كانت حسناء تضع كفها على رأسها وهي تشعر باليأس. لقد غادرت مهرا، وغادرت معها سعادة آدم. لقد ضيع ابنها بغبائه سعادته، ضيع كل شيء بسبب عناده الذي لا فائدة منه. تعرف أنها ومهرا ضغطا عليه، لكن كان يجب أن يسيطر على أعصابه قليلاً. تنهدت حسناء وهي تدعو الله أن تنحل تلك المشكلة. لقد حاولت الاتصال بآدم ولكنه لم يرد عليها. كان مصمماً على عناده، ومهرا أيضاً لن تصمت تلك المرة، هي تشعر بهذا.
خرجت مهرا من سيارة الأجرة ووقفت أمام الفيلا وهي تمسح دموعها التي تغرق وجنتها. لا تصدق أن آدم قال هذا لها، لا تصدق أنه قالها مجدداً. هو يعاملها كأنها لا تمثل أي أهمية في حياته، بينما هو كل حياتها! من قال إن حاله لا يعجبها؟ هي تقبلته كلياً. تركت منزلها وعاشت معه لأنها فقط تحبه، ومستعدة أن تذهب لآخر العالم فقط من أجله!
ولكن آدم جرحها اليوم، حطم قلبها. شعرت وكأن كل حبه لها تبخر، أحست باليأس منه. هل ستنتهي قصتهما بتلك السهولة؟ تنهدت مهرا بتعب وهي تفكر، ثم اتجهت للفيلا وهي ترسم السعادة المزيفة على وجهها. "مهرا! قالتها مروة بدهشة وهي تراها تحمل حقيبتها، والآلاف السيناريوهات ارتسمت في عقلها. كان جابر يجلس على مائدة الطعام يتناول طعام الغداء. "هو الواد الجلنف اللي اسمه آدم زعلك يا مهرا؟ قالها جابر لترد مهرا بسرعة وقد ادعت البهجة:
"لا يا دومي عمره ما يزعلني، أنا بس طلبت أقعد أسبوع معاك لأنك وحشتني وهو رضي. ده حتى كمان وصلني لهنا قدام بوابة الفيلا وبعدين مشي." "مدخلش حتى يشوفني! قالها جابر وقد بدأ اليأس يتملك من قلبه. لتقترب مهرا وهي تضع حقيبتها على الأرض وتقول: "معلش يا جدو، هو هيروق لوحده. وبعدين ده سأل عنك حتى. آدم طيب والله بس عنيد شوية." اقتربت أكثر وهي تطبع قبلة على وجنته وتقول: "زيك كده بالضبط. هو شبهك في كل حاجة." ابتسم الجد بحب وقال:
"أتمنى إنه يسامحني قبل ما أموت." "بعد الشر يا جدو، متقولش كده. هتفضل عايش وتشيل عيالي أنا وآدم بإذن الله." "يارب يا بنتي أشوف أحفادكم يارب." في الورشة. كان آدم يدور يميناً ويساراً وهو يشعر بالغضب. ما حدث منذ قليل أغضبه. ليس كلام مهرا فحسب، بل هو غاضب من نفسه لأنه فقد أعصابه بتلك الطريقة العنيفة. ولكن مهرا داست على الجرح بقوة. ألا تعرف أنه يقاوم مشاعره تجاه جابر؟
هو بشق الأنفس يمنع نفسه من أن يغفر له. ولكن وضعه الصحي المتدهور جعله يقلق على جده. أغمض عينيه وهو حتى لا يريد التفكير في الكلمة. جابر عزام ليس جده ولن يكون. جابر عزام سيبقى دوماً الرجل الذي تخلى عنه وعن عائلته. وكلما أراد أن يغفر يجب أن يتذكر هذا. اتسعت عينا حياة بينما أحمد يضمها بكل تلك القوة ويبكي. عادت لوعيها وهي تدفعه عنها وتقول: "ابعد.. ابعد! إيه اللي انت بتعمله ده؟ ابتعد أحمد وهو يعانق وجهها ويقول
ودموعه تتساقط من عينيه: "إنتِ عايشة.. عايشة معقول؟ نظرت إليه حياة بتوجس. تشعر أنه قد فقد عقله. أبعدته بعنف وهي تدرك الوضع المخجل لهما سوياً أمام بواب بنايتها. بينما هو ما زال ينظر إليها بذهول. قلبه يخفق بقوة. يشعر أن الألم العظيم الذي كان يسيطر على قلبه اختفى تماماً. فقط السعادة الآن كانت تملأ أركان قلبه. "أنا.. أنا.." قالها بصوت مختنق والدموع تنساب من عينيه بينما أمسك ذراعيها. وأكمل:
"افتكرتك متي يا حياة.. صدقيني كنت هموت وأنا فاكر أنك متي خلاص وسبتيني! "ابعد عنها! قالها مروان ببرود وهو يرى أحمد يمسك بذراع حياة. نظر إليه أحمد وعيناه مشبعة بالغضب. هذا الرجل جعله يعيش أسوأ يوم في حياته. هذا الرجل خدعه وحمله ذنب موت حياة! جعله يعيش أسوأ يوم في حياته وهو يظن أنه قاتلها! احمر وجه أحمد من الغضب. جل ما أراده فعله الذهاب إلى مروان وخنقه حتى يلفظ أنفاسه! "آه يا حقير يا واطي!
صرخ بها أحمد وهو يقترب من مروان ويلكمه بقوة. وضعت حياة كفها على فمها وهي تصرخ بقوة. لا تستطيع تصديق ما يحدث. لكم مروان أحمد بدوره ولكن أحمد كان جامداً لا يتحرك. غضبه جعله أقوى من مروان بكثير. بدأ أحمد يضرب مروان بعنف ومروان يحاول بكل قوته أن يضربه. وضعت حياة كفها على فاها وهي تصرخ وتبكي. بينما بواب البناية حاول الفصل بينهما فلم يستطع. تجمع بعض الناس حولهما وتبرع أحدهم كي يتصل بالشرطة. في مركز الشرطة.
كان كلا من أحمد ومروان واقفان أمام الشرطي وهو ينظر إليهم بضيق. نظر الضابط لوائل وقال: "يعني كده تمام يا باشا مش هتعملوا محضر ولا حاجة." هو وائل رأسه وقال: "لا يا باشا. أحمد ومروان زي الأخوات ودايماً بيتخانقوا بس ده مش هيحصل تاني." هز الضابط رأسه وقد قرر إخلاء سبيلهما. بعد أن خرج مروان من مركز الشرطة هو وأحمد انتظر من والده أن يوبخه بقوة على ما فعله، ولكن لدهشته والده لم يفعل هذا. لم يوبخه ولم يهنه.
بل نظر إليه وقال بهدوء: "أنا رايح الشركة دلوقتي يا مروان، روح أنت وحياة على البيت ومتعملش مشاكل تاني." رفع مروان حاجبيه ولكن لم يعلق بل هز رأسه بينما وائل يتجه لسيارته. بعد أن ذهب وائل نظر مروان إلى حياة وقال: "يلا يا حياة نروح من هنا؟ هزت حياة رأسها موافقة وكادت أن تذهب معه إلا أن أحمد وقف في طريقها وقال: "حياة خلينا نتكلم شوية لو سمحتي." وقف مروان في وجهه وقال ببرود:
"حياة مش عايزة تكلمك ولا تشوفك. إياك تقرب منها يا أحمد وإلا أنا اللي هقف في وشك وهزعلك! نظر إليه أحمد باحتقار وقال: "لا هقرب.. وهتكلم معاها.. لأن حياة تخصني. أنت ولا غيرك مش هيمنعوني من البنت اللي بحبها! أنا كنت جبان قبل كده لما سبتها ومشيت. بس مش هكون جبان المرادي. أنا هتمسك بحياة وأنا عندي أمل إنها ترجعلي لما تشوف قد إيه أنا بحبها! نظر مروان إلى أحمد بشرود لثوانٍ ثم عاد لرشده وقال: "يلا يا حياة نمشي من هنا."
ثم مشت هي معه دون أن تنظر لأحمد الذي ينظر إليها بألم يفوق الألم الذي يشعر به في وجهه المشوه جراء ضرب مروان له. في سيارة مروان. نظرت حياة إلى وجهه المكدوم وقالت: "انت مخلت يا مروان. قولتلُه إني متُّ وانه السبب في موتي بجد! ابتسم مروان بتسلية وقال: "كان عايز فرصة ودن بسيطة! "والله فعلاً انت مجنون! "آه! صرخت ميار بألم بينما أبوها يضربها. كان عثمان يرفع الحزام الجلدي الخاص بها ويضربها بقسوة. "بابا كفاية أبوس إيديك!
قالتها ميار وهي تبكي بعنف بينما انفجرت من فمها الدماء بسبب كثرة الضرب. شعرت أن جلدها يتمزق وهو يجلدها كأنها جماد لا تشعر. "أنا هربيكي من أول وجديد يا عديمة الشرف.. تِهربي من البيت وتروحي تتسرمحي عند خالتك وعيالها.. يا ترى بعتي نفسك بكام يا بنت الكلب! "يا بابا والله ما حصل أنا.." قاطعت كلامها علياء التي تقف بجوار باب الغرفة قائلة:
"انت لسه هتسمعها يا عثمان.. خلاص بنتك حطت راسك في الطين.. خالتها عندها تلات شباب والله أعلم كانت بتعمل إيه هناك معاهم.. إيه هتكون بتلعب كوتشينة مثلا! أكيد كانت بتلعب بشرفك وفرحانة وإحنا لفينا عليها الدنيا!
تلك الكلمات التي أطلقتها علياء بخبث جعلت عثمان يغضب أكثر ويرفع حزامه ويضرب ميار بقوة أكبر، وهو يصرخ بها. كانت ميار تصرخ لدرجة أنها شعرت أن حبالها الصوتية تكاد تتمزق. والدموع تنفجر من عينيها. تمنت في تلك اللحظة أن تموت وترتاح. كانت علياء تجلس على المقعد، ترفع ساقاً على ساق وعلى شفتيها ابتسامة شامتة. الضربات التي تتلقاها ميار كانت تطربها بشدة. تلك الضربات تذكرها بضرب والدتها لها. والدتها أيضاً كانت تضربها بتلك القسوة وقد شعرت علياء بالسعادة وهي ترى امرأة أخرى تُعامل بنفس الطريقة التي عوملت هي بها.
"حطيتي راسنا في الطين يا بنت الكلب.. مش كفاية أنك معمرتيش مع جوزك.. طبعاً أكيد اكتشف مشيك البطال! كانت ميار تضع رأسها على الأرض دموعها تنفجر من عينيها ولا تقوى حتى على الصراخ. تتلقى الضرب البشع من والدها وهي تشعر أنها تغيب عن الوعي. "خلاص يا حبيبي.. بنتك اغمي عليها.. ارتاح دلوقتي ونكمل عليها بعدين!
قالتها علياء بنبرة متشفية وهي تنظر إلى ميار الفاقدة للوعي. ابتعد عثمان وهو يلهث بعنف. جزء من قلبه يعتصر ألماً وهو يرى ابنته بتلك الحالة. ولكن كان يجب أن يربيها. ميار قد دنست شرفه. تطلقت وهربت من منزلها ووجدها مع ثلاث شباب! هو لم يحسن تربيتها للأسف. "خلاص كده أظن هي اتعلمت الأدب ومش هتعمل كده تاني.. لما تصحى خليها ترتاح وتأكل كويس." لوت علياء فمها وقالت:
"وتحب أغسلها رجليها بالمر يا حنين.. يا راجل انت هتجنني.. بنتك حطت راسك في الطين وانت مصمم تبقى متساهل معاها." "أومال عايزاني أموتها يعني يا علياء.. دي بنتي برضه! نهضت علياء واقتربت منه وهي تلمس كتفه وتقول بفحيح كالأفاعي:
"يا حبيبي بنتك مش هتموت من الضرب ولكن لو عملت حاجة تاني وفضحتنا إحنا اللي هنموت.. بعدين متنساش دي كانت لسه متطلقة يدوب وراحت لآدم والله أعلم إيه اللي حصل بينهم ولا انت مش هترتاح إلا لما بنتك تدخل علينا بابن حرام." كان يقتنع عثمان بكلامها وقد ابتسمت وهي تدرك هذا. كانت تريد أن يعذبها عثمان أكثر. تريد أن تفرح فيها! نظر عثمان إلى علياء وقال: "يعني أعمل إيه؟ هزت علياء كتفها وقالت:
"تفضل حارمها من الخروج وتديها كام علقة لحد ما نجوزها ونرتاح من همها.. إيه رأيك." استحسن عثمان فكرتها وقال: "بس خلاص النهاردة مش هضربها تاني ولا بكرة حتي من أول ما جبتها من إسكندرية وأنا بضربها أنا مش عايزة أعملها عاهة ولا حاجة." لوت علياء فمها وقالت: "طيب يا حنين خلاص مش هنعملها حاجة النهاردة ولا بكرة.. حلو كده يا أخويا." هز عثمان رأسه وخرج من الغرفة لتقول علياء بسخرية: "آهات آخر زمن!
ولج إلى المنزل وهو يشعر بالتعب ليجد والدته وشقيقتيه جالسين على الأريكة. "مهرا مشيت.. ارتحت." قالتها ليلي بغضب ليشحب قليلاً فأكملت حسناء بلوم: "بعد ما حضرتك طردتها أخدت شنطتها ومشيت." "أنا مطردتهاش! قالها مدافعاً عن نفسه لترد حسناء وتقول: "لو مش عاجبك حياتي أمشي! مش ده اللي قولته.. يا بني مينفعش تقول لمراتك كده." ربع ذراعيه وقال بإنفعال:
"واهي أثبتت إن حياتي مش عاجباها ومشيت اهي. هي مقدرتش تعيش في مستواي وعايزاني أروح لجابر عزام أترجاه يشغلني! نهضت حسناء وقالت: "هي مين دي اللي مش عاجباها حياتك! يا بني دي سابت عز جدها وجت تعيش معاك.. مع أمك وأخواتك.. في الوقت اللي كل البنات بتشرط إن يكون ليها شقة خاصة بيها هي رضيت تعيش معاك هنا! قول لي بقى إزاي مش راضية بوضعك. وحتى لو غلطت دي مش كلمة تقولها. اتفضل يالا روح جيبها زي ما زعلتها! ضحك آدم بسخرية وقال:
"هو أنا اللي زعلتها! "أيوه انت روح جيبها يالا.. متخليهاش تبات برا بيتك وهي زعلانة! هز آدم رأسه بعناد وقال: "لا يا أمي.. مش أنا اللي مشيتها.. هي مشيت من نفسها.. يبقى تيجي من نفسها.. أنا مش هروح عشان أجيب حد.. وده آخر كلام عندي! دخل لغرفته لتضرب حسناء كل على كف وتقول: "ربنا يهديك يا بني على عنادك ده.. انت اللي هتندم في الآخر."
ولج آدم لغرفته وأغلقها بغضب وهو يدور حول نفسه. لا يصدق أنها تركت البيت وذهبت بتلك السهولة. جل ما كان يريده الآن أن يذهب إليها ويجلبها بالإجبار ولكن لا. هو لن يخضع لها. عليها أن تعرف أنها هي المخطئة بحقه. هز آدم رأسه وقال: "لا مش هروح عشان أجيبها.. لو عايزة تيجي تيجي.. لكن أنا مستحيل أروح وأجيبها." قال كلمته ثم أخرج ملابسه من الخزانة وذهب لكي يأخذ دوش وينام. في فيلا عزام.
كانت مهرا تجلس على فراشها. دموعها تنساب على وجنتها وهي تنظر لصورتها هي وآدم. قلبها يؤلمها. لقد أوجعها آدم اليوم. ورغم أنه أوجعها إلا أنها لا تستطيع أن تكرهه. هي ما زالت تحبه بقوة. ما زال هو مالك قلبها. وستظل تحبه حتى تموت. طرقة على الباب جعلتها تجفل. مسحت دموعها بسرعة وخبأت هاتفها وابتسمت بهدوء قائلة: "ادخل." ولجت مروة إلى الغرفة واتجهت إلى فراش مهرا. جلست عليه وهي تتأمل ابنتها. توترت مهرا وقالت:
"فيه إيه يا ماما.. بتبصي لي كده ليه؟ "مهرا إيه بينك وبين آدم؟ إيه المشكلة اللي حصلت المرة دي؟ تلعثمت مهرا وقالت: "هي.. هيكون فيه إيه يعني يا ماما.. مفيش أي حاجة بيننا.. إحنا كويسين الحمد لله.. وهو بيسلم عليكي و.." قاطعتها مروة وقالت: "مهرا! إنتِ بنتي وأنا حافظاكي.. الحزن اللي على وشك ده مستحيل يكون من فراغ.. إيه اللي حصل؟ انفجرت فجأة مهرا وهي ترمي بين ذراعي والدتها تبكي تقص عليها ما حدث. بعد قليل.
وبعد أن انتهت مهرا من كلامها. نظرت إليها مروة وأمسكت كفها قائلة: "حبيبتي مهرا إنتِ غلطتي." "أنا برضه يا ماما! قالتها مهرا بينما دموعها ما زالت تنساب على وجنتها. لتهز مروة رأسها وتقول: "وآدم برضه غلط.. انتوا الاتنين غلطتوا أوي.. مهرا يا حبيبتي إنتِ اتقبلتي آدم.. اتقبلتي آدم ببيته بوضعه المادي وشغلته.. فمينفعش دلوقتي تيجي تجرحيه وتطلبي منه يقرب من جده عشان الفلوس." "بس يا ماما.." قاطعتها مروة وقالت:
"يا حبيبتي.. الراجل مبيحبش يشوف مراته مكسوفة منه ومن شغله.. عارفة إنك مش مكسوفة من شغل آدم بس بكلامك وصلتي له كده.. أنا فاهمة إنك بتعملي كده عشان يسامح جده.. ولو هو مش فاهمك كويس فده بسبب غضبه.. وقلت لك قبل كده متجبريش آدم إنه يسامح.. لأن الموضوع مش سهل يا مهرا.. خلي الأيام يا بنتي هي اللي تداوي الجروح." نظرت مهرا إليها بيأس وقالت: "أنا خايفة من إن الكره ده يأذيه يا ماما." ضمتها مروة وقالت:
"سيبي كل حاجة على الزمن يا مهرا! "أووف! نفخ آدم بضيق وهو يتقلب في فراشه غير قادر على النوم. لقد تجاوزت الساعة منتصف الليل والنوم يرفض أن يزور عينيه. كان يشعر بفراشه كأنه جمر من الجحيم لا يرتاح عليه. جذب الوسادة التي بجواره ثم دفن رأسه فيها. وفجأة ملأت رائحة مهرا الملتصقة بالوسادة روحه!
أخذ يشم الوسادة كأنه أحد المدمنين. رائحتها تتغلغل داخله فتضاعف اشتياقه لها. أبعد الوسادة فجأة ونهض وهو يدرك أنه لن يستطيع النوم بعيداً عن حضنها. لن يستطيع! كانت حسناء تجلس في الصالة مع ليلي التي تذاكر. لم تشعر حسناء بالنعاس لذلك قررت الجلوس مع ليلي حتى تنام. فتح آدم باب غرفته وخرج وهو يرتدي ملابسه. "رايح فين يا آدم؟ سألته حسناء بحيرة ليرد آدم بضيق: "رايح أجيب مهرا! معنديش بنات تبات برا بيت جوزها!
ثم خرج وسط ضحكات حسناء وليلي. نظرت ليلي إلى حسناء وقالت: "روميو مش قادر يبعد عن جولييت.. برضه أول يوم راحت تبات عند جدها كان هيروح ويجيبها لولا إنها كلمته." "بيحبها يا ستي." "آه.. ربنا يوعدني بواحد مجنون زي آدم يحبني! قالتها ليلي وهي ترفع كفيها وتدعو لتضربها حسناء على رأسها وتقول: "طيب ذاكري يا أختي! أمام فيلا عزام.
ترجل آدم من السيارة التي أخذها من صديقه. صديقه الذي أصيب بالصدمة وهو يرى آدم أمام باب منزله في منتصف الليل! أخرج هاتفه واتصل بمهرا. أتاه الرد بعد ثوانٍ بصوت مهرا الذهل: "آدم." "اطلعي أنا برا الفيلا! قالها لتصدم هي وتمسح دموعها وتقول: "بطل جنان يا آدم! "اطلعي يا مهرا فوراً! قالها آدم وهو ينظر إلى باب الفيلا لترد مهرا بحزم:
"لا يا آدم مش هطلع وامشي من هنا لو سمحت وبلاش فضايح خلاص أنت قولت اللي في بالك وأنا عملت اللي انت عايزه وسيبتك." كز آدم على أسنانه وقال: "يا بنت الحلال بقولك اطلعي بالذوق بدل ما أجيبك بالعافية! "لا مش هطلع ووريني إزاي هتجيبني بالعافية.. سلام! ثم أغلقت الهاتف ووضعته بجوارها ثم انفجرت بالبكاء. "إنتِ اللي اخترتي يا مهرا." قالها آدم وهو ينظر إلى سور الفيلا.
كانت مهرا تضع كفها على وجهها وهي تبكي بعنف عندما شعرت بحركة في تراس غرفتها. أزاحت كفها عن وجهها لتصرخ وهي تجد آدم أمامها: "إنت دخلت هنا إزاي؟ هز كتفه وأجاب ببساطة: "من السور.. الحارس كان نايم نبهي جدك يغيره.. يلا عشان نروح البيت." هزت رأسها وهي تقول بعناد: "لا مش رايحة يا آدم.. وريني هتجبرني أروح معاك إزاي." "حاضر أنا هوريكي هجبرك إزاي." ثم بسهولة حملها بين ذراعيه وقال: "العناد معايا مبيجبش نتيجة صدقيني."
ثم خرج بها من الغرفة بينما هي تصرخ وتضربه على كتفه. "نزلني يا بني آدم أنت.. نزلني وإلا هصرخ وألم عليك الدنيا." صرخت بها مهرا بينما يتجه هو بها إلى سلالم الفيلا فقال هو: "صرخي." "يا جد..كادت أن تصرخ بأقوى ما عندها إلا أنه كتم كلماتها وهو يقبلها بشغف مجنون. بعد عدة لحظات ابتعد عنها وهو يقول بتسلية عندما رأى وجهها الأحمر من الخجل: "صرخي دلوقتي." "آدم.. مهرا! قالتها مروة بصدمة وهي تراهما سوياً في هذا الوضع!
بهتت مهرا وهي تنظر إلى والدتها التي ابتسمت بعد ذلك وقالت: "خلاص يا أولاد مدام اتصلحتوا الحمد لله تقدر يا آدم تاخدها دلوقتي للبيت قبل ما جدها يصحى." "ماما أنا لسه مصالحتهوش! "مظنش يا قلب أمك! قالتها مروة بخبث ليحمر وجه مهرا بينما يضحك آدم وهو ينزل بها السلالم ويقبل حماته على رأسها ويخرج من الفيلا كلياً. "عربية مين دي؟ قالتها مهرا بصدمة. "س.رقتها! "نعم!!! صرخت مهرا برعب ليضحك آدم ويقول:
"أخدتها من صاحبي وهرجعها بكرة متقلقيش." في المنزل. دخلا غرفتهما بعد طبعاً مشاكسات من ليلي وفرحة حسناء الكبيرة. ربعت مهرا ذراعيها وقالت: "أوعى تفتكر إني هسامحك يا آدم بسهولة على كلمة امشي دي." "ولا أنا هسامحك على موضوع الشغل ده.. خدي وقتك في الزعل في بيتك.. ممنوع تمشي منه مفهوم! لم ترد عليه بينما تسطح على الفراش وقال: "اطفي النور!
أطفأت مهرا النور وتسطحت على جانبها في الفراش لتشهق فجأة بينما آدم يسحبها إليه ويضمها بقوة دافناً وجهه في عنقها. "إنت يا بني آدم أنت بتعمل إيه! قالتها بضيق فرد هو ببرود: "مبعرفش أنام إلا بالطريقة دي.. ونامي يا مهرا وإلا والله هبوسك." أغمضت عينيها بسرعة. هي لا تريد أن تتحدّاه الآن لأنها سوف تخسر. يكفي فضيحتها عندما رأته والدتها وهو يقبلها! بعد أسبوع.
"يا بنتي طلاق إيه استهدي بالله.. إنتِ عارفة بيبصوا للمطلقة إزاي دلوقتي!! متهدديش بيتك يا كارما الراجل شاريكي.. مفروض تحمدي ربنا وتعيشي وتسكتي." قالتها مودة بحرقة وهي تنظر لابنتها الغبية. ابتسمت كارما بسخرية وقالت: "صح عندك حق مش كفاية اتكرم وقرر يكمل معايا.. يا جحودي والله.. سامر بيه اتكرم وقرر يخليني على ذمته وأنا رافضة.. انتوا مفروض ترجموني!
تصاعدت دموع كارما وهي تدرك كم هي رخيصة. كم ليس لديها قيمة ولكن لتكن صريحة هي من فعلت هذا بنفسها. هي من قللت من شأن نفسها من أجل رجل! هي ولجت لحياته وبها أخرى. هي تحملت الإهانة وعاشت راضية كي تنال حبه والآن وقد قررت أن تحتفظ بآخر ذرة في كرامتها والدتها توبخها. كانت كارما تشعر بالقهر بسبب حالتها تلك!
نظرت مودة إلى ابنتها بشفقة. يعتصر قلبها ألماً بسبب حال ابنتها. تعرف أنها عانت الكثير ولكن الله وحده يعلم أنها تريد سعادتها ليس إلا. هي تعرف كم أن حياة المطلقة صعبة للغاية. ابنتها لا تدرك هذا. هي صغيرة ولا تدرك مصلحتها. اقتربت مودة من كارما وأمسكت كفها وقالت برفق: "كارما إنتِ لسه بتحبيه.. متتكريهيش.. أنا شايفة ده في عينيكي مهما حاولت تنكريه.. طيب ليه يا بنتي متديش نفسك فرصة.. اديله فرصة بس." نهضت كارما وقالت بعناد:
"لا فرصة ولا غيره.. خلاص يا ماما سامر انتهى بالنسبة لي! خرجت مودة من منزل كارما وهي تهز رأسها بيأس. لقد أصبحت ابنتها عنيدة جداً. لا تصدق كم هي عنيدة. قلبها يؤلمها على فتاتها وما تريد خوضه. الطلاق كلمة صعبة في المجتمع الذي تعيش به. ابنتها فقط ستعاني من توابعه وليس سامر! تنهدت وهي تسير في الشارع. فجأة رن هاتفها التقطته لتجده سامر. ردت بسرعة وقالت: "أيوه يا سامر يا بني؟ "إيه أخبارها؟
قالها سامر بينما يجلس على مكتبه يحك جبينه بتعب. من كان يصدق أن كارما تمتلك هذا العناد. قلبه يؤلمه بينما هي ترفض أن تعطيه فرصة لكي يكون معها. لذلك بعث والدتها ربما تؤثر عليها. تنفست مودة وقالت: "كويسة يا بني بس لسه مصممة على الطلاق! أغمض سامر عينيه بيأس وهو يشعر بصداع يكاد يشطر رأسه بينما مودة أكملت حديثها لعلها تعطيه أملاً:
"بس هي لسه بتحبك يا سامر.. أنا متأكدة من ده يا بني.. هي بس مجروحة.. معلش يا سامر متتخلاش عنها.. خليك جنبها.. بنتي المسكينة خسرت كتير وهي حالتها دلوقتي مش مستقرة." "أنا نفسي أكون معاها بس هي رافضة أي علاقة بيا.. رافضة إني أقرب منها حتى يا حماتي.. أنا تعبت.. عارف إني غلطت في حقها بس تديني فرصة أعوضها عن اللي شافته! أغمضت مودة عينيها وقالت مقنعة إياه:
"متستسلمش يا سامر.. متفقدش الأمل فيها.. حاول يا بني تاني.. روح لها وخليك جنبها.. أنت عارف إنها مش كويسة دلوقتي.. بنتي بتعاني.. دي خسرت ضناها." هز سامر رأسه وعيناه تلمع بتصميم وقال: "متقلقيش يا حماتي أنا عمري.. عمري ما هسيبها! ابتسمت مودة براحة. كانت مرتاحة وسعيدة وهي تسمع منه هذا الوعد وقالت: "ربنا يكرمك يا بني.. ريحتني والله!
ثم أغلقت الهاتف بعد أن ودعته. نهض سامر من مكتبه واتجه للنافذة وفكر أنه كان جباناً في البداية وخسر مرام وعانى كثيراً. ولكن لن يرتكب هذا الخطأ مرة أخرى. هو لن يسمح لزوجته أن تتركه بتلك السهولة. سيبقى قربها حتى لو رغماً عنها!
كان يصفر وهو ينظر إلى انعكاسه في المرآة. لقد تأنق اليوم زيادة عن اللازم. بالطبع اليوم هو أجمل يوم في حياته. خطبته على المرأة التي دق قلبه لها. ضحك أنس بدهشة. كيف حدث ووقع في حبها. هذا الرجل الذي ظن أن قلبه محصن ضد الحب يقع في الحب بتلك السهولة!
هذا الرجل الذي كان يسخر من الحب. وقع هو به. كيف قدم قلبه بتلك السهولة لها. كيف احتلته فأصبح يحارب العالم وخوفه من أجلها. لقد كان دوماً أنس خائف من خسارة ملك. ملك كانت نقطة الضعف الوحيدة له. حصن قلبه جيداً ضد الحب وقرر ألا يسمح لأي أنثى بالدخول في حياته. ولكن أتت مرام وهدمت كل تلك الأوهام التي أوهم به نفسه. أتت وعشقها هو. عشقها بطريقة لم يعشق بها أحد. واليوم سيربطها به برابط خطبة!
وسيفعل المستحيل كي تكون زوجته في أقرب فرصة. هو لن يتركها. لن يسمح لها بأن تبتعد عنه أبداً. سيحارب معها خوفه وخوفها! "لا لا.. لا.."
كانت تقولها ليل وهي تهذي. تضع كفها على وجهها وتبكي بعنف. الليلة خطبته على امرأة غيرها. لقد حلمت هي وغيرها حقق الحلم. قلبها يعتصر من الألم ولا تصدق. لا تصدق أن أنس قد سُلب منها. دموعها تنفجر أكثر من عينيها. الغيرة تقتلها. تقتلها حرفياً. تشعر بالنيْران تضطرم في قلبها. حبيبها ذهب لآخر. سيتزوج من أخرى. هي تعشقه. تعشقه أكثر من أي شيء. كيف يفعل بها هذا؟ كيف يقتلها بتلك الطريقة القاسية؟ كيف أصبح أنس قاسياً لتلك الدرجة!
ولجت نيرمين إلى غرفتها لتجد ليل تجلس على فراشها واضعة كفها على وجهها وتبكي بطريقة تثير الشفقة. ولكن لم تثر شفقتها بل غضبها. أغضبها أن ترى ابنتها ضعيفة لتلك الدرجة. الغبية تلك تدمر حياتها من أجل ما يسمى العشق. ألا تعرف أن الحب سيدمرها. بسبب الحب هي أضاعت أموالها. عندما سلمت قلبها لرجل وحياتها كلها وهو سلب منها كل شيء. حينها أقسمت أنها لن تقع بالحب مجدداً. حينها قررت أن الأموال أهم من الحب بكثير. عندما وقعت في الحب بقوة كانت مغيبة وخطأ واحد منها دمر حياتها وحياة بناتها وهي لن تسمح بتكرار هذا الخطأ. لقد وضعت أملاً بنوارة. وثقت أنها ستستطيع أن تسلب أموال أنور ولكنها خذلتها. الغبية أحبت ابن الصاوي. والغببية الأخرى أحبت الابن الثاني.
"كفاية عياط! قالتها نيرمين وهي تكز على أسنانها وهي ترى ابنتها ضعيفة لتلك الدرجة. جل ما كانت تريده الآن أن تصفع ابنتها الغبية تلك! أنزلت ليل كفها وقالت بصوت مختنق: "لو سمحتي سيبيني في حالي.. لو فعلاً أهمك ولو شوية صغيرين سيبيني أنا بموت.. بموت والله.." اقتربت نيرمين من ليل أكثر ورفعت وجهها وهي تنظر إليها. عينيها الخضراء كانت تبرق بغضب وهي تنظر إلى ابنتها الضعيفة والتي تذكرها بضعفها عندما أحبت من لا يستحق!
كان وجه ليل أحمر من البكاء. عينيها الخضراء خبأت لمعتها خلف حمار عينيها الذي أصبح كالدماء! شفتيها ترتجف بقوة. كان وجهها يرسم التعاسة بدقة. تعاسة امرأة عشقت. "بطلي تبكي عليه! إياكي تكوني ضعيفة للدرجة دي يا ليل.. قلت لك أنس سيكون لك هو وثروته.. كفاية بقى هبل.. روحي اغسلي وشك وإياكي تبيني ضعفك ده بسبب أي رجل مهما كان أنتِ فاهمة! وإلا أقسم بالله مش هساعدك وأسيبه يضيع من إيديكي.. أنا بتكلم بجد!
وبالفعل نيرمين كانت جادة للغاية. بالنسبة إليها أهون أن تضيع أموال العالم من بين يديها وألا ترى هذا الضعف بسبب رجل أي كان!
وقف مبهوتاً وهو يتطلع إلى ما ترتديه. كانت ترتدي فستاناً من البنفسج طويلاً بأكمام واسعة. شعرها الذهبي الأشقر تركته منسدلاً. لم تضع أي زينة إلا ماسكرا أبرزت كثافة رموشها. كانت لا تبتسم. ما زالت غاضبة منه. منذ أسبوع وهي لا تتحدث معه وهو أيضاً. صحيح أنه أحياناً يشاكسها لكي تتحدث معه ولكنه لا يضغط عليها. هو أدرك أن هذا طبيعي. مهرا مختلفة كثيراً عنه. هذا الاختلاف لن يزول بسهولة. يعرف أنه أخطأ ولكن هي أيضاً أخطأت. ولكن آدم تعود دائماً أن يحاول ألا يخسر المقربين منه. ومهرا في قلبه وهو ليس مستعداً لخسارتها. قرر أن يتحدث معها بصراحة. يخبرها بكل ما في قلبه. لعلها تفهم!
اقترب منها بهدوء ثم حاوط خصرها وهو يدفن رأسه في عنقها. انتفضت هي بقوة وهي تراه يتمسك بها بتلك القوة. حاولت السيطرة على قلبها الذي بدأ يدوي بعنف ولكن دون جدوى. دقات قلبها حتى كانت تمنعها من الاعتراض. تستسلم للحب الذي يعطيه إياه. ولكن فجأة صحت على نفسها وهي تتذكر كلمته لها أن تذهب إن كانت لا تعجبها حياته. تذكر أنه كرر تلك الكلمة مرتين غير آبه بقلبها الذي تحطم. تصاعدت الدموع لعينيها وقالت: "ابعد لو سمحت."
"ولو مبعدتش هتعملي إيه؟ نفخت بضيق وأبعدته عنها وهي تربع ذراعيها وتقول: "آدم أنا مش عايزة أكلمك دلوقتي لو سمحت اديني فرصتي أزعل وأتضايق منك بعدين هصفي." هز كتفه وقال: "خلاص يا حبيبتي براحتك.. اخرج هاتفه من جيبه وقال: "بس بشرط تبصي على الفستان الهايل اللي ناوي أشتريه ليكي لما نتصالح عشان أديهولك وقولي رأيك." اتسعت ابتسامتها وقالت: "بجد هتجيب لي فستان حلو؟ "طبعاً يا روحي.. بصي على الفستان اللي هشتريهولك!
نظرت مهرا بحماس إلى الفستان وسرعان ما اختفت ابتسامتها وهي تنظر إلى الصورة التي التقطها آدم لها وهي نائمة. صورة لا يمكن القول عنها إلا أنها فضيحة كبيرة لها. "يا لهوي.." "تفتكري أبعتها لمين الأول.. مرام ولا ليلي.. خلينا في ليلي.. ليلي مفترية وهتنشرك أكتر." "آدم.. آدم.." قالتها برعب ليرد هو بحب: "عيون آدم وروحه." ارتعشت شفتيها وقالت: "امسح الصورة دي! ثم مدت كفها لكي تأخذ الهاتف منه إلا أنه أبعد الهاتف وقال:
"لا.. مش همسحها.. حلوة خليها." "أبوس إيديك امسحها.. هعمل اللي انت عايزه! ابتسم بشر وهو يرفع إصبعه ويشير على خده. قد فهمت هي قصده وهزت رأسها بإستسلام ثم قبلته على وجنته بسرعة. مد الوجنة الأخرى لتزفر هي بضيق وتقبله على الأخرى. رفع إصبعه باتجاه شفتيه إلا أنها نفخت بضيق أكبر وقالت: "لا.. لا بقى انت أفرت.. أنا مش هخضع ليك.. اعمل بالصورة اللي انت عايزة." هز كتفه وقال وهو يفتح تطبيق الواتس آب: "نبعته للولا الأول."
"لا.. لا.. لا.. خلاص.. خلاص." ابتسم آدم بخبث وقال: "يالا." زفرت بضيق وأغمضت عينيها وهي تقترب من شفتيه لكي تقبله بخفة وكادت أن تبتعد عنه إلا أنه ثبتها وهو يمسك شعرها ويعمق قبلته أكثر. بينما يلف ذراعه الآخر حول خصرها ويقع منه هاتفه. مرت عدة لحظات ليبتعد عنها ثم يضع جبينه على جبينه ويقول: "أنا بحبك! انسابت الدموع من عينيها ليعانق هو وجهها قائلا: "آسف مش هقولها تاني." التقط هاتفه من الأرض وسحبها حتى جلسا
على الفراش وقال بجدية: "مهرا مهما قلت كلام غبي.. ومهما انفعلت عايزك تعرفي إني بحبك.. بحبك أوووي.. أنا عارف إن كلامي صعب.. وإن طبعي أصعب وأنا بحاول والله إني أبقى أهدى لكن نقطة جابر عزام بتخليني أنفجر.. مهرا بالله عليكي أنا مش عايز أي مشاكل بيننا عايز أعيش معاكي لحد آخر نفس في حياتي عشان كده بالله عليكي ما تجيبي سيرة إني أسامح جابر عزام.. لو سمحتي! مسحت مهرا دموعها وقالت:
"حاضر أوعدك إني مش هجيب سيرة السماح تاني.. بس انت أوعدني كمان إن عمرك ما تقول حاجة زي دي تاني." "أوعدك! ابتسمت له ثم عانقته وقالت: "أنا بحبك يا آدم." "وأنا كمان يا حبيبة آدم." فتحت الباب لتتجمد وهي تراه أمامها. يحمل حقيبة كبيرة. "إنت بتعمل إيه هنا يا سامر؟ ابتسم سامر وقال: "بما إنك مش عايزة تيجي معايا البيت فقولت أجى أنا وأعيش معاكي هنا!
قالها وهو يلج إلى المنزل بينما هي تنظر إليه بصدمة. كانت لا تصدق هذا. كيف يأتي بتلك البساطة إلى منزلها ويقول هذا! "سامر أنا نهيت الموضوع آخر مرة اتكلمنا فيها.. إيه اللي جابك تاني؟! نظر إليها سامر. كان يتأمل وجهها الشاحب ولكن بدت الآن كأنها أجمل امرأة رآها في حياته. كيف أمكنه ألا يرى جمالها. كيف أمكنه ألا يشعر بحبها. حقاً هو كان غبي. غبي من الدرجة الأولى لأنه لم يدرك إلى أي مدى هو يعشقها! جلس على الأريكة بتعب وقال:
"إيه رأيك نطلب العشا بيتزا الفراخ اللي أنتِ بتحبيها.. هطلبها من المطعم المفضل بتاعك وجمبه مشروبك المفضل البيبسي." كان يتكلم بكل أريحية بينما هي تنظر إليه بصدمة. كانت لا تصدق أنه يتعامل بكل تلك الأريحية في منزلها. يتكلم وكأنهما زوجان عاديان وليس على وشك الطلاق! "إنت بتقول إيه يا سامر! قالتها بصدمة. ليبتسم وهو ينظر إليها بشغف قائلاً:
"أو مش عايزة بيتزا ممكن ناكل برجر أو شاورما سوري أو كشري.. شوفي اللي عايزاه وأنا تحت أمرك يا كارما." "لا إنت مجنون رسمي صح.. لا بجد مش طبيعي.. هو انت فاكرني إيه بالظبط! نهض سامر واقترب منها بينما تراجعت هي بتوتر وهي ترى التعب على ملامحه. "أنا بحبك يا كارما." هكذا قالها فجأة وبكل صدق. بحثت في عينيه عن أي لمحة كذب فلم تجد. كان صادقاً بشكل مريب. بشكل صادم. ابتعدت أكثر وهي تقول بينما تنساب الدموع من عينيها:
"إنت كذاب.. بطل كذب.. أنت عمرك ما حبتني." أمسك ذراعيها وهو يقربها منه ويقول بعنف عاطفي: "لا أنا بحبك.. بحبك! والله العظيم بحبك أكتر من أي حاجة في حياتي يا كارما.. ومستعدة أثبت لك إني بحبك.. بس اديني فرصة.. أي فرصة تثبت لك إني عايزك.. اديني فرصة نصلح جوازنا.. اديني فرصة يا كارما أرجوكي." هزت رأسها وهي تبعده ثم تمسح دموعها بعنف وتقول: "حتى لو انت بتحبني أنا مش بحبك.. حبك انتهى من قلبي.. خلاص مبقاش ليك أي مكان هنا."
ثم أشارت على قلبها. جذبتها من ذراعيها مرة أخرى إلى أن ألصقها به وقال: "إنتِ كذابة.. إنتِ لسه بتحبيني! هزت رأسها وقالت: "لا مش بحبك! رفعها قليلاً محاولاً فرق الطول بينهما إلى حد ما اختلطت أنفاسهما سوياً. تبعثرت دقات قلبها وتشتت. وذابت كل ذلك الجليد الذي أوهمت به نفسها بينما يكمل هو: "يعني إنتِ مش بتحبيني.! هزت رأسها وقالت بصوت ضعيف للغاية: "أيوه مش بح.."
ولكنها ابتلعت باقي كلماتها بينما يمحى المسافة الباقية بينهما ويلصق شفتيه بشفتيها. بقيت للحظات متجمدة مكانها بذهول لا تعرف ماذا تفعل. كانت أضعف من أن تقاوم. أضعف من أن تبعده. وبعد ثوانٍ كانت ترفع ذراعيها التي حررها وضمته إليها وهي تبادله شغفه بشغف أكبر. انفجرت الدموع من عينيها وهي تستقبل قبلاته كأنها الحياة! "لا.." قالتها فجأة وهي تبتعد عنه لاهثة. نظرت إليه وهي تبكي مدركة بيأس ضعفها أمامه. مدركة أنها امرأة بدون كرامة!
رفعت كفيها وغطت وجهها وبدأت في البكاء. ثم انهرت ساقطة على الأرض وهي تبكي. جلس سامر بجوارها يائساً وقال: "عارف إني آذيتك كتير يا كارما.. عارف إني جيت عليكي.. بس أنا جاي بأمل إني آخد فرصة." مد كفيه واحتوى كفيها وأبعدهما عن وجهها وقال وهو يمسح دموعها برفق: "اديني شهر بس.. شهر يا كارما أوريك إني بحبك! شهر بس يا كارما!
لم يكن يفهم معنى أن تكون سعيداً لدرجة أن قلبك لا يستطيع أن يحتوي سعادتك. هو كان سعيداً لدرجة أن الابتسامة كادت أن تشق وجهه! بينما يمسك ملاكه الصغير ملك وعبوة شوكولاتة من النوع الفاخر. وخواتم الخطبة. وسائقه يحمل باقة ورد كبيرة باللون الأبيض مبهج كالبهجة التي أدخلتها لقلبه عندما دخلت حياته. استقبله آدم وهو يعانقه. ابتسم أنس وهو يقدم له عبوة الشوكولاتة بينما يلج للمنزل وعينيه تبحث عنها. "العروسة بتجهز."
قالتها ليلي وهي تقترب من أنس. ابتسم لها أنس بأدب وقال: "إزيك يا آنسة ليلي." "الله.. حد أخيراً بيحترمني وشايفني آنسة.. هنا مسميني جعفر." سحبها آدم بجواره وقال: "اتلمي وخليكي جمبي مش ناقصين فضايح! اقتربت ليلي أكثر من آدم وهمست: "الواد جنتل أوي يا آدم.. ما شاء الله شكله من عيلة مؤدبة.. ما تشوف كده يمكن ليه أخ أو ابن عم وهو ناسي.. اختك سينجل برضه ومفيش حد معبرها." "اتعدلي بدل أضربك قلمين يعدلوكي.. أنا معرفتش أربي فعلاً."
قالها آدم وهو يمسك ذراعها ويجرها خلفه نحو المطبخ حيث والدته ومهرا يجهزان الكعك والعصائر والمشروبات الغازية. قال آدم: "امسكوا البت دي هنا وخلوها معاكم بدل ما أكسر دماغها." ثم خرج وترك ليلي التي تفرك ذراعها بينما تمط شفتيها بغضب وتقول: "كل ده عشان طلبت أتزوج.. هو السترة حرام في الأيام دي يا ربي يعني! ضحكت مهرا وقالت: "يعني إنتِ مش عايزة تتجوزي لأن امتحاناتك قربت؟ هزت ليلي رأسها وقالت:
"تؤتؤ عشان أستتر طبعاً.. هي البنت ليها إيه غير بيتها وجوزها وشوية حاجات فوق بعض! ضحكت مهرا وقالت: "طيب يا أختي.. خدي صينية العصير يا لمضة." هزت ليلي رأسها وهي تخرج بالصينية. وقفت أمام المرآة بتوتر بالغ. كان قلبها يصرخ داخل صدرها ولكن حاولت بقدر الإمكان أن تجعل ملامحها باردة. لم تكن تريد أن تظهر توترها أمام الجميع. ستبقى هادئة فليست تلك أول مرة ترتبط بها. لقد تزوجت من قبل! فلماذا تشعر بكل هذا التوتر. هل لأنه أنس!
هل لأن أنس احتل مكانة في قلبها لم يحتلها أي أحد من قبل!
أغمضت عينيها وهي تهز رأسها تريد أن تصفي عقلها ولا تفكر بأي شيء. فتحت عينيها مجدداً وهي تنظر إلى المرآة برضا. الفستان الأزرق الذي ابتاعه لها آدم كان جميلاً للغاية. بسيط ولكنه أنيق ومحتشم. يلائم ذوقها تماماً. ترتدي فوقه خماراً بلون البنفسج. وجهها الأبيض خالٍ من مساحيق التجميل فقط الكحل الذي زين عينيها الواسعة ومرطب شفاه خفيف. لقد حاولت معها ليلي لكي تجملها قليلاً ولكنها رفضت بإصرار وليلي تركتها على راحتها لم تضغط عليها. طرق على الباب أخرجها من شرودها.
"ادخل." دخل آدم غرفتها وهو يبتسم وقال: "مش يلا يا عروسة؟ ابتسمت مرام بهدوء وهي تهز رأسها.
كان قلبه يدوي بعنف بينما يراها تخرج من غرفتها ممسكة بكف شقيقها. كانت بسيطة كعادتها. وهو عشق تلك البساطة بسببها. ابتسم بسعادة وهو يرى حلمه يقترب منه. أطلقت ليلي الزغاريد بينما تتقدم مرام. كان الجميع في حالة صفاء وسعادة لا مثيل لها. وكان قلب مرام مشبعاً بالسعادة ولكن في أعمق نقطة في داخلها كان خوف من المستقبل. ترى على ستكون إصابة قدمها عائقاً في حياتها مستقبلاً! هي حقاً لا تدري!
جلست مرام بجوار أنس. وهي تنظر إلى الأرض بينما قلبها يدق بعنف. كانت تريد أن ترفع عينيها وتنظر إليه ولكن لم تستطع. "إيه نلبس الدبل؟ سألها أنس وقد بدا على عجلة من أمره ليضحك آدم ويقول: "إيه يا عم أنت مستعجل كده ليه.. بعدين مش مرام اللي هتلبسك الدبلة ده أنا! "أفندم! قالها أنس بشحوب لينفجر آدم بالضحك ويقول:
"اهدي يا عريس.. أنت عارف مرام مش بتسلم على حد غريب عنها ولا بتلمس إيده فعشان كده أنا هلبسك الدبلة وألبسها دبلتك وكده يبقوا اتخطبتوا." هز أنس رأسه متفهماً وقال: "طيب يلا عشان نلبس." "إنت مستعجل تلبس بقا؟ قالها آدم مازحاً ليهز أنس رأسه فقال آدم: "طيب يا سيدي على بركة الله." ثم بدأ آدم بتلبيس شقيقته خاتم أنس غالي الثمن ثم لبس أنس دبلته الفضية. وما هي إلا ثوانٍ وقد انطلقت الزغاريد. ابتسم أنس وهو ينظر إلى مرام وقال:
"أهلاً بيكي في حياتي يا مرامي ♡" "تسلم ربنا يجبر بخاطرك." قالتها بإيجاز وهي تنظر من الجهة الأخرى تخفي سعادتها الكبيرة. في اليوم التالي. "يخربيت أهلك إنت بتعمل إيه هنا؟ قالتها ليلي بصدمة وهي ترى مروان أمام بيتها. بيتها.. "امشي آدم لو شافك مش هتمشي من هنا حي! "أنا عايزة أتكلم مع آدم." قالها مروان بتصميم. "مين يا.." صمت آدم واشتعلت عيناه بنيران الغضب وهو يرى مروان أمامه وصرخ: "إنت بتعمل إيه هنا يا كلب.."
ثم اندفع نحوه وهو يجره من كنزته ورفع كفه كي يلكمه ولكن مروان جمده وهو يقول بسرعة: "أنا جيت هنا عشان أطلب إيد آنسة ليلي!
وقف أمام منزلها وهو يشعر بالذهول من نفسه. اليوم هو موعد سفره وطائرته ستقلع قريباً وهو سيتركها للأبد. إذن لماذا أتى إلى هنا. بعد ما قرر أن ينساها للأبد وألا يفكر بها. يبتعد عنها لعله يمحيه من قلبه للأبد ولكن قدماه ساقته إلى هنا. لعله الشوق الذي يسيطر على قلبه. أو الحب الذي لم يستطع التخلص منه. لقد عرف أن ميار تسيطر عليه كلياً. لذلك تراجع في آخر لحظة عن الارتباط بورد. أسوأ شيء قد يفعله شخص بشخص آخر يحبه هو أن يرتبط به
وقلبه معلق بآخر. لقد ذاق علي هذا الألم. ذاقه وهو يرى في عيني ميار رجلاً آخر غيره. عندما سمع دقات قلبها تهدر باسم شخص آخر. رغم أنه لم يرى آدم ولكنه كرهه. كرهه بشدة وتمنى أن يموت. جعل آدم عدوه ولم يراه حتى. تنهد علي بتعب وكانت معركة ضارية تدور داخله بين قلبه المتلهف لرؤيتها وعقله الذي يطلب منه بصرامة الذهاب وعدم العودة!
فتحت ميار عينيها ووجدت نفسها ما زالت على الأرض. تشعر بجسدها قد تجمد من البرد بالإضافة إلى الألم الفظيع الذي يسيطر على جميع أنحاء جسدها. منذ أكثر من أسبوع والدها يضربها كل يوم كأنها حيوان. بل لو كانت حيواناً كان سيشفق عليه. يعطيها الفتات كي تأكله. لا يسمح لها بالذهاب إلى المرحاض إلا مرة واحدة فقط. لا يسمح لها حتى بالاستحمام. لم يكن والدها هكذا. والدها لم يمتلك ذلك القلب القاسي أبداً. لقد استطاعت علياء تصميم أفكاره بالكامل. فكرت ميار وهي تبكي بعنف. قلبها يتمزق من الحزن. تتمنى أن تموت وترتاح من تلك المعاملة. هي لم تعد تتحمل تلك المعاملة السيئة بالتأكيد ستموت إن استمر والدها في تعذيبها. هي لن تصمد طويلاً. انسابت دموعها
وبدأت تبكي بعنف وهي تقول: "يارب خدني عندك يارب.. أنا مبقتش مستحملة.. خدني عندك.. يارب ارحمني." "تؤتؤتؤ.. صعبتي عليا أوي.. استنى أعياط على حالك وأجيب منديلى."
صوت علياء الشامت اخترق أذنها. تجمدت ميار وهي تسمعها تشمت بها وكم شعرت بالغضب. تلك المرأة دمرت حياتها. تلك المرأة قلبت والدها عليها. هي سبب كل الكوارث التي وقعت على رأسها. تمشت علياء في الغرفة. قلبها يصرخ من السعادة وهي ترى ابنة زوجها في هذا الوضع المهين. قابعة بالأرض. حليقة الرأس. وجهها مشوه بسبب الضرب وعينيها حمراء بسبب كثرة البكاء. تلك التفاصيل الكثيرة جعلتها في قمة سعادتها. هي تكره تلك الفتاة. تكرهها بطريقة لا يتخيلها أحد. ولن ترتاح حتى تجعل والدها يقتلها. وقفت علياء أمام ميار. قدمها عند رأس ميار القابع على الأرض وقالت بتشفٍ:
"هو ده مقامك يا ميار.. مقامك عند رجلي.. افتكرتي إن خلاص فلتي مننا.. أبوكي الغبي مكانش قادر يعرف مكانك.. لولا أنا اللي جه على بالي إنك عند خالتك دي الله يجحمها مطرح ما راحت روحنا بيتها وعرفت إنك رحتي المستشفى بيها قبل ما تتك.." "اخرسي.. اخرسي.. متحبش سيرة خالتي الله يرحمها على لسانك القذر." احمر وجه علياء من الغضب ثم ركلت ميار بعنف في معدتها قائلة:
"قليلة الأدب مش متربية.. بس كل ده بسبب المحروسة أمك معرفتش تربيكي لحد ما عيارك فلت." أخذت ميار تبكي بعنف بينما ابتسمت علياء بشر وقالت: "بما إن عثمان حبيبي مش موجود.. قررت إني ألعب معاكي شوية.. شحب وجه ميار وهي تنظر إليها. كانت أضعف من أن تنهض من مكانها. لوحت علياء بالشمعة التي تمسكها وقالت:
"إيه رأيك أديكي عقاب صغنن كده.. عقاب أطفال متقلقيش.. كانت ماما دايماً بتعمله معايا لما بغلط.. بتولع الشمعة وتخليها كلها تنصهر على إيدي.. وبما إنك غلطتي وجيبتلنا العار حبيت أتبع معاكي العقاب ده! هزت ميار رأسها برعب وكادت أن تتوسل لها لكي لا تفعل هذا ولكن رنين جرس الباب منعها من هذا. نفخت علياء بضيق وقالت: "يوووه عثمان جه مش هنكمل لعبتنا.. بس أوعدك فيه لعبة هتكون أجمل بكتير."
ثم بمهارة ادعت علياء البكاء وبدأت دموعها تتساقط وهي تركض نحو الباب وما إن فتحته حتى شحبت وهي تجد علي أمامها!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!