اتسعت عيني مروان وخفق قلبه بقوة… للحظات ظن إنه سمع خطأ… ولكن كان هذا صحيح… صحيح مائة بالمائة… لقد وافق عليه آدم… وافق إنه يعطيه فرصة… أغمض عينيه وهو يشعر إن الحياة تقبلته أخيرا… فهذا الفتى المنبوذ من قبلها الآن له فرصة يعيش… فرصة إنه يكون سعيدا… احتشدت الدموع بعينيه وأغمضهما وهو لا يصدق الأمر… بسرعة وخجل مسح الدموع التي انسابت على وجنته ونظر إلى آدم وهو يقول بصوت جاهد بقوة لإخراجه ثابت: -معلش قول تاني… قولها تاني…
لم يبتسم آدم وقال: -قولت أنك نجحت في الاختبار… أنا موافق تتجوز… لم يتركه مروان يكمل حديثه بل صرخ بسعادة لدرجة إنه أفزع آدم وليلى… ثم شد آدم وضمه بقوة… -أنت يا بن آدم… ابعد ابعد… قالها آدم بضيق وهو يحاول إبعاد مروان عنه ولكن دون جدوى… كان مروان يحتضنه ودموع السعادة تملأ عينيه… بينما آدم يحاول إبعاده فلا يستطيع وليلى تشيح بوجهها المحمر من الناحية الأخرى بينما تضحك بكل رقة…
أخيرا أبعده آدم عنه وهو ينظر إليه بضيق بينما تأوه مروان وهو يضع كفه على بطنه المصابة وقد تألم قليلا… نظر إليه آدم بضيق وقال: -سيطر على فرحتك شوية عشان أنت لسه خارج من المستشفى… مروان رأسه بسعادة ثم قال: -إمتى كتب الكتاب والفرح… أنا بقول الخميس اللي جاي نكتب الكتاب وبعدها بأسبوع… -بس… بس إيه يا بابا فيه إيه… إيه الاستعجال ده… أنت فاكر الموضوع بسيط للدرجة دي… أجوزك أختي بسهولة كده!!! نظر مروان بتوتر إلى ليلى وقال:
-أنت مش قولت أنك موافق و… -أيوة وافقت بس طبعا لازم تكون فيه فترة خطوبة عشان أقيمك وأشوف تنفع ولا لا ليها… أنا هسلمك أختي وبنتي… -فترة الخطوبة دي هتبقى قد إيه؟! -بعد ما تخلص كليتها. اتسعت عيني ليلى بفزع… رباه هي ما زالت في السنة الثالثة من كلية الطب… ستنتظر ثلاث سنوات أخرى… -بتقول إيه؟! قالها مروان بصدمة ثم أكمل: -كتير يا آدم والله… خلينا نتجوزها ومستعد أديك كلمتي إني أخليها تكمل دراستها…
-والله خايف يا مروان أعمل كده… قاطع آدم كلامه ونظر إلى ليلى وكأنه يدرك فيما تفكر هي وأكمل: -تروح هي تأثر عليك ومتروحش الكلية… هز مروان رأسه بالنفي وقال: -ده مستحيل… مستعد أديك وعد إني هجبرها كل يوم تروح الكلية وتذاكر وأنا متكفل بكل مصاريف دراستها! -يا دي النحس… تمتمت ليلى بضيق… أكمل مروان وهو يترجاه قائلا: -آدم أرجوك… صدقني مش هشغلها عن دراستها لكن تلات سنين كتير… تنهد آدم بضيق وقال:
-طيب نستنى ست شهور فترة خطوبة مناسبة أهي ندرس فيها تصرفاتك ونشوف تنفع ليها ولا لا… ابتسم مروان بسعادة وقال: -موافق جدا… شكرا أوي يا آدم… ثم كاد إنه يعانقه مرة أخرى إلا إن آدم نظر إليه ببرود ليتراجع وهو يحك رأسه بخجل بينما لا يستطيع منع تلك الابتسامة التي تكونت على وجهه… هو سعيد… سعيد للغاية… يكاد يطير من السعادة… حبيبته ستكون له… لا يصدق هذا!!! شد على باقة الأزهار وقال بلهفة: -إمتى الخطوبة… ها قولي… ابتسم آدم وقال:
-نخليها بعد أسبوعين يا مروان… بس خلي بالك فيه ضوابط لازم تراعيها مع أختي… أنا عايزك تتقي ربنا على قد ما تقدر… ما تندمنيش في يوم إني جوزتهالك… هز مروان رأسه وقال: -مستحيل يا آدم… هعمل المستحيل عشان أليق بيها… -أنا همشي دلوقتي… كاد إنه يذهب ولكن آدم قال: -استنى يا مروان… توقف مروان وهو ينظر إليه فقال آدم: -أنت جايب الورد ده لمين؟! توتر مروان وهو ينظر إلى الورد وقال: -ليكم… قولت مدخلش وإيدي فاضية…
-جميل أوي… طيب ليه مروح بيه هيسليك في الطريق مثلا؟! وضعت ليلى كفها على فمها وبدأت بالضحك عندما رأت وجه مروان المضطرب… يبدو لطيفا أكثر وهو متوتر هكذا… -تعبت النهاردة… قالها آدم وهو يتسطح على فراشه المريح ثم يغمض عينيه براحة… كانت المرة الأولى منذ أيام التي استطاع فيها إنه يغلق عينيه بتلك الراحة الكبيرة… منذ عرف بمشاعر ليلى لمروان كاد يجن فعلا… أخذ أيام يفكر ماذا يفعل؟! وكيف يتصرف!! كان حزن شقيقته يؤثر عليه يجعله ضعيف…
ومع محاولة إقناع مهرا له… مهرا رغم إنها تعرضت للأذى من قبله إلا إنها أوضحت إنها غفرت له كل ما فعله… وكأنها تريد إن تمحي الماضي كليا… وليكن صريحا رفضه لمروان لم يكن بسبب ما حدث بينهما الفترة الأخيرة… صحيح إن هذا من ضمن الأسباب ولكنه كان يريد لشقيقته شخص تقي يستطيع إنه يمنحه شقيقته وهو مرتاح… ولكن مروان… مروان مختلف كليا عنهم ولكن الفترة الأخيرة بدأ مختلف بشكل كبير… لقد كاد يموت من أجل مرام…
ومهما حاول إنكار هذا فهو حقا ممتن إليه… وأمام إصرار مهرا وحزن ليلى الذي يتملك من قلبها يوما بعد يوم وافق أخيرا. نظرت مهرا وهي مبتسمة بحب إليه… كانت ملامحه منهكة فما عاشه الأيام السابقة كان كالجحيم ولكن الحمدلله استطاعت أخيرا إن تقنعه ينسي الماضي ولا يقف في وجه سعادة شقيقته… اقتربت منه وهي تمد كفها الناعم إلى جبهته ثم بدأت بتلمس شعره برقة… أمسك هو كفها وقبل باطنه بعاطفة قائلا: -أتمنى تكوني ارتاحتي دلوقتي…
-جدا يا حبيبي… كفاية إننا شوفنا الفرحة في عيون ليلى… ابتسم آدم وقال: -هو ده اللي مريحني يا مهرا… مريحني إنها مبسوطة بس… اختفت ابتسامته وأكمل: -بس خايف أندم على القرار ده يا مهرا… خايف ميكونش يستاهل ليلى… خايف أظلمها بواحد ليه ماضي زي مروان… خايف أوي يا مهرا… ضمته مهرا بقوة وقالت: -مظنش يا حبيبي… أنا شايفة إن مروان فعلا اتغير أوي… وبعدين ده لسه فيه خطوبة يعني تقدر تختبره زي ما أنت عايز… لمعة عيني آدم بخبث وقال:
-أختبره وبس… اصبري عليا بس يا حبيبتي ده أنا هطلع عينيه… دي فرصة وجاتلي لحد عندي… ضحكت مهرا برقة وقالت: -بحبك لما تكون شرير… دفن يده في شعرها وقال وهو يحاصر عينيها العسلية ويذوب بجمالهما: -وأنا بحبك في كل الأوقات يا مهرا وبحب ابننا أو بنتنا اللي هتيجي… اعتدلت قليلا ووضعت وجهها على يدها قائلا: -قولي يا آدم… -عيون آدم وروحه. ابتسمت له وهي تعبث في شعره وأكملت: -لو جه ولد هتسميه إيه؟! -الاسم اللي تحبيه يا روحي… أنتِ الأم…
قالها وهو ينحني قليلا ويقبل بطنها لتدفن يدها في شعره وتقول: -أنا عايزاك أنت تختار أول اسم قولي هتحب تسميه إيه؟! -يعني معندكيش مانع إني أختار… قالها وهو يضع رأسه على بطنها.. لتهز رأسها قائلة: -لا معنديش أي مانع… اختار… تنهد وقال: -لو جه ولد نفسي أسميه علي على اسم أبويا الله يرحمه… دي كانت من أحلامي… -طيب لو بنت.. تساءلت وهي ما زالت تمرر أصابعها في خصلات شعره ليرد هو:
-لو بنت هنسميها نجمة… أنا بحب الاسم ده أوي يا مهرا… بحسه اسم رقيق.. هيليق ببنتنا اللي هتكون في رقة أمها واللي لما تيجي هتنور حياتي كلها… إيه رأيك في الأسماء… -جميلة أوي يا حبيبي… اتفقنا… اقترب آدم بوجهه منها وقال: -بحبك يا مهرا… بحبك أكتر من أي حاجة في العالم. -وأنا كمان يا حبيبي… بحبك أكتر من حياتي حتى… ابتسم واقترب منها أكثر لتضع كفها على فمه وتقول: -حبيبي أنا جعانة روح جيبلي علبة الآيس كريم من التلاجة.
-ووليه فصيلة!! قالها آدم بضيق وهو ينهض لتضحك هي عليه… …………. بعد ست أشهر وأسبوع… -أنتِ إيه اللي جابك هنا؟!! قالتها ليل ببرود وهي تنظر إلى والدتها في صالة الزيارة الخاصة بالمساجين.. -مش هتسلمي على أمك يا ليل؟! قالتها نيرمين بحزن وهي تقترب من ليل لكي تعانقها ولكن الأخرى ابتعدت بقسوة عنها وجلست على المقعد… كانت تنظر إليها باحتقار كبير… كم الكراهية الذي بعيني ليل كان رهيب للغاية… كتمت نيرمين دموعها وقالت:
-ليل أنا حاولت أطلعك والله كلمت المحامي وهو اترافع عنك وحاولنا بس التهمة كانت لابساكي وأنتِ اللي اعترفتي بنفسك… -أنتِ السبب في وجودي هنا… السبب إني اتحبس خمس سنين هنا!! صرخت بها ليل والدموع تتصاعد بعينيها… كانت تتنفس بعنف ثم أكملت: -أنتِ اللي زرعتي في قلبي الكراهية… أنتِ اللي خلتيني أقتنع إن أنس هيكون ليا… كل ده بسببك… -يا بنتي أنا… أنا…
-اخرسي… اخرسي ولا كلمة… خلاص امشي من هنا… امشي مش عايزة أشوف وشك ولا المرة خالص… أنا مش بنتك… عمرك ما حبتيني… حتى إنك عمرك ما حبيتي نوارة… نوارة… اختنق صوت ليل وانفجرت الدموع من عينيها وقالت: -نوارة اللي خليتي جوزك يتحرش بيها.. أنتِ أم أنتِ… ازاي تبقي أم وأنتِ بإيدك سلمتي بنتك لجوزك الندل ده ازاي!! أنت أحقر ست شوفتها في حياتي… أنا ندمانة لأني سمعت كلامك بعد ما عرفت عملتي إيه في أختي… كان مفروض أقتلك وأخلص من شرك…
كانت نيرمين تستمع إلى كلماتها وهي تبكي بعنف… لا تصدق إن ابنتها تكرهها لتلك الدرجة ولكنها تستحق… هي تستحق الكره… تستحق كل كلمة قالتها ابنتها وهي لن تلومها أبدا… -ليل خلينا ننسي الماضي… أنا عارفة إني استحق كل كلمة بتقوليها في حقي… عارفة قد إيه إني ست مش كويسة… بس يا بنتي أنا بحبك… وحبيت أختك… كنت أنانية صح وبحب نفسي أكتر بس حبيتكم… أنا… نهضت ليل وقالت ببرود: -متجيش هنا تاني… أنتِ لا أمي ولا أعرفك!! …………. في المساء…
الليلة هي أجمل ليلة في حياته… هي الليلة التي سوف ينال فيها حبيبته ليلى بعد انتظار طويل وضغط كبير من شقيقها… آدم الذي اقتنع أخيرا بعد ست أشهر إنه يليق بها ويستحقها.. كان مروان يضع كفه في كف آدم وهو يردد خلف الشيخ بينما عينيه على ليلى التي ترتدي فستان كريمي غاية في الروعة عليه خمار من نفس اللون… بدت وكأنها ملاك… هي ملاكه! -بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهما في خير. قالها المأذون أخيرا وهو يعلنهما زوجين…
لتنطلق الزغاريد في المكان ويخفق قلب مروان بالسعادة… لقد حصل على فتاته… حصل عليها أخيرا!!! نهض هو ليقترب من ليلى الواقفة بجوار شقيقتها ووالدتها تطرق برأسها من الخجل بينما ابتسامة رائعة تزين شفتيها… كان يقترب منها وهي تشعر بهذا وقلبها يخفق بقوة كبيرة… تنتظر إنه يعانقها… يحقق ما تقرأ عنه في الروايات ولكنه توقف بعيدا عنها قليلا وقال بنبرة سعيدة مرتبكة: -مبروك يا ليلى… نظرت إليه وقد احتلت خيبة الأمل وجهها وقالت:
-الله يبارك فيك يا أخويا… …………. بعد عدة دقائق اختلي بها في غرفتها وجلس بجوارها… كان صامت نهائيا… لم يتقرب منها… لم يحاول إنه يمسك يدها أو يقبلها حتى… كان جالس وهو ينظر للسجادة البنية في غرفتها.. -عاجباك السجادة؟! تحب تأخدها معاك البيت؟! سألته ليلى لينظر هو إليها بحيرة فتبتسم قائلة: -أصلي ملاحظة إنك بتبص على الأرض كتير ومبصتش في وشي… هو وشي مش عاجبك لا سمح الله ولا السجادة أحلى مني؟! ابتسم بتوتر وقال:
-لا طبعا أنتِ جميلة والسجادة جميلة… أنتوا الاتنين زي بعض.. -زي بعض؟! قالتها ليلى وهي تنظر إليه بضيق ثم أكملت: -ربنا يخليك والله بقيت سجادة خلاص… توتر مروان أكثر وقال وهو ينهض: -طيب يا ليلى عايزة حاجة أنا ماشي. نظرت إليه ليلى بضيق وقالت في نفسها: -إيه الراجل ده؟! اتكتب كتابنا النهاردة وممسكش إيدي حتى هو أنا جربانة ولا هو عبيط ولا ضحكوا عليا في الروايات… -ليلى عايزة حاجة قبل ما أمشي..
أعادها مروان وهو ينظر إلى شرودها بحيرة لتقول وهي تبتسم ابتسامة صفراء: -لا يا أخويا روح ربنا يسترها عليك بس أشرب اللبن قبل ما تنام واغسل سنانك وغطي رجلك عشان العفاريت… نظر إليها مروان بحيرة وقال: -ليلى أنتِ زعلانة مني في حاجة؟! -لا مفيش، قالتها بغضب. فابتسم بحنان وقال: -لا شكلك زعلانة.. قولي زعلتك في إيه، أنا ميهونش عليا زعلك. نفخت بضيق وقالت:
-بصراحة يسطا، أنت دمرت كل خيالاتي في يوم مهم زي كده. احنا كتبنا الكتاب النهاردة… يعني دي أجمل فترة في حياتنا.. محاولتش فيها تمسك إيدي أو تحضني. واحمر وجهها قليلا ثم أكملت بإنفعال وهي تنظر إليه: -بس حضرتك حتى إيدي ممسكتهاش.. سلمت عليا من بعيد كأني مبستحماش وقولت عليا إني زي السجادة! يعني يا مروان متقنعنيش إنك مؤدب. هز رأسه بالنفي بسرعة وقال: -لا لا، أنا مش مؤدب بس خايف منك. شهقت وهي تضع كفها على صدرها وقالت:
-أخص عليك يا ببلاوي، هو أنا عفريت؟ لا.. لا خالص، براحتك يا عم.. ده أنت جوزي. ابتسم مروان وقال: -بجد يعني براحتي براحتي. أسبلت أهدابها وقالت: -براحتك يا عم.. أنا مراتك مش بنت خالتك. -ماشي. ابتسم مروان بحماس وجذبها إلى صدره. شعرت ليلى بفراشات تتحرك في معدتها وأغمضت عينيها بشدة.. تعايش المشاعر التي قرأت عنها دائما في الروايات. اقترب مروان بوجهه بنية تقبيلها، ولكن صرخة عالية دمرت اللحظة الشاعرية بينهما.
-يا لهوي، دي مهرى.. شكلها بتولد، ابعد كده. قالتها ليلى وهي تدفعه بقوة ليسقط على الفراش ويقول: -إيه العيلة المجنونة دي!! ……….. -آدم آدم، أنا بموت.. بموت!!! قالتها مهرى والدموع تغرق وجنتيها بينما سيارة الأجرة تنقلهم للمشفى بسرعة. عندما صرخت لم ينتظر آدم مروان أو أنس ليوصلوهم بل أخذ زوجته.. وأوقف سيارة أجرة.
كانت تستند على صدره بينما بكفها تتمسك بقميصه الرمادي… الألم الذي تشعر به خطير.. لم تشعر بهذا الألم من قبل.. كانت تلهث من شدة الألم بينما تبكي وتنظر لآدم الذي يتمتم بشيء ما وهو يضع كفه عليه. كان يقرأ القرآن بينما الدموع تحتشد بعينيه.. الخوف والرعب كانا يسيطران عليه.. روحه كانت تتألم وهو يراها تتألم بتلك الطريقة.. حبيبته.. -حبيبتي.. حبيبتي.. اصبري، قربنا نوصل. -مش قادرة.. مش قادرة.. حاسة روحي بتطلع يا آدم.. خايفة أموت.
هز رأسه وقال: -متقوليش الكلمة دي تاني.. هتبقي كويس وتجيبي نجمة اللي هتنور حياتي كلها.. وهنربيها سوا ونجيب عشر أطفال زي ما أنتِ عايزة بالضبط. -عشرة… عشرة إيه؟!! ابقى خلفهم أنت يا آدم.. أنا خلاص كده كفاية عليا نجمة! صرخت به بصوت منهك ليقول هو مغيظا لها: -خلاص هتجوز عليكي واحدة تجيبلي عشر عيال. نظرت إليه.. عينيها العسلية كانت مشبعة بالغضب.. كانت قد نسيت كل الألم فعلا بسبب شدة غضبها. اختفت الابتسامة من وجه آدم
ونظر إليها بتوجس قائلا: -حبيبتي مال… -آه.. صرخ بألم وهي تغرس أسنانها في صدره.. كانت تعضه بقسوة.. بغل بسبب ما قاله… كانت حقا غاضبة منه وقد بدا أنها نسيت الألم تماما. -يا مهرى.. يا مهرى والله بهزر!! قالها آدم وهو يتأوه بألم بينما سائق السيارة ينظر إليهما من المرايا وهو يتمتم لنفسه: -مجانين دول ولا إيه؟! ………. وصلوا أخيرا للمشفى وحمل آدم زوجته ليدخلها بعد أن أعطى المال للسائق.
بعد قليل.. كان آدم يقف أمام حجرة الولادة وهو يدور حول نفسه بينما رأى عائلته بأكملها قادمين نحوه.. مرام وزوجها وليلى وزوجها ووالدته. -أخبار مهرى إيه يا… كانت مرام تتكلم ولكن قاطعها صراخ مهرى القوي لتشهق هي وتقول: -يا حبيبتي ربنا يهونها عليكي.. أنا كمان مش مصدقة إن بعد سبع شهور هجرب الشعور ده. قالتها مرام بخوف وهي تضع كفها على بطنها وقد توترت. اقترب أنس من آدم وشد على كتفه قائلا: -اهدي يا آدم، هتكون بخير.
هز آدم رأسه وقال: -أتمنى يا أنس… أتمنى بجد. اقتربت مرام منه ثم ضمته إليها برفق.. فقد بدا في تلك اللحظة ضعيفا وهو يستمع لصراخ مهرى.. كان صراخها يؤلمه. أخيرا كفت مهرى عن الصراخ وارتفع صراخ آخر.. صراخ لطفل رضيع. ضحك آدم بسعادة لتعانقه ليلى أيضا بقوة وتقول: -مبروك يا أبيه.. مبروك بقيت أب خلاص. ………..
بعد قليل كانت دموع السعادة تحتشد بعيني آدم وهو يحمل صغيرته.. نجمة آدم عزام.. تمتلك عيني والدها ورقة والدتها، هي مزيج رائع بين الجمال والكبرياء. -أذن يا آدم في ودن البنت. قالتها مرام وهي تنظر إليهما بسعادة ليقترب آدم من أذن صغيرته ويؤذن.. بينما دموع السعادة تنهمر من عينيه.
……دموعها انفجرت من عينيها وهم يعطونها صغيرتها.. هي الآن ليست نادمة عن أي ألم تحملته في سبيل إخراج تلك الملاك للحياة، فما أن نظرت إليها حتى شعرت وكأن جميع آلامها اختفت تماما.
قربتها منها ثم قبلتها بسعادة وتهيأت لإطعامها.. وما هي إلا ثواني وكان الجميع انسحب وبقي فقط آدم.. آدم الذي كان ينظر لعائلته بحب.. تلك العائلة التي يمتلكها… لقد ظن دائما أنه لن يتزوج أو يبني عائلة… ظن أن ليس لديه حق في هذا.. ولكن مهرى أتت وأدخلت السعادة لحياته.. لقد سحبته إلى الجنة!! اقترب منها وهي تطعم طفلتها ثم قبلها على رأسها وقال: -شكرا على السعادة دي يا مهرى.. شكرا. ………..
كانت تسير في منزلها كأنها تحتضر… تشرب سيجارتها وعينيها مشبعة بدموع الندم.. كانت تتعذب.. المواجهة بينها وبين ليل كانت عذاب خالص.. لقد رأت الكره في عينيها.. واجهتها ليل بشخصيتها البشعة وجرائمها التي لا تحصى بحق ابنتيها. أخذت ترتجف نيرمين وهي تبكي بينما تجلس على الأرض وهي تتذكر بخجل خضوعها لرجل حقير لأنها أحبته. ………. -أنت كنت بتعمل إيه مع نوارة يا عمر؟! قالتها نيرمين وعينيها تبرق بغضب.
ابتسم عمر واقترب منها وهو يجذبها إليه حتى اختلطت أنفاسهما وقال: -حبيبتي أنتِ بتصدقي طفلة.. معقول!! ابتلعت نيرمين ريقها.. كانت تذوب تحت لمساته الجريئة وقالت بتلعثم: -أنا.. أنا شوفتك بتلمسها. ولكنه قاطعها وهو يقبل رقبتها.. أغمضت عينيها وهي تتمسك بكتفه بينما أكمل هو:
-حبيبتي متزعلنيش منك.. والا هسيبك وأمشي.. نوارة زي بنتي وأنا بحبها.. متحطيش حاجة في دماغك أبدا.. دي لمسات بريئة من أب لبنته… متتدخليش بينا والا هيبقى التمن طلاقك.. مفهوم! ………. خرجت نيرمين من شرودها وهي تضع كفها على وجهها وتبكي بأنف.. تلك لم تكن أبدا لمسات بريئة… لقد كان ينتهك ابنتها.. وهي تركته يفعل هذا.. تركته يؤذي ابنتها….. كانت خاضعة صحيح.. خاضعة للحب.
نهضت متجهة إلى المطبخ وأمسكت سكين المطبخ الكبير ثم مررته على رسغها لتنفجر منه الدماء.. سقطت وتسطحت على الأرض وعينيها تنزل الدموع بينما ترى الدماء تلطخ الأرضية.. إنها تموت.. تدفع ثمن أخطائها… أخطائها بحق نوارة.. بحق ليل وأنس… موتها سوف يريح الجميع!!! ………..
خرج مروان من الحمام وهو يجفف شعره.. وقف أمام المرايا وبدأ بتسريح شعره… توقف فجأة وهو ينظر إلى انعكاسه في المرايا… كان مختلف.. حقا مختلف.. لحيته نمت قليلا وأعطته وقار… علامة داكنة قليلا تحتل جبينه من أثر السجود. وجهه منير وبعينيه فرحة عظيمة.. لم يفرح هكذا من قبل.. وفرحته ليس لارتباطه بليلى فقط.. ولكن فرحته من أنه نجح في هزيمة شيطانه واقترب من الله.
الست شهور الماضية لازم آدم كليا.. وتعلم منه الكثير.. عرف معنى أن تكون قريب من الله.. أدرك متعة طاعته والبعد عن المعصية.. وقتها عرف أنه كان غبي… غبي كثيرا بالانصياع لرغباته وعصيان الذي خلقه.. بكى كثيرا.. أخذ ليالي يبكي وهو يصلي.. يطلب من الله أن يغفر له ويرحمه.. يطلب منه أن يتجاوز عن سيئاته… ولكن رغم أنه يشعر بالسكينة الآن إلا أن أحيانا الخوف يتمكن منه.. ماذا لو لم يسامحه الله على ما فعله… ماذا لو كان سيكون عقابه في الآخرة النار… فهو قد ارتكب الكثير من الأشياء البشعة.
استعاذ من الشيطان الرجيم.. فتلك الأفكار منه هو.. دوما يحاول الشيطان أن يقنع الإنسان أن ليس لتوبته فائدة وأن الله سوف يعاقبه مهما فعل، ولكن مروان أدرك أن الله أكبر من أي شيء… أكرم من أي أحد.. لا تغلق أبواب مغفرته قط.. والله كان رحيم به إذ أيقظه من سباته في آخر لحظة وجعله يتقرب منه.
ابتعد مروان عن المرايا وقرر أن يشرب سيجارته قبل أن ينام.. عادة سيئة جدا وعرف أنها حرام أيضا وهو بيتمنى أن يقلع عنها.. ويدعو الله ليلا ونهارا أن تكون له القدرة لكي يقلع عنها.
جلس على الفراش وبينما هو يشعل سيجارته.. رأى على الطاولة التي بجوار الفراش مفكرة صغيرة.. وتذكر أن تلك المفكرة كانت في غرفة ليلى.. وقد أخذها اليوم بعد أن دفعته وخرجت من غرفتها.. كان مكتوب على المفكرة "أحلامي".. لذلك لم يقاوم مروان أن يأخذها.. عادة سيئة أخرى… يعترف بهذا.. ولكن حقا لديه فضول ليعرف ما هي أحلام حبيبته.
أخذ المفكرة وبدأ بفتحها.. كانت تخط أحلامها في كل ورقة.. كتبت في الورقة الأولى أنها تريد أن تتزوج رجل وسيم لا يدخن! توقف مروان عن القراءة ونظر إلى السيجارة التي في يده ثم أطفأها في المنفضة بجانبه وأكمل قراءة أحلامها.. إلى أن غلبه النوم وهو يضم المفكرة لقلبه. ………..
بعد منتصف الليل نظرت مرام لأنس لتجده غارق بالنوم.. ابتسمت بخبث ثم نهضت من الفراش وهي ترتدي روبها الأزرق وتخرج من الغرفة.. نزلت للأسفل واتجهت للمطبخ الأنيق.. ثم أمسكت عبوة الملح وهي تسحب ملعقة كبيرة.. فتحت العبوة وأدخلت الملعقة ثم أخرجتها مملوءة على آخرها ثم كادت أن تدخلها لفمها ولكنها شهقت بقوة عندما أمسك أنس كفها. -أ… أنس… قالتها مرام بتوتر وهي تبتلع ريقها.. بينما كل ما كان يسيطر على وجهه الوسيم هو الغضب:
-ملح.. هتاكلي ملح!!! -أنا… أنا… أخذ هو العبوة من يدها وأغلقها لتحتج بقوة وتقول: -حرام عليك، أنا بتوحم.. إيه القسوة دي.. دي طريقة تتصرف بيها مع واحدة حامل. أسند عبوة الملح ثم حملها بين ذراعيه فجأة متجها إلى الأعلى لغرفتهما وقال: -الطريقة المناسبة اللي مفروض أتعامل بيكي معاها دلوقتي إني أكسر دماغك يا حبيبتي.. بتتوحمي على ملح. مطت شفتيها بضيق وقالت: -نفسي أكل حاجة مملحة يا أنس.. حاسة إني هموت لو ماكلتش. وضعها
أنس على الفراش برفق وقال: -لا يا حبيبي، الحاجات دي ممنوعة.. غلط عليكي أن تأكلي ملح بالشكل ده… غلط على صحتك وصحة البيبي. قالها مبتسما وهو يضع كفه على بطنها… ثم انحني وقبل بطنها برفق لتتذمر قائلة: -أنس أنا نفسي أكل حاجة مالحة بجد.. أتصرف معلش. تنهد وقال: -هجيبلك مخلل من تحت.. بس حاجة بسيطة كده عشان نفسك فيها بس.. لكن يا حبيبتي انسي حوار أنك تستخدمي سحرك عليا دايما عشان أحقق لك اللي عايزاه.
-بس أنت فعلا بتقع فريسة لسحري وبتحقق اللي أنا عايزاه. قالتها بدلال.. ليقرصها من وجنتها ويقول: -وأنتِ بتستغلي ده يا نصابة. ابتسمت دون خجل وهي تهز رأسها ليقبلها على وجنتها ويقول: -بس مش المرة دي، أنا مش هتهاون في حاجة تؤذيكي أو تؤذي البيبي… هروح أجيبلك زيتونة صغيرة تأكليها.
نفخت بضيق بينما هو يبتعد عنها وينزل إلى الأسفل.. ولكن سرعان ما ابتسمت بسعادة وهي تعترف أن بعد كل ما عاشته.. كل المعاناة التي عاصرتها.. أتى أنس وأعطاها السعادة… هي معه تشعر أنها تطير… ماذا فعلت لتنال رجل رائع مثله.. هي حقا لا تعرف. -اهو المخلل…
قالها أنس مبتسما وهو يقترب منها ممسكا قطعة صغيرة من الخيار المملح.. نظرت إليها مرام وعينيها تبرق بينما تشعر أنها جائعة لهذا الخيار المملح.. تريد تناول الكثير منه حتى تشبع… خطفته من أنس ثم تناولته سريعا. تراجع أنس قليلا بخوف وهو ينظر إليها لتبتسم هي وتقول: -ابنك يا أنس فاضحني بجد، شكله هيطلع مفجوع زيك! -أنا مفجوع! قالها أنس وهو يرفع حاجبيه بينما يشير إلى نفسه لتهز مرام رأسها وتضحك. اقترب هو منها وجلس بجوارها قائلا:
-تنتهي فترة حملك على خير بس يا مرام وهديكي حتة علقة على اللي بتعمليه فيا. ضمته وقالت بحب: -مش ههون عليك يا أنوس. ابتسم وقال: -صحيح مش هتهوني عليا يا حبيبة أنوس.. نامي بقى وارتاحي، مش كل يوم أجيبك من المطبخ بتحاولي تعملي كارثة جديدة.. بعدين هربطك في السرير عشان أضمن أنك متحاوليش تأكلي ملح تاني. أغمضت عينيها وهي تضحك ولكن فجأة رن هاتف أنس… عقدت مرام حاجبيها وقالت: -مين بيرن عليك دلوقتي يا أنس… معقول تكون متجوز عليا!
ضحك أنس وأبعدها عنه وقال: -يا ستي هو أنا قادر عليكي عشان أتجوز تاني. ..وبعدين أنا معايا القمر كله مالي بباقي البنات… -والله الرجالة اللي كلامها حلوة زيك مفروض نخاف منهم… -هبقى دبش يا حبيبتي عشان متخافيش ومش هقولك كلام حلو تاني.. وبعدين ده المحامي اللي بيتصل… خير بيتصل دلوقتي ليه… تساءل أنس ورد عليه وفجأة شحب وجهه وقال: -بتقول إيه؟!!! نيرمين منتحرة!! …………… في اليوم التالي…
ابتسمت بسعادة وقلبها يخفق بعنف وهي ترى هاتفها يضيء باسمه وتلك الفراشات تتحرك في معدتها… كان شعورها بالفعل كشعور بطلات الرواية التي قرأتها… هي تطير الآن… سعيدة كما لم تكن من قبل.. امسكت الهاتف وبلهفة ردت عليه وهي تقول بصوت رقيق: -السلام عليكم.. -وعليكم السلام يا روحي… جهزي يالا هنخرج سوا… اتسعت عينيها السوداء وقالت: -آدم مجاش لسه من المستشفى وممكن يرفض… ضحك وقال:
-حبيبتي انتِ مراتي دلوقتي… يعني ميقدرش… يالا جهزي عشان فيه مفاجأة حلوة مستنياكي يا مراتي… -حاضر يا جوزي.. قالتها مبتسمة بخجل ليغلق هو الخط ويسرع بسيارته نحو منزلها………….. عشر دقائق بالضبط وكانت قد ارتدت ملابسها… فستان باللون الزهري رقيق للغاية عليه خمار أزرق بلون السماء… زينت عينيها بالكحل ورطبت كفيها… نظرت برضا إلى المرآة… لقد كانت جميلة… جميلة جدا… جميلة وسعيدة… -رايحة فين يا بنت؟! قالتها والدتها متسائلة
لتبتسم ليلي بخجل وتقول: -جوزي جاي يفسحني… ضحكت حسناء وهي تهز رأسها وتقول: -والله ما بقيتي تتكسفي يا ليلي طول عمري واخدة فكرة عنك إني معرفتش أربيكي… تخلت ليلي عن خجلها وقالت: -لازم أبين قدام الراجل إني مكسوفة انتِ عايزاه ياكل وشنا… -اهو الحمدلله رجعتي لأصلك ياللي معرفتش أربيكي.. طيب ما تستني لحد ما آدم ومهرا يجوا من المستشفى… هو قال إنه في الطريق… -أنا زعلانة من آدم أصلا… مرضيش يخليني أفضل معاه وابات مع مهرا..
ابتسمت والدتها وقالت: -ولا خلي مرام كمان… هو آدم كده عنيد ومحدش يقدر يعارضه… رن جرس الباب فجأة لتقول ليلي وهي تبتسم: -جوزي جه اهو… ثم ركضت بلهفة ناحية الباب وفتحته لتتسع ابتسامتها وهي تراه أمامها…. اتسعت عينيه بإعجاب وهو يتأملها… كانت جميلة كعادتها. -اتفضل. قالتها وهي تبتسم بخجل… فولج هو إلى المنزل واتجه إلى حسناء وقدم لها باقة الورد قائلاً: -ورود لأجمل وردة شوفتها في حياتي… ضحكت حسناء وقالت: -انت نصاب يا ولا…
-الصراحة جدا… بس المرة دي أنا صادق انتِ وردة فعلاً… لوت ليلي فمها وقالت هامسة: -إيوة صح أمي تبقى وردة وأنا أبقى سجادة… -يالا يا ليلي نمشي… قالها مروان وهو يقترب منها ويمسك كفها ثم ودّع حسناء وذهب بها ……. في الأسفل فتح باب سيارته لها وقال: -اتفضلي يا روحي.. ابتسمت له وكادت أن تلج للسيارة إلا أن صوت آدم الذي خرج من سيارة الأجرة جمدها… -رايحة فين يا ليلي؟! سألها آدم وهو يربع ذراعيه.. توترت هي وكادت
أن تجيب إلا أن مروان قال: -رايحة معايا يا آدم… هخرجها شوية وهجيبها تاني متقلقش… -ومين سمحلك تاخدها… للأسف يا مروان مش هتروح معاك.. اطلعي يا ليلي فوق… -كان نفسي أسمع كلامك يا دومي بس ليلي مراتي حالياً… وطاعتي مقدمة على طاعتك يا أبو نسب ولا إيه.. ده انت اللي علمتني كده… ثم غمز له وهو يدفع ليلي إلى السيارة ويركب بجوارها ويذهب… -ابن ال.. أتمسكن لحد ما أتمكن.. قالها آدم وشبه ابتسامة على وجهه ………..
فغرت ليلي فمها وهي تنظر إلى أرجاء القصر الكبير بينما مروان يمسك كفها ويسير بها… ثم صعد بها الأدراج متجهاً بها إلى الغرف… -احنا رايحين فين؟! قالتها ليلي بتوجس ليرد هو: -اصبري يا روحي.. فتح باب غرفة معينة ثم قال: -ادخلي… كانت متوترة للغاية ولكنها دخلت الغرفة وهو دخل خلفها وترك الباب مفتوحاً… شهقت ليلي واتسعت عينيها بسعادة وهي تقول بلهفة طفل: -بيت الألعاب بتاع باربي…
ركضت نحوها وهي تتلمس البيت الخشبي الكبير نسبياً واللي أرادت دائماً أن تشتريه… قاطع لهفتها صوت مروان وهو يقول: -حلمي بيت ألعاب رأيته في الثانية عشرة من عمري ولم أتمكن من شرائه… ورأيته مجدداً في العشرين من عمري وعجزت أيضاً أن أشتريه… تجمدت ليلي وهو يقول جملتها من مفكرة الأحلام الخاصة بها… نظرت إليه لتجد نظراته تشع حباً لها بينما قال: -أحلامك دايماً هتكون أوامر يا ليلي… وأنا هفضل أحققهالك لحد ما أموت.. ده وعد مني ……………
بعد أسبوع… -عشان خاطري آخر حته يا مهرا… كلي يا حبيبتي انتي مبتاكليش كويس… يالا.. قالها آدم بتوسل وهو يطعمها رغماً عنها.. أبعدت المعلقة وهي تقول: -حبيبي بجد مش قادرة أنا أكلت كتير… انت من وقت ولادتي وانت بتأكلني زي ما أكون جاموسة… ضحكت مروة وهي تحمل حفيدتها الجميلة وقالت: -يا بنتي كلي الراجل ذات نفسه طبخلك… والله ما خلاني أمد إيدي وأساعده… ابتسمت بشرود واكملت:
-تعرفي يا مهرا.. طول عمري بدعيلك بواحد صالح يعاملك زي ما كان باباكي الله يرحمه بيعاملني والحمدلله ربنا رزقك براجل غير كل الرجال… حمل آدم الطعام ووضعه على الطاولة المقابلة وقال: -أنا عيوني ليها يا حماتي… مهرا جزء مني ازاي مقفش معاها… أكيد أنا لو تعبت أو حصلي حاجة هتعمل كده برضه… -بعيد الشر عنك يا حبيبي.. ان شاء الله تفضل منور حياتنا يا حبيبي… ابتسم وحمل الطعام ثم اتجه للمطبخ…
ما إن ذهب آدم حتى اقتربت مروة من مهرا… حاولت التكلم ولكنها كانت مترددة كثيراً. -فيه إيه يا ماما اتكلمي قلقتيني! قالتها مهرا بتوتر وهي ترى حالة والدتها هذه… كانت تشعر أن هناك شيئاً ما قد حدث… قلبها أخبرها بهذا.. ابتلعت مروة ريقها وقالت: -جدك يا مهرا… جدك تعبان أوي.. حالته ساءت أكتر من آخر مرة شوفتيه فيها..
خفق قلب مهرا برعب وهي تتذكر أنها ذهبت لزيارته قبل ولادتها بأسبوع ولكن حالته بالفعل كانت سيئة لدرجة أنه كان يعجز عن النهوض من الفراش… وهذا جعل قلبها يعتصر من الألم وهي ترى جدها العزيز بتلك الحالة الصعبة… نظرت مهرا إلى والدتها وقالت: -هو وضعه ساء أكتر من آخر مرة شوفته فيها.. هزت مروة رأسها بحزن وقالت:
-أنا حاسة إن دي النهاية يا مهرا… جدك بقى في حالة صعبة… أنا كل يوم بخاف عليه أكتر… ودايماً بيجيب سيرة الموت ومراته وأولاده الاتنين وبيقول إنه عايز يروحلهم… شهقت مهرا وابتلت عينيها بالدموع وهي تقول: -متقوليش كده يا ماما أبوس إيديكي.. أنا قلبي اتقبض… ربنا يديه العمر الطويل وميوجعش قلبي عليه… تنهدت مروة وردت:
-أتمنى يا مهرا بجد… بس حتى الدكتور مش متفائل بوضعه… رغم إن العملية نجحت بس السن برضه ليه عامل كبير… وجدك كبر وجسمه مش بيقاوم زي الأول وهو حتى مش عايز يقاوم.. مستسلم للمرض وحاسس إن دي نهايته… شهقت مهرا والدموع تنساب من عينيها… -لا لا يا حبيبتي متبكيش… مهرا متجهديش نفسك.. انتِ لسه والدة يا حبيبتي.. ياريتني ما كنت قولتلك… ارتجفت شفتي مهرا وقالت:
-وهو كمان عايز يشوفك أوي… علطول بيطلب مني ده.. بعد ولادتك كان عايز يجي بس صحته مكانتش مساعداه… وأنا وعدته بس تشدي حيلك هتروحي تزوريه انتِ ونجمة… هو كمان عايز… ترددت مروة لتكمل مهرا عنها: -عايز آدم ومرام وليلي يروحوله مش كده؟! هزت مروة رأسها لتقول مهرا: -مستحيل آدم مش هيقبل… -جدك بيحتضر يا مهرا… لازم آدم يشوفه قبل ما ربنا يأخذ أمانته… -متقوليش كده يا ماما… قالتها مهرا بصوت مختنق ودموعها تنساب من عينيها لترد مروة:
-دي الحقيقة يا بنتي للأسف… محدش يقدر ينكرها… جدك خلاص… وآدم لازم يروح ويشوفه.. لأنه لو مات جدك من غير ما آدم يديله فرصة ويسمعه هو اللي هيندم أكيد… ومن بعيد كان آدم يسمع هذا الحديث وفمه ينقبض من التوتر والانفعال… والقلق أيضاً ولأول مرة يعترف بشكل صريح إنه قلق على جابر عزام!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!