر بالمستويات والطبقات والعيلة." رد أدهم بهدوء:
"ومش متغيرتش. أنا لسه بفكر كده وشايف إنوا البنت دي متنفعكش. بس أنت قلت إنك مصر عليها، وبالتالي هتعمل اللي في دماغك وأنا مش هقدر أمنعك. يبقى أسيبك لوحدك وأخليك تخسر كل حاجة، ولا أقف جنبك وأساعدك. أنت أخويا يا حسام وأنا بفكر في الطريقة اللي أخليك فيها متخسرش كل حاجة. لكن لو جيت عليا أنا عمري ما هكون راضي عن جوازك ده."
ابتسم حسام بالرغم من ضيقه من رفض أدهم لحبيبته كونها دون المستوى. إلا أنه في الوقت نفسه أسعده صراحته ورغبته في الوقوف بجانبه. تنهد أدهم وقال: "حسام، أنا محتاج أسألك كم سؤال قبل ما أقولك اللي بفكر فيه." "اسأل." قالها حسام بجدية. ليرد أدهم بتأني: "بس بلاش تتعصب. أنا بس عايز أطمن الأول عشان أقولك على اللي في بالي." زفر حسام أنفاسه بضيق وقال: "اسأل يا أدهم." قال أدهم بجدية: "السؤال الأول.. أنت واثق إنوا البنت دي بتحبك؟
يعني مش ممكن طمعانة بيك؟ ابتسم حسام وقال: "أنا كنت متوقع السؤال ده. وهرد عليك وأريحك. نورهان أنا عرفتها من فترة طويلة. شفتها بالصدفة البحتة. حبيتها من أول نظرة بس اترددت أقولها ده لأنها محترمة جدًا ومش بتاعة الحركات دي." تنهد وهو يكمل تحت أنظار أدهم المدهوشة. بنظرات أخيه وطريقة حديثه عن تلك الفتاة والتي جعلته متأكدًا أن حسام عاشق لها:
"عشان كده قررت أكلمها بصراحة وأقولها إني عايز أتوزجها. طبعًا بعد ما فضلت فترة أراقبها وعرفت عنها كل حاجة. استنيتها قدام مدرستها وطلبت أتكلم معاها. واتعمدت إني مروحش بعربيتي، فخليت تاكسي يوصلني. وفعلاً وافقت بعد ما استأذنت مامتها، لأنها مستحيل تخرج معايا من غير إذنها." تعجب أدهم من مدى احترام تلك الفتاة وتربيتها. وأخذ يقارنها بفتيات عائلة وجميع الفتيات اللواتي يعرفهن. أفاق من أفكاره على صوت حسام وهو يكمل:
"قعدنا وقلتلها إني معجب بيها وعايز أتقدملها. قلتلها إني خريج كلية الهندسة، بس قلتلها إني بشتغل عامل في مصنع لأني مش لاقي شغل بشهادتي. وكمان قلتلها إني عايش في منطقة شعبية قريبة منهم مع أمي وأخواتي التلاتة." ضحك أدهم وقال: "يابن الإيه.. ده أنت لعبتها صح." قال حسام بجدية:
"أنا كنت متأكد إنها مش طماعة ومش بتاعة فلوس. بس شيطاني وزني وخلاني أعمل كده. قلتلها إني عايز أتوزجها بس هتعيش مع أمي وأخواتي وإنوا مرتبى على قدي. لقيتها محرجة فسألتها بصراحة عن رأسها فقالتلي إنها محتاجة تفكر وتسأل والدتها. مقدرتش أمسك لساني فسألتها إنوا ممكن ترفضني بسبب حالتي المادية. فلقيتها بتقولي إنها ميهمنيش وضعي المادي لو لقيت أخلاقي كويسة وإني شاريها بجد. أما والدتها فهي مش عارفة ردة فعلها، بس طبعًا هي بتحترم رأي بنتها جدًا."
"والله أنت مصيبة." قالها أدهم بخبث. ليرد حسام بضيق: "كفاية بقى.. ياريتني ما حكيتلك. المهم، لما لقيتها موافقة مبدئيًا ومفكرتش في وضعي المادي ولا حكاية إنها تعيش مع أمي وأخواتي، وكل اللي هاممها أخلاقي، عرفت إني اخترت صح. فصارحتها فورًا وقلتلها حقيقتي وإني مهندس وعيلتي كده. كان لازم أقولها فورًا عشان متقولش الكلام الكدب بتاعي لمامتها." "عملت إيه؟ رد حسام:
"اتعصبت جامد وقالتلي إنها مستحيل توافق، وإنوا أنا مغرور وفاكر كل الناس همها الفلوس والمظاهر." "حقها." قالها أدهم بجدية. ليرد حسام بهدوء: "عارف إنوا حقها. وأنا غلطت، بس زي ما قلتلك شيطاني وزني وندمت جدًا بعدها. فضلت خمس شهور أجري وراها أحاول أصلحها، وهي مش بتبص في وشي حتى. فضلت أترجاها عشان تنسى العملة السخيفة بتاعتي وتقبل تتجوزني." "خمس شهور؟ لا كرامتك غالية أوي." قالها أدهم بتهكم. ليرد حسام بفتور:
"أولاً أنا بحبها. وثانيًا أنا غلطت في حقها وبصراحة أنا احترمتها جدًا إنها فضلت رافضاني، لأني حسيت إنوا كرامتها مهمة أوي عندها. غير إني ما صدقت لقيتها، فمكنتش مستعد أتنازل عنها بعد اللي حصل." أومأ أدهم رأسه بتفهم. بينما قال حسام:
"المهم، في الآخر وافقت تديني فرصة عشان حست إني بحبها بجد ومتمسك بيها. وأنا صارحتها وقلتلها طبيعة عيلتي وإنهم مش هيوافقوا. بس اترجيتها إنها تثق فيا وتوافق عليا. بس هي رفضت جامد وقالت مستحيل أكون سبب في مشاكل بينك وبين عيلتك." "طب أنت ليه قولتلها بالسرعة دي موضوع العيلة؟ " سأله أدهم بتعجب. ليرد حسام ببديهية:
"مكنتش حابب أكذب عليها مرة تانية وكنت عايز أصارحها وأفهمها إني ممكن أخسر عيلتي وشغلي وكل حاجة. فضلت فترة رافضاني وقالتلي بلاش أخسر عيلتي عشانها، وإنوا ممكن يجي يوم وأندم. وأنا فضلت أقنع بيها وكلمت والدتها. والدتها رفضت زيها وقالت: أنا مش هجوز بنتي لواحد أهله رافضينه." "وبعدين؟ زفر حسام أنفاسه وقال:
"فضلت ست شهور أروح لهم أسبوعيًا وأحاول أقنعهم إني الشخص المناسب. كنت عارف إنوا نورهان رغماً عنها تعلقت بيا، وده كان مفرحني. والدتها كانت بتعاملني كويس بس مصرة على رفضها. المهم، بعد محاولات كتير وافقوا في الآخر." قال أدهم بدهشة: "انت عايز تقولي إنك كنت مستنيها تقريبًا من سنة." أومأ حسام وقال:
"بحبها من سنة تقريبًا. يادوب وافقوا من كام يوم، عشان كده كلمتك بعد ما حسيت إني لازم أكلم حد. فالأول كنت ناوي أتوزجها وخلاص، بس بعدين جالي إحساس إنك ممكن تساعدني وكده. وفجأة لقيت نفسي بحكيلك عشان في النهاية أنت أخويا الكبير." ابتسم وربت على كتفه: "وأنا مش هخذلك وهساعدك كمان تتجوزها. بس فيه سؤال تاني." "كمان؟ " قالها حسام بضيق. ليرد أدهم بهدوء: "يابني اصبر، منا لازم أطمن الأول قبل ما أقولك على اللي بيدور في بالي."
"اسأل." قالها حسام وهو بالكاد يكتم غيظه. ليرد أدهم بجدية: "أنت مستعد فعلاً إنك تخسر عيلتك وشغلك والفلوس، وطبعًا هتتحرم من ميراثك. يعني هتبقى عايش على الحديدة. أنت متأكد إنك مستعد تتخلى عن كل ده؟ أومأ حسام برأسه وقال بجدية:
"أنا مكنتش هصر على نورهان بالشكل ده ولا أصر إني أتوزجها إلا لو مكنتش متأكد من ده. لأني مستحيل أورطها معايا. وعلى فكرة، أنا حطيت قدامي أسوأ الاحتمالات. احتمالات أسوأ من اللي أنت بتقولها وفكرت كذا مرة عشان أتأكد إنوا مش هيجي يوم وأتراجع عن قراري، مع إن كنت محدد قراري من أول لحظة، بس قلت الاحتياط واجب." تنهد أدهم وقال: "كده أنا اطمنت. وهقولك اللي بفكر فيه." "قول." قالها حسام بلهفة. ليرد أدهم بجدية:
"بص يا حسام.. أنا وأنت عارفين إنك لو اتجوزت البت دي هتخسر كل حاجة. أولهم شغلك باعتبار إنوا المكتب باسم بابا، وثانيًا العيلة اللي كلها هتقاطعك، غير إنوا مش هيبقى عندك مكان تعيش فيه. والأهم من ده كله إنوا أنا متأكد إنوا أبويا وأعمامي هيمنعوا أي شركة تشغلك عندها." ابتسم حسام بألم وهو يدرك أن ما يقوله أدهم سوف يحصل بالضبط. ليكمل الأخير:
"أنت مفيش حاجة باسمك غير العربية ومبلغ محدد بالبنك، واللي أكيد مش هيكفيك ولا هتقدر تستعمله في حاجة مفيدة. وأنا مش مستعد أخليك تتجوز وتلاقي نفسك على الحديدة وأسيبك ضايع وتخسر كل حاجة." "بمعنى..؟ " قال أدهم بجدية.
"ركز معايا يا حسام.. اديني كام يوم هديلك مبلغ محترم وكبير يكفيك تشتري شقة في منطقة كويسة وكمان تفتح مكتب خاص بيك بدل المكتب اللي أبوه هيسحبه منك. وبالتالي لما تصارح العيلة بجوازك ويرفضوك هتخرج من البيت ده وتتجوز وأنت عندك شقة وعربية وفوق ده شغل. أينعم مش هتعيش في المستوى ده، بس على الأقل هتقدر تعيش مرتاح نوعًا ما." سأله حسام بتعجب: "وأنت هتجيب المبلغ ده كله منين؟ أجابه أدهم بجدية:
"أنت ناسي إنوا كل الفلوس اللي بتيجي من المشاريع والصفقات بتبقى تحت أمري وأنا اللي بوزعها على أعمامي. أنا مسؤول عن الأمور المالية كلها." "بس يا أدهم، كده مش هتعتبر سرقة؟ " سأله حسام بشك. ليرد: "أولاً هما اللي أجبرونا على ده. ثانيًا اعتبره حقك من ميراث جدك وأبوك واللي واثق إنهم هيحرموك منه، والمبلغ اللي هديهولك رغم إنه كبير بس ميجيش حاجة جنب حقك الشرعي من شركاتنا وأملاكنا." "طب وأنت؟
دول هيقلبوا عليك وممكن يسحبوا إدارة الشركة منكِ. دول ممكن يعملولك حاجات كتير يا أدهم. مش هيسكتوا أبدًا ولا حد فيهم هيرحمك." رد أدهم بجدية: "أنا مضطر لكده. ثانيًا أكتر حاجة ممكن يعملوها ليا إنهم يقاطعوني فترة ويسحبوا مني إدارة الشركة، بس طبعًا مش هيتبروا مني ولا يحرموني من الميراث زيك." "وأنت عادي عندك يسحبوا إدارة الشركة اللي بتديرها من أكتر من عشر سنين؟
أنت ناسي إنوا ده كان حلمك من وقت ما كنت في الجامعة، ده حتى اخترت تخصصك الجامعي بناءً على رغبتك في إنك تدير شركات العيلة." "لا مش ناسي، بس أنا متأكد إنهم مش هيطولوا ويرجعوا ليا الإدارة. لأنوا كلهم عارفين إنوا محدش هيعرف يدير المجموعة زيي، ولا حد من أعمامك قدر يحقق ربع اللي أنا حققته. أنت ناسي السوق اللي بقى كله لينا من ساعة ما أنا مسكت الشغل وكل المنافسين بقوا تحتينا." قالها أدهم بثقة. ليقول حسام بتردد:
"بس أنا مش مستعد أسيبك في وش المدفع. أنت مش مجبر لده." قال أدهم بضيق:
"يا حسام استوعب كلامي. أنت لازم تكون ضامن مكان تعيش بيه وشغل يكفيك أنت ومراتك. مش هتتجوز وأنت فاضي كده. ثانيًا والأهم، أنت عارفني وعارف إنّي أقدر أقف في وشهم. صحيح هما أعمامي، بس متنساش إنوا من وقت طويل الكل بقى معتمد عليا والكلمة الأساسية بقت ليا. حتى إدارة الشركة مش هيجازفوا ويسحبوها لأنهم مش هيعرفوا يديروها صح وهيخسروا كتير، خصوصًا إنوا أنا ليا طريقة معينة في إدارة المجموعة محدش يعرفها غيري وغير موظفين غريبين تمامًا. حتى خالد وكريم مش عارفين حاجة عن طريقة شغلي. ولو موتوا روحهم مش هيعرفوا الطريقة اللي بدير بيها المجموعة ولا الاستراتيجية اللي استخدمتها وحققت المكاسب دي كلها ليهم وبقى دخلنا بالمليارات."
تطلع إليه حسام بدهشة. هو كان يعلم أن أخيه ذكي للغاية، بل مبهر أيضًا، لكنه لم يتصور أن يكون بهذا الكم من الذكاء الذي يجعله يتخذ طريقة خاصة أخفاها عن الجميع، حتى أولاد عمه، كي لا يستطيع أحد منهم أن ينافسه أو يشاركه بالإدارة، بالرغم من أن خالد وكريم يرغبان في ذلك. إلا أن الجميع يعرفون أنهم لا يستطيعون أن يصلوا إلى قدرات أدهم وذكائه، وبالتالي كان أدهم المفضل لدى جميع أعمامه، حتى عمه والد خالد وكريم. أفاق حسام من
شروده على صوت أدهم يقول:
"متفكرش بيا. أنا أعرف أضبط نفسي. واقف في وشهم. المهم، اديني كام يوم أجهز المبلغ، وأول ما أديك المبلغ تشتري شقة مناسبة وبعديها مكتب مساحته كويسة وتبتدي تدور على موظفين وأنا هساعدك. وبعد ما تشتري الشقة والمكتب تفاتح أبوك في الموضوع، واللي أكيد هيرفض. حاول معاه أكتر من مرة احتياط عشان ميقولش إنك ما صدقت، ولما تلاقيه مصر قوله إني هتجوزها وخلاص. وبعدها اتجوزها فورًا يا حسام. حسام نفذ اللي بقولهولك بالحرف الواحد."
أومأ حسام برأسه قبل أن يحتضن أدهم ويقول: "أنا عمري ما هنسى جميلك ده. أنت بجد أحسن أخ يا أدهم." ربت أدهم على كتفه وقال وهو يضحك: "يابني أنت أخويا الصغير. صحيح الفرق بينا أربع سنين، بس مهما كان أنا أكبر منك ومسؤول عنك. بس خليك دائمًا فاكر إن الفلوس اللي هتاخدها دي حقك. أنا مش بديك حاجة من جيبي."
ابتسم حسام بامتنان. بينما خرج أدهم وهو يشعر براحة غريبة. فهو بالرغم من كونه يتمنى لحسام زيجة تليق به، إلا أنه سعيد للغاية بعدما ساعده في حل مشكلته. فهو أخيه الذي يحبه وسوف يقف في جانبه ويدعمه في جميع قراراته. ***
دلف أدهم إلى غرفته سعيدًا منشرحًا. ثم قرر أن يغير ملابسه بسرعة ويهبط إلى الأسفل ليرى ليديا التي يشتاق لها بجنون. فتح خزانة ملابسه وسحب أحد البيجامات ليتأملها بدهشة. فهي كانت بيجامة قديمة للغاية مستعملة، يقر أنها من زمن الستينات. وفوق هذا كله، بحجم يفوق حجمه بأضعاف. أخذ يقلب في البيجامات ليجدها كلها من نفس النوع والحجم والشكل المقرف.
اتجه نحو الباب الآخر وفتحها لينصدم مما رآه. ملابس الخروج خاصته مختفية، ويوجد محلها ملابس غريبة للغاية تشبه ملابس المهرجين بألوانها الفاقعة وتصميماتها المضحكة. وبالطبع كانت ذات حجم كبير يتسع لثلاثة رجال من نفس حجمه. اتسعت عيناه بغضب وهو يحمل نفسه ويتجه خارج غرفته نحو الطابق السفلي بحثًا عن ليديا. ليجدها جالسة في صالة الجلوس تقلب في هاتفها. "ليديا... " قالها بصوت غاضب. لتنهض ليديا من مكانها وهي تبتسم بسخافة.
"وكمان ليكي عين تضحكي؟ " قالها بغضب كبير. لتومأ برأسها وترد وهي لا تستطيع كتم ابتسامتها: "ده رد فعل طبيعي على اللي عملته. أظن ده حقي." "يعني كده انتقمتي مني؟ " قالها بغيظ. لتومأ برأسها وهي تجيبه: "شور." ثم أكملت بمكر: "بس إيه رأيك بالهدوم؟ عجبتك؟ أنا اخترت قطعة قطعة بنفسي. موديلات مفيش زيها في السوق." جذبها من ذراعها بقوة وقال بحدة: "فاكراني لعبة في إيدك يا ليديا؟ أنتِ عارفة أنا ممكن أعمل فيكي إيه؟
لولا إنك بنت أقسم بالله ما كنت هرحمك." ردت بتحدي: "أنت اللي بدأت.. يعني لازم تحاسب نفسك أنت." كاد أن يرد عليها لولا سمع صوت جرس الباب يرن. فرمقها بنظرات حادة قبل أن يترك ذراعها ويتجه ليفتح الباب. فيجد عليا أمامه. كاد أن يغلق الباب في وجهها. فهو لا يطيق رؤيتها خاصة بعدما حدث. لكنه استوعب أخيرًا ما كان يريد فعله وحمد ربه أنه تراجع عنه. اقتربت عليا منه وضمته وهي تقول بسعادة:
"وحشتني، قلت أجي أشوفك." ثم أكملت بحزن وهي تبتعد قليلًا عنه: "كده برضه يعني أكلمك يومين ومتردش عليا." رد أدهم بجمود: "ده العادي. أمال عايزاني أعمل إيه بعد كلامك السخيف اللي قلتيه؟ قالت عليا بحرج: "سوري حبيبي.. بجد مكنتش أقصد. أنا آسفة." هز رأسه بعدم اكتراث. بينما اتجهت هي نحو ليديا ترمقها بنظرات مغتاظة قبل أن ترسم على شفتيها ابتسامة مصطنعة وهي تقول: "إزيك يا ليديا؟ ابتسمت ليديا وقالت: "كويسة.. انتي إزيك؟ ردت عليا:
"بخير." تقدمت فريال نحو عليا ورحبت بها. بينما أدهم يطالعهم بلا مبالاة. قبل أن تلمع في عينيه فكرة ظن أنه من خلالها سوف يغيظ ليديا. اقترب أدهم من عليا واحتضنها من الخلف قائلًا بحب مصطنع: "طبعًا إنتي هتتعشي معانا صح؟ ابتسمت عليا بسعادة وقالت: "تمام." قالت فريال وهي ترمق ليديا بطرف عينيها: "طب ما تاخدها وتتعشوا بره لوحدكم." قال أدهم بسرعة ورفض متجاهلًا نظرات عليا المتلهفة لسماع موافقته على اقتراح فريال:
"لا خلينا معاكم.. أنا حابب نتعشى كلنا سوا." شدد من احتضان عليا وقال: "متعرفيش إنتي واحشاني قد إيه. بجد آسف إني انشغلت عنك." كان يتحدث بنبرة ناعمة جعلت عليا تطير من فرط سعادتها. فطوال حياته لم يتحدث أدهم معها بهذه الطريقة. بينما أدهم كان يراقب ليديا بطرف عينيه ليجدها أنها تتأمله بشكل عادي ولا يبدو عليها أنها تضايقت أو حتى تأثرت بما يحدث.
في تلك اللحظة وبذكائه تأكد أدهم أن ليديا لا تحمل أي شعور خاص تجاهه. فنظراتها وابتسامتها تؤكد ذلك. وهو ذكي بما فيه الكفاية لينتبه إلى أي اهتمام أو ضيق منها لو وجد. تملكه شعور فظيع من الإحباط مما وصل إليه وتمنى لو أنه لم يفعل ما فعل واقترب من عليا وتصرف معها هكذا. كان لديه أمل أن يشعر بضيق ليديا أو انزعاجها مما يفعله. أمل يجعله يشعر بأنها تبادله ولو جزءًا صغيرًا من مشاعره. لكن كل هذا تبخر وحل محله الألم والضياع وشعور فظيع وطاغٍ استولى على قلبه بأن الفتاة الوحيدة التي سرقت قلبه وسحرته وجعلته مدله بها لا تفكر به من الأساس.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!