الفصل 26 | من 46 فصل

رواية عروس رغما عنها الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سوليية نصار

المشاهدات
22
كلمة
5,593
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 57%
حجم الخط: 18

كان يغني… فعليًا يغني، ودقات قلبه تعزف ألحانًا رائعة يسمعها وتطرب أذنه. لم يهتم أن صوته بشع، ولا أنه عالٍ بشكل يثير الريبة في أنه قد جن. هو سعيد، لن يخفي سعادته أبدًا. كان يمسك بطرف سترته وهو يتحرك حركات خرقاء ويدندن أغنية "أغلى من روحي". "يا أغلى من روحي علي، يا أحلى شيء وأغلى شيء إن قلت أحبك شفتها، هالكلمة في حقك شوي قلبي اللي من شوقه يجيك، يغار من حبي عليك ما يحبك إلا يموت فيك، ويحسك أقرب مني لي

أتنفسك مثل الهوا، وأحتاجك لجرحي دوام ما دمت أنا وانتي سوا، من دنيتي ما ريد شيء خذيني من دنيا الأنام، خليني في حضنك أنام دقات قلبي لك كلام، يحكي لك الشوق اللي بي يا سارتي ودنيا الهنا، ما عرف بدونك من أنا يا سارتي لنظر عيني سنا، صرتي لهجير عمري في أحبك لحد الجنون، وأشيلك بوسط العيون وأضلّك برمش وجفون، يا أغلى من عيني علي"

توقف فجأة وهو ينظر للمرآة وابتسامته تتسع. يتخيل اليوم الذي ستكون ملكه به، يتخيل كيف سيكون سعيدًا وقتها. ثم بدأ يدندن مجددًا ولم ينتبه لتلك التي تنظر إليه بعيون متسعة. "بابي! قالتها ملك بصدمة ليتوقف أنس فجأة بتوتر وهو ينظر إليها. "انت بتعمل إيه يا بابي؟! تساءلت بصدمة ليتوتر هو ويقول: "مفيش يا ملك… أنا كويس أهو." "كويس إيه يا بابي… انت كنت بتغني وترقص من شوية. أنا مش مصدقة… بابي انت كويس؟

ابتلع أنس ريقه وهو يدري أنه في ورطة كبيرة. لم يعرف ماذا يفعل كي يبعد عنه الشبهة وكيف يحسن صورته أمام صغيرته. ابتسم وهو يقترب منها ويحملها ثم يقبلها ويقول: "ده مجرد تمارين يا لوكا مش برقص ولا حاجة…" رفعت ملك حاجبيها وقالت: "أنوس انت شايفني عندي تلت سنين عشان أصدق الكلام ده. لا انت كنت بترقص وبتغني كمان. وده غريب عليك… انت دايما إنسان جد، ملكش في الكلام ده." رفع رأسه بيأس وقال:

"ما تعديها بقا يا لوكا… كل إنسان وليه لحظة جنان. متحبيهاش بقا أبوس إيديكي." ابتسمت له وقالت: "تمام يا أنوس… نعديها عشان خاطر عيونك. هعتبرها لحظة غريبة ومرت، وهبقى زي أي بنت مؤدبة ومش هسأل عن أي تفاصيل تخصك." ضحك أنس وهو يقبلها على وجنتها ويقول: "أنا محظوظ إني عندي بنت ذكية زيك." ضحكت وهي تقبله وتقول: "وأنا كمان محظوظة إنك بابي. يلا دادة نعمة عملت الإفطار… عشان متتأخرش على الشغل." "حاضر يا قردة." ***

على مائدة الإفطار، كان أنس يتناول طعامه، ابتسامة جميلة تغطي وجهه، قلبه يخفق بقوة، وحالة من الهيام الغريبة تبدو عليه. تركت ملك شوكتها وهي تنظر إليه بحيرة. رغم سنوات عمرها العشر، إلا أنها عرفت أن والدها بحالة غير طبيعية. هو يبدو سعيدًا للغاية. الغريب أنها لم تراه سعيدًا لهذا الحد أبدًا. بدأ وكأن السعادة تتدفق من قلبه وروحه. هي لم تراه هكذا أبدًا، والدها لم يغني أبدًا، لم يرقص أبدًا!

ترى ماذا طرأ بحياته ما يجعل ابتسامته من الأذن للأذن؟ ماذا طرأ لكي يرقص؟ أو يغني مثلاً؟ كانت تحاول حقًا أن تفهم. فتحت فمها لتسأله، لكن عينيها اتسعت بدهشة وهي تراه يمسك شوكة الطعام وينظر إليها وعلى وجهه ابتسامة بلهاء. رفعت حاجبيها وهي تكاد أن تجن. لا، لا هذا ليس والدها بالطبع. والدها لا يبتسم بتلك الطريقة المريبة. أكيد أنه تبدل مع شخص آخر، هكذا صور لها خيالها الواسع. "هو انت بابا أنس؟

قالتها ملك فجأة ببراءة وهي تخرجه من شروده بقوة. ترك فجأة أنس شوكته بعد أن أدرك ماذا يفعل. رباه ماذا حل به؟ هو يتصرف بحماقة أمام ابنته. كل هذا لأنها وافقت على الخطبة منه. ماذا سيحدث إذن لو تزوجته؟ هل سيصاب بنوبة قلبية؟ فكر ساخرًا، ثم أولى اهتمامه لابنته وقال: "نعم يا ملك… بتقولي إيه؟ "بقول هو انت فعلاً بابي ولا واحد غريب متنكر؟ تساءلت مرة أخرى بريبة. رفع حاجبيه وقال:

"إيه الكلام الفاضي ده يا ملك… إزاي واحد متنكر يعني. لا أنا باباكي انس… أو أنوس أو أي اسم مايع من اللي إنتِ بتناديني بينهم! ضحكت ملك ونظرت إليه وهي تقول: "اومال يا أنوس إيه الابتسامة الغريبة اللي مالية وشك دي؟ انت من الصبح ماسك الشوكة وبتبصلها بطريقة غريبة وعلى وشك ابتسامة واسعة. أنا بدأت أقلق عليك. ده غير إني قفشتك بترقص في أوضتك وبتغني. لا… لا في حاجة مش طبيعية. قولي يا أنوس فيه إيه؟ توتر أنس وهو ينظر إليها وقال:

"أنا كويس يا بنت انتِ. مفيش داعي للقلق. إيه مينفعش أكون مبسوط شوية؟ لا لازم أبوز عشان أعجبك يعني." "مش مصدقاك مش عارفة ليه. فيه حاجة جديدة طرأت مخلياك في المود الخرافي ده. ما تقول بقا يا أنوس. ده أنا زي بنتك حتى." ارتبك أنس وهو ينظر إليها. لقد حاصرته تلك الشقية. هو الآن يتصرف بطريقة خرقاء أمام فتاة في العاشرة من عمرها، لكن سعادته أكبر من أن يخفيها. فكر وقلبه يخفق بقوة. ماذا يخبرها؟ هل ستفهم فتاة مثلها معنى الحب؟

هل ستفهم أنه غارق في الحب حتى أذنيه؟ هل ستفهم أنه يشعر كأنه ملك العالم كله؟ أمالت ملك رأسها وهي تنظر لوالدها مرة أخرى. لقد عاد لشروده مرة أخرى. لا، لا هذا ليس معقول. "بابي! صرخت ملك بقوة لينتفض وهو ينظر إليها فتقول هي: "مش معقول يا بابي. انت لازم تقول إيه اللي حصلك. شكلك غريب أوي النهاردة. بترقص وبتسرح كتير. مينفعش تخبي حاجة عن لوكا وإلا هزعل منك بجد."

تنهد هو ونظر إليها وهو يقول بصراحة. لقد انتهى الأمر. هو يجب أن يكون صريحًا معها. "بصراحة كده يا لوكا أنا ناوي أتجوز." اتسعت عينيها بدهشة وقالت: "انت!!! وتتجوز؟! عقد حاجبيه وقال: "أيوه أتزوج. متجوزش ليه هو أنا دكر بط!!! ما أنا إنسان وعايز ونس." تصنعت الحزن بمهارة وقالت: "إيه ده يعني أنا مطلعتش ونس ليك؟ ضحك أنس وأمسك كفها وقال: "آه يا نصابة انتِ.

قبل كفها وأكمل: انتِ حياتي يا لوكا. معنديش أغلى منك. انت حتة مني ومكانتك محفوظة دايما." ضحكت وقالت: "مصدقاك يا أنوس. قولي بقا آنسة مرام وافقت عليك إمتى؟! اتسعت عينيه بصدمة وكاد أن يتكلم إلا أن ملك قرأت السؤال في عينيه وأجابت بذكاء: "يا بابي أنا عندي عشر سنين مش تلاتة. وبعدين العيل الصغير يعرف مشاعرك. انت مبتشوفش نفسك بتبصلها إزاي؟ أنا لاحظت كده لما باجي معاك الشركة." "بت انتِ. عرفتي الكلام ده إزاي؟

مشاعر دي كلما مينفعش تعرفيها إلا في سن العشرين." "العالم اتطور يا أنوس. اللي أصغر مني دلوقتي في المدرسة بدأ كمان يحب ويرتبط. انت بس اللي دقة قديمة." احمر وجهه ثم جذبها من أذنها برفق وقال بحزم: "حب إيه يا مفعوصة انتِ. أنتِ بتروحي تتعلمي ولا تحبي ولا…" قاطعته وهي تقول بسرعة: "والله يا بابي مش أنا. أنا أصلاً في حالي. دول أصحابي بيقولولي كده." أجاب عليها بحزم أكبر وقال: "أصحابك دول متكلميهمش تاني يا ملك. فاهمة؟!

"فاهمة يا بابي فاهمة! أجابت ملك بسرعة وهي تضحك. *** كانت الشرر يتطاير من عينيه وهو ينظر إليها. جزء غبي داخله كان مرتاحًا لرؤيتها وكأنه اشتاق إليها، ولكن باقي الأجزاء تسيطر عليها الغيرة المريضة. كان غيورًا جدًا، غيورًا بطريقة غريبة، وحقًا هو لا يفهم سبب تلك الغيرة. أهو التملك؟

كانت حياة تنظر إليه برعب بينما الدموع تحتشد في عينيها. كانت لا تصدق وقاحته. أرادت أن تنهض وتصفعه بقوة، تضربه لعله يشعر بتلك النيران التي تشتعل بقلبها. رباه لماذا عاد لحياتها؟ ماذا يريد أيضًا؟ ألا يكفي أن أخذ منزلها ودمر حياتها؟ هل يريد أيضًا أخذ روحها؟ هل هو سادي لتلك الدرجة؟

دون أن تدرك، كانت الدموع تنساب لعينيها. شهقة من أعماق قلبها مزقتها وشعرت أنها مهددة بالانهيار في أي لحظة. شعر مروان بها، وكم أشفق على حالها. هو دومًا كان يعرف بعشقها لأحمد، ولكنه دومًا سخر من مشاعرها. لم يعرف أبدًا مرارة العشق. لم يعرف كيف يتعذب المرء عندما يعشق من طرف واحد. حسنًا، هو الآن يعرف كم أن هذا الشعور مقيت، فقد وقع في الحب. وقع في حب فتاة لن ينالها أبدًا. تنهد مروان وعينيه السوداء تبرق بغضب وهو ينظر لأحمد

وشد على كف حياة وقال: "يلا يا حياة نمشي من هنا. الجو بقى خنيق لما جه حد كده وأنا بقيت قرفان فجأة. تعالي هنتكلم في مكان تاني بعيد شوية عن هنا." رفع أحمد حاجبيه بغضب وهو ينظر إلى ذلك الحثالة. كان الغضب يتصاعد داخله كبركان على وشك الانفجار وتدمير ما حوله. كان يمقت هذا المدعي مروان، يمقتُه بشدة. نهض مروان وهو يمسك كف حياة ليذهب، ولكن أحمد وقف أمامهما وعينيه السوداء يحيط بها الجليد. "ابعد."

قالها مروان ببرود وهو على وشك قتل أحمد. كانت النظرات الباردة هي أداة الحرب بين الرجلين بينما حياة ترتجف بينهما. شعرت أنها ستنهار في أي وقت وهي ترى تلك النيران المشتعلة بينهما. هي لا تريد أن تحدث أي مشاكل لمروان بسببها. ماذا يريد أحمد منها؟ ماذا بعد؟

لم يماطل مروان في التحدي. لم يكن يريد أن يفتعل شجارًا وحياة معه، لذلك بهدوء انحرف وقرر أن يذهب بحياة، إلا أن أحمد وقف أمامه مرة أخرى. كان يغلي. لا يصدق أنه يشعر بهذا الشعور الغريب. يشعر أنها تتسرب من بين يديه وهذا يجعله يموت. لا يعرف لماذا يتمسك بها بتلك الطريقة. هو لا يعرف أي شيء. جل ما يعرفه أنه لا يمكن إفلاتها الآن دون أن يعرف السبب. "عايز أتكلم مع حياة."

بسرعة أعطى مبررًا لمروان كي يحفظ ماء الوجه ولكي لا يتهمه أحد بالغيرة. "وحياة مش عايزة تتكلم معاك." أجاب مروان بعناد وهو يشد على كفها. كان أحمد يغلي وهو يراه يمسكها بتلك الطريقة. أراد أن يكسر كفه، ولكن بمهارة سيطر على نفسه وهو ينظر إليه ويقول وهو يجز على أسنانه: "أظن القرار يخص حياة وحدها. انت مش الدادة بتاعتها." ثم بعنف مقصود أبعد كف مروان عن حياة وقال: "حياة لازم نتكلم." ابتسم مروان بتسلية وقال:

"صحيح القرار قرار حياة. حياة أنا هستناكي بعيد لحد ما تخلصي كلام معاه." نظرت إليه حياة برعب. لا يمكن أن يتركها معه. لا. هي ستنهار لو بقت معه. فما أن كاد أن يذهب مروان حتى أمسكت به حياة كطوق النجاة كأنها غريقة وسط بحر هائج. تشجعت لأول مرة وقالت وهي تبتلع ريقها: "لا لا يا مروان أنا مش هتكلم معاه. خدني معاك لو سمحت." ابتسم مروان بانتصار وقال: "أهو للأسف هي مش عايزة تتكلم معاك. أهو قرار حياة سمعته. ممكن تبعد عنها بقا!!!

تقلص وجه أحمد من الغضب. جل ما كان يريده أن يسحبها من شعرها ويأخذها من هنا ثم يحبسها في منزله حتى يتحدثا. ولكن كان يعرف أنه لو حاول أن يفعل هذا سيكون أضحوكة للجميع. لذلك بإستسلام ابتعد ليذهب كلا من مروان وحياة. لم تنظر حياة خلفها بينما أخرجت تنهيدة قوية من داخلها وهي تردد داخلها أن كل شيء قد انتهى. هي لن تسامح أحمد أبدًا عما فعله معها. لن تغفر له ولن تعود حتى لو طلب هو. هي الآن ستنظر إلى حياتها. ستصحح الأخطاء الفظيعة التي ارتكبتها بحق الجميع وبحق نفسها. ولكن أول خطأ يجب أن تصلحه هو الخطأ الذي ارتكبته بحق مهرا. هي لن تسامح نفسها أبدًا حتى تسامحها مهرا.

فكرت بصراحة. ثم نظرت إلى مروان وقالت: "شكرا يا مروان." ابتسم مروان وقال: "أنا قررت أتغير يا حياة. ومبادئي الجديدة متخلنيش أشوف أحمد بيقرب منك وأذيكي وأسكت. احتل الحزن ملامح حياة مجددًا وقالت بنبرة منكسرة: "معرفش هو عايز إيه مني يا مروان. أحمد دمرني ف عايز إيه مني تاني. ليه مصمم يقتحم حياتي تاني." ابتسم مروان بتسلية وقال: "على حسب ما أنا شايف غضبه وإحباطه أحب أقولك أنه غاير!

توقفت حياة عن التنفس للحظات وازداد معدل دقات قلبها. كانت لا تريد أن تصدق ما يقوله مروان. ألا يعلم أنه بكلماته يعطيها أمل وهي لا تريد أن يكون في قلبها أي أمل من جهة أحمد. تريد أن تقتنع نهائيًا أن أحمد لم ولن يحبها. تريد أن تقتنع أن أحمد كان يريد شقتها فقط وأخذها والآن هو عاد ليتلاعب بها لعله يأخذ شيئًا ما. لعله يريد أموالها. يريد أن يسلبها كل شيء. نعم التفكير في هذا أهون بكثير من أن تتعلق بأمل أنه أحبها وتعود للهاوية مرة أخرى. تعود لتستجدي حبه مرة أخرى. لا يجب أن تثق به أبدًا.

ضحكت فجأة بتوتر وقالت: "بيغير!! لا يا مروان روحت لبعيد المرة دي. هو مش بيحبني أصلًا عشان يغير. تلاقيه عايز ياخد حاجة تاني مني غير الشقة وفاكر إني غبية وهرجعله وأديله الأمان عشان يخدعني تاني." نظر مروان إلى حياة وقال:

"أنا راجل يا حياة. وأعرف الغيرة كويس. أحمد كان غاير عليكي مني. مش لازم الغيرة تكون حب بس. ممكن تكون تملك ف خلي بالك. واحد زي أحمد أكيد هيتضايق لما يشوف إنك بتتقدمي في حياتك وبتنسيه وممكن يعمل المستحيل عشان يرجعك ليه وساعتها ممكن تعاني. فهماني." تصاعدت الدموع لعينيها حتى انسابت من عينيها وقالت:

"هو مش عايز يسيبني في حالي ليه يا مروان… عايز يعمل إيه فيا أكتر من كده. كفاية إنه دمرني. دمر حياتي وكسر سعادتي وأحلامي. محدش خالص هيحس باللي حسيت بيه وأنا لابسة فستان الفرح ومستنياه يا مروان. أنا… أنا…" "ششش… اهدي." قالها مروان وهو يلاحظ انهيارها. "اسف." صفقها فجأة لتنظر إليه وهي تمسح دموعها وترد: "انت بتعتذر على إيه؟ ابتسم مروان بسخرية وقال:

"عشان في يوم استهونت بمشاعرك. شعور الحب من طرف واحد بشع يا حياة. إنك تحبي شخص إنتِ عارفة إن مش هيحبك. ده لوحده عذاب!! كان مروان يبدو وكأنه يتحدث عن نفسه. شعرت حياة بالحيرة. هل أحب مروان من طرف واحد؟ معقول؟ هل اكتوى بنفس النار التي اكتوت بها؟ عجيب، هو يشبهها كثيرًا. ***

في مكتب أنس، كان يعمل في المكتب بنشاط مضاعف. ابتسامته لا تفارق شفتيه. كل العاملين كانوا مندهشين من سعادته الغريبة تلك. هو حتى لم ينفعل على أي عامل أخطأ. بالعكس تمامًا كان يتعامل بهدوء غريب على أنس الصاوي، رجل الأعمال الصارم الذي لا يقبل بأي خطأ. أما أنس فهو كان يعمل بنشاط والسعادة في قلبه تتسع حتى خرجت من جسده وانتشرت في المكان بأكمله. لا يصدق أنه سعيد لتلك الدرجة. هو سعيد لدرجة أن حتى المكتب الواسع لا يكفي سعادته. يريد الخروج والصراخ بقوة!!!

لكن أراد الحفاظ على المتبقي من وقاره. حاول كثيرًا أن يسيطر على سعادته ففشل تمامًا. مرام أعطته السعادة بالموافقة عليه وهو سوف يفعل المستحيل كي يسعدها. سوف يجلب لها النجوم إن أرادت. صحيح، جزء منه خائف من اتفاقه مع ليل خاصة أن لو رفعت عليه قضية فسيكون وضعه أضعف. فهو الذي عقد الاتفاق منذ البداية ولكنه ترك هذا الأمر للمحاميين الخاصيين به. هم يفعلون المستحيل لإيجاد حل لهذا الموضوع وسوف يحاول أن تكون ملك تحت وصايته هو فقط. هو لن يتركها لليل أو والدتها. سوف ينفذ وصية شقيقه بالحرف. حاول أن يقنع نفسه بهذا. حاول ألا يفكر حتى باحتمال أنه سيفقد ابنته ملك. لا يمكن أن يفقدها. هو لا يتخيل الحياة بدونها. هي كل حياتها. وقد شاركتها مرام نفس الأهمية أيضًا.

"مرام…" تذوق اسمها بين شفتيه، وهو لا يصدق أن قريبًا سوف تكون له. من كان يصدق أن تلك الشابة التي تحتمي بالجليد كي لا تبرز مشاعرها سوف تكون كل حياته!! نعم، هو يعرف مرام جيدًا. مرام ليست تلك الباردة التي تحاول أن تدعيها. فخلف قناع الجليد الذي ترتديه توجد أنثى حساسة تخاف من أن تجرح. وحسنًا، هو سيفعل المستحيل كي لا يؤلمها أو يحزنها. لقد أخذ عهدًا على نفسه ألا يؤذيها أبدًا ولن يفعل. لن يفعلها أبد.

انخرط هو في عمله بسعادة تامة وأنجزه بنشاط أكبر. كان يعمل وهو لا يشعر بأي جهد أو تعب. ولجت السكرتيرة الخاصة به وهي تعطيه أوراقًا ليمضيها. "اتفضلي يا آنسة نسرين." قالها بابتسامة مشرقة. ولجت نسرين إليه وهي تشعر بالدهشة منه اليوم. فتلك المرة الأولى التي لا يكون فيها متوترًا بسبب العمل. فأنس دوما كان حازمًا، صارمًا، لا يبتسم إلا نادرًا. تري ماذا حدث اليوم؟ أعطته الأوراق بهدوء ليمضيها هو ويقول:

"معلش يا آنسة نسرين اتواصلي مع مدير قسم الحسابات وقولي له أستاذ أنس محتاج آنسة مرام ضروري." ابتسمت نسرين وهي تفهم الآن السبب. فلا يخفى على أحد الآن حب أنس لمرام. لا يخفى على أحد تلك النظرات الخاصة التي يرمقها بها أنس. حاول كثيرًا أن يسيطر على عينيه ولكن كانت سيطرة قلبه أكبر. خرجت نسرين بسرعة من المكتب لتحضر مرام. ***

بعد قليل، كانت مرام تتنهد وهي تقف أمام مكتبه بينما قلبها يخفق بعنف. بالطبع هو يعرف أنها وافقت عليه لهذا طلبها. هي الآن تذوب من الخجل. وجهها أحمر وانفاسها متلاحقة. لا تعرف كيف ستقف أمامه وتنظر إليه. كيف ستواجهه وتتكلم معه. فجأة هزت رأسها وهي ترتدي قناع الصرامة وتوبخ نفسها. هي ليست مراهقة بل هي في الثامنة والعشرين من عمرها. أي أنها راشدة. لا يجب عليها أن تذوب من الخجل بتلك الطريقة. يجب أن تسيطر على مشاعرها. تنفست عدة مرات بسرعة وحاوطت نفسها بالجليد وهي ترفع كفها كي تدق على الباب. أغمضت عينيها وصوت أنس الجذاب ينساب لروحها. تنهدت مرام وهي تدخل للمكتب ثم وقفت أمامه وهي تنظر

إلى الأرض وتقول برسمية: "طلبتني يا فندم." ابتسم أنس وهو ينظر إليها ثم نهض. كان لا يستطيع أن يسيطر على سعادته. وقف أمامها وقال: "آدم قالي إنك وافقتي عليا. متعرفيش قد إيه فرحتيني. أنا من أول ما سمعت وأنا مش قادر أخبي فرحتي. أنا… أنا…" توترت هي أكثر من كلماته وقالت بنبرة جعلتها صارمة: "الكلام هيكون مع أخويا آدم. بس حضرتك طلبتني ليه دلوقتي؟ عشان تقولي الكلام ده؟ صمت أنس بتوتر ثم تنهد وقال:

"أنا آسف عارف إني مينفعش أتكلم معاكي خصوصًا إني اتكلمت مع أخوكي ولازم أحترمه بس بجد مش قادر أمنع نفسي من الفرحة. متعرفيش أنتِ فرحتيني إزاي بموافقتك عليا. بجد أنا مبسوط."

كانت عينه تلمع كالنجوم. كانت السعادة التي في قلبه أكبر من أن يسعها العالم بأكمله. حاربت مرام ظهور الابتسامة على شفتيها ولكن تلك الابتسامة هزمتها وهي تشرق على وجهها. بهت أنس وهو يراها تبتسم ولأول مرة بتلك الطريقة. يرى وجهها ينير بقوة كأن القمر بنفسه قد أتى إلى مكتبه. إن كان للجمال شكل محدد فستكون ابتسامتها هي. تراجعت مرام وذهبت من أمامه مسرعة وبسرعة اتجهت للحمام وهي تضع كفها على قلبها بينما ابتسامتها الرائعة تزداد اتساعًا.

*** في المساء. "طلبتيني يا أمي؟ قالها آدم وهو يلج لغرفتها وعلى وجهه ابتسامة هادئة تخفي اضطرابات قلبه وروحه. ولكن والدته عرفت. فهي تحفظ آدم. آدم التي ربته بنفسها وزرعت فيه القيم الجيدة وهي تشكر ربها أنه أصبح رجل صالح يتحمل المسؤولية. ولكن شيئًا ما كان يؤرقها. شيئًا ما بآدم تريد أن تقتلعه من قلبه. أعطته ابتسامة صافية وقالت: "تعالي اقعد جمبي يا ابني." اقترب آدم منها وهو يبتسم بلطف وأمسك كفها ثم قبله بلطف وقال:

"أخبارك النهاردة يا ست الكل؟ ليلي أدتلك أدويتك." ابتسمت وهي تهز رأسها وقالت: "أيوه يا سيدي اتعشيت وأخدت أدويتي وأنا زي الفل أهو. بطل تقلق عليا كده." "وأنا ليا مين أغلى منك عشان مقلقش عليكي يا أمي." تنهدت والدته وصمتت. تريد أن تصارحه بما تريد ولكنها خائفة من ردة فعله. تري هل سيقبل من أجلها أم سيثور ويغضب؟

هي تعرف ابنها جيدًا. قد يتنازل من أجلها ولكن قلبه سيحترق. سيشعر أن ما تفعله خيانة. كان آدم يراقب انفعالات والدته بحيرة. لا يفهم ماذا بها. ولم كل ذلك التردد الذي رآه على وجهها. ولكن بدا أن الأمر مهم جدًا. شد آدم على كف والدته وقال: "أمي تقدري تقولي فيه إيه من غير توتر. لا قلق. أنا آدم." ابتسمت له وقد انبسطت ملامحها وقالت:

"وده اللي مطمني شوية إنك آدم. آدم ابني اللي ربيته ومستحيل يزعلني ولا يكسر كلمتي. آدم العاقل اللي ربيته على الحب وتحمل المسؤولية وطلع زي ما أتمنيته تمامًا. وأنا كل ما أبصله أفتخر بنفسي إني طلعت إنسان سوي زيه." ابتسم آدم وهو يقبل كفها ويقول: "إيه الكلام الحلو ده يا ست الكل. أنا هتغر كده." ضحكت حسناء وقالت: "يا بني ده أقل حاجة أقولها عنك. انت بس مش عارف قيمتك."

"لا ده أنا كده اتكبر عليكم رسميًا يا ست الكل وبعدين أديكم مواعيد عشان تشوفوني." قالها مازحًا إياها لتضحك هي من قلبها ولكن التوتر ما زال مسيطرًا عليها. هل يا ترى سيتقبل ما ستقوله الآن؟ تنهدت وقررت أن تتكلم الآن. "آدم… يا بني." قالتها بتلعثم ليقول وقد انبسطت ملامحه: "قولي يا ست الكل." "مهرا…"

نظر للجهة الأخرى وهو يغمض عينيه. منذ مشاجرتهما في الصباح وهما لا يتكلمان. هو أخطأ بحقها يعترف بهذا داخله ولكنها أيضًا لا تفهم. لا تفهم ما عاشه. تريده أن يغفر بسهولة. كيف يغفر لمن دمر حياته؟ كيف؟ نظر مرة أخرى إلى والدته وقال:

"عارف إني غلطت لما قلت الكلام ده بس هي كمان بتضغط عليا. هي عارفة الموضوع ده بيخليني أتجنن إزاي. فكرة إني أسامح جابر عزام بتخليني أتجنن. إزاي أسامح بسهولة كده. أنا خايف. خايف مهرا تيجي في يوم وتحطني قدام خيار إني أسامح جدها أو تسيبني. لما فكرت في الموقف ده بقيت زي المجنون. الاتنين بالنسبالي صعبين جدًا. كأني برمي نفسي في النار." ابتسمت والدته وقالت: "للدرجادي بتحبها." ابتسم وقال:

"أيوه بحبها وبحبها أوي كمان. ونفسي تفهمني. نفسي تفهم إن اللي جوا قلبي لجابر عزام مستحيل ينمحي يا أمي." "ده جدها يا بني." قالتها حسناء بتوتر ليصمت هو لتستغل هي تلك النقطة وتكمل: "صعب على مهرا تبقى معاك وإنت بتكره جدها بالشكل ده. متنساش إنه رباها و…" "عايزة تقولي إيه يا أمي؟! قالها آدم بوجه متجمد وعينين تبرقان بعنف. لم تتراجع حسناء عن قرارها. قررت أن تكمل ما تريد قوله فقالت هي بشجاعة:

"عايزة أقول إن جه الأوان تنسي وتسامح يا آدم. ده برضه جدك." نهض آدم كالملسوع وتصاعدت الدموع لعينيه وهو ينظر إليها بصدمة. "أنا نسيت وسامحت خلاص يا آدم. مش هقضي كل حياتي أكره جابر بسبب الماضي. وإنت مفروض تعمل كده كمان عشان خاطر مراتك على الأقل. مراتك اللي استحملتك. واستحملت تعيش هنا بعد ما كانت عايشة في فيلا كبيرة وطلباتها كلها مجابة. عشان…" "بس يا أمي!!! قاطعها بحدة. "آدم اسمعني بس." "قلتلك بس يا أمي!!!

صرخ بحدة وهو يضرب الحائط الذي بجواره بكفه. "مش هتفضل طول حياتك بتكرهه يا آدم. لا لازم تسامحه في يوم." وكأن والدته أشعلت النيران به بكلماته ليصرخ هو بتوحش وهو يضرب على الحائط: "قلت كفاية كفاية كفاية." لم يتوقف حتى عندما وجد الدماء تندفع من كفه. كان قد فقد عقله تمامًا وكان والدته فتحت أبواب الجحيم. كان غضبه كبير، عظيم لا يمكن السيطرة عليه. "آدم كفاية." قالتها والدته برعب وهي تمسك كفه ليبتعد عنها ويصرخ:

"عايزاني أسامحه إزاي!!! أسامح الراجل اللي دمر حياتنا!!! لم تنتبه حسناء منذ البداية لمهرا ومرام وليلي الذين أتوا ووقفوا أمام الباب وهو ينظرون إليهما برعب. "آدم وطّي صوتك! اتكلم بطريقة أهدى من كده! "أهدى إزاي!!! قوليلي يا أمي. بعد اللي قولتيلي عايزاني أتكلم بهدوء إزاي؟ شوفي حضرتك بتقولي إيه الأول؟!! عايزاني أسامح جابر. جابر اللي دمر حياتنا. السبب في موت أبويا!!!

الراجل اللي ذلك. الراجل اللي اتخلى عننا وساب الدنيا تلـطم فينا." وضعت مرام كفها على فمها وبدأت تبكي وهي ترى انهيار شقيقها. لقد عاصرت كل تلك الأحداث المؤسفة وتشعر بألم آدم. اقترب آدم من والدته وقال بصوت مجروح: "أنا اتخليت عن حلمي وسيبت التعليم واشتغلت معاكي عشان أقدر أعيش. و…" قاطعته والدته وقالت: "إيه يا آدم. إنت هتذل أمي كمان عشان اشتغلت وصرفت علينا. يلا كمان ذلنا عشان ميار سابتك بسببنا!!! قول يالا."

هز رأسه وصرخ بانفعال:

"لا طبعًا. أنا اللي عملته مش فضل عليكم. ده واجبي. واجبي إني أشتغل لأني أنا راجل البيت وحلفت إني عمري ما هخلي أخواتي أو إنتِ تتذلوا لجابر تاني. مستعد أموت وأنا بشتغل لكن عمري ما هسمح إنكم تتذلوا للراجل ده تاني. أمي أنا مستعد أموت لو طلبتي مني كده لأنك أغلى حد على قلبي. إنتِ روحي. لكن إني أسامح جابر فده لا. جابر عزام هيفضل عدوي ليوم الدين وحتى يوم القيامة لو دخوله للجنة متوقف على مسامحتي ليه مش هسامحه برضه."

كانت حسناء مرتعبة وهي تنظر إلى كمية الكره التي يحتشدها آدم في قلبه نحو جابر عزام. يا الله ابنها لن يغفر بسهولة. "إنت كده بتأذي نفسك بالكره ده يا آدم. إنت بتدمر حياتك." "مش مهم. المهم إني مش هسامح." قالها آدم ثم أكمل: "مش هسامح عشان خاطر أي حد ولا حتى حضرتك يا أمي." أحست حسناء بجرح غائر في قلبها وقالت: "اطلع من أوضتي دلوقتي يا آدم. وعيش مع كراهيتك دي لحد ما تخسر الكل. اطلع برا يالا."

بالفعل خرج آدم وهو منفعل من الغرفة وسط ذهول الجميع ثم خارج المنزل. "هو… هو رايح فين دلوقتي؟ قالتها مهرا برعب لترد ليلي وهي تبكي: *** في ورشة آدم، كان جالسًا على المقعد وجهه للأسفل بينما دموعه تتساقط بالتتابع. يشعر أن الوجع يتدفق من قلبه. يريد أن يبكي ويصرخ ولكن لا يستطيع. هو يعجز حتى عن الانهيار.

ارتعش جسده عندما حطت كف رقيقة على كتفه. استدار ليجدها مهرا. تنظر إليه بحزن والدموع تنساب من عينيها العسليتين. أوجع قلب مهرا وهي تراه في تلك الحالة. كادت أن تتحدث إليه أن آدم سحبها من خصرها وعانقها. لم يكن ليترك أي أحد يرى لحظات ضعفه النادرة، ولكن مهرا كانت شيئًا آخر. وكأنها خلقت لتحتوي لحظات ضعفه النادرة جدًا. هكذا فكر وهو يضمها بقوة كالتائه الذي وجد ضالته أخيرًا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...