يجلس في منزله… بالأصح منزلها الذي سرقها منها… يتأمل كل ركن وهو يشعر بالاختناق… يشعر وكأن شيئا بغيض يجثم على صدره… مشاعره مشوشة كليا… عندما رأى مهرا أدرك أنه لم يعد يحبها… أو بمعنى أصح لم يحبها أبدا… مهرا كانت بالنسبة إليه تحدي… تحدي أراد أن يفوز به… أراد أن يكسبها بأي طريقة… حاول كثيرا أن يلفت انتباهها له… كانت تضايقه الطريقة التي كانت تعامله به… كانت تعامله بترفع وكأنها أفضل منه… كأنه إنسان حقير لا يستحق أنها تحبه…
لذلك لاحقها بإصرار… لاحقها حتى أصبح مهووسا بها وظن أنه يعشقها… حاول كثيرا أن يتودد إليها ولكنها كانت ترده بإصرار… جعله يفقد عقله ويصر على أن يطاردها… ولكن الآن… الآن يشعر بجفاف من ناحيتها وكأنه لم يكن مهووسا بها من قبل… وكأنها شخص عادي جدا بالنسبة له… المدهش أن إنسانة أخرى تماما احتلت تفكيره بقوة… لم يتوقع في أكثر أحلامه سخافة أن حياة ستشغل تفكيره بتلك الطريقة… دموعها لا تتركه… نظراتها المنكسرة ترفض أن تحل عنه… أنه
يتذكر جيدا آخر لقاء بينهما عندما طردها من هذا البيت… يتذكر انكسارها وصراخها… ثم قسمها الأخير الذي جعل قلبه يرتجف.
فلاش باك… -بتقول إيه?! قالتها حياة وهي تنظر إليه… وجنتيها ملطخة بالدموع وعينيها حمراء بلون الدم… كانت تلهث بسبب ما يحدث معها… كانت لا تصدق… لا لا… هذا ليس أحمد… أحمد لا يفعل هذا… اقتربت منه أكثر ودموعها تنساب وقالت: -أحمد انت أكيد بتهزر… انت بتعمل إيه؟! انت عايز تطردني من البيت!!! … ليه بتكسرني بالطريقة دي… مسحت دموعها وقالت:
-أكيد انت بتهزر معايا… عايز تخوفني صح… طيب أنا استسلمت يا أحمد… كفاية بقا هزار سخيف… أنا بدأت أخاف منك… أنهي اللعبة دي لأن… لأن… تقطعت كلماتها وهي تضع كفها على قلبها وقالت: -قلبي بيتكسر من معاملتك دي… أنا تعبانة ومش متحملة… قلبي أضعف من إني أتحمل هزارك… فعشان خاطري كفاية… كانت ملامحه متجمدة وهو ينظر إليها رغم الأعاصير التي بداخله… كان قلبه يؤلمه بشكل غريب ولكنه تجاهل الألم وقال:
-أنا مش بهزر يا حياة… أنا قربت منك عشان فلوسك واخدت شقتك وأنتِ ملكيش مكان هنا… يالا دلوقتي امشي… امشي يا حياة مش عايز أشوف وشك تاني…
تقلص وجهها من الألم والحزن… وضعت كفها على قلبها. دموعها تتدفق من عينيها… كانت تنظر إليه بصدمة… لا تصدق أننا نحب شخص لدرجة الجنون وهذا الشخص يتجرأ ويقتلها… لقد قتلها أحمد… نعم قتلها ولن تقوي على الحياة مرة أخرى… كم تمنت أن يكون هذا مجرد حلم سخيف من خيالها ولكن للأسف كان الحقيقة كاملة… الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أنه لم يحبها أبدا… بل هي كانت وسيلة لتحقيق أحلامه… وقد حقق أحلامه والآن انتهى دورها يجب أن تذهب من حياته…
اقتربت حياة أكثر وعينيها تلمع بطريقة غريبة… شيء شبيه بالقسوة أو التحدي… أمسكته من قميصه وهي تهزه بينما دموعها تتساقط وتقول: -ليه مخلتنيش أموت… نظر إليها بحيرة لتصرخ بشراسة: -ليه مخلتنيش أموت لما كنت عند قبر أهلي… ليه أنقذت حياتي وانت أصلا كنت ناوي تقتلني ببشاعة أكبر… ليه يا أحمد… ليه!!! كنت سيبتني أموت كنت على الأقل مش هحس بالألم ده مش هحس إني بموت ومش طايلة الموت…
لم يرد عليها وهو يشاهد انهيارها… كان صامت تماما ولكن قلبه كان يغلي… أراد ضمها والاعتذار منها ولكن أوقف نفسه بصعوبة… ابتعدت وهي تمسح دموعها ولمعت عينيها أكثر وقالت: -مبروك عليك الشقة… ومبروك عليك إنك قدرت تخدعني بسهولة… انت كسبت الشقة والفلوس بس خسرتني… خسرت حبي للأبد… أنا هطلع من هنا واوعدك مش هوريك وشي تاني!!! باك… عاد من شروده وهو يلقي كوب العصير الذي يشربه ليتهشم الزجاج كتهشم روحه! -ادخلي يا حياة.
قالها مروان وهو يشير للداخل… ولجت حياة إلى شقة مروان وهي تمسح دموعها… تفحص مروان حياة جيدا وهو يفكر أنها تغيرت… تغيرت كي تنال حب أحمد ولكن يبدو أن أحمد قد خدعها وكسر قلبها… رغم كل شيء… شعر بالسوء من أجلها… شعر أن بطريقة ما حياة تشبهه كثيرا… هي تبحث بلهفة عن الحب مثله… تبحث بشراسة حتى تحطم قلبها… تحطم قلبها مثله…
اتجهت حياة إلى الأريكة الناعمة التي تحتل صالة المنزل ثم جلست عليها وهي تضم ساقيها إلى جسمها وترتجف بينما دموعها لا تتوقف عن الانسياب… منذ أن طردها أحمد وهي تجوب الطرقات دون هدف… قضت ليلتها في فندق ثم باليوم التالي ذهبت إلى المقبرة وقضت اليوم كله هناك… كانت بحاجة إلى والديها… كانت تريد أن تبث لهم حزنها وشعورها بالخيانة على يد من عشقت أكثر من أي أحد…
أخذت دموعها تتدفق بقوة وهي تشعر بقلبها يتمزق من الألم بينما شهقاتها تعلو بعنف… لقد تهدمت على يده… كيف يفعل بها هذا… كيف يكون بتلك القسوة لقد أحبته أكثر من أي شيء وهو كسرها… اتخذها وسيلة لتحقيق أحلامه دون أن يهتم بقلبها الذي تحطم على يده… كيف يكون بتلك البشاعة كيف… ماذا فعلت له ليفعل هذا… ولكن داخلها أدركت أنه ذنب مهرا… مهرا التي خدعتها بعد أن أعطتها ثقتها…
شهقت حياة وهي تضع كفها على فمها وتبكي بعنف… نظر إليها مروان بحزن… كانت حالتها تصعب على الكافر… رغم أنه أبدا لم يحب حياة… كان يحتقرها كأي رجل في حياتها يظنها سهلة المنال… ولكنه عرف أن حياة تشبهه إلى حد كبير… هي تعاني مثله من الوحدة والنبذ من الجميع… احتشدت الدموع في عينيه وهو ينظر إليها… كان يراها تبكي… تبكي المعاناة التي يعيشها… هي فقدت والديها الذين أحبوها وهو فقد والدته… فقدها وحتى الآن لم يستوعب الأمر… جلس بجوارها
بتعب وهي تبكي وقال: -يمكن أنا أكتر واحد مقدر موقفك يا حياة… مقدر حزنك وعدم قدرتك على تجاوز موت أهلك… أنا للأسف مش قادر أتجاوز وفاة أمي… قلبي بيتحرق وأنا بفتكر إنها مبقتش موجودة… هي من أول ما متت ملقيتش حد يحبني ولا يهتم بيا… أبويا بيكرهني ولا كأني عدوه… ضحك ودموعه تتدفق من عينيه وقال:
-تخيلي إنه قالي إنه عمري ما حبني… يعني أنا كنت عارف المعلومة دي… بس لما قالها بلسانه… وبنظراته وبالغل في كلماته… حسيت إن قلبي زي القزاز اللي انكسر خالص ومفيش أمل يتصلح… كان نفسي حتى يكدب عليا ويقول إنه بيحبني كنت هفرح والله… كان نفسي يحسسني ولو بالكدب إني ابنه… بس للأسف يظهر أن وائل بيه فاشل جدا في الكدب…
نظرت إليه حياة وهو يمسح دموعه… يسيطر على نفسه كي لا ينهار مثلها… ربتت على كتفه وهي تبكي… تبكي حالهما… تبكي عدم حصولهما على الحب… ارتجفت شفتيها وقالت: -كنت فاكرة إني خلاص… ليا حق أحب وأتحب… ليا حق إني أبقى مبسوطة… افتكرت إن أحمد بيحبني وعملت المستحيل عشانه… لكن أحمد.
…أحمد كسرني يا مروان …اتخلي عني يوم فرحنا …بعتلي رسالة وقالي ببرود أنه مش جاي …وقتها أنا حسيت إني نفسي أموت بس مش طايقة الموت …وقتها اتمنيت أن بابا وماما يكونوا عايشين عشان أبكي في حضنهم …لكن لا، أنا في اليوم ده فضلت طول اليوم أبكي لوحدي …صحيح عمو جلال حاول يساعدني بس مقدرش …أنا مكنتش عايزة إلا أهلي في الوقت ده. انفجرت حياة بالبكاء ليبكي مروان مثلها وسيطر صوت بكائهما على المنزل …كل منهم يبكي مرارة الفقد !! …………
-بنتك هربت …هربت وفضحتنا كل ده بسببك معرفتش تربي!
قالتها علياء وهي تدعي الانفعال …لكن من داخلها كانت سعيدة أنها تخلصت من تلك الفتاة المستفزة …كانت سعيدة وهي ترى عثمان ناكس الرأس منهار بسبب ابنته قليلة الحياء …ابنته التي فضحته وهربت …لقد ضغطت عليها علياء …تعترف إنها عاملتها بسبوء لكي تقدم على أي تصرف متهور فيعذبها والدها …حسنا هي لم تتوقع أن تصرف ميار سيكون بتلك الجرأة …أن تخدر عائلتها وتهرب …سيكون أفضل لو سلطت عثمان أكثر عليها حتى يتحكم به غضبه ويقتلها …فهي أبدا لا تريد لتلك الفتاة أن تأتي هنا …تتمنى موتها أو زواجها حتى طالما ستبتعد عنها ولن تعترض طريقها للحصول على المنزل الذي تعيش به مع عثمان !!
كان عثمان جالس وهو يغلي …يفكر إنه يريد إنه يجد ميار بأي طريقة ويقسم إنه عندما يجدها سوف يقتلها …لن يرحمها أبدا …سوف يتخلص من تلك الفتاة التي ألحقت به العار…ولكن أين ذهبت …أين قد تكون …هو حقا سوف يجن …ذهب إلى كل الأماكن التي يمكن أن تقصدها فلم يجدها …حتى إنه ذهب لعلي ولكن علي لم يخبره أي شيء …كل ما يقوله إنه لم يراها أبدا …كما أن علي تزوج بالفعل من فتاة اختارتها والدته وأخبره بوضوح إنه لا يريد إنه يرتبط اسمه باسم ميار فهو يريد إنه يحافظ على منزله …إذ إنه بدا مرتاح معها …اغتاظت
علياء وقالت: -هو ده اللي فالح فيه يا عثمان …بنتك هربت وأنا قاعد ساكت وهادي …كأنها مش جابت لك الفضيحة والعار… -أخرصي …أخرصي يا علياء … قالها عثمان وهو يطحن أسنانه بعنف …كان كفه يؤلمه ..يريد إنه يفرغ غضبه …نهضت علياء وهي تضع كفيها في خصرها وقالت: -نعم يا أخويا …أنت بتتشطر عليا بدل ما تتشطر على بنتك الفلتانة .. نظر عثمان إليها وعينيه حمراء من الغضب وقال:
-قولتلك اسكتي يا علياء والا وديني ..وديني أنتِ اللي هتاخدي علقة مني لحد ما تقولي حقي برقبتي …أنا مش عايز أتغابي عليكي …فاحسنك اتعدلي بدل ما أعدلك .. -لا مش هتعدل …مش هتعدل يا عثمان وريني هتعمل إيه …يعني أنت مش قادر على بنتك جاي تتشطر وتعمل راجل عليا … نهض عثمان ببطء ثم شد علياء من شعرها وهو يصرخ بها: -أنا هوريكي إني راجل يا علياء …
ثم أوقعها على الأرض وبدأ يضربها بعنف …كانت علياء تصرخ بشدة ولكنه لم يرحمها بل كان يشدها على الأرض من شعرها بعنف …أمسكت كفه وقبّلته وهي تقول: -أبوس إيديك يا عثمان كفاية …كفاية أنا هموت في إيديك … أوقفها وهو يجذبها من شعرها …شعرت بخصلاتها تتمزق …عينيه كانت حمراء وهو ينظر إليها ويقول: -بعد كده تحطي لسانك في بوقك وإياكي تتكلمي … أنتِ فاهمة ولا لا … هزت رأسها وقالت: -حاضر والله ما هتكلم …والله ما هتكلم … دفعها بعنف وقال:
-غوري جيبي حاجة أكلها … ذهبت مسرعة إلى المطبخ وهي تبكي ..صحيح عثمان يحبها ولا يضربها ولكن عندما يفقد أعصابه لا يهمه أي أحد ..ما كان يجب عليها إنها تستفزه !!! ……….. في منزل الخالة نوال…. وضعت ميار الصينية على الطاولة الصغيرة وقالت بابتسامة: -يالا يا خالتو عملتلك العشا…
نهضت الخالة نوال وهي تشعر بالتعب ثم اقتربت من الطاولة وجلست عليها وهي مبتسمة وبدأت تأكل هي وميار …كانت ميار سعيدة جدا بصحبتها…كانت تشعر إنها مع والدتها …أمسكت فجأة نوال كفها وقالت: -أنا فرحانة أوي بيكي يا ميار …بعد ما أولادي اتجوزوا محدش سأل عليا … لمعت عينيها بالدموع واختنق صوتها ..واكملت: -أنتِ جيتي ليا زي ملاك من السما… ابتسمت ميار وضمتها وقالت: -وهبقى معاكي دايما.. ……….. في غرفة آدم ومهرا ….
كانت تضم الغطاء إلى جسدها ودموعها تنساب بينما آدم يجوب الغرفة وهو لا يصدق ما حدث …كيف يحدث هذا …كيف تكون عذراء وقد تعرضت للإغتصاب …شعر آدم إن عقله متوقف تماما عن العمل …نظر إلى مهرا وقال: -ازاي ده حصل ؟! ازاي … لم ترد عليه مهرا بل ظلت تنظر إلى الأسفل وهي تتمسك بالغطاء جيدا …تشعر وكأن كل السعادة التي كانت تشعر بها تبخرت الآن …تبخرت عندما ابتعد عنها وجعلها تشعر بالفراغ … -مهرا انطقي ازاي ده حصل ؟!
قالها بانفعال دون أن يقصد إلا أنها شهقت وانفجرت بالبكاء وهي تقول بتلعثم: -م..معرفش والله معرفش ..أنا …أنا ..
كانت كلماتها غير مترابطة …تتنفس بعنف ودموعها تتدفق بقوة …شعر بالشفقة عليها واتجه إليها وهو يشدها ويضمها إليه ..ليرتفع صوت بكاءها وهي تستلم لعناقه …فاحتواءه هو كل ما أرادته الآن …هي ضعيفة وتعاني …تخاف …وسكينتها هي ذراعيه … علاجها هو حبه ….تمسكت به كالغريق الذي يتمسك بالقشة وهي تبكي …تبكي كل شيء …وهو تركها تفرغ ما في داخلها….ويبدو إنه فهم الأمر لقد خدعها مروان أوهمها إنه اعتدى عليها ولكنه لم يبدو إنه لمسها …كان يجب إنه يسيطر على نفسه والا يسألها بتلك الطريقة التي تجرحها…ولكن الصدمة كانت كبيرة عليه …هو للحظات توقفت دماغه تماما عن العمل…ابتعد
مهرا عنه وهي تبكي وقالت: -صدقني يا آدم معرفش إيه اللي حصل وقتها..أنا كنت متخدرة ..لما صحيت لقيت نفسي من غير…من غير … كلماتها تقطعت وانفجرت بالبكاء مرة أخرى ..ربت آدم على ظهرها وهو يقول بهدوء: -خلاص اهدي ..اهدي معنى كده إنه مقدرش يعملك حاجة … المرض النفسي ده بس أوهمك عشان يكسرك … أبعدها قليلا وهو يعانق وجهها ثم بدأ يمسح دموعها وابتسم وقال:
-أنا آسف ….أنا بحبك مهما حصل يا مهرا …بس كون إنه مش لمسك دي حاجة فرحتني أوي …متعرفيش قد إيه فرحت .. ابتسمت له ليقترب هو منها مرة أخرى …يضمها إليه وينسيها العالم …يسكن ولو مؤقتا ذلك الألم الذي يقبع في قلبها ! …………..
كانت تجلس على فراشها …ترجع ظهرها للخلف ..شعرها الأسود الطويل ينسدل على وجهها … كان عقلها مشغول به ….منذ الصباح وهي تفكر به …حاولت إخراجه من عقلها عدة مرات ولكنها فشلت تماما في هذا ….أنس استطاع إنه يسيطر على عقلها …استطاع كسبها لصفه…رغم هذا هي لا تريد إنها تركض خلف قلبها …يجب إنها تتبع عقلها …وترى هل أنس مناسب لها أو لا ..يجب إنها تقرر …تفكر على مهل ولكن داخلها كانت تريد إنها توافق بشدة …تريد إنها تكون معه….ولكنها
خائفة…خائفة لو تزوجته ستحبه أكثر وحينها قد يتحطم قلبها إن قرر يوما تركها ….لا يعرف لماذا تفكر بالأحداث الحزينة فقط ….لا تعرف لماذا هي فاقدة الثقة بكل شيء لتلك الدرجة ولكن حياتها أبدا لم تكن سهلة ..طفولتها كانت صعبة …حتى من تزوجته تخلى عنها …كل ذلك يجعلها تخاف ولكن آدم مر بالأسوأ… يكفي إنه تخلى عن أحلامه ولكن رغم هذا أحب مجددا …العمى يستطيع يرى إنه يحب مهرا …رغم الصعوبات التي تواجهه للبقاء مع مهرا إلا إنه يحبها ولا
يهتم أبدا بالأمر …أرادت حقا إنها تكون شجاعة كآدم ولكنها للأسف فشلت …لا أحد مثل آدم …لا أحد يمتلك قوته وإيمانه …تنهدت وهي تغمض عينيها بينما قلبها يرتجف وهي تتذكر أنس …أنس الذي يحتل قلبها يوما بعد يوم …أنس الذي يلاحقها بإصرار…يريد إنه يظهر حبها له …هي تعرف إن أنس لن يستسلم حتى تظهر حبها له كامل …ابتسمت وهي تتذكر ما فعله لأجل أخيها …أنس ببساطة استطاع كل مشكلة أخاها…ضحى بصفقة كادت تربحه الملايين من أجل آدم …حقا ما فعله
جعله يكبر في نظرها..تسطحت على فراشها وقد اتخذت قرارها دون رجعة ستتمسك بسعادتها !!
………..
في اليوم التالي …سحبت شعرها الطويل بين يديها ثم أمسكت دبوس الشعر وهي تلف شعرها لكي تبدأ في تحضير الإفطار…بعد الإفطار قررت إنها تتكلم مع آدم وتخبره بقرارها …نعم هي ستوافق على أنس …توافق على منحه فرصة …ليس ليكون زوجها فحسب بل ليكون كل حياتها …ليدخل قلبها وتحبه براحة دون أي خوف …عرفت إن هذا سيكون صعبا في البداية …من الصعب جدا إنها تبين مشاعرها بسرعة وكم تتمنى إن يتفهم أنس ذلك …تمنت إن يتفهم طبيعتها جيدا والا يتأفف منها
أو يستسلم …ولكن لا تعرف لماذا هي واثقة إن أنس مختلف تماما عن سامر …هو صبور.و…ولكنها قاطعت أفكارها بحزم وهي تفكر إنها يجب إلا تنجرف بتفكيرها …يجب إنها تسيطر على نفسها أكثر من هذا …لن تريه بسهولة إنها تحبه…لن تسمح لأحد إنه يرى ضعفها حتى لو كانت تحبه….صفت مرام عقلها وبدأت في إعداد الإفطار بهدوء كما اعتادت …قررت بعد الإفطار إنها تتكلم مع آدم وتخبره بقرارها النهائي !
ولكن جل ما كانت تفكر به هو عندما تذهب إلى الشركة كيف ستواجهه …أخرجت البيض وهي شاردة ثم كسرته لتضعه على رخام المطبخ بدلا من الطبق…وضعت كفها على فمها وهي تتراجع لتسمع ضحكة خافتة وصوت آدم المتسلي يقول: -إيه اللي واخد عقلك يا بسبوسة … نظرت مرام إليه وقد احمر وجهها بقوة وقالت بإرتباك: -مفيش حاجة …شردت شوية … -مش مصدقاكي يا بسبوسة بصراحة شرودك ده غريب شوية … حاولت السيطرة على انفعالاتها وقالت:
-فيه إيه يا آدم على الصبح …مالك؟! -أنتِ متعصبة إيه يا بسبوسة …ده مجرد استفسار…أصل حالات الشرود دي أنا أعرفها كويس أوي … احمرت بشدة وقالت بإنفعال: -أنت شكلك فاضي ورايق وأنا مش فاضية يا آدم …فحل عني عايزة أعمل الإفطار …
كانت مرام تبذل مجهود خرافي لإخفاء خجلها …المشكلة إن آدم وجد الأمر مسلي ولن يتركها في حالها بل سيظل يضايقها …بدأت بتركيز في إعداد البيض بينما تشعر إن وجنتيها حمراء من شدة الخجل والانفعال … كان آدم ينظر إليها بتسلية وقد فهم إن مرام وافقت على أنس من نظرتها فبعد ما فعله أنس كبر في نظر الجميع …هو يتمنى حقا إن تتمسك مرام بسعادتها …يتمنى إنه يطمئن عليها …مرام أيضا عانت كثير وإن الآن إن ترتاح …إن الآن إن تنسى خيبة أملها مع سامر وتهتم بحياتها ومستقبلها …اقترب آدم
ونظر بحنو إلى مرام وقال: -حاسس كده والله أعلم إنك خلاص قررتي حاجة في موضوع أنس…يعني خلاص يا مرام أخدتي قرارك النهائي… احمر وجهها بقوة وقالت بتوتر: -وهو ده مكان نتكلم فيه عن الموضوع ده .. -أيوة هو ده مكاننا المناسب للكلام يالا قولي قررتي إيه حرام عليكي الولد على أعصابه وكل شوية يكلمني …أنا حاسس عايز يتكلم بس مكسوف ..اديله رد يا مرام .. -أنتوا قلتوا براحتي أفكر ..وأنا ما أخدتش وقت كتير فاستنوا شوية … غمز لها وقال:
-عليا يا بسبوسة …لا خلاص أنا قفشتك أنتِ وافقتي على أنس … نظرت إليه مرام بغضب وقالت: -يا آدم هو أنا اللي هتجوز ولا أنت وبعدين مالك كده ماسك في أنس بالطريقة دي ..أول مرة تحصل يعني …ده أنت كنت بنفسك بتطفش العرسان اللي بتتقدملي. ضحك وقال: -أنا مطفشتش حد... هما بس مكانوش مناسبين ليكي... بس أنس مناسب جدا مش عشان ساعدني والله بس من أول ما قابلته واتكلمت معاه عرفت إن ده هو المناسب ليكي...
ها يا ستي قولي رأيك الراجل مستني على نار... دفعته مرام خارج المطبخ وقالت: -موافقة يا آدم قوله إني موافقة عشان أنت أكلت دماغي!!! كانت محمرة الوجه، الابتسامة لا تفارق شفتيها بينما تجلس معهم. لم تتخيل أبدا أنها ستكون سعيدة هكذا يوما... بل لم تتخيل أن يكون رجل هو سبب كل سعادتها تلك!!! كانت مصدومة من نفسها... ما تشعر به نحو آدم جنوني للغاية، هي تخطت مرحلة الحب منذ زمن... تشعر أن حبه يملأ حياتها...
وكأنها لم تحب غيره أبدا... اختلست النظر إليه وهو جالس بجوارها على الطاولة يشاكس ليلي. لقد أحبته حقا... أحبت جانبه اللطيف... جانبه الغاضب... جانبه المشاكس... هي تحبه بمزاياه وعيوبه... من كان يقول إنها ستحب آدم بتلك السهولة... آدم الذي كرهته قبل أن تراه... ظنت أنه مفروض عليها... ولكن عرفت أن آدم هو أجمل صدفة في حياتها... هي تشكر الله يوميا إنه معها الآن... آدم وعائلته علموها الكثير...
لم تشعر بنفسها وهي تنظر إليه بحب يبرز في عينيها العسلية. نظرت حسناء فجأة إليها وابتسمت بسعادة وهي تجد مهرا تنظر لآدم. أغمضت عينيها وهي تتمتم: -الحمدلله... قد إيه يا رب أنت كريم... أخيرا يا رب آدم هيبقى سعيد... أخيرا سعى بنفسه لسعادته... يا رب خليه سعيد دايما عوضه عن اللي حصله وعاشه... عوضه عن أحلامه اللي اتخلى عنها بسببنا... ثم فتحت عينيها وهي تجد مهرا تنظر إليه. كانت شاكرة لمهرا التي أعطت السعادة لابنها وأحبته...
هي تعرف آدم جيدا... وتعرف إنه يحبها... ولكن كان يخاف من إن تمل من العيشة معه إذ إنها عاشت في مستوى معين هو لا يمكن توفيره لها... لكنها تعرف مهرا جيدا... تلك الفتاة رغم ثرائها إلا إنها تتحمل المسؤولية بشكل مذهش... هي اعتادت على حياتهم حتى إنها تدخل المطبخ وتساعد مرام وليلي... هي ذكية تحاول التعلم بسرعة... كما إنها تسلب قلوب الجميع هنا...
كل من اتخذ موقف سلبي ضدها سواء مرام أو ليلي غير رأيه فهي تريد بناتها يتقربون من مهرا... يمزحون معها ويصادقونها... كانت سعيدة وهي ترى تلك الألفة التي سيطرت على منزلها... فجأة نظرت مهرا إلى حسناء بعفوية لتجدها تنظر إليها. ذابت مهرا من الخجل ونظرت إلى طبقها... لقد أمسكتها حسناء وهي تحدق بآدم... ما هذا الإحراج... هي محرجة كثيرا... ماذا ستفكر حسناء الآن... فجأة انقطع حبل أفكارها عندما وجدت آدم يمسك كفها من تحت الطاولة...
احمر وجهها بقوة وهو يداعب كفها... ولكن رغم هذا كان قلبها يخفق بحب... لم تكن متذمرة أبدا بسبب حركته تلك!!! ابتسمت ليلي بخبث وهي تشعر إن هناك شيء ما يدور وقالت: -إيه يا مهرا مش هتأكلي ولا إيه؟! يا بنتي أنتِ خسيتي النص... ابتلعت ريقها وقالت بتلعثم: -أنا مش جعانة... تدخل آدم وقال: -أنتِ مالك بمراتي يا بت أنتِ... أنتِ ليه محسساني إنك خلفتيها ونسيتيها... اتسعت عيني ليلي ببراءة مزيفة وقالت: -أنا الحق عليا خايفة عليها...
-متخافيش يا أختي هي كويسة... مش كده يا حبيبتي... هزت مهرا رأسها وهي متوترة. بعد انتهاء الفطور... جهز آدم نفسه كي يذهب إلى ورشته، اليوم سوف ينهي التصميم الخاص بشقة المهندس رفعت وسينال مبلغ جيد... وقفت مهرا أمام الباب لتودعه... ابتسمت بإشراق وقالت: -خلي بالك من نفسك... ابتسم لها وعينيه الزرقاء تبرق لها... نظر حوله فلم يجد أحد في الصالة ليستغل الفرصة ويقبلها على وجنتها بسرعة ويقول: -هتوحشيني...
ذابت بخجل ليقترب أكثر ويقبل جبينها أيضا ليتجمد فجأة وهو يسمع صوت ليلي العالي يقول: -هتتأخر على الشغل يا أبيه... نظر بصدمة إلى ليلي التي خرجت من تحت الطاولة... بهت وهو ينظر إليها وقال: -أنتِ بتعملي إيه تحت الترابيزة يا بنت أنتِ... ضحكت وقالت: -كنت بشوف الفيلم الرومانسي اللي أنتوا عاملينه في نص الصالة... ضحكت مهرا وقد احمر وجهها بقوة ليقول آدم بيأس محدثا مهرا: -عندك حق احنا محتاجين بيت لوحدنا بعيد عن المتطفلة دي...
فتحت الباب لتتنهد وهي تجد والدتها تقف أمام منزلها. -أهلا يا ماما... قالتها كارما بدون مشاعر. -مالك كده زي ما يكون مش طايقاني يا كارما... لم ترد عليها كارما وولجت للداخل. دخلت والدتها خلفها لتجدها تجلس على الأريكة المريحة وهي تنظر إلى التلفاز حيث تتابع أحد أفلامها المفضلة. تنهدت والدتها وقالت: -ممكن أعرف ليه مبترديش على تليفونك يا كارما... ليه بتبعدي الكل عنك بالطريقة دي يا بنتي... نظرت إليها كارما
وابتسمت بسخرية وقالت: -عايزاني أرد عليكي إزاي وأنتِ شوفتي جوزك بيطردني برة البيت ومتكلمتيش حتى... أنا قلبي اتكسر يا أمي... كنت فاكرة إنك هتدافعي عني... بس... بس أنتِ اتخليتي عني بكل سهولة... عايزاني إزاي أرد عليكي وأنتِ ولا مرة دافعتي عني... ارتبكت مودة وهي تنظر إليها... شعرت بالذنب من أجل ابنتها... لقد تخلت فعلا عن ابنتها مرارا وتكرارا ولكن هذا بسبب خوفها من زوجها... هي تخاف إن يتخلى عنها...
وهي اعتادت العيش في ظل رجل... لا يمكنها إن تخرب بيتها من أجل ابنتها... زوجها قد يتركها لو اتخذت جانب ابنتها وهي لا يمكنها إن تخسره... كما إن كارما غبية جدا... تريد تدمير حياتها بسبب لحظة غضب من زوجها... ماذا لو غضب قليلا؟! المرأة الصالحة هي من تمتص غضب زوجها وتطيعه... كان يمكنها إن تراضيه بطريقتها ولكنها تتحدث عن ترهات كالكرامة... الغبية لا تريد إن تستوعب إن لا يوجد للمرأة كرامة مع زوجها... كارما يجب إن تفهم هذا.
نظرت مودة إلى كارما التي ما زالت تتابع الفيلم دون إن تبالي بوالدتها الجالسة تنظر إليها... كانت كارما في تلك اللحظة لا تهتم بأي شخص... لا تهتم إلا بطفلها... تذهب للعمل يوميا ثم تعود وترتاح كي لا ترهق نفسها وتعرض نفسها لخطر الإجهاض... لا ترد على أي من مكالمات لا والدتها ولا سامر... هي لم تعد مهتمة بسامر... فما فعله معها جعلها تغضب منه... هي حتى لا تطيقه... تحبه صحيح... لكنها حقا لا تطيقه...
تجبر نفسها على إن تكرهه وتنجح بالفعل ولكن دوما كراهيتها مرتبطة بحبها له... قطع أفكارها صوت والدتها وهي تقول: -إمتى ناوية ترجعي لجوزك؟! -مش هرجع... قالتها كارما بنبرة قاطعة. -يعني إيه يا كارما؟! قالتها والدتها ونبرتها ترتعش من الرعب فنظرت إليها كارما وقالت: -إيه اللي مش مفهوم يا ماما... بقول مش هرجع.. مش هرجعله... كفاية قلة قيمة بقا... أنا مش مضطرة أستحمل معاملته دي... تنهدت مودة واقتربت منها وهي تمسك كفها وقالت:
-يا بنتي وحدي الله بس... دي مشكلة صغيرة متكبرهاش... سامر اتصل بيا وهو زعلان على اللي حصل وعايز يصلح الوضع و... -أنا مش مهتمة... قالتها ببرود وهي تنهض تتجه إلى المطبخ. ذهبت مودة خلفها وقالت: -يا بنتي بطلي عناد!! هتعشي لوحدك يعني... الراجل عرف غلطه... فتحت كارما الثلاجة ببرود وأخرجت عصير التفاح اللي تحبه ثم جلبت كوبين وصبت لها ولوالدتها ثم أعطتها كوبها وقالت: -وأنا قولت مش عايزة أرجع يا ماما... مش هرجع أبدا...
مستحيل... خليه يفقد الأمل... أنا خلاص فوقت لنفسي لما حسسني إني مجرد عشيقة رخيصة حملت منه في الحرام... -غلطة يا كارما إيه هتمسكي للراجل على غلطة يا بنتي و... ألقت كارما كوب العصير على الأرض ليتحطم الكوب وتصرخ: -بطلي تبريريله... أنا مش رخيصة عشان أستحمل مرضه... أنتِ إزاي أمي وترضيلي بوجع القلب.. أنتوا عايزين إيه مني أنا بعدت عنه وعنك... سبوني في حالي بقا... ولو بيتصل بيكي ياريت تقوليله يطلقني ولا وديني أخلعه وأفضحه!!!
كان يقف أمام المراية يعدل من وضع قميصه الأبيض ثم يلتقط سترته الرمادية ويرتديها. وقف أخيرا وهو ينظر إلى نفسه نظرة تقييمية وهز رأسه باستحسان. وما كاد أن يغادر حتى رن هاتفه. رفع حاجبيه بدهشة وهو يتساءل من سوف يتصل به الآن. التقط هاتفه واتسعت عينيه وهو يرى إن المتصل آدم. خفق قلبه لا يعرف لماذا... ولكنه شعر إن هذا الاتصال خاص بمرام... ازدادت وتيرة أنفاسه وهو يفكر هل يا ترى رفضته أم وافقت...
كان متوترا للغاية وهو يبحث على إجابة داخل عقله... تلك المرأة بعثرت حياته تماما... جعلته مرتبكا بسببها وهو الذي لم يهتم بالفتيات أبدا ولكن هذا هو الحب... فكر... فتح هاتفه ووضعه على أذنه وقلبه يخفق بقوة كادت إن تصم أذنيه: -السلام عليكم... ابتسم آدم على الجهة الأخرى وقال: -وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته... أزيك يا أنس أخبارك... -أنا الحمدلله وأنت... ابتسم بسعادة وقال: -أنا زي الفل...
الحقيقة بقالي كتير مكنتش فرحان زي كده... ارتجف قلب أنس ليكمل آدم ويقول: -صحيح ليك عندنا عزومة يا أنس... تعالى في الوقت اللي يناسبك عشان أتقدم رسمي لمرام... اتسعت عينه بقوة... وقد لهث بصدمة... كان لا يصدق، أراد إن يصرخ من الفرحة ولكن مظهره العام كان مهم جدا بالنسبة له... سيطر على انفعالاته وابتسم وهو يقول غير مصدقا: -يعني هي وافقت بكامل إرادتها... ضحك آدم وقال: -يعني هنكون أجبرناها يا أنس...
وافقت يا سيدي وبإرادتها الحرة وفي الوقت المناسب تعالى أتقدم... ابتسم أنس وقد شعر بسعادة لم يشعر بها من قبل... كان مرام بموافقتها أدخلت لقلبه السرور... -شكرا يا آدم شكرا أوي... قالها مبتهجا ليبتسم آدم وهو يشعر بسعادة الأب الذي سيزوج ابنته... مرام شابة صالحة...
قوية وصادقة وتليق برجل كأنس… هو يتمني إن تتم هذه العلاقة على خير كي يطمئن على مرام ثم يبدأ التركيز على ليلي الشقية كي تنهي تعليمها ثم تتزوج وبهذا يكون أتم واجباته كلها بعد إن يطمئن على إخوته… عندها ينظر إلى نفسه… فجأة تجهم وجهه وهو يتذكر شخص نسيه… نسيه في خضم واجباته وهي مهرا… تنهد آدم وهو يدرك إنه يظلمها معه ولكن فات الأوان على تحريرها… هو يحبها بيأس… يحبها بطريقة لم يحب أحدا بها حتى ميار… هو سمح لميار بالذهاب لكنه
لن يسمح لمهرا… يحبها ولا يدرك كيف أحبها بتلك السرعة والقوة… ولكنه كان يعرف إنه يحمي قلبه لذلك لم يسمح لنفسه بالانجراف بمشاعرها كتير ولكن الآن هو ضعيف… سمح لمهرا بالتسلل إلى أعماقه… سمح بنفسه إن يحبها وهو ليس نادم أبدا… حبها كان أجمل حدث في حياته… أغلق آدم الهاتف مع أنس ووقف للحظات وهو يفكر ولأول مرة بنفسه… يفكر إن تكون له حياة خاصة… ليس هناك ضرر من إن يفكر بنفسه قليلاً… هو طبعا لن يتخلى عن مسؤولياته ولكن يريد إن تكون
له حياة خاصة… ربما لو اشترى بيت منفصل عن منزله مهرا سترتاح أكتر… هو يشعر بها… ويعرف إنه يظلمها معه… كان قد اتخذ قراره سيتحدث مع والدته اليوم… بدأ يعمل مجددا وبعد فترة قاطعه رنين الهاتف… التقط آدم هاتفه ليجدها مهرا تتصل به… ابتسم بحب وهو يجد اسمها يسطع على الشاشة… فتح الهاتف ليرد على الاتصال
وقال بمشاكسة خاصة لها هي: -إيه يا بسبوستي أنا وحشتك ولا إيه هحاول أجي بدري النهاردة… صمت فجأة وهو يسمع صوتها الباكي ويقول: -فيه إيه يا مهرا… انتظر ردها ليقول بصدمة: -إيه؟! جدك!!! ……… في أحد المقاهي الراقية… -هو الدكتور ده شاطر يعني؟! قالتها حياة بتوتر وهي تفرك رقبتها… كانت الفكرة غريبة عنها… تذهب لطبيب نفسي وهي!!!
حسنا هي لم تتخيل أبدا إن تلجأ لذلك الحل… دوما هي ظنت إنها متزنة نفسيا تستطيع اتخاذ قرارها ولكن بعد ما حدث… باتت تشك في نفسها… هي أبدا غير متزنة نفسيا… ربما موت والديها جعلها هكذا… ربما رفض أحمد المستمر أو الحقد على مهرا… عرفت إن يوجد أشياء في الماضي هي دفنتها في أظلم منطقة في عقلها وإنها لن ترتاح إلا عندما تتكلم مع أحد يفهمها دون إن يحكم عليها… أحد تتكلم معه دون إن ترى نظرات القرف بعينيه… أحد تتكلم معه براحة!
… هي اقتنعت بحل مروان… عندما أخبرها مروان عن حل الذهاب إلى طبيب نفسي وافقته بسرعة….. بدا وكأن هذا الحل هو القشة التي سوف تتمسك بها… تنهد مروان وقال: -بيقولوا عليه حلو أوي أنا سألت عليه يا حياة وهو شاطر أوي وممكن يساعدنا… ابتسمت حياة وقالت: -مين كان ممكن يقول إن احنا الاتنين نجتمع عشان نتعالج نفسيا… ضحك مروان وقال:
-بصراحة أنا زيك مستغرب يا حياة.. احنا الاتنين اجتمعنا عشان نتعالج… زي ما تكون الحياة جمعتنا عشان تفكرنا بالغلط اللي عملناه وبتدينا فرصة تانية عشان نبقى كويسين…
تجهمت حياة وهي تنظر لكفها… قلبها يعتصر من الألم… ما زال ذنب مهرا يلاحقها… ما زالت تشعر بتأنيب الضمير بسببها… وكأن كل ما حدث في حياتها هو عقاب ما فعلته بمهرا… لقد عاقبها الله… والآن كل ما عليها هو الذهاب لمهرا وطلب العفو منها حتى ترضي… ولكن حياة كانت تخاف من رد فعلها… ماذا إن رفضت إن تسامحها… ماذا إن طردتها وسوف تكون محقة.. حياة تستحق أي شيء تفعله مهرا… نظرت حياة إلى مروان وقد انسابت دموعها على وجنتيها وقالت:
-ده ذنب مهرا يا مروان… ارتبك مروان ونظر إليها لتكمل وهي تبكي: -ربنا بيعاقبنا بسبب اللي عملناه فيها… أنا مكنتش مصدقة إني أبيع صاحبتي عشان غيرانة منها بسبب واحد زي أحمد… أنا من أول ما أحمد سابني وأنا اتأكدت إن طالما مهرا مسامحتنيش هفضل أعاني يا مروان…
لم يرد مروان عليها.. كان شارد بمهرا… يتذكر كيف أذاها… هو أيضا ضميره يؤجعه بسببها… هي لم تستحق منه هذا أبدا… كان يجب عليه إن يتركها… وللأسف لا يمكنه أبدا الاقتراب منها والاعتذار… فبعد ما حدث لو رآه آدم سوف يقتله بكل تأكيد.. تنهد مروان وهو يفكر بليلي… كلماتها الأخيرة التي جعلته يشيل العصابة عن عينيه ويرى الحقيقة بعد ما كان عمي لا يراها… هي جعلته يدرك إنه يؤذي والدته بتصرفاته المقيتة… قلبه أوجعه… هل صحيح والدته تتألم بسببه.. كان هذا التفكير يسيطر على عقله ويؤرقه… كانت حياة شاردة تفكر بشيء ما… فجأة نظرت
إلى مروان الشارد وقالت: -انتبه لها مروان… -اتفضلي… تنهدت بتوتر وقالت: -أنا عايزة أشوف مهرا… بهت هو بينما تكمل بتلعثم: -أنا لازم أشوفها يا مروان… محتاجة أشوفها… عايزة أريح ضميري من ناحيتها أنا تذيتها كتير ومستحيل أسامح نفسي إلا لو هي تسامحني… انت عارف هي فين حاليا عشان أشوفها… أمسك مروان كفها وقال: -خلاص يا حياة صدقيني مش مهم خالص… احنا بس نروح للدكتور ده وهو أكيد هيساعدنا… -بس يا مروان… قالتها
بضيق فرد وهو يشد على كفها: -خلاص يا حياة قولتلك مش لازم هي مش هتسامح انسي… -الله الله إيه المنظر الرومانسي ده.. شهقت حياة وهي تنظر إلى الصوت المألوف لترى أحمد واقف في المقهى ينظر إليها بغضب وغيرة مجنونة… أمال رأسه وقال: -بتعرفي توفي أون بسهولة يا حياة!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!