وقف مروان أمام منزل حياة وهو يمسك السلسال الذهبي الخاص بها والذي وقع بسيارته. لقد عاد كي يعيده لها. عندما نظر إلى الصورتين المعلقتين في السلسال، عرف أنها سوف تهدم العالم بسببه. ولذلك لم يتأخر. ففي السلسال كانت معلقة صورة والديها. رفع مروان يده ورن جرس الباب وانتظر لكي تفتح، ولكن لحظات ولم يفتح له أحد. رفع إحدى حاجبيه بحيرة ورن مرة أخرى ولكن لا رد. هل خرجت؟ معقول؟ ولكن إلى أين ستذهب؟
هز رأسه بحيرة وأخرج هاتفه وقرر أن يتصل بها. هو سيخبرها أن السلسال الخاص بها موجود معه كي لا تقلق، ثم سيذهب ويعطيها إياه في الغد. ولكن لن يتركها قلقة هكذا. أخرج رقمها ثم ضغط على زر الاتصال ووضع الهاتف على أذنه. ولكن أبعد الهاتف مرة أخرى ورفع حاجبه بحيرة وهو يسمع رنين هاتف حياة من الداخل. دب القلق في قلبه وهو يضع أذنه على الباب. بالفعل، تلك رنة هاتفها. طرق على الباب بقوة وقال: "حياة… حياة أنتِ هنا؟ ردي عليا متقلقنيش…"
ولكن الصمت هو كل ما حصل عليه. حاول دفع الباب كي يكسره ولكنه فشل في هذا. ركض لأسفل البناية ثم يطلب مساعدة بواب البناية في كسر الباب. صعد الرجل معه وحاول الاثنان كسر الباب، وانكسر الباب أخيرًا بعد محاولتهما الثالثة. ولج مروان المنزل وهو يصرخ باسم حياة. فجأة تجمد عندما دخل غرفة النوم ووجدها على الأرض، شاحبة وبجانبها عبوة الدواء. لم يحتاج الأمر منه أكثر من ثانيتين لكي يعرف أنها انتحرت. اقترب منها وحملها وهو يصرخ بفزع:
"ليه… ليه يا غبية! ثم ركض بها للخارج هو والبواب الذي أصابه الفزع بسبب انتحار تلك الشابة في منزلها. في المشفي… كان واقفًا أمام غرفة الطوارئ وهو يرتجف بخوف. منظرها وهي واقعة على الأرض أوجع قلبه. لقد قاد سيارته بتهور حتى يأتي بها هنا بسرعة. جل ما كان يريده أن ينقذها. "تلك الغبية تخلت عن حياتها بكل سهولة. ما سبب هذا؟ لقد كانت بخير منذ ساعة تقريبًا وهي تودعه، فماذا حدث ولماذا انهارت بهذا الشكل المرعب؟
لماذا حاولت أن تنتحر وتنهي حياتها؟ الأسئلة التي كانت تدور في عقله كادت تدفعه للجنون. هو فقط الآن يتمنى من كل قلبه أن تنجو وتكون بخير. وحينها يستطيع أن يسألها عما جعلها تفعل هذا. بعد ربع ساعة… خرج الطبيب ليقترب منه مروان بلهفة. قال الطبيب: "الحمد لله، أنت جبتها في الوقت المناسب وإلا كانت هتروح فيه." تنهد مروان براحة وقال: "شكرًا… شكرًا أوي يا دكتور، مش عارفة أقولك إيه." ابتسم الدكتور وقال بلطف:
"ده واجبي… بس أنا أنصحك إنك تعرضها على دكتور نفسي، واضح إن عندها مشكلة." هز مروان رأسه وقال: "أقدر أشوفها دلوقتي؟ "أكيد طبعًا، وبالليل أنا هكتب لها خروج." هز مروان رأسه وهو يدخل إلى الغرفة. كانت هي مستلقية على الفراش، دموعها تنساب على وجنتيها. تشعر بالاختناق. لم تصدق أنها بسهولة أفشت سرها لأحمد الذي أصبح يكرهها الآن بكل تأكيد. اقترب مروان من حياة وجلس على الفراش وقال بلوم: "ينفع اللي عملتيه ده يا حياة؟
بتنهي كل حاجة بإيديكي! إحنا كنا بنتقدم، إيه اللي حصل؟ شهقت حياة وهي تنفجر بالبكاء. أمسك مروان كفها وقال: "اهدي طيب… أنا آسف… بس ممكن أعرف عملتي كده ليه؟ "أحمد عرف كل حاجة يا مروان! للأسف حكيت له كل حاجة عملتها لمهرا… وهو قالي كلام صعب، مقدرتش أتحمل… حسيت إني وحشة أوي، حسيت إني مستحقش أعيش… و…" "بس خلاص، متكمليش. اهدي وانسيه." مسح مروان دموعها وقال:
"بالليل الدكتور هيخرجك، بعدين هتيجي معايا للقصر تقعدي يومين عشان أطمن عليكي، وبعدين لما أحس إنك بخير ترجعي بيتك، مفهوم؟ هزت رأسها بتعب. لم يبادله آدم العناق بل ظل هكذا متجمدًا باردًا، لا يظهر على وجهه أي انفعال أو مشاعر، بينما جده يبكي بتلك القوة. كان آدم مغلقًا على مشاعره جيدًا، لا يسمح لها أن تظهر. كان يدعي القسوة رغم أنه ليس هكذا، ولكن إن لم يكن قاسيًا فسوف يسامح جده، وهو لا يريد أن يسامحه.
أبعد آدم جده برفق وقال مجددًا: "تعالى أوصلك لعربيتك يا أستاذ جابر." تألم جابر وهو يرى حفيده يعامله بتلك الطريقة. وبهدوء ساعده آدم لكي يستقل سيارته. ركبت مهرا أيضًا ووالدتها، ولكن آدم توقف. "مش هتيجي يا آدم؟ قالتها مهرا بنبرة تغلفها التوسل. كانت تنظر إليه وتستعطفه أن يأتي، أن ينسى جميع الخلافات وأن يقف بجوار جده. ولكن آدم نظر إليها وقال:
"لا، روحوا انتوا… أنا كنت جاي عشانك وكنت ناسي إنك هتروحي لجدك النهاردة… كلميني لما توصلي." ثم بهدوء ابتعد أمام نظرات جابر المتألمة ووجه مهرا الذي كان يملؤه اليأس. ولكن عاد إليها الأمل مرة أخرى. هي عاهدت نفسها التي تضغط عليه، وهي متأكدة أن آدم سوف يسامح جده مهما طال الزمن. ابتسمت لجدها الذي كان وجهه متجهمًا بقوة ولمعة الدموع بعينيه وقالت: "متزعلش يا جدو… صدقني آدم طيب وهيجي يوم ويساامحك." هز جابر رأسه وقال:
"نفسي أبقى متفائل زيك بس مش عارف يا مهرا. آدم عمره ما هيسامح. هيفضل طول عمره يكرهني، وأنا مظنش إني أقدر أتحمل الكره ده منه." ابتسمت مهرا وهي تشد على كفه وتقول: "آدم مين اللي يكرهك يا جدي؟ بجد أنت لسه مفهمتوش لحد دلوقتي. أنت فاكر إن آدم جه هنا عشاني؟
لا طبعًا. آدم جه عشانك أنت. هو بيحاول بس يداري مشاعره، عايز ياخد وقته في الحزن، مش مشكلة خليه ياخده… بس اتأكد إن آدم بيحبك أوي، واتأكد كمان إن هيجي يوم ويسامحك وهتقول مهرا قالت كده." نظر جابر إلى حماسها. كان يتمنى أن يكون كلامها صحيحًا. هو يحتاج لآدم، يحتاج أن يسامحه. هو يشعر بقرب أجله. لا يعرف لماذا ولكنه متيقن أنه سوف يموت قريبًا، وقبل أن يحدث هذا يجب أن يطلب السماح من الجميع، سواء من آدم أو حسناء!
فكر بتعب وهو يستسلم أخيرًا ويعرف أنه قد أخطأ في حق حسناء كثيرًا. يجب أن يعتذر من الجميع قبل أن يلحق بأولاده! فكر جابر بينما السيارة تنطلق به إلى منزله. كان آدم يسير في الطرقات وهو يكاد يجن. لا يصدق أنه أتى إلى هنا كي يراه. اخترع أسخف حجة في العالم وكذب أنه جاء من أجل مهرا. حسنًا، جزء منه أراد أن يكون بجوار مهرا، ولكن جزء آخر أراد أن يأتي ويطمئن على جابر عزام.
أغمض عينيه بألم. الاعتراف بهذا يوجعه. لقد حاول كثيرًا أن ينكر، ولكن الحقائق كانت أمامه. هو ذهب من أجله، من أجل أن يراه ويطمئن عليه. تلك الحقيقة جعلته يختنق. كيف يقلق كل من تسبب في تشريد عائلته وضياع حلمه؟ كان يجب عليه أن يكره جابر عزام لا أن يقلق عليه.
ضيق آدم من نفسه كان مبالغًا به. كان يريد أن يتخلص من مشاعره تلك، ولكن لم يعرف آدم أن مشاعره تلك هي أهم ما يميزه. فهو رجل لم يسمح للحقد أن يسيطر عليه، بل أزاح حقده جانبًا ووقف بجوار جده. رعب آدم كان بسبب أنه قد يأتي يوم ويسامح جده. هو يخاف تلك اللحظة التي سوف تتكون لديه مشاعر تجاه جده ويغفر. ويبدو أن تلك اللحظة اقتربت.
كان جالسًا على الأريكة، منهار بسبب ما سمعه. لم يصدق أن حياة تفعل هذا. لقد صُعق وهي تخبره بما فعلته. لقد تركها منهارة وخرج من المكان بأكمله وهو يشعر بالاختناق. اختناقه لم يكن بسبب مهرا فقط، اختناقه لأنه أدرك ما هي مشاعره نحو حياة. لقد عرف للأسف أنه يحبها. هو أحبها بطريقة لم يحب بها أحد من قبل. غيرته الشديدة عليها تخبره بهذا. لقد أنهكته تلك الغيرة ليالي حتى كاد أن يجن. هدير قلبه عندما يكون معها يخبره بهذا. هو يعاني الآن من آلام العشق، يعاني من الخذلان ويشعر أن كل شيء انهار فوق رأسه. لا سلوى له ولا مخرج. هو وقع في متاهة العشق وكُتب عليه المعاناة للأبد.
فكر بحزن. أخرج هاتفه وهو يتصل بوالدته. والدته التي رفضت أن تنتقل معه إلى ذلك المنزل. والدته التي قاطعته بسبب ما فعله بحياة. حياة لم تسلب قلبه فحسب، بل سلبت قلب والدته أيضًا. تنهد بتعب وهو يبحث على رقمها لكي يتصل بها وقلبه مثقل بالهموم. فتح أحمد الباب لكي يخرج ويذهب إلى والدته، إلا أنه فجأة تأوه عندما لكمه أحدهم ليسقطه أرضًا. نظر أحمد إلى من ضربه ليجده مروان.
ولج مروان المنزل وأغلق الباب وهو يقترب منه. نهض أحمد واقترب منه لكي يضربه بغل. يريد أن يفرغ به الشعور المحبط بالغيرة الذي شعره الأيام الفائتة بسبب قربه من حياة. إلا أن مروان لكمه بقوة أكبر وهو يصرخ به: "أنت بأي حق تحاسبها يا حقير؟ فاكر نفسك أحسن منها؟ اقترب أحمد بسرعة ولكمه بعنف وصرخ بدوره: "ملكش دعوة. اللي أعمله مع حياة يخصني أنا وبس. وأنت ملكش دعوة بيا ولا بيها. متقربش منها. إياك تقرب وإلا هقتلك!
هجم مروان عليه حتى سقطا على الأرض وهو يضربان بعضهما بعنف. كل منهما يحمل غضبًا كبيرًا تجاه الآخر، ولكن غضب أحمد كان أكبر. غضب أحمد كان بفعل الغيرة التي كادت أن تقتله. بدأ أحمد يضرب مروان بعنف وهو يهدر: "قولي أنت مالك؟ ليه الاهتمام ده بحياة؟ ابعد عنها." استطاع مروان تجنب لكماته وأصبح هو المسيطر وبدأ يضربه ويقول: "أنت مختل… مختل عقليًا! مش كفاية اللي عملته معاها؟ مش كفاية إنك سبتها يوم فرحكم؟ كفاية إنك كسرت قلبها؟
وجاي تحاسبها على ذنبها على أساس إنك بريء وأنت أحقر بكتير. على الأقل حياة ندمت، لكن أنت… أنت فين ندمك؟ لكمه مروان لكمة أخيرة لينهار أحمد تمامًا، بينما نهض وهو يقول بإنفعال: "حياة انتحرت… روحت بيتها ولقيتها موتت نفسها! اتسعت عينا أحمد برعب وحاول النهوض ولكن التعب كان مسيطرًا عليه. ابتسم مروان بسخرية وقال: "برافو يا أحمد، عملت اللي عايزه وموتت حياة. عيش حياتك وأنت فرحان بانتصارك المختل. أتمنى تكون مبسوط دلوقتي."
رماه بنظرة ساخرة مشمئزة ثم خرج من المنزل تاركًا إياه وهو يشعر أن قلبه توقف تمامًا عن النبض. "لا لا… لا لا حياة مستحيل تسيبني وتمشي! قالها أحمد وهو يهز رأسه بجنون. انهار على الأرض وأخذ يصرخ وهو يضرب الأرض بعنف: "لا… لا… حياة مش ممكن تعمل كده."
انسابت الدموع من عينيه وهو يشعر أنه سوف يموت. هذا لا يحدث. هو يحلم بكل تأكيد، أو مروان يكذب. حياة لا يمكن أن تتركه. كان يصرخ ويبكي وهو يتمنى أن يكون كل هذا كابوسًا بشعًا. هو سيموت لو حياة تركته، سيموت. استلقى على الأرض وهو يضم ركبته إلى ذقنه وبكاؤه يزداد قوة. بينما آخر صورة في عقله كانت وهي تنظر إليه بانهيار بينما يوبخها. في المشفي…
كانت ميار تجلس على الأرض وهي تشعر بالرعب. تتذكر كيف أنها دخلت ووجدت خالتها على الأرض، لا تتنفس وشاحبة. هذا أصابها بالرعب. وجل ما فعلته أنها اتصلت بالإسعاف، واتوا وأخذوا خالتها. والآن هي تنتظر على نار خروج الطبيب ليطمئنها على خالتها. كانت تشعر بالرعب. تتمنى ألا يحدث أي شيء لخالتها الحبيبة. أخذت تفرك كفها بتوتر وهي تقول بتضرع: "يارب احميها يارب… يارب تبقي بخير." نهضت بسرعة عندما خرج الطبيب. اقتربت منه
بلهفة ليقول الطبيب بآسف: "البقاء لله… المريضة توفت." تجمدت ميار مكانها إلا من عينيها التي تصاعدت فيهما الدموع، ثم فاقت وقالت: "لا لا يا دكتور… بالله عليك متقولش كده. هي بخير أكيد… هي كويسة… طب جرب تاني يمكن…" "يا بنتي خالتك ماتت للأسف. قلبها وقف. ادعيلها بالرحمة وشوف إذا كنتي هتستلمي جثتها أو تتصلي بأولادها، وأنا بنصحك تتصلي بأولادها عشان مش هتقدري تخلصي الإجراءات لوحدك."
ثم تركها الطبيب وذهب لتسقط على الأرض وهي تبكي بعنف. كان تشعر أنها تيتمت من جديد. اليوم والدتها الثانية ماتت وهي أصبحت وحيدة مجددًا. "أنا قررت أسافر آخر الأسبوع يا أمي." قالها على فجأة لتنظر إليه والدته بحزن. جلس بجوارها وقال:
"أنا عارف إني غلطت كتير في حقك وفي حق ورد يا أمي، وأتمنى يوم إنك تسامحيني. غير إن شغلي بره مصر… ولازم أسافر. أنا افتكرت إني هنسى ميار وأتجوز ورد وأسافر بيها، بس للأسف ما حصلش نصيب، فهسافر لوحدي، ويمكن ربنا يكرمني ببنت الحلال اللي تصوني. يا أمي دعواتك ليا." "هتسيب أمك يا علي؟ هتسيبني بعد ما فرحت إنك أخيرًا استقريت جمبي؟ متتجوزش يا علي بس خليك جمب أمك ممكن؟ هز علي رأسه بالنفي وقال:
"يا ريت لو ينفع يا أمي بس مقدرش. شغلي في الخليج، وبعدين مقدرش أعيش هنا. صدقيني هتخنق. عايز أبعد عشان أنسى، أنسى كل حاجة. ممكن أنتِ تسافري معايا؟ "لا يا أخويا، أنا أسيب بلدي وبلدي. روح أنت يا بني ربنا يحميك ويجبر بخاطرك." ضمها علي إليها وهو يقبل رأسها. كانت تجلس على أرضية المشفي وهي تبكي وترتجف. لا تعرف ماذا تفعل بالضبط. خالتها قد كانت والدتها الثانية. ماذا تفعل الآن؟ إلى أين تذهب؟
ماتت آخر أحد يهتم بأمرها في تلك الحياة. أجهشت ببكاء مرير وهي تشعر بقلبها يتحطم. رباه ماذا تفعل؟ ماذا!! عقلها متوقف تمامًا عن العمل. جل ما فعلته منذ أن عرفت بالخبر أنها اتصلت بأبناء خالتها وهي الآن تنتظر. مرت ساعة كاملة حتى أتوا. نهضت هي لكي تخبرهم. كانوا ثلاث رجال وجوههم تحمل قسوة رعبتها. تراجعت قليلًا وقالت: "خالتي! قاطعها أحدهم وقال: "مفيش داعي تكملي. شكرًا ليكي لحد كده. تقدري تروحي لحالك." "بس… بس…"
قالتها بإرتباك. ليرد الآخر بسخرية: "بس إيه يا بنت خالتي؟ لتكوني قاعدة مستنية ورث خالتك أو إنك تاخدي البيت اللي كانت خالتك مقعداكي فيه. لا يا حبيبتي البيت ده بتاعنا. ويا ريت مشوفكيش بعد كده وإلا رد فعلي مش هيعجبك. ملكيش دعوة بأمنا." شعرت ميار بالغضب وقالت: "هو دلوقتي يعني اللي افتكرتوا أمكم؟ دلوقتي اللي جيتوا تدوروا عليها؟ كنتوا فين وهي تعبانة؟ كنتوا فين وهي قاعدة لوحدها في البيت؟
افتكرتوها لما ماتت وبتتهموني أنا اللي عايزة الورث وطمعانة فيه؟ مفيش طمعان وجشع إلا انتوا. ياويلكم من اللي هيحصلكم بسبب اللي عملتوه في أمكم المسكينة. متقلقوش هحضر دفنتها وأمشي." "ولا هتحضري دفنتها كمان. أنتِ هتيجي معايا يا حيلتها! صوت قاسٍ أتى من خلفها. نظرت ميار خلفها لتجد والدها وزوجته. في المساء… "نورت بيتي المتواضع يا أنس."
قالتها نيرمين وهي تنظر إلى أنس بابتسامة خبيثة وعينيها الخضراء الشبيهة بعيني ليل تفترسانه. لقد عرفت أنه سوف يأتي. "إيه ليل مش هنا ولا إيه؟ قالها أنس وهو ينظر حوله. كان يتمنى بقوة ألا تكون موجودة. هو يعرف أن نيرمين تعشق الأموال أما ليل فهدفها أنس وليس المال. "ليل مش هنا يا أنس… تقدر تتكلم براحتك." تنهد بارتياح. فقالت نيرمين بخبث:
"صدقني أنا عاقبتها كويس على اللي هببته معاك ومع ملك. أنت مش هتصدق قد إيه أنا كنت متعصبة منها لأنها اتصرفت بتهور وقالت كلام ميصحش لملك." "بنتك كانت بتسمم عقل بنتي يا نيرمين وأنا مش متسامح في النقطة دي وممكن أوي أزعل ليل مني." ابتسمت نيرمين بهدوء وقالت: "هي اتصرفت بتهور، سامحها معلش المرة دي. أنت عارف إحنا قد إيه بنحب ملك." ابتسم أنس بسخرية وقال:
"مش قادر أصدقك يا نيرمين للأسف. أنا عارف أنتِ وبنتك عايزين إيه من ملك بالظبط؟ فلوسها صح؟ لم تتكلم نيرمين فأكمل هو: "أنا الوصي الشرعي على فلوسها و…" "وأنا الحضانة من حقي! قاطعته نيرمين ثم أكملت: "يعني ممكن بهدوء آخدها وأربيها لو قررت إنك تتجوز مثلا." "طيب ما ممكن أعرض عليكي عرض يجنن يا نيرمين؟ عرض مش هتقدري ترفضيه! "إيه هو؟ قالت وعينيها تلمع بشدة.
"قولي السعر اللي عايزاه، أي سعر براحتك. أنا عارف إن الفلوس اللي تهمك مش ملك أبدًا! قالها أنس بثقة وهو يضع ساقًا على ساق. كانت عينيه تلمع بذكاء وعرفت نيرمين أن أنس ألقى جميع أوراقه وهو ينوي الفوز بتلك المعركة مهما كلفه الأمر. برقت عينيها بخبث وهي تفكر أنها لن تجعله يربح. لن تجعله يرتاح ويتخلص منها بتلك السهولة. نهضت وهي تتهادى في مشيتها وقالت:
"بس أنا بحب لوكا يا أنس… أنا عايزة حفيدتي بما إن شكلك عايز تتجوز وتهملها… أو ممكن نوصل لحل يرضينا إحنا الاتنين." لم يتحرك أنس ولم ينفعل حتى، بل قال بنبرة باردة: "قولي عرضك يا نيرمين." وضعت كفيها على كتفه وقالت بهمس شيطاني: "تتجوز ليل! كاد أن يتحرك إلا أنها شدت على كتفه وقالت هامسة: "عارفة إن في قلبك واحدة تانية وأنا معنديش مانع تتجوز السكرتيرة بتاعتك… بس مفيش مشكلة لو اتجوزت ليل كمان… وبدل ست يبقي معاك اتنين!
أبعد أنس يديها ونهض قائلًا: "أنا اديتك عرض متحلميش بيه… وصدقيني يا نيرمين العرض مش هيتكرر تاني. حتى لو أخدتي ملك مش هتاخدي ولا مليم من فلوسها." "بس أنت مش هتسيب ملك بالسهولة دي يا أنس، أنا عارفة… مش هتسيب بنت أخوك اللي بتعتبرها بنتك. فأنا أهو بعرض عليك عرض يجنن… تتجوز بنتي مع السكرتيرة اللي مقرر تتجوزها دي وتحتفظ بملك. عادي معنديش مانع!
"وأنا مش عايز أتزوج بنتك يا نيرمين. صدقيني بنتك لو كانت آخر ست في العالم مش هختارها برضه. مش أنس الصاوي اللي يتلوي دراعه. أنا هتجوز اللي اختارها قلبي ومش هبص لواحدة غيرها أبدًا. وبالنسبة لملك… لا أنتِ ولا بنتك ولا جيش المحاميين اللي هتجيبيه هيقدروا ياخدوها مني. أنا هحاربك بكل الطرق يا نيرمين. صدقيني أنا اديتلك عرض حلو أوي بس للأسف مش هعرضه عليكي مرة تانية… لأن بقول كلمتي مرة واحدة. وأنا قولت كلامي وهتشوفي دلوقتي فعلي وصدقيني هندمك لما تشوفي إن لا الفلوس ولا ملك بقوا معاكي. سلام يا هانم."
قالها ثم ذهب من أمامها لتبتسم هي وتقول: "أنت اللي اخترت الحرب يا أنس." عاد إلى المشفي وهو يشعر بالتعب ليجدها قد ارتدت ملابسها ومستعدة للخروج. ما إن رأته حتى صرخت بفزع: "مروان إيه اللي حصل لوشك؟! كان وجهه مشوهًا من أثر الضرب. ولم تفكر حياة لثانيتين وقد عرفت الجواب. بالطبع تعرف من فعل هذا. "اتخانقت مع أحمد صح؟ قالتها حياة بتقرير. كانت تخبره لا تسأله. "أديتله اللي فيه النصيب يا حياة. مظنش هيقرب منك بعد النهاردة."
صمتت حياة وهي لا تريد التفكير بأي شيء. كانت لا تصدق أنها أقدمت على فعل متهور كهذا. لولا مروان لكانت قد ماتت حقًا! "يالا عشان نروح البيت يا حياة." "بيتي؟ تساءلت وهي تنظر إليه، فهز رأسه قائلًا: "لا طبعًا، أنا قولتلك يا حياة مش هسيبك ترجعي البيت ده إلا لما أطمن إنك بخير وإنك مش هتفكري تأذي نفسك تاني. أنتِ هتيجي بيتي وتقعدي معايا هناك." "بلعت ريقها وقالت: "والدك مش هيمانع أنت متأكد؟ "ملكيش دعوة بيه."
نظرت إليه حياة بتوتر. كانت لا تريد الذهاب ولكنها خائفة أن تكون بمفردها في تلك اللحظة. أمام قصر وائل… "مروان أنا بقول أروح بيتي أفضل. يعني أبوك هيقول إيه لما يشوفني داخلة معاك القصر؟ مينفعش." ابتسم لها مروان بلطف وقال: "يا بنتي مش قولتلك ملكيش دعوة بأبويا ومترديش عليه لو اتكلم أو عك في الكلام. أنتِ هتقعدي عندي في القصر يومين لحد ما أطمن إنك بقيتي تمام ومش هتفكري في الحاجات الغريبة دي تاني، اتفقنا!
هزت حياة رأسها وقلبها يرتجف وهي تخرج من سيارة مروان. دخل مروان القصر وهو يجذب حياة ووجد والده جالسًا على الأريكة شاردًا ويبدو عليه الإنهاك. نظر وائل إلى ابنه الذي معه فتاة غريبة. نظر إلى مروان بحيرة ليقول مروان: "دي حياة زميلة ليا هتبقى في القصر يومين كده لأن عندها ظروف. هتقعد في أوضة الضيوف." قال مروان جملته وانتظر الكلام السام الذي سوف يخرج من فم وائل. ولكن لدهشته وائل لم يتكلم بل هز رأسه ونهض بتعب ليصعد غرفته.
رفع مروان حاجبه وقال: "غريبة يعني مسمعنيش كلام زي السم كالعادة. خير إن شاء الله… وائل بيه فقد الشغف ولا إيه؟ "والدك باين عليه تعبان يا مروان. مشوفتش شكله! "ده أكيد إرهاق الشغل يا حياة… أصل بابا أهم حاجة عنده الشغل… حتى أهم مني! لم تقتنع حياة بكلامه ولا مروان أيضًا. مروان كان يرى التعب واضحًا على والده. وعلى الرغم من صعوبة الاعتراف بهذا ولكنه كان خائفًا عليه. "ربنا يستر…"
تمتم مروان في سره وهو يدعو ألا يكون هناك شيئًا سيئًا قد حدث لوالده. نظر إلى حياة ووجه كلامه لحياة وقال: "يالا يا حياة تعالي أوصلك أوضة الضيوف. صحيح، هخلي حد يجهز لنا الأكل و…" كادت حياة أن تعترض ولكن مروان قال بحزم: "لا يا حبيبتي هتأكلي غصبًا عنك… يالا أوصلك أوضتك والأكل هيوصلك لحد فوق."
ولجت حياة لغرفة الضيوف وهي تشعر بالتعب. ولجت للحمام لتغتسل ثم ارتدت ثيابًا محتشمة وخرجت لتجلس على الفراش بهدوء وهي تغلق عقلها عن التفكير بأي شيء آخر. دقة على الباب جعلتها تنتبه. نظرت إلى الباب وقالت: "اتفضل." ولج مروان وهو مبتسم بينما يحمل صينية الطعام وقال: "خليت الشيف بتاعنا يعملك المكرونة بالطريقة اللي أنتِ بتحبيها." ابتسمت حياة بامتنان وقالت:
"أنا بجد بشكرك يا مروان… مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه. أنا مش عارفة أشكرك إزاي." "أنا هقولك… تشكريني إنك تأكلي بهدوء وتخليني أستمتع بطبق المكرونة بتاعي." قالها مروان بهدوء لتبتسم حياة وتبدأ في الأكل. "بالشفاء يا جدو." قالتها مهرا بابتسامة متألقة بينما تقبله على وجنته. ابتسم جابر وقال: "ربنا يخليكي ليا يا مهرا." "ويخليك ليا يا حبيبي ويتم شفاك على خير. يالا دلوقتي روح ارتاح وأنا كمان رايحة أنام في أوضتي."
"أوضتك وحشتك صح؟ سألها جابر مبتسمًا فهزت رأسها بهدوء ونهضت من جانبه لتذهب لغرفتها. ولجت مهرا لغرفتها وهي تشعر وكأن شيئًا ما ينقصها. وهذا الشيء هو وجودها بجوار آدم. لقد اشتاقت إليه بيأس. تلك الأيام لا تقضي معه وقتًا طويلاً بسبب مرض جدها. ولكنها عاهدت نفسها ما إن تستقر حالة جدها سوف تقضي معه كل أوقاتها. سوف تعوضه عن غيابها وتتنعم بقربه. أخرجت منامتها الحريرية من الخزانة واتجهت إلى الحمام لتأخذ دشًا سريعًا. بعد قليل…
خرجت مهرا من الحمام وهي تجفف شعرها. ثم اتجهت إلى المرآة وبدأت تسرح شعرها. فجأة شردت في ذكرى محببة لقلبها. فلاش باك… "شعرك جميل زيك! قالها آدم وهو يدفن وجهه في شعرها بينما يكمل: "وريحته تجنن… ريحته جميلة لدرجة إنها بتفضل لازقة في مناخيري طول اليوم." ضحكت وهي تحاول الابتعاد عنه وتقول: "يا آدم بقا بطل… وسرح لي شعري وإلا هسرحه لوحدي." "لا ممنوع." ابتعد وأمسك المشط ثم بدأ بتسريح شعرها وقال:
"نفسي نجيب بنت يا مهرا ووقتها أنا هحطكم جنب بعض وأسرحلكم شعركم." "بجد؟ قالتها وهي تضحك ليهز رأسه فقالت: "طيب عايزها شبهي ولا شبهك؟ ابتسم بحب وقال: "لا أنا عايزها زيك. تكون جميلة بشعر أصفر وعيون شبه العسل الصافي. عايزها تكون شقية كمان وتنور حياة اللي حواليها زي ما أنتِ نورتي حياتي." تألقت عينيها وهي تستدير وتنظر إليه ثم تعانقه. باك… ابتسمت مهرا بسعادة وبدأت في تمشيط شعرها وهي تحتفظ بذكرياتها الدافئة مع آدم.
بعد أن انتهت جلست على الفراش وأخرجت هاتفها وهي تنظر إلى صورتهما سويًا والابتسامة الجميلة تزين وجهها. في منزل آدم…
كان هو جالسًا على الفراش يتطلع لصورة مهرا في هاتفه وهو يبتسم بحب. كيف تمكنت تلك الفتاة من السيطرة عليه لتلك الدرجة لدرجة أنه يشعر بالنقص لأنها بعيدة عنه. يشعر وكأنه يفتقد شيئًا كبيرًا في حياته. من كان يصدق أن مهرا سوف تمتلك قلبه. لقد كانت دوماً بالنسبة له فتاة مستهترة، لا تهتم بأحد، مدللة، وكان يعد الأيام حتى يطلقها ويتخلص من مسؤوليتها. ولكن سرعان ما أصبحت هي حياته، سبب سعادته. يتذكر دوماً لحظاتهما فيضحك من كل قلبه. هي الوحيدة التي تبسطه بهذا الشكل. السعادة التي عرفها منذ دخلت حياته لم يتذوقها من قبل.
أخرج رقمها من هاتفه ثم اتصل عليها. في فيلا عزام… كانت جالسة على الفراش واهتزت عندما رن الهاتف فجأة لتجده آدم. ردت بسرعة ولهفة: "آدم." سمعت ضحكته الساحرة من الطرف الآخر وقال: "إيه يا حبيبتي أنتِ قاعدة على الزرار ولا إيه؟ "كنت لسه بفكر فيك." قالتها ووجنتيها تشتعلان من الحب والخجل. ابتسم هو ابتسامة رائقة ورد: "وأنا كمان يا بت والله البيت ظلم من غيرك يا ميمو." "بجد يا آدم؟ "لا طبعًا الكهربا شغالة عندنا عادي."
زمت شفتيها بضيق وقالت: "أنت دمك تقيل أوي… الله يكون في عون الناموس اللي بيمص دمك." رفع حاجبيه وقال: "من فين بتجيبي المصطلحات دي؟ أنتِ أكيت من إنك ترمي الدبش ده؟ "بجيبها من ليلي أختك." قالتها ببساطة ليضحك هو بعمق ويقول بتهديد مازح: "طيب إيه رأيك أنا همنعك تقعدي مع البنت دي تاني. أنا عايزك تكوني كيوت زي ما أنتِ، مفهوم يا زوجتي العزيزة؟ "مفهوم يا زوجي العزيز." في اليوم التالي… "مش قادرة آكل أكتر من كده."
قالتها كارما وهي تزيح بوجهها لينزل سامر المعلقة ويقول: "مينفعش يا حبيبتي لازم تأكلي عشان تقدري تصمدي. عشان خاطري آخر مرة." ولكنها هزت رأسها بتعب وقالت: "معلش لو سمحت متضغطش عليا. أنا مش عايزة آكل."
تنهد وهو رأسه وهو يحمل صينية الطعام ويلج بها إلى المطبخ. تنهدت كارما بتعب. منذ انهيارها منذ عدة أيام وهو يهتم بها بشكل يضايقها. يرفض تركها مهما صرخت به وأخبرته أن يذهب. لقد اعترف لها بحبه، اعتراف انتظرته طويلاً ولكن للأسف الآن لم يعد له أي فائدة. تشعر أن جميع مشاعرها ماتت تمامًا. لماذا تأتينا سعادتنا عندما لم نعد نريدها؟
فكرت بآسف والدموع تتصاعد لعينيها. هي الآن تريد أن يبتعد عنها سامر ويتركها وشأنها. قررت أن تحزم أمرها معه اليوم فهي لا تريده بعد الآن. ما كان يربط بينهما قد ذهب. فكرت بآسف وهي تضع كفها على بطنها. طفلها الحبيب. لقد اشتاقت إليه كثيرًا. ولكنها الآن متأكدة أنه بالجنة. في المطبخ…
كان سامر يغسل الأطباق ويوضب المطبخ. يحاول بقدر الإمكان أن يتأخر لأنه يعرف ما سيسمعه من كارما. لقد رأى هذا في عينيها. هي تريد منه الرحيل وهو لا يفكر أبدًا في تركها. لن يتركها وقد توضحت مشاعره من ناحيته. كل التشتيت الذي كان يشعر به من جهة مشاعره تجاه كارما اختفى ما إن رآها ساقطة على الأرض لا تتحرك. شعر حينها بالرعب. كان خائفًا كما لم يكن خائفًا من قبل. حينها قرر أن مهما حدث لن يتركها مجددًا. عرف وقتها أنه قد أغرم بها.
ابتسم سامر بسخرية وهو يفكر كما أن الإنسان كائن غبي. يدرك قيمة الشيء عندما يفقده. وهو أدرك قيمة كارما لديه عندما كاد أن يفقدها. وكم ارتعب وقتها. ولكن الحمد لله كل شيء مر بخير. انتهى أخيرًا من تنظيف المطبخ وابتسم وهو يجد كل شيء نظيف. الآن سوف يقنع كارما أن ترتدي ملابسها وتخرج معه للتنزه وعندها سوف يقنعها لتذهب لطبيب نفسي لعلها تقتنع.
خلع سامر مريول المطبخ وتنفس عدة مرات قبل أن يخرج من المطبخ ويذهب لغرفتها. أخيرًا هدأ من اضطرابه وخرج من المطبخ. كانت كارما تجلس مكانها وهي شاردة كليًا. "كارما حبيبتي." نظرت إليه ببلادة. عينيها خالية تمامًا من المشاعر. ابتلع ريقه وقال: "إيه رأيك نخرج شوية؟ تحبي تروحي فين؟ "أنا عايزك تمشي!
هكذا قالتها بكل هدوء وهي تنظر إليه بينما تنهض من الفراش. لا تهتم كم جرحته. فكل ما تريده حقًا أن يذهب من هنا، أن يتركها وشأنها. يكفي ما فعله معها. تنهد سامر بآسف. لقد جرحته. ليس مرة واحدة بل مرات عديدة ولكنه قرر أن يتحمل حتى تتقبل وجوده فمن المستحيل أن يتركها بعد ما كاد أن يفقدها. اقترب أكثر منها وقال: "حبيبتي اسمعيني بس." تراجعت وهي تقول:
"أنا مش عايزة أسمع حاجة يا سامر. أنا عايزك تمشي. اهو أنا بقولها بهدوء. امشي من هنا. ارجع لحياتك وأنا هرجع لحياتي. اللي كان بيربط بيننا خلاص مات." حاربت الدموع التي بدأت تتصاعد لعينيها وشعرت بالاختناق ولكن كانت قد أخذت قرارها. تلك ستكون آخر محادثة مع سامر. ستكون قاسية لكي يبتعد عنها. هي لا يمكنها أن تتقبله في حياتها مرة أخرى. "كارما أنا بحبك… الحب هو اللي بيربطني بيكي." رفعت رأسها وقالت:
"بس أنا مبحبكاش يا سامر. دي الحقيقة." "أنتِ كدابة." قالها بإنفعال. ثم اقترب منها بغتة وجذبها إليه وهو يقول: "بصي لعينيا وقولي إنك مبتحبنيش." رفعت عينيها إليه وقال ببرود: "أنا مش بحبك! "أتأكدت دلوقتي؟ يالا امشي لو سمحت! وهكذا كتبت هي نهايتها معه. أما هو فلم يكتب النهاية بعد ولم يستسلم حتى. في المساء…
كان يقف أمام الفيلا ينتظرها. لقد غابت يومًا عنه واشتاق إليها بيأس. لقد شغلت مهرا حيزًا كبيرًا في حياته. لقد امتلكت قلبه كما لم يمتلكه أحد من قبل. والأغرب أنه سعيد لأنها تسيطر على مشاعره بكل تلك القوة. خرجت مهرا من الفيلا وهي تسير ناحيته تنظر إليه باشتياق. مد كفه لتمسكها هي بلهفة وتقول: "وحشتني." "وأنتِ أكتر… أنا خلصت شغل بدري النهاردة. نروح نتمشى وبعدين نروح البيت."
هزت رأسها بحماس. ليسير بها ممسكًا كفها بينما هي تطير من السعادة. أمام النيل… كانت تتنفس بعمق وهي تنظر إلى غروب الشمس بينما تمسك كف آدم وقد شعرت في تلك اللحظة براحة لم تشعرها من قبل. حياتها أصبحت هادئة، ساكنة، ولكن لا تعرف لماذا تشعر أن هذا الهدوء الذي قبل العاصفة. لا يمكن للحياة أن تستقيم دائمًا. بالطبع سوف يحدث ما يعكر صفو سعادتهما. هذا أكيد. "بتفكري في إيه؟ تساءل آدم وهو يحاصر عينيها العسلية. يذوب بها. "خايفة."
عقد حاجبيه بحيرة وقال: "خايفة من إيه يا مهرا؟ جدك بيتحسن و…" شدت على كفه وهزت رأسها قائلة: "أنا فرحانة يا آدم. مبسوطة وأنا معاك. مبسوطة إنك بتحبني وبتديني الحب الكبير ده… بس خايفة الحب ده ميستمرش. خايفة تحصل حاجة تبعدك عني… أو تحصل بيننا مشاكل." اقترب منها وهو يقول: "ده مش هيحصل أبدًا يا مهرا. أنا عمري ما هبعد عنك أبدًا أبدًا. هتفضلي دائمًا في حياتي وقلبي كمان." كانت تذوب بسبب كلماته الرائعة وقالت:
"يا سلام لو يبقى كلامك حلو كده طول الوقت بدل ما الدبش اللي بترمي عليا في نص الكلام." ضحك آدم وقال: "بحب أنكشك يا ميمو… اللي يحبك ينكشك." "يعني أنا ينفع أنكشك يا آدم؟ اقترب منها وقال: "يا باشا أنت تنكش براحتك." نظرت للأسفل ووجهها أحمر من الخجل. أخرج هو هاتفه وقال: "يالا نتصور صورة أنا وأنتِ." هزت رأسها ليضع هو ذراعه على كتفها ويجذبها إليه ثم يلتقط الصورة. وصلا إلى المنزل ليجدا ميعاد العشاء قد أتى.
"يالا جهزوا يا عيال أنا الشيف النهاردة." قالتها ليلي بمرح لينظر آدم بتوتر إلى مرام ويقول: "يعني كده نجهز نمرة الإسعاف." "أخص عليك يا آدم قصدك إيه أنا أكلي وحش يعني؟ قالتها ليلي بغضب ليضحك آدم ويقول: "بصراحة كده هو مش وحش بس أنتِ بتعملي وصفات غريبة الواحد يخاف ياكلها. كنتِ خلي مرام تعمل الأكل." تخصرت ليلي وقالت: "والله مرام وهي بتعمل الرز حطت سكر بدل ملح." احمر وجه مرام لتنظر ليلي إليها بخبث وتقول:
"الله أعلم يا أخويا مين اللي شاغل عقلها للدرجادي." اقتربت مهرا من آدم وهمست: "خلينا ناكل يا آدم وإلا مش هنخلص من لسان ليلي." هز آدم رأسه وقال: "عندك حق! ثم اتجه إلى طاولة الطعام. كان الجميع يأكل بهدوء وكاد آدم أن يمسك كف مهرا من تحت الطاولة عندما قالت ليلي: "يا ريت يا مهرا متمسكيش إيد أخويا من تحت الترابيزة زي المرة اللي فاتت." سعلت مهرا بقوة لتضرب حسناء ليلي على رأسها وتقول: "قومي يا بنت من الأكل."
"يا ماما أنا بهزر." "بقولك قومي يا ليلي. أنتِ مصيبة متحركة. قومي بدل ما ألبس الأكلة الغريبة اللي أنتِ عاملاها دي في وشك. قومي يا بت." ضحك الجميع لتنهض ليلي وتقول: "يوووه يارب أتزوج واحد ينقذني من البيت العنصري ده. أنا هبلغ عنكم حقوق الإنسان وأقول مش عايزين تأكلوني يا عيلة ظالمة! ضحكت مهرا وأخذت الطبق وقالت: "استني يا بت يا أم لسان طويل هنأكلك!
وقف أمام بناية حياة وعيناه رطبة بفعل الدموع. بدأ أحمد وكأنه خرج من الجحيم للتو. يتذكر كم صرخ حينما أخبره مروان أن حياة ماتت. لقد شعر وكأن أحدهم اقتلع قلبه من صدره وألقاه أرضًا ثم داس عليه. شعر أن أحدهم يصرخ في رأسه بقوة. ضوضاء لا تهدأ في رأسه. يشعر وكأن العالم يصرخ من حوله. لقد فقدها… وهو السبب في هذا. هو من دفعها لتنهي حياتها. هو لن يسامح نفسه أبدًا على ما فعله أبدًا. سيظل دوماً محتقرًا نفسه. سيظل دوماً يكره نفسه. لن يسامح نفسه أبدًا. هذا مستحيل.
اقترب من البواب لينظر إليه الرجل بخوف. كان أحمد شكله مثير للشفقة. عيناه حمراء وملابسه مجهدة. الإنهاك يظهر بوضوح على وجهه. اليوم السابق قضاه وهو يسير في الشوارع بلا وجهة محددة. كان الجميع ينظر إليه بخوف. نفس نظرات البواب تمامًا. "حياة… حياة…" فعلها أحمد بإنهيار ودموعها تنساب على وجنته. "تقصد الآنسة اللي ساكنة في الدور الثاني دي انتحرت و…" لم يتركه أحمد يحمل كلامه بل ذهب من أمامه بسرعة وهو يبكي.
"يا أستاذ يا أستاذ استنى أكمل كلامي! قالها البواب ثم ضرب كل على كفه وقال: "لا حول ولا قوة إلا بالله. الراجل مخلنيش أكمل كلامي وأقوله إن الشاب اللي معاه قدر ينقذها! فتحت والدة أحمد الباب لتجده واقفًا وعيناه حمراء بسبب البكاء. وما كادت أن تتكلم حتى انهار بين ذراعيها وهو يبكي بعنف ويقول: "حياة… حياة ماتت وسابتني. حياة ماتت بسببى يا أمي عمري ما هسامح نفسي أبدًا. عمري…"
اتسعت عيناها بصدمة بينما هو يبكي بعنف كالطفال. الألم داخله لا يحتمل. يشعر وكأن أحدهم يعصر قلبه بقوة. "إيه اللي أنت بتقوله ده يا أحمد؟ قالتها والدته وهي مصدومة ليبتعد هو عنها ويقول بصوت مختنق بفعل البكاء: "دي الحقيقة يا أمي… حياة ماتت… ماتت وبسببي وأنا كمان حاسس إني هموت. مش قادر أستوعب إنها سابتني ولا قادر أستوعب إني السبب. أمي أنا مستاهلش أعيش صح؟ هزت والدته رأسه ودموعها تنساب على وجهها ثم جذبته للداخل.
بإنهيار جلس أحمد على الأريكة ثم انفجر بالبكاء. بدأ يبكي حتى شعر أن بح صوته. كانت حنجرته تؤلمه بفعل الصراخ. كان لا يصدق أنها تركته وذهبت. حبيبته ذهبت. "إيه اللي أنت بتقوله ده يا أحمد؟ قالتها والدته وهي مصدومة ليبتعد هو عنها ويقول بصوت مختنق بفعل البكاء: "دي الحقيقة يا أمي… حياة ماتت… ماتت وبسببي وأنا كمان حاسس إني هموت. مش قادر أستوعب إنها سابتني ولا قادر أستوعب إني السبب. أمي أنا مستاهلش أعيش صح؟
هزت والدته رأسه ودموعها تنساب على وجهها ثم جذبته للداخل. بإنهيار جلس أحمد على الأريكة ثم انفجر بالبكاء. بدأ يبكي حتى شعر أن بح صوته. كانت حنجرته تؤلمه بفعل الصراخ. كان لا يصدق أنها تركته وذهبت. حبيبته ذهبت. "يا ابني افهمني بس هي ماتت إزاي متقلقنيش يا أحمد! "انتحرت." قالها أحمد ودموعه تنساب من عينيه. "شهقت والدته وقالت: "يا حبيبتي… يا حبيبتي…"
"انتحرت بسببي… أنا السبب… يا ريتني ما دخلت حياتها… يا ريتني يا أمي كنت بعدت عنها… يا ريتني ما جرحتها بالشكل ده… أنا بتمنى أموت… ياريت أموت يا أمي ياريت أموت." بكت والدته وعانقته وهي تقول: "بس يا ابني… بس الله يرحمها متعملش في نفسك كده." ولكن أحمد لم يهدأ بل ظل يبكي. بكى كم لم يبكِ من قبل. بعد ساعة… كانت والدة أحمد تنظر إليه بآسف بينما هو ينام على الفراش. قبلته على رأسه وذهبت لتنام على فراشها. في اليوم التالي…
نهض أحمد من فراشه وغسل وجهه ثم ذهب دون أن يبدل ملابسه. كان سيذهب إلى بنايتها. يأمل أن يكون كل ما سمعه كذب، أو كابوس سيء. بعد ساعة… تجمد أحمد وهو يراها تقف أمام البناية تتحدث مع البواب. فرك عينيه بقوة ليجدها موجودة بالفعل. ركض إليها وهو يصرخ: "حياااااة…" نظرت حياة برعب إليه ليصل هو لها ويضمها بقوة. في غرفة آدم ومهرا…
كانت تنام وهي تضع رأسها على صدره. بينما تضع يديها على قلبه. أما هو فكان يضمها بكليتها إليه. فتح آدم عينيه ليجد مهرا نائمة. كتم ضحكته وهو ينظر إليها. كانت طريقة نومها غريبة للغاية. شعرها مشعث قليلاً وتفتح فمها مخرجة أصواتًا غريبة. ليس شخيرًا بالمعنى الحرفي، بل أصواتًا كأنها تتشاجر مع أحد. استدار قليلاً نحو المنضدة التي بجوار الفراش والتقط هاتفه وهو يقول:
"الواحد مبيلاقيش الفرص دي دايما… وأنا لازم أستغلها… سوري يا مهرا بقا…" ثم صورها بسرعة بهذا الشكل المضحك ووضع الهاتف بجواره وهو يعود إليها ويداعب شعرها. اقترب منها وقبلها على أنفها. ثم وجنتيها وشفتيها. ابتسمت مهرا وهي تشعر كأنها تحلق في السماء. فتحت عينيها بحب لتجده ينظر إليها بحب. ابتسمت وقالت: "صباح الخير." "تقصدي مساء الخير يا عمري الساعة عدت اتناشر." "يالهووي يا آدم طيب وشغلك! ضمها إليه أكثر وقال:
"لا مش عايز أروح الشغل النهاردة. قررت نخرج النهاردة سوا… أنا وأنتِ وبس. إيه رأيك؟ لمعت عينيها العسلية وابتسمت له بحب قائلة: "موافقة طبعًا! ثم نهضت وهي تتجه إلى الخزانة وتخرج ملابسها قائلة: "هاخد شاور بسرعة وأجي." ابتسم آدم ونهض ثم قبلها على رأسها وخرج. وجد آدم والدته تقرأ القرآن. ابتسم آدم واقترب منها ثم قبلها على كفها وقال: "مساء الخير يا ست الكل." "مساء الخير يا آدم… فطارك جاهز أنت ومهرا. مرام عملته بس أنت سخنه."
هز آدم رأسه وقال: "لا يا ماما أنا قررت أخرج النهاردة أنا ومهرا ونأكل برا. المسكينة بقالها فترة نفسيتها تعبانة بسبب جدها قولت أرفه عنها شوية." فرحت حسناء وهي تربت على كفه وتقول: "برافو عليك يا ابني والله… أيوة المسكينة حرام بحسها باهتة وحزينة دايما… ربنا يشفي جدها يا رب. أنا مبسوطة أوي إنك مش مقصر مع جدك كمان." لمعت عيناه بغضب طفيف وقال:
"جابر مش جدي. ولو كنت بروحله فده عشان مهرا وبس يا أمي. مش عشانه ولا هو يهمني أصلًا." كانت وقتها قد خرجت مهرا وسمعت حديثه. ابتلعت ريقها وشعرت بالحزن يهاجمها فجأة. كادت أن تذهب لتستحم وتتجاهل ما تسمعه ولكن لم تستطع. اقتربت من آدم وقالت: "مينفعش تتكلم على جدي بالشكل ده يا آدم." نظر إليها آدم وقال ببرود:
"والله أنا مقولتش عليه حاجة يا مهرا ولا أهنته. أنا بفهم أمي وبفهمك بالمناسبة إن وقفتي جنب جابر عزام الأيام اللي فاتت عشان خاطرِك أنتِ وبس. لكن هو ميهمنيش أصلًا… ولا عمري ههتم بيه. هيفضل في نظري الراجل اللي دمر حياتي… وهفضل طول عمري أكرهه! ابتلعت مهرا ريقها وتصاعدت الدموع لعينيها وهي لا تصدق كيف يمكن لآدم أن يمتلك كل هذا الكره في قلبه. حاولت أن تقدر غضبه، أن تقدر أنه عاش مأساة بسبب جدها ولكن هو أصبح يبالغ.
"ولحد إمتى يا آدم هتفضل بتنفي جدك برا حياتك؟ لأمتى هتفضل كارهه كده؟ مش آن الأوان تسامح؟ أن الأوان تستمتع بقربه؟ اختنق صوتها وقالت: "جدي مش باقي له كتير أنا حاسة بكده. الأولى إنك تقرب منه الأيام دي وتفضل معاه بدل ما تندم بعدين. ده غير إنه ممكن يساعدك بشغلانة أحسن. شغلانة تساعدك تجهز مرام وليلي وتصرف على بيتك! تجمد وجهه وهو ينظر إليها وقال:
"آه قولي كده بقا… حضرتك مبقتش عاجباكي العيشة بتاعتي ولا الشغل بتاعي. أكيد أنتِ مكسوفة مني صح؟ يعني مهرا -آدم! مهرا مقصدتش كده! نهرته والدته ولكنه لم يرد بل قال بقسوة: "بقولك إيه يا مهرا… دي حياتي… ودي شغلتى لو مش عاجباكي أنا مجبرتكيش تعيشي معايا صح… تقدري تمشي! قالها ثم ولج غرفته لتتجمد وهي تشعر وكأن أحدهما يعتصر قلبها. لا تصدق أنه قال هذا. بعد قليل كان قد ارتدى ملابسه وغادر دون حتى أن ينظر إليها.
"مهرا بنتي آدم مش قصده." قالتها حسناء بإرتباك. ابتسمت مهرا بسخرية وولجت هي أيضًا لغرفتها. مضت ربع ساعة ثم خرجت من الغرفة وهي بكامل ثيابها معها حقيبة صغيرة. "مهرا يا بنتي اعقلي آدم مش قصده." نظرت مهرا بشفقة إلى حسناء وقالت: "لا يا طنط آدم قال كل اللي في قلبه ونهى كل حاجة. هو اللي اختار كده." ثم تركتها وخرجت مسرعة بينما حسناء تصرخ باسمها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!