تحميل رواية «عروس رغما عنها» PDF
بقلم سوليية نصار
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الامتحان كان صعب أوي يا عادل، أنا حاسس إني هسقط. قالها أحد الأولاد والذي يبدو أنه في المدرسة الإعدادية. أخذ عادل من صديقه ورقة الامتحان والكتاب ثم ألقاها للأعلى لتسقط أرضًا وقال: يا عم فكك، المهم إننا أخدنا الإجازة. روق يا صاحبي ويلا نروح البيت ونغير عشان نلعب كورة. هز هو رأسه وسار مع صديقه، تاركًا الكتاب ملقيًا على الأرض. فجأة تقدم مراهق طويل البنية ذو عينين زرقاوين تشعان ذكاء ولهفة، يرتدي تي شيرت أسود ملطخًا بالجبس وبنطال جينز بالي. التقط الكتاب بسرعة من الأرض ثم ورقة الامتحان. ابتسم وهو ينظر...
رواية عروس رغما عنها الفصل الأول 1 - بقلم سوليية نصار
الامتحان كان صعب أوي يا عادل، أنا حاسس إني هسقط.
قالها أحد الأولاد والذي يبدو أنه في المدرسة الإعدادية.
أخذ عادل من صديقه ورقة الامتحان والكتاب ثم ألقاها للأعلى لتسقط أرضًا وقال:
يا عم فكك، المهم إننا أخدنا الإجازة. روق يا صاحبي ويلا نروح البيت ونغير عشان نلعب كورة.
هز هو رأسه وسار مع صديقه، تاركًا الكتاب ملقيًا على الأرض.
فجأة تقدم مراهق طويل البنية ذو عينين زرقاوين تشعان ذكاء ولهفة، يرتدي تي شيرت أسود ملطخًا بالجبس وبنطال جينز بالي.
التقط الكتاب بسرعة من الأرض ثم ورقة الامتحان.
ابتسم وهو ينظر إلى الكتاب بشغف محروم من حقه، حقه في أن يكون إنسانًا أفضل.
علوم! قالها بابتسامة وهو يقرأ اسم المادة. هو يعشق تلك المادة، هو يعشق كل ما له علاقة بالعلم. صحيح أنه حُرم من حقه أن يتعلم، ولكن لم يوقفه هذا في أن يستغل أي فرصة تكسبه المعرفة.
آدم تعالي هنا!
قالها كرم صاحب الورشة التي يعمل بها آدم.
نظر آدم إلى كرم وقال:
حاضر، جاي يا أسطا كرم.
ثم وضع الكتاب في حقيبة من القماش يعلقها دائمًا على كتفه وركض نحو الورشة ليكمل عمله.
عودة إلى الوقت الحالي. أمام واحدة من أكبر المشافي في مصر، كان آدم يقف وهو يطرق برأسه للأسفل.
جابر عزام في غرفة العمليات بداخل المشفى. ما زال يتذكر كيف أن مهرا كانت منهارة ومرتعبة، لذلك قرر أن يذهب معها. ولكنه لم يدخل إلا عندما تبرع بالدم قبل جراحة جابر عزام عندما أخبر الطبيب أن هناك نقصًا في زمرة دم جابر، وآدم الوحيد الذي كان مطابقًا لزمرته.
غير هذا، لم تكن لديه القدرة أن يدخل ويبقى بجوار من يدعونه جده. ما زالت هناك حواجز بينه وبين جابر عزام. حواجز لن تستطيع مهرا إزالتها.
هو يفهم مهرا جيدًا، يفهم أنها تريده أن يتخلص من هذا الحقد. يعرف جيدًا كم أن مهرا تحبه وتفكر به وبمصلحته. هي تفعل المستحيل كي تجعله سعيدًا. منذ أخبرها أنه لا يستطيع الغفران وهي لم تضغط عليه. حتى أنه لم تطالبه أن يأتي معها إلى المشفى. هو فعل هذا بإرادته. لم يكن ليتركها وهي بتلك الحالة. هو أتى هنا من أجل مهرا. من أجلها هي فقط.
في داخل المشفى، وأمام غرفة العمليات، كانت مهرا تسير بتوتر، تفرك كفيها وعيناها مبتلتين بالدموع. كانت حقًا مرعبة. لقد اقتنع جدها أخيرًا أن يجري الجراحة. ورغم خطورة الأمر اقتنع. هي تأمل حقًا أن يخرج سالمًا. لا يمكنها تخيل فقدانه، ورغم ذلك السيناريوهات السيئة ترفض مغادرة عقلها.
مهرا اهدي يا بنتي، جدك هيعدي منها بإذن الله.
قالتها مروة وهي تنظر إلى وجه مهرا الشاحب بقلق.
هزت مهرا رأسها وقالت:
يارب يا ماما، يارب. أنا هموت من القلق عليه. يارب يبقى بخير. مقدرش أتخيل إن ممكن يحصله حاجة وأنا ممكن أبقى السبب.
أمسكتها مروة وهي تقول بحزم:
مهرا! بطلي تلومي نفسك. جدك من الأول تعبان.
هزت مهرا رأسها وهي تبكي، والذنب يثقل قلبها. ما تقوله والدتها الآن أن يقلل من الشعور البشع الذي تشعر به. هي أذت جدها بكلامها السام. حتى لو أخطأ، هو جدها. لم ينبغي أن تعامله بتلك الطريقة السيئة. هي لن تنسى أبدًا أنها تسببت له بهذا.
مهرا اسمعيني يا بنتي، أنتِ مالكيش أي ذنب، لازم تستوعبي ده. جدك من الأول مريض يا بنتي وهو أهمل في نفسه.
مسحت مهرا دموعها. قالت بصوت مختنق:
عارفة يا أمي والله، بس كلامي زود عليه. أنا كنت قاسية عليه أوي. بس اللي عرفته كان صعب أوي عليا. مكنتش قادرة أستوعب إن جدي يعمل كده في آدم وعيلته. قلبي اتحرق على آدم وجرحت جدي. مكنش لازم أتكلم معاه بالطريقة دي. كان لازم أحترم إنه جدي. ولي أمري. الراجل اللي رباني من صغري واهتم بيا. أنا نسيت كل ده وجرحته يا ماما وأنا مستحيل أسامح نفسي أبدًا.
ربتت مروة على كتفها ونظرت إليها بشفقة وقالت:
اللي عرفتيه صعب يا مهرا. صعب عقلك يستوعبه يا بنتي. جدك للأسف أذى آدم وعيلته جدًا.
هزت مهرا رأسها وهي تتنهد بألم وقالت:
عارفة يا ماما. الموضوع معقد من ناحية الراجل اللي رباني ومن ناحية تانية الراجل اللي بعتبره حياتي. الراجل الوحيد اللي لمس روحي. والاتنين أنا بحبهم ومقدرش أستغني عنهم. أنا ضايعة بين الاتنين.
بس آدم مش بيمنعك إنك تشوفي جدك يا مهرا. ده هو بنفسه اللي جابك هنا واتبرع بالدم قبل العملية لما لقي نقص في فصيلة دم جدك. ومستنيكي برا. هو يعمل إيه أكتر من كده؟
أغمضت مهرا عينيها بيأس وقالت بإختناق:
آدم عمره ما هيمنعني منه. هو بنفسه قالي ما أحاسبش جدي على اللي عمله معاه. بس يا ماما إزاي بالطريقة دي؟ لما هما أهم رجلين في حياتي بينهم كم التوتر ده. آدم رافض يسامح وجدي مش بياخد خطوة حتى.
آدم صعب يسامح يا مهرا. يا بنتي الراجل عانى كتير في حياته.
هزت مهرا رأسها وهي تتفق مع كلام والدتها. هي تعرف كم عانى آدم وكم عانت والدته، ولكن تتمنى أن يزول الحقد من قلب آدم ويسامح جده ويسمح له أن يعوضه عما فعله معه.
فجأة خرج الطبيب من غرفة العمليات. ركضت مهرا بلهفة إليه وقالت:
جدي! جدي يا دكتور كويس؟
ابتسم الطبيب وقال:
أيوه يا ستي جدك كويس الحمدلله. العملية رغم صعوبتها نجحت وهو صمد والعملية تمت بسلاسة. جدك عنده عزيمة ربنا يديله الصحة. وشوية كده وهننقلُه العناية المركزة عشان نتابع حالته كويس.
الحمدلله. الحمدلله.
قالتها مهرا وهي تضع كفها على قلبها. لقد اطمأنت قليلاً.
ضمتها والدتها وقالت:
مش قولتلك يا مهرا؟ جدك هيقوم منها بإذن الله. الحمدلله يا بنتي الحمدلله.
أغمضت مهرا عينيها وهي تضم والدتها وقد انزاح حمل كبير من قلبها.
بعد قليل خرجت مهرا من المشفى وهي تتمنى أن يكون آدم ما زال بالخارج. غاص قلبها وهي تجده واقفًا أمام المشفى يربع ذراعيه وينظر للأرض بتوتر. ابتسمت واقتربت منه.
ما أن رآها آدم حتى ابتسم لها بحب. كان وجهها مشرقًا وسعيدًا. اقتربت منه ليمسك كفها ويضغط عليه وعيناه تلمعان لها بحب.
العملية نجحت يا آدم، نجحت.
الحمدلله يا حبيبتي ربنا يتم شفاؤه على خير.
قالها وهو يربت على شعرها. لتبتسم له بحلاوة وتقول:
لو عدت فترة الثمانية وأربعين ساعة دي من غير أي مضاعفات هيقدر يخرج من المستشفى خلال أربع أيام يا آدم. ادعيله.
بدعيله يا حبيبتي متقلقيش.
نظرت إليه بتردد وقالت:
آدم أنا حابة أبَات النهاردة معاه في المستشفى. روح أنت عشان تعبان وأنا.
قاطعها آدم وهو يهز رأسه. توترت قليلاً وهو يظن أنه سوف يمنعها، ولكنه قال:
أنا هبقى معاكي النهاردة. هتصل بأهلي.
أشرق وجهها بحب وهي تنظر إليه وقالت:
طيب تعالي أدخل يعني مينفعش تبقي للصبح هنا.
ربت على يدها وقال:
معلش يا حبيبتي خليني هنا. أنا مرتاح كده.
لم تجادله مهرا أكثر من هذا، بينما في عقل آدم كان يبحث عن تبرير منطقي لرغبته بالبقاء. السبب لم يكن مهرا فقط.
في عيادة الدكتور صفوت العدلي، كان مروان جالسًا على الكرسي المريح. عيناه شاخصتان للأعلى ووجهه خالٍ من المشاعر رغم الهيجان الذي بداخله. لقد أخذ وقتًا طويلاً كي يتحدث. ظن أنه غير قادر على أخذ تلك الخطوة، ولكن حياة هي من دعمته بالإضافة إلى طبيبه النفسي.
يفكر دوماً بدهشة كيف أصبح الوضع بينه وبين حياة بتلك الطريقة. لطالما كان يمقتها، كيف أصبحت مقربة منه بتلك الطريقة. ولكن بطريقة ما هما يشتركان في نفس المعاناة. نفس الذنب ونفس الحزن. هو أيضًا مريض بنفس المرض الذي بها. افتقاد الحب. حياة تفتقد الحب مثله. حياة تشعر بالضياع مثله. ارتكبت أخطاء كثيرة مثله، ولكنها توقفت فورًا وبدأت بإصلاح نفسها.
شعورها بالذنب يجعلها تبذل كل ما في وسعها لتكون إنسانة أفضل. ولكن يعلم أن حياة ما زالت تعيسة بسبب مهرا. هي ما زالت تشعر بتأنيب الضمير بسببها.
فكر كثيراً أن يخبر حياة أنه لم يلمس مهرا، ولكنه قرر تأجيل هذا الأمر. معرفة حياة لن تساعدها الآن. هي حتى لو ذهبت لمهرا وأخبرتها مهرا، لن تسامحها. الله يسامح، ولكن البشر لا. مهرا سوف تظل تحقد عليهم حتى الموت. هي لن تسامح.
هكذا فكر مروان وهو يشعر بالحزن يفتت قلبه. هو مضطر أن يعيش بهذا العذاب طوال حياته. هو لا يستحق الغفران على ما فعله. كان الأفكار السلبية تحيط به من كل اتجاه. يرى أنه لا يستحق الغفران. يرى أنه يستحق أن يعيش بتأنيب الضمير طوال حياته. وأن هذا هو العقاب المناسب له. فليس عدلاً أن يعيش سعيداً بعد كل ما فعله.
ها يا مروان مش حابب تتكلم برضه؟
قالها الدكتور صفوت بملامح هادئة.
نظر مروان إلى الطبيب وقال:
خايف افتكر وأنهار. أنا بخاف يا دكتور.
نظر صفوت إليه وقال:
بص يا مروان عشان تخف لازم تواجه خوفك ده. لازم تتكلم. اعترافك بمشكلتك هي نص العلاج. أنا كدكتور مقدرش أساعدك وأنت رافض تساعد نفسك. لازم تتكلم. لازم تواجه، أنت فاهم يا مروان؟ فاهمني كويس صح؟
نظر إليه مروان وهو يهز رأسه وقال:
أنا عارف إني لازم أواجه يا دكتور. ونفسي بس خايف أفتح القديم ومقدرش أتعافى منه.
بس أنت متعافتش من الماضي يا مروان. أنت لسه سجين الماضي بتاعك. عشان تتعافى لازم تطلع من السجن ده. لازم تحكي وتواجه خوفك.
هز مروان رأسه وهو يغمض عينيه وقال:
كان عندي وقتها سبعتاشر سنة. كنت مراهق عادي لأهل أغنياء كانت كل طلباتي مجابة. بس الأهم كان عندي الحب. أمي كانت بتحبني أوي. أمي مكانتش مجرد أم ليا، كانت حياتي وصاحبتي. أمي كانت دايماً صاحبتي اللي بتفهمني. اللي بتوجهني وأنا كنت بعمل المستحيل عشان مخذلهاش. عكس بابا تمامًا اللي مكانش موجود عشاني. كان مجرد واحد بيصرف علينا. صحيح كان باين إنه بيحب ماما بس شغله كان الأهم عنده. كان شغله أهم من أي حاجة، حتى أنا يا دكتور. حتى أمي. تخيل يا دكتور. أنا كنت بشوف الحزن في عيون ماما في كل مرة بينسي عيد ميلادها أو ذكرى جوازهم أو عيد ميلادي. كان بيحبها صحيح بس كان بيقتلها بإهماله زي ما بيعمل معايا. أحياناً بحس إنه السبب في موتها. بحس إن بسبب إهمالها ماما كانت بتزعل لحد ما ماتت.
يعني أنت بتلوم والدك على موت والدتك؟
قالها الطبيب ليهز مروان رأسه ويقول:
لا، يعني مبفكرش بالطريقة دي ولا وجهتله لوم مباشر. بس معرفش الفكرة دي دايماً بتيجي على بالي. خصوصاً بعد تعامله البارد معايا. أتمنيت كتير يعاملني كأنه بيحبني، لكن هو شايف إن مادام في فلوس خلاص.
مفكرتش إن ممكن يكون موت والدتك أثر على حياتكم خصوصاً إن تقريباً هي كانت مالية كل حياتك ووالدك. لا مكانش ليه أي دور في حياتك مثلاً.
تنهد مروان وقال:
بصراحة موت ماما غير حياتنا أو دمرها بشكل أصح. والدي وقتها انهار جداً. أنا لسه فاكر اليوم ده. فاكر اليوم اللي هيفضل مآثر فيا طول حياتي. اليوم اللي خسرت فيه حتة مني. خسرت أمي وصاحبتي وحياتي كلها.
فلاش باك.
خرج من السيارة الخاصة به التي تعيده من المدرسة واتجه إلى القصر وهو مبتهج وسعيد. لقد حصل على أعلى درجة في امتحان الإنجليزي التي أجرتها المعلمة بشكل مفاجئ. بالتأكيد سوف تسعد والدته بهذا. رغم أنه أصبح شابًا نوعًا ما في السابعة عشر من عمره، إلا أنه كان يبحث عن والدته بشيء من اللهفة كالأطفال ليخبرها بفرحته. بالتأكيد سوف تفرح.
ابتسم بسعادة وهو يتخيل كيف ستكون سعيدة ولج إلى القصر لتتجمد الابتسامة السعيدة على وجهه وهو يجد القصر في حالة فوضى. الخدم يتهامسون وبعضهم يبكي. بينما طبيب والدته يشد على كتف والده وهمس له ببضع كلمات.
بابا!
قالها مروان بصدمة ثم كاد أن يتجه لأعلى إلى غرفة والدته. لقد عرف بالتأكيد أنها غادرت. غادرت وتركته. ولكن رغم ذلك عقله أنكر هذا بقوة. والدته لا يمكن أن تتركه.
أمسكه والده وضمه إليه وقال:
مروان متطلعش.
ماما عايز أشوف ماما. عايز أقولها على درجة الامتحان. سيبني لو سمحت. ماما. ماما.
ضمه وائل أكثر وهو يبكي لينفجر الجميع في البكاء. أخذ مروان بدفع والده وقال:
بطلوا تكذبوا. بطلوا تألفوا. ماما عايشة محدش يبكي عليها. ماما مستحيل تسيبني. ابعد خليني أشوفها يا بابا. ابعد يا بابا.
الدموع تصاعدت لعيني مروان ثم بدأ بالبكاء وهو يحاول دفع والده وما هي إلا لحظات ووقع على الأرض لينهار تماماً وهو يبكي ويصرخ باسمها. لقد تركته والدته. تركته سبب سعادته. ماذا يفعل الآن!
بعد ذلك اليوم بقي مروان بالمشفى. أخذ وقتًا طويلاً كي يتقبل وفاة والدته.
باك.
خرج مروان من شروده وهو يبكي كالاطفال. يشعر أن جرحه ينزف. ذلك الجرح الذي تنساه عاد من جديد. لم يستطع نسيان والدته، لقد غادرت فجأة وتركته. لم يتقبل الأمر حتى الآن.
مروان اهدي. لو حابب توقف دلوقتي وقف.
هز مروان رأسه وقال:
اشمعنى أنا يا دكتور أعاني كده؟
استغفر الله يا ابني ده قدرها.
هز رأسه وقال بصوت مختنق:
عارف يا دكتور. وعارف إن كلنا هنموت. بس أنا مش قادر أعيش من غيرها. مش قادر. نفسي ترجع ثانيتين بس وأحضنها نفسي. أنا أحياناً بوهم نفسي إنها عايشة عشان محسش بالألم ده. كان نفسي بابا يعوضني عنها بس هو بعدني أكتر عنه. محدش كان بيحبني غيرها يا دكتور. حتى بابا محبنيش. تعرف بعد وفاتها مقدرتش أتقبل إنها ماتت. فضلت فترة أتعالج نفسياً عشان أقتنع.
طيب ما يمكن تكون دي المشكلة يا مروان.
قالها الطبيب لينتبه إليه مروان فيكمل:
المشكلة إنك مش قادر تقتنع بموت والدتك أو بتحاول تشوف بديل يحبك زيها.
هز كتفه وقال وهو يمسح دموعه:
يمكن. بس محدش حبني قدها.
يمكن تلاقي حد يحبك لما تبطل مقارنة. بص يا مروان، حب الأم مختلف تماماً عن أي حب. مدورش على حد يحبك زي مامتك. واتقبل موتها عشان ده قدر واعرف إن الموت حقيقة وكلنا هنموت. لو واجهت نفسك وبقيت صريح وغيرت مفاهيمك أوعدك إنك هتخف بسرعة.
في المساء. في بيت خطيبة علي. كان علي ينظر إلى ورد بتوتر بالغ بينما ابتسامة الخجل تزين وجهها. تبقى أسبوع فقط ويتزوجان وتبقى زوجته. ملكه وهو ملكها.
لقد فهمت أنه عانى مع زوجته القديمة. لا تعرف التفاصيل، بس تلك ملامح رجل أنهكه العشق. العشق أليس أنهكها هي أيضاً وهي تحبه منذ الطفولة وتراه ذهب لغيرها. وهي تقسم أنها سوف تعوضه عن كل ما عاشه. لن تجعله يحزن أبداً. ستكون له نعم الزوجة. سوف تعطيه الحب الذي يحتاجه. سوف يكون هو حياتها كلياً. لن تجعله يفتقد للحب. سوف تتحمل كل شيء حتى يحبها.
تنهدت بحزن وهي تفكر أنها متأكدة أنه لا يحبها، ولكنها قررت أن تخاطر بقلبها. ستتحمل حتى تخرج زوجته القديمة من قلبه. ولن تتذمر أو تطالبه بالحب حتى يحبها هو. البعض يرى أن هذا قمة انعدام الكرامة، ولكن هي تراه العشق الحقيقي. العشق الحقيقي لا يوجد به شيء يدعى الكرامة. فما فائدة الكرامة أن عاشت تعيسة دون الذي تعشقه أكثر من أي شيء في الحياة. لن تنفعها كرامتها. لذلك هي سوف تخاطر بكل شيء حتى يحبها، وسوف يحبها. هي متأكدة من هذا.
الحقيقة لم تحزن عندما ادعى إمام أهل ميار أنها تزوجها حتى يحمي. لم تغضب أنه استغلها بتلك الطريقة، بل ساعدته. ادعت أنهم تزوجا حتى تتركه ميار وأهلها بسلام. وسوف تفعل المستحيل حتى تحميه منها. سوف تفعل المستحيل حتى تقتلع الألم من قلبه وتجعله سعيداً. ولكن ورد لم تعرف أن بفعلته تلك لا تؤذي إلا نفسها. أقصى ظلم يمكن أن توقعه على نفسك أن تدخل معركة خاسرة وتتحول من فائز إلى خاسر بجدارة. تخسر قلبك وسعادتك وسلامك النفسي.
لقد أعمى الحب ورد وظنت أنه يمكنها أن تجعل علي سعيداً. ولكن أغفلت سعادتها هي. هل ستجعله سعيداً على حساب نفسها؟ أين هي من حساباتها؟ كيف يمكنها أن تهدر كرامتها بتلك الطريقة وتخسر كل شيء وتكون خاضعة لقلبها! كل تلك الأشياء كانت غائبة عن عقل ورد. الفقاعة الوردية التي تعيش بها جعلتها لا تفكر جيداً. فالقلب الآن أصبح القائد والعقل ليس لديه أي أهمية لديها.
أنا فرحانة أوي يا علي. فرحانة إن أخيراً هنبقى سوا. صدقني أنا هسعدك دايماً يا علي. أنا مش هخليك تزعل أبداً مني وهسمع كلامك دايماً و.
بس أنا مش بحبك يا ورد!
قالها علي وضميره يجـلده ثم أكمل:
أنا آسف على اللي عملته. آسف إني دخلتك حياتي يا ورد. آسف إني استغليتك بالشكل البشع ده. بس حقيقي أنا شايف إنك تستحقي حد أحسن مني بكتير. أنا منفعلش. أنا مش هديكي الحب اللي أنتِ محتاجاه. أنتِ تستحقي تتحبي يا ورد. تستحقي حد يحبك زي ما أنتِ والحد ده مش أنا.
عضت شفتيها وهي تسيطر على دموعها وقالت:
بس أنا مش عايزة حد تاني يا علي. أنا عايزاك أنت. أنا مش شايفة غيرك. أنا استنيتك كتير.
أغمض عينيه بيأس وقال:
يا ورد بس افهميني أنا.
انت افهمني أبوس إيديك. متعملش كده يا علي. حرام عليك بعد ما تديني السعادة تيجي تاخدها مني تاني. أنا بحبك أنت. أنت وبس ومش عايزة غيرك.
وأنا مش بحبك يا ورد.
قالها بإنفعال. كان يرى في ورد نفسه. غباؤها يذكرها بغبائه في الإصرار على التمسك بأشخاص لن يفعلوا شيئًا إلا أن يؤذوك.
أنا عارفة. عارفة إنك مبتحبنيش. ومش عايزك تحبني. مش عايزة. أنا هحبك بس. أنا ههتم بيك ومش عايزة أي مقابل منك. صدقني أنا هسعدك ومش هخليك محتاج لحاجة ومش هازعجك ولا أزعلك. أنا كمان مستعدة أخدم أهلك وأبقى تحت رجليك.
كانت تتكلم وهي تبكي. يائسة. حزينة. مستعدة أن تفعل أي شيء كي يبقي معها. لا يمكنه أن يتخلى عنها. هذا جنون. لقد كانت تطير من السعادة عندما خطبها. لا يمكنه أن يكسرها بتلك الطريقة. هي لن تتحمل.
علي.
قالتها بصوت مختنق ثم أكملت:
علي بالله عليك. متكسرنيش بالطريقة دي. أنت عارف أنا قد إيه بحبك. أنا رفضت ناس كتير بسببك أنت. متجيش أنت بعد ما الدنيا بدأت تبتسم لي تقفلها في وشي. متعملش كده. أنا مطلبتش منك أي حب. مطلبتش إنك تحبني. كفاية بس إني أعيش معاك وصدقني مش هطالبك بحاجة. ولو طالبتك بعد الجواز إنك تحبني طلقني يا سيدي. أنا اهو بقولك بس متبعدنيش عنك. صدقني أنا ممكن أموت فيها. أنت متعرفش أنت بالنسبالي إيه. أنت كل حياتي.
اقترب علي منها أكثر. كان يشفق عليها أكثر من أي وقت. هي تذكره بنفسه. بيأسه. رغبته أن تبادله حبيبته الحب. ورد تشبهه إلى حد كبير ومن أجلها لم يجعلها ترتكب الخطأ الذي اقترفه. لن يدخلها حياته بأنانية ويجرحها كما فعلت به ميار. لن يكون بتلك القسوة. يحب امرأة ويتزوج من أخرى ويدمر حياته وحياتها. لا هو لن يفعل هذا. لن يفعل هذا أبداً.
تنهد وهو يمسك كف ورد. ارتعدت ودموعها تنساب برقة على وجنتها. كانت تنظر إليه كالطفل عندما يريد شيئاً. تستعطفه لكي لا يتركها.
تعرفي يا ورد أكبر غلط إنك تتوقعي إنك تغيري اللي قدامك. والغلط الأكبر منه إنك تدخلي علاقة وتدي بس ومتأخديش. صدقيني من أسوأ أنواع الظلم ظلم النفس. مينفعش تظلمي نفسك معايا. الجواز مبينجحش بسبب طرف واحد بينجح بسبب طرفين. متغلطيش غلطتي لأن والله أنتِ اللي هتتأذي.
ابتسم علي وضغط على كفها وقال:
أنتِ جميلة يا ورد. والف واحد يتمناكِ بجد. تستاهلي الحب والاحترام وكل حاجة حلوة. بس صدقيني مش أنا الشخص اللي هيديكي ده كله. للأسف الشديد مشاعري كلها مش ملكي عشان أديهالك. لو بإيدي أختار اللي أحبه مكانتش هلاقي أنسب منك. بس للأسف أنا مليش على قلبي أي سلطان.
نظرت إلى الأسفل وقد شعرت باليأس. اختنق صوتها وقالت:
يعني هتسيبني يا علي.
أغمض عينيه بحزن وقال:
للأسف مفيش إلا الحل ده. وإلا لا أنا هبقى سعيد ولا أنتِ. وأنا بجد آسف إني دخلتك حياتي وأديتلك الأمل. ياريت تسامحيني يا ورد بس مقدرش أكمل وأنا عارف إني هظلمك. أنتِ متستاهليش كده أبداً. أنتِ تستاهلي كل خير.
شهقت هي وبدأت تبكي بنعومة وهي تضع كفها على وجهها. كانت يائسة. حزينة. وقد خسرته الآن. لا يوجد لها أي فرصة لتكون سعيدة. سوف تظل حزينة طوال حياتها. هذا ما فكرت به بينما قلبها يعتصر من الحزن.
كان علي ينظر إليها بحزن بالغ. الشعور بالذنب يقتله. لم يكن يجب أن يدخلها حياته، ولكن للأسف بسبب شعوره بالغضب قرر أن يدخل فتاة لا ذنب لها في حياته كي يُفهم ميار أنه استطاع تجاوزها. وهذا خطأ. خطأ كبير منه. وهو سوف يدعو الله أن يسامحه ويتمنى أن تسامحه ورد يوماً. ما فعله بها كان فظيع وهو لن يسامح نفسه أبداً.
نهض علي وقال:
بتمنى يجي يوم وتقدري تسامحيني يا ورد. أنا عارف إني آذيتك لما دخلتك حياتي وصدقيني أنا ندمان على اللي عملته. هدعيلك دايماً إن ربنا يطيب خاطرك ويديكي الإنسان اللي يستاهلك. بالنسبة للشبكة مش هاخدها دي هدية مني.
ثم تركها وغادر تبكي بحرقة.
رواية عروس رغما عنها الفصل الثاني 2 - بقلم سوليية نصار
في اليوم التالي …
"هنفضل واقفين هنا كتير؟!"
قالتها حياة وهي تنظر إلى مروان الذي يقف بتوتر وعيناه على بوابة الجامعة.
لقد شعرت بالصدمة عندما أخبرها أنه وقع في الحب.
لم تظن حتى في أحلامها أن مروان سوف يحب.
كانت تظن أنه محصن من الحب، ولكنها تيقنت تمامًا أن لا أحد محصن.
الحب يتسلل بقلبك خلسة ليسعدك أو يدمرك.
والحب دمرها.
فكرت هي بحزن وهي تجاهد كي لا تتصاعد الدموع لعيناها.
ما زال أحمد يحتل تفكيرها.
تحاول أن تنساه ونصائح طبيبها تحمسها وتعطيها الدافع كي تفعل هذا، ولكن صعب.
صعب جدًا أن تقتلعَه من قلبها بتلك السهولة.
كيف تنساه وهو قد تربع على عرش قلبها؟
امتلك مشاعرها بالكامل!
والآن تجاهد بقوة لاستعادة مشاعرها منه.
نظرت حياة إلى مروان وقالت:
"نفسي أعرف مين دي يا مروان اللي قدرت توقعك بالشكل ده. أكيد واحدة مميزة."
ابتسم بشرود وقال:
"فعلاً مميزة يا حياة. مميزة أكتر مما تتخيلي. هي أكتر واحدة مميزة قابلتها أنا في حياتي. رغم إني حاولت كتير أوقعها. بس مقدرتش. هي اللي وقعتني. أنا اللي دلوقتي بحبها وهي مش شايفاني أصلاً."
نظرت إلى حياة بحزن وهي تفكر كم أن مروان يشبهها حتى في الحب من طرف واحد.
لقد أصابتهم نفس اللعنة.
الاثنان أحبا أشخاص لا يرونهما حتى.
"مكنتش أعرف إن الموضوع كده. إن شاء الله هيجي يوم وتبادلك نفس المشاعر لأنك تستحق يا مروان."
هز مروان رأسه وهو يبتسم بسخرية وقال:
"كان نفسي أكون متفائل زيك يا حياة بس للأسف لأ. مظنش إنها ممكن تحبني ولا تفكر فيا. مظنش إنها أصلاً في يوم هتبطل تكرهني. أنا مكتوب عليا أحبها من طرف واحد. ومفيش حاجة أقدر أعملها إلا إني أجي هنا وأشوفها وبعدين أمشي. أشوفها وأستنى اليوم اللي هتروح لغيري وأنا هقف برضه أتفرج."
تألم قلب حياة وهي تنظر إليه وقالت:
"طيب إيه اللي حصل يخليها تكرهك يا مروان؟ ليه مستحيل تبقي معاك ليه؟ ما ممكن تحاول تصلح اللي عملته معاها."
"اللي بينا مستحيل يتصلح. هي مستحيل تبصلي. حتى لو هي حبتني مستحيل نكون لبعض. عيلتها هترفضني. أخوها ممكن يقتلني. آخر مرة قربت منها فيه أخوها كسرلي إيديا."
شهقت حياة برعب ليكمل هو ساخرًا من نفسه:
"عشان أبقى صريح أنا اللي غلطت. أنا خطفتها وحاولت أعتدي عليها."
اتسعت عيني حياة بصدمة ليكمل وهو يشعر بالاشمئزاز من نفسه وقال:
"عارفة إيه الأسوأ يا حياة؟ عارفة اللي بحبها؟ البنت الوحيدة اللي قدرت تدخل قلبي. الوحيدة اللي تمنيت إنها تبقي مراتي وتشاركني حياتي. اللي شاركت أمي في قلبي. تعرفي البنت دي تبقي أخت مين؟"
نظرت إليه بحيرة ليكمل بقهر:
"تبقي أخت آدم. آدم اللي متجوز مهرا. ومهرا تبقي بنت عمهم والكل يعرف أنا عملت إيه لمهرا."
صُعقت حياة وهو يخبرها بتلك الحقيقة.
واسم مهرا عندما تسرب لأذنها تسبب في انقباض قلبها.
شعرت للحظات أنها لا تستطيع أن تتنفس.
أغمضت عينيها وهي تسيطر على دموعها بصعوبة.
ما زال ذكر مهرا يجعلها تشعر بثقل بصدرها.
هي لا تصدق حظ مروان كيف أنه عشق ابنة عم مهرا وأخت زوجها.
ما هذا الحظ!
بالطبع شقيق مهرا لن يوافق أن تربط شقيقته أي علاقة بمروان.
بسبب خطأ مروان سوف يُحرم من سعادته وكم شعرت بالشفقة عليه.
"حاول تنساها يا مروان. صدقني مش هينفع. محدش هيرضى. لا أخوها ولا مهرا. هتعرف تتعامل مع مهرا إزاي. أخو البنت دي لما يشوفك هيكون شعوره إيه. نصيحة مني يا مروان حاول تنسى لأنك أنت اللي هتتأذي. البنت دي هتفضل فاكرة دايماً إنك آذيت بنت عمها. حاول تتخلص من مشاعرك دي كفاية تأنيب الضمير اللي حاسين بيه بسبب مهرا!"
تنهد مروان وقال:
"أنتِ فكراني إني محاولتش أنساها!! بالعكس يا حياة والله حاولت كتير أنسى. حاولت أطلعها من دماغي بس فشلت. فشلت تماماً أني أنسى. وتقبلت إن ده عقابي. عقابي على اللي عملته إني أحب واحدة مستحيل تقبل بيا في حياتها. واحدة بتكرهني بالشكل ده ومستحيل لا هي ولا عيلتها تقبل بيا."
لمعت عيني مروان قليلاً بما يشبه الدموع ونظر إلى حياة وقال:
"أنا عملت حاجات كتير وحشة ولازم أتعاقب صح. غير إن ليلي تستاهل حد أحسن. أنا شخص بشع. حتى لو تبت على اللي عملته. بس يظل اللي عملته موجود ومستحيل أنسى إني آذيت ناس كتير. اللي عملته مستحيل يتمسح بسهولة من حياتي. مينفعش أقرر أتوب فجأة وأتوقع إن الناس تسامحني على اللي عملته يا حياة."
"بس إحنا تبنا. وربنا بيسامح يا مروان."
قالتها بحرقة ودموعها تنساب على وجنتها وقد أحست باليأس أن مهما فعلت لا أحد سوف يتقبلها.
سوف تظل منبوذة للأبد.
حتى مهرا لن تسامحها بالتأكيد على ما فعلته.
رباه ماذا تفعل أكثر من هذا؟
ماذا تفعل لكي تحصل على الغفران؟
هل تقتل نفسها!!!
هز مروان رأسه موافقًا إياها وقال:
"الله بيسامح لأنه أكبر من أي حاجة. بس البشر مش مضطرين يسامحونا لمجرد إننا تبنا وده حقهم. مقدرش آذي شخص وأتوقع إنه يسامحني بسهولة لمجرد إني تبت. مينفعش طبعاً إيه الاستحقاق ده."
انسابت دموعها أكثر وشهقت وهي تقول بتلعثم:
"يعني... يعني مهما عملت مهرا مش هتسامحني. هتفضل طول عمرها تكرهني. عمري ما هرتَاح وأنا شايلة الحمل ده على قلبي. بفتكر في كل لحظة إني دمرت حياتها. عمري ما هرتَاح يا مروان."
"للأسف مش هترتاحي يا حياة. وده هو عقابنا أنا وأنت ولازم نتحمله. مش هنطلب من حد يسامحنا لأن ببساطة محدش هيقبل يسامحنا. الأفضل إننا نتقبل عقابنا. عقاب إنك تفضلي حاسة بالذنب ناحية مهرا وأنا عقابي أكبر بجانب إحساسي بالذنب أنا حبيت واحدة مستحيل تبقي ملكي."
هذا كان قاسي على حياة كثيراً.
شعرت بالاختناق.
كيف أن لا أحد سوف يقبلها.
هل صحيح لن تغفر لها مهرا مهما فعلت؟
الحقيقة هي فكرت أكثر من مرة أن تذهب إلى مهرا ولكنها خافت.
ولكن ما قاله مروان الآن جعلها تتحطم!!
هي لن تستطيع أن تعيش في عذاب الضمير أكثر من هذا.
سوف تموت بكل تأكيد.
لن تستطيع أن تعيش بتلك الطريقة.
لا يمكنها أن تعيش بهذا الذنب طوال حياتها.
"أنا مقدرش أعيش بالطريقة دي يا مروان أنا ممكن كده أتجنن!"
قالتها بانهيار وهي تمسح دموعها حتى بدأت تغرق وجنتيها.
تعلقت عيني مروان بليلي التي خرجت من الجامعة.
لمعت عيناه بحب لها وهو يراقبها.
يلتهم تفاصيلها مخبراً نفسه أن هذا كل ما سوف يحصل عليه.
رؤيتها من بعيد.
ثم يعود لمنزله ويتعذب وهو يدرك أنه سوف يعيش تعاسة طوال حياته.
"مروان..."
قالتها حياة باختناق كي يرد عليها ويريحها.
"أنا اتقبلت قدري يا حياة. اتقبلته بنفس راضية. يمكن ده عقاب مناسب ليا بسبب اللي عملته في بنات الناس. أنا كسرت قلب مهرا وغيرها. وجه الوقت عشان يتكسر قلبي. وليلي هي اللي هتعمل كده. هي اللي هتكسر قلبي في اليوم اللي تقرر ترتبط بحد غيري!"
"إيه أخبار جدك طمنيني؟"
قالتها حسناء بنبرة قلقة بعد أن أتت مهرا من المشفى.
كان واضح عليها الإعياء الشديد لأنها قد قضت ليلتها بالمشفى هي وآدم.
وآدم كان متعباً أكثر منها لأنه قضى ليلته خارج المشفى واقفاً مكانه.
كان يرفض بإصرار أن يدخل ومهرا لم تعلق.
هي قررت أن تترك أمر مسامحته لجده للزمن.
الزمن قادر أن يغير كل شيء.
قادر أن يشفي جروح آدم بسبب جدها.
ابتسمت مهرا بتعب وقالت:
"الحمد لله يا طنط بقى كويس حتى إنهم نقلوه أوضة العناية وحالته بتتحسن وهي مسألة أيام ويخرج."
تنهدت ونظرت لآدم وهي تبتسم وقالت:
"صحيح كان فيه عقبة قدامنا بسبب إنه فصيلة دمه مكانتش متوفرة بس آدم اتبرعلُه."
نظرت حسناء إلى آدم وهي تشعر بالفخر.
كانت السعادة بادية على ملامحها لأن ابنها استطاع التغلب على حقده وساعد جده.
هذا الأمر أسعدها لأنها عرفت أنها استطاعت تربية آدم جيداً.
ربته تربية حسنة.
وهي فخورة به كثيراً.
اقتربت حسناء من آدم وأمسكت ذراعيه ثم استطالت وقبلت رأسه قائلة:
"تربيتي فيك مراحتش هدر يا آدم. شكراً يا ابني."
نظر آدم إلى والدته بتعب.
الجميع يتوقع منه الغفران وهو حقيقة قد تعب.
لما لا يفهمان أنه لن يغفر لهذا الرجل وليس معنى أنه تبرع له بالدم أنه غفر.
لا مستحيل.
هو لن يغفر لجابر عزام ولن يتقبله في حياته أبداً.
يجب أن تفهم والدته هذا ويجب أيضاً أن تفهم مهرا هذا.
لا يريد لأحد أن يضغط عليه.
تكلم آدم بنبرة شبه باردة:
"أنا عملت ده لوجه الله. أي حد لو كان محتاج دم كنت هديله يا أمي وكله بثوابه."
ثم ولج إلى غرفته لتتنهد حسناء وهي تنظر إلى مهرا وتقول:
"معلش يا بنتي هو محتاج وقت."
ابتسمت مهرا وقالت:
"عارفة يا طنط وبراحته ياخد الوقت اللي هو عايزه. أما مش هضغط عليه ولا حضرتك كمان. آدم قلبه أبيض وهيسامح واللي حصل معاه كان صعب فأكيد محتاج وقت."
ابتسمت حسناء وهي تربت على كف مهرا وقالت:
"بالله عليكي جدك دلوقتي بقى كويس يا مهرا."
ابتسمت مهرا وقالت:
"الحمد لله صدقيني بقى بخير."
"الحمد لله يا بنتي طمنتيني. روحي دلوقتي ارتاحي ونامي عقبال ميعاد الغدا وهصحيكي."
"لا أنا هعمل…"
قاطعتها حسناء بحزم أمومي وقالت:
"قولت يا مهرا مش هتعملي حاجة. أنتِ هتروحي زي الشاطرة عشان ترتاحي يا بنتي أنتِ وشك بقى شبه الليمونة. روحي ارتاحي."
ابتسمت مهرا لها بحب وهزت رأسها ثم اتجهت إلى الغرفة.
خرجت مرام من المطبخ وهي تقول:
"هو آدم جه يا ماما."
"أيوه يا حبيبتي ودخل دلوقتي يرتاح. بعد ساعة كده حضري الغدا."
هزت مرام رأسها وكادت أن تذهب إلا أن حسناء أوقفتها وقالت:
"بت يا مرام تعالي هنا شوية."
تقدمت مرام من والدتها ونظرت إليها بحيرة لتقول حسناء:
"مش واجب برضه تزوري جدك ده عمل عملية خطيرة و…"
صمتت حسناء عندما نظرت إلى مرام ووجدت ملامحها تحولت إلى الجليد.
إذا كان آدم عنيد فمرام أسوأ منه.
قد يكون كرهها داخل قلبها ولا تنفعل مثل آدم ولكن نظراتها الباردة تلك قادرة على قتل جابر عزام في مكانه.
"يا مرام يا بنتي ده جدك."
"جدي من أنهي ناحية بالضبط يا ماما؟ جابر عزام ملوش علاقة بيا وأنا مليش علاقة بيه ولا هيكون. وإذا كان آدم هيخضع عشان مهرا براحته بس أنا لأ مستحيل أعامله كجدي في يوم من الأيام."
ضربت حسناء كفاً على كف وقالت:
"يا عيال انتوا ناويين تجننوني! فيه إيه مش عايزين تحلوا المشاكل ليه عشان مهرا على الأقل!"
"يا أمي مهرا على راسي وأنا بحبها بس أنا مبحبش الراجل ده ولا عايزة أي علاقة تجمعني بيه. هو السبب في موت بابا وأنا مستحيل أوده أو أزوره أو تربطني بيه أي علاقة. فمتحاوليش معايا ممكن يا أمي لو سمحتي."
"ياربي هتموتوني والله يا بنتي ده زيارة المريض واجب."
"لما يكون المريض يخصني يا أمي. أنا هزور واحد ميخصنيش ليه."
قالتها مرام ببرود ثم انسحبت إلى غرفتها وهي تشعر بالضيق من إصرار والدتها على تقريبهما من جابر عزام.
هزت حسناء رأسها وقالت:
"والله ما حد هيموتني غيرك يا مرام. ربنا يهديكي."
في غرفة آدم ومهرا.
أخذ آدم ملابسه كي يذهب إلى الحمام ويأخذ دوش.
توقفت مهرا أمامه فقال وهو يرفع حاجبه:
"عايزة إيه يا بت انتِ."
ضحكت مهرا وهي تجذبه إليها ثم تقبله على شفتيه بسرعة:
"دي عشان اتبرعت بالدم لجدي."
ضحك وقال:
"يا ستي لو المكافأة كده اتبرع كل يوم."
ضحكت مهرا وهي تعانقه.
ضمه آدم إليه وقال:
"طيب وبالنسبة إني بقيت للصبح برا المستشفى مستنيكي مفيش أي مكافأة للجهد ده."
ضحكت مهرا وهي تقول بتلاعب:
"لا يا دومي ده بس مكافأة التبرع بالدم."
"خلاص يا ستي أروح بكرة لجدك. وأشوف لو محتاج دم تاني أتبرعلُه يمكن أتكافئ تاني."
ضحكت مهرا بقوة وشاركها هو الضحك.
في اليوم التالي.
في شركة سامر.
كان يجلس وهو يشعر بالهم.
لا يركز أبداً بعمله.
ما زالت هي تحتل عقله بشكل غريب.
قلبه يعتصر بقوة.
يشعر بالإختناق وكلمة الطلاق مازال صداها موجود في عقله.
لم يتخيل أبداً أن يشعر بالرعب عندما تقرر كارما تبتعد عنه.
كانت جادة.
حقا جادة كلياً.
تريد الابتعاد عنه.
تريده أن يتركها للأبد.
هل يسمح بهذا؟
هل يطلق سراحها بما أنه فشل في أن يحبها.
هل يخاطر ويخسرها هي أيضاً.
ليكون صريحاً ما زالت مرام تحتله.
ما زال يشتاق إليها ولكن فكرة الابتعاد عن كارما تقتله.
هو لا يريد أن يبتعد عنها.
لقد اعترف بهذا.
هي زوجته.
والدة طفله.
يعلم أنه قال لها كلام قاسٍ جداً وهو ليس فخوراً بما فعله ولكنه يصر على إخراجه من حياتها وحياة طفلها وهذا ليس عدلاً.
هو طلب فرصة أخرى.
لقد كاد أن يتوسل إليها ولكنها ما زالت مصرة على عنادها.
ما تفعله به حقاً سيء للغاية.
كارما تدمر ما بينهما بكل سهولة.
تريده أن يطلقها ويبتعد كيف أصبحت عنيدة لتلك الدرجة ونسيت حبه.
كيف للمرأة التي أحبته بكل تلك القوة تنبذه من حياتها الآن.
كل تلك الأسئلة كانت تدور في عقله وتنهكه.
نهض بضيق من مكتبه واتجه لنافذة مكتبه مال برأسه ووضعه على الزجاج.
كان منهكاً.
مشتتاً وحزيناً.
لقد خسر كل شيء في حياته.
تخلى عنه الجميع.
اختنق وهو يتذكر حديقه الأخير مع كارما.
يتذكر لمعة الإصرار بعينيها.
كان يقف متجمداً بعد كلمتها تلك.
طلاق.
أي طلاق هذا؟
هل تريد أن تقصيه عن حياتها للأبد.
"أنتِ بتقولي إيه يا كارما؟"
قالها سامر وهو يشعر بالصدمة منها بينما هي تنظر إليه ببرود.
رغم الألم الذي يحتل قلبها إلا أنها رفضت أن تظهر له ألمها.
لقد آذاها سامر بما فيه الكفاية وهي لن تسمح له أن يتلاعب بها مجدداً هذا يكفي.
يكفي ما فعله.
هي لن تخاطر بقلبها وبطفلها من أجل هذا الرجل مهما حدث.
ستبتعد عنه وتربي طفلها جيداً.
لن تدعه يحتاج إلى شيء.
ستعطيه الحب والحماية.
ستعلمه أن له كرامة واحترام للذات.
ستعلمه ما فشلت والدتها في تعليمها إياه.
"إيه الغريب يا سامر بقول عايزة أطلق. أظنك عارف كده كويس. عايز الطلاق يتم بهدوء مش عايزة أي مشاكل ولا محاكم. زي ما دخلنا بالمعروف نخرج بالمعروف وأنا متنازلة عن كل حقوقي مش عايزة حاجة."
اشتعلت عيناه بالغضب وامسكها من ذراعها ثم قربها منه وهو يقول بنبرة تغلي من الغضب.
"أنتِ أكيد اتجننتي صح؟ طلاق إيه!!! أنا عملت إيه لده كله؟ ليه المعاملة دي. ليه مش قادرة تسامحي. ليه."
دفعته وهي تصرخ قائلة:
"ولسه بتسأل؟ حقيقي يا بجاحتك. بعد ما اللي عملته فيا بتقول عملت إيه. أنت إيه معندكش إحساس."
تصاعدت الدموع في عينيها وانسكبت وهي تنظر إليه بكراهية.
لا تصدق مدى أنانيته.
"كارما."
قالها محاولاً تهدئتها إلا أنها صرخت وهي تدفعه:
"لا لا إياك تلمسني. أنت فاهم. إياك!!! أنت دمرت حياتي. دمرتني يا سامر. خليتني أكره الحب. أكره ضعفي وأكره نفسي لأني حبيتك. أنت بذلت مجهود جبار عشان تحسسني إني ولا حاجة وبرافو أنت كسبت. أنا حاسة إني فعلاً ولا حاجة. مجرد واحدة فاشلة مقدرتش تنسيك مرام. واحدة كانت تسمعك بتهينها وتسكت عشان بتحبك. اتحملت معاملتك الزفت ليا كأنك بتعاقبني عشان خسرت مرام. واللي رافض تعترف بيه يا سامر إنك خسرت مرام بسبب أنانيتك بس. أنت اللي اتخليت عنها. أنا مليش ذنب. ذنبي الوحيد إني رضيت إني ارتبط بيك بعد ما سبت صاحبتي وخسرتها. ذنبي إني رضيت لنفسي الذل. سمحت ليك تهيني. بس صدقني ده انتهى يا سامر انت انتهيت من حياتي الحمد لله. دلوقتي أنا مليش إلا ابني ومتخافش أنا مش وحشة لدرجة إني أحرمك من ابنك. تقدر تشوفه وقت ما تحبه لكن متتوقعش مني إني أرجعلك. أو أسمح ليك تفضي غضبك فيا أنا. لو سمحت أخرج من حياتي. أنا مش عايزة أشوفك تاني. ورقة طلاقي توصلني بهدوء واللي هيبقى بيننا يا سامر هو ابننا وبس."
"ولو مطلقتش!"
ابتسمت ببرود وقالت:
"بسيطة أرفع عليك قضية. بس أنت يا سامر للدرجة دي معندكش كرامة عشان تتمسك بواحدة مش عايزاك!!!"
ضم كفيه وهو يسيطر على غضبه الذي بدأ في الاشتعال.
وقرر أنه من الأفضل أن يذهب الآن قبل أن يندم على ما سيقوله أو يفعله!!!
خرج من شروده وهو يشعر بالحزن على ما وصل إليه.
كارما أخرجته تماماً من حياتها ولا يوجد ما يفعله.
هل يذهب ويترجاها.
هذا صعب جداً عليه.
هو لن يفعل هذا بكل تأكيد!!
في منزل كارما.
كانت تقف تحت صنبور المياه تأخذ دوش.
ترفع رأسها لأعلى وتسمح للمياه أن تنساب على وجهها.
كانت مغلقة عقلها تماماً لا تريد أن تفكر فيما حدث منذ آخر لقاء بينها وبين سامر.
لقد انتهى سامر من حياتها والآن يوجد الأهم لكي تفكر به.
طفلها.
طفلها الذي أعطاها الأمل لتكمل حياتها التعيسة تلك.
طفلها هو النقطة المضيئة في حياتها وهي سوف تفعل المستحيل كي تربيه جيداً!!
أغلقت الدوش ثم أخذت المنشفة وجففت نفسها جيداً ثم بدأت بارتداء بيجامتها الوردية البيتية.
قررت عدم الذهاب للعمل اليوم وأن ترتاح هذا بالطبع بعد أن أخذت الإذن من صاحب الصيدلية الذي أشفق لحالتها وقرر التعاون.
ارتدت منامتها أخيراً ثم كادت أن تخرج من الحمام ولكن لم تنتبه لتلك المياه التي تملأ الأرضية الناعمة والتي نتجت من استحمامها لتنزلق ساقها وتصرخ بقوة ثم تسقط على الأرض ويصطدم رأسها بحافة البانيو.
فتفقد الوعي!!!
مرت عدة دقائق لتفتح كارما عينيها وهي تشعر بالدوار.
تأوهت وهي تشعر بألم عنيف أسفل بطنها:
"ابني... ابني..."
قالتها كارما وهي تبكي بعنف ولا تستطيع النهوض.
نظرت إلى الصالة وهي تتذكر أنها تركت الهاتف بالصالة ولحسن الحظ كانت قد تركت باب الحمام مفتوحاً بما أنها بمفردها بالمنزل.
زحفت بصعوبة ناحية الصالة بعدما فشلت نهائياً في أن تنهض!
أخيراً وصلت للمنضدة التي عليها الهاتف وهي تبكي بينما الدماء لطخت الأرضية.
أمسكت الهاتف ثم اتصلت به.
الوحيد الذي سوف ينجدها.
رن هاتف سامر وهو واقف أمام النافذة ليخرجه من جيبه بملل ولكن الملل تحول إلى تحفز وهو يرى اسمها.
رد بسرعة ولهفة قائلاً:
"كارما!!!"
"سامر... سامر الحقني أنا وقعت. ابني يا سامر... ابني... تعالي بسرعة. أنت عارف هتلاقي المفتاح فين."
بهت وجه سامر ولكن بدأ بالخروج من مكتبه وهو يركض بطريقة أثارت ريبة موظفينه بالشركة.
"كارما... كارما حبيبتي أنا جاي."
ما هي إلا عشر دقائق وكان سامر قد وصل بسبب قيادته المتهورة.
ركض داخل البناية حتى وصل إلى شقة كارما.
أخذ المفتاح الاحتياطي من أصيص الزرع بجانب شقتها وفتح الباب.
صرخ بقوة وهو يجدها واقعة على الأرض.
فاقدة الوعي ودمهاؤها على الأرض.
في المشفى.
نقلها سامر بسرعة إلى هنا وانتظر ساعة إلا ربع وهو يشعر بالقلق ينهش قلبه.
أخيراً خرج الطبيب من غرفة العمليات.
اقترب سامر منه بلهفة ليقول الطبيب:
"الحمد لله هي كويسة. قدرنا نسيطر على النزيف بس للأسف فقدنا الجنين ربنا يعوضك!!"
كان يقف بسيارته أمام منزلها كالمعتاد.
البراكين كانت تشتعل داخله الأيام السابقة وهو يراها تخرج معه كالعادة.
تستقل حياة سيارته ويذهبون إلى بناية ما.
يكاد يفقد عقله وهو يتخيل أسوأ السيناريوهات في عقله.
لا يفهم ما الذي بين حياة وبين مروان.
وكيف اجتمعا من جديد.
غيرة قاسية احتلت قلبه.
تجعله يرغب بقتل مروان هذا ولكن بأي حق.
كيف يطالب بحقه في حياة وهو الذي تركها بأسوأ طريقة.
كيف يحاسبها وهو من خانها.
والسؤال الأقسى لماذا يراقبها.
لماذا يغار.
هل أصابته لعنة العشق معقول.
هل سيعاني الآن.
هل انقلبت اللعبة التي بدأها هو.
هل أصبح فعلياً الضحية.
تلك الأسئلة كانت تدور في عقله.
تلك الأسئلة تنهكه.
ترعبه!!!
يخاف أن يصاب بتلك اللعنة.
هو لا يريد أن يواجه ما واجهته حياة.
أغمض عينيه وقرر أن يذهب لن يراقبها اليوم بل سيحاول بأي طريقة أن ينساها.
وما كاد أن يذهب بسيارته ولكنه تجمد وهو يراها تخرج من البناية.
غاص قلبه في صدره وهو يتأملها جيداً.
ترتدي قميصاً من الحرير أزرق وبنطال أسود.
شعرها البني الذي استطال قليلاً تركته حراً ونظاراتها التي تخفي ملامحها كانت مستقرة فوق رأسها وتحمل حقيبتها السوداء.
تبتسم ابتسامة رائقة بينما تشير بكفها إلى مروان الذي أتى للتو بسيارته.
اشتعلت عيني أحمد بالنار وهو يراه.
ذلك المزعج كم يكرهه.
هل كُتب عليه أن يأخذ مروان كل امرأة في حياة أحمد.
أولاً مهرا ثم حياة!!!
كان يرتعش من الغضب.
جل ما كان يريده الآن هو أن يحطم رأس ذلك المدعي مروان.
أخذ يتنفس عدة مرات حتى يهدئ نفسه.
هو لا يريد أن يتهور وأن تتهمه حياة بالغيرة.
يجب أن يحافظ على صورته أمامها.
انتظر وهو يراقب حياة وهي تستقل سيارة مروان.
تجلس بجانبه.
الشيطان كان يعبث بعقله.
كان يخبره أن بالتأكيد هناك علاقة مشبوهة بين حياة ومروان وذلك الخاطر جعله يكاد يجن.
هو لا يتحمل هذا.
لا يتحمل مجرد التفكير أن هناك أي علاقة بينهم.
غيرة أو تملك لا يهم.
جل ما يعرفه أن تلك الأفكار تمنعه من النوم ولذلك لابد أن يضع حلاً لتلك الأفكار.
يجب أن يتخلص منها.
من ناحية أخرى.
جلست حياة بجوار مروان وقالت بسعادة:
"أول مرة أتحمس كده وأنا رايحة للدكتور."
ابتسم مروان مبتهجاً لتحسنها.
في الواقع بعد ما قررا الاثنين أن يواجها مخاوفهما ويتكلما بدآ يتحسنان.
وهذا يسعده.
يجعله يثق أنه سوف يكون بخير قريباً.
"وبصراحة أنا كمان."
"إيه رأيك نحتفل بمناسبة إننا بدأنا نتعافى النهاردة تحب نروح فين."
تردد مروان.
لم يرد أن يحرجها وقال بتوتر:
"طيب ممكن نأجل الموضوع شوية يا يا حياة. أنا النهاردة ورايا حاجات مهمة جداً بعد الجلسة وحابب…"
ابتسمت حياة بخبث وقالت:
"رايح ليها صح؟ ها قول."
"هروح ليها كالعادة أبصلها من بعيد بس مش هتكلم معاها."
قالها وهو يتنهد.
لا يعرف هل قراره صح أم خطأ.
هل صحيح قراره أن يظل في الظل هكذا دون أن يحدثها أو يعترف.
هل سيترك سعادته تتسرب من بين يديه ولكنه كان متيقناً تماماً أن ليس من حقه أن يكون سعيداً بعد كل ما فعله معهما.
هو مصمم أن يتعاقب بحب ليلي.
هذا عقاب مناسب!
ابتسمت حياة بحزن غريب وهي ترى الصراع البادي على وجه مروان.
تعرف أن هذا صعب عليه.
أن تعشق من طرف واحد بحد ذاته لعنة.
هي تعرف كم أن شعور الحب من طرف واحد قاسي للغاية.
ألم تحب أحمد وذاقت عذاب الحب.
كم أن ارتباط مروان بتلك الفتاة مستحيل.
هي قريبة مهرا وأخت زوجها.
مهرا.
مهرا من كانت صديقتها وهي طعنتها بعنف في ظهرها وكل هذا من أجل رجل.
حياة لن تسامح نفسها أبداً على ما فعلته.
ذلك الذنب سيظل يطاردها حتى تموت.
فكرت بحزن.
كم تريد أن تذهب لمهرا وتعتذر منها ولكن ليس لديها الجرأة.
كيف تذهب لتلك التي سلمتها ببساطة إلى مروان.
كيف ستنظر لعيناها.
تلك الأسئلة كانت تدور بعقلها.
صمت مروان وهو يراقب تعاقب الانفعالات على وجه حياة.
وعرف فيما تفكر.
ذنبها المشترك.
ربنا لو أخبر حياة أنه لم يلمس مهرا هل سترتاح.
ولكن ما يفيد إخبارها بالحقيقة.
رغم أنه لم يلمس مهرا ولكن ما فعله مع مهرا كان بشع جداً.
ما فعله معها لا يمكن مغفرته.
فكر بهم وهو يقود سيارته بينما بدأ أيضاً أحمد بقيادة سيارته لي.
رواية عروس رغما عنها الفصل الثالث 3 - بقلم سوليية نصار
تجمدت مكانها وهي تسمعه ينطق بتلك الكلمات.
للحظات ظلت مبهوتة، لا تصدق ما تسمعه.
وقالت:
- عيد تاني قولت إيه؟
تنهد مروان وقال:
- قولت إني ملمستش مهرا، والله ملمستهاش يا ليلي. صحيح حاولت ورتبت كل حاجة عشان أعمل كده بس مقدرتش. أنا مأذيتهاش في الليلة دي.
اتسعت عيني ليلي وهي تنظر إليه. كانت لا تصدق إلى أي مدى وصلت حقارته.
- يعني أنت ملمستهاش وأوهمتها ده كله إنك اغتصبتها!
نظر مروان للأرض وهو يشعر بالخجل من نفسه. لم يستطع أن يبرر لنفسه أو أن يتكلم حتى، بينما يشع من عيني ليلي الكره. الكره لهذا المختل عقليًا.
توتر مروان وقال:
- أنا عارف إني غلطت.
- عارف إنك غلطت؟ لا كتر خيرك والله، كويس إنك عارف. ويا ريت تعرف كمان إن الكلام الفارغ اللي بتقوله مش هيحصل. أنا مستحيل أبصلك، مستحيل أفكر فيك. أنت شيطان، شيطان وهتفضل دايما كده.
ابتلع ريقه وقال:
- ليلي أنا عايز بس فرصة وهتغير.
- أنت مجنون. فرصة إيه اللي أديهالك يا مختل عقليًا؟ أنت إنسان بجد مش طبيعي، والأفضل تعرض نفسك على دكتور نفساني يعالج الخلل اللي عندك وتنسى قصة إني أبصلك من الأساس.
لمعت عينيه فيما يشبه الدموع لتكمل هي بقسوة:
- مستحيل أفكر في شيطان زيك. بتأذي البنات عشان تعوض النقص اللي عندك، لأنك إنسان ناقص ومريض. أنت إزاي تتجرأ أصلاً وتفكر إني ممكن أحبك بعد اللي عملته معايا ومع أخويا؟ اسمعني كويس، وديني لو شفتك قريب مني هقول لآدم يقتلك عشان نخلص منك ومن شرك ده.
ثم تركته وغادرت وقد قتلت الأمل داخله.
تصاعدت الدموع لعينيه وهو يشعر بألم كبير في قلبه، يشبه ألم فقدانه لوالدته. وكأنه فقد آخر فرصة للحياة، فقد آخر فرصة ليكون سعيدًا.
بعد نصف ساعة.
دخلت ليلي المنزل وهي تبحث عن مهرا حتى وجدتها تقف في المطبخ بمفردها، وكانت تلك هي الفرصة الوحيدة لكي تتكلم معها.
اقتربت ليلي منها وأمسكت كفها. نظرت إليها مهرا بحيرة وقالت:
- فيه حاجة يا ليلي ولا إيه؟
كانت ليلي تنظر إليها. ابتسمت مهرا وقالت:
- مالك بتبصيلي كده ليه؟
- مهرا، مروان مش اعتدي عليكي. هو ملمسكيش أصلاً.
- عارفة!
قالتها مهرا وهي تبتسم براحة. ولكن ابتسامتها اختفت وقالت:
- وانتِ عرفتي منين يا بنت أنتِ؟
- هو اللي قالي كده.
- مروان!
قالتها مهرا بصدمة ثم أكملت:
- ومروان شافك فين؟
ارتبكت ليلي وقالت:
- جالي الكلية وقالي كده.
توترت مهرا وأمسكت كف ليلي وقالت:
- اسمعيني يا ليلي كويس، ابعدي عن البني آدم ده. ده واحد مختل عقليًا وممكن يأذيكي.
ابتسمت ليلي وقالت:
- متقلقيش عليا يا مهرا، أنا النهاردة اديته اللي فيه النصيب. أوعدك مش هيقدر يقرب مني تاني. المهم أنا فرحانة أوووي باللي سمعته، الحمد لله يا مهرا.
ثم ضمتها إليها وقالت:
- ربنا يحميكي دايما.
ابتسمت مهرا بسعادة وعينيها ابتلت بالدموع بسبب الحب الشديد الذي تحصل إليه.
فجأة حاوطهما آدم وعانقهما وقال:
- نفسي أعرف الحب الغريب اللي بينكم. أنا بدأت أغار!!!
ضحكا سويا وكل منهما ينظر للآخر.
- ابعد… ابعد يا بني آدم أنت ونزلني!
صرخت حياة وهي تضرب على ظهر أحمد بينما هو يلج بها إلى شقته وشقتها سابقًا.
لا تصدق ما فعله، لقد اختطفها فعليًا من المقبرة وأدخلها سيارته قسرًا ثم أتى بها إلى هنا.
لم تكن تصدق وقاحته، كيف يجرؤ ويعترض طريقها مرة أخرى؟ ألا يكفي ما فعله بها؟ ألا يكفي أنه دمر حياتها، سرق أموالها؟ ماذا يريد أيضاً؟ هل يريد أن يقتلها، يسلب روحها؟
كادت حياة أن تجن بسببه.
وضع أحمد حياة على الأرض وهو ينظر إليها ببرود. رفعت كفها لتصفعه ولكنه أمسك كفها وقال:
- اهدي يا حلوة، والأفضل متمديش إيديك لأكسرها. جاوبي على أسئلتي عشان تمشي من هنا بهدوء ومش عايز أي عناد، فاهمة ولا لأ؟
دفعته وهي تبتعد عنه وتصرخ:
- مش هجاوب على أي أسئلة وياريت تغور من هنا. خلاص مش عايزة أشوفك. ابعد بدل ما أبلغ البوليس عندك وأقول إنك خطفتني.
ابتسم بسخرية وقال:
- لا خوفت… بجد خوفت منك يا حياة.
نظرت إليه بعصبية وقالت:
- ابعد عني يا أخي، ابعد خلاص. حرام عليك، عايز إيه تاني؟ عايز تموتني؟
- قولتلك هو سؤال واحد بس، وبعدين امشي براحتك. إيه بينك وبين مروان؟
قالها بينما عينيه السوداء تبرقان بعنف أخافها.
حاولت السيطرة على جمود وجهها رغم المشاعر التي تعصف بها من الداخل وقالت:
- ملكش دعوة يا أحمد.
اقترب منها ثم جذبها إليه وهو يلوي ذراعها خلف ظهرها ويقول ببرود مخيف:
- هسألك تاني، والأحسن لك تجاوبي. إيه بينك وبين مروان؟
كانت تنظر إليه بصدمة وهي تحاول التحرر منه وتقول:
- قولتلك ملكش دعوة. ملكش حق تعرف بعد ما سبتني يوم فرحنا. ابعد عني، أنت اتجننت!
كانت محقة. يشعر أنه مجنون. هو يحتقرها، خدعها وتركها ليلة زفافها. إذن لماذا تنفجر البراكين داخله عندما يراها مع مروان؟ لماذا هذا الشعور الغريب بالتملك تجاهها؟ كأنه حقًا يحبها. هو لا يفهم، حقًا لا يفهم.
كانت نظراته تتغير، من نظرات الغضب، لنظرات أخرى أخافتها.
رباه لو حدث ولمسها الآن، سوف تنهار. هي غير محصنة أمامه بالكامل. ولكنها استحضرت في بالها كلمات طبيبها النفسي.
وعندما وجدته يقترب بوجهه منها، انحرفت قليلاً ثم غرست أسنانها في وجنته تعضه!
صرخ أحمد بألم ولكنه لم يتركها، لتضرب هي بكعبها العالي قدمه فصرخ بألم أكبر وتراجع تاركًا إياها.
وبكل الغل الذي في قلبها من جهته، وجهت ضربة نحو ساقه وقالت:
- دي عشان متتجرأش وتلمسني تاني.
ثم ركضت من أمامه ناحية باب الشقة وحاولت أن تفتحه لكي تخرج من المكان، ولكن يبدو أن الباب موصد بالمفتاح.
صوت رنين المفتاح جعلها تستدير وتنظر بأعين متسعة لأحمد الذي يغطي تعابير وجهه الألم، ولكن رغم ذلك قال بتسلية وهو يمسك المفاتيح:
- يا خسارة يا حياة، يظهر إنك مش هتقدري تطلعي من هنا إلا برضايا!
اقتربت منه وهي تحاول أن تأخذ المفتاح ولكنه وضعه بسرعة في جيبه وهو يكتفها بذراعيه، بينما شفتيه تقترب من شفتيها ويقول:
- جاوبي على سؤالي يا حياة، وإلا أنا مش مسؤول عن اللي هعمله دلوقتي.
كان يتنفس بسرعة وهو ينظر إليها، يشعر بقلبه يهدر داخل صدره.
بينما حياة شعرت بالضعف يغزوها وهي تراه بهذا القرب. انساقت دموعها وهي تقول بضعف:
- أحمد أبوس إيديك سيبني، سيبني!
ولكن أحمد لم يتركها بل اقترب منها وهو يمتلك شفتيها وشعر أنه ينصهر بها. الدموع انفجرت في عينيها بينما تستقبل قبلاته بضعف غير قادرة على إبعاده.
فجأة تذكرت مشهدًا لها، مشهدها بفستان الزفاف وهي تنتظر عريسها الذي لم يأتِ!
قررت أن تخدعه كي تهرب من هنا.
بادلته قبلاته ليتركها هو ويمرر كفيه على ذراعها. انسلت كفها إلى جيبه وأخذت المفتاح دون أن يشعر، ثم ضربته في ساقه بعنف أكبر من ذي قبل ليتراجع وهو يتأوه بقوة.
لم تضيع هي وقتها وذهبت إلى الباب وفتحته وخرجت.
ارتعش جسد ليل وهي ترى النيران التي تشتعل بعيني أنس. كان غضبه مخيفًا فعليًا، وعرفت وقتها أنها قد تجاوزت حدودها كثيرًا. كان الغضب الذي تراه على وجه أنس غضبًا مخيفًا. أول مرة تراه غاضبًا لتلك الدرجة.
- ا… انس…
قالتها ليل بتلعثم وهي تنتفض من الرعب.
- أنا مش…
كانت الكلمات تتهاوى من شفتيها وهي ترى غضبه المخيف. ابتلعت ريقها بينما هو يقترب منها كوحش على وشك التهام فريسته.
وصل أنس إليها ثم أمسك ذراعها بعنف حتى كاد أن يحطم عظامها. تألمت ليل وتأوهت وهي تحاول أن تسحب ذراعيها منه ولكن دون جدوى.
غزاها الرعب أكثر وهي ترى وجهه الخالي تمامًا من المشاعر.
- أنس… سيب إيدي، أنت بتوجعني!
قالتها ليل بتألم وهي تشعر أن عظامها سوف تتحطم بفعل قسوة كفه.
كانت النيران تشتعل بعيني أنس وهو يقول بصوت عنيف:
- دادة لو سمحتي طلعي ملك أوضتها.
هزت نعمة رأسها وهي تسحب ملك التي كانت تنظر لوالدها بخوف. إنها المرة الأولى الذي تراه غاضبًا لتلك الدرجة.
خافت ليل على نفسها وهي تجده غاضبًا لتلك الدرجة.
رفع أنس يده الأخرى ثم أمسك فكها بعنف وهو يضغط عليه حتى شعرت أن أسنانها سوف تتكسر.
تصاعدت الدموع لعينيها ليقول هو بصوت عنيف:
- تعرفي قادر أضربك دلوقتي وأكسر عضمك كله، والله أنتِ تستاهلي الضرب. لكن للأسف متعودتش أمد إيدي على ستات. عايزة تبعدي بنتي عني يا ليل… ده في أحلامك. وبالنسبة للاتفاق اللي بينا، بليه واشربي ميته. صدقيني هعمل المستحيل عشان ملك تكون معايا وساعتها لا أنتِ ولا أمك هتشوفوها.
دفعها بعنف وقال:
- من النهاردة ممنوع تدخلي البيت ده لا أنتِ ولا الست الوالدة، وبيني وبينكم هتبقى المحاكم وبس.
ثم جذبها مرة أخرى خارج الفيلا الخاصة به ودفعها للخارج حتى سقطت على الأرض بعنف وقال:
- فؤاد وصل الهانم برا الفيلا، ولو شوفتها دخلت بيتي تاني اعتبر نفسك مطرود!
نهضت ليل وانسابت دموعها من عينيها وهي تشعر بالإهانة من فعلة أنس. لم تكن تصدق أن أنس الراقي سوف يتصرف معها بتلك الطريقة. لطالما كان هادئًا ويتعامل برقي، ولكن الغضب الذي تراه الآن مخيف. وهي تعرف تأثير من هذا.
رفعت رأسها وعينيها الخضراء تبرق بغضب وقالت:
- يظهر إن حبيبتك اللي جاية من العشوائيات خليتك لوكال يا أنس.
غضبه تضاعف وهو يقترب منها. تراجعت ليل وهي تظن أنه سوف يضربها، وبالفعل رفع يده ليصفعها ولكن توقف في اللحظة المناسبة.
وقال وهو يكز على أسنانه:
- لو جبتي سيرتها مرة تاني، أقسم بالله يا ليل لأقتلك. وأنا بنفسي هطردك يا ليل.
جذبها من ذراعها وهي تصرخ به. انفتحت البوابة آليًا عندما اقترب أنس منها ثم دفعها للخارج وقال:
- لو جيتي هنا تاني أنا هكسرلك رجلك. فاهمة ولا لأ!
ثم ولج للفيلا وهو غاضب وتركها تنظر إلى أثره وهي تبكي بشدة. لا تصدق كيف انفجر في وجهها.
كانت ملك جالسة في غرفتها. وجهها الصغير يحتله الحزن. كلمات ليل المسممة تسيطر على عقلها. هل من الممكن أن أنس لن يحبها إن تزوج؟
- ملاكي.
ارتجف جسدها وأنس يهتف باسمها.
نظرت ملك إليه وما زال الحزن يسيطر عليها. اقترب أنس منها وضمها بقوة وهو يقول:
- كل الكلام اللي قالته مش حقيقي يا ملك.
لم ترد ملك ليبتعد أنس عنها ويمسك ذقنها ويقول:
- ملك أنتِ بنتي، أنا اللي ربيتك، وهتفضلي دايما بنتي اللي بحبها. جوازي من مرام مش هيغير ده أبدًا. فاهمة ولا لأ؟
ابتسمت له وقالت:
- فاهمة يا بابي.
- حبيبة بابي.
قالها وهو يضمها بقوة وفكر أن اللعب الآن أصبح على المكشوف وهو يجب أن يتصرف.
في المساء.
كانت كارما شاخصة عينيها للأعلى، تضع كفها وهي تشعر بالخواء. لقد فقدت ابنها، فقدت أملها في تلك الحياة.
تصاعدت الدموع لعينيها وشهقت وهي تبكي. قلبها يعتصر من الألم. تريد الصراخ والبكاء بصوت عالٍ، تريد تحطيم العالم كله ولكنها متعبة، منهكة للغاية لدرجة أنها لا تقوى على النهوض.
ولج سامر إلى غرفتها ونظر إليها بحزن. منذ أتى بها من المستشفى وهي صامتة بتلك الطريقة الغريبة. تبدو وكأنها انفصلت عن العالم كله.
الطبيب نصحه أن يعرضها على طبيب نفسي عندما استقبلت موت طفلها ببلادة.
سامر يشعر حقًا بالخوف عليها، يخاف عليها أن تخضع لخطر الاكتئاب. لذلك قرر أن يفاتحها في أمر الطبيب النفسي، وسوف يبقى معها وأن يبتعد عنها حتى لو طلبت هي منه هذا. لن يبتعد عنها، سوف يكون بجوارها.
- كارما.
قالها بتردد وهو يشعر بالتوتر ولكنها لم ترد عليه. اقترب أكثر منها وقال:
- كارما مينفعش اللي بتعمليه ده، وحدي الله يا حبيبتي.
نهضت وهي تنظر إليه بكره. مسحت دموعها وهي تغلي من الغضب بسببه وقالت:
- أنت بتعمل إيه هنا؟ امشي!
- كارما!
قالها بتوتر ولكن كرهها لم يخف.
- عملت اللي عايزة صح يا سامر؟ قتلت ابني وارتحت!
قالتها وعينيها تشع كرهًا. بهت سامر وهو ينظر إليها وقال:
- قتلت ابنك؟ أنتِ بتقولي إيه يا كارما… أنا أقتل ابني؟
كان مصدومًا، مجروحًا وهو يرى الاتهام في عينيها. كان لا يصدق أنها تتهمه هكذا.
هزت رأسها وقالت بقوة:
- أيوه… أيوه أنت اللي قتلته. أكيد طلبت من الدكتور إنه يجهض البيبي. عملت اللي عايزه صح. وصلت للي نفسك فيه وقتلت ابني!
قالتها وهي تصرخ بعنف وتبكي. كانت لا تدري ماذا تقول ولكن الجرح في قلبها كان كبيرًا. كانت كمن يحتضر، لا تصدق أنها فقدت طفلها، أملها في تلك الحياة. كيف تعيش الآن؟ كيف؟
نظر سامر إلى كارما بخوف وهو يرى انهيارها. الطبيب كان محقًا، يجب أن يعرضها على طبيب نفسي وإلا الأمر لن يكون جيدًا.
- كارما ممكن تهدي…
- مش ههدي… مش ههدي… أنت قاتل، أنت اللي قولت لهم يجهضوا ابني.
اقترب منها بغتة وأمسك ذراعيها وهو يصرخ بها:
- اعقلي يا كارما اعقلي وافهمي أنا مستحيل أعمل كده، مستحيل. أنتِ اللي وقعتي، ده كان حادث مش بسببي أنا. حرام عليكي، ليه عايزة تحمليني أنا الذنب!
حاولت أن تبعده وهي تصرخ:
- أنت مكنتش عايز الطفل ده، مكنتش عايز حاجة تربطني بيك. وارتحت أهو مفيش حاجة تربط بيننا. امشي بقى… امشي وسيبيني في حالي. امشي…
دفعته بعنف وقالت:
- اطلع برا… خلاص اطلع مش عايزة أشوفك. وإنها عايزة أطلق… مش عايزة أشوفك تاني. خلاص امشي… اطلع من حياتي اطلع… آه…
صرخت وهي تبكي وتضع كفها على بطنها ثم وقعت على الأرض.
انسابت دموع سامر وجلس بجوارها وهو يضمها إليه وقلبه يتمزق من الألم.
- أنا عايزة ابني يا سامر… عايزة ابني… جيب ليا ابني أبوس إيديك… جيب ليا ابني… أنا هموت من غيره…
- وحدي الله يا حبيبتي… نعوضه بإذن الله. كارما أنا مش هتخلي عنك… هنعدي ده سوا… أنا مش هسيبك أبدًا… هفضل معاكي دايما.
هزت رأسها وقالت:
- لا لا يا سامر مينفعش… إحنا مينفعش نبقى مع بعض. طلقني وسيبني وروح. سيبني في حالي!
أبعدها قليلاً وقال وهو يعانق وجهها:
- أنا مش هسيبك يا كارما. مش هسيبك حتى لو أنتِ قولتي كده. أنا مش هسيبك.
- أنا مش عايزك.
قالتها بقسوة ليرد هو:
- بس أنا عايزك. أنا بحبك!
صفعة عنيفة حطت على وجنة ليل لتقع على الأرض وهي تبكي بعنف.
- غبية… غبية… وهتفضلي طول عمرك غبية. ضيعتي كل اللي بنيته بسبب غبائك.
صرخت بها والدتها بعنف لتشهق ليل وهي تبكي. كان قلبها ينزف من الألم. لا تصدق المعاملة السيئة التي تلقتها على يد أنس. لقد أهانتها أنس وأهدرت كرامتها.
اقتربت والدتها منها ثم شدت شعرها وهي تصرخ قائلة:
- أنتِ وأختك مفيش أغبي منكم. دايما بتبوظوا خططي. لا هي فالحة ولا أنتِ. انتوا الاتنين متخلفين بتجروا ورا الحب والكلام الفاضي ده. سيبتي أنس بكل فلوسه يعدي من بين إيديكي.
تأوهت ليل وهي تصرخ بعذاب:
- أنا مش عايزة فلوس… مش عايزة… أنا عايزة أنس… أنس وبس!!
اقتربت والدتها منها وهي تكز على أسنانها بفعل الغضب. غضبها كان كبير. ابنتها الغبية تلك من تظن نفسها. هل تريد ارتكاب خطأ شقيقتها الغبية؟
جذبت ليل من شعرها لتصرخ ليل بعنف بينما تقول هي:
- نعم يا روح أمك. هتقولي حب تاني ومش عايزة فلوس. حب إيه يا حمارة أنتِ؟ الحب مش هيأكلك ولا يشربك. الفلوس بس… فلوس أنس هتخليكي سعيدة. مسمعش كلمة إنك بتحبي أنس مرة تاني. لو قولتي كده تاني وديني اقتلك. فاهمة ولا لأ؟
بكت ليل ولم ترد عليها، لتصرخ والدتها:
- انطقي يا ليل فاهمة ولا لأ!
انتفضت ليل وهي تقول بصوت مخنوق:
- فاهمة… فاهمة… خلاص بقى سيبيني في حالي حرام عليكي!
نظرت إليها نيرمين بقرف وخرجت من الغرفة لتستمر ليل في البكاء. قلبها يؤلمها. كم تتمنى لو والدتها تفهم أنها لا تهتم بالمال. هي تحب أنس، تحبه وتريده ولكن أنس يشمئز منها لأنه يظن أنها تركض خلف الأموال مثل والدتها. ولكن ليل حقًا تحبه ومستعدة أن تثبت له أنه أهم من أموال العالم.
في غرفتها.
كانت نيرمين تجلس وهي تشرب سيجارتها بتوتر. عينيها الخضراء تبرق بغضب. ابنتها الغبية حصلت على عداوة أنس وهي تعرف أن أنس ليس سهلاً. هو لن يمرر ما فعلته بسهولة. هو بدأ بالتحرك الآن ولو لم تتصرف سوف تخسر كل شيء! ولكن الأسوأ أنها لا تستطيع التحرك إلا إذا أنس تزوج من مرام. الأفضل الآن أن تجعل ليل تبتعد عن أنس وتتقي غضبه. هي لا تريد أن تفشل كل مخططاتها بسبب ابنتها الغبية. هي لن تترك تلك الأموال الطائلة. هي ليست بتلك الغباء. هي تتساءل كيف لم ترث أي من ابنتيها. نوارة وليل خضعا للحب ولكن هي لا. تتذكر كيف أنها عندما كانت شابة كيف تركت الرجل التي تحبه لأنه لم يكن غنيًا ولم يستطع تحقيق أحلامها وتزوجت من رجل في سن والدها، رجل غني يستطيع تحقيق جميع أحلامها. صحيح لم تحبه ولكن أمواله كان سببًا كبيرًا لتكمل تلك الزيجة وأنجبت منه ليل ونوارة. ومن حسن حظها أن هذا الرجل مات وبقيت هي حرة ولكن دوام الحال من المحال. بسبب غبائها وحبها لرجل آخر تقرب منها وتزوجها منذ خمسة عشر سنة تقريبًا وأخذ جميع أموالها وألقاها هي وابنتيها في الشارع. والآن… الآن أتت فرصتها كي تصبح ثرية من جديد. كان لديها أمل في نوارة ابنتها ولكن نوارة خانتها والآن ليل تتبع خطى شقيقتها الغبية وهي لن تسمح بهذا. سوف تعيد ليل إلى الطريق المستقيم، سوف تستولي على أموال أنس مهما حدث. هي لن تستسلم.
وقفت نيرمين وهي تطفئ سيجارتها وقالت:
- بنات آخر زمن. قال حب قال. هتعمل زي العبيطة نوارة. ماشي يا أنس أنا هوريك!!
- يا أمي أبوس إيديكي أنتِ عارفة إن مبيهونش عليا زعلك. أبوس إيديكي اتكلمي معايا!
قالها علي بيأس لوالدته التي ترفض بإصرار أن تتحدث معه. كانت غاضبة منه للغاية، تريد ضربه على ما فعله. كيف يجرؤ على ترك تلك المسكينة وكل هذا من أجل ميار التي دمرت حياته تمامًا. كانت تشعر والدته بالقهر عليه، القهر لأنه لا يستطيع أن يخرج تلك المرأة من عقله.
- عايزني أكلمك بعد ما فسخت خطوبتك من ورد وكسرت قلبها؟ قولي إزاي يا علي. إزاي أسـامحك على اللي عملته؟ بقا تكسر البنت المسكينة دي عشان ميار؟ مش ميار دي اللي كسرت قلبك؟ ميار اللي خلتك تعاني طول فترة حياتكم سوا. قولي يا علي إزاي تبدأ الماس بالتراب؟ أنت اتجننت!
جلس علي بجوارها وامسك كفها وهو يقول محاولًا إقناعها:
- يا ست الكل يعني يرضيك أتجوزها وأظلمها معايا؟ أنا مبحبهاش أعمل إيه يعني؟ هي تستاهل حد أحسن مني بكتير. أنا مقدرش أعمل زي ما ميار عملت معايا. مقدرش أظلمها بالشكل ده. ورد تستحق حد يحبها، والحد ده مش أنا يا أمي. أنا للأسف الشديد لسه بحب ميار وأنا مش هدخل حد حياتي وأنا قلبي مع حد تاني. الظلم وحش يا أمي.
دفعته وهي تقول بغضب:
- وما دام الظلم وحش يا قلب أمك خطبت ليه البت وربطتها بيك؟ أدتيها ليه أمل؟ هو أنت فاكر كده إنك كويس؟ لا يا حبيبي فوق، أنت وحش يا علي. علقت بيك بنت وسيبتها.
نهضت والدته وذهبت ليشعر هو بالاختناق. كان يشعر وكأن كل شيء انهدّم على رأسه.
- اهو علي اللي رفضته بسببه عرسان كتير وفرص متتعوضش سابك من غير تردد. ياريت تكون ارتحتي دلوقتي يا آنسة ورد. اهو نفذلتك اللي حضرتك عايزاه وغرقتنا كلنا. خليكي بقى كده لحد ما تعنسي ومحدش يعبرك. خلي علي ينفعك.
قالتها والدتها بقسوة لتبكي ورد بعنف وهي لا تصدق أن علي فعل هذا بها. لقد أحبته وهو حطم قلبها. لقد ألقت قلبها وكرامتها تحت قدمه وهو داس عليهما. حطم قلبها وكسر كبرياءها وكرامتها. أم هي من فعلت هذا عندما تمسكت بمن لم يحبها؟ كانت تختنق، لا تعرف ماذا تفعل. هي تشعر أنها سوف تموت.
- ماما أبوس إيديكي كفاية… أنا فيا اللي مكفيني. أنا ليه محدش حاسس بيا؟ أنتِ فاكرة إني مبسوطة؟ أنا قلبي اتكسر يا ماما. علي كسر قلبي. حاسة إني هموت من القهر. أنا كنت مبسوطة وقولت أخيرًا هتجوز اللي بحبه. بنيت أحلامي يا ماما… بس كل أحلامي اتهدت قدام عيني. تخيلي كل حاجة تتهد قدام عينيكي. سعادتي راحت وبقيت تعيسة.
نظرت إليها والدتها وهي تشعر بالشفقة على صغيرتها. لم تكن تريد أن تعاني ابنتها بتلك الطريقة. ابنتها عانت بسبب ذلك الأناني. كانت تعرف أن علي لم يكن يحب ورد بل كان يريد استغلالها ولكن بسبب إصرار ابنتها عليه وافقت عليه. لم تكن تريد أن يكسر قلبها… ولكن للأسف قلبها انكسر بكل الأحوال.
اقتربت والدتها منها ثم ضمتها إليها وهي تقول بصوت مهتز:
- يا عبيطة أنا بنصحك. علي ده عمره ما حبك ومش هتبقي سعيدة معاه. واحد زيه ميستاهلش تبكي عليه. ده تطلعيه من عقلك وقلبك كمان. انسيه يا ورد وشوفي الفرص اللي بتجيلك. متوقفيش حياتك عشانه يا بنتي أبوس إيديكي. أنا قلبي واجعني عليكي.
ابتعدت ورد وهي تنظر إليها وتبكي. ولم تكن قادرة حتى على الرد عليها أو على التفكير.
في اليوم التالي.
في غرفة آدم ومهرا.
كان آدم يضم مهرا إليه وهو نائم بهدوء. فتحت مهرا عينيها وهي تستيقظ من نومها وأول ما قابلها هو وجهه الوسيم. ابتسمت له بحب ورفعت كفها وهي تتلمس وجنته بلطف. لا تصدق أنها سعيدة لتلك الدرجة.
فجأة شهقت وهي تستوعب شيئًا. شعرها المشعث! لو استيقظ آدم ورآها بتلك الطريقة سوف يصاب بنوبة قلبية أكيد، وهي لا تريد أن ترعبه. لهذا نهضت ببطء كي تمشط شعرها ولكن فجأة شهقت وادم يجذبها إليه مرة أخرى قائلاً:
- رايحة فين يا بسبوستي؟
ابتلعت ريقها وهي تراه ما زال مغمض العينين. فجأة فتح عينيه وكانت صافية جدًا. ابتسم لها بحب وقال:
- صباح الخير.
- مصرختش يعني من الرعب لما شوفت شعري منكوش!
ضحك آدم وهو يمرر كفه في شعرها المشعث ويقول:
- ده لإن بحبك. بحبك بكل حالاتك. بحبك وأنتِ لسه صاحية من النوم. بحبك وأنتِ منكوشة. بحبك وأنتِ أحلى واحدة في العالم وبحبك برضه لو كنتي وحشة.
ابتسمت بحلاوة وقالت:
- وأنا بحبك بكل حالاتك. حتى لما بتكون دبش.
- أنا دبش؟
قالها بإستنكار لتهز رأسها وتقول:
- أيوه دبش أوووي كمان بس بحب دبشك. بحب لسانك الطويل وبحبك أكتر لما تكون رايق كده.
ضمها إليه وقال:
- وهحاول دايما إني أكون رايق عشان تحبيني أكتر. أنا تحت أمرك يا أميرتي.
- أنا النهاردة عايزة أروح لجدي وأبقى معاه طول اليوم.
- وأنا هوصلك وأروح على شغلي ولما أخلص أعدي عليكي عشان أجيبك. اتفقنا.
قالها بجدية لترد هي:
- مفيش داعي تتعب نفسك.
قاطعها وهو يضع كفه على فمها وقال:
- لا مراتي مش هتيجي لوحدها من المستشفى لهنا. أنا هاجي أوصلك يا قمري.
اتسعت ابتسامتها وقالت:
- طيب يالا نقوم بقى ولا نقضي طول اليوم واحنا باصين لبعض كده.
- يا ريت أبصلك طول حياتي بالشكل ده يا مهرا ومش هشبع منك أبدا.
في المساء.
كانت مرام تجلس وهي تتناول غداءها عندما تجمدت فجأة وهي تراه يدخل المطعم. حاول السيطرة على انتفاضة جسدها ونظرت إلى طعامها وهي تأكل لكي تنتهي وتذهب.
نظر أنس حيث توجد مرام. ابتسم بلطف وهو يقترب منها.
ارتعشت مرام أكثر وأخرجت هاتفها وأدعت الانشغال به لكي تهرب من عينيه التي تركزت عليه. أخذت تدعي داخل قلبها ألا يقترب منها. ولكن للأسف كان يقترب أكثر وبسهولة جلس على المقعد المقابل لها.
سعلت مرام بتوتر ليبتسم أنس. هو يعشق خجلها المميز هذا. حتى برودها معه يعشقه، يعشق كل ما يتعلق بها وهو يعد الأيام حتى يجتمع معها.
تعمقت عيني أنس بها بينما هي تنظر لأسفل. كان يمكنه الشعور بتوترها. لا يعلم لماذا يحب أن يشاكسها بتلك الطريقة ولكن ارتباكها يعجبه. يعرف أن لديه تأثير ما عليها، فليس من العدل أن يكون لها كل ذلك التأثير عليه وهو لا يمتلك أي تأثير عليها حتى.
أخرج هو أيضًا هاتفه وأدعى أنه منشغل به. فجأة رن برقم المحامي الخاص به لينهض كي يرد عليه.
ما إن نهض أني حتى تنفست هي بعمق ثم بدأت بتحريك يدها لتهوية نفسها وقالت:
- أخيرًا قام.
ثم بدأت بإكمال طبقها بإستمتاع.
- أيوه يا ياسر قولي آخر الأخبار؟
قالها أنس وهو يشعر بالتوتر. فبعد أن طرد ليل بتلك الطريقة القاسية كان يجب أن يتحرك لأنها لن تتركه أو تترك ابنته. مستحيل أن يجعل ليل أو والدتها تحصلان على ملك. لقد وصاه أخاه، لأنه يعرف كم أن ليل ووالدتها لا يصلحان لتربية طفلة. يعرف كم الفساد الذي يقبع بداخلهما، وهو لن يسمح لصغيرته أن تتربى تحت جناحهما. هو يدرك جيدًا أن لا ليل ولا والدتها يهتمان بملك. يدرك أن المال هو هدفهما ولكن يقسم أنه سوف يحمي ملك وثروتها.
انتظر أنس بصبر لكي يستمع إلى كافة التفاصيل. تنهد ياسر وأخبره:
- للأسف يا أنس، موضوع العقد مصعب عليك الموضوع. ده غير أنك عم ملك مش أبوها والحضانة للجدة من ناحية الأم.
- بس جدتها أصلًا مش مهتمة بيها. دي كلبة فلوس والكل عارف!
قالها أنس بإنفعال ليرد ياسر:
- وإحنا لازم نثبت إن الجدة غير مسؤولة عشان تبقى ملك معاك دايما. أما كده أو حاول تحلها ودي يا أنس، اديها شوية فلوس يمكن تحل عن سماك. متقلقش أنا هدور على أي حل. ملك مش هتبعد عنك أبدًا!
أغمض أنس عينيه وقال:
- أتمنى ده يا ياسر. أنا مش عايز أخسرها، دي بنتي.
وهما ماسكيني من إيدي اللي بتوجعني. عمومًا أنا هحاول أتواصل مع أم ليل لأنها رأس الأفعى اللي بتخطط لده كله. أشوف آخرها معايا إيه.
- بس متنفعلش يا أنس. عايزك تبقى هادي. هما ممكن يستغلوا غضبك ويستفزوك.
ابتسم أنس وقال:
- متقلقش إن شاء الله خير. سلام يا ياسر وشكراً أوووي على اللي بتعمله معايا.
- متقولش كده يا باشا، إحنا إخوات.
ثم أغلق معه ياسر ليتنهد أنس ويسير تجاه المطعم. فجأة تجمد وهو يجد ذلك الموظف علاء الذي طلب من مرام الزواج من قبل واقف بجوارها. وما هي إلا ثوانٍ إلا واقترب أنس منها وعينيه تشع غيرة:
- إزيك يا أستاذ علاء فيه حاجة؟
بهت علاء وهو ينظر إلى أنس وقال بتلعثم:
- مفيش يا أستاذ أنس، أنا بس كنت بتكلم مع آنسة مرام في موضوع خاص و…
قاطعه أنس بابتسامة باردة وقال:
- طيب ياريت متتكلمش معاها في أي مواضيع خاصة تاني، لأنها خطيبتي يعني تخصني!!!
بعد نصف ساعة.
كان أنس جالس على مكتبه وهو رايق البال. يبتسم بسعادة كلما تذكر شحوب وجه علاء وذهابه مسرعًا من أمامه.
رن هاتف المكتب ليرد أنس على سكرتيرته التي أخبرته أن مرام تريد رؤيته.
ابتسم أنس وقال:
- خليها تدخل. مرام تدخل في أي وقت ومن غير استئذان.
ولجت مرام إلى مكتبه وجهها أحمر من الغضب وقالت:
- إحنا مش مخطوبين!
ابتسم أنس وقال:
- كلها مسألة أيام ونتخطب وبعدها نتجوز. كل شيء بأوانه.
- أستاذ أنس مينفعش تحرجني بالطريقة دي قدام…
توقفت عن الكلام وهي تجده ينهض وعينيه تبرق بشكل غريب، مخيف وقال:
- أنا بغير يا مرام، خاصة من واحد طلبك قبل كده. صدقيني بغير. وهفضل أبعد أي حد يحاول ياخدك مني. متعرفيش أنا بعمل إيه عشان أتجوزك. صدقيني متعرفيش. أنا بحارب خوفي عشانك!
في المساء.
خرجت مهرا من المستشفى وهي تشعر بالتعب الشديد وأخرجت هاتفها لتتصل على آدم ولكن فجأة وجدته أمامها بابتسامة جميلة مثله. ابتسمت له وقالت:
- كنت لسه هتصل بيك.
- وأنا أهو جيتلك يا أميرتي. أخبار جدك النهاردة إيه؟
سألها باهتمام وهو يداعب شعرها لتبتسم وتقول:
- الحمد لله بيتحسن أوووي يا آدم. أنا مبسوطة أوووي.
- يارب دايما تكوني مبسوطة كده. يلا نروح البيت. ماما عاملالنا المكرونة بالبشاميل اللي بحبها.
- ماشي يالا. بس هو ممكن نتمشى شوية.
تظاهر بالتفكير لتكمل هي:
- لو مش حابب يعني أنا معنديش مشكلة و…
ضحك وأمسك كفها قائلاً:
- طلباتك أوامر يا أميرتي.
كانت كمن يطفو على غيمة وردية بينما يمسك كفها ويسير بجوارها. لقد أدركت أم هناك جنة على الأرض عندما نكون بجوار من نحب. رباه كم تعشق آدم. هي تعشقه بطريقة مخيفة، تعشقه حد الألم، حد السعادة، حد الموت. تعشقه بكل كيانها. تشعر أن روحها ارتبطت بروحه.
كانت ابتسامتها تشعر وهي تنظر إليه وتقول:
- أنا بحبك أوووي يا آدم. بحبك وبخاف.
مازحها قائلاً:
- إيه خايفة أتزوج عليكي مثلا!
ضربته على كتفه وقالت:
- طيب أعملها كده وأنا أقطعك حتت حتت وأوزعك على الناس.
تظاهر آدم بالخوف وهو يقول:
- إيه الرعب ده يا مهرا. بقيتي متوحشة كده إيه يا حبيبتي.
توقف وقال:
- متقلقيش أنا مكتفي بيكي أنتِ وبس.
ابتسمت وردت عليه:
- ليه عشان أنا مميزة صح؟
- لا عشان كرهتيني في صنف الحريم.
- فعلاً جلنف!
قالتها بغضب ثم دفعته ليضحك وهو يركض خلفها ويقول:
- استني يا مهرا. من فين سمعتي جلنف دي. قعدتك مع ليلي بوظتك!!!
في المنزل.
كان الجميع ملتف حول طاولة الطعام يأكلون سويا. نظرت مهرا إلى آدم بخبث وقررت أن تعاقبه على مزاحه الثقيل معها. أنزلت ذراعها تحت الطاولة وامسكت بكفه اليمين فجأة.
- بتردهالي يعني؟
همس بها آدم لمهرا التي تبتسم بخبث. فهي فعلت مثلما فعل من قبل. أمسكت كفه اليمين تحت طاولة الطعام وبالتالي لم يستطع أن يأكل.
ضحكت مهرا وعينيها العسلية تلمع بخبث ثم غمزت له وهي تغرز شوكتها في المكرونة وتأكل.
نظرت حسناء بحيرة إلى آدم الذي لا يأكل ويتأمل مهرا وهو يبتسم. ابتسمت وقالت:
- إيه يا بني. أنا عملت لك المكرونة بالبشاميل اللي بتحبها فبدل ما تأكل بتتأمل مهرا. كل الأول وبعدين اتأملها براحتك.
كتمت مهرا ضحكتها بمهارة كانت تشعر بالشماتة لأن والدته أحرجته.
نظر آدم إلى والدته وقال ببراءة:
- أنا نفسي آكل طبعًا يا ماما بس أعمل إيه ومهرا ماسكة إيدي اليمين من تحت الترابيزة.
سعلت مهرا بعنف بينما رفع آدم كف مهرا الممسك بكفه وأكمل:
- اهو شايفة يا أمي.
تركت مهرا كفه ونظرت إلى طبقها. وجهها أحمر من الخجل وكادت أن تبكي. نظرا كل من ليلي ومرام إليها بشفقة. المسكينة وقعت فريسة لمزاح آدم الثقيل.
- آدم بس.
قالتها حسناء وهي تنظر بشفقة إلى مهرا التي تذوب من الخجل.
نظر آدم إليها وقال:
- إيه يا آنسة أنتِ معندكيش إخوات ولاد!
- آدم خلاص يا باي على تقل دمك كسفت البنت!
زعقت حسناء به، ليضحك آدم وهو يمسك كف مهرا ويقبله قائلاً:
- اللي يحبك ينكشك يا ميمو.
ضحك الجميع من حولها إلا هي كانت تغرق من الخجل.
في غرفة آدم ومهرا.
كان آدم يضحك بقوة بينما مهرا تضربه بقوة وهي تصرخ به:
- أنا بكرهك… بكرهك…
شدها إليه ثم وضعها على الفراش. أمسك ذراعيها وثبتها جيدًا وهو يقول بعنف عاطفي:
- بس أنا بحبك.
ثم انحنى وهو يخدرها بقبلاته مزيحًا ضيقها منه.
بعد يومين.
كانت مهرا تكاد تطير من السعادة وهي ترى جدها يتحسن بسرعة كبيرة. كما أنه سوف يخرج اليوم. كانت حقًا مرتاحة وهي ترى وجهه الذي استعاد لونه. ولكن ما أحزنها لمحة الضعف والحزن التي سكنت عينيه عندما أخبرته والدتها أن آدم تبرع له بالدم وحسناء اتصلت لكي تطمئن عليه. لقد لمست التغيير في وجه جدها. ابتلعت مهرا ريقها وهي تدرك أن جدها قد تغير وربما يكون عرف أنه على خطأ. ولكن سيبقى السؤال المعلق الآن: هل سيغفر آدم أم لا؟ هل سينسى ما فعله جده به أم سيظل على حقده وكراهيته له؟ تمنت من قلبها أن ينسى آدم ما تعرض له بسبب جده. تمنت أن ينسى ويغفر. ولكن قررت أن تنتظر وتعطيه الوقت الذي يحتاجه.
- أنا جهزت.
قالها جابر وهو يبتسم بتعب. كان ما زالت آثار التعب على وجهه ولكنه تعافى بشكل كبير. أمسكت مهرا ذراعه وقالت بحب مرح:
- إيه الجمال ده يا جدو. شكلك كأنك رجعت عشرين سنة لورا. أنا بنفسي هدور لك على عروسة.
ضحك جابر وهو يقبل رأسها وقال:
- لو واحدة حلوة زيك أنا معنديش مانع يا مهرا.
- وأنا أهو جهزت الشنطة.
قالتها مروة وهي تقف بجوارهما لتقول مهرا:
- طيب يالا عشان نمشي من هنا. أنا جاية معاك وهبات النهارده كمان معاك يا جدي.
ابتسم الجد ولكن سريعًا اختفت الابتسامة من وجهه وقال بتردد:
- هو آدم مجاش النهاردة؟
نظرت مهرا إلى جدها بحزن ولكنها قالت بسرعة:
- لا جه يا جدي، جه وصلني وراح لشغله. المسكين الشغل فوق راسه ومحدش بيساعده. متزعلش منه يا جدي.
تنهد جابر وقال:
- وحتى لو فاضي يا مهرا مكانش هيجي. أنا عارف حفيدي. لسه بيكرهني وأنا مهموش. حتى لو مت مش هيزعل عليا.
- بعد الشر عليك يا جدي متقولش كده! آدم والله أكيد بيحبك بس هو مخبي ده جوه قلبه. هو لو كان بيكرهك ليه هيتبرع بالدم ليك؟ ليه هيفضل سهران طول الليل ويمشي الصبح بعد ما اطمن عليك؟ هو بيحبك يا جدي بس محتاج شوية وقت. اديله وقت عشان ينسى يا جدي ومتزعلش منه بالله عليك. وبعدين يا سيدي ربنا يديلك طول العمر وأنا أهو معاك ومش هسيبك أبدًا.
ابتسم جابر وهو يضمها إليه ويقول:
- وأنا سعادتي متتوصفش إنك جنبي يا بنتي. أنا مبسوط بوجودك معايا.
- أكيد طبعًا لازم تكون مبسوط عشان أنا موجودة!
ضحك جابر وقال:
- آه بس لو تبطلي لماضة يا لمضة أنتِ.
- مش هبطّل لماضة يا جدي. ويالا بقى عشان نمشي من المكان ده أنا زهقت منه.
- ماشي يالا.
قالها جابر وهو يستند عليها لكي يخرجا من المستشفى. كانت مهرا تمازحه وهي تخرج من المستشفى بينما هو يضحك بسعادة. فجأة اختفت الابتسامة من وجه مهرا وهي تجد آدم يقف أمام المستشفى. استمرت في السير مع جدها الذي شحب هو الآخر وهو يرى حفيده. وكاد أن يسقط ولكن آدم أمسكه كله وقال بنبرة خالية من المشاعر:
- خليني أوصلك للعربية بتاعتك.
لم يتحمل جابر ما به من مشاعر وبغته عانق آدم وهو يبكي.
كانت عائدة إلى المنزل وهي تشعر بالتعب. لقد بحثت عن أي عمل ولكن دون جدوى. لا يمكنها أن تعيش عالة على خالتها المسكينة التي ليس لديها أي مصدر رزق إلا معاش زوجها. المسكينة من أول ما أتت هنا وهي لا ترى أي أحد من أولادها يزورها. لقد نسوا والدتهم تمامًا. كيف ينسوا كل ما فعلته معهم؟ لا تصدق ميار كيف يمكن للإنسان أن يكون قاسيًا لتلك الدرجة.
تصاعدت الدموع لعينيها وهي تعدل وضع حجابها. من وقت ما قص والدها شعرها وهي تغطيه بالحجاب. لم تظن أبدًا أنها سوف تتحجب أبدًا. هزت رأسها وهي تريد تصفية عقلها من أي شيء. تريد التركيز على حياتها الجديدة. سوف تنسى كل شيء. سوف تنسى والدها وآدم وحتى علي. سوف تنسى الجميع وتركز على نفسها فقط. اتجهت إلى المنزل بقلب ثقيل وما إن ولجت إلى المنزل حتى تجمدت وهي ترى خالتها نوال فاقدة الوعي.
- أنا قولت أنساها يا مروان، مستحيل ترضي بيك!
قالتها حياة وهي تنظر إلى مروان الذي تدهورت حالته النفسية بحزن. كان قلبها يتمزق عليه. منذ حدث ليلي وهو بتلك الحالة حتى الطبيب النفسي لم يستطع مساعدته.
نظر مروان إليها وقال:
- عندك حق لازم أنساها. هي مستحيل تبصلي. وأنا أصلًا مستاهلش حبها.
أشفقت عليه لأنها تدرك الألم جيدًا وخرجت من السيارة وهي تقول:
- طيب نتقابل بكرة يا مروان سلام.
هز رأسه لتتجه هي إلى البناية التي تسكن بها. صعدت حياة حتى وصلت لشقتها وفتحت الباب وما كادت أن تدخل حتى صرخت بعنف وهي تجد من يمسك ذراعها. نظرت لتجد أحمد الذي دفعها للداخل ثم أغلق الباب.
- كنتي معاه صح!!!
- أنت أكيد مجنون!!!
أمسك أحمد ذراعها وقال:
- ردي على سؤالي لأني مش هسيبك إلا لما تردي. بتروحي تعملي إيه معاه؟ بياخدك شقة…
وقبل أن يكمل جملته كانت تصفعه بقوة وتصرخ:
- أنت مريض ورخيص وفاكر الكل رخيص زيك. أنا كنت بروح لدكتور نفسي يا مريض!!!
قالت جملتها الأخيرة وسرعان ما أصابها الندم.
- دكتور نفسي؟ بتروحي لدكتور نفسي؟
قالها أحمد بصدمة وهو ينظر إلى حياة.
نظرت إليه حياة بغضب وهي على وشك الانفجار واتجهت إلى الباب ثم فتحته وهي تقول ببرود يخفي نيران تتأجج داخلها:
- اطلع برا لو سمحت وملكش دعوة بيا. خلاص اللي بينا انتهى وانت اللي نهيته بإيدك. فخلاص سيبني في حالي لو سمحت.
اقترب منها وأغلق الباب ثم أمسك ذراعها وقال:
- حياة… أنا مكانش قصدي أأذيكي بالشكل ده. أنا من أول ما عملت كده وأنا تعيس في حياتي افتكرت إن…
دفعته وقد بدأت تنهار بشكل سيء. وضعت كفها على أذنها وهي تبكي وتقول:
- بس… بس… بطل كدب. بطل تحاول تخدعني تاني. أنت عايز إيه؟ عايز إيه فلوس واخدتها وبيت واخدته. عايز إيه مني تاني؟ عايز تموتني؟ عايز تشوفني ميتة قدامك؟
- حياة أنا…
قالها بتوتر وهو ينظر إلى انهيارها المرعب لتستمر هي في البكاء وتقول:
- مش كفاية عقاب بقى ليا. أنا تبت. والله تبت وندمت على اللي عملته في مهرا بس ده كتير… ده عقاب كبير!!!
بهت أحمد وقال بصوت حاد:
- أنتِ عملتي إيه في مهرا؟ انطقي يا حياة! عملتي فيها إيه!
استمرت هي في البكاء ولم ترد عليه. اقترب أحمد منها وه دون يمسك ذراعيها ويهزها ويقول:
- انطقي يا حياة عملتي إيه في مهرا. انطقي…
كانت منهارة ولم ترد عليه أبدًا.
- حياة ردي… عملتي إيه… وتقصدي إيه بعقاب.
شهقت حياة بعنف وقلبها يعتصر من الألم. كانت لا تستطيع أن تكتم السر أكثر من هذا. سقطت أرضًا وهي تبكي وبدأت تتكلم. بدأت تقول على أبشع شيء قد فعلته في حياتها. ذنبها الذي يقيدها.
بعد أن انتهت حياة من سرد فعلتها نظر إليها أحمد بصدمة وقال:
- أنتِ أكتر إنسانة مقرفة شوفتها في حياتي! وتستاهلي إنك تكوني لوحدك طول حياتك. أنا مش قادرة أصدق إني حبيت واحدة بالرخص ده!!!
بعد قليل.
كانت تمسك عبوة الأدوية وهي تبكي. كلمات أحمد تصدح في عقلها. كيف أخبرته بذنبها. لقد رأت نظرات القرف في عينيه. أحمد شعر بالاشمئزاز منها، كما هي تشعر الآن.
مسحت دموعها وأخرجت محتويات عبوة الدواء ثم تناولتها كلها ورمت العبوة ونامت على الأرض وهي تتقبل موتها بسلام. كان نفسها يتباطأ. عينيها تنغلق لوحدها فجأة ابتسمت بسعادة وهي ترى والديها. رفعت يديها لهما وقالت:
- أنا جيالكم… جيالكم.
ثم سقطت ذراعها.
رواية عروس رغما عنها الفصل الرابع 4 - بقلم سوليية نصار
وقف مروان أمام منزل حياة وهو يمسك السلسال الذهبي الخاص بها والذي وقع بسيارته. لقد عاد كي يعيده لها.
عندما نظر إلى الصورتين المعلقتين في السلسال، عرف أنها سوف تهدم العالم بسببه. ولذلك لم يتأخر. ففي السلسال كانت معلقة صورة والديها.
رفع مروان يده ورن جرس الباب وانتظر لكي تفتح، ولكن لحظات ولم يفتح له أحد.
رفع إحدى حاجبيه بحيرة ورن مرة أخرى ولكن لا رد. هل خرجت؟ معقول؟ ولكن إلى أين ستذهب؟
هز رأسه بحيرة وأخرج هاتفه وقرر أن يتصل بها. هو سيخبرها أن السلسال الخاص بها موجود معه كي لا تقلق، ثم سيذهب ويعطيها إياه في الغد. ولكن لن يتركها قلقة هكذا.
أخرج رقمها ثم ضغط على زر الاتصال ووضع الهاتف على أذنه. ولكن أبعد الهاتف مرة أخرى ورفع حاجبه بحيرة وهو يسمع رنين هاتف حياة من الداخل.
دب القلق في قلبه وهو يضع أذنه على الباب. بالفعل، تلك رنة هاتفها.
طرق على الباب بقوة وقال:
"حياة… حياة أنتِ هنا؟ ردي عليا متقلقنيش…"
ولكن الصمت هو كل ما حصل عليه.
حاول دفع الباب كي يكسره ولكنه فشل في هذا. ركض لأسفل البناية ثم يطلب مساعدة بواب البناية في كسر الباب.
صعد الرجل معه وحاول الاثنان كسر الباب، وانكسر الباب أخيرًا بعد محاولتهما الثالثة.
ولج مروان المنزل وهو يصرخ باسم حياة. فجأة تجمد عندما دخل غرفة النوم ووجدها على الأرض، شاحبة وبجانبها عبوة الدواء. لم يحتاج الأمر منه أكثر من ثانيتين لكي يعرف أنها انتحرت.
اقترب منها وحملها وهو يصرخ بفزع:
"ليه… ليه يا غبية!"
ثم ركض بها للخارج هو والبواب الذي أصابه الفزع بسبب انتحار تلك الشابة في منزلها.
في المشفي…
كان واقفًا أمام غرفة الطوارئ وهو يرتجف بخوف. منظرها وهي واقعة على الأرض أوجع قلبه.
لقد قاد سيارته بتهور حتى يأتي بها هنا بسرعة. جل ما كان يريده أن ينقذها.
"تلك الغبية تخلت عن حياتها بكل سهولة. ما سبب هذا؟ لقد كانت بخير منذ ساعة تقريبًا وهي تودعه، فماذا حدث ولماذا انهارت بهذا الشكل المرعب؟ لماذا حاولت أن تنتحر وتنهي حياتها؟"
الأسئلة التي كانت تدور في عقله كادت تدفعه للجنون. هو فقط الآن يتمنى من كل قلبه أن تنجو وتكون بخير. وحينها يستطيع أن يسألها عما جعلها تفعل هذا.
بعد ربع ساعة…
خرج الطبيب ليقترب منه مروان بلهفة.
قال الطبيب:
"الحمد لله، أنت جبتها في الوقت المناسب وإلا كانت هتروح فيه."
تنهد مروان براحة وقال:
"شكرًا… شكرًا أوي يا دكتور، مش عارفة أقولك إيه."
ابتسم الدكتور وقال بلطف:
"ده واجبي… بس أنا أنصحك إنك تعرضها على دكتور نفسي، واضح إن عندها مشكلة."
هز مروان رأسه وقال:
"أقدر أشوفها دلوقتي؟"
"أكيد طبعًا، وبالليل أنا هكتب لها خروج."
هز مروان رأسه وهو يدخل إلى الغرفة. كانت هي مستلقية على الفراش، دموعها تنساب على وجنتيها. تشعر بالاختناق. لم تصدق أنها بسهولة أفشت سرها لأحمد الذي أصبح يكرهها الآن بكل تأكيد.
اقترب مروان من حياة وجلس على الفراش وقال بلوم:
"ينفع اللي عملتيه ده يا حياة؟ بتنهي كل حاجة بإيديكي! إحنا كنا بنتقدم، إيه اللي حصل؟"
شهقت حياة وهي تنفجر بالبكاء.
أمسك مروان كفها وقال:
"اهدي طيب… أنا آسف… بس ممكن أعرف عملتي كده ليه؟"
"أحمد عرف كل حاجة يا مروان! للأسف حكيت له كل حاجة عملتها لمهرا… وهو قالي كلام صعب، مقدرتش أتحمل… حسيت إني وحشة أوي، حسيت إني مستحقش أعيش… و…"
"بس خلاص، متكمليش. اهدي وانسيه."
مسح مروان دموعها وقال:
"بالليل الدكتور هيخرجك، بعدين هتيجي معايا للقصر تقعدي يومين عشان أطمن عليكي، وبعدين لما أحس إنك بخير ترجعي بيتك، مفهوم؟"
هزت رأسها بتعب.
لم يبادله آدم العناق بل ظل هكذا متجمدًا باردًا، لا يظهر على وجهه أي انفعال أو مشاعر، بينما جده يبكي بتلك القوة. كان آدم مغلقًا على مشاعره جيدًا، لا يسمح لها أن تظهر. كان يدعي القسوة رغم أنه ليس هكذا، ولكن إن لم يكن قاسيًا فسوف يسامح جده، وهو لا يريد أن يسامحه.
أبعد آدم جده برفق وقال مجددًا:
"تعالى أوصلك لعربيتك يا أستاذ جابر."
تألم جابر وهو يرى حفيده يعامله بتلك الطريقة. وبهدوء ساعده آدم لكي يستقل سيارته.
ركبت مهرا أيضًا ووالدتها، ولكن آدم توقف.
"مش هتيجي يا آدم؟"
قالتها مهرا بنبرة تغلفها التوسل. كانت تنظر إليه وتستعطفه أن يأتي، أن ينسى جميع الخلافات وأن يقف بجوار جده. ولكن آدم نظر إليها وقال:
"لا، روحوا انتوا… أنا كنت جاي عشانك وكنت ناسي إنك هتروحي لجدك النهاردة… كلميني لما توصلي."
ثم بهدوء ابتعد أمام نظرات جابر المتألمة ووجه مهرا الذي كان يملؤه اليأس. ولكن عاد إليها الأمل مرة أخرى. هي عاهدت نفسها التي تضغط عليه، وهي متأكدة أن آدم سوف يسامح جده مهما طال الزمن.
ابتسمت لجدها الذي كان وجهه متجهمًا بقوة ولمعة الدموع بعينيه وقالت:
"متزعلش يا جدو… صدقني آدم طيب وهيجي يوم ويساامحك."
هز جابر رأسه وقال:
"نفسي أبقى متفائل زيك بس مش عارف يا مهرا. آدم عمره ما هيسامح. هيفضل طول عمره يكرهني، وأنا مظنش إني أقدر أتحمل الكره ده منه."
ابتسمت مهرا وهي تشد على كفه وتقول:
"آدم مين اللي يكرهك يا جدي؟ بجد أنت لسه مفهمتوش لحد دلوقتي. أنت فاكر إن آدم جه هنا عشاني؟ لا طبعًا. آدم جه عشانك أنت. هو بيحاول بس يداري مشاعره، عايز ياخد وقته في الحزن، مش مشكلة خليه ياخده… بس اتأكد إن آدم بيحبك أوي، واتأكد كمان إن هيجي يوم ويسامحك وهتقول مهرا قالت كده."
نظر جابر إلى حماسها. كان يتمنى أن يكون كلامها صحيحًا. هو يحتاج لآدم، يحتاج أن يسامحه. هو يشعر بقرب أجله. لا يعرف لماذا ولكنه متيقن أنه سوف يموت قريبًا، وقبل أن يحدث هذا يجب أن يطلب السماح من الجميع، سواء من آدم أو حسناء!
فكر بتعب وهو يستسلم أخيرًا ويعرف أنه قد أخطأ في حق حسناء كثيرًا. يجب أن يعتذر من الجميع قبل أن يلحق بأولاده!
فكر جابر بينما السيارة تنطلق به إلى منزله.
كان آدم يسير في الطرقات وهو يكاد يجن. لا يصدق أنه أتى إلى هنا كي يراه. اخترع أسخف حجة في العالم وكذب أنه جاء من أجل مهرا. حسنًا، جزء منه أراد أن يكون بجوار مهرا، ولكن جزء آخر أراد أن يأتي ويطمئن على جابر عزام.
أغمض عينيه بألم. الاعتراف بهذا يوجعه. لقد حاول كثيرًا أن ينكر، ولكن الحقائق كانت أمامه. هو ذهب من أجله، من أجل أن يراه ويطمئن عليه. تلك الحقيقة جعلته يختنق. كيف يقلق كل من تسبب في تشريد عائلته وضياع حلمه؟ كان يجب عليه أن يكره جابر عزام لا أن يقلق عليه.
ضيق آدم من نفسه كان مبالغًا به. كان يريد أن يتخلص من مشاعره تلك، ولكن لم يعرف آدم أن مشاعره تلك هي أهم ما يميزه. فهو رجل لم يسمح للحقد أن يسيطر عليه، بل أزاح حقده جانبًا ووقف بجوار جده. رعب آدم كان بسبب أنه قد يأتي يوم ويسامح جده. هو يخاف تلك اللحظة التي سوف تتكون لديه مشاعر تجاه جده ويغفر. ويبدو أن تلك اللحظة اقتربت.
كان جالسًا على الأريكة، منهار بسبب ما سمعه. لم يصدق أن حياة تفعل هذا. لقد صُعق وهي تخبره بما فعلته. لقد تركها منهارة وخرج من المكان بأكمله وهو يشعر بالاختناق. اختناقه لم يكن بسبب مهرا فقط، اختناقه لأنه أدرك ما هي مشاعره نحو حياة. لقد عرف للأسف أنه يحبها. هو أحبها بطريقة لم يحب بها أحد من قبل. غيرته الشديدة عليها تخبره بهذا. لقد أنهكته تلك الغيرة ليالي حتى كاد أن يجن. هدير قلبه عندما يكون معها يخبره بهذا. هو يعاني الآن من آلام العشق، يعاني من الخذلان ويشعر أن كل شيء انهار فوق رأسه. لا سلوى له ولا مخرج. هو وقع في متاهة العشق وكُتب عليه المعاناة للأبد.
فكر بحزن. أخرج هاتفه وهو يتصل بوالدته. والدته التي رفضت أن تنتقل معه إلى ذلك المنزل. والدته التي قاطعته بسبب ما فعله بحياة. حياة لم تسلب قلبه فحسب، بل سلبت قلب والدته أيضًا.
تنهد بتعب وهو يبحث على رقمها لكي يتصل بها وقلبه مثقل بالهموم.
فتح أحمد الباب لكي يخرج ويذهب إلى والدته، إلا أنه فجأة تأوه عندما لكمه أحدهم ليسقطه أرضًا. نظر أحمد إلى من ضربه ليجده مروان.
ولج مروان المنزل وأغلق الباب وهو يقترب منه. نهض أحمد واقترب منه لكي يضربه بغل. يريد أن يفرغ به الشعور المحبط بالغيرة الذي شعره الأيام الفائتة بسبب قربه من حياة. إلا أن مروان لكمه بقوة أكبر وهو يصرخ به:
"أنت بأي حق تحاسبها يا حقير؟ فاكر نفسك أحسن منها؟"
اقترب أحمد بسرعة ولكمه بعنف وصرخ بدوره:
"ملكش دعوة. اللي أعمله مع حياة يخصني أنا وبس. وأنت ملكش دعوة بيا ولا بيها. متقربش منها. إياك تقرب وإلا هقتلك!"
هجم مروان عليه حتى سقطا على الأرض وهو يضربان بعضهما بعنف. كل منهما يحمل غضبًا كبيرًا تجاه الآخر، ولكن غضب أحمد كان أكبر. غضب أحمد كان بفعل الغيرة التي كادت أن تقتله. بدأ أحمد يضرب مروان بعنف وهو يهدر:
"قولي أنت مالك؟ ليه الاهتمام ده بحياة؟ ابعد عنها."
استطاع مروان تجنب لكماته وأصبح هو المسيطر وبدأ يضربه ويقول:
"أنت مختل… مختل عقليًا! مش كفاية اللي عملته معاها؟ مش كفاية إنك سبتها يوم فرحكم؟ كفاية إنك كسرت قلبها؟ وجاي تحاسبها على ذنبها على أساس إنك بريء وأنت أحقر بكتير. على الأقل حياة ندمت، لكن أنت… أنت فين ندمك؟"
لكمه مروان لكمة أخيرة لينهار أحمد تمامًا، بينما نهض وهو يقول بإنفعال:
"حياة انتحرت… روحت بيتها ولقيتها موتت نفسها!"
اتسعت عينا أحمد برعب وحاول النهوض ولكن التعب كان مسيطرًا عليه. ابتسم مروان بسخرية وقال:
"برافو يا أحمد، عملت اللي عايزه وموتت حياة. عيش حياتك وأنت فرحان بانتصارك المختل. أتمنى تكون مبسوط دلوقتي."
رماه بنظرة ساخرة مشمئزة ثم خرج من المنزل تاركًا إياه وهو يشعر أن قلبه توقف تمامًا عن النبض.
"لا لا… لا لا حياة مستحيل تسيبني وتمشي!"
قالها أحمد وهو يهز رأسه بجنون. انهار على الأرض وأخذ يصرخ وهو يضرب الأرض بعنف:
"لا… لا… حياة مش ممكن تعمل كده."
انسابت الدموع من عينيه وهو يشعر أنه سوف يموت. هذا لا يحدث. هو يحلم بكل تأكيد، أو مروان يكذب. حياة لا يمكن أن تتركه. كان يصرخ ويبكي وهو يتمنى أن يكون كل هذا كابوسًا بشعًا. هو سيموت لو حياة تركته، سيموت.
استلقى على الأرض وهو يضم ركبته إلى ذقنه وبكاؤه يزداد قوة. بينما آخر صورة في عقله كانت وهي تنظر إليه بانهيار بينما يوبخها.
في المشفي…
كانت ميار تجلس على الأرض وهي تشعر بالرعب. تتذكر كيف أنها دخلت ووجدت خالتها على الأرض، لا تتنفس وشاحبة. هذا أصابها بالرعب. وجل ما فعلته أنها اتصلت بالإسعاف، واتوا وأخذوا خالتها. والآن هي تنتظر على نار خروج الطبيب ليطمئنها على خالتها.
كانت تشعر بالرعب. تتمنى ألا يحدث أي شيء لخالتها الحبيبة. أخذت تفرك كفها بتوتر وهي تقول بتضرع:
"يارب احميها يارب… يارب تبقي بخير."
نهضت بسرعة عندما خرج الطبيب. اقتربت منه بلهفة ليقول الطبيب بآسف:
"البقاء لله… المريضة توفت."
تجمدت ميار مكانها إلا من عينيها التي تصاعدت فيهما الدموع، ثم فاقت وقالت:
"لا لا يا دكتور… بالله عليك متقولش كده. هي بخير أكيد… هي كويسة… طب جرب تاني يمكن…"
"يا بنتي خالتك ماتت للأسف. قلبها وقف. ادعيلها بالرحمة وشوف إذا كنتي هتستلمي جثتها أو تتصلي بأولادها، وأنا بنصحك تتصلي بأولادها عشان مش هتقدري تخلصي الإجراءات لوحدك."
ثم تركها الطبيب وذهب لتسقط على الأرض وهي تبكي بعنف. كان تشعر أنها تيتمت من جديد. اليوم والدتها الثانية ماتت وهي أصبحت وحيدة مجددًا.
"أنا قررت أسافر آخر الأسبوع يا أمي."
قالها على فجأة لتنظر إليه والدته بحزن. جلس بجوارها وقال:
"أنا عارف إني غلطت كتير في حقك وفي حق ورد يا أمي، وأتمنى يوم إنك تسامحيني. غير إن شغلي بره مصر… ولازم أسافر. أنا افتكرت إني هنسى ميار وأتجوز ورد وأسافر بيها، بس للأسف ما حصلش نصيب، فهسافر لوحدي، ويمكن ربنا يكرمني ببنت الحلال اللي تصوني. يا أمي دعواتك ليا."
"هتسيب أمك يا علي؟ هتسيبني بعد ما فرحت إنك أخيرًا استقريت جمبي؟ متتجوزش يا علي بس خليك جمب أمك ممكن؟"
هز علي رأسه بالنفي وقال:
"يا ريت لو ينفع يا أمي بس مقدرش. شغلي في الخليج، وبعدين مقدرش أعيش هنا. صدقيني هتخنق. عايز أبعد عشان أنسى، أنسى كل حاجة. ممكن أنتِ تسافري معايا؟"
"لا يا أخويا، أنا أسيب بلدي وبلدي. روح أنت يا بني ربنا يحميك ويجبر بخاطرك."
ضمها علي إليها وهو يقبل رأسها.
كانت تجلس على أرضية المشفي وهي تبكي وترتجف. لا تعرف ماذا تفعل بالضبط. خالتها قد كانت والدتها الثانية. ماذا تفعل الآن؟ إلى أين تذهب؟ ماتت آخر أحد يهتم بأمرها في تلك الحياة. أجهشت ببكاء مرير وهي تشعر بقلبها يتحطم. رباه ماذا تفعل؟ ماذا!! عقلها متوقف تمامًا عن العمل. جل ما فعلته منذ أن عرفت بالخبر أنها اتصلت بأبناء خالتها وهي الآن تنتظر.
مرت ساعة كاملة حتى أتوا. نهضت هي لكي تخبرهم. كانوا ثلاث رجال وجوههم تحمل قسوة رعبتها. تراجعت قليلًا وقالت:
"خالتي!"
قاطعها أحدهم وقال:
"مفيش داعي تكملي. شكرًا ليكي لحد كده. تقدري تروحي لحالك."
"بس… بس…"
قالتها بإرتباك. ليرد الآخر بسخرية:
"بس إيه يا بنت خالتي؟ لتكوني قاعدة مستنية ورث خالتك أو إنك تاخدي البيت اللي كانت خالتك مقعداكي فيه. لا يا حبيبتي البيت ده بتاعنا. ويا ريت مشوفكيش بعد كده وإلا رد فعلي مش هيعجبك. ملكيش دعوة بأمنا."
شعرت ميار بالغضب وقالت:
"هو دلوقتي يعني اللي افتكرتوا أمكم؟ دلوقتي اللي جيتوا تدوروا عليها؟ كنتوا فين وهي تعبانة؟ كنتوا فين وهي قاعدة لوحدها في البيت؟ افتكرتوها لما ماتت وبتتهموني أنا اللي عايزة الورث وطمعانة فيه؟ مفيش طمعان وجشع إلا انتوا. ياويلكم من اللي هيحصلكم بسبب اللي عملتوه في أمكم المسكينة. متقلقوش هحضر دفنتها وأمشي."
"ولا هتحضري دفنتها كمان. أنتِ هتيجي معايا يا حيلتها!"
صوت قاسٍ أتى من خلفها. نظرت ميار خلفها لتجد والدها وزوجته.
في المساء…
"نورت بيتي المتواضع يا أنس."
قالتها نيرمين وهي تنظر إلى أنس بابتسامة خبيثة وعينيها الخضراء الشبيهة بعيني ليل تفترسانه. لقد عرفت أنه سوف يأتي.
"إيه ليل مش هنا ولا إيه؟"
قالها أنس وهو ينظر حوله. كان يتمنى بقوة ألا تكون موجودة. هو يعرف أن نيرمين تعشق الأموال أما ليل فهدفها أنس وليس المال.
"ليل مش هنا يا أنس… تقدر تتكلم براحتك."
تنهد بارتياح. فقالت نيرمين بخبث:
"صدقني أنا عاقبتها كويس على اللي هببته معاك ومع ملك. أنت مش هتصدق قد إيه أنا كنت متعصبة منها لأنها اتصرفت بتهور وقالت كلام ميصحش لملك."
"بنتك كانت بتسمم عقل بنتي يا نيرمين وأنا مش متسامح في النقطة دي وممكن أوي أزعل ليل مني."
ابتسمت نيرمين بهدوء وقالت:
"هي اتصرفت بتهور، سامحها معلش المرة دي. أنت عارف إحنا قد إيه بنحب ملك."
ابتسم أنس بسخرية وقال:
"مش قادر أصدقك يا نيرمين للأسف. أنا عارف أنتِ وبنتك عايزين إيه من ملك بالظبط؟ فلوسها صح؟"
لم تتكلم نيرمين فأكمل هو:
"أنا الوصي الشرعي على فلوسها و…"
"وأنا الحضانة من حقي!"
قاطعته نيرمين ثم أكملت:
"يعني ممكن بهدوء آخدها وأربيها لو قررت إنك تتجوز مثلا."
"طيب ما ممكن أعرض عليكي عرض يجنن يا نيرمين؟ عرض مش هتقدري ترفضيه!"
"إيه هو؟"
قالت وعينيها تلمع بشدة.
"قولي السعر اللي عايزاه، أي سعر براحتك. أنا عارف إن الفلوس اللي تهمك مش ملك أبدًا!"
قالها أنس بثقة وهو يضع ساقًا على ساق.
كانت عينيه تلمع بذكاء وعرفت نيرمين أن أنس ألقى جميع أوراقه وهو ينوي الفوز بتلك المعركة مهما كلفه الأمر. برقت عينيها بخبث وهي تفكر أنها لن تجعله يربح. لن تجعله يرتاح ويتخلص منها بتلك السهولة.
نهضت وهي تتهادى في مشيتها وقالت:
"بس أنا بحب لوكا يا أنس… أنا عايزة حفيدتي بما إن شكلك عايز تتجوز وتهملها… أو ممكن نوصل لحل يرضينا إحنا الاتنين."
لم يتحرك أنس ولم ينفعل حتى، بل قال بنبرة باردة:
"قولي عرضك يا نيرمين."
وضعت كفيها على كتفه وقالت بهمس شيطاني:
"تتجوز ليل!"
كاد أن يتحرك إلا أنها شدت على كتفه وقالت هامسة:
"عارفة إن في قلبك واحدة تانية وأنا معنديش مانع تتجوز السكرتيرة بتاعتك… بس مفيش مشكلة لو اتجوزت ليل كمان… وبدل ست يبقي معاك اتنين!"
أبعد أنس يديها ونهض قائلًا:
"أنا اديتك عرض متحلميش بيه… وصدقيني يا نيرمين العرض مش هيتكرر تاني. حتى لو أخدتي ملك مش هتاخدي ولا مليم من فلوسها."
"بس أنت مش هتسيب ملك بالسهولة دي يا أنس، أنا عارفة… مش هتسيب بنت أخوك اللي بتعتبرها بنتك. فأنا أهو بعرض عليك عرض يجنن… تتجوز بنتي مع السكرتيرة اللي مقرر تتجوزها دي وتحتفظ بملك. عادي معنديش مانع!"
"وأنا مش عايز أتزوج بنتك يا نيرمين. صدقيني بنتك لو كانت آخر ست في العالم مش هختارها برضه. مش أنس الصاوي اللي يتلوي دراعه. أنا هتجوز اللي اختارها قلبي ومش هبص لواحدة غيرها أبدًا. وبالنسبة لملك… لا أنتِ ولا بنتك ولا جيش المحاميين اللي هتجيبيه هيقدروا ياخدوها مني. أنا هحاربك بكل الطرق يا نيرمين. صدقيني أنا اديتلك عرض حلو أوي بس للأسف مش هعرضه عليكي مرة تانية… لأن بقول كلمتي مرة واحدة. وأنا قولت كلامي وهتشوفي دلوقتي فعلي وصدقيني هندمك لما تشوفي إن لا الفلوس ولا ملك بقوا معاكي. سلام يا هانم."
قالها ثم ذهب من أمامها لتبتسم هي وتقول:
"أنت اللي اخترت الحرب يا أنس."
عاد إلى المشفي وهو يشعر بالتعب ليجدها قد ارتدت ملابسها ومستعدة للخروج. ما إن رأته حتى صرخت بفزع:
"مروان إيه اللي حصل لوشك؟!"
كان وجهه مشوهًا من أثر الضرب. ولم تفكر حياة لثانيتين وقد عرفت الجواب. بالطبع تعرف من فعل هذا.
"اتخانقت مع أحمد صح؟"
قالتها حياة بتقرير. كانت تخبره لا تسأله.
"أديتله اللي فيه النصيب يا حياة. مظنش هيقرب منك بعد النهاردة."
صمتت حياة وهي لا تريد التفكير بأي شيء. كانت لا تصدق أنها أقدمت على فعل متهور كهذا. لولا مروان لكانت قد ماتت حقًا!
"يالا عشان نروح البيت يا حياة."
"بيتي؟"
تساءلت وهي تنظر إليه، فهز رأسه قائلًا:
"لا طبعًا، أنا قولتلك يا حياة مش هسيبك ترجعي البيت ده إلا لما أطمن إنك بخير وإنك مش هتفكري تأذي نفسك تاني. أنتِ هتيجي بيتي وتقعدي معايا هناك."
"بلعت ريقها وقالت:
"والدك مش هيمانع أنت متأكد؟"
"ملكيش دعوة بيه."
نظرت إليه حياة بتوتر. كانت لا تريد الذهاب ولكنها خائفة أن تكون بمفردها في تلك اللحظة.
أمام قصر وائل…
"مروان أنا بقول أروح بيتي أفضل. يعني أبوك هيقول إيه لما يشوفني داخلة معاك القصر؟ مينفعش."
ابتسم لها مروان بلطف وقال:
"يا بنتي مش قولتلك ملكيش دعوة بأبويا ومترديش عليه لو اتكلم أو عك في الكلام. أنتِ هتقعدي عندي في القصر يومين لحد ما أطمن إنك بقيتي تمام ومش هتفكري في الحاجات الغريبة دي تاني، اتفقنا!"
هزت حياة رأسها وقلبها يرتجف وهي تخرج من سيارة مروان.
دخل مروان القصر وهو يجذب حياة ووجد والده جالسًا على الأريكة شاردًا ويبدو عليه الإنهاك. نظر وائل إلى ابنه الذي معه فتاة غريبة. نظر إلى مروان بحيرة ليقول مروان:
"دي حياة زميلة ليا هتبقى في القصر يومين كده لأن عندها ظروف. هتقعد في أوضة الضيوف."
قال مروان جملته وانتظر الكلام السام الذي سوف يخرج من فم وائل. ولكن لدهشته وائل لم يتكلم بل هز رأسه ونهض بتعب ليصعد غرفته.
رفع مروان حاجبه وقال:
"غريبة يعني مسمعنيش كلام زي السم كالعادة. خير إن شاء الله… وائل بيه فقد الشغف ولا إيه؟"
"والدك باين عليه تعبان يا مروان. مشوفتش شكله!"
"ده أكيد إرهاق الشغل يا حياة… أصل بابا أهم حاجة عنده الشغل… حتى أهم مني!"
لم تقتنع حياة بكلامه ولا مروان أيضًا. مروان كان يرى التعب واضحًا على والده. وعلى الرغم من صعوبة الاعتراف بهذا ولكنه كان خائفًا عليه.
"ربنا يستر…"
تمتم مروان في سره وهو يدعو ألا يكون هناك شيئًا سيئًا قد حدث لوالده. نظر إلى حياة ووجه كلامه لحياة وقال:
"يالا يا حياة تعالي أوصلك أوضة الضيوف. صحيح، هخلي حد يجهز لنا الأكل و…"
كادت حياة أن تعترض ولكن مروان قال بحزم:
"لا يا حبيبتي هتأكلي غصبًا عنك… يالا أوصلك أوضتك والأكل هيوصلك لحد فوق."
ولجت حياة لغرفة الضيوف وهي تشعر بالتعب. ولجت للحمام لتغتسل ثم ارتدت ثيابًا محتشمة وخرجت لتجلس على الفراش بهدوء وهي تغلق عقلها عن التفكير بأي شيء آخر.
دقة على الباب جعلتها تنتبه. نظرت إلى الباب وقالت:
"اتفضل."
ولج مروان وهو مبتسم بينما يحمل صينية الطعام وقال:
"خليت الشيف بتاعنا يعملك المكرونة بالطريقة اللي أنتِ بتحبيها."
ابتسمت حياة بامتنان وقالت:
"أنا بجد بشكرك يا مروان… مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه. أنا مش عارفة أشكرك إزاي."
"أنا هقولك… تشكريني إنك تأكلي بهدوء وتخليني أستمتع بطبق المكرونة بتاعي."
قالها مروان بهدوء لتبتسم حياة وتبدأ في الأكل.
"بالشفاء يا جدو."
قالتها مهرا بابتسامة متألقة بينما تقبله على وجنته. ابتسم جابر وقال:
"ربنا يخليكي ليا يا مهرا."
"ويخليك ليا يا حبيبي ويتم شفاك على خير. يالا دلوقتي روح ارتاح وأنا كمان رايحة أنام في أوضتي."
"أوضتك وحشتك صح؟"
سألها جابر مبتسمًا فهزت رأسها بهدوء ونهضت من جانبه لتذهب لغرفتها.
ولجت مهرا لغرفتها وهي تشعر وكأن شيئًا ما ينقصها. وهذا الشيء هو وجودها بجوار آدم. لقد اشتاقت إليه بيأس. تلك الأيام لا تقضي معه وقتًا طويلاً بسبب مرض جدها. ولكنها عاهدت نفسها ما إن تستقر حالة جدها سوف تقضي معه كل أوقاتها. سوف تعوضه عن غيابها وتتنعم بقربه. أخرجت منامتها الحريرية من الخزانة واتجهت إلى الحمام لتأخذ دشًا سريعًا.
بعد قليل…
خرجت مهرا من الحمام وهي تجفف شعرها. ثم اتجهت إلى المرآة وبدأت تسرح شعرها. فجأة شردت في ذكرى محببة لقلبها.
فلاش باك…
"شعرك جميل زيك!"
قالها آدم وهو يدفن وجهه في شعرها بينما يكمل:
"وريحته تجنن… ريحته جميلة لدرجة إنها بتفضل لازقة في مناخيري طول اليوم."
ضحكت وهي تحاول الابتعاد عنه وتقول:
"يا آدم بقا بطل… وسرح لي شعري وإلا هسرحه لوحدي."
"لا ممنوع."
ابتعد وأمسك المشط ثم بدأ بتسريح شعرها وقال:
"نفسي نجيب بنت يا مهرا ووقتها أنا هحطكم جنب بعض وأسرحلكم شعركم."
"بجد؟"
قالتها وهي تضحك ليهز رأسه فقالت:
"طيب عايزها شبهي ولا شبهك؟"
ابتسم بحب وقال:
"لا أنا عايزها زيك. تكون جميلة بشعر أصفر وعيون شبه العسل الصافي. عايزها تكون شقية كمان وتنور حياة اللي حواليها زي ما أنتِ نورتي حياتي."
تألقت عينيها وهي تستدير وتنظر إليه ثم تعانقه.
باك…
ابتسمت مهرا بسعادة وبدأت في تمشيط شعرها وهي تحتفظ بذكرياتها الدافئة مع آدم.
بعد أن انتهت جلست على الفراش وأخرجت هاتفها وهي تنظر إلى صورتهما سويًا والابتسامة الجميلة تزين وجهها.
في منزل آدم…
كان هو جالسًا على الفراش يتطلع لصورة مهرا في هاتفه وهو يبتسم بحب. كيف تمكنت تلك الفتاة من السيطرة عليه لتلك الدرجة لدرجة أنه يشعر بالنقص لأنها بعيدة عنه. يشعر وكأنه يفتقد شيئًا كبيرًا في حياته. من كان يصدق أن مهرا سوف تمتلك قلبه. لقد كانت دوماً بالنسبة له فتاة مستهترة، لا تهتم بأحد، مدللة، وكان يعد الأيام حتى يطلقها ويتخلص من مسؤوليتها. ولكن سرعان ما أصبحت هي حياته، سبب سعادته. يتذكر دوماً لحظاتهما فيضحك من كل قلبه. هي الوحيدة التي تبسطه بهذا الشكل. السعادة التي عرفها منذ دخلت حياته لم يتذوقها من قبل.
أخرج رقمها من هاتفه ثم اتصل عليها.
في فيلا عزام…
كانت جالسة على الفراش واهتزت عندما رن الهاتف فجأة لتجده آدم. ردت بسرعة ولهفة:
"آدم."
سمعت ضحكته الساحرة من الطرف الآخر وقال:
"إيه يا حبيبتي أنتِ قاعدة على الزرار ولا إيه؟"
"كنت لسه بفكر فيك."
قالتها ووجنتيها تشتعلان من الحب والخجل. ابتسم هو ابتسامة رائقة ورد:
"وأنا كمان يا بت والله البيت ظلم من غيرك يا ميمو."
"بجد يا آدم؟"
"لا طبعًا الكهربا شغالة عندنا عادي."
زمت شفتيها بضيق وقالت:
"أنت دمك تقيل أوي… الله يكون في عون الناموس اللي بيمص دمك."
رفع حاجبيه وقال:
"من فين بتجيبي المصطلحات دي؟ أنتِ أكيت من إنك ترمي الدبش ده؟"
"بجيبها من ليلي أختك."
قالتها ببساطة ليضحك هو بعمق ويقول بتهديد مازح:
"طيب إيه رأيك أنا همنعك تقعدي مع البنت دي تاني. أنا عايزك تكوني كيوت زي ما أنتِ، مفهوم يا زوجتي العزيزة؟"
"مفهوم يا زوجي العزيز."
في اليوم التالي…
"مش قادرة آكل أكتر من كده."
قالتها كارما وهي تزيح بوجهها لينزل سامر المعلقة ويقول:
"مينفعش يا حبيبتي لازم تأكلي عشان تقدري تصمدي. عشان خاطري آخر مرة."
ولكنها هزت رأسها بتعب وقالت:
"معلش لو سمحت متضغطش عليا. أنا مش عايزة آكل."
تنهد وهو رأسه وهو يحمل صينية الطعام ويلج بها إلى المطبخ. تنهدت كارما بتعب. منذ انهيارها منذ عدة أيام وهو يهتم بها بشكل يضايقها. يرفض تركها مهما صرخت به وأخبرته أن يذهب. لقد اعترف لها بحبه، اعتراف انتظرته طويلاً ولكن للأسف الآن لم يعد له أي فائدة. تشعر أن جميع مشاعرها ماتت تمامًا. لماذا تأتينا سعادتنا عندما لم نعد نريدها؟
فكرت بآسف والدموع تتصاعد لعينيها. هي الآن تريد أن يبتعد عنها سامر ويتركها وشأنها. قررت أن تحزم أمرها معه اليوم فهي لا تريده بعد الآن. ما كان يربط بينهما قد ذهب.
فكرت بآسف وهي تضع كفها على بطنها. طفلها الحبيب. لقد اشتاقت إليه كثيرًا. ولكنها الآن متأكدة أنه بالجنة.
في المطبخ…
كان سامر يغسل الأطباق ويوضب المطبخ. يحاول بقدر الإمكان أن يتأخر لأنه يعرف ما سيسمعه من كارما. لقد رأى هذا في عينيها. هي تريد منه الرحيل وهو لا يفكر أبدًا في تركها. لن يتركها وقد توضحت مشاعره من ناحيته. كل التشتيت الذي كان يشعر به من جهة مشاعره تجاه كارما اختفى ما إن رآها ساقطة على الأرض لا تتحرك. شعر حينها بالرعب. كان خائفًا كما لم يكن خائفًا من قبل. حينها قرر أن مهما حدث لن يتركها مجددًا. عرف وقتها أنه قد أغرم بها.
ابتسم سامر بسخرية وهو يفكر كما أن الإنسان كائن غبي. يدرك قيمة الشيء عندما يفقده. وهو أدرك قيمة كارما لديه عندما كاد أن يفقدها. وكم ارتعب وقتها. ولكن الحمد لله كل شيء مر بخير. انتهى أخيرًا من تنظيف المطبخ وابتسم وهو يجد كل شيء نظيف. الآن سوف يقنع كارما أن ترتدي ملابسها وتخرج معه للتنزه وعندها سوف يقنعها لتذهب لطبيب نفسي لعلها تقتنع.
خلع سامر مريول المطبخ وتنفس عدة مرات قبل أن يخرج من المطبخ ويذهب لغرفتها. أخيرًا هدأ من اضطرابه وخرج من المطبخ.
كانت كارما تجلس مكانها وهي شاردة كليًا.
"كارما حبيبتي."
نظرت إليه ببلادة. عينيها خالية تمامًا من المشاعر. ابتلع ريقه وقال:
"إيه رأيك نخرج شوية؟ تحبي تروحي فين؟"
"أنا عايزك تمشي!"
هكذا قالتها بكل هدوء وهي تنظر إليه بينما تنهض من الفراش. لا تهتم كم جرحته. فكل ما تريده حقًا أن يذهب من هنا، أن يتركها وشأنها. يكفي ما فعله معها.
تنهد سامر بآسف. لقد جرحته. ليس مرة واحدة بل مرات عديدة ولكنه قرر أن يتحمل حتى تتقبل وجوده فمن المستحيل أن يتركها بعد ما كاد أن يفقدها. اقترب أكثر منها وقال:
"حبيبتي اسمعيني بس."
تراجعت وهي تقول:
"أنا مش عايزة أسمع حاجة يا سامر. أنا عايزك تمشي. اهو أنا بقولها بهدوء. امشي من هنا. ارجع لحياتك وأنا هرجع لحياتي. اللي كان بيربط بيننا خلاص مات."
حاربت الدموع التي بدأت تتصاعد لعينيها وشعرت بالاختناق ولكن كانت قد أخذت قرارها. تلك ستكون آخر محادثة مع سامر. ستكون قاسية لكي يبتعد عنها. هي لا يمكنها أن تتقبله في حياتها مرة أخرى.
"كارما أنا بحبك… الحب هو اللي بيربطني بيكي."
رفعت رأسها وقالت:
"بس أنا مبحبكاش يا سامر. دي الحقيقة."
"أنتِ كدابة."
قالها بإنفعال. ثم اقترب منها بغتة وجذبها إليه وهو يقول:
"بصي لعينيا وقولي إنك مبتحبنيش."
رفعت عينيها إليه وقال ببرود:
"أنا مش بحبك!"
"أتأكدت دلوقتي؟ يالا امشي لو سمحت!"
وهكذا كتبت هي نهايتها معه. أما هو فلم يكتب النهاية بعد ولم يستسلم حتى.
في المساء…
كان يقف أمام الفيلا ينتظرها. لقد غابت يومًا عنه واشتاق إليها بيأس. لقد شغلت مهرا حيزًا كبيرًا في حياته. لقد امتلكت قلبه كما لم يمتلكه أحد من قبل. والأغرب أنه سعيد لأنها تسيطر على مشاعره بكل تلك القوة.
خرجت مهرا من الفيلا وهي تسير ناحيته تنظر إليه باشتياق. مد كفه لتمسكها هي بلهفة وتقول:
"وحشتني."
"وأنتِ أكتر… أنا خلصت شغل بدري النهاردة. نروح نتمشى وبعدين نروح البيت."
هزت رأسها بحماس. ليسير بها ممسكًا كفها بينما هي تطير من السعادة.
أمام النيل…
كانت تتنفس بعمق وهي تنظر إلى غروب الشمس بينما تمسك كف آدم وقد شعرت في تلك اللحظة براحة لم تشعرها من قبل. حياتها أصبحت هادئة، ساكنة، ولكن لا تعرف لماذا تشعر أن هذا الهدوء الذي قبل العاصفة. لا يمكن للحياة أن تستقيم دائمًا. بالطبع سوف يحدث ما يعكر صفو سعادتهما. هذا أكيد.
"بتفكري في إيه؟"
تساءل آدم وهو يحاصر عينيها العسلية. يذوب بها.
"خايفة."
عقد حاجبيه بحيرة وقال:
"خايفة من إيه يا مهرا؟ جدك بيتحسن و…"
شدت على كفه وهزت رأسها قائلة:
"أنا فرحانة يا آدم. مبسوطة وأنا معاك. مبسوطة إنك بتحبني وبتديني الحب الكبير ده… بس خايفة الحب ده ميستمرش. خايفة تحصل حاجة تبعدك عني… أو تحصل بيننا مشاكل."
اقترب منها وهو يقول:
"ده مش هيحصل أبدًا يا مهرا. أنا عمري ما هبعد عنك أبدًا أبدًا. هتفضلي دائمًا في حياتي وقلبي كمان."
كانت تذوب بسبب كلماته الرائعة وقالت:
"يا سلام لو يبقى كلامك حلو كده طول الوقت بدل ما الدبش اللي بترمي عليا في نص الكلام."
ضحك آدم وقال:
"بحب أنكشك يا ميمو… اللي يحبك ينكشك."
"يعني أنا ينفع أنكشك يا آدم؟"
اقترب منها وقال:
"يا باشا أنت تنكش براحتك."
نظرت للأسفل ووجهها أحمر من الخجل. أخرج هو هاتفه وقال:
"يالا نتصور صورة أنا وأنتِ."
هزت رأسها ليضع هو ذراعه على كتفها ويجذبها إليه ثم يلتقط الصورة.
وصلا إلى المنزل ليجدا ميعاد العشاء قد أتى.
"يالا جهزوا يا عيال أنا الشيف النهاردة."
قالتها ليلي بمرح لينظر آدم بتوتر إلى مرام ويقول:
"يعني كده نجهز نمرة الإسعاف."
"أخص عليك يا آدم قصدك إيه أنا أكلي وحش يعني؟"
قالتها ليلي بغضب ليضحك آدم ويقول:
"بصراحة كده هو مش وحش بس أنتِ بتعملي وصفات غريبة الواحد يخاف ياكلها. كنتِ خلي مرام تعمل الأكل."
تخصرت ليلي وقالت:
"والله مرام وهي بتعمل الرز حطت سكر بدل ملح."
احمر وجه مرام لتنظر ليلي إليها بخبث وتقول:
"الله أعلم يا أخويا مين اللي شاغل عقلها للدرجادي."
اقتربت مهرا من آدم وهمست:
"خلينا ناكل يا آدم وإلا مش هنخلص من لسان ليلي."
هز آدم رأسه وقال:
"عندك حق!"
ثم اتجه إلى طاولة الطعام.
كان الجميع يأكل بهدوء وكاد آدم أن يمسك كف مهرا من تحت الطاولة عندما قالت ليلي:
"يا ريت يا مهرا متمسكيش إيد أخويا من تحت الترابيزة زي المرة اللي فاتت."
سعلت مهرا بقوة لتضرب حسناء ليلي على رأسها وتقول:
"قومي يا بنت من الأكل."
"يا ماما أنا بهزر."
"بقولك قومي يا ليلي. أنتِ مصيبة متحركة. قومي بدل ما ألبس الأكلة الغريبة اللي أنتِ عاملاها دي في وشك. قومي يا بت."
ضحك الجميع لتنهض ليلي وتقول:
"يوووه يارب أتزوج واحد ينقذني من البيت العنصري ده. أنا هبلغ عنكم حقوق الإنسان وأقول مش عايزين تأكلوني يا عيلة ظالمة!"
ضحكت مهرا وأخذت الطبق وقالت:
"استني يا بت يا أم لسان طويل هنأكلك!"
وقف أمام بناية حياة وعيناه رطبة بفعل الدموع. بدأ أحمد وكأنه خرج من الجحيم للتو. يتذكر كم صرخ حينما أخبره مروان أن حياة ماتت. لقد شعر وكأن أحدهم اقتلع قلبه من صدره وألقاه أرضًا ثم داس عليه. شعر أن أحدهم يصرخ في رأسه بقوة. ضوضاء لا تهدأ في رأسه. يشعر وكأن العالم يصرخ من حوله. لقد فقدها… وهو السبب في هذا. هو من دفعها لتنهي حياتها. هو لن يسامح نفسه أبدًا على ما فعله أبدًا. سيظل دوماً محتقرًا نفسه. سيظل دوماً يكره نفسه. لن يسامح نفسه أبدًا. هذا مستحيل.
اقترب من البواب لينظر إليه الرجل بخوف. كان أحمد شكله مثير للشفقة. عيناه حمراء وملابسه مجهدة. الإنهاك يظهر بوضوح على وجهه. اليوم السابق قضاه وهو يسير في الشوارع بلا وجهة محددة. كان الجميع ينظر إليه بخوف. نفس نظرات البواب تمامًا.
"حياة… حياة…"
فعلها أحمد بإنهيار ودموعها تنساب على وجنته.
"تقصد الآنسة اللي ساكنة في الدور الثاني دي انتحرت و…"
لم يتركه أحمد يحمل كلامه بل ذهب من أمامه بسرعة وهو يبكي.
"يا أستاذ يا أستاذ استنى أكمل كلامي!"
قالها البواب ثم ضرب كل على كفه وقال:
"لا حول ولا قوة إلا بالله. الراجل مخلنيش أكمل كلامي وأقوله إن الشاب اللي معاه قدر ينقذها!"
فتحت والدة أحمد الباب لتجده واقفًا وعيناه حمراء بسبب البكاء. وما كادت أن تتكلم حتى انهار بين ذراعيها وهو يبكي بعنف ويقول:
"حياة… حياة ماتت وسابتني. حياة ماتت بسببى يا أمي عمري ما هسامح نفسي أبدًا. عمري…"
اتسعت عيناها بصدمة بينما هو يبكي بعنف كالطفال. الألم داخله لا يحتمل. يشعر وكأن أحدهم يعصر قلبه بقوة.
"إيه اللي أنت بتقوله ده يا أحمد؟"
قالتها والدته وهي مصدومة ليبتعد هو عنها ويقول بصوت مختنق بفعل البكاء:
"دي الحقيقة يا أمي… حياة ماتت… ماتت وبسببي وأنا كمان حاسس إني هموت. مش قادر أستوعب إنها سابتني ولا قادر أستوعب إني السبب. أمي أنا مستاهلش أعيش صح؟"
هزت والدته رأسه ودموعها تنساب على وجهها ثم جذبته للداخل.
بإنهيار جلس أحمد على الأريكة ثم انفجر بالبكاء. بدأ يبكي حتى شعر أن بح صوته. كانت حنجرته تؤلمه بفعل الصراخ. كان لا يصدق أنها تركته وذهبت. حبيبته ذهبت.
"إيه اللي أنت بتقوله ده يا أحمد؟"
قالتها والدته وهي مصدومة ليبتعد هو عنها ويقول بصوت مختنق بفعل البكاء:
"دي الحقيقة يا أمي… حياة ماتت… ماتت وبسببي وأنا كمان حاسس إني هموت. مش قادر أستوعب إنها سابتني ولا قادر أستوعب إني السبب. أمي أنا مستاهلش أعيش صح؟"
هزت والدته رأسه ودموعها تنساب على وجهها ثم جذبته للداخل.
بإنهيار جلس أحمد على الأريكة ثم انفجر بالبكاء. بدأ يبكي حتى شعر أن بح صوته. كانت حنجرته تؤلمه بفعل الصراخ. كان لا يصدق أنها تركته وذهبت. حبيبته ذهبت.
"يا ابني افهمني بس هي ماتت إزاي متقلقنيش يا أحمد!"
"انتحرت."
قالها أحمد ودموعه تنساب من عينيه.
"شهقت والدته وقالت:
"يا حبيبتي… يا حبيبتي…"
"انتحرت بسببي… أنا السبب… يا ريتني ما دخلت حياتها… يا ريتني يا أمي كنت بعدت عنها… يا ريتني ما جرحتها بالشكل ده… أنا بتمنى أموت… ياريت أموت يا أمي ياريت أموت."
بكت والدته وعانقته وهي تقول:
"بس يا ابني… بس الله يرحمها متعملش في نفسك كده."
ولكن أحمد لم يهدأ بل ظل يبكي. بكى كم لم يبكِ من قبل.
بعد ساعة…
كانت والدة أحمد تنظر إليه بآسف بينما هو ينام على الفراش. قبلته على رأسه وذهبت لتنام على فراشها.
في اليوم التالي…
نهض أحمد من فراشه وغسل وجهه ثم ذهب دون أن يبدل ملابسه. كان سيذهب إلى بنايتها. يأمل أن يكون كل ما سمعه كذب، أو كابوس سيء.
بعد ساعة…
تجمد أحمد وهو يراها تقف أمام البناية تتحدث مع البواب. فرك عينيه بقوة ليجدها موجودة بالفعل. ركض إليها وهو يصرخ:
"حياااااة…"
نظرت حياة برعب إليه ليصل هو لها ويضمها بقوة.
في غرفة آدم ومهرا…
كانت تنام وهي تضع رأسها على صدره. بينما تضع يديها على قلبه. أما هو فكان يضمها بكليتها إليه. فتح آدم عينيه ليجد مهرا نائمة. كتم ضحكته وهو ينظر إليها. كانت طريقة نومها غريبة للغاية. شعرها مشعث قليلاً وتفتح فمها مخرجة أصواتًا غريبة. ليس شخيرًا بالمعنى الحرفي، بل أصواتًا كأنها تتشاجر مع أحد.
استدار قليلاً نحو المنضدة التي بجوار الفراش والتقط هاتفه وهو يقول:
"الواحد مبيلاقيش الفرص دي دايما… وأنا لازم أستغلها… سوري يا مهرا بقا…"
ثم صورها بسرعة بهذا الشكل المضحك ووضع الهاتف بجواره وهو يعود إليها ويداعب شعرها. اقترب منها وقبلها على أنفها. ثم وجنتيها وشفتيها. ابتسمت مهرا وهي تشعر كأنها تحلق في السماء. فتحت عينيها بحب لتجده ينظر إليها بحب. ابتسمت وقالت:
"صباح الخير."
"تقصدي مساء الخير يا عمري الساعة عدت اتناشر."
"يالهووي يا آدم طيب وشغلك!"
ضمها إليه أكثر وقال:
"لا مش عايز أروح الشغل النهاردة. قررت نخرج النهاردة سوا… أنا وأنتِ وبس. إيه رأيك؟"
لمعت عينيها العسلية وابتسمت له بحب قائلة:
"موافقة طبعًا!"
ثم نهضت وهي تتجه إلى الخزانة وتخرج ملابسها قائلة:
"هاخد شاور بسرعة وأجي."
ابتسم آدم ونهض ثم قبلها على رأسها وخرج.
وجد آدم والدته تقرأ القرآن. ابتسم آدم واقترب منها ثم قبلها على كفها وقال:
"مساء الخير يا ست الكل."
"مساء الخير يا آدم… فطارك جاهز أنت ومهرا. مرام عملته بس أنت سخنه."
هز آدم رأسه وقال:
"لا يا ماما أنا قررت أخرج النهاردة أنا ومهرا ونأكل برا. المسكينة بقالها فترة نفسيتها تعبانة بسبب جدها قولت أرفه عنها شوية."
فرحت حسناء وهي تربت على كفه وتقول:
"برافو عليك يا ابني والله… أيوة المسكينة حرام بحسها باهتة وحزينة دايما… ربنا يشفي جدها يا رب. أنا مبسوطة أوي إنك مش مقصر مع جدك كمان."
لمعت عيناه بغضب طفيف وقال:
"جابر مش جدي. ولو كنت بروحله فده عشان مهرا وبس يا أمي. مش عشانه ولا هو يهمني أصلًا."
كانت وقتها قد خرجت مهرا وسمعت حديثه. ابتلعت ريقها وشعرت بالحزن يهاجمها فجأة. كادت أن تذهب لتستحم وتتجاهل ما تسمعه ولكن لم تستطع. اقتربت من آدم وقالت:
"مينفعش تتكلم على جدي بالشكل ده يا آدم."
نظر إليها آدم وقال ببرود:
"والله أنا مقولتش عليه حاجة يا مهرا ولا أهنته. أنا بفهم أمي وبفهمك بالمناسبة إن وقفتي جنب جابر عزام الأيام اللي فاتت عشان خاطرِك أنتِ وبس. لكن هو ميهمنيش أصلًا… ولا عمري ههتم بيه. هيفضل في نظري الراجل اللي دمر حياتي… وهفضل طول عمري أكرهه!"
ابتلعت مهرا ريقها وتصاعدت الدموع لعينيها وهي لا تصدق كيف يمكن لآدم أن يمتلك كل هذا الكره في قلبه. حاولت أن تقدر غضبه، أن تقدر أنه عاش مأساة بسبب جدها ولكن هو أصبح يبالغ.
"ولحد إمتى يا آدم هتفضل بتنفي جدك برا حياتك؟ لأمتى هتفضل كارهه كده؟ مش آن الأوان تسامح؟ أن الأوان تستمتع بقربه؟"
اختنق صوتها وقالت:
"جدي مش باقي له كتير أنا حاسة بكده. الأولى إنك تقرب منه الأيام دي وتفضل معاه بدل ما تندم بعدين. ده غير إنه ممكن يساعدك بشغلانة أحسن. شغلانة تساعدك تجهز مرام وليلي وتصرف على بيتك!"
تجمد وجهه وهو ينظر إليها وقال:
"آه قولي كده بقا… حضرتك مبقتش عاجباكي العيشة بتاعتي ولا الشغل بتاعي. أكيد أنتِ مكسوفة مني صح؟ يعني مهرا-آدم! مهرا مقصدتش كده!"
نهرته والدته ولكنه لم يرد بل قال بقسوة:
"بقولك إيه يا مهرا… دي حياتي… ودي شغلتى لو مش عاجباكي أنا مجبرتكيش تعيشي معايا صح… تقدري تمشي!"
قالها ثم ولج غرفته لتتجمد وهي تشعر وكأن أحدهما يعتصر قلبها. لا تصدق أنه قال هذا. بعد قليل كان قد ارتدى ملابسه وغادر دون حتى أن ينظر إليها.
"مهرا بنتي آدم مش قصده."
قالتها حسناء بإرتباك. ابتسمت مهرا بسخرية وولجت هي أيضًا لغرفتها.
مضت ربع ساعة ثم خرجت من الغرفة وهي بكامل ثيابها معها حقيبة صغيرة.
"مهرا يا بنتي اعقلي آدم مش قصده."
نظرت مهرا بشفقة إلى حسناء وقالت:
"لا يا طنط آدم قال كل اللي في قلبه ونهى كل حاجة. هو اللي اختار كده."
ثم تركتها وخرجت مسرعة بينما حسناء تصرخ باسمها.
رواية عروس رغما عنها الفصل الخامس 5 - بقلم سوليية نصار
كانت حسناء تضع كفها على رأسها وهي تشعر باليأس. لقد غادرت مهرا، وغادرت معها سعادة آدم. لقد ضيع ابنها بغبائه سعادته، ضيع كل شيء بسبب عناده الذي لا فائدة منه. تعرف أنها ومهرا ضغطا عليه، لكن كان يجب أن يسيطر على أعصابه قليلاً. تنهدت حسناء وهي تدعو الله أن تنحل تلك المشكلة. لقد حاولت الاتصال بآدم ولكنه لم يرد عليها. كان مصمماً على عناده، ومهرا أيضاً لن تصمت تلك المرة، هي تشعر بهذا.
خرجت مهرا من سيارة الأجرة ووقفت أمام الفيلا وهي تمسح دموعها التي تغرق وجنتها. لا تصدق أن آدم قال هذا لها، لا تصدق أنه قالها مجدداً. هو يعاملها كأنها لا تمثل أي أهمية في حياته، بينما هو كل حياتها! من قال إن حاله لا يعجبها؟ هي تقبلته كلياً. تركت منزلها وعاشت معه لأنها فقط تحبه، ومستعدة أن تذهب لآخر العالم فقط من أجله! ولكن آدم جرحها اليوم، حطم قلبها. شعرت وكأن كل حبه لها تبخر، أحست باليأس منه. هل ستنتهي قصتهما بتلك السهولة؟ تنهدت مهرا بتعب وهي تفكر، ثم اتجهت للفيلا وهي ترسم السعادة المزيفة على وجهها.
"مهرا!"
قالتها مروة بدهشة وهي تراها تحمل حقيبتها، والآلاف السيناريوهات ارتسمت في عقلها. كان جابر يجلس على مائدة الطعام يتناول طعام الغداء.
"هو الواد الجلنف اللي اسمه آدم زعلك يا مهرا؟"
قالها جابر لترد مهرا بسرعة وقد ادعت البهجة:
"لا يا دومي عمره ما يزعلني، أنا بس طلبت أقعد أسبوع معاك لأنك وحشتني وهو رضي. ده حتى كمان وصلني لهنا قدام بوابة الفيلا وبعدين مشي."
"مدخلش حتى يشوفني!"
قالها جابر وقد بدأ اليأس يتملك من قلبه. لتقترب مهرا وهي تضع حقيبتها على الأرض وتقول:
"معلش يا جدو، هو هيروق لوحده. وبعدين ده سأل عنك حتى. آدم طيب والله بس عنيد شوية."
اقتربت أكثر وهي تطبع قبلة على وجنته وتقول:
"زيك كده بالضبط. هو شبهك في كل حاجة."
ابتسم الجد بحب وقال:
"أتمنى إنه يسامحني قبل ما أموت."
"بعد الشر يا جدو، متقولش كده. هتفضل عايش وتشيل عيالي أنا وآدم بإذن الله."
"يارب يا بنتي أشوف أحفادكم يارب."
في الورشة.
كان آدم يدور يميناً ويساراً وهو يشعر بالغضب. ما حدث منذ قليل أغضبه. ليس كلام مهرا فحسب، بل هو غاضب من نفسه لأنه فقد أعصابه بتلك الطريقة العنيفة. ولكن مهرا داست على الجرح بقوة. ألا تعرف أنه يقاوم مشاعره تجاه جابر؟ هو بشق الأنفس يمنع نفسه من أن يغفر له. ولكن وضعه الصحي المتدهور جعله يقلق على جده. أغمض عينيه وهو حتى لا يريد التفكير في الكلمة. جابر عزام ليس جده ولن يكون. جابر عزام سيبقى دوماً الرجل الذي تخلى عنه وعن عائلته. وكلما أراد أن يغفر يجب أن يتذكر هذا.
اتسعت عينا حياة بينما أحمد يضمها بكل تلك القوة ويبكي. عادت لوعيها وهي تدفعه عنها وتقول:
"ابعد.. ابعد! إيه اللي انت بتعمله ده؟"
ابتعد أحمد وهو يعانق وجهها ويقول ودموعه تتساقط من عينيه:
"إنتِ عايشة.. عايشة معقول؟"
نظرت إليه حياة بتوجس. تشعر أنه قد فقد عقله. أبعدته بعنف وهي تدرك الوضع المخجل لهما سوياً أمام بواب بنايتها. بينما هو ما زال ينظر إليها بذهول. قلبه يخفق بقوة. يشعر أن الألم العظيم الذي كان يسيطر على قلبه اختفى تماماً. فقط السعادة الآن كانت تملأ أركان قلبه.
"أنا.. أنا.."
قالها بصوت مختنق والدموع تنساب من عينيه بينما أمسك ذراعيها. وأكمل:
"افتكرتك متي يا حياة.. صدقيني كنت هموت وأنا فاكر أنك متي خلاص وسبتيني!"
"ابعد عنها!"
قالها مروان ببرود وهو يرى أحمد يمسك بذراع حياة. نظر إليه أحمد وعيناه مشبعة بالغضب. هذا الرجل جعله يعيش أسوأ يوم في حياته. هذا الرجل خدعه وحمله ذنب موت حياة! جعله يعيش أسوأ يوم في حياته وهو يظن أنه قاتلها! احمر وجه أحمد من الغضب. جل ما أراده فعله الذهاب إلى مروان وخنقه حتى يلفظ أنفاسه!
"آه يا حقير يا واطي!"
صرخ بها أحمد وهو يقترب من مروان ويلكمه بقوة. وضعت حياة كفها على فمها وهي تصرخ بقوة. لا تستطيع تصديق ما يحدث. لكم مروان أحمد بدوره ولكن أحمد كان جامداً لا يتحرك. غضبه جعله أقوى من مروان بكثير. بدأ أحمد يضرب مروان بعنف ومروان يحاول بكل قوته أن يضربه. وضعت حياة كفها على فاها وهي تصرخ وتبكي. بينما بواب البناية حاول الفصل بينهما فلم يستطع. تجمع بعض الناس حولهما وتبرع أحدهم كي يتصل بالشرطة.
في مركز الشرطة.
كان كلا من أحمد ومروان واقفان أمام الشرطي وهو ينظر إليهم بضيق. نظر الضابط لوائل وقال:
"يعني كده تمام يا باشا مش هتعملوا محضر ولا حاجة."
هو وائل رأسه وقال:
"لا يا باشا. أحمد ومروان زي الأخوات ودايماً بيتخانقوا بس ده مش هيحصل تاني."
هز الضابط رأسه وقد قرر إخلاء سبيلهما.
بعد أن خرج مروان من مركز الشرطة هو وأحمد انتظر من والده أن يوبخه بقوة على ما فعله، ولكن لدهشته والده لم يفعل هذا. لم يوبخه ولم يهنه. بل نظر إليه وقال بهدوء:
"أنا رايح الشركة دلوقتي يا مروان، روح أنت وحياة على البيت ومتعملش مشاكل تاني."
رفع مروان حاجبيه ولكن لم يعلق بل هز رأسه بينما وائل يتجه لسيارته.
بعد أن ذهب وائل نظر مروان إلى حياة وقال:
"يلا يا حياة نروح من هنا؟"
هزت حياة رأسها موافقة وكادت أن تذهب معه إلا أن أحمد وقف في طريقها وقال:
"حياة خلينا نتكلم شوية لو سمحتي."
وقف مروان في وجهه وقال ببرود:
"حياة مش عايزة تكلمك ولا تشوفك. إياك تقرب منها يا أحمد وإلا أنا اللي هقف في وشك وهزعلك!"
نظر إليه أحمد باحتقار وقال:
"لا هقرب.. وهتكلم معاها.. لأن حياة تخصني. أنت ولا غيرك مش هيمنعوني من البنت اللي بحبها! أنا كنت جبان قبل كده لما سبتها ومشيت. بس مش هكون جبان المرادي. أنا هتمسك بحياة وأنا عندي أمل إنها ترجعلي لما تشوف قد إيه أنا بحبها!"
نظر مروان إلى أحمد بشرود لثوانٍ ثم عاد لرشده وقال:
"يلا يا حياة نمشي من هنا."
ثم مشت هي معه دون أن تنظر لأحمد الذي ينظر إليها بألم يفوق الألم الذي يشعر به في وجهه المشوه جراء ضرب مروان له.
في سيارة مروان.
نظرت حياة إلى وجهه المكدوم وقالت:
"انت مخلت يا مروان. قولتلُه إني متُّ وانه السبب في موتي بجد!"
ابتسم مروان بتسلية وقال:
"كان عايز فرصة ودن بسيطة!"
"والله فعلاً انت مجنون!"
"آه!"
صرخت ميار بألم بينما أبوها يضربها. كان عثمان يرفع الحزام الجلدي الخاص بها ويضربها بقسوة.
"بابا كفاية أبوس إيديك!"
قالتها ميار وهي تبكي بعنف بينما انفجرت من فمها الدماء بسبب كثرة الضرب. شعرت أن جلدها يتمزق وهو يجلدها كأنها جماد لا تشعر.
"أنا هربيكي من أول وجديد يا عديمة الشرف.. تِهربي من البيت وتروحي تتسرمحي عند خالتك وعيالها.. يا ترى بعتي نفسك بكام يا بنت الكلب!"
"يا بابا والله ما حصل أنا.."
قاطعت كلامها علياء التي تقف بجوار باب الغرفة قائلة:
"انت لسه هتسمعها يا عثمان.. خلاص بنتك حطت راسك في الطين.. خالتها عندها تلات شباب والله أعلم كانت بتعمل إيه هناك معاهم.. إيه هتكون بتلعب كوتشينة مثلا! أكيد كانت بتلعب بشرفك وفرحانة وإحنا لفينا عليها الدنيا!"
تلك الكلمات التي أطلقتها علياء بخبث جعلت عثمان يغضب أكثر ويرفع حزامه ويضرب ميار بقوة أكبر، وهو يصرخ بها. كانت ميار تصرخ لدرجة أنها شعرت أن حبالها الصوتية تكاد تتمزق. والدموع تنفجر من عينيها. تمنت في تلك اللحظة أن تموت وترتاح. كانت علياء تجلس على المقعد، ترفع ساقاً على ساق وعلى شفتيها ابتسامة شامتة. الضربات التي تتلقاها ميار كانت تطربها بشدة. تلك الضربات تذكرها بضرب والدتها لها. والدتها أيضاً كانت تضربها بتلك القسوة وقد شعرت علياء بالسعادة وهي ترى امرأة أخرى تُعامل بنفس الطريقة التي عوملت هي بها.
"حطيتي راسنا في الطين يا بنت الكلب.. مش كفاية أنك معمرتيش مع جوزك.. طبعاً أكيد اكتشف مشيك البطال!"
كانت ميار تضع رأسها على الأرض دموعها تنفجر من عينيها ولا تقوى حتى على الصراخ. تتلقى الضرب البشع من والدها وهي تشعر أنها تغيب عن الوعي.
"خلاص يا حبيبي.. بنتك اغمي عليها.. ارتاح دلوقتي ونكمل عليها بعدين!"
قالتها علياء بنبرة متشفية وهي تنظر إلى ميار الفاقدة للوعي. ابتعد عثمان وهو يلهث بعنف. جزء من قلبه يعتصر ألماً وهو يرى ابنته بتلك الحالة. ولكن كان يجب أن يربيها. ميار قد دنست شرفه. تطلقت وهربت من منزلها ووجدها مع ثلاث شباب! هو لم يحسن تربيتها للأسف.
"خلاص كده أظن هي اتعلمت الأدب ومش هتعمل كده تاني.. لما تصحى خليها ترتاح وتأكل كويس."
لوت علياء فمها وقالت:
"وتحب أغسلها رجليها بالمر يا حنين.. يا راجل انت هتجنني.. بنتك حطت راسك في الطين وانت مصمم تبقى متساهل معاها."
"أومال عايزاني أموتها يعني يا علياء.. دي بنتي برضه!"
نهضت علياء واقتربت منه وهي تلمس كتفه وتقول بفحيح كالأفاعي:
"يا حبيبي بنتك مش هتموت من الضرب ولكن لو عملت حاجة تاني وفضحتنا إحنا اللي هنموت.. بعدين متنساش دي كانت لسه متطلقة يدوب وراحت لآدم والله أعلم إيه اللي حصل بينهم ولا انت مش هترتاح إلا لما بنتك تدخل علينا بابن حرام."
كان يقتنع عثمان بكلامها وقد ابتسمت وهي تدرك هذا. كانت تريد أن يعذبها عثمان أكثر. تريد أن تفرح فيها! نظر عثمان إلى علياء وقال:
"يعني أعمل إيه؟"
هزت علياء كتفها وقالت:
"تفضل حارمها من الخروج وتديها كام علقة لحد ما نجوزها ونرتاح من همها.. إيه رأيك."
استحسن عثمان فكرتها وقال:
"بس خلاص النهاردة مش هضربها تاني ولا بكرة حتي من أول ما جبتها من إسكندرية وأنا بضربها أنا مش عايزة أعملها عاهة ولا حاجة."
لوت علياء فمها وقالت:
"طيب يا حنين خلاص مش هنعملها حاجة النهاردة ولا بكرة.. حلو كده يا أخويا."
هز عثمان رأسه وخرج من الغرفة لتقول علياء بسخرية:
"آهات آخر زمن!"
ولج إلى المنزل وهو يشعر بالتعب ليجد والدته وشقيقتيه جالسين على الأريكة.
"مهرا مشيت.. ارتحت."
قالتها ليلي بغضب ليشحب قليلاً فأكملت حسناء بلوم:
"بعد ما حضرتك طردتها أخدت شنطتها ومشيت."
"أنا مطردتهاش!"
قالها مدافعاً عن نفسه لترد حسناء وتقول:
"لو مش عاجبك حياتي أمشي! مش ده اللي قولته.. يا بني مينفعش تقول لمراتك كده."
ربع ذراعيه وقال بإنفعال:
"واهي أثبتت إن حياتي مش عاجباها ومشيت اهي. هي مقدرتش تعيش في مستواي وعايزاني أروح لجابر عزام أترجاه يشغلني!"
نهضت حسناء وقالت:
"هي مين دي اللي مش عاجباها حياتك! يا بني دي سابت عز جدها وجت تعيش معاك.. مع أمك وأخواتك.. في الوقت اللي كل البنات بتشرط إن يكون ليها شقة خاصة بيها هي رضيت تعيش معاك هنا! قول لي بقى إزاي مش راضية بوضعك. وحتى لو غلطت دي مش كلمة تقولها. اتفضل يالا روح جيبها زي ما زعلتها!"
ضحك آدم بسخرية وقال:
"هو أنا اللي زعلتها!"
"أيوه انت روح جيبها يالا.. متخليهاش تبات برا بيتك وهي زعلانة!"
هز آدم رأسه بعناد وقال:
"لا يا أمي.. مش أنا اللي مشيتها.. هي مشيت من نفسها.. يبقى تيجي من نفسها.. أنا مش هروح عشان أجيب حد.. وده آخر كلام عندي!"
دخل لغرفته لتضرب حسناء كل على كف وتقول:
"ربنا يهديك يا بني على عنادك ده.. انت اللي هتندم في الآخر."
ولج آدم لغرفته وأغلقها بغضب وهو يدور حول نفسه. لا يصدق أنها تركت البيت وذهبت بتلك السهولة. جل ما كان يريده الآن أن يذهب إليها ويجلبها بالإجبار ولكن لا. هو لن يخضع لها. عليها أن تعرف أنها هي المخطئة بحقه. هز آدم رأسه وقال:
"لا مش هروح عشان أجيبها.. لو عايزة تيجي تيجي.. لكن أنا مستحيل أروح وأجيبها."
قال كلمته ثم أخرج ملابسه من الخزانة وذهب لكي يأخذ دوش وينام.
في فيلا عزام.
كانت مهرا تجلس على فراشها. دموعها تنساب على وجنتها وهي تنظر لصورتها هي وآدم. قلبها يؤلمها. لقد أوجعها آدم اليوم. ورغم أنه أوجعها إلا أنها لا تستطيع أن تكرهه. هي ما زالت تحبه بقوة. ما زال هو مالك قلبها. وستظل تحبه حتى تموت.
طرقة على الباب جعلتها تجفل. مسحت دموعها بسرعة وخبأت هاتفها وابتسمت بهدوء قائلة:
"ادخل."
ولجت مروة إلى الغرفة واتجهت إلى فراش مهرا. جلست عليه وهي تتأمل ابنتها. توترت مهرا وقالت:
"فيه إيه يا ماما.. بتبصي لي كده ليه؟"
"مهرا إيه بينك وبين آدم؟ إيه المشكلة اللي حصلت المرة دي؟"
تلعثمت مهرا وقالت:
"هي.. هيكون فيه إيه يعني يا ماما.. مفيش أي حاجة بيننا.. إحنا كويسين الحمد لله.. وهو بيسلم عليكي و.."
قاطعتها مروة وقالت:
"مهرا! إنتِ بنتي وأنا حافظاكي.. الحزن اللي على وشك ده مستحيل يكون من فراغ.. إيه اللي حصل؟"
انفجرت فجأة مهرا وهي ترمي بين ذراعي والدتها تبكي تقص عليها ما حدث.
بعد قليل.
وبعد أن انتهت مهرا من كلامها. نظرت إليها مروة وأمسكت كفها قائلة:
"حبيبتي مهرا إنتِ غلطتي."
"أنا برضه يا ماما!"
قالتها مهرا بينما دموعها ما زالت تنساب على وجنتها. لتهز مروة رأسها وتقول:
"وآدم برضه غلط.. انتوا الاتنين غلطتوا أوي.. مهرا يا حبيبتي إنتِ اتقبلتي آدم.. اتقبلتي آدم ببيته بوضعه المادي وشغلته.. فمينفعش دلوقتي تيجي تجرحيه وتطلبي منه يقرب من جده عشان الفلوس."
"بس يا ماما.."
قاطعتها مروة وقالت:
"يا حبيبتي.. الراجل مبيحبش يشوف مراته مكسوفة منه ومن شغله.. عارفة إنك مش مكسوفة من شغل آدم بس بكلامك وصلتي له كده.. أنا فاهمة إنك بتعملي كده عشان يسامح جده.. ولو هو مش فاهمك كويس فده بسبب غضبه.. وقلت لك قبل كده متجبريش آدم إنه يسامح.. لأن الموضوع مش سهل يا مهرا.. خلي الأيام يا بنتي هي اللي تداوي الجروح."
نظرت مهرا إليها بيأس وقالت:
"أنا خايفة من إن الكره ده يأذيه يا ماما."
ضمتها مروة وقالت:
"سيبي كل حاجة على الزمن يا مهرا!"
"أووف!"
نفخ آدم بضيق وهو يتقلب في فراشه غير قادر على النوم. لقد تجاوزت الساعة منتصف الليل والنوم يرفض أن يزور عينيه. كان يشعر بفراشه كأنه جمر من الجحيم لا يرتاح عليه. جذب الوسادة التي بجواره ثم دفن رأسه فيها. وفجأة ملأت رائحة مهرا الملتصقة بالوسادة روحه! أخذ يشم الوسادة كأنه أحد المدمنين. رائحتها تتغلغل داخله فتضاعف اشتياقه لها. أبعد الوسادة فجأة ونهض وهو يدرك أنه لن يستطيع النوم بعيداً عن حضنها. لن يستطيع!
كانت حسناء تجلس في الصالة مع ليلي التي تذاكر. لم تشعر حسناء بالنعاس لذلك قررت الجلوس مع ليلي حتى تنام. فتح آدم باب غرفته وخرج وهو يرتدي ملابسه.
"رايح فين يا آدم؟"
سألته حسناء بحيرة ليرد آدم بضيق:
"رايح أجيب مهرا! معنديش بنات تبات برا بيت جوزها!"
ثم خرج وسط ضحكات حسناء وليلي. نظرت ليلي إلى حسناء وقالت:
"روميو مش قادر يبعد عن جولييت.. برضه أول يوم راحت تبات عند جدها كان هيروح ويجيبها لولا إنها كلمته."
"بيحبها يا ستي."
"آه.. ربنا يوعدني بواحد مجنون زي آدم يحبني!"
قالتها ليلي وهي ترفع كفيها وتدعو لتضربها حسناء على رأسها وتقول:
"طيب ذاكري يا أختي!"
أمام فيلا عزام.
ترجل آدم من السيارة التي أخذها من صديقه. صديقه الذي أصيب بالصدمة وهو يرى آدم أمام باب منزله في منتصف الليل! أخرج هاتفه واتصل بمهرا. أتاه الرد بعد ثوانٍ بصوت مهرا الذهل:
"آدم."
"اطلعي أنا برا الفيلا!"
قالها لتصدم هي وتمسح دموعها وتقول:
"بطل جنان يا آدم!"
"اطلعي يا مهرا فوراً!"
قالها آدم وهو ينظر إلى باب الفيلا لترد مهرا بحزم:
"لا يا آدم مش هطلع وامشي من هنا لو سمحت وبلاش فضايح خلاص أنت قولت اللي في بالك وأنا عملت اللي انت عايزه وسيبتك."
كز آدم على أسنانه وقال:
"يا بنت الحلال بقولك اطلعي بالذوق بدل ما أجيبك بالعافية!"
"لا مش هطلع ووريني إزاي هتجيبني بالعافية.. سلام!"
ثم أغلقت الهاتف ووضعته بجوارها ثم انفجرت بالبكاء.
"إنتِ اللي اخترتي يا مهرا."
قالها آدم وهو ينظر إلى سور الفيلا.
كانت مهرا تضع كفها على وجهها وهي تبكي بعنف عندما شعرت بحركة في تراس غرفتها. أزاحت كفها عن وجهها لتصرخ وهي تجد آدم أمامها:
"إنت دخلت هنا إزاي؟"
هز كتفه وأجاب ببساطة:
"من السور.. الحارس كان نايم نبهي جدك يغيره.. يلا عشان نروح البيت."
هزت رأسها وهي تقول بعناد:
"لا مش رايحة يا آدم.. وريني هتجبرني أروح معاك إزاي."
"حاضر أنا هوريكي هجبرك إزاي."
ثم بسهولة حملها بين ذراعيه وقال:
"العناد معايا مبيجبش نتيجة صدقيني."
ثم خرج بها من الغرفة بينما هي تصرخ وتضربه على كتفه.
"نزلني يا بني آدم أنت.. نزلني وإلا هصرخ وألم عليك الدنيا."
صرخت بها مهرا بينما يتجه هو بها إلى سلالم الفيلا فقال هو:
"صرخي."
"يا جد..كادت أن تصرخ بأقوى ما عندها إلا أنه كتم كلماتها وهو يقبلها بشغف مجنون.
بعد عدة لحظات ابتعد عنها وهو يقول بتسلية عندما رأى وجهها الأحمر من الخجل:
"صرخي دلوقتي."
"آدم.. مهرا!"
قالتها مروة بصدمة وهي تراهما سوياً في هذا الوضع!
بهتت مهرا وهي تنظر إلى والدتها التي ابتسمت بعد ذلك وقالت:
"خلاص يا أولاد مدام اتصلحتوا الحمد لله تقدر يا آدم تاخدها دلوقتي للبيت قبل ما جدها يصحى."
"ماما أنا لسه مصالحتهوش!"
"مظنش يا قلب أمك!"
قالتها مروة بخبث ليحمر وجه مهرا بينما يضحك آدم وهو ينزل بها السلالم ويقبل حماته على رأسها ويخرج من الفيلا كلياً.
"عربية مين دي؟"
قالتها مهرا بصدمة.
"س.رقتها!"
"نعم!!!"
صرخت مهرا برعب ليضحك آدم ويقول:
"أخدتها من صاحبي وهرجعها بكرة متقلقيش."
في المنزل.
دخلا غرفتهما بعد طبعاً مشاكسات من ليلي وفرحة حسناء الكبيرة. ربعت مهرا ذراعيها وقالت:
"أوعى تفتكر إني هسامحك يا آدم بسهولة على كلمة امشي دي."
"ولا أنا هسامحك على موضوع الشغل ده.. خدي وقتك في الزعل في بيتك.. ممنوع تمشي منه مفهوم!"
لم ترد عليه بينما تسطح على الفراش وقال:
"اطفي النور!"
أطفأت مهرا النور وتسطحت على جانبها في الفراش لتشهق فجأة بينما آدم يسحبها إليه ويضمها بقوة دافناً وجهه في عنقها.
"إنت يا بني آدم أنت بتعمل إيه!"
قالتها بضيق فرد هو ببرود:
"مبعرفش أنام إلا بالطريقة دي.. ونامي يا مهرا وإلا والله هبوسك."
أغمضت عينيها بسرعة. هي لا تريد أن تتحدّاه الآن لأنها سوف تخسر. يكفي فضيحتها عندما رأته والدتها وهو يقبلها!
بعد أسبوع.
"يا بنتي طلاق إيه استهدي بالله.. إنتِ عارفة بيبصوا للمطلقة إزاي دلوقتي!! متهدديش بيتك يا كارما الراجل شاريكي.. مفروض تحمدي ربنا وتعيشي وتسكتي."
قالتها مودة بحرقة وهي تنظر لابنتها الغبية. ابتسمت كارما بسخرية وقالت:
"صح عندك حق مش كفاية اتكرم وقرر يكمل معايا.. يا جحودي والله.. سامر بيه اتكرم وقرر يخليني على ذمته وأنا رافضة.. انتوا مفروض ترجموني!"
تصاعدت دموع كارما وهي تدرك كم هي رخيصة. كم ليس لديها قيمة ولكن لتكن صريحة هي من فعلت هذا بنفسها. هي من قللت من شأن نفسها من أجل رجل! هي ولجت لحياته وبها أخرى. هي تحملت الإهانة وعاشت راضية كي تنال حبه والآن وقد قررت أن تحتفظ بآخر ذرة في كرامتها والدتها توبخها. كانت كارما تشعر بالقهر بسبب حالتها تلك! نظرت مودة إلى ابنتها بشفقة. يعتصر قلبها ألماً بسبب حال ابنتها. تعرف أنها عانت الكثير ولكن الله وحده يعلم أنها تريد سعادتها ليس إلا. هي تعرف كم أن حياة المطلقة صعبة للغاية. ابنتها لا تدرك هذا. هي صغيرة ولا تدرك مصلحتها. اقتربت مودة من كارما وأمسكت كفها وقالت برفق:
"كارما إنتِ لسه بتحبيه.. متتكريهيش.. أنا شايفة ده في عينيكي مهما حاولت تنكريه.. طيب ليه يا بنتي متديش نفسك فرصة.. اديله فرصة بس."
نهضت كارما وقالت بعناد:
"لا فرصة ولا غيره.. خلاص يا ماما سامر انتهى بالنسبة لي!"
خرجت مودة من منزل كارما وهي تهز رأسها بيأس. لقد أصبحت ابنتها عنيدة جداً. لا تصدق كم هي عنيدة. قلبها يؤلمها على فتاتها وما تريد خوضه. الطلاق كلمة صعبة في المجتمع الذي تعيش به. ابنتها فقط ستعاني من توابعه وليس سامر! تنهدت وهي تسير في الشارع. فجأة رن هاتفها التقطته لتجده سامر. ردت بسرعة وقالت:
"أيوه يا سامر يا بني؟"
"إيه أخبارها؟"
قالها سامر بينما يجلس على مكتبه يحك جبينه بتعب. من كان يصدق أن كارما تمتلك هذا العناد. قلبه يؤلمه بينما هي ترفض أن تعطيه فرصة لكي يكون معها. لذلك بعث والدتها ربما تؤثر عليها. تنفست مودة وقالت:
"كويسة يا بني بس لسه مصممة على الطلاق!"
أغمض سامر عينيه بيأس وهو يشعر بصداع يكاد يشطر رأسه بينما مودة أكملت حديثها لعلها تعطيه أملاً:
"بس هي لسه بتحبك يا سامر.. أنا متأكدة من ده يا بني.. هي بس مجروحة.. معلش يا سامر متتخلاش عنها.. خليك جنبها.. بنتي المسكينة خسرت كتير وهي حالتها دلوقتي مش مستقرة."
"أنا نفسي أكون معاها بس هي رافضة أي علاقة بيا.. رافضة إني أقرب منها حتى يا حماتي.. أنا تعبت.. عارف إني غلطت في حقها بس تديني فرصة أعوضها عن اللي شافته!"
أغمضت مودة عينيها وقالت مقنعة إياه:
"متستسلمش يا سامر.. متفقدش الأمل فيها.. حاول يا بني تاني.. روح لها وخليك جنبها.. أنت عارف إنها مش كويسة دلوقتي.. بنتي بتعاني.. دي خسرت ضناها."
هز سامر رأسه وعيناه تلمع بتصميم وقال:
"متقلقيش يا حماتي أنا عمري.. عمري ما هسيبها!"
ابتسمت مودة براحة. كانت مرتاحة وسعيدة وهي تسمع منه هذا الوعد وقالت:
"ربنا يكرمك يا بني.. ريحتني والله!"
ثم أغلقت الهاتف بعد أن ودعته. نهض سامر من مكتبه واتجه للنافذة وفكر أنه كان جباناً في البداية وخسر مرام وعانى كثيراً. ولكن لن يرتكب هذا الخطأ مرة أخرى. هو لن يسمح لزوجته أن تتركه بتلك السهولة. سيبقى قربها حتى لو رغماً عنها!
كان يصفر وهو ينظر إلى انعكاسه في المرآة. لقد تأنق اليوم زيادة عن اللازم. بالطبع اليوم هو أجمل يوم في حياته. خطبته على المرأة التي دق قلبه لها. ضحك أنس بدهشة. كيف حدث ووقع في حبها. هذا الرجل الذي ظن أن قلبه محصن ضد الحب يقع في الحب بتلك السهولة! هذا الرجل الذي كان يسخر من الحب. وقع هو به. كيف قدم قلبه بتلك السهولة لها. كيف احتلته فأصبح يحارب العالم وخوفه من أجلها. لقد كان دوماً أنس خائف من خسارة ملك. ملك كانت نقطة الضعف الوحيدة له. حصن قلبه جيداً ضد الحب وقرر ألا يسمح لأي أنثى بالدخول في حياته. ولكن أتت مرام وهدمت كل تلك الأوهام التي أوهم به نفسه. أتت وعشقها هو. عشقها بطريقة لم يعشق بها أحد. واليوم سيربطها به برابط خطبة! وسيفعل المستحيل كي تكون زوجته في أقرب فرصة. هو لن يتركها. لن يسمح لها بأن تبتعد عنه أبداً. سيحارب معها خوفه وخوفها!
"لا لا.. لا.."
كانت تقولها ليل وهي تهذي. تضع كفها على وجهها وتبكي بعنف. الليلة خطبته على امرأة غيرها. لقد حلمت هي وغيرها حقق الحلم. قلبها يعتصر من الألم ولا تصدق. لا تصدق أن أنس قد سُلب منها. دموعها تنفجر أكثر من عينيها. الغيرة تقتلها. تقتلها حرفياً. تشعر بالنيْران تضطرم في قلبها. حبيبها ذهب لآخر. سيتزوج من أخرى. هي تعشقه. تعشقه أكثر من أي شيء. كيف يفعل بها هذا؟ كيف يقتلها بتلك الطريقة القاسية؟ كيف أصبح أنس قاسياً لتلك الدرجة!
ولجت نيرمين إلى غرفتها لتجد ليل تجلس على فراشها واضعة كفها على وجهها وتبكي بطريقة تثير الشفقة. ولكن لم تثر شفقتها بل غضبها. أغضبها أن ترى ابنتها ضعيفة لتلك الدرجة. الغبية تلك تدمر حياتها من أجل ما يسمى العشق. ألا تعرف أن الحب سيدمرها. بسبب الحب هي أضاعت أموالها. عندما سلمت قلبها لرجل وحياتها كلها وهو سلب منها كل شيء. حينها أقسمت أنها لن تقع بالحب مجدداً. حينها قررت أن الأموال أهم من الحب بكثير. عندما وقعت في الحب بقوة كانت مغيبة وخطأ واحد منها دمر حياتها وحياة بناتها وهي لن تسمح بتكرار هذا الخطأ. لقد وضعت أملاً بنوارة. وثقت أنها ستستطيع أن تسلب أموال أنور ولكنها خذلتها. الغبية أحبت ابن الصاوي. والغببية الأخرى أحبت الابن الثاني.
"كفاية عياط!"
قالتها نيرمين وهي تكز على أسنانها وهي ترى ابنتها ضعيفة لتلك الدرجة. جل ما كانت تريده الآن أن تصفع ابنتها الغبية تلك! أنزلت ليل كفها وقالت بصوت مختنق:
"لو سمحتي سيبيني في حالي.. لو فعلاً أهمك ولو شوية صغيرين سيبيني أنا بموت.. بموت والله.."
اقتربت نيرمين من ليل أكثر ورفعت وجهها وهي تنظر إليها. عينيها الخضراء كانت تبرق بغضب وهي تنظر إلى ابنتها الضعيفة والتي تذكرها بضعفها عندما أحبت من لا يستحق! كان وجه ليل أحمر من البكاء. عينيها الخضراء خبأت لمعتها خلف حمار عينيها الذي أصبح كالدماء! شفتيها ترتجف بقوة. كان وجهها يرسم التعاسة بدقة. تعاسة امرأة عشقت.
"بطلي تبكي عليه! إياكي تكوني ضعيفة للدرجة دي يا ليل.. قلت لك أنس سيكون لك هو وثروته.. كفاية بقى هبل.. روحي اغسلي وشك وإياكي تبيني ضعفك ده بسبب أي رجل مهما كان أنتِ فاهمة! وإلا أقسم بالله مش هساعدك وأسيبه يضيع من إيديكي.. أنا بتكلم بجد!"
وبالفعل نيرمين كانت جادة للغاية. بالنسبة إليها أهون أن تضيع أموال العالم من بين يديها وألا ترى هذا الضعف بسبب رجل أي كان!
وقف مبهوتاً وهو يتطلع إلى ما ترتديه. كانت ترتدي فستاناً من البنفسج طويلاً بأكمام واسعة. شعرها الذهبي الأشقر تركته منسدلاً. لم تضع أي زينة إلا ماسكرا أبرزت كثافة رموشها. كانت لا تبتسم. ما زالت غاضبة منه. منذ أسبوع وهي لا تتحدث معه وهو أيضاً. صحيح أنه أحياناً يشاكسها لكي تتحدث معه ولكنه لا يضغط عليها. هو أدرك أن هذا طبيعي. مهرا مختلفة كثيراً عنه. هذا الاختلاف لن يزول بسهولة. يعرف أنه أخطأ ولكن هي أيضاً أخطأت. ولكن آدم تعود دائماً أن يحاول ألا يخسر المقربين منه. ومهرا في قلبه وهو ليس مستعداً لخسارتها. قرر أن يتحدث معها بصراحة. يخبرها بكل ما في قلبه. لعلها تفهم! اقترب منها بهدوء ثم حاوط خصرها وهو يدفن رأسه في عنقها. انتفضت هي بقوة وهي تراه يتمسك بها بتلك القوة. حاولت السيطرة على قلبها الذي بدأ يدوي بعنف ولكن دون جدوى. دقات قلبها حتى كانت تمنعها من الاعتراض. تستسلم للحب الذي يعطيه إياه. ولكن فجأة صحت على نفسها وهي تتذكر كلمته لها أن تذهب إن كانت لا تعجبها حياته. تذكر أنه كرر تلك الكلمة مرتين غير آبه بقلبها الذي تحطم. تصاعدت الدموع لعينيها وقالت:
"ابعد لو سمحت."
"ولو مبعدتش هتعملي إيه؟"
نفخت بضيق وأبعدته عنها وهي تربع ذراعيها وتقول:
"آدم أنا مش عايزة أكلمك دلوقتي لو سمحت اديني فرصتي أزعل وأتضايق منك بعدين هصفي."
هز كتفه وقال:
"خلاص يا حبيبتي براحتك.. اخرج هاتفه من جيبه وقال: "بس بشرط تبصي على الفستان الهايل اللي ناوي أشتريه ليكي لما نتصالح عشان أديهولك وقولي رأيك."
اتسعت ابتسامتها وقالت:
"بجد هتجيب لي فستان حلو؟"
"طبعاً يا روحي.. بصي على الفستان اللي هشتريهولك!"
نظرت مهرا بحماس إلى الفستان وسرعان ما اختفت ابتسامتها وهي تنظر إلى الصورة التي التقطها آدم لها وهي نائمة. صورة لا يمكن القول عنها إلا أنها فضيحة كبيرة لها.
"يا لهوي.."
"تفتكري أبعتها لمين الأول.. مرام ولا ليلي.. خلينا في ليلي.. ليلي مفترية وهتنشرك أكتر."
"آدم.. آدم.."
قالتها برعب ليرد هو بحب:
"عيون آدم وروحه."
ارتعشت شفتيها وقالت:
"امسح الصورة دي!"
ثم مدت كفها لكي تأخذ الهاتف منه إلا أنه أبعد الهاتف وقال:
"لا.. مش همسحها.. حلوة خليها."
"أبوس إيديك امسحها.. هعمل اللي انت عايزه!"
ابتسم بشر وهو يرفع إصبعه ويشير على خده. قد فهمت هي قصده وهزت رأسها بإستسلام ثم قبلته على وجنته بسرعة. مد الوجنة الأخرى لتزفر هي بضيق وتقبله على الأخرى. رفع إصبعه باتجاه شفتيه إلا أنها نفخت بضيق أكبر وقالت:
"لا.. لا بقى انت أفرت.. أنا مش هخضع ليك.. اعمل بالصورة اللي انت عايزة."
هز كتفه وقال وهو يفتح تطبيق الواتس آب:
"نبعته للولا الأول."
"لا.. لا.. لا.. خلاص.. خلاص."
ابتسم آدم بخبث وقال:
"يالا."
زفرت بضيق وأغمضت عينيها وهي تقترب من شفتيه لكي تقبله بخفة وكادت أن تبتعد عنه إلا أنه ثبتها وهو يمسك شعرها ويعمق قبلته أكثر. بينما يلف ذراعه الآخر حول خصرها ويقع منه هاتفه. مرت عدة لحظات ليبتعد عنها ثم يضع جبينه على جبينه ويقول:
"أنا بحبك!"
انسابت الدموع من عينيها ليعانق هو وجهها قائلا:
"آسف مش هقولها تاني."
التقط هاتفه من الأرض وسحبها حتى جلسا على الفراش وقال بجدية:
"مهرا مهما قلت كلام غبي.. ومهما انفعلت عايزك تعرفي إني بحبك.. بحبك أوووي.. أنا عارف إن كلامي صعب.. وإن طبعي أصعب وأنا بحاول والله إني أبقى أهدى لكن نقطة جابر عزام بتخليني أنفجر.. مهرا بالله عليكي أنا مش عايز أي مشاكل بيننا عايز أعيش معاكي لحد آخر نفس في حياتي عشان كده بالله عليكي ما تجيبي سيرة إني أسامح جابر عزام.. لو سمحتي!"
مسحت مهرا دموعها وقالت:
"حاضر أوعدك إني مش هجيب سيرة السماح تاني.. بس انت أوعدني كمان إن عمرك ما تقول حاجة زي دي تاني."
"أوعدك!"
ابتسمت له ثم عانقته وقالت:
"أنا بحبك يا آدم."
"وأنا كمان يا حبيبة آدم."
فتحت الباب لتتجمد وهي تراه أمامها. يحمل حقيبة كبيرة.
"إنت بتعمل إيه هنا يا سامر؟"
ابتسم سامر وقال:
"بما إنك مش عايزة تيجي معايا البيت فقولت أجى أنا وأعيش معاكي هنا!"
قالها وهو يلج إلى المنزل بينما هي تنظر إليه بصدمة. كانت لا تصدق هذا. كيف يأتي بتلك البساطة إلى منزلها ويقول هذا!
"سامر أنا نهيت الموضوع آخر مرة اتكلمنا فيها.. إيه اللي جابك تاني؟!"
نظر إليها سامر. كان يتأمل وجهها الشاحب ولكن بدت الآن كأنها أجمل امرأة رآها في حياته. كيف أمكنه ألا يرى جمالها. كيف أمكنه ألا يشعر بحبها. حقاً هو كان غبي. غبي من الدرجة الأولى لأنه لم يدرك إلى أي مدى هو يعشقها! جلس على الأريكة بتعب وقال:
"إيه رأيك نطلب العشا بيتزا الفراخ اللي أنتِ بتحبيها.. هطلبها من المطعم المفضل بتاعك وجمبه مشروبك المفضل البيبسي."
كان يتكلم بكل أريحية بينما هي تنظر إليه بصدمة. كانت لا تصدق أنه يتعامل بكل تلك الأريحية في منزلها. يتكلم وكأنهما زوجان عاديان وليس على وشك الطلاق!
"إنت بتقول إيه يا سامر!"
قالتها بصدمة. ليبتسم وهو ينظر إليها بشغف قائلاً:
"أو مش عايزة بيتزا ممكن ناكل برجر أو شاورما سوري أو كشري.. شوفي اللي عايزاه وأنا تحت أمرك يا كارما."
"لا إنت مجنون رسمي صح.. لا بجد مش طبيعي.. هو انت فاكرني إيه بالظبط!"
نهض سامر واقترب منها بينما تراجعت هي بتوتر وهي ترى التعب على ملامحه.
"أنا بحبك يا كارما."
هكذا قالها فجأة وبكل صدق. بحثت في عينيه عن أي لمحة كذب فلم تجد. كان صادقاً بشكل مريب. بشكل صادم. ابتعدت أكثر وهي تقول بينما تنساب الدموع من عينيها:
"إنت كذاب.. بطل كذب.. أنت عمرك ما حبتني."
أمسك ذراعيها وهو يقربها منه ويقول بعنف عاطفي:
"لا أنا بحبك.. بحبك! والله العظيم بحبك أكتر من أي حاجة في حياتي يا كارما.. ومستعدة أثبت لك إني بحبك.. بس اديني فرصة.. أي فرصة تثبت لك إني عايزك.. اديني فرصة نصلح جوازنا.. اديني فرصة يا كارما أرجوكي."
هزت رأسها وهي تبعده ثم تمسح دموعها بعنف وتقول:
"حتى لو انت بتحبني أنا مش بحبك.. حبك انتهى من قلبي.. خلاص مبقاش ليك أي مكان هنا."
ثم أشارت على قلبها. جذبتها من ذراعيها مرة أخرى إلى أن ألصقها به وقال:
"إنتِ كذابة.. إنتِ لسه بتحبيني!"
هزت رأسها وقالت:
"لا مش بحبك!"
رفعها قليلاً محاولاً فرق الطول بينهما إلى حد ما اختلطت أنفاسهما سوياً. تبعثرت دقات قلبها وتشتت. وذابت كل ذلك الجليد الذي أوهمت به نفسها بينما يكمل هو:
"يعني إنتِ مش بتحبيني.!"
هزت رأسها وقالت بصوت ضعيف للغاية:
"أيوه مش بح.."
ولكنها ابتلعت باقي كلماتها بينما يمحى المسافة الباقية بينهما ويلصق شفتيه بشفتيها. بقيت للحظات متجمدة مكانها بذهول لا تعرف ماذا تفعل. كانت أضعف من أن تقاوم. أضعف من أن تبعده. وبعد ثوانٍ كانت ترفع ذراعيها التي حررها وضمته إليها وهي تبادله شغفه بشغف أكبر. انفجرت الدموع من عينيها وهي تستقبل قبلاته كأنها الحياة!
"لا.."
قالتها فجأة وهي تبتعد عنه لاهثة. نظرت إليه وهي تبكي مدركة بيأس ضعفها أمامه. مدركة أنها امرأة بدون كرامة! رفعت كفيها وغطت وجهها وبدأت في البكاء. ثم انهرت ساقطة على الأرض وهي تبكي. جلس سامر بجوارها يائساً وقال:
"عارف إني آذيتك كتير يا كارما.. عارف إني جيت عليكي.. بس أنا جاي بأمل إني آخد فرصة."
مد كفيه واحتوى كفيها وأبعدهما عن وجهها وقال وهو يمسح دموعها برفق:
"اديني شهر بس.. شهر يا كارما أوريك إني بحبك! شهر بس يا كارما!"
لم يكن يفهم معنى أن تكون سعيداً لدرجة أن قلبك لا يستطيع أن يحتوي سعادتك. هو كان سعيداً لدرجة أن الابتسامة كادت أن تشق وجهه! بينما يمسك ملاكه الصغير ملك وعبوة شوكولاتة من النوع الفاخر. وخواتم الخطبة. وسائقه يحمل باقة ورد كبيرة باللون الأبيض مبهج كالبهجة التي أدخلتها لقلبه عندما دخلت حياته. استقبله آدم وهو يعانقه. ابتسم أنس وهو يقدم له عبوة الشوكولاتة بينما يلج للمنزل وعينيه تبحث عنها.
"العروسة بتجهز."
قالتها ليلي وهي تقترب من أنس. ابتسم لها أنس بأدب وقال:
"إزيك يا آنسة ليلي."
"الله.. حد أخيراً بيحترمني وشايفني آنسة.. هنا مسميني جعفر."
سحبها آدم بجواره وقال:
"اتلمي وخليكي جمبي مش ناقصين فضايح!"
اقتربت ليلي أكثر من آدم وهمست:
"الواد جنتل أوي يا آدم.. ما شاء الله شكله من عيلة مؤدبة.. ما تشوف كده يمكن ليه أخ أو ابن عم وهو ناسي.. اختك سينجل برضه ومفيش حد معبرها."
"اتعدلي بدل أضربك قلمين يعدلوكي.. أنا معرفتش أربي فعلاً."
قالها آدم وهو يمسك ذراعها ويجرها خلفه نحو المطبخ حيث والدته ومهرا يجهزان الكعك والعصائر والمشروبات الغازية. قال آدم:
"امسكوا البت دي هنا وخلوها معاكم بدل ما أكسر دماغها."
ثم خرج وترك ليلي التي تفرك ذراعها بينما تمط شفتيها بغضب وتقول:
"كل ده عشان طلبت أتزوج.. هو السترة حرام في الأيام دي يا ربي يعني!"
ضحكت مهرا وقالت:
"يعني إنتِ مش عايزة تتجوزي لأن امتحاناتك قربت؟"
هزت ليلي رأسها وقالت:
"تؤتؤ عشان أستتر طبعاً.. هي البنت ليها إيه غير بيتها وجوزها وشوية حاجات فوق بعض!"
ضحكت مهرا وقالت:
"طيب يا أختي.. خدي صينية العصير يا لمضة."
هزت ليلي رأسها وهي تخرج بالصينية.
وقفت أمام المرآة بتوتر بالغ. كان قلبها يصرخ داخل صدرها ولكن حاولت بقدر الإمكان أن تجعل ملامحها باردة. لم تكن تريد أن تظهر توترها أمام الجميع. ستبقى هادئة فليست تلك أول مرة ترتبط بها. لقد تزوجت من قبل! فلماذا تشعر بكل هذا التوتر. هل لأنه أنس! هل لأن أنس احتل مكانة في قلبها لم يحتلها أي أحد من قبل! أغمضت عينيها وهي تهز رأسها تريد أن تصفي عقلها ولا تفكر بأي شيء. فتحت عينيها مجدداً وهي تنظر إلى المرآة برضا. الفستان الأزرق الذي ابتاعه لها آدم كان جميلاً للغاية. بسيط ولكنه أنيق ومحتشم. يلائم ذوقها تماماً. ترتدي فوقه خماراً بلون البنفسج. وجهها الأبيض خالٍ من مساحيق التجميل فقط الكحل الذي زين عينيها الواسعة ومرطب شفاه خفيف. لقد حاولت معها ليلي لكي تجملها قليلاً ولكنها رفضت بإصرار وليلي تركتها على راحتها لم تضغط عليها. طرق على الباب أخرجها من شرودها.
"ادخل."
دخل آدم غرفتها وهو يبتسم وقال:
"مش يلا يا عروسة؟"
ابتسمت مرام بهدوء وهي تهز رأسها.
كان قلبه يدوي بعنف بينما يراها تخرج من غرفتها ممسكة بكف شقيقها. كانت بسيطة كعادتها. وهو عشق تلك البساطة بسببها. ابتسم بسعادة وهو يرى حلمه يقترب منه. أطلقت ليلي الزغاريد بينما تتقدم مرام. كان الجميع في حالة صفاء وسعادة لا مثيل لها. وكان قلب مرام مشبعاً بالسعادة ولكن في أعمق نقطة في داخلها كان خوف من المستقبل. ترى على ستكون إصابة قدمها عائقاً في حياتها مستقبلاً! هي حقاً لا تدري! جلست مرام بجوار أنس. وهي تنظر إلى الأرض بينما قلبها يدق بعنف. كانت تريد أن ترفع عينيها وتنظر إليه ولكن لم تستطع.
"إيه نلبس الدبل؟"
سألها أنس وقد بدا على عجلة من أمره ليضحك آدم ويقول:
"إيه يا عم أنت مستعجل كده ليه.. بعدين مش مرام اللي هتلبسك الدبلة ده أنا!"
"أفندم!"
قالها أنس بشحوب لينفجر آدم بالضحك ويقول:
"اهدي يا عريس.. أنت عارف مرام مش بتسلم على حد غريب عنها ولا بتلمس إيده فعشان كده أنا هلبسك الدبلة وألبسها دبلتك وكده يبقوا اتخطبتوا."
هز أنس رأسه متفهماً وقال:
"طيب يلا عشان نلبس."
"إنت مستعجل تلبس بقا؟"
قالها آدم مازحاً ليهز أنس رأسه فقال آدم:
"طيب يا سيدي على بركة الله."
ثم بدأ آدم بتلبيس شقيقته خاتم أنس غالي الثمن ثم لبس أنس دبلته الفضية. وما هي إلا ثوانٍ وقد انطلقت الزغاريد. ابتسم أنس وهو ينظر إلى مرام وقال:
"أهلاً بيكي في حياتي يا مرامي ♡"
"تسلم ربنا يجبر بخاطرك."
قالتها بإيجاز وهي تنظر من الجهة الأخرى تخفي سعادتها الكبيرة.
في اليوم التالي.
"يخربيت أهلك إنت بتعمل إيه هنا؟"
قالتها ليلي بصدمة وهي ترى مروان أمام بيتها. بيتها..
"امشي آدم لو شافك مش هتمشي من هنا حي!"
"أنا عايزة أتكلم مع آدم."
قالها مروان بتصميم.
"مين يا.."
صمت آدم واشتعلت عيناه بنيران الغضب وهو يرى مروان أمامه وصرخ:
"إنت بتعمل إيه هنا يا كلب.."
ثم اندفع نحوه وهو يجره من كنزته ورفع كفه كي يلكمه ولكن مروان جمده وهو يقول بسرعة:
"أنا جيت هنا عشان أطلب إيد آنسة ليلي!"
وقف أمام منزلها وهو يشعر بالذهول من نفسه. اليوم هو موعد سفره وطائرته ستقلع قريباً وهو سيتركها للأبد. إذن لماذا أتى إلى هنا. بعد ما قرر أن ينساها للأبد وألا يفكر بها. يبتعد عنها لعله يمحيه من قلبه للأبد ولكن قدماه ساقته إلى هنا. لعله الشوق الذي يسيطر على قلبه. أو الحب الذي لم يستطع التخلص منه. لقد عرف أن ميار تسيطر عليه كلياً. لذلك تراجع في آخر لحظة عن الارتباط بورد. أسوأ شيء قد يفعله شخص بشخص آخر يحبه هو أن يرتبط به وقلبه معلق بآخر. لقد ذاق علي هذا الألم. ذاقه وهو يرى في عيني ميار رجلاً آخر غيره. عندما سمع دقات قلبها تهدر باسم شخص آخر. رغم أنه لم يرى آدم ولكنه كرهه. كرهه بشدة وتمنى أن يموت. جعل آدم عدوه ولم يراه حتى. تنهد علي بتعب وكانت معركة ضارية تدور داخله بين قلبه المتلهف لرؤيتها وعقله الذي يطلب منه بصرامة الذهاب وعدم العودة!
فتحت ميار عينيها ووجدت نفسها ما زالت على الأرض. تشعر بجسدها قد تجمد من البرد بالإضافة إلى الألم الفظيع الذي يسيطر على جميع أنحاء جسدها. منذ أكثر من أسبوع والدها يضربها كل يوم كأنها حيوان. بل لو كانت حيواناً كان سيشفق عليه. يعطيها الفتات كي تأكله. لا يسمح لها بالذهاب إلى المرحاض إلا مرة واحدة فقط. لا يسمح لها حتى بالاستحمام. لم يكن والدها هكذا. والدها لم يمتلك ذلك القلب القاسي أبداً. لقد استطاعت علياء تصميم أفكاره بالكامل. فكرت ميار وهي تبكي بعنف. قلبها يتمزق من الحزن. تتمنى أن تموت وترتاح من تلك المعاملة. هي لم تعد تتحمل تلك المعاملة السيئة بالتأكيد ستموت إن استمر والدها في تعذيبها. هي لن تصمد طويلاً. انسابت دموعها وبدأت تبكي بعنف وهي تقول:
"يارب خدني عندك يارب.. أنا مبقتش مستحملة.. خدني عندك.. يارب ارحمني."
"تؤتؤتؤ.. صعبتي عليا أوي.. استنى أعياط على حالك وأجيب منديلى."
صوت علياء الشامت اخترق أذنها. تجمدت ميار وهي تسمعها تشمت بها وكم شعرت بالغضب. تلك المرأة دمرت حياتها. تلك المرأة قلبت والدها عليها. هي سبب كل الكوارث التي وقعت على رأسها. تمشت علياء في الغرفة. قلبها يصرخ من السعادة وهي ترى ابنة زوجها في هذا الوضع المهين. قابعة بالأرض. حليقة الرأس. وجهها مشوه بسبب الضرب وعينيها حمراء بسبب كثرة البكاء. تلك التفاصيل الكثيرة جعلتها في قمة سعادتها. هي تكره تلك الفتاة. تكرهها بطريقة لا يتخيلها أحد. ولن ترتاح حتى تجعل والدها يقتلها. وقفت علياء أمام ميار. قدمها عند رأس ميار القابع على الأرض وقالت بتشفٍ:
"هو ده مقامك يا ميار.. مقامك عند رجلي.. افتكرتي إن خلاص فلتي مننا.. أبوكي الغبي مكانش قادر يعرف مكانك.. لولا أنا اللي جه على بالي إنك عند خالتك دي الله يجحمها مطرح ما راحت روحنا بيتها وعرفت إنك رحتي المستشفى بيها قبل ما تتك.."
"اخرسي.. اخرسي.. متحبش سيرة خالتي الله يرحمها على لسانك القذر."
احمر وجه علياء من الغضب ثم ركلت ميار بعنف في معدتها قائلة:
"قليلة الأدب مش متربية.. بس كل ده بسبب المحروسة أمك معرفتش تربيكي لحد ما عيارك فلت."
أخذت ميار تبكي بعنف بينما ابتسمت علياء بشر وقالت:
"بما إن عثمان حبيبي مش موجود.. قررت إني ألعب معاكي شوية.. شحب وجه ميار وهي تنظر إليها. كانت أضعف من أن تنهض من مكانها. لوحت علياء بالشمعة التي تمسكها وقالت:
"إيه رأيك أديكي عقاب صغنن كده.. عقاب أطفال متقلقيش.. كانت ماما دايماً بتعمله معايا لما بغلط.. بتولع الشمعة وتخليها كلها تنصهر على إيدي.. وبما إنك غلطتي وجيبتلنا العار حبيت أتبع معاكي العقاب ده!"
هزت ميار رأسها برعب وكادت أن تتوسل لها لكي لا تفعل هذا ولكن رنين جرس الباب منعها من هذا. نفخت علياء بضيق وقالت:
"يوووه عثمان جه مش هنكمل لعبتنا.. بس أوعدك فيه لعبة هتكون أجمل بكتير."
ثم بمهارة ادعت علياء البكاء وبدأت دموعها تتساقط وهي تركض نحو الباب وما إن فتحته حتى شحبت وهي تجد علي أمامها!
رواية عروس رغما عنها الفصل السادس 6 - بقلم سوليية نصار
إزيك يا علي؟
قالتها علياء بتوتر.
لينظر إليها علي بهدوء ويقول:
هي ميار موجودة؟ أنا حابب أتكلم معاها ضروري.
رسمت علياء ابتسامة واثقة على شفتيها وقالت:
للأسف يا علي ميار مش موجودة. أنت متعرفش ولا إيه؟ أنها هربت. الله أعلم البنت دي هربت مع مين. ممكن يكون ليها عشي.ق!
احمر وجه علي من الغضب وقال:
مترمهاش بالباطل. الله أعلم عملتي فيها إيه خلتيها تهرب!
لوت علياء فمها ولم ترد عليه.
الغبي ما زال يحبها. ماذا فعلت تلك الفتاة ليحبها لتلك الدرجة؟ فكرت علياء وهي تشعر بالغيظ. رباه كم تكرهها. كم تمقتها وتحتقرها. ولكن لا بأس. ميار الآن بين يديها وسوف تذيقها العذاب ألوان. فكرت هي بمكر.
رفعت ميار رأسها وصوت علي الضعيف يخترق أذنها. ارتعشت وهي ترى فرصتها الوحيدة في الخلاص من والدها وزوجته المجنونة. أرادت أن تصرخ بقوة ولكن صوتها لا يخرج. فقط دموعها تنفجر من عينيها. أغمضت عينيها وهي تستعيد بعض من قوتها وقالت بصوت عالٍ وإن كان يشوبه الضعف:
علي. علي ساعدني!
سمع علي ما يشبه صوت ميار وقال:
أنا سمعت صوت.
وكاد أن يدخل إلا أن علياء أوقفته بارتباك وقالت:
صوت إيه يا أخويا؟ مفيش أي صوت أنت بس متهيالك. ويلا امشي من هنا أنا قاعدة لوحدي وميصحش تفضل قاعد هنا. يلا بالسلامة يا أخويا!
وكادت أن تغلق الباب في وجهه إلا أنه دفع الباب بعنف لتتراجع هي وتسقط على الأرض بينما يدخل هو لغرفة ميار.
ميار!
صرخ بها علي بقوة وهو يراها واقعة على الأرض. وجهها مكدوم بشدة. رأسها حليقة. وآثار الضرب على جسدها أوجعت قلبه. اقترب منها وهو يسحبها ويضمها إليه بينما دموعه تتساقط.
ميار. ميار!
نظرت ميار إليه وهي تبكي وتقول:
خدني من هنا يا علي. خدني أبوس إيديك.
يا حبيبتي. يا حبيبتي!
هتف بإلتياع وهو يراها هكذا. يراها مضروبة بتلك الطريقة غير الآدمية.
ابعد عنها. ابعد عنها وسيبها. سيبها يا علي وامشي من هنا!
انفجرت البراكين داخل علي وعينيه السواد تشبعت من الغضب وهو ينهض ويقترب منها.
ابتلعت علياء ريقها وكادت أن تتكلم إلا أن صفعة قوية حطت على وجنتها من علي.
انت اتجننت!
قالتها علياء وهي تصرخ بإهتياج. ليصفعها علي مرة أخرى وبقوة وقال:
وديني لأحبسكم يا كفرة يا أولاد الكلب. هحبسك يا علياء!
ثم أخرج هاتفه وهو يضغط على رقم ما بسرعة.
انت. انت بتعمل إيه؟
لم يرد عليها هو بينما يتصل بسيارة الإسعاف والشرطة أيضاً.
بعد قليل.
كانت ميار تنقل إلى المستشفى بواسطة سيارة الإسعاف وبجوارها علي الذي يمسك كفها بقوة ويقول:
وديني لأحبسهم يا ميار. هجيب حقك وأحبسهم!
ثم تذكر اللحظات الفائتة عندما أتت سيارة الشرطة وقبضت على علياء وعثمان أيضاً الذي أتى ورأى الكارثة التي حلت على رأسه. شعر بالتشفي وهو يرى علياء تصرخ بتلك القوة وتترجاهم ألا يسجنوها. سوف يتأكد أنها سوف تتعفن في السجن. تلك السادية المريضة!
في المستشفى.
فعل الأطباء ما يمكنهم لكي يعالجوا جروح ميار القوية. كانت حالتها سيئة للغاية. تعاني من الجفاف. وسوء التغذية.
كان علي يقف في ممر المستشفى منتظراً أي خبر عنها. خرج الطبيب من غرفة الطوارئ ليقترب منه علي بلهفة. قال الطبيب براحة:
الحمد لله زوجتك كويسة. أنت جبتها في الوقت المناسب. تقدر حضرتك تشوفها بس طبعاً نتيجة اللي حصل أعتقد ستحتاج لدكتور نفسي.
هز علي رأسه وقلبه يرتجف. ثم ولج إلى الغرفة.
علي!
قالتها ميار وهي تبكي. ليقترب منها علي ويمسك كفها ويقول:
وعد مني هجيب حقك يا ميار. ده وعدي ليكي وبالذات من علياء!
بكت ميار وأمسكت يده بقوة وقالت:
علي. علي.
متتكلميش. ارتاحي يا ميار. ارتاحي.
شدت كفه إليها وقبلته برفق قائلاً:
خليك جنبي. متسبنيش!
عمري ما هسيبك. عمري.
لطمت ليلي على وجهها وتراجعت لتقف بجوار مهرا المصدومة وهي ترى مروان أتى إلى المنزل بنفسه. بينما اتسعت عيني آدم وصمت للحظات وهو ينظر إلى وقاحته. عينيه استحالت للون الأحمر من شدة الغضب وجل ما كان يريده الآن أن يقتل. هذا الحقير هل فقد عقله كلياً ليطلب هذا؟ كيف يتجرأ ويطلب منه يد شقيقته!
انت بتقول إيه يا ولد؟
صرخ به آدم وكفه ما زالت معلقة بالهواء.
ابتلع مروان ريقه وهو يشعر بالرعب. كان خائفاً كثيراً منه. ولكن كلمات أحمد أتت في عقله فجأة عندما أخبره أنه لن يتخلى عن حياته. وهو أيضاً لن يتخلى عن ليلي بتلك السهولة وشقيقها يجب أن يسمعه. يعطيه فرصة ليتحدث.
قلت عايز أتزوج ليلي. آه.
صرخ مروان بقوة بينما آدم يلكمه. اختلطت من صرخاته صرخات حسناء التي قالت:
آدم ابني.
أمي متتدخليش. اياكم حد يتدخل.
جذب آدم مروان للداخل وأغلق الباب ثم بعنف دفعه ليصطدم ظهره بالباب وقال:
عيد تاني كده يا روح أمك إيه اللي بتقوله. عيد عشان أقتلك وأخلص منك!
لم يتراجع مروان. ولم يبد أي محاولة حتى بل كان ينظر إلى آدم.
اقتربت ليلي من مهرا وهمست:
لو الواد ده قاله على إن أنا وأنتي روحنا عنده. إحنا كده انتهينا. إنتِ هتتطلقي وأنا هتشرد!
وطي صوتك يا ليلي. ربنا يستر وما يقولش.
هزت ليلي رأسها وهي تشعر بالخوف وقالت:
والله يا مهرا الواد حمار وتربية زرايب أتوقع منه أي حاجة. ربنا يستر.
تكلم مروان بينما آدم يمسكه بعنف من كنزته. كان يتكلم بهدوء كأنه يتحدث مع طبيبه النفسي:
شوف أنا عارف إني كنت واطي وحقير. وعارف إني مستاهلش أختك. بس أنا اتغيرت والله اتغيرت وبحاول أبقى كويس ومحترم. وبصحح كل أخطائي و.
وأنا مال أهلي. مال أهلي أنا.
صرخ به آدم وهو يهزه بعنف حتى اصطدم بالباب.
أنا عايز أتزوج أختك. لو سمحت اديني فرصة أبين لك إن اتغيرت. أنا لما قولتلها كده رفضتني.
يا سواد الحلل. الواد هيقوله على كل حاجة. آدم ممكن يقتلني!
قالتها ليلي برعب.
قالت لك امتى؟
سأله آدم بغضب. ليرد مروان ببساطة:
روحت لها الكلية وطلبتها وهي هزقتني! أنا بحب ليلي صدقني وعايزها في الحلال!
متجيبش سيرة ليلي على لسانك!
صرخ آدم بعنف ثم بدأ يضربه بقسوة شديدة حتى أدمى وجهه.
يا لهوي.
صرخت حسناء وهي تحاول إبعاد آدم. أخيراً أبعدته وأمسكت ذلك الشاب وأخرجته من البيت بينما آدم يصرخ ويتوعد له.
اهدي يا آدم. اهدي يا ابني!
قالتها حسناء وهي تمسكه بقوة بينما آدم كان في قمة غضبه وهيياجه.
سيبيني يا أمي وديني لأقتله. والله لأقتله!
خلاص يا ابني أبوس إيديك!
قالتها حسناء بتعب ليبعدها آدم عنه ويتجه إلى ليلي.
يا ساتر يا رب جاي ليا ده ليه؟
قالتها ليلي برعب وما كادت أن تركض إلا أن آدم أمسكها من كنزتها وقال:
تعالي يا حيلتها! مقولتيش ليه إن الزفت ده اتعرض لك تاني. ليه مقولتيش.
ارتعشت ليلي وقالت بتلعثم:
يا أبيه يعني أي حد يجي يتقدملي هاجي وأقول لك! ينفع يعني؟
اتسعت عيني آدم وقال:
إنتِ فيه ناس بتتقدملك ومن ورايا.
هزت ليلي رأسها نفياً بسرعة وبخوف وقالت:
والله أبداً يا أبيه. مفيش كلب بحر معبرني. ولا حد عرض عليا الجواز حتى كأني شفافة. مفيش إلا المعتوه ده. وده يدل يا أبيه إنه غير متزن عقلياً. مسكين ليس على المريض حرج. وبعدين أنا أصلاً مش موافقة عليه. شكله مش حلو وعامل زي القرود وأنا هتجوز واحد وسيم.
أبعدها آدم عنه وقال:
لو اتعرض لك تاني قوللي! أنتِ فاهمة يا ليلي؟
هزت ليلي رأسها بسرعة وقالت:
عيوني يا أبيه. تحت أمرك يا باشا!
بعد قليل.
كانت مهرا تجهز نفسها كي تذهب إلى جدها. ولج آدم إلى الغرفة وقد هدأ قليلاً وقال:
رايحة عند جدك.
ابتسمت مهرا وقالت:
أيوه.
شهقت فجأة بينما يجذبها هو ويلصقها به ويقول:
متباتيش النهاردة هناك. النهاردة بعد الشغل هروح لأنس عشان اتصل بيا وطلبني وبعدين هاجيلك.
ابتسمت له بلطف وقالت:
مينفعش أب.
قاطعها وهو يقبلها على وجنتها برفق قائلاً:
لأ مينفعش يا روحي. مينفعش. النهاردة أنا محضر مفاجأة حلوة أوي ليكي.
قبلها على وجنتها الثانية وقال:
لو بايدي أخليكي طول اليوم معايا. ها مش هتباتي اتفقنا.
ابتسمت وهي تقول:
حاضر يا سيدي مش هبات.
اقترب هو وأسقط شفتيه على رقبتها وبدأ في تقبيلها.
لأ لأ يا آدم. بغير والله.
قالتها مهرا وهي تضحك بقوة بينما هو مستمر في تقبيلها.
كان يمسك صورة ابنه ودموعه تنساب على وجهه. لقد كان دائماً يتألم بسبب فقدانه لابنه. صحيح أنه دوماً كان يحاول أن يكون قاسياً غير مبالي وذلك بتحميل حسناء ذنب موته ولكن لن يخدع نفسه بعد الآن. هو السبب هو من تسبب بموت ابنه علي. ظن أنه يعاقب علي وحسناء ولكن للأسف لم يكن يعاقب إلا نفسه. وقد خسر. خسر الآن كل شيء. الآن هو يتمسك بالحياة بقوة حتى يسأمه آدم وحسناء ومرام وليلي. يجب أن يسأمه الجميع. حينها سوف يموت ويرتاح. هو لن يضحك على نفسه. يعرف أنه سيموت قريباً. هو يشعر بقرب أجله ويجب أن يتحرك بسرعة. سيفعل المستحيل كي يحصل على الغفران. ضم الصورة إليه مرة أخرى وبدأ في البكاء مثل الأطفال.
ولجت مروة إلى غرفة عمها لتعطيه العلاج. وجدته يمسك صورة ما ويبكي. وقد عرفت بالتأكيد صورة من. صورة علي. منذ مرضه وهو قد شعر بحجم الخطأ الذي ارتكبه في حق علي وأسرته. هو يعاني بقوة لأن آدم يرفض أن يعفو عنه. لقد شعر الآن بتأنيب الضمير. صحيح أن شعوره جاء متأخراً ولكن هذا أفضل. ربما ستكون هناك طريقة ما ليحصل على غفران آدم. ربما سيستطيع أخيراً أن يزيح هذا الحمل عن قلبه. كم هي مشفقة على عمها. قلبها يؤلمها عليه. تتمنى أن تستطيع التخفيف عنه. تعرف أنه أخطأ كثيراً في حق آدم وعائلته. تعرف أنه ارتكب أشياء لا تغتفر ولكن الله يسامح وهي متأكدة أن يوماً ما آدم سوف يسامحه.
اقتربت مروة منه وهي تمسح الدموع التي هزمتها وانسابت على وجنتيها. يجب أن تهون عليه. اقتربت أكثر وربتت على كتفه.
هون على نفسك شوية يا عمي أبوس إيديك. متعملش كده في روحك.
قالتها مروة والدموع تتصاعد لعينيها. كان قلبها يعتصر من الألم عليه. هز جابر رأسه وقال بتعب:
أنا إيه اللي عملته ده يا مروة. إزاي كنت أعمى بالشكل ده. حقدي على حسناء ضيعني وخلاني أضيع ابني من إيدي. حسناء جت تترجاني عشان.
اختنق صوته وتساقطت دموعه بقوة وأكمل:
ابني. ابني كان بيموت يا مروة. كان في إيدي أنقذه بس أنا. أنا.
أمسكت مروة كفه وهي تبكي. كانت ترى صحته تتراجع لذلك قالت بقوة:
عمي. عمي اهدي. بالله عليك أنت عامل عملية خطيرة مفروض مجهدش نفسك.
هز جابر رأسه وقال وصوته يتمزق من الألم:
أنا قتلت ابني يا مروة. قتلته ورفضت أعترف بالحقيقة دي. كنت خايف لو اعترفت أحس بالذنب. بس دلوقتي وأنا عارف إن الموت قريب مني مقدرش أنكر. مقدرش.
بعيد الشر عليك يا عمي. متقولش كده بالله عليك.
مسح جابر دموعه وقال:
مش هنضحك على بعض يا مروة. أنا عارف إني هموت. خلاص يا بنتي هعيش لحد امتى؟ أنا عارف إن وقتي قرب. وقتي قرب وحفيدي بيكرهني. ومش هو بس مرام. مرام بتكرهني وليلي كمان. الكل مش هيقدر يسامح يا مروة. أنا أذيتهم. دمرت حياتهم وأحلامهم. إزاي ممكن يسامحوا حد بشع زيي؟
انفجرت الدموع من عيني مروة وهي تضمه إليها وتقول:
هيسامحوك يا عمي. أنا واثقة إنهم هيسامحوك. بالله عليك مجهدش نفسك.
ابتعدت عنه وجلست بجواره وهي تمسك كفه وتمسح دموعه وتقول:
ربنا بيسامح يا عمي وربنا بإذن الله يحنن قلبهم عليك.
يارب يا بنتي يا رب.
قالها جابر بألم ثم أكمل وهو يعود وينام على فراشه:
أول واحدة مفروض أطلب منها السماح هي حسناء. هي دي أكتر واحدة غلطت في حقها.
في شركة أنس.
جالس على مقعده وهو ينظر إلى خاتمه بسعادة. ذلك القيد الذي قيده بها. ولأول مرة يحب أن يكون أسيراً لإحداهن. هو يفخر أنه أسيرها ويريد أن يبقى هكذا للنهاية. رفع كفه وقبل خاتمه برفق منتظراً اليوم الذي سوف تكون ملكه. يقسم أنه لن يتركها أبداً.
طرقة خفيفة على الباب جعلته يعتدل ويقول بصوت معتدل:
اتفضل.
دخلت السكرتيرة الخاصة به وهي تبتسم بلطف. كان مزاج أنس رائق اليوم هذا واضح عليه بسبب خطبته لمرام. لقد انقلبت الشركة لخبر ارتباطهما ولكن لم يجرؤ أحد أن يعلق. الجميع يعرف بقسوة أنس في العمل.
رغم أنه شخص رقيق وطيب إلا أنه لا يسمح أبدًا أن يتجاوز أحد حدوده معه. وهذا كان واضح عندما طرد فتاة من قبل لأنها تجاوزت حدودها معه.
"أستاذ أنس… آنسة ليل برة عايزة تقابلك!"
الابتسامة تجمدت على فمه وزَمَّ شفتيه. أراد أن يطردها ولكن لن يفعل هذا. سمح لليل بالدخول.
ولجت ليل إلى المكتب، عيناها تبرق بغضب. ترتدي فستانًا أسود يعكس سوداوية مزاجها. نظرت إلى أنس بقه.ر وقالت:
"مبروك يا عريس… مبروك."
"الله يبارك فيكي يا ليل… ها خير."
اقتربت ليل من مكتبه وضر.بت عليه بعن.ف وقالت:
"أقسم بالله يا أنس لأخد ملك منك وأحر.ق قلبك عليها."
ابتسم ببرود وقال:
"اللي عندك اعمليه يا ليل… يالا دلوقتي اتفضلي ورايا شغل ولا أحب أجيب بتاع الأمن يرميكي برا الشركة!"
مسحت دموعها التي تساقطت وابتعدت وهي تخرج وشيا.طين العالم تطاردها!
خرجت من مكتبه وهي تمسح باقايا الدموع التي انسابت على وجهها. عينيها الخضراء كانت تبرق الآن ولكن من الغضب! كانت تغلي من الغضب وهي تراها… مرام… تلك التي سر.قت منها حب حياتها… هي لن تسامحها أبدًا… تلك الفتاة سرقت سعادتها… أخذت تنظر إليها بقر.ف. ما الذي جذب أنس لفتاة بتلك السوقية؟ ملابسها لا تليق أبدًا بمركز أنس… هي مغلفة بالكامل كما أنها عرجاء… ما الذي يجبر أنس على الزواج بتلك السوقية؟ أي سحر ألقته عليه؟ لماذا يحبها هي؟ ليل أجمل منها وأكثر رُقيًا… فكيف أنس ينجذب لفتاة بسيطة مثلها… لا تمتلك إلا وجه جميل!
اقتربت ليل من مرام.
"آنسة مرام."
نظرت مرام لتجد ليل تنظر إليها بكر.ه. عينيها الخضراء مشبعة بالكر.ه!
"أفندم."
قالتها مرام ببرود لترد ليل:
"ممكن نتكلم شوية في الكافتيريا بتاعة الشركة… ده لو عند حضرتك وقت مش هعطلك… عشر دقايق مش أكتر."
رغم أن مرام لم ترد أن تتكلم معها، ولكن لم ترد الهروب، لذلك هزت رأسها وقالت:
"أوكي."
بعد دقيقتين… في الكافتيريا كانت تجلس ليل وتنظر إلى مرام بكره بالغ. لم أن النظرات تقت.ل لكانت مرام ما.تت منذ زمن!
"حضرتك أكيد مش جايبتيني هنا عشان تتأمليني يا ليل هانم… اتفضلي عايزة تقولي إيه؟"
"هو أنتِ فاكرة إنك خلاص أخدتي أنس… فرحانة يعني؟ لا يا حبيبتي أنس ملكي أنا وبس… فمتفرحيش أوي."
قالتها ليل بعصبية والدموع في عينيها. كانت على وشك الانهيار.
نظرت إليها مرام بذلك البرود المستفز. ليل كانت على وشك الانهيار بينما مرام تقابلها ببرود تام، ولعل برودها الآن كان أفضل سلاح لديها ضد عديمة الكرامة تلك!
"أخدته منك؟!… أخدته منك إزاي يعني مش فاهمة؟! هو مكانش ليكي ومظنش برضه هيكون يعني. أنتِ قدامه من زمان لو كان بيفكر فيكي كان طلبك… لكن هو جه لحد بيتي وطلبني من أخويا وأنا وافقت… مش هلاقي دايما حد متمسك بيا للدرجادي. أنا يا آنسة ليل مش بسعي عشان آخد حبيب من حبيبه… أنا مش عديمة الكرامة للدرجادي… لو أنتِ كده دي مشكلتك الخاصة!"
ثم ببرود تام نهضت وتركتها وعلى وجهها ارتسمت ابتسامة شقية نادرة للغاية!
"إيه اللي حصل لوشك؟!"
قالها وائل بصدمة وخوف وهو ينظر إلى وجه مروان المكدو.م بشدة. كان كأن سيارة قد مرت من فوق وجهه!
"وقعت!"
هكذا قالها كاذبًا ببساطة. وبالطبع وائل لم يصدقه، بل اتجه إليه ومد يده وهو ينظر إلى وجهه جيدًا وقال بتعب:
"يا بني أنت بتضحك على مين؟ مين ضر.بك؟! دي علامات ضر.ب."
ابتعد مروان ونظر إلى والده ببرود وقال:
"مفيش حاجة يا بابا… روح أنت لشغلك ومتهتمش بيا!"
ابتعد وائل ونظر إلى مروان بعمق. وجل ما كان يريده في تلك اللحظة أن يضم ابنه بقوة ويبكي… يبكي كل شيء! ولكنْه عرف أنه فقد تلك الفرصة. ابنه لن يرغب أن يقترب منه أبدًا… هو فقد تلك الميزة… ويبدو أنه فقدها للأبد! أعطاه وائل ابتسامة بسيطة ولكنها كانت تحمل كم من المشاعر لم يراها مروان من قبل! بهت مروان قليلاً وهو ينظر إلى والده. وضع وائل كفه على كتف مروان وقال:
"خد بالك من نفسك… ونضف الجرح اللي على وشك… هو بسيط… سلام يا بني."
ثم تركه وذهب.
شعر مروان بقلبه يضطرب… والتوتر يتصاعد بداخله! ماذا حل بوالده؟ ذلك السؤال كان يشكل عبئًا كبيرًا على عقله وقلبه بسبب التوتر الذي يشعر به.
"مروان!"
أخرجه من شروده صوت حياة التي خرجت من غرفة الضيوف ونزلت لأسفل. نظر مروان إليها لتشهق وهي تضع كفها على فاها وتقول:
"إيه اللي عمل في وشك كده؟!"
اتجه مروان إلى الأريكة وجلس عليها بتعب وقال:
"متسأليش."
اقتربت حياة وجلست بجواره وقالت:
"اتكلم يا مروان… مين شو.ه وشك كده؟! أوعى يكون أحمد؟!"
قالت جملتها الأخيرة بفزع ليهز مروان رأسه ويقول:
"أخو ليلي!"
"آدم!"
قالتها حياة بصدمة ليهز مروان رأسه لتقول حياة:
"انت روحت لليلي تاني كليتها وهو شافك؟!"
هز مروان رأسه وقال:
"لا روحت البيت وطلبت اتجوزها وهو مسح بكرامتي الأرض!"
"يخربيتك إيه الج.نان ده… طبيعي يمسح بكرامتك الأرض… الحمدلله إنك طلعت عايش… يا مروان انسى الموضوع ده! مستحيل آدم ولا ليلي يرضوا… متنساش أنت عملت إيه في مهرا…"
أغمضت عينيها وقالت بإختناق:
"أقصد عملنا… ده ذ.نبنا إحنا الاتنين يا مروان."
فتحت عينيها مرة أخرى وهي تقول:
"آدم مش هيخلي اللي اعتد.ى على مراته يتجوز أخته! مش هتظبط صدقني. الأسهل إنك تنساها."
"أنا ملمستش مراته!!!!"
قالها مروان بإنفعال لتقول حياة بصدمة:
"إيه… إيه اللي انت بتقوله ده؟!"
ابتلع مروان ريقه ونظر إلى حياة وقال:
"أنا ملمستش مهرا يا حياة… مقدرتش المسها!!"
فلاش باك.
كانت شبه عارية على فراشه. كان يبتسم بش.ر بينما يتجرد من كامل ملابسه. وما كاد أن يقترب ويلمسها ينفذ مخططه الدنئ حتى رآها أمامه. والدته!! تنظر إليه بخذلان.
"انت مش هتعمل كده يا مروان… مش هتعمل كده!!"
قالتها والدته وعينيها مشبعة بالدموع. ابتعد مروان عن مهرا كالملسوع فأكملت هي:
"دي مش تربيتي ليك… متعملش كده يا مروان… متعملش!!"
باك.
"يعني أنت ملمستهاش!!! وسايبني فاكر إنك اعتد.يت عليها!!! ليه كده!"
قالتها حياة وهي تنهض وتصرخ. دموعها تنساب على وجهها وهي لا تصدق أن مروان خدعها بتلك الطريقة. عيشها الذ.نب وراها تمو.ت من تأنيب الضمير دون حتى أن يريحها ولو قليلاً. نهض مروان وقال:
"حياة ممكن تسمعيني بس؟"
هزت حياة رأسها وهي تقول:
"لا مش هسمع… مش عايزة أسمع حاجة… افتكرت إنك اتغيرت… بس للأسف يا مروان أنت لسه سا.دي ومر.يض… وعمرك ما هتتغير… عمرك أبدًا… هتفضل حق.ير طول حياتك وحلال فيك إنك تتحرم من الحب!"
ثم ذهبت إلى غرفته وتركته منك.سرا.
بعد قليل كانت قد ارتدت ملابسها وغادرت. تلك هي اللحظة المناسبة!!!
في المساء.
وقفت ترتعش أمام باب الفيلا. دموعها لا تتوقف عن الانسياب. هل ستسامحها مهرا أم ستطردها؟ لو طردتها هي لن تلومها أبدًا! من حقها الكامل ألا تسامحها ولكنها تمو.ت… تمو.ت كل ليلة وضميرها يؤنبها. حتى بعد اعتراف مروان لها بأنه لم يلمسها لم ترتح. ربما اعترافه فقط أعطاها الشجاعة لكي تواجه مهرا وتطلب منها الغفران. الغفران لكي تعيش حياتها… الغفران لكي تستطيع النوم ليلاً!
مسحت دموعها بقوة. يجب أن تواجه. طبيبها النفسي لديه حق. ربما حياة بحاجة ماسة إلى مواجهة مهرا كي تستطيع التعافي. ما أن رآها الحارس حتى أدخلها بكل هدوء!
ضمت مروة مهرا إليها وقالت:
"طيب ما تباتي يا بنتي النهاردة وبعدين امشي."
هزت مهرا رأسها وقالت:
"لا يا ماما معلش خليني أروح… آدم طلب النهاردة مباتش… ميقدرش يعيش من غيري."
توهج وجه مروة وقالت بسعادة وهي ترى سعادة ابنتها:
"ربنا يسعدكم يا بنتي يارب وأشوف عيالك يا مهرا… أنا فرحانة أوي يا بنتي لأنك فرحانة بالشكل ده… ربنا يسعدك دايما."
ابتسمت مهرا وقلبها يخفق بسعادة. واحمر وجهها وهي تتذكر تحذير آدم لها.
"مهرا!"
قالتها حياة بارتباك وهي تقف بعيدًا لتختفي ابتسامة مهرا فورًا وتشعر وكأن أحدًا لكمها على وجهها بعنف. ماذا تفعل هنا؟ ماذا تفعل!! فكرت والدموع تتصاعد لعينيها ثم تنفجر متحررة من سجن عينيها!
"مين دخل دي هنا… انتوا إزاي تدخلوها الفيلا؟!"
صرخت مهرا وهي تبكي بينما حياة تقف بعيدًا نسبيًا عنها وتبكي هي الأخرى. توتر الحارس وقال:
"آسف يا ست هانم إحنا اتعودنا إن آنسة حياة تدخل على طول لأنها صاحبتك."
أغمضت حياة عينيها ودموعها تنفجر من عينيها. بينما مسحت مهرا عينيها وقالت:
"طلعها برا ومدخلهاش هنا تاني."
انف.جرت دموع حياة واقتربت من مهرا وهي تقول بصوت مختنق:
"سامحيني… أبوس إيديكي سامحيني يا مهرا… أنا بمو.ت والله كل يوم… صدقيني حياتي اتد.مرت من أول ما عملت فيكي كده… أبوس إيديكي سامحيني وإلا همو.ت."
وضعت مهرا كفها على أذنيها وهي تبكي وتصرخ قائلة:
"اخر.سي… خلاص اخر.سي واطلعي من حياتي… مش عايزة أشوفك تاني… وعمري ما هسامحك يا حياة… لو بينك وبين الجنة بس غفراني ليكي عندي أشوفك في نار جهنم ولا أسامحك!"
"يا مهرا أبوس إيديكي يا مهرا متقوليش كده… أنا والله مش عارفة أنام من وقت ما ده حصل… أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان تسامحيني."
أبعدت مهرا كفيها واقتربت منها وهي تهزها بعنف:
"أسامحك!!! أسامحك على إيه؟ على الخيا.نة!! على إنك سلمتيني لمروان… تعرفي مكنتش مصدومة في مروان قد صدمتي فيكي أنتِ… أنتِ يا حياة اللي كنتي أختي مش صاحبتي وبس!!"
كانت حياة تبكي بعن.ف وقلبها ينش.طر من الألم. دفعتها مهرا بعنف وقالت:
"تعرفي إن حتى مروان أحسن منك على الأقل هو ملمسنيش… مضيعش شر.في زي ما حضرتك كنتي عايزة… الغريبة إن الكل… الكل…"
اختنق صوتها من البكاء وأكملت:
"الكل كان بيحذرني منك وأنا مكنتش بسمع كلام أي حد لأني كنت بحبك… كنتي أقرب صديقة لقلبي… كنتي أختي!! بس كان لازم أعرف إنك رخي.صة… وعشان أنتِ رخي.صة كنتي عايزاني أبقى رخي.صة زيك!"
رفعت حياة كفها وغطت فمها وهي تبكي لتكمل مهرا بقسوة:
"كان لازم أعرف إن الرخي.ص بيكون عايز الناس كلها زيه… وبما إن حضرتك كنتي مقضياها مع أصحابك الولاد حز في نفسك إنك تشوفي واحدة محافظة على نفسها… أنتِ واحدة مقر.فة ورخي.صة وهتفضلي طول عمرك كده وأنا مستحيل أسامحك."
مستحيل لو شوفتك ميتة قدامي مش هسامحك يا حياة. أتمنى إنك تعيشي أتعس لحظات حياتك لحد ما تموتي.
ثم نظرت إلى الحارس وقالت بقوة:
اطردها برا الفيلا ولو دخلتها تاني اعتبر نفسك مطرود!
ومن خلفها كانت تقف مروة وهي ترتعش، بينما تسمع كلمات ابنتها التي تقطر حقداً وكراهية.
تنهد بعمق وهو يجلس أمام آدم الذي أخذ ينظر إليه وهو مبتسم. لقد طلبه أنس اليوم لكي يقابله في منزله. وإلى الآن شرب آدم فنجانين من القهوة وكأسين من عصير المانجا وقطعة كعك.
"جرا إيه يا أنس باشا؟ أنت جايبني هنا عشان تتأمل جمالي ولا إيه؟ بقالنا ساعة باصين لبعض كده!"
فرك أنس كفيه بتوتر وقال:
"أجيب لك كوباية عصير تانية أو نسكافيه؟ أو أي حاجة يعني؟"
ضحك آدم وقال:
"جرا إيه يا أنس؟ عايزني أتخن ولا إيه؟ أنت ولا كأنك بتزغطني يا جدع. فيه إيه بس؟ ليه متوتر؟"
لحظات ولم يرد عليه أنس، ونظر إليه بتوتر.
نهض آدم وقال:
"طيب لما تقرر تتكلم اتصل بيا يا أنس. أنا ماشي."
نهض أنس وقال بسرعة:
"لأ لأ... خلاص يا آدم اقعد هتكلم... هتكلم!"
هز آدم كتفه ببساطة وجلس. جلس أنس أيضاً وهو ينظر إلى آدم وقرر أن يتكلم:
"شوف يا آدم أنا عايزك في موضوعين."
"أؤمر."
تنهد أنس بعمق وقال:
"بصراحة كده أنا عايز أقدم الفرح بتاعي أنا ومرام."
رفع آدم حاجبيه وقال:
"مش قلت نستنى شوية عشان تحل مشكلتك مع جدة ملك؟"
"متقلقش من ناحية الموضوع ده أنا هحله. أنا بس عايز أتوز مرام. يعني ممكن نكتب الكتاب وبعدها بأسبوع الفرح."
ضحك آدم بذهول وقال:
"مالك مستعجل كده يا بني؟ هي هتطير؟ عموما إيه رأيك تتجوزوا على العيد؟ أهو تكون جهزت اللي ناقصها و..."
قاطعه أنس وقال:
"بصراحة يا آدم أنا عايز نتجوز قبل رمضان!"
"قبل رمضان؟" قالها آدم بصدمة فأكمل:
"يا ابني رمضان بعد تلات أسابيع. هلحق من أمتى أجهز ده كله في الوقت ده؟"
"مش مهم... مش مهم المهم اللي اتجوزها. يا عم جيبها حتى بشنطة هدومها، وإن كانت حابة تغير أي حاجة في الفيلا أنا تحت أمرها."
رفع آدم حاجبيه وقال:
"أيوة بس..."
قاطعه أنس بسرعة وقال:
"من غير بس يا آدم. الفيلا كلها جاهزة والتجهيزات شرعاً كلها على العريس. إيه المانع؟ الفيلا جاهزة والعريس جاهز وأقنع أنت العروسة."
ابتسم آدم وقال:
"حاضر يا أنس... رغم إن ده صعب بس هقنعها."
ابتسم أنس. كان يشعر بالسعادة تتصاعد بداخله. كان ممتناً للغاية لآدم الذي وافق أن يساعده. جل ما يريده الآن أن تمضي تلك الأيام بسرعة ويتزوجها. يريد أن تكون ملكه ليسعدها وتسعده. وهو سوف يحارب من أجله وأجلها وأجل ملك. رغم أن زواجه من مرام سوف يفتح عليه أبواب الجحيم ولكنه يعرف جيداً كيف يحافظ على ملك، وكيف يحافظ على مرام.
كان آدم مبتسماً وهو ينظر إلى أنس. كان مرتاحاً وهو يرى كم يحب هذا الرجل شقيقته المفضلة. مرام ليست شقيقة آدم فحسب بل هي قطعة من روحه. هي رفيقة الحياة، رفيقة الكفاح. هي مرام الرقيقة التي أمسكت كفه وهو صغير وحمسته أن يكافح من أجلهم وهي تستحق كل السعادة في العالم. رغم خوفه من تحفظها على مشاعرها داخل قلبها ولكنه يعرف أن أنس سوف يستطيع بكل تأكيد أن يذيب الجليد داخلها. هو من سيجعلها تخرج مشاعرها بحرية دون تحفظ.
نهض آدم وقال:
"طيب بما إننا اتفقنا خلاص أروح أعرض الموضوع على مرام وأحاول أقنعها إن فرحها قبل رمضان. يارب متضربنيش بالنار بس."
ضحك أنس وقال:
"صحيح يا آدم فيه حاجة تانية عايزها."
"اتفضل."
تنهد أنس وقال:
"مش عايزك تاخد الأمور بحساسية بس أنا عايزك تشتغل معايا!"
رفع آدم حاجبيه وكاد أن يرد عليه ولكن رنين الهاتف أوقف الكلمات في حلقه.
كانت مروة جالسة في غرفتها تنتظر آدم لكي يأتي ويأخذها. كانت بحاجة ماسة لأن ترتمي بين ذراعي آدم وتبكي حتى ترتاح. قلبها يؤلمها. كيف ظنت حياة أن مهرا سوف تسامحها؟ كيف تسامحها وهي من دمرت حياتها بتلك الطريقة؟ صحيح أن مروان لم يلمسها، ولكن يكفي أنها خدعتها وهي التي اعتبرتها صديقتها المقربة.
عانقتها مهرا ولم تتوقع أن حياة سوف تطعنها في ظهرها. لقد اعتبرت حياة شقيقتها! كانت تحبها جداً. ورغم أن جدها حذرها كثيراً من حياة وكان يتضايق عندما تدخلها المنزل إلا أن مهرا لم تستمع له. كانت تهتم جداً بصديقتها ولم ترد أبداً أن تجرحها. وقفت أمام جدها ووالدتها عدة مرات بسببها هي. هي فقط. وهل تلك هي نهاية المعروف؟
فكرت مهرا والألم ازداد في قلبها. ثم رفعت كفيها على وجهها وأجهشت ببكاء مرير. كم تتألم؟ خيانة الأصدقاء هي الأسوأ على الإطلاق. هي لن تسامح حياة. لن تسامحها أبداً. ستظل طوال حياتها تكرهها. ستظل تلعنها. الخيانة عندما تأتي ممن نحب تكون قاتلة. وحياة قتلتها. فكيف تسامح من قتلها؟ وكيف تجرؤ هي على طلب السماح؟ لا تصدق وقاحتها!
طرقة على الباب جعلتها ترتجف. مسحت دموعها بسرعة وقالت بصوت لا يخلو من البكاء:
"اتفضل."
ولجت مروة إلى الغرفة وهي تبتسم بلطف وقالت:
"ها يا ميمو أنتِ كويسة دلوقتي؟"
هزت مهرا رأسها. نظرت مروة إلى مهرا بشفقة. المواجهة التي حدثت بين مهرا وحياة كانت مدمرة لكليهما. كلاهما كان منهاراً. ولكن انهيار مهرا أوجع قلبها. ابنتها كانت تعاني بسبب الخيانة. على الرغم من أن مهرا أخبرتها أن مروان لم يلمسها، ولكن ما فعلته حياة من وجهة نظرها لا يغتفر!
اقتربت مروة من مهرا وأمسكت كفها وقالت:
"أنا عارفة المواجهة اللي حصلت من شوية دي مش سهلة... وعارفة إنك موجوعة. بس الكره ده وحش يا مهرا صح؟"
نظرت مهرا إلى والدتها بصدمة وقالت:
"أنتِ عايزاني أكره اللي دمرت حياتي يا ماما... اللي خانتني... عايزاني أسامحها؟"
ابتسمت مروة بحزن وقالت:
"الغفران صعب صح يا مهرا!"
هزت مهرا رأسها وهي تبكي وقالت:
"مستحيل... الغفران مستحيل يا ماما. لما شوفتها كان نفسي أقتلها. كان نفسي أعمل حاجات كتير!"
"محدش يقدر يجبرك تسامحيها. بس كمان من العدل إنك متجبريش آدم يسامح جده يا مهرا. صح؟"
نظرت مهرا إلى والدتها وقد أدركت لأول مرة أن آدم ليس قاسياً بعدم غفرانه لجده. بل أصبحت متيقنة أن الغفران صعب. نحن لا يمكننا أن نسامح من يؤذونا بتلك السهولة. آدم محق وهي مخطئة!
أمام الفيلا كان يقف ينتظرها. صوتها كانت مختنق عندما حدثته. لقد ترك أنس وخرج ليحضرها لأنه قلق عليها كثيراً. يتمنى أن تكون بخير. فجأة تجمد مكانه وهو يراها تخرج من الفيلا. وجهها باهت وأثر البكاء واضح جداً. ما كاد أن يسألها عما حدث حتى ارتمت بين ذراعيه تعانقه بقوة. تستمد منه الأمان. وهو لم يبخل عليها بل ضمها إليه وهمس:
"خلينا نروح بيتنا."
بعد نصف ساعة تقريباً. وصلا إلى المنزل ودخلت مهرا مباشرة إلى غرفتها.
"فيه إيه يا آدم يا بني؟" قالتها حسناء بتوتر فرد آدم:
"صدقيني معرفش يا أمي. هدخل دلوقتي وأشوف إيه اللي حصل هناك خلاها كده."
ثم ولج آدم بسرعة للغرفة وكاد أن يتكلم ولكن مهرا ارتمت بين ذراعيه وهي تبكي بعنف. تبكي كما لم تبكي من قبل. كان آدم يربت على كتفها ويقول بخوف:
"حبيبتي... قوللي إيه اللي حصل؟ أنا مرعوب عليكي!"
"مش عايزة أتكلم يا آدم... احضنني وبس. أنا محتاجالك."
وفعل ما طلبته ضمها بشدة إليه. عناق آدم يمثل لها الأمان. وهي الآن تشعر بالأمان بعد الهلع الذي أصابها اليوم!
"خدي ده من إيدك." قالها سامر بابتسامة رائعة وهو يطعمها بيده. أرادت كارما الاعتراض ولكن نظراته الصريحة بالحب الخالص منعتها من فعل هذا. لم تكن تريد أن تكسر بخاطره. منذ أعطته موافقتها على البدء من جديد وهو يدللها بطريقة أذابت الجليد من قلبها. شعرت أن مشاعرها تعود للحياة مرة أخرى. ما فقده هو بغباؤه استرده ببساطة! لقد استرد قلبها مرة أخرى. وربما أن قلبها لم يغادره أبداً. فقط الغضب والحزن صور لها أنها تكرهه ولا تحبه. ولكن يا لغبائها أدركت أن الحب متمثل فيه. لقد عرفت الحب على يديه. عرفت كيف تكون امرأة عاشقة بجنون. ولكن ما زال الخوف لم يغادر قلبها. ما زالت لم تمنحه ثقتها كاملة. رغم أن مشاعرها كلها معه ولكن هناك شيء مفقود. تتوقع منه الخيانة في أي لحظة.
ما زال جرحها مفتوحاً، لم يلتئم بعد. فكرت متجهمة، لينظر إليها سامر وهو يتنهد بعمق. قلبه يؤلمه لأنها بعيدة عنه لتلك الدرجة. ما زالت لا تثق به، وهي محقة. لقد قرر أن ينتظر، ولكنه مشتاق إليها. يريدها أن تخبره أنها ما زالت تحبه. يريد أن يطمئن، ولكنه لن يتسرع. سيتركها على راحتها، سيفعل المستحيل حتى تعود وتحبه. فهي حبيبته، مالكة قلبه وزوجته. زوجته التي نبذها ثم عرف أنها وقع في غرامها. كم هو غبي لأنه أضاع الكثير من الوقت. ولكن هذا ليس مهماً، هو دوماً مؤمن أنه يمكنه البدء من جديد. وهو الآن سوف يبدأ صفحة جديدة معها ولن يفقد الأمل.
ابتسمت بينما تتناول الطعام من يده، ثم قالت:
"مش قادرة يا سامر، كفاية."
ابتسم سامر وقرر ألا يضغط عليها، ونهض لينظف الطاولة. نهضت هي بدورها وساعدته. عشر دقائق وانتهوا من تنظيف الطاولة وغسل المواعين، ثم قال سامر:
"إيه رأيك نتفرج على فيلم سوا؟"
هزت كارما رأسها، ليكمل سامر بحماس بسبب موافقتها:
"خلاص، روحي جهزي الفيلم اللي حاباه وأنا هعمل الفشار، ماشي."
هزت كارما رأسها واتجهت نحو الصالة، بينما ابتدأ سامر بعمل الفشار. كان متحمساً كما لم يكن من قبل.
كانت تبحث كارما عن فيلم مناسب على أحدى المنصات الرقمية، إلى أن وجدته. فيلمها المفضل "10 Things I Hate About You". لكم تعشق هذا الفيلم. بالحقيقة هي تحب بطله أيضاً، هيث ليدجر. كان أحد الممثلين التي تحبهم بقوة وتتمنى الزواج بشخص مثله. ضحكت وهي تتذكر أيام المراهقة، حيث أنها كانت مختلفة تماماً عن باقي الفتيات. لم ترتبط أبداً كما فعلن صديقاتها. ولم يجذبها أي من الفتيان حولها، بل طموحاتها كانت أكبر. وقعت بشدة في غرام الممثلين، وأرادت دوماً أن ترتبط بأحدهم. ولكن لم تعرف لوعة الحب إلا حين قابلت سامر. سامر الذي أُغرم بمرام ولم يراها حتى. حاولت بقوة أن تنساه ولكن فشلت تماماً واستسلمت للحب. ودمرها الحب!
فكرت بيأس. خرج سامر من المطبخ وهو يحمل الفشار ويقول:
"الله حلو الفيلم ده يا حبيبتي، يلا عشان نتفرج."
ثم سحبها من كفها بيده الحرة ووضع الفشار أمامهما. ثم جذبها لترتاح على صدره، بينما يضمها إليه ويطعمها الفشار بيده. وبين الفينة والأخرى كان يطبع قبلة قوية على رأسها. أغمضت عينيها وهي تستمتع بقربه وتحاول أن تمحو من عقلها أي لحظة حزن.
إنكسار.
بعد ساعة ونصف تقريباً، كان الفيلم قد انتهى. نهضت كارما لتذهب إلى غرفتها لكي تنام، بينما جهز سامر الأريكة لكي ينام عليها. نظرت إليه وابتلعت ريقها وقالت:
"مفيش داعي، تقدر تنام في الأوضة و..."
صمتت وهي تتنهد بتوتر، ثم أكملت:
"أنا عايزة إنك تنام جمبي."
نظر إليها بصدمة وشوق، ولكن لم يتأخر واقترب منها بنية تقبيلها. أبعدت رأسها وقالت بخجل:
"لا، أنا عايزاك تنام جمبي بس!"
في عيادة طبيب المخ والأعصاب.
كان يضع كفه على رأسه. عينيه ملبدة بالدموع. قلبه يعتصر من الألم. كان يشك في الأمر. تعبه المستمر مؤخراً جعله شبه متأكد، وخاصة أن والده وجده ماتوا بهذا المرض اللعين. سرطان الدماغ. الصداع المتكرر الذي كان يصيبه، والغثيان والدوار، ونسيان بعض الأشياء، كلها تلك كانت من أعراضه. وهو لم يخدع نفسه وقرر أن يطمئن على نفسه، وقد عرف النتيجة مسبقاً.
نظر وائل إلى الطبيب وقال:
"قدامي قد إيه وأموت يا دكتور؟"
نظر إليه الطبيب بشفقة وقال:
"احنا لسه في البداية، ممكن نجرب الكيماوي و..."
هز وائل رأسه وقال:
"لا، أنا عارف النتيجة مسبقاً يا دكتور. عارف قد إيه المرض ده متعب. وعارف إن مفيش أمل."
"يا وائل بيه؟!"
قالها الطبيب معترضاً، لينهض وائل ويقول:
"أنا عايز أعيش باقي أيامي يا دكتور من غير كيماوي وتعب. أنا شفت المرض ده بيموت والدي بالبطيء. شفت الكيماوي وهي بتدمره وتشوه ملامحه. وفي الآخر مات. وأنا راضي بمصيري. شكراً يا دكتور، قراري النهائي إني مش هتعالج!"
ثم خرج من العيادة وفي قلبه حزن العالم بأكمله.
كان يجلس على الطاولة يأكل بمفرده. كان يائساً للغاية. عندما أخبر حياة بالحقيقة هاجت كثيراً، وجرحته بكلامها. كلامها كان كالخنجر الذي مزق قلبه! وقد كانت محقة. مروان ما زال يرتكب الأخطاء. ما زال يكذب ويخفي بعض الأشياء التي قد تكون في غاية الأهمية. لقد رأى حياة تعاني وكادت أن تموت، ولكنه لم يحرك ساكناً ولم يخبرها أنه لم يلمس مهراً. لماذا فعل هذا؟ هو حقاً لا يدري. لا يدري لماذا هو سادي بتلك الطريقة.
تنهد هو بحزن وكاد أن يأكل عندما دخل والده وهو يسير كأنه ميت. نهض مروان ونهش القلق قلبه واقترب من والده وهو يقول:
"بابا! فيه إيه؟"
ابتسم وائل ببهوت وقال:
"لا... أنا..."
كان يتكلم بطريقة غير متزنة، وهذا ما أقلق مروان أكثر. كاد هو أن يسقط، إلا أن مروان أمسكه بقوة وهو يقول بفزع:
"بابا فيه إيه؟"
لم يرد عليه وائل، بل انفجر بالبكاء وهو يعانق مروان بقوة. فزع مروان وهو يرى والده بتلك الضعف. بدأ قلقه يزيد حتى تصاعدت الدموع في عينيه. ارتج قلبه بقوة وهو يربت على كتف والده محاولاً بأقسى قوته ألا يبكي!
بعد قليل.
كان مروان يجلس بجوار والده ويمسك كفه ويقول:
"قولي يا بابا فيه إيه... أبوس إيديك قولي إيه اللي حصل؟"
نظر وائل إلى ابنه. قلبه يعتصر من الألم. ابنه عانى كثيراً. ابنه لم يحصل على الحب. والآن سوف يخبره بهذا الخبر السيء! هز وائل رأسه وهو يرفض أن يتكلم. ولكن مروان شد على كفه وقال:
"بابا أبوس إيديك اتكلم... أبوس إيديك!"
كان وائل ينظر إلى ابنه بيأس وقال بصوت ضعيف:
"أنا عندي كانسر... كانسر في الدماغ يا مروان!"
إنكسار مروان في تلك اللحظة كان لا يقارن بأي لحظة إنكسار عاشها.
رواية عروس رغما عنها الفصل السابع 7 - بقلم سوليية نصار
شعر كأن أحدهما اعتصر قلبه بقوة.
تحشدت الدموع أكثر في عينيه وهو ينظر إلى والده بصدمة.
قال بصدمة:
- انت… انت بتقول إيه يا بابا؟
نظر وائل إلى ابنه، دموعه محبوسة في عينيه وهو يرى ابنه على وشك الانهيار. وبنحو مفاجئ شعر بالذنب. الذنب لأنه لم يعط ابنه الحب. الذنب لأنه أدرك متأخراً أن مروان بالنسبة له أهم من أي شيء آخر.
- بابا رد عليا لو سمحت.
قالها مروان والدموع تنفجر من عينيه. يشعر وكأن جبلاً يجثم على صدره يمنعه من التنفس. والده… والده مريض بهذا الشكل المريع.
شد مروان على كف والده وردد قائلاً:
- قول إنك بتكدب… أبوس إيديك قول إنك بتكدب يا بابا. قول إن ده هزار. إنت عايز تعرف غلاوتك عندي صح؟ فبتقول كده. إنت كداب. طول عمرك بتكدب عليا و…
عانق والده وجهه وهو يقول بحزم رغم الدموع التي تنساب من عينيه وهو يرى انهيار ابنه:
- مروان… مروان اسمعني كويس. إنت لازم تكون أقوى من كده. محدش دلوقتي هيقدر يمشي الشغل غيرك. الشركات…
ابتعد مروان وهو يهز رأسه ويقول:
- شركات إيه؟! إنت كداب. أيوه بتكدب عليا. محدش هيدير الشركات غيرك.
اقترب مروان منه مرة ثانية وأمسك كفه وهو يقول بتوسل:
- بابا… بابا أبوس إيديك قول إنك بتكدب عليا. أبوس إيديك قول إن ده كدب أو حلم أو كابوس حتى. لأ… لأ ده مش حقيقي. مش حقيقي. إنت عايز تجرحني؟ تخوفني عليك؟ عشان أقولك إني بحبك. أيوه أنا بحبك يا بابا. أنا أصلاً مليش غيرك. فقول بقا إن الكلام ده كدب. قول إنه كدب أبوس إيديك. أنا ممكن أموت فيها لو كلامك صح.
بكى وائل وهو يرى حالة ابنه الهيستيريا، ثم جذبه وعانقه وهو مستمر في البكاء. انسابت دموع مروان وقال بصوت مختنق:
- يوم ما تيجي تحضني… تحضنني وانت بتقولي الخبر ده. بتقولي إنك احتمال تم…
لم يستطع إكمال الكلمة واجهش ببكاء عنيف هو الآخر وهو يضم والده بقوة. كان مروان منكمشاً للغاية وهو يعانق والده بقوة كأنه يخبره أنه لن يسمح له بالذهاب.
بعد وقت ليس بقليل، كان مروان يجلس بجوار فراش والده بعد أن استلقى عليه وأمسك كفه. كان وائل مغمض العينين وقلبه يعتصر من الألم. لا يريد أن يفتح عينيه ويرى ابنه يبكي. لن يتحمل هذا أبداً.
بينما مروان، كانت الدموع لا تتوقف عن الانسياب من عينيه. الألم الذي في قلبه فظيع. يشعر أنه يحتضر من شدة الألم. ألم الخسارة يلاحقه. معقول سيخسر والده كما خسر والدته؟ هل سيعود وحيداً؟ كانت تلك الأفكار تدور في عقله وتقتله. لم يسيطر على الدموع الكثيرة التي اندفعت من عينيه مرة واحدة.
اقترب مروان من والده ثم وضع رأسه على صدر والده وضمه قائلاً:
- أنا مش قادر أتقبل حقيقة إنك هتروح كمان يا بابا. أنا مستعد أتحمل كرهك ليا. مستعد أتحمل كلامك بأني مجرد غلطة في حياتك. وإني مش مهم. لكن مش هقدر أتحمل إنك تروح يا بابا. متسبنيش خليك معايا. أبوس إيديك خليك معايا. أنا مليش غيرك. لو سيبتني أنا هاجي وراك لأن مليش حد. مليش أي حد يا بابا.
لم يفتح وائل عينيه. كان يسيطر على نفسه بصعوبة كي لا ينفجر بالبكاء ويسبب الحزن أكثر لابنه. مروان لا يستحق هذا! لذلك ادعى أنه نائم ولم يفتح عينيه.
ابتعد مروان عنه وعينيه حمراء بسبب شدة البكاء. قبل مروان والده على جبهته وقال:
- هنعدي ده سوا… أوعدك يا بابا!
كانت تسير في الطرقات كالميتة. ساعات وهي تدور بلا وجهة حقيقية. تشعر أن العالم كله لفظها. هي ملعونة ليس لديها أحد. هي وحيدة للغاية. ما زالت تتذكر كيف أن مهرا ألقت في وجهها حقيقتها. نعم مهرا محقة جداً. هي رخيصة. وأرادت أن تكون مهرا مثلها. كم تكره نفسها. هي لا تستحق الغفران. لا تستحق أن تسامحها مهرا. فكيف تجرؤ وتذهب إليها؟ كيف تطلب أن تغفر لها؟
الدموع كانت تنفجر من عينيها وهي تفكر أن ليس هناك أمل. سوف تموت بهذا الذنب. ذنب مهرة سوف يظل جاثم على صدرها حتى تموت. شعرت حياة بالضياع في ذلك الوقت. كأن كلام الطبيب النفسي معها قد انمحي تماماً من عقلها تماماً. جل ما كان يأتي في عقلها هو الرغبة في الموت. ربما الموت هو ما سوف يجعلها ترتاح. هزت رأسها وهي تستغفر ربها. لا… هي لن تفكر بهذا مرة أخرى. لن تكون جبانة. صحيح أن فعلتها قذرة وتعرف أنها أخطأت خطأ لا يغفر، ولكنها سوف تحاول مجدداً مع مهرا.
وقفت فجأة وهي تجد نفسها أمام منزلها. ساقيها دون وعي قادتها إلى مصدر أمانها.
منذ المغرب تقريباً وهو يقف هنا. أمام بنايتها ينتظر فرصة ظهورها كي يتكلم معها. والآن أصبح منتصف الليل وهي لم تظهر. هل يعقل أنها سوف تمكث مع مروان اليوم أيضاً؟ الغيرة عصفت به بقوة. هو أصبح يثق بحياة فعلاً ولكنه يكره مروان جداً. ولا يثق به. ومعرفة أن حياة موجودة الآن معه جعلت الغيرة تفعل به الأفاعيل. كيف أحبها لتلك الدرجة؟ كيف أصابته لعنتها؟ هو حقاً لا يدري ولكنه يعرف يقيناً أنها هي. هي المنشودة. هي من يحبها ويريدها في حياته. لا يهم ماضيها ولا يهم ماضيه. هما الآن في الحاضر ولن يضيع فرصة أن يكون معها. لو فقط تعطيه فرصة ولا تبتعد عنه كأنه أحد الأمراض المعدية.
تنبهت كل حواسه وهو يراها فجأة. نعم هي! رغم الظلام الذي يحيط بهما إلا أن قلبه عرفها قبل عينيه. قلبه الذي خفق بقوة أخبره بوضوح أن تلك هي حياة. تلك هي حبيبته وكل حياته. اقترب منها ببطء كي لا يصيبها الذعر وقرر أن يصعد خلفها. لم يعرف فيما كان يفكر ولكنه كان يتبع قلبه فحسب.
أمام شقتها. زاغت عينا حياة وهي تحاول أن تفتح الباب بالمفتاح ولكن كفها كان يرتعش بشدة. فشلت عدة مرات في أن تفتح الباب.
- أووف بقا.
قالتها بغضب ودموعها تتطرف من عينيها. هي حقاً لا تحتمل. تريد أن تدخل منزلها كي تنام ولا تفكر بأي شيء. فجأة ارتجفت بقوة وصرخت وهي تشعر بأحد يمسك كفها:
- ششش… أهدي يا حبيبتي ده أنا…
استدارت وهي تنظر إلى أحمد بصدمة وقالت:
- إنت بتعمل إيه هنا؟
لم يرد عليها بل أخذ المفتاح منها وفتح الباب ثم سحبها ودخل وأغلق الباب.
داخل الشقة
- إنت عايز إيه مني تاني؟ خلاص يا أحمد سيبني لو سمحت!
- حياة أنا بحبك!
هكذا قالها بصدق أخافها. تراجعت وهي تقول:
- اطلع برا… برا أنا مستحيل أصدقك تاني. صدقتك مرة وندمت. ومش هيحصل تاني. اطلع برا حياتي يا أحمد لو سمحت أنا اللي فيا مكفيني.
كانت تصرخ به ودموعها تنفجر من عينيها. قلبها يتمزق من الألم. جلست على الأرض بانهيار وهي تبكي بعنف:
- يا ريت أموت… يا ريت أموت وأرتاح. أنا مليش مكان في الحياة دي مليش!
جلس هو بجوارها. ثم أمسك كفها وقال:
- متقوليش كده. أنا بحبك والله وطالب فرصة أصلح اللي هببته معاكي. حياة سامحيني عارف إني آذيتك.
نظرت إليه وقالت بحزن:
- إنت عقابي يا أحمد. عقابي على الذنوب اللي عملتها وأنا مرتاحة إني على الأقل اتكسر قلبي قصاد عمايلي البشعة مع مهرا. يمكن ده يخفف من عذابي. بس فيه بعض الأخطاء مينفعش نغفرها يا أحمد. أنا مقدرش أسامحك. اطلع برا حياتي وانساني. انساني زي ما نسيتك!
في اليوم التالي. فتحت عينيها وهي تجد نفسها مندسة في حضنه. ابتسمت ببهوت وهي تتذكر كم كان مراعي لها بالأمس. لم يتكلم أبداً عما كان يضايقها بل ضمها إليه وحسب وهو يهدئها. وهي لم تخفي عنه انهيارها بل انهارت بطريقة سيئة للغاية. بكت بين ذراعيه كما لم تبكي من قبل وهو كان صبوراً عليها ولم يلح لمعرفة السبب. وعندما انتهت حملها برفق وجعلها تستلقي على الفراش ثم استلقى بجوارها وجذبها إليه يضمها بقوة. فعله هذا جعل الفراشات تتحرك في معدتها. شعرت بقلبها يذوب أكثر. ترى ما الفعل الجيد الذي فعلته بحياتها لتحصل على رجل رائع كآدم؟ هي حقاً لا تعرف. رفعت كفها ومررته على وجهه برفق لتشهق فجأة وهو يمسك كفها ويقبله.
فتح عينيه الصافيتين ونظر إليها وقال بصوت أجش:
- يا سلام لو كل صبح يبقى جميل بالشكل ده يا مهرا. وأصحى دايماً على وشك القمر ده.
ابتسمت له مهرا ولكنها ما زالت باهتة وهذا ما أثار قلق آدم عليها. تلمس هو وجنتها وقال:
- حبيبتي بتثقي فيا؟
هزت رأسها وقالت:
- أنا مبقتش أثق في حد غيرك يا آدم. إنت دلوقتي أهم حد في حياتي وأنا بحبك. بحبك أوووي.
وضع كفه على وجنتها وقال بصدق:
- وأنا بحبك يا مهرا. بحبك أكتر ما تتخيلي. فممكن تقوليلي لو سمحتي إيه اللي خلاكي بالانهيار ده امبارح. أنا مرضتش أضغط عليكي ولا عايز بس أنا قلقان عليكي يا حبيبتي. طمنيني.
تجمعت الدموع في عينيها مرة أخرى ليقول هو بسرعة:
- لأ لأ… لأ… متعيطيش. ثم جذبها وهو يربت على شعرها ويقول:
- خلاص يا حبيبتي… خلاص بالله عليكي. لو مش حابة تتكلمي متتكلميش.
ضمته هي إليها بقوة وهي تقول:
- شوفت حياة امبارح.
عقد آدم حاجبيه بحيرة وهو يحاول أن يتذكر من حياة تلك لترحمه مهرا من تساؤلاته وحيرته وتقول:
- حياة تبقى صاحبتي يا آدم. هي دي البنت اللي حطتلي المنوم عشان مروان.
لم تستطع أن تكمل واجهشت ببكاء مرير وهي تضمه أكثر وكأنها تريد الاختباء بين ذراعيه من هذا العالم القاسي. بينما عصفت عينيه بالغضب. كان غاضباً جداً من تلك الفتاة ومشفقاً كثيراً على حبيبته.
- بس يا حبيبتي… خلاص أهدي.
هزت رأسها وهي تبكي وتقول:
- دي كانت صاحبتي يا آدم. كانت زي أختي. ولما خانتني حسيت وكأنها ضربتني بسكينة في قلبي. الكل حذرني منها بس مسمعتش الكلام. كنت بحبها أووي. بعاملها زي أختي وهي… وهي…
انفجرت بالبكاء مرة أخرى ليضرب الحزن قلب آدم على حالتها ويقول:
- بس الحمد لله مخططها منجحش يا مهرا وهي ليها عقابها. عارف إن الخيانة من الأصحاب بشعة بس إحنا بنقع عشان نتعلم. متندميش إنك عاملتي الناس بطيبة. لا أبداً ده يخليكي إنتِ أحسن منهم يا حبيبتي. إنتِ أحسن منها هي وربنا هيوريكي إزاي هيكون عقابها!
انسكبت الدموع أكثر من عيني مهرا وقال بصوت مختنق:
- آسفة يا آدم. آسف جداً.
رفع حاجبيه وقال:
- آسفة على إيه؟
ابتعدت قليلاً عنه وتلمست وجنته الخشنة وقالت:
- آسفة إني كنت بضغط عليك عشان تسامح جدي. أنا عرفت واتأكدت إن السماح والغفران مش سهل أبداً. أنا اهو مش قادرة أسامح رغم إن ربنا سترها معايا. لكن إنت حياتك اتدمرت. مفكرتش فيك وأنا بضغط عليك إنك تسامح رغم إني كمان مقدرتش أسامح. بغبائي كنت بجرحك يا آدم. آسفة يا حبيبي. آسفة جداً.
ابتسم آدم وهو يعانق وجهها ثم بدأ يوزع قبلات دافئة على جميع أنحاء وجهها ويقول:
- أنا محظوظ بيكي.
لم يزر النوم جفنيها منذ الأمس منذ تلك المواجهة مع مرام التي جعلتها تشعر وكأنها تتلوى فوق صفيح ساخن. تلك السوقية حدثتها بتلك النبرة. أخبرتها بلهجة خبيثة أنها بلا كرامة. عينيها كانت مشبعة بدموع الغضب بينما تدخن سيجارتها. مرام كانت واثقة للغاية من حب أنس لها وهذا ما جعل ليل تكاد تموت من الغيظ. تشعر وكأن أحدهما يمزق قلبها. أنس من أحبته. حلمت أن تتزوج به وتكون ملكه. سعت بجهد كبير لتجعله يحبها. دعت كثيراً أن يراها والآن تأتي فتاة متوسطة الجمال وتسرقه منها. هذا يقتلها. مرام لا تمتلك جمالها ولا رقيها فكيف انجذب أنس إليها؟ ما أرادته ليل بقوة وكادت أن تموت في سبيله تأتي مرام وتأخذه دون جهد يذكر. هذا ليس عدلاً. ليس عدلاً على الإطلاق.
فكرت ليل والدموع تنفجر من عينيها وتشهق بعنف. لم تختبر هذا الألم من قبل. ألم الغيرة والخسارة كانا يمزقان قلبها. ألم لا يقاوم ولا تتحمله هي.
ولجت فجأة نيرمين لغرفة ليل. ربعت ذراعيها وهي ترى ابنتها الغبية تلك! كانت الغرفة في حالة فوضى كحالة ليل. السرير مبعثر ومنفضة السجائر الخاصة بها مملوءة بأعقاب السجائر. شعر ليل مشعث قليلاً. ملابس الخروج الخاصة بها مجعدة ولم تبدلها منذ أمس وعينيها حمراء والدموع تلطخ وجنتها. شفتيها ترتجفان بفعل البكاء الشديد بينما تمسك سيجارة تكاد تنتهي منها! باختصار كانت حالتها سيئة للغاية وحالتها تلك أضرمت نيران الغضب بقلب نيرمين. أرادت فعلاً أن تذهب إلى ابنتها وتضربها حتى تفيق قليلاً. ليس جيداً ما تفعله بنفسها الآن. هي تبكي رجلاً. الغبية لا تدرك العواقب. ليل تدمر نفسها. خططها كلها تتهاوى بسبب تلك الحمقاء! لو حدث وليل عشقها تغلب عليها مثل أنوار فسوف تخرج من تلك الزيجة دون أي فائدة وهي يجب أن تمنع هذا.
اقتربت نيرمين من ابنتها كعبها العالي ينقر الأرضية البهية بغضب ثم أمسكتها من شعرها بعنف لتشهق ليل وتصرخ في نفس الوقت وهي ترى والدتها تشد شعرها بتلك القوة.
- ماما!
قالتها ليل ودموعها تنساب أكثر من عينيها لتنظر إليها نيرمين بسخرية:
- أيوه ماما يا أختي. ماما اللي ناوية تموتيها وهي ناقصة عمر!
- أنس ضاع من بين إيديا يا ماما. هو بيحبها أووي. مستحيل يبصلي. البنت دي أكيد عاملاله سحر.
تركت نيرمين شعرها ثم أمسكتها من فكها وضغطت عليه بقوة وقالت بقسوة:
- نفسي غباء أختك أنوار.
- سيبي أنوار في حالها على الأقل حرام عليكي دي ماتت.
قالتها ليل بعصبية لتضغط والدتها على فكها بعنف أكبر وتقول:
- عال هتعلميني إزاي أتكلم كمان. بنت إنتِ فوقي لنفسك واصحي ومتبقيش زيها. إحنا عايزين ثروة أنس وهناخدها.
- بس أنا…
قاطعتها والدتها بحدة وقالت:
- لو حصل وقولتي إنك بتحبيه قدامي هقتلك. هقتلك يا ليل. فاهمة ولا لأ!
ابتلعت ليل ريقها ودموعها تنفجر من عينيها الخضراوين أكثر. أبعدت نيرمين كفها وابتسمت وعينيها تبرق بسعادة وقالت:
- عايزين ننسى تفاهات الحب يا ليل. متخليش الحب يضعفك عشان لما نيجي نحط إيدينا على ثروة أنس متضعفيش وتقفي في صفه. صدقيني لو عايزاه لازم تاخدي فلوسه وقتها هيبقى زي الخاتم في إصبعك. إحنا عايزين ناخد كل حاجة يا ليل. كل حاجة.
رفعت ليل كفها ومسحت دموعها وقالت:
- بس هناخد كل حاجة إزاي.
ضحكت نيرمين وقالت:
- يوووه يا قلبي إنتِ لسه غبية. أنس نقطة ضعفه الأكبر هي ملك. إحنا نستناه لما يتجوز المحروقة اللي اسمها مرام ووقتها نستخدم العقد اللي بيننا ونأخد منه ملك. بسيطة أووي! المهم دلوقتي إحنا مش هنعمله أي مشاكل. بالعكس حالياً أنا وإنتِ هنسافر لفترة لحد ما يتطمن ويتجوزها وبعدين نرجع ونطالب بحقنا!
ثبتت مرام الدبوس على خمارها فجأة. لفتت عينيها لمعة الخاتم الماسي الذي يحيط بإصبعها. قيده المآسي الذي قيدها به. رفعت كفها وهي تنظر فيه.
وفي قلبها تتولد مشاعر مجنونة. مشاعر عنيفة لم تشعر بها من قبل. مرام كانت دوماً ترفض أن تظهر مشاعرها. كانت تتألم بصمت. تكتم مشاعرها فلا تظهرها حتى لأقرب ما لها. لذلك دوماً كانت تستخدم عقلها في أي قرار في حياتها. ولكن العقل تلك المرة أخبرها أن أنس ليس مناسب. هو رجل خطير. يمتلك سلطة على مشاعرها لم يمتلكها أحد من قبل. عاطفي بامتياز قادراً على إذابة الجليد الذي تحمي به نفسها. هل هي مستعدة أن تسلم نفسها لذلك الرجل؟ العقل اعترض بشدة. والخوف كان يلازمها. ولكن القلب… القلب كان يتوق له. لقد احتلها أنس. احتلها كلياً.
أغمضت عينيها وهي تتخيل عينيه الجميلتين تحاصرانها بشغف. وابتسامته الرائعة التي يخصها بها. غيرته الرائعة عليها تعزز من أنوثتها. عينيه التي تشتعلان غضباً كلما رآها تقف مع أحد غيره. تلك التفاصيل الصغيرة تجعلها تذوب حقاً.
إنها المرة الأولى على الإطلاق أن تشعر بكم تلك المشاعر تجاه رجل. هل نجح أنس حقاً في إذابة الجليد الذي يحيط بقلبها؟ هل نجح فيما فشل فيه الآخرون؟ وهل هي سوف تسمح بهذا؟ هل ستسمح لرجل بأن يخترق أسوارها؟ وتقف هي صامتة؟ هل ستسمح لتلك المشاعر أن تتحرر؟ هي عرفت الإجابة مسبقاً. لا لن تسمح بهذا. تحرير مشاعرها تلك يعني الضعف. وهي تخاف. تخاف بشدة. أسلوب نشأتها جعلها تخشى الحب وتخشى إظهاره. لذلك فضلت دوماً أن تكون باردة. ولكن أنس… أنس يدفعها للجنون. يثير بها مشاعر لم تختبرها من قبل.
فتحت عينيها على نغمة رسالة أتت على هاتفها من أنس. فتحتها بحيرة ليحمر وجهها وهي تقرأ رسالته القصيرة الدافئة:
- كنت من ضمن الأموات حتى رأيتك.
ترتعش كفها وشعرت أنها تذوب من الخجل بينما يبعث لها رسالة أخرى ويقول:
- للأسف النهاردة هتأخر عن الشركة شوية. خلي بالك من نفسك في حفظ الله يا مرامي.
مرامي! الكلمة التي خصها بها تخترق حصونها. هذا الرجل مصر على اقتحام أسوار قلبها والسيطرة على نبضاته. ولكنّه لا يعرف أنه المالك سلفاً!
طرقة على الباب جعلتها تغلق هاتفها على عجل.
- ممكن أدخل يا بسبوستي؟
قالها آدم وهو يقتحم غرفتها.
- ما إنت دخلت يا آدم.
قالتها مرام بهدوء وهي تعدل من وضع خمارها ثم أكملت:
- ما دام طبيت عليا كده على غفلة يبقى فيه حاجة. ها احكي فيه إيه؟
- يعجبني ذكاءك يا ميرو والله.
ابتسمت هي ليكمل هو:
- أنس كلمني في موضوع كده وعايز يأخد رأيك في حاجة.
ارتعش قلبها واضطربت بشدة ولكنها حافظت على جمود ملامحها وقالت:
- إيه الموضوع؟
- عايز يقدم الفرح شوية!
- نعم. يقدمه يخليه إمتى يعني؟
ضغط آدم على أسنانه بتوتر وقال:
- يعني قبل رمضان كده!
- قبل رمضان!!!
هتفت بصدمة ليهز هو رأسه ويقول:
- أنا برضه اتصدمت بس هو عايز كده وقال أخد رأيك. ها موافقة يا مرام.
توقفت عن الكلام وقلبها يرتجف أكثر. تشعر بالتشتت. لم ترفض ولم تقبل. ولكن لتكن صريحة. أغرتها فكرة أن تكون زوجته. تكون بجانبه. ولكن السرعة التي يحدث بها الأمر مخيفة جداً. نظر آدم إلى مرام الشاردة. ويبدو أنها فهمها تلك المرة. شقيقته لن ترفض تلك المرة. لقد أحبت تلك المرة وذاب الجليد أخيراً عن قلبها.
- تحبي أبلغه برفضك يا مرام؟
قالها آدم بنبرة وهو يخفي خبثه لترد مرام بسرعة وتقول:
- لا لا… قول له مرام موافقة!
كان يضمها إليه وهو يسير بها ببطء نحو سيارة الأجرة. قلبه يخفق بعنف وهي قريبة منه لهذا الحد. لقد كتب لها الطبيب الخروج بشرط أن يعتني بها جيداً ويعطيها أدويتها في الوقت المناسب وهو وافق على هذا وجهز نفسه ليخرجها من المشفى. وقرر أن يأخذها بيته. لن يتخلى عنها. قد لا تكون تحبه. قد تطلب أن تنفصل عنه بعد هذا. يعرف يقيناً أن ليس هناك أي مستقبل لعلاقتهما لأن ميار لا تحبه. فكر بيأس وهذا ما جعله يقرر أن ما أن تتعافى سوف يطلق سراحها. ولكن أولاً يجب أن ينال عثمان وعلياء عقابهما على ما فعلاه بها. اشتعل الغضب في عينيه وهو يتذكر الحالة السيئة التي كانت بها. كيف عاملوها كالحيوان وهو أبداً لن يسامحهما على هذا. سيحضر أفضل محامي في البلدة كي يضمن أنهما سوف يتعفنان في السجن.
وصلا أخيراً إلى سيارة الأجرة وساعدها على لكي تستقلها. ثم ركب بجانبها وهو يشير للسائق كي يذهب. تكونت طبقة من الدموع في عيني ميار وهي تتأمل علي. كيف كانت عمياء لتلك الدرجة. كيف لم تر حبه. هي حتى تقسم أن آدم ذات نفسه لم يحبها بتلك الطريقة. علي أحبها وتقبل جميع عيوبها وجل ما فعلته أنها حطمت قلبه! هي لن تسامح نفسها أبداً على ما فعلته. ستظل تحتقر نفسها حتى يسامحها هو. حتى يتقبلها مجدداً في حياته. لقد أدركت الآن أنها تريد أن تحبه. تعطيه حياتها كلها. تريد أن تجعله سعيداً. هي ممتنة له للغاية.
- إيه اللي جاب دي هنا يا علي؟
قالتها والدته بغضب وهي ترى علي يمسك كف ميار. ثم أكملت:
- ومش مفروض تكون سافرت؟
تنهد علي وقال:
- مش وقته يا أمي لو سمحتي.
ثم كاد أن يدخل إلا أنها توقفت أمامه وقالت:
- لا معلش يا ضنايا وقته ونص. ليه جبتها هنا؟ مش كفاية اللي عملته فيك ولا إيه!
كانت والدته غاضبة لدرجة أنها لم تر حالة ميار البائسة. حزنها على ابنها وغضبها على ميار جعلوها عمياء تماماً.
- أنا رديت ميار يا أمي. الموضوع انتهى. ممكن بقا تخلينا ندخل الأوضة ولا أخدها وأروح أي فندق.
اللمعة بعيني ابنها جعلتها تبتعد عن طريقه. كان جاداً للغاية. ولكن كيف يرتكب هذا الخطأ ويردها مرة أخرى؟ ألا يكفي ما فعلته معه؟ لقد دمرت حياته كلياً. جعلته يعاني من مرارة العشق فكيف يردها بتلك البساطة. كانت والدته تغلي حقاً من الغضب وأرادت بأسرع وقت أن تحصل على إجابات. لذلك دون تفكير اتجهت إلى غرفتهما وقالت:
- علي معلش تعالي عايزك.
نظرت ميار إلى علي بقلق. ليهز رأسه مطمئناً إياها ويخرج من والدته.
- ها يا أمي عايزة إيه؟
قالها علي عندما خرج إلى صالة المنزل لتقول والدته بغضب:
- عايزة أعرف يعني إيه رديتها يا علي. هو إحنا ناقصين. مش كفاية يا بني اللي عملته فيك؟
- أمي إنتِ مش شايفة حالتها يعني. البنت أهلها كانوا معذبينها وأنا من امبارح في المستشفى معاها. الحمد لله إني أنقذتها منهم في الوقت المناسب وإلا كانت هتموت!
- يا حنين!
قالتها والدته بسخرية رغم أنها أشفتقت على ميار ولكنها قالت وهي تقسي قلبها فتلك الفتاة لا تستحق الشفقة من وجهة نظرها بسبب ما فعلته بعلي:
- إنت نسيت هي عملت فيك إيه؟ نسيت دمرت حياتك إزاي؟ إنت بتفكر إزاي يا علي؟ قول لي يا بني فيه إيه في دماغك!
- فيه إني بحبها وهقف جنبها للآخر.
هكذا قالها ثم ولج للغرفة تاركاً إياها تغلي من الغضب.
ولج علي إلى الغرفة ليجد ميار تقف بارتباك وتقول:
- هو إنت صحيح رديتها؟
هز علي رأسه وقال:
- بما إن العدة لسه مخلصتش رديتك ولو عايزة تط…
ولكنها قاطعته بسرعة قائلة:
- أنا حابة أبقى معاك. بس طنط م…
قاطعه هو وقال:
- مليكيش دعوة بأمي هي هتتصفى لوحدها. المهم ارتاحي عشان ممكن شوية نروح القسم عشان موضوع المحضر اللي رافعينه على أبوكي ومراته. بس أبوس إيديك متصدمنيش وتقولي عايزة تتنازلي!
تجمعت الدموع في عينيها وهزت رأسها قائلة:
- أبداً يا علي أنا عايزة الاتنين يتعاقبوا!
وقفت أمام المرآة وهي تنظر إلى انعكاسها بشرود. امتدت كفها لتضعها على بطنها بينما تكونت طبقة شفافة من الدموع في عينيها لم تتجاوز بعد تلك الأزمة. ما زالت تفتقد طفلها. قلبها يعتصر من الألم عندما تستيقظ كل يوم وتدرك أن طفلها غادر. كم تشتاق إليه. صحيح فترة حملها كانت صغيرة ولكن بنت أحلام كثيرة ولكن فجأة كل تلك الأحلام انهارت فوق رأسها.
انسابت الدموع من عينيها وشهقت وهي تتنفس بعنف. شعرت فجأة بالاختناق وفشلت في السيطرة على تلك الدموع التي تنفجر من عينيها. رفعت كفيها ووضعتها على وجهها واجهشت بالبكاء بشكل أعنف من السابق. كم تتألم. تتألم وتشعر أنها سوف تموت من الألم. عرفت كارما وقتها أن النسيان نعمة. هي تريد أن تنسي هذا الألم كي تعيش حياة طبيعية مع سامر ولكن بدا ما فسد بينهما لا يمكن إصلاحه. هي ما زالت مجروحة منه رغم أنه يفعل المستحيل لإرضائها. نعم هو يحاول بكل جهده أن يعوضها عن ما حدث لها وهي ممتنة بقوة ولكن ما زال قلبها لم يرضي عنه. ما زالت نفسها لم تصفو له ولعل موت طفلها بتلك الطريقة جعلها بتلك القسوة! ما أرادته دوماً هو حب سامر ولكن الآن لا تريد حبه فقط. هي تريد أن يطمئنها. تريد أن يعطيها الأمان الذي سلبه منها. تريد أن تكون أم مجدداً. وتحمل طفله!
من بعيد كان سامر يقف وينظر إليها. يشعر بألمها ويتألم هو أيضاً. كم يتمنى أن ينتزع الألم من قلبها ويضعه في قلبه هو لعله يأخذ عقابه ويرتاح. ضميره يجلده بشأنها. كم يريد منها أن ترتاح ولا تفكر بشيء. يريدها أن تنسى الألم وتبدأ معه من جديد.
اقترب هو منها وقلبه يخفق بعنف ثم أبعد كفها عن وجهها. نظرت إليه كارما وهي لا تخفي الألم الكبير الذي بقلبها. مد سامر كفيه وبدأ يمسح دموعها برفق. رفق جعل قلبها يتألم أكثر. والأغرب جعلها تشعر بالأمان من جهته! عانق سامر وجهها ثم قبلها على جبهتها بلطف بالغ ثم ضمها إليه وهو يقول بنبرة متألمة:
- يا ريت أقدر أشيل الوجع اللي في قلبك يا كارما. يا ريت أقدر أخليكي مبسوطة تاني. معرفتش إني بحبك للدرجة دي إلا لما حسيت إنك هتضيعي مني. ادينا فرصة أخيرة يا كارما. فرصة نبقى مبسوطين وننسى الماضي والعذاب.
ابتعدت عنه هي تهز رأسها بعذاب وتقول:
- يا ريت… يا ريت يا سامر أقدر أنسى. يا ريت أقدر أرمي الماضي ورا ضهري. أنا عايزة أنسى. عايزة أنسي وأرتاح يا سامر. عايزة أسامحك. عايزة أحس بالأمان من ناحيتك. بس مش قادرة. كل يوم أصحى وأواجه حقيقة إني خسرت ابني بحس إني هموت. مش قادرة أتقبل إنه سابني ومشي. قلبي… قلبي واجعني أووي على ابني يا سامر. أنا تعبانة. تعبانة أووي.
أمسك كفها وقال:
- ابننا غالي بس ميغلاش على اللي خلقه يا حبيبتي. هو دلوقتي في الجنة وأنا واثق إن ربنا هيعوضنا عنه. وبالنسبة لي هعمل المستحيل عشان تسامحيني وتثقي فيا تاني. بس أبوس إيديكي متزعليش ولا تعيطي. أنا مش عايز أشوف أي حزن في عينيكي. أنا خايف عليكي من الحزن ده. أنا مش بطيق أشوفك زعلانة. أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان ترجعي سعيدة تاني. قولي لي أعمل إيه يا كارما عشان أرضيكي!
ابتعدت قليلاً عنه وقالت:
- معلش يا سامر سيبني أحزن براحتي وأنا عارفة إني هرجع كويسة تاني.
اقترب منها وأمسك ذراعيها بقوة وهو يقول بتصميم:
- يبقى تحزني جمبي وأنا هشيل عنك وهعمل المستحيل عشان أفرحك يا كارما. إحنا هنعدي الأزمة دي سوا وهتشوفي إنك هتبقي كويسة وإننا هنخلف تاني بنت زي القمر زيك وولد برضه شبهك. أنا واثق إن بعد المشاكل اللي عيشناها هنفرح. بس الصبر يا حبيبتي.
ابتسمت كارما وهزت رأسها وهي تضمه إليها وتقول:
- أنا بحبك.
اضطرب قلبه بقوة وأبعدها وهو يعانق وجهها ويثولف بعنف عاطفي:
- عارفة قد إيه حلمت إنك تقولي لي الكلمة دي زي زمان يا كارما. أنا مش مصدق. مش مصدق. أنا كمان بحبك يا كارما. بحبك أكتر من أي حد تاني!
ثم جذبها إليه وهو يقبلها ببطء وشغف. لقد عاد إلى قلبها!
في أحد المقاهي الراقية. كان أنس يجلس وهو يتناول قهوته بهدوء. الهواء يتلاعب بشعره بينما عينيه شاخصتان على باب المقهى منتظراً آدم. لقد أراد للتكلم معه بشأن العمل. كان أنس بمهارة يرتب ما سوف يقوله لآدم داخل عقله كي لا يحرجه. هو يعرف أن آدم رجل لديه كبرياء مثله تماماً ولن يتقبل أي مساعدة منه. لذلك يجب أن يكون الأمر أنه بحاجة إليه. وهذا صحيح نسبياً.
ولج آدم إلى المقهى وعينيه تبحثان عن أنس وأخيراً وجده. ابتسم واقترب منه وهو يصافحه ثم جلس براحة.
- تشرب إيه؟
سأله أنس ليرد آدم:
- ممكن شاي بالنعناع.
هز أنس رأسه في الوقت الذي اقترب فيه النادل وهو يأخذ طلب آدم ويذهب. بعد أن ذهب، نظر آدم إلى أنس بحيرة وقال:
- إيه يا عم قلقتني على الصبح كده. كنت بتكلم مع مرام لما اتصلت بيا وطلبت تقابلني ضروري. للدرجة دي موافقة مرام مهمة قوي كده؟
سأله آدم بخبث ليضحك أنس ويقول:
- مهمة جداً أيوه. بس الحقيقة أنا مش جايبك هنا عشان مرام. إنت تقدر تقنعها براحتك أنا عارف إنك هتأخد وقت معاها ربنا معاك.
ضحك آدم وقال:
- أنا مش عايز أصدمك والله يا أنس بس لا هحتاج أقنعها ولا غيرة. لأن مرام بهدوء غريب وافقت على موضوع أننا نعمل الفرح قبل رمضان. أنا بس عرضت عليها الفكرة وهي وافقت بكل بساطة.
اتسعت عينا أنس بدهشة ليضحك آدم ويقول:
- عندك حق. أنا كنت مصدوم زيك منها بس سبحان الله البنت قالت إنها موافقة ودلوقتي إحنا مفروض ننجز عشان نعمل الفرح في معاده.
ابتسم أنس برضا وقال:
- جميل. جميل أوووي يا آدم. مش عارف أشكرك إزاي بصراحة. وبالنسبة للترتيبات متشيلش أي هم. إنت ممكن تيجي إنت ومرام وتشوفوا بيت الزوجية بتاعنا واللي مرام حابة تغيره أنا تحت أمرها!
- تمام هقولها كده بس الأول حابين نجهز نفسنا عشان كتب الكتاب. معندكش مانع لو كتب الكتاب اتعمل في البيت صح؟
هز أنس رأسه وقال:
- لا مفيش أي مانع. شوف اعملوا اللي انتوا عايزينه بس جوزوني مرام.
ضحك آدم عليه ليشاركه أنس الضحك. بعد ثوانٍ أتى النادل ووضع الشاي بالنعناع وذهب ليضع آدم السكر كما يحبه ويبدأ في تناوله ثم قال:
- بس يا أنس أنا واثق إن طلبك ليا النهاردة مش خاص بمرام بس صح؟
ابتسم أنس وقال:
- يعجبني أووي ذكاءك يا آدم وعشان كده حابب تشتغل معايا.
ابتسم آدم وقال:
- إيه عايز تعمل فيا معروف بما إني نسيبك؟
هز أنس رأسه وقال بعملية تنجح مع الجميع تقريباً:
- لا طبعاً. بص يا آدم أنا بيزنس مان والربح عندي مهم. الشغل مفهوش عواطف وأنا لو شايف إنك مش مجتهد مكنتش عرضت عليك.
هز آدم رأسه وسأل:
- أيوه بس يا أنس أنا هشتغل إيه؟ يعني أنا مجرد صنايعي جبس بودر يعني مليش في شغل الإدارة والمكاتب وكده.
- ومين قال إن شغلك هيكون إداري. أنا عايزك تعمل اللي تعرف.
نظر إليه آدم بحيرة ليكمل أنس وهو يتناول قهوته دفعة واحدة ويقول:
- شوف يا آدم أنا عندي شركات كتير منها شركة للجبس بودر والديكورات. ومحتاج واحد زيك يشتغل هناك. إنت هتكون مدير الصنايعية هناك. منها تعلمهم وتشتغل معاهم وبالراتب اللي تحبه وكمان ساعات الشغل مش هتكون كبيرة وليك تأمين وإجازات. ده عرض كويس لينا إحنا الاتنين. أنا مفيش في شركتي واحد مهاري زيك. أنا لما شوفت الديكورات اللي في بيتكم اتصدمت من الجمال بتاعها عشان فكرت في العرض ده. ها يا آدم باشا موافق؟
ابتسم آدم وهز رأسه قائلاً:
- أكيد موافق!
قرب العصر. كانت مهرا في المطبخ تجهز لها كوب من القهوة لها وليلي عندما رن هاتفها معلناً عن وصول رسالة. أمسكت مهرا هاتفها لتجد رسالة من آدم يخبرها:
- البسي وتعالي بسرعة مستنيكي قدام البيت. متتأخريش يا مهرا عليا.
عقدت مهرا حاجبيها بحيرة ولكن قررت تنفيذ ما يريده. أخبرت ليلي بالموضوع وأعطتها قهوتها ثم ولجت للحمام كي تأخذ شاور سريع وتتجهز. ربع ساعة بالضبط وكانت مهرا جاهزة. شعرها الذي جففته جيداً كان منساباً على كتفها يلمع بشدة. ترتدي فستان زهري واسع وطويل محتشم للغاية. أخذت حقيبتها الزرقاء ووضعت فيها أشياءها ثم فتحت الباب لتغادر ولكنها شهقت وتراجعت عندما رأت آدم أمامها يبتسم لها بحب.
- آدم…
قالتها كلمتها بعفوية ليجذبها هو ويخرجان من البيت ويغلق الباب. ثم للمفاجأة اتجه للشقة المقابلة لشقته.
- آدم رايح فين؟
سألته مهرا بحيرة ليفتح هو الباب ولم يرد عليها. ثم سحبها خلفه للمنزل الفارغ كلياً وأغلق الباب.
- إيه يا جدع إنت ناوي تعمل إيه؟ هتغويني ولا إيه؟
قالتها مهرا وهي تضحك ليتجهم آدم ويقول:
- بلاش ترمي إفيهات تاني يا مهرا. إفيهاتك حمضيانة زي إفيهات ليلي.
أشار آدم إلى المنزل وقال:
- إيه رأيك يا مهرا ده يكون بيتنا؟
اتسعت عينا مهرا واستدارت وهي تسير في البيت وتتأمله. غير معقول. هل هذا سيكون منزلهما؟ تلك الكلمة رجت قلبها رجاً. سارت وهي تتأمل المنزل بسعادة بينما ضحكاتها تعلو.
- ها عجبك البيت؟
قالها آدم مبتسماً وهو يحاوط خصر مهرا ويطبع قبلة خفيفة على رقبتها. ارتعدت وعينيها العسلية تبرق بسعادة وتقول:
- ده هيكون بيتنا معقول؟
ابتسم وهو يسمع الابتهاج بنبرة صوتها ويرد:
- هو صغير شوية صحيح يدوب أوضتين بس اعتبري دي البداية لو عجبك أكلم الحاج عباس ونتفق على الإيجار من أول الشهر ده.
تنهدت وهي تنظر إليه وتقول بجدية:
- آدم مش مضطر تتحمل مصاريف زيادة إيجار وكهربا غير توضيب البيت. أنا مبسوطة مع أهلك ومستعدة.
قاطعها وهو يمسك كفها ويقول:
- بس أنا مش مرتاح. أنا عايز استفرد بيكي شوية من غير ما ليلي تنطلي كل شوية.
ضحكت مهرا فأكمل وهو يقبل كفها بلطف:
- غير كده إن فيه شغل كبير جاي لي بإذن الله مع أنس وده اللي لحد ما هريحني. وأنا أوعدك إن بس أموري تتظبط هشتري لك بيت أكبر من ده عشان عيالنا.
خفق قلبها بعنف ليرفع هو ذقنها ويقترب ثم يقبلها بلطف. لم يدم تقاربهما إلا ثانيتين إلا وهاتف مهرا رن. ابتعدت مهرا عن آدم وامسكت الهاتف وهي تقول:
- دي ليلي شكلها.
ولكن قبل أن تكمل جذبها آدم وقال قبل أن يقبلها مجدداً:
- سيبك منها هادمة اللذات ومفرقة الجماعات دي.
أغمضت مهرا عينيها وهي تستلم بين ذراعيه بينما قلبها يخفق بعنف. هي الآن سعيدة كما لم تكن سعيدة من قبل. هي الآن بين ذراعي آدم. آدم حبيبها.
دخلا المنزل وهما ممسكان كف بعضهما. السعادة ظاهرة بقوة على وجهيهما. كانت مهرا تطير من السعادة. خبر أنها سيكون لها بيت بمفردها هي وآدم جعلتها سعيدة والأجمل أن هذا البيت قريباً جداً من شقة حسناء. في المقابل بالضبط. لن يبتعد آدم كثيراً ولن تبتعد هي أيضاً. في ذلك الوقت القصير الذي قضته مع حسناء وبناتها أحبتهم كثيراً. وجدت الحب والصداقة والونس. هم عائلتها أيضاً وهي تحبهم بجنون كما تحب آدم.
- رايح آخد شاور وعلي العشا هنقولهم الخبر نكون كلنا متجمعين. أمي هتفرح أووي يا مهرا. هي كانت مستنية الخطوة دي من زمان أووي.
قالها آدم وهو يهمس في أذنها لتبتسم هي وتهز رأسها. رفع كفها وقبله بلطف ثم دخل غرفته.
- يا عيني يا عيني على عصافير الحب.
قالتها ليلي وهي تخرج من المطبخ حاملة معها كوب من القهوة. رفعت قهوتها وقالت:
- الدنيا دي حظوظ يا أخي. إنتوا الاتنين بتحبوا في بعض وأنا بذاكر عشان امتحانات الطب. إلا ما فيه كلب يجي يتقدملي وينقذني من مرارة الكلية.
ضحكت مهرا عليها. كانت تبدو سعيدة.
- بإذن الله هيجيلك نصيبك بس بعد الكلية.
شربت ليلي من قهوتها وقالت:
- مظنش يا أسطى والله. مفيش حد معبرني إلا المختل مروان. عايزة أعرف الواد ده شايف إيه فيا. بجد معتوه.
ارتبكت مهرا وهي تسمع سيرته وقالت:
- ربنا يبعده عنا يا ليلي ده واحد مش طبيعي.
- يارب. بجد مجنون إنه يجي لحد هنا. أنا كنت مرعوبة إنه يقول لآدم إننا رحنا عنده لما كان في السجن!
- ليلي!
هتف آدم بصدمة لتشهق ليلي وهي تنظر إليه برعب. بينما شحب وجه مهرا وأخذت ترتجف وهي ترى الغضب الذي يطل من عيني آدم. اقترب آدم وقال:
- إيه اللي إنتِ بتقوليه ده يا ليلي؟
وضعت ليلي كوب القهوة على المنضدة المجاورة ثم بسرعة ركضت نحو غرفتها وأغلقت الباب.
- واطية. فعلاً واطية.
قالتها مهرا بغيظ ثم كادت أن تركض هي الأخرى إلا أن آدم أمسكها بعنف من ذراعها وقال:
- إنتوا روحتوا امتى؟
- اسمعني يا آدم. اديني فرصة أتكلم.
- اتكلمي وانطقي. روحتوا امتى؟
ابتلعت مهرا ريقها وقصت عليه ما حدث.
- نعم. بتقولي إيه؟
صرخ آدم وهو يشد على ذراع مهرا بقوة ألـمتها بينما فتحت ليلي الباب وهي تلطم برعب. والدتها ومرام خرجوا ليحضروا بعض الأشياء الخاصة بمرام وهي ومهرا بمفردهما وادم بالتأكيد سوف يعاقبهما!
كان آدم يشد بعنف على ذراع مهرا التي احتشدت الدموع بعينيها.
- آدم… آدم إنت بتوجعني!
قالتها مهرا ودموعها تنفجر من عينيها العسلية. كانت تنظر إليها بعتاب سافر بينما هو يقبض على ذراعها بقسوة.
- روحتي هناك. روحتي لمروان وأنا في السجن مع إني نبهت عليكي. لأ وبعدين خليتي ليلي تروح له! إنتِ دماغك فيها إيه بالضبط. إنت مبتفكريش كويس!
شهقت وهي تبكي وتقول:
- والله حاولت مع ليلي وهي…
- اخرسي. اخرسي يا مهرا!
صرخ بها ثم أكمل:
- طيب ليلي صغيرة ومتهورة. إنتِ إيه. أنا نبهت عليكي يا مهرا حصل ولا محصلش.
هزت رأسها وهي تبكي. تحاول أن تبرر ولكن الغضب كان قد أعماه وهو يضغط على ذراعها بقسوة وقال:
- أكبر غلطة في حياتي إني اتجوزتك يا مهرا. اطلعي من حياتي!
بعد ساعة ونصف. تجمد جابر وهو يرى مهرا أمامه في فيلته بينما تبكي بعنف:
- حصل إيه يا مهرا؟
قالتها مروة بفزع لتركض مهرا وتعانق جدها وتقول:
- خليه يطلقني يا جدي. عايزة أطلق من ادم!
رواية عروس رغما عنها الفصل الثامن 8 - بقلم سوليية نصار
ضمها جابر إليه وهلع وهي تبكي بتلك الطريقة …
قلبه تألم لأجلها …
لقد خذله آدم ..
خذله وحطم قلب حفيدته …
أبعدها جابر عنه وهو يعانق وجهها المحمر بسبب شدة البكاء …
عينيها المشبعة بالدموع وشفتيها التي ترتجف بقوة.
"حبيبتي … مهرا …" قالها جابر وهو يعيد شعرها الثائر للخلف.
أغمضت مهرا عينيها وهي تبكي أكثر وتقول:
"طلقني منه يا جدي … أبوس إيديك طلقني أنا مش عايزاه."
"بنتي يا مهرا اهدي …" قالتها مروة بتوتر وهي ترى عيني جابر التي اشتعلت بها نيران الغضب.
رفع جابر كفه في علامة لاسكاتها وقال:
"عمل إيه الجلنف ده ؟!"
مسحت مهرا دموعها …
لم تكن تريد أن تقلل أكثر من شأنه أمام جده لذلك اكتفت بالقول:
"مش مهم عمل إيه … المهم إني مبقتش عاوزاه!!!"
تنهد جابر وقال:
"خلاص يا بنتي … اهدي وروحي أوضتك وارتاحي دلوقتي وأنا هعملك اللي انتِ عايزاه !!"
***
بعد قليل
في غرفتها …
كانت مهرا متسطحة على ظهرها بينما الدموع تنفجر من عينيها بقوة …
ألم ساحق في قلبها وهي تتذكر الكلمات السامة التي أطلقها آدم عليها …
لقد شعرت أنه أطلق عليها الرصاص في قلبها …
بدا وكأنه مختلف عن آدم هذا الذي كانت بين ذراعيه يخبرها كم يحبها في المنزل الذي قرر أن يستأجره …
كيف يمكن لأقرب ما لها أن يقتلها بتلك الطريقة …
كانت مهرا حقا متألمة بسببه …
وضعت كفها على فمها وهي تكتم الشهقات التي خرجت من فمها بسبب البكاء …
لقد خطت هي نهايتهما سويا عندما أدخلت جدها ولكن ما فعله آدم … كان قاسي … قاسي للغاية !
طرقة على الباب جعلتها تنتفض من مكانها وتنهض ثم بدأت بمسح دموعها بقوة وقالت بصوت مختنق:
"ادخل …"
ولجت مروة إلى غرفتها …
وقفت قليلا لتنظر إلى وجه ابنتها المحتقن وبقايا الدموع التي تلطخ وجهها …
رغما عنها تألم قلبها لأجلها …
اقتربت مروة من مهرا وجلست بجوارها.
أمسكت كفها بقوة لتشهق مهرا فجأة ودموعها تتدفق بعنف من عينيها.
ارتمت مهرا بين ذراعي والدتها وهي ما زالت تبكي.
ربتت مروة على ظهرها وقالت:
"بس اهدي يا حبيبتي … كل حاجة هتتحل …"
"أنا مبقتش عايزاه يا ماما … مبقتش عايزاه !!"
"يا بنتي الأمور مش بتتحل كده … أنتِ بتقولي كده بسبب غضبك منه بس .. لكن أنتِ بتحبي آدم … بتحبيه أووي ."
ابتعدت مهرا وهزت رأسها قائلة:
"بس الحب مش كفاية يا ماما … اللي عمله آدم المرة دي صعب أووي … أنا مقدرش أسامحه…"
عانقت مروة وجهها وقالت:
"طيب ممكن تحكيلي عمل إيه ؟! قوليلي ."
تنهدت مهرا والدموع تحتشد بعينيها مرة أخرى وقالت:
"حاضر … هحكيلك كل حاجة ."
وبالفعل قصت مهرا على والدتها كل شيء !
وبعد أن انتهت وضعت كفها على وجهها وهي تبكي.
تشعر أنها مجروحة جدا منه للغاية.
"لا … هو بصراحة غلطان جدا جدا كمان … مكانش مفروض يقول كلمة زي دي ."
قالتها مروة وهي تقر بالأمر وتبعد كف مهرا عن وجهها.
آدم تلك المرة تعدى حدوده.
ثم نظرت إلى ابنتها وقالت برفق:
"بس أنتِ غلطتي لما روحتي لمروان يا مهرا …. آدم من كتر خوفه وغضبه منك قال كده ."
شهقت مهرا بكاءا وقالت:
"تاني يا ماما … تاني بتقفي في صفه !"
هزت مروة رأسها وقالت:
"أنا مبقفش في صفه يا بنتي … أنا بقول الحق … آدم غلطان جدا جدا … بس أنتِ كمان غلطانة … صح ولا إيه ."
أطرقت مهرا برأسها ودموعها تتساقط أكثر من عينيها وقالت:
"أنا عملت كده عشان خاطره يا امي … حقه يزعل … بس الكلام اللي بيقوله بيكسر قلبي من جوه … أنا إنسانة وليا مشاعر يا ماما وادم مصر يكسرني…. أنا تعبت منه .. بحاول ارضيه واتأقلم مع حياته.. اللي بيزعله مش برضي اعمله. لكن هو … هو طردني من حياته … أنا على أي أساس أرجعله ."
امسكت والدتها كفها وقالت:
"ومين قالك انتِ ترجعيله … هو اللي هيجي ويصالحك كمان ."
هزت مهرا رأسها وقالت:
"وأنا خلاص مبقتش عاوزاه يا ماما … خلاص … أنا عايزة أتطلق …"
"بس انتِ بتحبي آدم ومش هتقدري تتطلقي يا مهرا … صح ولا إيه ؟!"
نظرت مهرا لوالدتها ثم انفجرت ببكاء مرير مرة أخرى وقالت:
"للأسف صح…. أنا بحبه…. بحبه أووي… ياريتني أقدر أشيله من قلبي يا ماما عشان أرتاح …. ياريت …"
مسحت مروة دموع ابنتها وقالت بخبث:
"وهو بيحبك … وأنا متأكدة من كده … بس بلاش طلاق يا بنتي … إحنا هنعاقبه شوية … نقرص على ودنه عشان يعرف إن الله حق !"
***
في المساء …
ولج آدم إلى المنزل وهو متكدر.
لقد ندم على الكلمات التي قالها لمهرا وينوي جديا أن يعتذر.
ولج بغرفته مباشرة دون أن ينظر إلى والدته أو شقيقاته وخفق قلبه برعب عندما لم يجدها!!
خرج من الغرفة راكضا.
"فين مهرا ؟!" قالها آدم وقلبه يخفق من الرعب عندما لم يلمح طيفها.
كانت شقيقتيه ووالدته جالسين على الأريكة ينظران إليه ولم يرد عليه أي أحد.
"مهرا فين … انطقوا !!!"
"جاي تتكلم بعد ما طردتها وطفشتها يا آدم !"
قالتها ليلي بغضب ليصرخ آدم بها وهو يقترب:
"إنتِ بالذات تخرسي خالص …"
ثم امسكها من ذراعها وضغط عليه بعنف وقال:
"أحسنلك يا ليلي تحطي لسانك جوا بوقك وإلا هضربك!!"
انسابت الدموع من عيني ليلي لتصرخ والدته:
"آدم سيبها فورا …"
زفر بضيق وهو يدفعها بعيدا عنه ويقول:
"يستحسن الأيام اللي جاية مشوفش وشك أصلا … أنا مش طايقك !"
ثم ذهب إلى غرفته لتنفجر ليلي بالبكاء وتركض إلى غرفتها!!!
***
في غرفتهما …
كان جالس على الفراش وهو يدفن رأسه في كفيه.
قلبه يتألم.
لقد تركته مهرا.
هل سينفي الخطأ عنه الآن؟
كلا لن يفعل.
هو أخطأ كثيرا.
جرحها بقوة.
لقد أوضحت له من قبل أنها تتألم بسبب كلامه وهو قالها مرة أخرى.
هو بلسانه طردها من حياته.
كيف يقول هذا؟
كيف لم يسيطر على غضبه؟
هل كان واعيا لما يقوله؟
بالتأكيد لا … لأنه لو فكر لثانيتين فقط في كلامه كان سيعرف أن مهرا ليست زوجته فحسب بل هي جزء منه.
هو يحبها ولا يستطيع أن يتخلى عنها أبدا.
يحبها كم لم يحب أحدا من قبل.
فكيف فعل هذا؟ كيف؟
كان آدم متألما.
مشتت وغاضب من نفسه.
طرق باب غرفته ثم انفتح ليجد أمامه مرام.
زفر بضيق بينما مرام تقترب منه.
"حابة أتكلم معاك !"
قالتها مرام وهي تربع ذراعيها وتنظر إليه.
داخلها كان يشتعل من الغضب ولكن من الخارج هي كانت باردة للغاية!!!!
"عايزة إيه يا مرام ؟!"
قالها بكدر لترد هي:
"مهرا قالتلي الحقيقة يا آدم !"
نظر هو إليها بحيرة شديدة لتكمل هي:
"مهرا قالتلي أنت اتجوزتها ليه!"
بهت آدم قليلا لتقول هي وكانت ظهر انفعال على وجهها الجامد:
"وقتها أنا عرفت أنت بتعامل مهرا كده ليه يا آدم !"
"إنتِ بتقولي إيه ؟؟!"
قالها آدم بصدمة وصدره يرتفع وينخفض بإنفعال لترد مرام وهي رافعة رأسها دون أن تخاف منه:
"يعني أقصد يا آدم أنت بتعامل مهرا المعاملة دي لأنك شايف إنك متفضل عليها…. شايف إنك يا عيني أنقذتها من فضيحة فيلا … أهينها براحتي وأطردها وهي هترجع تاني !!"
"اخرسي … اخرسي يا مرام !!"
قالها آدم وبراكين الغضب تنفجر داخله بينما ينهض هو.
ولكن مرام لم تجفل حتى وقالت بتحدي:
"صراخك وزعقيك افروا لحد غيري يا آدم … أنا مبخافش … أقصى حاجة هتضربني صح … اضربني عشان بقولك الحقيقة ."
تنفس بعنف وقال:
"عارف يا آنسة مرام إنك مش بتخافي مني … عارف ده كويس أووي … بس على الأقل احترميني … أنا أخوكي الكبير …"
"أخويا الكبير مبيعرفش يفكر .. أخويا الكبير بيجرح الناس اللي بتحبه .. أخويا الكبير بيدمر حياته …. لما ألاقي أخويا الكبير غبي لازم أوعيه ."
"اخرسي قلت …" صرخ بها وهو يرفع كفه ليصفعها لكنه توقف فجأة.
كان مذهول مما سوف يقدم عليه.
كيف يفعل هذا؟
هل فقد عقله!!!
نظر إلى مرام التي احتشدت الدموع في عينيها، وكم بدت مجروحة وقتها.
قالت:
- انت ما خسرتش، بس مهرا يا أدم. انت خسرتني أنا كمان!
ثم تركته وغادرت.
لينهار على الفراش مغمضاً عينيه والدموع الساخنة تلامس وجنته.
وضع قبلة قوية على شعرها، ثم أخذ يعبث بشعرها ويقول:
- يالا بقي يا حبيبتي، اصحي. الساعة بقت تمانية بالليل.
تنهدت كارما في نومها. ليبتسم سامر، ثم بخ.بث مد يديه وهو يحاول أن يزيح منامتها. ولكنها ضربته على كفه. ثم ضحكت.
ضحك هو أيضاً عندما فتحت عينيها وقال وهو يقبلها على أنفها:
- يالا قومي البسي.
عقدت حاجبيها وقالت:
- هنروح فين؟
- مفاجأة يا كرمتي. يالا قومي بقا. أنا جهزتلك فستان حلو تخرجي بيه. هتلاقيه في الدولاب متعلق.
ابتسمت وهي تهز رأسها، ثم نهضت واتجهت للخزانة. واتسعت عينيها بسعادة وهي تمسك الفستان وتنظر إلى سامر بسعادة. ثم استدارت ولجت إلى الحمام.
نظر سامر إلى باب الحمام الذي يُغلق. ثم بسرعة استل هاتفه واتصل برقم ما وقال:
- إحنا طالعين دلوقتي. جهزوا كل حاجة. هحاول أأخرها شوية، ماشي؟ يعني ساعة تكفيكوا تمام اووي.
ابتسم برضا عندما سمع الجواب من الطرف الآخر.
ذهب هو إلى الخزانة وأخرج الحلة التي جهزها كي يذهب بها. اتجه إلى المرآة وجفف شعره جيداً. ثم خلع مئزر الحمام وبدأ بإرتداء ملابسه.
بعد قليل كان قد انتهى من تزير قميصه الأبيض. ثم تناول سترة الحلة الرمادية وارتداها. سرح شعره وأمسك زجاجة عطره الثمينة ورشها عليه. اتجه للخزانة مرة أخرى وأخرج عبوة مخملية ووضعها في جيبه. ثم جلس على الفراش بهدوء وهو ينتظر كارما.
بعد ربع ساعة. خرجت كارما وهي في كامل زينتها. لقد جففت شعرها بالداخل وزينت وجهها على مرآة الحمام.
- إيه رأيك؟
قالتها بابتسامة وهي تدور حول نفسها وتبتسم بسعادة. فغر سامر فمه وهو ينتبه إليها. بدأ جمالها أسطوري في تلك اللحظة. حقاً لم يرى أجمل منها. الفستان الأحمر الناري كان يليق بها كثيراً. كان بسيط ومحتشم. بينما شعرها معقود في تسريحة رائعة. أحمر الشفاه القاني كان يزين شفتيها. وبدت في تلك اللحظة كأنها أميرة. أميرة أحلامه.
فكر وهو يفترسها بنظراته. بينما هي شعرت بالخجل. نهض هو واقترب منها. ثم أم.سك كفها وقبله بلطف وقال:
- يالا عشان نلحق المفاجأة يا حبيبتي. لآني لو قعدنا هنا ثانيتين مش هنخرج.
احمر وجهها من كلامه وهزت رأسها وهي تدفن كفه في كفها.
بعد ساعة قيادة بسيارته الفارهة توقف سامر أمام مطعم راق. خرج ثم استدار من الناحية الأخرى وهو يفتح لها الباب ويمد كفه. ابتسمت كارما وهي تمسك كفه. بينما قلبها يخفق بسعادة. سحبها إلى المطعم. وما أن ولجت إليه حتي رأت النادل يقترب منها ويعطيها باقة أزهار رائعة. أزهار الياسمين التي تعشقها.
- ميرسي.
قالتها كارما بسعادة. ولكن سرعان ما تجمدت الابتسامة على شفتيها واتسعت عينيها بدهشة وهي ترى المطعم. المطعم كان فارغ تماماً من الناس. فقط الأزهار مزينة الأرضية الراقية له وعلى الجدار. كانت شاشة عرض كبيرة.
هز سامر رأسه. ليسود الظلام المطعم. شهقت كارما وهي تمسك سترة سامر بخوف. بينما إضاءة الشاشة سطعت وهي تعرض ذكريات كارما مع سامر. صور قليلة صحيح، ولكن ذكرياتها بقت في قلبها. احتشدت الدموع في عيني كارما والصور تتابع. ثم بعد ذلك صدحت موسيقى لإحدى الأغاني التي تعشقها بشدة.
شدها سامر وراقصها وعينيه تلمع بحب قائلاً:
- يمكن مش هتقدري تصدقيني أبداً. ويمكن مش هتقدري تثقي فيا بعد كده يا كارما. بس أنا فعلاً حبيتك. وبحبك وهفضل أحبك لحد ما أم.وت. أنا مصدوم زيك من المشاعر اللي تكونت فجأة في قلبي. بس صدقيني يا كارما، حبك هاجمني بقوة وأنا خسرت قدامه.
توقف فجأة وقال:
- أنا قاومت نفسي عشان محبش. بس خسرت قدامك. بس كسبت حبك وقلبك. وده أعظم مكسب ليا.
ثم فجأة جلس على ركبتيه وهو يخرج الخاتم المآسي ويرفعه أمام عينيها ويقول:
- تقبلي تتجوزيني يا كارما؟
نظرت إليه بصدمة وقالت:
- بس احنا متجوزين و…
هز رأسه وقال:
- أنا عايز أت.جوزك تاني عشان عايز أبدأ معاكي حياة جديدة. حياة محدش هيكون فيها غيرنا إحنا وأولادنا الجايين. تقبلي نبدأ من جديد ونرمي الماضي؟ تقبلي تسعديني وتتجوزيني يا عمري.
تأثرت وانسابت الدموع من عينيها وهي تهز رأسها. ابتسم وألبسها الخاتم. ثم نهض وهو يعانقها بقوة ويقول:
- حبيبتي انتِ. مش هنفترق أبداً. ده وعدي ليكي.
- العشا اهو. عملتلك الكريب بالطريقة اللي أنتِ بتحبيها.
قالها علي وهو يلج إلى الغرفة. على شفتيه ابتسامة رائعة. خفق قلب ميار تأثراً وهي تراه يدللها بتلك الطريقة. واحتشدت الدموع بعينيها وهي تتذكر كيف أنها حط.مت قلبه عدة مرات. لكم شعرت بالخجل من نفسها. فعلي قابل إساءتها بالإحسان وأنقذها من ش.ر والدها وزوجته. هي لن تنسى أبداً ما فعله معها. ستظل ممتنة له حتى الم.وت.
اقترب علي وجلس بجوارها وهو يطعمها بيده برفق. جعل الدموع بعينيها تنسكب من عينيها. ارتبك علي وهو ينظر إليها وقال:
- حبيبتي فيه إيه؟
أغمضت عينيها وهي تشهق بقوة وتبكي. وضع هو الطعام على الطاولة التي بجوار الفراش. ثم عانق وجهها. بينما هي تبكي بهذا الع.نف. شدها إليه وعانقها وهو يقول بهلع:
- ميار فيه إيه؟ قوليلي. تعبانة أوديكي الدكتور.
شهقت بقوة أكبر وهي تضمه بدورها. تضمه بقوة وتقول بصوت مختنق:
- أنا مستاهلش يا علي. مستاهلش المعاملة الحلوة دي منك. أنا أستاهل أستاهل…
ابتعد عنها وأمسك كفها بقوة وقال:
- انتِ تستاهلي كل خير يا ميار.
رفع كفها وقبله. ثم قال:
- مش هقدر أقول إني مش زعلان منك. أنا زعلان، بس أنا بحبك. حبي ليكي أقوى من غضبي وحق.دي عليكي. عرفت إنك أهم حد في حياتي لما لقيتك مضر.وبة وواقعة على الأرض. وقتها قلبي وقع في رجليا.
صمت وتنهد قائلاً:
- أنا عارف إنك مش بتحبيني وده واجعني أوي. كنت أتمنى إنك تحسي بيا. بس ده نصيبي. لكن أنا قررت اللي حاباه هيحصل يا ميار. قولي أنتِ عايزة إيه وأنا هعمله.
دف.نت كفها في شعره الأسود الكثيف. بينما دموعها تهطل كالأمطار في ليلة كثيفة السحاب. ثم قربته منها ووضعت جبينه على جبينها وقالت بعاطفة:
- لو ليا سلطان على قلبي يا علي، مكنتش خليت حد في قلبي غيرك. ياريت أقدر أديك الحب اللي تستحقه. ياريت أقدر أسعدك وأعوضك عن كل اللي عملته. أنا عايز أحبك يا علي. أحبك وأبقى معاك. عايزاك تكون شريك حياتي لحد ما أم.وت.
ابتسم علي مغمضاً عينيه. ثم قرب فمه من فمها وقال:
- وأنا مش هسيبك أبداً يا حياتي.
ثم قبلها برفق.
في صالة المنزل. كانت والدة علي تبدو كمن جالس على صفيح ساخن. تضرب ساقيها بكفها وهي غاضبة. ماذا حل بابنها؟ وأي سحر تمتلكه تلك لتعيده إليه بكل بساطة؟ لقد ترك ورد ورجع لتلك ال.ف.ع.ي.
هزت رأسها وهي تشعر بأ.لم فظيع وكأن ضغطها قد ارتفع بسبب غ.با.ء ابنها. آه كم تك.ر.ه تلك الفتاة.
فجأة خرج علي وهو يحمل صينية الطعام. ونظر لوالدته التي تجهم وجهها وأشاحته للناحية الأخرى. كانت ترفض أن تنظر إليه. قلبها غاضب عليه ولن تسامحه. ابتسم علي وأدخل الطعام للمطبخ. ثم أتى ليجلس بجوار والدته وقال:
- أنتِ عارفة إني بحبك صح؟
لم ترد عليه والدته. بينما تنظر إلى الجهة الأخرى بإصرار. بشغب طفولي أمسك علي وجهها وجعلها تنظر إليه. ثم قبل رأسها وقال:
- سعادتي مع ميار يا أمي. وهي اتعلمت الدرس خلاص. أنا عايزها هي وبس.
تنهدت والدته وقالت:
- دي ك.س.ر.ت قلبك قبل كده يا ابني.
- وهي الوحيدة اللي تقدر تصلحه. ولو فعلاً بتحبيني يا أمي اقبليها في حياتي. لأني مش هحب غيرها.
- براحتك يا علي.
قالتها والدته بإستسلام.
في اليوم التالي. وأمام مخفر الشرطة. كانت تقف ميار وهي ترتجف بقوة. أمسك علي كفها وقال:
- أنا معاكي يا ميار. ومش هسيبك أبداً.
هزت ميار رأسها وهي تشعر بالأمان وسارت معه. مهما حدث لن تخاف فحبيبها معها.
بعد قليل. كانت ميار وعلي في غرفة الضابط مع المحامي الخاص بهما. وأيضاً المحامي الخاص بوالدها موجود. ثواني ودق الباب ودخل والدها وزوجته وهو مقيدان بالأصفاد.
- ميار بنتي حبيبتي.
قالها الأب وهو يحاول الاقتراب منها. ليقف علي أمامها ويقول:
- متقربش منها.
- دي بنتي. وهي هتتنازل دلوقتي حالا عن القضية يا علي. مش صح يا ميار؟
قالها عثمان وهو ينظر إلى ابنته التي انسابت الدموع منها وقالت:
- لا مش صح يا بابا. أنا مش هتنازل.
هلعت علياء وقالت:
- يا ميار يا حبيبتي أنا زي أمك يا ميار. طلعي.ني من هنا. أبوس إيديكي.
لم ترد عليها حتى. بل استدارت وقالت للضابط:
- ده قراري النهائي يا فندم. أنا مش هتنازل عن المحضر.
واتبع كلماتها صرخة علياء ال.م.ر.ت.ع.ب.ة.
هو رجل لا يعرف الاستسلام. لقد كان ج.ب.ا.ن في المرة الأولى عندما تركها يوم زفافها. ولكنه لن يكرر هذا الخطأ أبداً. لقد عرف أنها في قلبه. لا يستطيع أن يتخلى عنها. سيفعل المستحيل كي تعود ويطلب الغفران ألف مرة لو تطلب الأمر. ولكنه لن يترك السعادة تنفلت من بين يديه.
بينما يقف بسيارته أمام البناية الخاصة بها منتظراً أن تظهر. وبالفعل ظهرت هي لتجعل قلبه يخفق بقوة وهو ينظر إليها. عيناه السوداء كانت تتفرس بها. مختلفة اليوم نعم. فملابسها اليوم مبهجة على غير العادة. لقد تخلت عن الأسود. ترتدي بنطال أزرق من الجينز وقميص من الحرير الزهري. شعرها معقود في ذيل حصان. نظارة زرقاء تغطي عينيها وحقيبة بيضاء. أخرجت من الحقيبة مفتاح سيارته ثم ضغطت على الزر لفتحها. ابتسامة شامتة تكونت على شفتيه. بينما تقترب هي من سيارتها. فجأة توقفت وهي تعقد حاجبيها بشدة بحيرة. وهي تجد أن العجل الخاص بسيارتها تالف. التفت ونظرت إلى العجلات الأخرى وضربت الأرض بقدمها. ليضحك أحمد وهو ينظر إلى الآلة الحادة التي معه. وضعها بجيبه وعدل من وضع ملابسه المجعدة بسبب طول الفترة التي قضاها في السيارة. ونهض خارجاً من سيارته. اقترب منها وعلى وجهه ابتسامة شامتة وقال ببراءة مزيفة:
- إيه ده؟ معقول العجل نايم؟
نظرت إليه حياة بغضب وقالت:
- انت اللي عملت كده صح؟
ابتسامته ازدادت اتساعاً وقال دون خجل:
- أيوه. يالا بقا عشان أوصلك.
- بجد مشوفتش في ب.ج.ا.ح.ت.ك.
ضحك بمرح وقال وهو يغمز لها:
- وده يخليني مميز. فين هتلاقي واحد ب.ب.ج.ا.ح.ة. يالا يا حبيبتي عشان أوصلك.
قالها وهو يمسك ذراعها. لتنفض هي ذراعه بع.ن.ف وتقول:
- شيل ايديك عني يا أحمد. ولا مش عاوزاك تو.صل.ني؟ أنا هاخد تاكسي.
ثم ذهبت من أمامه غاضبة. ليذهب هو خلفها ويمسكها من ذراعها ويجذبها إليه قائلاً:
- لا هتيجي معايا يعني هتيجي معايا. يالا اركبي العربية.
نظرت إليه بصدمة. كم هو و.ق.ح. لا تصدق و.ق.ا.ح.ته.
- ابعد. ابعد عني يا بني آدم انت. أحمد إحنا في الشارع. اتلم.
ابتسم بشر وقال:
- وعشان إحنا في الشارع أنا بقول يا حبيبتي لمصلحتك الشخصية إنك متعانديش معايا وتركبي بهدوء. وإلا…
قاطعته بإنفعال:
- وإلا إيه؟ قولي وإلا إيه!!! انت بته.د.د.ني يا أحمد. هتعمل إيه؟ ها قول وإلا إيه؟
ابتسم بعاطفة قوية يحملها لتلك الفتاة النارية وقال:
- وإلا هب.و.س.ك.
احمر وجهها بقوة وتبعثرت دقات قلبها. ليكمل هو مقترباً أكثر وقال:
- بس شكلك ده اللي أنتِ عايزاه لو صممتي متركبيش معايا.
كانت تنظر إليه بعجز. تخاف أن ينفذ تهد.يده. وفي نفس الوقت ليس لديها أي جراءة كي تدفعه عنها وتصرخ. لذلك وافقت صاغرة أن تذهب معه وقالت:
- ماشي هاجي. امشي قدامي وحسبي الله ونعم الوكيل.
ضحك أحمد وهو يشدها من كفها ويذهب معها.
- هو انت موديني فين؟
طالبت حياة بالإجابة. بينما هو يسير بسيارته. لقد كانت ذاهبة إلى طبيبها النفسي قبل أن يداهمها هو ويسحبها خلفه كخروف.
كان أحمد لا يرد عليها.
غضبت هي وقالت:
- انطق يا أحمد موديني فين؟
ابتسم أحمد وقال بنبرة رقيقة:
- اصبري يا عمري وهتعرفي.
زفرت بضيق وهي تنظر من الناحية الأخرى، بينما قلبها يخفق بعنف. الحقير ما زال يسيطر على قلبها. مهما حاولت تنساه تفشل تمامًا. ماذا فعل ليمتلكها بتلك الطريقة؟ هي حقًا لا تفهم. لماذا لا تستطيع أن تكرهه بعد كل ما فعله بها؟ تتمنى يومًا أن تستطيع أن تنفيه من حياتها للأبد وتنساه، وتنسى كل ما يتعلق به.
أخيرًا توقفت سيارة أحمد. اتسعت عيني حياة فجأة وهي تجد نفسها أمام منزلها القديم. المنزل الذي سلبه منها أحمد. خرج أحمد من سيارته وفتح لها الباب ثم مد كفه.
فقالت هي:
- تبقي مجنون لو فكرت أني هطلع معاك.
ضحك بخبث وقال:
- ليه يا حياة خايفة من إيه؟ أنا مش هعمل حاجة من غير رضاكي. فيمكن خايفة أنك تضعفي مثلاً!
نظرت إليه بغضب ثم مدت كفها وقالت بتحدي:
- أنا مش خايفة!
- جميل أوي!
ثم صعدا سوياً إلى الشقة.
في منتصف الشقة وقفت حياة وهي ترتجف، بينما الدموع تحتشد بعينيها. ذلك المنزل حمل ذكريات دافئة للغاية، وهي تحبه، تحبه كثيراً. يكفي أنه المنزل الذي عاش به والداها.
انتبهت عندما خرج أحمد من غرفته ومد لها ورق.
- إيه ده؟
قالتها بحيرة، ليرد هو ويقول:
- ده تنازل عن البيت اللي أنا سرقته منك. حتى الفلوس اللي أخدتها منك وفتحت بيها مكتب واشتريت عربية هرجعها لك لآخر مليم.
- والمقابل؟
قالتها وهي ترفع حاجبها الأيمن. ليبتسم هو بحزن ويقول:
- المقابل إنك ترجعي قلبي. رجعي قلبي ومش عايز حاجة تاني. ولو مش هتقدري ترجعيه خديني أنا وأديني فرصة أكون معاك. أديني فرصة أصلح غلطي.
هزت رأسها بالنفي، ولكنه اقترب منها وهو يعانق وجهها ويقول:
- حياة بحبك. والله بحبك. أديني فرصة بس. فرصة أثبت لك أني اتغيرت. مش بقول ارجعي لي بقول بس أديني فرصة أرجعك ليا. متطرُدنيش برا حياتك.
ومهما حاولت حياة الهروب منه كان أحمد لا يستسلم. لقد تقيدا سوياً بقيد الحب ولا أمل بالفرار.
في فيلا عزام، خفق قلب مهرا وهي تراه أمامها. لقد أتى فعلاً. أتى إلى منزلها. دقات قلبها كان لا يمكن السيطرة عليها على الإطلاق. أمسكت بكتف جدها بتوتر ولم تدرك أنها تضغط عليه بعنف. كانت مرتعobe، ليس من آدم بل من نفسها. تخاف أن تضعف وتعود معه وهي لا تريد هذا. لا تريد أن تضعف الآن. لا تريد أن تعود فيعود لأهانتها. آدم لن يتغير أبداً. سيظل يجرحها بكلماته وهي لم تعد تتحمل.
- جاي ليه يا آدم؟
كان هذا صوت جدها الذي أخرجه من شرودها.
- جاي آخد مراتي!
رفع جابر حاجبيه وقال:
- بس حفيدتي قالت إنها مبقتش عاوزاك وعايزة تتطلق.
تلك الكلمة بدت كالخنجر الذي طعن قلب آدم. طلاق!! أي طلاق؟ هو سيموت لو طلقها. يعلم أنه غبي، أحمق لا يستطيع السيطرة على نفسه أو غضبه ولكنه يحبها. يحبها أكثر من كل شيء. ويحبها أكثر من الحياة بأكملها. مهرا ليست زوجته فحسب بل هي قطعة من روحه. رغم أخطاءه بحقها ولكنه حقاً يعشقها وهو نادم بالفعل على ما قاله!
- أي طلاق اللي حضرتك بتتكلم عليه يا جابر بيه! أنا مش هطلق مهرا. دي مراتي. ولا انت ولا غيرك هيقدروا ياخدوها مني!
رفع جابر حاجبيه بذهول وقال:
- حلو أوي بتهددني في قلب بيتي يا آدم.
رفع آدم رأسه وقال:
- أنا مش بهدد. أنا بقولك اللي هيحصل.
ثم اقترب أكثر وهو يمد يده قائلاً:
- يالا يا مهرا نروح بيتنا!
احتشدت الدموع في عينيها ولكنها لم تسمح لها بالتحرر.
وقالت:
- لا يا آدم.
- مهرا تعالي هنا!!!
قالها وهو يضغط على فكيه بينما عينيه الزرقاء تبرق بغضب. تراجعت مهرا وامسكت بكتف جدها. واشاحت بوجهها عنه. نظر جابر إلى آدم وقال:
- اهو عرفت ردها يا آدم. حفيدتي مبقتش عايزاك.
كان يشمت به. كان آدم يفكر وهو يشتعل من الغضب بينما أبعدت مهرا وجهها عنه بشكل جعله يتألم.
- أنا عايز مراتي يا جابر بيه.
قالها آدم وهو يقترب من مهرا إلا أن جابر رغم تعبه نهض ووقف في وجهه وقال:
- حفيدتي مش هتروح من هنا غصباً عنها يا آدم. لو عايزة تروح معاك مش همنعها ولكن لو اختارت تبقى مفيش أي مخلوق هيقدر ياخدها من عندي.
كانت عيني جابر تبرق أيضاً. وبدا هو وآدم في تلك اللحظة متشابهان للغاية! نفس الغضب. نفس العناد.
- مهرا مراتي. تخصني وملكي. وأنا هعرف إزاي آخدها من هنا يا جابر عزام ومحدش هيمنعني حتى انت.
نظر إلى مهرا التي ارتعتشت بقوة وقال:
- وحتى انتِ.
ثم خرج غاضباً من الفيلا. بينما ركضت مهرا للأعلى وهي تبكي.
- هو حضرتك بجد هتخليهم يتطلقوا؟
قالتها مروة بتوجس. ليضحك جابر ويقول:
- لا طبعاً يا مروة. آدم هو الوحيد اللي هيحافظ على مهرا. هو بيحبها بس هو جلنف طالع لي. لازم نشد ودنه شوية وبعدين نرجعهاله.
في فيلا أنس، كان أنس جالساً على الأريكة وهو يشرب قهوته بهدوء، عاقد حاجبيه بقوة. هو في حيرة من أمره. لقد اتصلت به ليل وتوسلته لكي ترى ملك قبل أن تسافر. وقلبه أخبره أن ليل ووالدتها يخططان لشيء ما. قلبه يخبره بهذا! نزلت ملك من الطابق العلوي لتجلس بجوار والدها على الأريكة وقالت:
- هي خالتو بجد هتيجي دلوقتي؟
– وحشتك خالتو صح؟
– مش عارفة يا بابي.
عقد أنس حاجبيه وهو يسمع نبرة ابنته الغريبة وقال:
– فيه إيه يا لوكا؟ ليه متضايقة كده؟
هزت ملك كتفها وقالت:
– بصراحة اللي قالته آخر مرة ضايقني أوي يا بابي.
– وضايقني أنا كمان يا لوكا والله. بس مننساش إن دي خالتو ولازم نعاملها كويس. فعشان كده ودعيها بهدوء. اتفقنا يا حبيبة بابي.
ابتسمت ملك وقالت:
– حاضر يا بابي.
فجأة فتحت الخادمة الباب معلنة عن قدوم ليل. ولجت ليل إلى الفيلا وهي ترتدي فستاناً كلاسيكياً راقياً، بينما شعرها معقود في تسريحة بسيطة لكن جميلة. وجهها الجميل مزين بدقة بمساحيق التجميل. رغم جمالها الباهر إلا أنس لم يتأثر أبداً قيد أنملة. فكرت هي بضيق. كانت غاضبة أن أنس أُغرم بأخرى لا تمتلك نصف جمالها حتى.
– لوكا حبيبتي. قالتها ليل بصوت عاطفي مفتعل وهي تفتح ذراعيها بشوق.
بهدوء اتجهت ملك إليها وارتمت بين ذراعيها.
ضمت ليل ملك بقوة والدموع المزيفة تحتشد في عينيها، بينما يقف أنس وينظر إليها بسخرية. لا يصدق ذلك الحزن. كل شيء مزيف عندما يتعلق بتلك المرأة.
– هتوحشيني يا حبيبتي هتوحشيني أوي. ثم ابتعدت وهي تعبث بشعر ملك وتبتسم لها من بين دموعها وتكمل:
– لو تعرفي قد إيه هتوحشيني.
بينما ملك تنظر إليها وهي متحفظة قليلاً عنها. لقد تغيرت نظراتها لخالتها في الوقت التي حاولت هي فيه أن تعصيها على والدها. ومنذ ذلك الوقت الذي تم طردها فيه وهي لم تحتك بها أو تكلمها. ولكنها أتت اليوم فجأة لكي تودعها قبل أن تسافر.
ابتسمت ملك ابتسامة صغيرة بشق الأنفس وقالت:
– وانتِ كمان هتوحشيني أوي يا خالتو.
قبلتها ليل على جبينها ونهضت قائلة:
– روحي على أوضتك يا لوكا عايزة أتكلم مع بابي شوية.
هزت ملك رأسها بطاعة واتجهت إلى غرفتها بالطابق العلوي. تاركة ليل بمفردها مع أنس الذي كان ينظر إليها بسخرية.
تجمعت طبقة من الدموع في عيني ليل. وكانت دموعها حقيقية تلك المرة. اللعنة على العشق الذي جعلها بهذا الضعف. لم تتخيل ليل أن رجلاً سيخضعها بتلك الطريقة. والأسوأ أنه رجل لا يحبها من الأساس. ويحتقرها أيضاً.
– ليه بتبصلي كده؟ أهو أنا هختفي من حياتك لفترة وهسافر عشان تتجوز حبيبتك اللي إنت اخترتها. هسافر وأبعد عشان أنساك وأداوي قلبي اللي كسرته. ده مش يخليك تحتقرني يا أنس.
– فعلاً. يعني إنتِ مش رايحة عشان أطمئن وأتجوز مرام وأنساكي وبعدين تستغلي العقد اللي بيننا وتاخدي مني ملك.
شحب وجهها بطريقة جعلته ينفجر من الضحك. اقترب منها وقال:
– هو إنتِ فاكراني غبي يا ليل؟ بجد. أنا عارف اللي بيدور في عقلك إنتِ ووالدتك. انتوا الاتنين تعابين ومش هتسبوني في حالي. أه أقصد مش هتسيبوا ثروتي في حالها. هو ده اللي انتوا عايزينه الفلوس وبس. عشان كده بتلعبوا بورقة ملك.
هزت ليل رأسها بارتباك وكادت أن تنفي كل حديثه ولكنه قال بحزم:
– متتجرأيش وتكذبي عليا يا ليل. لأني عارفك كويس.
اقترب منها أكثر وأمسك ذراعها ويضغط عليها وهو يقول:
– قولي للست الوالدة إن أفكارها العبقرية دي من جيل السبعينات ومبتأكلش معايا. هي عارفة كويس مين أنس وعارفة أكتر أنا أقدر أعمل إيه كويس. متفكروش إنكم هتلوا دراعي.
انسابت دموع ليل وشهقت وهي تقول:
– لو بس تعرف أنا قد إيه بحبك يا أنس مش هتقول كده. أنا بحبك أكتر منها. يمكن ماما عايزة فلوسك بس أنا لأ. أنا عايزاك إنت. إنت وبس.
زفر أنس بضيق وهو يترك ذراعها وقال:
– بس أنا مش عايزك. مش عايزك يا ليل افهمي. الحب مش عافية. وأنا اخترت اللي أنا حاببها وعايز أتزوجها.
تلمست كتفه وقالت بصوت مختنق:
– وأنا موافقة إنك تتجوزها. اتجوزها واتجوزني أنا كمان. إن شاء الله حتى تيجي لي يوم واحد في الأسبوع مش هطلب كتير.
ابتعد أنس وقال:
– امشي يا ليل دلوقتي.
– طيب موافقة أبقى عشيقتك.
اتسعت عيني أنس بصدمة وغضب من المستوى المتدني الذي وصلت إليه وصرخ بها:
– قولتلك امشي يا ليل وإلا بجد هزعلك!
شهقت ليل وانفجرت دموعها أكثر وهي ترى قسوته معها. وضعت كفها على فمها المرتجف من البكاء والانفعال ثم ركضت لخارج الفيلا وهي تبكي بعنف. قلبها تحطم مرة أخرى وعلى يده. رباه متى سيتقبلها في حياته. لقد ألقت كبرياءه عند قدميه ورغم هذا لم يهتم بها. اللعنة على العشق. واللعنة عليه وعليها أيضاً.
***
أمام مقبرة والدته كان يجلس وهو يبكي بعنف. قلبه يتمزق من الألم. ورعب الخسارة يحوم به. منذ أخبره والده بمرضه وهو يعاني صراع الرعب والحزن. يشعر أن الحياة ضاقت به. يشعر بالاختناق. يشعر أنه ليس هناك أي أمل في الحياة وأن الموت سيكون لأمثاله راحة لا مثيل لها. لمن سوف يعيش. الجميع يكرهه ويحتقره. حتى الفتاة الوحيدة التي أحبها من أعماق قلبه. الفتاة التي رأى فيها قوة والدته. تلك الفتاة محرمة عليه. تلك الفتاة لن تنظر إليه أبداً. حتى حياة. حياة تركته وذهبت عندما أخبرها بما فعله. حسناً هو لن يلومها فهو قد كان حقيراً للغاية عندما أخفى عنها الأمر. حتى الطبيب النفسي توقف عن الذهاب إليه. حياته انقلبت كلياً وأصبح الموت هو هدفه الأساسي.
مسح دموعه وقال بصوت مختنق:
– بابا. بابا تعبان أوي يا ماما. تعبان أوي. وأنا مرعوب عليه. خائف أخسره. خائف يسيبني لوحدي زي ما إنتِ سبتيني. أنا عقلي واقف. مش عارف أفكر ولا أعمل أي حاجة. مش عارف. أنا خايف يضيع مني. أنا بحبه يا ماما. بحبه أوي. هو عيلتي الوحيدة.
لم يستطع أن يقاوم دموعه أكثر من هذا وانفجر بالبكاء وقلبه يتمزق من الألم الذي يشعر به عظيم. يشعر أنه مقيد ولا يستطيع التصرف. هو حتى جبان لم يبق مع والده ليواسيه بل فضل الهروب. الهروب لكي يبكي بمفرده. صحيح أنه حاول بقوة أن يقنع والده أن يتعالج ولكنه رفض بإصرار. والده متيقن أنه سوف يموت وهذا سبب له الهلع أكثر.
أغمض مروان عينيه ودموعه تنساب أكثر وقال:
– ياريتك معايا يا ماما. ياريتك كنتي معايا دلوقتي. أنا حزين ومكسور.
تنهد وهو يمسح وجهه بقوة ثم انحنى أكثر وقبل قبر والدته ونهض وقرر الذهاب. ربما لو تكلم اليوم مع والده سيقتنع بالعلاج.
***
كان يسير بسيارته في الطريق دون إحساس بالزمان أو المكان. ما زالت الدموع محتشدة في عينيه. كان يهز رأسه لتطرف تلك الدموع التي تمنعه عن الرؤية.
فجأة توقف وهو يجد نفسه أمام جامعتها. جامعة ليلي. الفتاة التي أحبها بطريقة مجنونة والتي يعرف أنها أبداً لن تكون ملكه.
خرج من سيارته ووقف أمام الكلية. كان قد قرر أنه سوف يراها ويغادر سريعاً. لن يضايقها أبداً.
***
خرجت ليلي من الجامعة وبجوارها صديقتها ميار. كانت ليلي متجهمة. عينيها دامعة وهي تضم حقيبتها. نظرت إليها ميار بحزن وقالت:
– خلاص بقى يا لولا كل حاجة هتبقى كويسة ومهرا هترجع مع آدم. هو أخوكي دبش وكلنا عارفين.
هزت ليلي رأسها ومسحت دموعها وقالت:
– معرفش آدم طالع لمين كده. ده بيرمي طوب من بوقه.
ضحكت ميار وقالت:
– هو الحق يتقال يا لولا كلكم دبش سواء إنتِ أو أخوكي أو مرام حتى بتحدفوا طوب من بوقكم. كأن الدبش وراثة عندكم.
ضحكت ليلي وكادت أن ترد إلا أنها تجمدت وهي ترى مروان من بعيد ينظر إليها. اشتعلت النيران بعينيها السوداء وهي تترك ميار بنصف حديثها وتندفع نحو مروان الذي ارتبك عندما رآها تتقدم نحوه.
وصلت هي عنده ليتراجع قليلاً.
– إنت ليك عين تظهر قدامي بعد اللي عملته!
صرخت ليلي في مروان الذي تراجع بتوتر وقال بإرتباك:
– إنت تخرس خالص. فاهم تخرس خالص. مش عايزة أسمع صوتك. ولا عايزة أشوفك. إنت عايز إيه مني. عايز إيه. قلتلك مستحيل أبص لواحد زيك مستحيل. إنت دمرت حياتنا كلها.
– أنا آسف. هكذا قالها بوداعة استفزتها لتصرخ هي:
– يا برودك يا أخي. كده آسف وبكل بساطة كأنك دوست على رجلي من غير قصد. مش كفاية حياتنا اللي اتدمرت بسببك. مهرا هتسيب أخويا من ورا راسك.
صُدم مروان وقال:
– ليه هتسيبه؟ وإزاي بسببي؟
– لأنك أساس الفساد في حياتنا. من أول ما شوفتك وحياتنا باظت خالص.
ابتلع مروان ريقه بينما أكملت ليلي بعصبية:
– أخويا عرف إن مهرا وأنا جينا لك البيت لما حبسته واتخانق معاها. شوفت إنك بتجيب المصايب في رجليك. لا وبعد كل ده بكل بجاحة عايزني أسامحك وأحبك يا أخي حبك برص.
تجهم وجه مروان وقال:
– أنا آسف. آسف أوي يا ليلي. أوعدك مش هزعجك تاني.
– يكون أحسن برضه لأني مش عايزة ألمحك حتى. أنا هفضل أكرهك طول حياتي.
ثم ذهبت من أمامه ليغمض عينيه وهو يعرف بالضبط ما سيفعله.
رواية عروس رغما عنها الفصل التاسع 9 - بقلم سوليية نصار
في ورشة ادم.
كان يعمل وهو يشعر بالغضب والعصبية. لقد رفضت أن تأتي معه. تريد الانفصال. الانفصال عنه!
لا، هو لن يسمح لها. لن يجعل حبه الحقيقي يضيع منه تلك المرة. هو أحمق وغبي. نعم يعرف هذا ويتقبله أيضا، ولكنه يحبها. يحبها بقوة. يتمنى لو يستطيع السيطرة على نفسه ولا يجرحها. ولكن للأسف، لسانه وقت الغضب يقطر سما. لقد حاول كثيرا أن يسيطر على غضبه، ولكن للأسف يفشل بقوة.
ماذا يفعل؟ ماذا يفعل كي يعيدها؟
أغمض عينيه وهو يسمع قلبه يخفق بقوة، بينما ملامحها تتشكل أمامه. ابتسامة ارتسمت على شفتيه وهو يتنهد. مهرا، حبه الحقيقي. مالكة قلبه وقطعة من روحه. هو يعشقها بجنون، ولكن يجرحها. يجرحها لأنه خائف. خائف ويتسلح بغضبه كما تتسلح مرام ببرودها.
مرام. مرام.
تجهم وجهه وهو يتذكر كلام مرام الذي كان كالخنجر الذي طُعن بقلبه! مرام صدمته بكلامه. لتلك الدرجة لا تعرفه. يعلم الله أنه أبدا لم يفكر في مهرا بتلك الطريقة و...
"مساء الخير."
صوت مألوف أخرجه من شروده. فتح عينيه ونظر ناحية باب الورشة ليجده. مروان. سبب البلاء في عائلته.
حدقته تشققت من شدة الغضب ليقول مروان بسرعة:
"أنا جاي بس عشان أقولك حاجة وهمشي."
"وليك عين تيجي هنا يا حيو*ان!"
صرخ ادم به وهو يقترب، ثم لكمه بعنف على وجهه.
تراجع مروان وهو يضع كفه على عينيه وقال بإنفعال:
"اسمعني الأول وبعدين اضرب. فكر بعقلك شوية!"
اشتعلت نيران الغضب أكثر بقلب ادم ليبدأ بلكمه مرة أخرى، إلا أن مروان أمسك ذراعه وقال بهدوء:
"اسمع الأول اللي جاي عشان أقوله. أنا عارف إنك مش بتطيقني وعندك حق. أنا عملت حاجات وحشة في حياتي كتير وأذيتك انت ومهرا وليلى. وصدقني ندمت وبتعاقب. والعقاب كان قاسي عليا وعشان أريح ضميري على الأقل حابب أقولك إن مهرا..."
صرخ ادم وهو يجذبه من قميصه ويقول بغضب:
"اخرس... اخرس متجبش سيرة مهرا على لسانك وإلا هقطعه!"
أمسك مروان كفيه وقال بإنفعال:
"ممكن تهدى وتسمع. ممكن تبطل تصدر أحكام على الناس وتسيطر على غضبك شوية. اسمعني للآخر وبعدين اعمل فيا اللي أنت عايزه!"
ابتعد ادم بغضب. كانت عينه تبرق بقوة. حب. ما أريده الآن أن يقتل هذا الشخص الكريه. ولكن شيئا ما جعله يتوقف ليسمعه. ربع ادم ذراعيه وقال:
"يالا اتفضل اتكلم عشان بعدها أقتلك وأخلص منك."
تنهد مروان وبدأ يتكلم بشجاعة:
"مهرا لما جاتلي وانت في السجن. جات تترجاني عشان أخرجك. ذلت نفسها لأن كانت عايزة تخرجك. لأنها بتحبك. وأنا وقتها كنت حقير وندل واستاهل القتل بعترف بكده. وليلى لما جات برضه هزأتني وخلتني أحس قد إيه إني إنسان ماليش عازة. أختك ومراتك لما جم جم عشانك انت لأنهم بيحبوك كانوا عايزين يتفاوضوا مع إنسان حقير زيي. مخافوش على نفسهم قد ما خافوا عليك. بالذات مهرا. مهرا اللي عاشت وقت طويل فاكرة إني أذيتها مفكرتش مرتين قبل ما تيجي واترجتني. حب زي كده يا ادم مش بنطرده برا حياتنا. بالعكس بنتمسك بيه."
تنهد مروان بألم وقال بشرود:
"الحياة أقصر من إننا نبعد الناس اللي بنحبها عنا لأننا متعرفش امتى هيروحوا من بين إيدينا فجأة ووقتها إحنا بس اللي هنندم."
ابتسم مروان بحزن وقال:
"ده اللي حبيت أقوله وعايز أطلب منك إنك تسامحني على اللي عملته. حاول أنا عارف إنه صعب وخلي مهرا تسامحني لو تقدر وأنا مش هظهر قدامك تاني. ده وعدي ليك."
ثم خرج من الورشة تاركا ادم مبهوتا.
"يخربيتك بتعمل إيه هنا؟!"
لطمت ليلي وهي تجد مروان يخرج من ورشة أخاها وقالت: "يخربيتك بتعمل إيه هنا؟!"
اقتربت منه أكثر وزعقت به:
"أكيد نيلت الدنيا أكتر ما هي متنيلة."
هز رأسه وقال:
"متخافيش المرة دي عملت الصح."
نظر إلى وجهها الجميل وهو يفكر بحسرة: إنها كالنجوم لا أمل من امتلاكها.
"سواء عملت الصح أو الغلط لو سمحت ابعد ومش عايزين نشوف وشك تاني. ومتحاولش تصلح حاجة مفهوم؟ واعرف إن الموضوع اللي في بالك ده تنساه مستحيل يكون فيه حاجة بينا."
هز رأسه بالإيجاب وقال:
"أنا بحبك يا ليلي. بحبك وعارف إن لا انتِ ولا عيلتك هتقبلوا بيا. وأنا متفهم الموضوع. مينفعش شيطان زيي يبقى وسطكم. أنا ملعون! مفيش داعي تقولي إنك عمرك ما هتبصيلي لأني عارف. ومتقلقيش عمري ما هضايقك. عمري."
ثم تركها وغادر.
غادر مبتعدا بقلب مثقل. من البداية كان يعرف إن ليس هناك أمل. هو لا يستحقها. استقل سيارته ثم انطلق بها وهو يقودها بسرعة وعاد عقله إلى والده. الآن والده يجب أن يكون ضمن أولوياته. يجب أن...
فجأة قطع حبل أفكاره صوت قوي يخرج من المسجد الذي يسير بجواره. توقف فجأة وهو يسمع أذان العصر. تراجع على كرسيه وأغمض عينيه وهو يتذكر أهم امرأة في حياته والدته. والدته التي زرعت فيه حب الأسنان منذ صغره ولكنه خذلها.
فلاش باك.
"بس يا مروان كفاية قراءة دلوقتي. اسمع الأذان وردد وراه يالا عشان نصلي أنا وانت بعد كده."
قالتها رحاب وهي مبتسمة لأنها بينما تسحب منه كتاب العربي حيث أنها كانت تستذكر له دروسه.
"ماما معلش هو إحنا ليه بنردد الأذان؟"
ابتسمت رحاب وقالت:
"دي سنة رسولنا الكريم يا مروان. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (عليه أفضل الصلاة والسلام) 'إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ، فإنه من صلى عليّ صلاة، صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي'."
ابتسم مروان وصار يردد الأذان وقد اتخذها عادة دائمة له في صغره.
باك.
كانت دموعه تنساب وهو يردد الأذان خلف الشيخ مغمضا عينيه يحاول تخيلها. خرج من السيارة وهو يمسح دموعه وولج إلى المسجد.
كان يقف أمام صنبور الماء وهو يتوضأ. لم يصلي منذ زمن طويل. منذ وفاة والدته. حتى والده أصبح مهملا في صلاته وكأن موت والدته تسبب في انهيار العائلة تماما.
بعد قليل.
خرج مروان من المسجد وهو يشعر بسكون لم يشعر به من قبل. لقد بكى في السجود. بكى ودعا ألا يموت والده. لا يريد أن يبقى وحيدا مرة أخرى. اتجه مروان إلى سيارته واستقلها وهو يغادر مسرعا.
في قصر وائل.
"إيه اللي عمل في وشك كده يا ابني؟!"
قالها وائل بفزع وهو يرى وجه ابنه المكدوم بينما ترك الكتاب الذي يقرأه.
ابتلع مروان ريقه وقال:
"وقعت."
"أفلتت ضحكة من شفتي وائل وقال: "وقعاتك كترت يا مروان بيه."
ابتسم مروان بإحراج وقال:
"آه والله."
لم يجادله وائل أكثر من هذا بل أمسك كتابه وشرع في قراءته. تجمعت الدموع في عيني مروان واقترب من والده ثم ركع بجواره وقال:
"أنا موافق أمسك الشركة. أنا أدير الشركة وأخليك تفتخر بيا. بس بشرط..."
عقد وائل حاجبيه فرد مروان:
"تتعالج يا بابا."
هز وائل رأسه نفيا وقال:
"كده كده هموت..."
ولكن مروان قاطعه بينما دموعه تنساب وشهقة تخرج من بين شفتيه:
"لا لا مش هتسيبني. انت هتتعالج. قبل كف والده وقال: "اتعالج عشان خاطري. متسبنيش. أنا مليش غيرك."
ابتسم والده بحزن وقال:
"حاضر يا حبيبي هتعالج."
ثم جذبه إليه وعانقه لينفجر مروان بالبكاء وهو يضم والده بقوة كأنه يحميه من الموت.
"أنا خايفة. خايفة أوي. خايفة أرجع أثق فيه وقلبي يتكسر يا دكتور. هو كان واضح إنه مش هيستسلم وأنا خايفة أضعف قدامه وأبقى أنا اللي خسرانة في الآخر."
قالتها حياة بصوت مرتجف وهي تتكلم مع الطبيب بينما تفرك كفيها بتوتر. عينيها البنية كانت مشبعة بالدموع.
نظر إليها الطبيب بتفحص وقال:
"مشاعرك لسه قوية من ناحيته يا حياة؟"
انسابت دموعها وقالت:
"بحبه أوي يا دكتور كأنه عمري ما جرحني ولا دمر حياتي. أنا بسأل نفسي ليه مبعدش عني ليه. ليه اقتحم حياتي ورجعلي بيتي. ليه لسه بيحاول معايا."
"يمكن عشان لسه بيحبك؟"
تساءل الطبيب لتنظر هي إليه وتتنهد وهي تمسح دموعها:
"بس أنا مش قادرة أثق فيه يا دكتور. مش قادرة أسامحه. مش قادرة. أنا خايفة أوي. خايفة."
ثم وضعت كفيها على وجهها وانفجرت بالبكاء. كم الحب قاسي.
خرجت حياة من جلستها مع طبيبها النفسي وهي تشعر بسكون نوعا ما. فطبيبها كالعادة استطاع تهدئتها. هي ممتنة جدا له لا تعرف من دونه ماذا كانت ستفعل.
نظرت أمامها ووقفت متجمدة مكانها فجأة وهي تجد أحمد يستند على سيارته بينما ينظر إليها. زفرت بضيق وعقلها يسترجع ما حدث بينهما رغما عنها.
فلاش باك.
"ده تنازل عن البيت اللي أنا سرقته منك. حتى الفلوس اللي أخدتها منك وفتحت بيها مكتب واشتريت عربية هرجعها لك لآخر مليم."
"والمقابل؟"
قالتها وهي ترفع حاجبها الأيمن ليبتسم هو بحزن ويقول:
"المقابل إنك ترجعي قلبي. رجعي قلبي ومش عايز حاجة تاني. ولو مش هتقدري ترجعيه خديني أنا واديني فرصة أكون معاكي."
هزت رأسها بالنفي ولكنه اقترب منها وهو يعانق وجهها ويقول:
"حياة بحبك. والله بحبك اديني فرصة بس. فرصة أثبتلك إني اتغيرت. مش بقول ارجعيلي بقول بس اديني فرصة أرجعك ليا. متطر*دنيش برا حياتك."
وضع جبينه على جبينها وقال:
"أنا اتعاقبت وعقابي إني حبيتك بالشكل ده وأنتِ رفضاني. السحر انقلب على الساحر وبقيت أنا اللي بجري وراكي وهفضل أجري وراكي ونفسي مش هينقطع. أنا مش هتخلي عنك يا حياة. هحاول أرجعك بس اديني فرصة."
كانت تذوب، تضعف وقلبها يخفق باضطراب. ها هو يمد كفه ويعرض عليها السعادة فهل تقبل؟ تقبل وتتعرض لإمكانية الخيانة. لتكن صريحة. هي لن تستطيع التخلص من حبه ولكن لن تستطيع أن تثق به مرة أخرى. لن تسلمه ثقتها. لن تفعل. يكفي أن لديه قلبها التي فشلت في استرداده حتى الآن.
"مقدرش يا احمد صد..."
ولكنه قاطعها وهو يضغط شفتيه على شفتيها. لم يدم تلامسهم لحظة إلا وأبعدته عنها وقالت بأسف:
"اللي بينا انتهى يا احمد وانتهى للأبد. ولو فاكر إن تنازلك عن البيت ده هيخليني أغير رأيي فده مستحيل. احتفظ بالبيت ومتحطش أمل إننا نرجع."
ثم خرجت وتركته يائس حزين. والألم يعصف به.
باك.
"مش هتبطل تمشي ورايا؟"
قالتها بإنفعال ليهز رأسه ويقول بإصرار:
"مش هستسلم يا حياة. مش هستسلم أبدا!"
والإصرار في عينيه جعلها تختنق، ولكن الجزء المجنون داخلها أحب تمسكه بها. قلبها المجنون الخاضع له يبهرها كل ما يفعله في سبيل إعادتها.
كانت ميار تفرك كفيها بتوتر. لقد ذهب علي ليحضر بعض الأشياء وتركها هنا مع والدته. التي لا تطيقها وهي لا تلومها على الإطلاق. كانت ميار تحجز نفسها في غرفتها وترفض الخروج تماما ومواجهة والدة علي، ولكن إلى متى؟ إلى متى ستخاف من المواجهة. هي حماتها، والدة زوجها قبلت هذا أو أبت.
ابتلعت ميار ريقها وقررت أن تنهض وتخرج لتتكلم معها بينما ضجيج قلبها يزداد. وأمام الباب وقفت ميار لثانيتين وهي تتنفس بعمق وتحاول تهدئة نفسها ثم فتحت الباب وخرجت.
كانت والدة علي تجلس على الأريكة. في حجرها طبق فشار كبير بينما على التلفاز كانت إحدى المسرحيات المصرية الشهيرة معروضة. كانت هي تضحك وهي منسجمة مع المسرحية خفيفة الدم والتي كانت من المسرحيات القديمة. ما إن رأتها السيدة المسنة حتى تجهم وجهها بقوة وأشاحت بوجهها. كانت تكرهها وتمقتها بقوة. لا تطيقها أبدا!
فكرت ميار بيأس وقلبها يكاد ينفجر من الألم. نعم، هي من أخطأت بحقها وحق علي حبيبها ويجب أن تدفع الثمن لكي يكون لها فرصة أخرى للسعادة. هكذا فكرت. يجب أن تبرهن أنها الآن أصبحت زوجة تليق بعلي وأنها أبدا لن تجرحه. يحب أن تثبت أن علي سوف يكون كل حياتها. سوف تحبه أكثر من أي شيء وتعطيه سعادة العالم. سوف تحاول أن تعوضه عما عاشه معها. هي ستفعل المستحيل كي تجعله سعيداً. وستفعل المستحيل لكي تنال رضا والدته!
اقتربت هي ببطء منها وجلست بجوارها وهي ترسم ابتسامة لطيفة على وجهها. ولكن رغم ذلك رمقتها نوال بقرف. كانت لا تطيق تلك الفتاة حقا. لم تحبها أبدا ولولا أن ابنها أرادها لم تكن لتزوجه إياها. والآن بعد كل ما فعلته بعلي لا تتوقع أبدا أنها سوف تسامحها وتتقبلها. ابنها المسكين انكسر قلبه بسببها، وإن كان هو سامح لأنه بغباؤه ما زال يحبها فهي أبدا لن تسامح المرأة التي كسرت قلب ابنها بل ستظل تحتقرها دوما!
"ماما."
قالتها ميار بلطف. لتصرخ نوال وتقول:
"أنا مش أمك يا أختي متقوليش كده أبدا. وابعدي عني مش كفاية خليتي ابني زي الخاتم في صباعك. إيه عايزاني أنا كمان أبقى زي الخاتم في صباعك؟ والله لما تشوفي حلمة ودنك. انسي يا ميار انسي. أنا مش هبلة زي علي."
تجمعت الدموع في عيني ميار وقالت:
"أنا عارفة إني غلطت وجرحت علي وأنا والله ندمانة أوي على اللي عملته. بس أنا رجعت. رجعت وقررت إني أسعده وأعوضه عن كل حزن أنا اتسببت فيه. أنا بس عايزة فرصة يا ماما أثبت بيها حسن نيتي."
فكرت نوال قليلا ثم نظرت إليها وقالت:
"عايزة تثبتي حسن نيتك يا ميار اسعدي علي ومتجرحوش أبدا. هثق فيكي لما ألاقي ابني سعيد غير كده لا!"
أغمضت ميار عينيها وزفرت براحة وقالت:
"أوعدك إني هشيله جوا عيني."
في المساء.
كانت تجلس على فراشها. دموعها تنهمر من عينيها. تشتاق إليه بقوة ولا تستطيع أن تمحيه من عقلها. وضعت كفها على قلبها وهي تفكر أن حبها له قاسي للغاية. حبها له يعذبها. هي غير مرتاحة. لا تستطيع العودة والتنعم بحبه ولا تستطيع أن تنساه. قلبها يعتصر من الألم. ليتها تستطيع أن تنسى حبه. ليتها.
انتفضت عندما رن هاتفها. رفعت هاتفها واتسعت عينيها بألم وهي تنظر إلى المتصل والذي لم يكن إلا ادم! للحظات ظلت متجمدة ولكنها فجأة ردت على الاتصال وقلبها يصرخ داخل صدرها. لقد اشتاقت إليه. واشتاقت تسمع صوته وقد قررت أنها سوف تسمع صوته وتغلق الهاتف فوراً!
"مهرا حبيبتي."
صوته العذب انساب إلى روحها والدموع التي نزفتها تجمعت مرة أخرى في عينيها وهو يقول اسمها بتلك الطريقة. أغمضت عينيها وهي تحاول أن تسيطر على دقات قلبها ولكن كان كل هذا عبث. لم تستطع السيطرة أبدا على قلبها الذي أصبح يهدر بقوة!
أغمض ادم عينيه وهو يستمع إلى أنفاسها من الناحية الأخرى وقلبه يعتصره من الألم. لقد جرحها كثيرا تلك المرة. طعنها في قلبها يعرف ومعترف جدا بخطئه. لن يتملص منه بل سيواجهه ويعتذر ألف مرة كي تعود إليه. فتح عينيه التي لمعت بحنين لها وهتف مرة أخرى:
"مهرا."
شهقت هي فجأة ثم بدأت تبكي بصوت عالٍ عذبه.
"أنا آسف. آسف."
هزت رأسها وقالت وهي تشهق بقوة:
"مش كفاية. أسفك مش كفاية. مش كل جرح يداويه الأسف. جرحك المرة دي كبير."
تنهد وقال بجدية:
"إيه اللي أعمله عشان تسامحيني قوليلي يا مهرا. أعمل إيه عشان تسامحيني على اللي عملته؟"
هزت رأسها وقالت:
"مش عايزة حاجة. مش حاجة منك حاجة. طلقني بس. طلقني وسيبني في حالي أبوس إيديك. أنا مبقتش أتحمل. أنتفض قلبه بعنف وهي تأتي بسيرة الطلاق. الكلمة وحدها كانت كفيلة بإشعال حرائق داخله. أغمض عينيه وهو يسيطر على نفسه وقال بإنفعال:
"انتِ عايزاني أمضي على ورقة إعدامي بإيدي؟ انتِ عارفة كويس إني بحبك. وهموت من غيرك!"
هزت رأسها وقالت وهي تشهق بعنف:
"مظنش. مظنش إنك جيت في يوم وحبتني يا ادم. اللي بيحب حد مش بيأذيه بكلامه. اللي بيحب حد مش بيمشيه كل شوية من حياته. انت طلبتها وأنا نفذت يا ادم وأهو طلعت من حياتك فأنساني وخليني أنساك. خليني أحافظ على الباقي من كرامتي."
"حقك عليا. أنا آسف. أنا فعلا غلطان ومعترف. أنا بخسر الناس بسبب غضبي وده غلط أنا عارف وندمان على كل حرف قولته اديني فرصة أخيرا أثبتلك إني مش هزعلك تاني."
مسحت دموعها وقالت بنبرة جامدة:
"للأسف يا ادم إحنا انتهينا. كل حاجة بينا انتهت."
ثم أغلقت الهاتف بسرعة ودفنت وجهها في وسادتها وهي تنفجر بالبكاء.
نظر ادم إلى الهاتف بصدمة. كان لا يصدق ما يحدث. إنها تتسرب من حياته. تتسرب من حياته وهذا يقتله. يقتله بقوة.
طرقه على باب جعلته يرفع عينيه اللامعة لأعلى. انفتح الباب ودخلت ليلي وقالت:
"ممكن أدخل يا ابيه؟"
لم يرد عليها ونظر إلى الناحية الأخرى لتتكون طبقة رقيقة من الدموع بعينيها وتقول:
"هو انت لسه يا ابيه زعلان مني؟"
لم يرد عليها أيضا لتقترب منه وتجلس على الفراش بجواره وتقول بتوسل:
"يا ابيه أبوس إيديك سامحني. أنا والله روحت عشانك. أنا..."
نظر إليها ادم بغضب وقال:
"وانا كنت نبهت إنكم متروحوش للحيو*ان ده صح ولا غلط؟!"
هزت رأسها وقالت:
"بس افتكرت."
قاطعها هو يقول بإنفعال:
"افتكرتي! افتكرتي إيه بالضبط يا ليلي. افرض كان عمل فيكي حاجة. افرض أذاكي. قوليلي كنت هتصرف إزاي وأنا في السجن."
"مفيش تفكير خالص."
ضمته بقوة وهي تبكي بعنف وتقول:
"آسفة يا ابيه والله آسفة بس أبوس إيديك ارجع وكلمني. أنا زعلانة خالص ومش عارفة أذاكر حتى."
ربت على كتفها وقال:
"خلاص حصل خير بس أي تصرف متهور تاني يا ليلي وديني لأنفخك فاهمة ولا لا."
ابتعدت وهي تهز رأسها وتمسح دموعها وتقول:
"خلاص والله توبة يا ابيه."
صمتت قليلا وقالت وهي تمسك كف ادم وتقول:
"ومهما يا ابيه."
ابتسم ادم وقال:
"هرجعها يا ليلي."
أمام التلفاز.
كانا يجلسان سويا. هو يضمها إليه بينما هي تضع كفها المزين بخاتم الخطبة على قلبه. ضحكت داخلها عليهما سويا. إنهما يتصرفان بجنون مطلق. يعيشان معا كأنهما مخطوبان. يدللها ويعوضها عن الأيام القاسية التي ذاقتها معه. نعم هذا جنون ولكنها تعشق هذا الجنون. فكلما كانت سعيدة كما لم تكن من قبل. رفعت رأسها قليلا ثم وضعت قبلة خفيفة على فكه. ابتسم سامر وقال:
"أحسن لك متلعبيش معايا يا كارما احنا حاليا مخطوبين عيب يا ماما ولا عايزاني ألغي الحوار كله."
ضحكت كارما وهزت رأسها بالنفي بينما تجمعت الدموع في عينيها. نظر هو إليها بحيرة وقال بتوجس:
"هو أنا قولت حاجة غلط؟"
هزت رأسها وهي تمسح دموعها التي تنهمر من عينيها وقالت:
"لا أبدا. الموضوع بس إني فرحانة بطريقة غريبة يا سامر. فرحانة جدا. بس خايفة إن السعادة دي متدومش. خايفة تحصل حاجة تاني وتفرقنا عن..."
"ششش"
قالها وهو يضع إصبعه على فمها ويقول:
"مفيش حاجة هتفرقنا بإذن الله. أنا هعمل المستحيل عشان نبقى سوا. إحنا هنبقى سوا وهنخلف ميمون كمان."
"من كمون ده كمان."
قالتها بعيني متسعة من الدهشة المصطنعة ليضحك ويقول:
"ابننا يا حبيبتي."
دفعته ونهضت قائلة:
"نعم يا أخويا عايز تسمي ابني كمون انت عبيط يا سامر. إيه كمون ده. أنا هسميه مراد اسم عدل. انت كده ناوي تعقد الواد."
جذبها إليه مرة أخرى لتجلس على حجره وقال:
"طيب يا ستي هنسميه زي ما أنتِ عايزة يا كارما. البرنسيسة بس تأمر وأنا أنفذ."
خفق قلبها تأثراً وأخذت تلامس شعره بشغف وتقول:
"كان فين الحب ده كله من زمان يا سامر. كان فين بس."
أمسك كفها وقبله وقال:
"كنت غبي يا كارما مش مقدر اللي في إيدي بس الحمد لله عقّلت وعرفت إنك أهم حد في حياتي. ربنا يديمك في حياتي وأقدر أعوضك عن كل اللي حصل."
ضمته إليها وقالت:
"يبقى دي فرصتي بقا عشان أدلع عليك صح."
قبّل رأسها وقال موافقاً إياها:
"آيوة يا روحي دي فرصتك بقا تطلبي اللي عايزاه مني."
انتهى الفيلم وكانت كارما تنام على صدر سامر. نظر إليها سامر وهو يبتسم. وجهها الجميل كان يرتاح على صدره. ملامحها هادئة ومسالمة. كان لا يصدق حظه. لقد حصل على فرصة أخرى. أمسك كفها الذي به خاتم الخطبة وقبله برفق. ثم نهض بهدوء وحملها لكي يدخلها لتنام على فراشها.
فجأة انتفضت وشهقت وهي تفتح عينيها ولا تفهم لما هي محمولة.
"أهدي. أهدي يا حبيبتي."
قالها سامر ثم أكمل:
"كنت بوديك أوضتك عشان تنامي."
أرادت كارما أن تقف فوضعها سامر على الأرض. ابتسمت له وقالت:
"تصبح على خير."
ثم اتجهت إلى غرفتها ووقفت أمام الباب ثم ابتسمت له. اقترب هو وقال وهو يعبث في شعرها:
"إيه رأيك نلغي الخطوبة وندخل على الجواز على طول؟"
ضحكت كارما وقالت وهي تدفعه:
"لا انسي يا حبيبي. ويالا من هنا."
ثم دفعته وأغلقت الباب وهي تضحك ووجهها محمر. السعادة كانت تفيض من قلبها. سعادة ستدوم للأبد.
في اليوم التالي.
"مفيش أي حاجة حابة أغيرها."
قالتها مرام بهدوء وهي تقف في منتصف فيلا أنس. رغم أنها أخبرت شقيقها من قبل أنها لا تريد أبدا تغيير أي شيء ولكنه أجاب أن تلك هي رغبة أنس.
"متأكدة؟"
سألها أنس لتهز هي رأسها وتقول:
"هي لطيفة كده وأنا في بالي أي تصليحات."
نظر ادم إلى شقيقته المتباعدة عنه بحسرة. كانت تشغل نفسها بأن تشيح وجهها عنه. ترفض بإصرار أن تكلمه. في طريقهما إلى هنا لم يتبادلا ولو كلمة واحدة حتى. تنهد آدم بحزن وهو يفكر أنه خسر شقيقته بسبب غضبه وانفعاله. أيقن أنه إن لم يستطع السيطرة على غضبه فسوف يخسر كل شيء!
تنهد بعمق وكان الأسى يضع علاماته على وجهه. انتبه انس لحزن ادم وعقد حاجبيه بدهشة. ولكن سرعان ما بدأت الصورة توضح عندما نقل عينيه ادم ومرام وشعر بالتوتر بينهما. القناع الجليدي التي كانت تضعه مرام في تلك اللحظة قوي جدا غير قابل للنفاذ. بصعوبة كتم أنس السؤال الفضولي الذي كان سيخرج من فمه. وقرر ألا يتطفل على الشقيق وشقيقته. لهذا أعطاهم ابتسامة لطيفة وقال:
"مبسوط أوي إن البيت عجبك وزي ما قولت حتى بعد الفرح لو حبيتي تغيري حاجة أنا تحت أمرك."
شبح ابتسامة تكونت على شفتيها وهزت رأسها بتحفظ.
ابتسم أنس وكاد أن يكمل إلا أن فجأة ولجت ملك إلى الفيلا فالسائق قد أحضرها من مدرستها.
"بابي."
قالتها بسعادة وهي تركض نحوه وتعانقه. رفعها انس وهو يقبلها على وجنتها بينما اتسعت ابتسامة مرام وهي ترى تلك الملاك.
"يالا سلمي على ضيوفنا."
قالها أنس بينما ينزلها. هزت ملك رأسها وأعطت ابتسامة حلوة لادم وقالت:
"إزيك حضرتك."
أمسك ادم كفها مصافحاً إياها وقال:
"أهلاً بالقمر."
ابتسمت هي واتجهت إلى مرام وقالت:
"إزيك يا آنسة مرام."
"كويسة أوي يا سكر انتِ."
"يالا يا لوكا روحي عشان تغيري هدومك وتاكلي."
أمرها انس لتطلب ببراءة:
"بابي عادي آنسة مرام تطلع معايا عشان نشوف أوضتي؟"
"استأذنيها الأول."
قالها أنس وهو يشير إلى مرام التي هزت رأسها وقالت:
"أكيد يا حبيبتي نروح. يالا بينا."
ثم أمسكت مرام كفها وصعدت معها.
"إيه المشكلة اللي بينك وبين مرام يا ادم؟"
تساءل أنس بعد أن ذهبت مرام مع ملك ليتنهد ادم ويقول:
"شوية توتر بيننا وإن شاء الله يتحل."
ربت أنس على كتفه وقال:
"شكل الموضوع صعب."
هز ادم رأسه وقال بحزن:
"أنا غلطت في حق مرام. وحاولت أعتذر بس للأسف مش راضية تتقبل اعتذاري. مشكلة مرام إنها حتى لو مجروحة مني مش بتعاتبني. هي بتختار تبعد وبس."
"يمكن عشان هي مش معتبرالك أخوها بس يا ادم!"
نظر إليه ادم دون فهم ليبتسم أنس ويقول:
"انت حكيتلي على قصتك قبل كده وحكيت إن اللي عانت معاك بجانب والدتك هي مرام. مرام مش معتبرالك أخوها بس لا كمان صديقها. جزء منها. شايفة إنكم واحد عشان كده اتصدمت لما جرحتها لأن مرام شايفة فيك الأمان. شايفة إنك مستحيل تزعلها."
كان ادم يقر بصدق كلام انس. علاقته مع شقيقته مرام علاقة قوية جدا. هو أمانها وهي رفيقته حتى لو كانت متباعدة عنه قليلاً ولكنه يعرف وهي تعرف أيضاً أنها أقرب إليه من أي أحد. مرام عاشت معه المعاناة وتحملت. هي من أعطته الطاقة ليصبر. وهو أخطأ في حقها. كما أخطأ في حق مهرا. هو بالفعل يخسر الناس التي يحبها أكثر من أي شيء آخر.
"ادم."
أخرجه أنس من شروده ثم أكمل:
"مرام طيبة على فكرة وهتسامح. صدقني البرود اللي بتبينه ده قناع عشان متبينش مشاعرها."
ضحك ادم بذهول وقال:
"ده انت فهمتها أكتر مني."
ابتسم أنس وقال:
"أنا بعرف أقرأ الناس كويس يا ادم. عموما يا سيدي أنا واثق فيك إنك هتلاقي طريقة معينة تصالحها بيها. المهم دلوقتي نتكلم عن الشغل. تحب امتى تبدأ؟"
ابتسم ادم وقال:
"أنا حابب أبدأ في أي أقرب وقت ممكن."
"طيب إيه رأيك نبدأ من بعد بكرة. هكلم المدير النائب عليا هناك عشان يفهمك أمور الشغل ماشية إزاي."
"شكرا يا أنس. معرفش أشكرك إزاي بصراحة."
ابتسم أنس وقال:
"وتشكرني ليه؟ ده بيزنس زي ما انت محتاجني أنا محتاجك."
"وحشتني يا نعمان."
قالتها نيرمين بدلال وهي تقف أمامه بينما هو يزدرد ريقه وهو يراها في ذلك الفستان القصير. فستان يليق بها كثيرا رغم عمرها. كانت نيرمين رغم سنها إلا أن السن لا يظهر عليها. كان جسدها مشدود. نادراً ما تجد به تجاعيد. كانت امرأة تحافظ على جسدها جيداً لأنها تعرف أن جسدها هو البوابة الأساسية لطريقها إلى الثراء! بتلك الطريقة يمكنها إيقاع أي ثري في هواها ليتزوجها وتستطيع أن تنهب ثروته. وهذا ما سوف يحدث مع نعمان. نعمان صاحب إحدى أكبر الفنادق الراقية بالإسكندرية والذي تعرفت عليه صدفة عن طريق صديقتها. هو دعاها لكي تمكث بفندقه بضعة أيام. فاستغلت تلك الفرصة وأتت هي وابنتها هنا. منها تعطي أنس الأمان ومنها تحاول الالتفاف على هذا الثري.
"زي القمر يا نانا."
خفضت أهدابها وابتسمت وقالت:
"ميرسي يا نعمان. عيونك هي الجميلة."
اتفضل. أفسحت له الطريق كي يدخل جناحها فولج هو. ثم جلس على المقعد المريح.
"تحب تشرب."
قالتها مبتسمة وهي ترفع زجاجة النبيذ أمام عينيه فرد هو:
"أحب يا قمر محبش ليه."
ثم صبت له الكأس واقتربت منه. تناول الكأس منها شاكراً بينما هي جلست بجواره وهي ترفع فستانها قليلاً. تلك الحركة البسيطة لفتت انتباهه كثيرا. إنها تحاول أن تغريه. واللعنة هو يضعف. رغم أن لديه زوجة رائعة وأبناء في مراحل التعليم الجامعي. كل هذا نسيه في لحظة بينما ثقلت أنفاسه. اقترب منها بنية واضحة لافتراسها لتبتعد هي بارتباك وتقول:
"ميصحش يا نعمان. إحنا أصحاب وبس وكمان انت متجوز."
نهض وهو لا يستطيع أن يسيطر على نفسه وقال:
"وماله اتجوز تاني وتالت ورابع كمان."
ثم سحبها بالقرب منه. لتبتعد هي وتقول بنبرة جريحة مصطنعة:
"لا. إحنا أصحاب. انت قولتلي كده وعلى أساس إنك صديق عزيز وعزمتني قولت أجي لكن تصرفاتك دي بتقول إنك شايفني من الستات اللي بتبيع نفسها عشان الفلوس. تصرفك ده جرحني أوي. أنا هاخد بنتي وأمشي من هنا. ومش عايزة أسمع صوتك تاني ولا أشوف وشك كمان."
"والله أبدا. انتِ أغلى حتى من حياتي."
قالها مقترباً منها وهو يقبلها على كفها بينما برقت عينيها الخضراء بقوة.
"إحنا هنتجوز ورسمي كمان."
ابتعدت قليلاً وقالت بدلال:
"بس أنا مدخلش على ضرة يا نعمان. لو عايز تتجوزني. طلق مراتك!!"
بعد أسبوع.
كان متسطحاً على فراشه. اليوم عطلته من الشركة. الأسبوع السابق عمل كالمجنون ما بين الشركة وما بين المفاجأة التي يحضرها لمهرا. كان لا يأتي إلى منزله حتى. تعمد أن يعمل حتى يقتله التعب ويعود لكي ينام فقط. لم يكن يريد التفكير بها. تلك التي حاول بإصرار جعلها تعود له ولكنها رفضت بإصرار. حتى أنها توقفت عن الرد على رسائله وهذا جرحه بقسوة.
أغمض ادم عينيه وهو يشعر أن قلبه يعتصره من الألم. لقد اشتاق إليها. اشتاق إليها بقوة. كم يريد أن يذهب الآن ويخطفها من منزلها ثم يحجزها وحينها سيفعل المستحيل كي تسامحه. لن يجرحها مرة أخرى.
رنين الهاتف آخرجه من شروده. أمسك هاتفه ووضعه على أذنه وابتسم ما إن سمع ما يقوله الطرف الآخر.
"جميل أوي. شكرا يا طارق يا حبيبي والله من غيرك معرفش كنت هعمل إيه. أه. خلاص جاي آخدها منك دلوقتي. سلام يا حبيبي."
ثم نهض ادم ووجهه مبتهج بينما عينيه تلمعان بخبث. اليوم سوف يعيدها إليه. لقد كان يحضر هذا منذ أسبوع. بينما يطلب منها السماح. اليوم سوف تكون بين ذراعيه وتبا لجدها وعائلتها كلها هو لن يتخلى عن زوجته. اتجه إلى الخزانة واخرج ملابسه التي عبارة عن قميص أسود وبنطال جينز رمادي ثم أخذهما وخرج من غرفته متجها إلى الحمام.
توقف فجأة وهو يجد مرام في الصالة. شعرها مبتل من أثر الاستحمام تمسك فنجان قهوتها وتشربه بهدوء.
"صباح الخير يا ميرو."
قالها ادم بلطف ولكنها لم تنظر إليه حتى.
تنهد هو بتعب واتجه وجلس بجوارها وقال:
"مرام أنا عارف إني جرحتك بكلامي الغبي وأنا بجد آسف. آسف لأني إنسان غبي زي ما قولتي بضيع الناس اللي بحبها من إيدي. بس يعلم ربنا إني عمري ما قصدت أمد إيديا عليكي. أنا عندي إيدي تتقطع ولا إنها تتمد عليكي."
لم ترد. ولم تتأثر هكذا بدا له من الخارج. ولكن من الداخل كان قلبها يعتصر من الألم. تعرف كم أن ادم يحبها. وما فعله معها جرحها بقوة ولكن لن تسمح له أن يعرف أنها مجروحة منه. ستتمسك بقناعها الجليدي هذا أفضل لها. تناولت قهوتها مرة واحدة رغم الحرارة التي شلت لسانها لفترة وشعرت بألم فظيع ولكنها لم تبين بل نهضت وذهبت إلى المطبخ.
زفر ادم بتعب وهو يضع كفيه على وجهه ويفكر. ماذا توقع؟ تلك هي مرام. لن تنسى بسهولة.
انتفض قليلاً عندما امسكت والدته بكتفه. نظر إليها وابتسمت هي وقالت:
"رايح ترجعها النهارده صح؟"
هز ادم رأسه مبتسماً. ثم نهض ليتجه إلى الحمام. سوف يعيد مهرا ويصالح شقيقته!
"أموت وأعرف مخرجاني من الفيلا ليه في الوقت البدري ده؟"
قالتها مهرا بضجر وهي تجلس على المقعد المريح للسيارة فردت مروة:
"يا بنتي انتِ من أول ما جيتي مخرجتيش وحابسة نفسك في الأوضة. خوفت عليكي قولت أخرجك شوية."
ثم قالت للسائق:
"اطلع يا عم كريم."
هز السائق رأسه وهو يقول السيارة إلا أنه فجأة توقف وهو يجد سيارة أخرى تقف أمامه والتي خرج منها ادم بخفة. وقع قلب مهرا في ساقها وهي تنظر إليه بفزع وشوق. ابتسمت مروة بخبث وهي تغمز لادم بينما ادم فتح باب السيارة وسحب مهرا معه حاملاً إياها على كتفه.
"إيه ده انت بتعمل إيه؟"
صرخ السائق بينما تصرخ مهرا أيضا وتضرب ادم على ظهره وامسكه السائق من كفه الحر بقوة.
"سيبه يا عم محمد."
قالتها مروة.
هز السائق رأسه وقال:
"لا يا هانم دي أمانة جابر بيه سامحيني أنا هتصل بيه."
ثم أخرج هاتفه واتصل بجابر وما إن رد حتى قال باندفاع:
"الحق يا جابر بيه حفيدك ادم بيخطف حفيدتك مهرا أنا أعمل إيه؟"
ابتسم جابر واغمض عينيه براحة وقال:
"معاه عربية يا محمد."
"آيوة يا باشا."
قال محمد بحيرة ليقول جابر:
"طيب افتحله باب العربية ولو عايز أي مساعدة تاني ساعده!"
أغلق محمد الهاتف وهو يقول:
"لا حول ولا قوة إلا بالله. اخطفها يا عم جدها إذن بكده."
ابتسم له ادم ابتسامة واسعة ثم ركض الرجل ليفتح له باب السيارة فيدخل مهرا التي كانت بقمة غضبها ويقود ادم السيارة بسرعة.
في منزل ادم الجديد.
فتح آدم الباب وسحب مهرا الغاضبة وقال:
"إيه رأيك في مملكتك الجديدة يا ملكتي!"
قالها وهو يشير إلى البيت الصغير الذي استأجره ادم والذي تم توضيبه جيداً.
"إيه ده؟"
"ده بيتنا يا حبيبتي."
"قصدك سجني بما إنك خطفتني."
قالتها بغضب ليبتسم وهو يقترب منها ويمسك كفها قائلاً:
"لا بيتنا. سجنك هنا."
وضع كفها على قلبه ثم أكمل:
"انتِ محبوسة جوا قلبي وواخدة حكم مدى الحياة."
في المحكمة.
"حكمت المحكمة حضورياً على المتهم عثمان عبد العزيز والمتهمة علياء رشدي بالسجن لمدة سنتين وغرامة مائتان جنيه!"
قالها القاضي فجأة لتصرخ علياء وهي تلطم وتقول:
"يالهووي يالهوووي يالهوووي!"
صرخت بها علياء وهي تلطم على وجهها وتبكي. كانت لا تصدق أنها سوف تودع في السجن. نظرت إلى ميار وهي خلف القفص الصغير بالمحكمة وصرخت:
"منك لله. منك لله يا شيخة. إلهي ما تفرحي أبدا. إلهي تموتي يارب."
اهتزت ميار بتوتر فأمسك علي كفها بقوة وهو يشد عليه ويقول:
"اهدي يا حبيبتي."
"بتحبسي ابوكي يا ميار. بتحبسي ابوكي يا بنت الكلب يا خاطية يا رخيصة. بتحبسينى بس وديني لما أطلع. هوريكي يا ميار."
انفجرت الدموع من عينيها وهي ترتعش بقوة بينما استمر صراخ ووعيد كل من عثمان وعلياء. ورغم كل شيء كان قلب ميار يتمزق على والدها. مهما كان هو والدها. وهي تحبه. كم تمنت لو أنها تستطيع مسامحته والتنازل عن القضية. ولكن الضرر الذي سببه لها بالغ. لقد عاملها والدها كأنها حيوانة. استمع لكلام زوجته وعذبها كثيرا. كل تلك الذكريات محفورة في عقلها وهي لن تنسى أبدا كيف أن والدها عاملها كأنه بهيمة أو جماد لا يشعر.
أغمضت عينيها والدموع تنساب بهدوء بينما رجال الشرطة يأخذون والدها وزوجته إلى السجن. أرادت للحظة أن تصرخ وتوقف كل هذا ولكن فشلت الكلمات في الخروج. الغفران كان شيئاً بعيد المنال.
خرجت ميار من المحكمة وهي تمسك كف علي. لا تستطيع السيطرة على دموعها التي تنساب بقوة على وجهها. وضعت كفها على فمها وهي تشهق فجأة ليتوقف علي ويقول:
"حبيبتي."
نظرت إليه وقالت بنبرة مختنقة:
"هو أنا بنت وحشة يا علي لأني حبست بابا. أنا كده واحدة مش كويسة صح."
هز علي رأسه وهو يضع كفه على الحجاب الذي ترتديه وقال:
"انتِ أخدتي حقك بالقانون وبس يا ميار. وده حقك لأن وقع عليكي ظلم."
ثم غير علي الموضوع بمهارة وقال:
"تحبي تأكلي آيس كريم يا لوزة."
ابتسمت وهي تهز رأسها وقد أعجبها أنه بدل موضوع الحديث بسرعة لأن هذا الأمر يجعلها تشعر بالاختناق.
في إحدى السجون.
تم تجهيز علياء لإيداعها في السجن. كانت علياء ترتدي الزي الأبيض الكريه وعينيها مشبعة بالدموع. أدخلتها السجانة بعنف لتقع على الأرض. نظرت إلى السجينات بتوتر. كان المعظم منهن أجساده ضخمة وينظرون إليها بسخرية. اقتربت إحداهن منها وشدتها قائلة:
"انتي جاية في إيه يا حلوة يا مسكرة انتِ."
"ملكيش دعوة بيا."
قالتها علياء وهي ترتجف.
اغتاظت المرأة الضخمة ثم مدت كفها وامسكت شعرها وهي تصرخ:
"بتقولي إيه يا روح أمك. أنا مليش دعوة. جري إيه يا بت هتخافي ولا إيه. ده أنا أقتلك هنا!"
"لا لا. ابعدي عني. أنا بنت ناس مش زيكم!"
صرخت علياء بعنف وهي تبكي بينما تلك السجينة الضخمة تشد شعرها بعنف وتقول بلهجة سوقية:
"جرا إيه يا روح أمك. انتِ هتعملي نفسك شريفة عفيفة وبنت ناس ولا إيه. ده أنتِ في السجن حد قالك إنك في الملاهي! وبعدين أنا أكلمك تقوليلي مليش دعوة!"
أغمضت علياء عينيها بألم بينما تدفعها المرأة ضخمة الحجم إلى الحائط ليصطدم رأسها في الحائط بقوة وتطلق علياء صرخة فزع بينما تقول السيدة بلهجة قاسية:
"اسمعي بقا يا روح أمك. الكلام اللي هقولهولك يتسمع. أقولك يمين يمين. شمال شمال. أنتِ فاهمة."
بكت علياء بعنف وهي تشعر أنها سوف تموت بسبب تلك المستبدة!
"ما تنطقي يا بنت الكلب."
صرخت بها المرأة لتهز علياء رأسها وتقول بينما تنشج بقوة:
"فاهمة. فاهمة!"
فتحت حسناء الباب وهي تظن أن ادم من آتى ولكنها شحبت قليلاً وهي ترى جابر عزام أمام منزلها.
"أنا بموت. وجاي عشان تسامحيني."
قالها فجأة ليصيبها بالصدمة!
رواية عروس رغما عنها الفصل العاشر 10 - بقلم سوليية نصار
(أنارت حياته )
الصدمة شلت جسدها بينما تنطلق تلك الكلمات من فمه ….عينيها اتسعت …أن يأتي جابر عزام الي عتبة بيتها ويطلب الغفران …لم تحلم حتي بهذا وفي هذا الموقف شعرت بالحرج منه واحتشدت الدموع بعينيها …
-ممكن ادخل ؟!
قالها بتعب لتهز رأسها بسرعة وهي تسمح الدموع التي سقطت علي وجنتها خلسة ابتعدت قليلا ليدخل هو الي المنزل …اتجه بخطوات متعبة الي الأريكة وجلس عليها بينما الذنب يجل.ده وكر.هه لذاته يتعاظم داخله …لم يكن يعرف بأي عين سوف يكلمها ويقنعها تسامحه ولكنه شعر بقرب أجله وقبل أن يمو.ت يريد السماح …يريد أن يعانق أحفاده لمرة واحدة فقط … ويطلب منهم الغفران علي ما فعله ..يطلب الغفران كونه شخص مت.كبر ج.بار د.مر حياتهم منذ سنوات عديدة وحرمهم من الكثير والكثير …هو لن يسامح نفسه حتي يسامحوه …
-تحب حضرتك تشرب حاجة ؟!
قالتها حسناء بإرتباك وهي تنظر إليه ..نظر هو إليها وقلبه تأ.لم من معاملته اللطيفة تلك وهو الذي قضي عمره كله يحتقر.ها !يلومها علي مو.ت ابنه …يه.ينها حتي أنه تسبب بأنها تدخل الي المشفي !!
لقد فعل الكثير ..واذا.ها كثيرا ولن يرتاح حتي تسامحه…
ابتسم في وجهها بلطف وقال:
-شكرا يا حسناء مش عايز اشرب حاجة ….تعالي اقعدي جمبي عايز اتكلم معاكي شوية ..
هزت حسناء رأسها وهي تشكر الله داخلها أن ادم غير موجود فلو كان موجود لكان الوضع ليكون سئ للغاية. …وليلي مرام ذهبوا لشراء فستان كتب الكتاب …
اقتربت حسناء وجلست علي الأريكة مقابله وهي تفرك كفيها بتوتر وهي تنتظر أن يتكلم …ما قاله أصابها بالهلع ..هو سوف يموت !!!
نظرت إليه بتأثر فأغمض هو عينيه وقال:
-انا مستحقش الحزن ده يا حسناء …أنا كنت الشيطا.ن في حياتك … مستحقش انك تزعلي عليا بالعكس مفروض تفرحي …اخيرا ربنا هيأخد حقك مني !
هزت حسناء رأسها ودموعها تطرف من عينيها وقالت بصوت مختنق:
-انا عمري ما اتمنيت ليك الش.ر …ربنا يعلم أنا محقدش عليك …بس مقدرتش امنع عيالي …مقدرتش امحي الحق.د من قلب آدم ولا مرام ولا ليلي …
تنهد بتعب وقال :
-عندهم حق يا حسناء …عندهم حق …أنا حرمتهم من حاجات كتير وانا مش متوقع أنهم يسامحوني من الأساس …الغلط غلطي…
احتشدت الدموع في عينيه الزرقاء وقال:
-انا بس حابب اطلب منك تسامحيني …أنا عارف ان اجلي قرب اووي…عارف اني قريب همو.ت..عشان كده بطلب منك تسامحيني …سامحيني يا حسناء أنتِ اكتر واحدة أنا ظل.متها …سامحيني عشان اروح قبر.ي مرتاح …
انفجرت الدموع من عينيها ونشجت بقوة ليقترب هو ويربت علي كفها قائلا:
-الانسان ده غريب يا بنتي …مغرو.ر ميعترفش بغلطه الا لما يكون ضعيف …أنا بعترف اني اذ.يتك كتير ولو مش حابة تسامحيني عمري ما هلومك…
هزت راسها وهي مستمرة في البكاء وقالت:
-مسمحاك …مسمحاك
اغمض عينيه وهو يتنهد براحة ثم نهض وهو يمسح دموعه التي انسابت علي وجهه وقال:
-شكرا يا حسناء …شكرا أوووي يا بنتي …ربنا يجبر بخاطرك دايما …
تنهد وأكمل:
-انا وصيت المحامي بعد مو.تي أنه يوزع الورث بشرع ربنا …هحاول علي قد ما اقدر اعوضكم عن اللي عملته معاكم السنين اللي فاتت ..
أعطاها ابتسامة قصيرة وخرج …خرج وهو يشعر وكأن حمل كبير انزاح من علي صدره …كان لا يصدق حظه أنها سامحته بتلك السهولة ولكنها حسناء …تلك الملاك…لم تكن له أي حق.د ولم توجه له أصابع الاتها.م ….بل تفهمته وسامحته ..والان تبقي أحفاده …يجب أن يفعل المستحيل لنيل غفرانهم!
……….
-انا جهزتلك حاجة تأكليها…يالا تعالي وبطلي عناد !
قالها ادم وهو يربع ذراعيه بينما تجلس هي علي الفراش تشيح بوجهها من الناحية الأخري…منذ جلبها الي هنا واغلق الباب عليها وهي تجلس هنا رافضة التحرك …رافضة أن تتكلم معه حتي …كان يمكنها أن تصرخ وتجمع عليه أمة لا اله الا الله ولكنها فضلت الصمت لم تكن تريد أن تفتعل دراما …لذلك قررت أن تأتي معه ولكنها ستعا.قبه جيدا!!
-مهرا حبيبتي ..
قالها بتعب ثم أكمل:
-عاقبيني براحتك بس تعالي كلي..
-مش عايزة اكل …سيبني في حالي…ولا كمان هتأكلني بالعافية زي ما جيبتني بالعافية!
تنهد وقال:
-انت اللي اضطرتيني اعمل كده !
ثم في لمح البصر اقترب منها ثم حملها بين ذراعيه بسهولة تامة …اخذت تضر.به علي صدره وهي تصرخ بعنفوان ؛
-سيبني….سيبني يا بني آدم انت !!
شدها إليه واقترب بوجهه منها وقال بنبرة لا تخلو من الخب.ث :
-متخلنيش اسكتك بطريقتي يا مهرا ….احسنلك تيجي تأكلي بكل هدوء وبعدين اعملي اللي عايزاه …
نبرته تلك جعلتها تحمر من الخجل …لذلك لم تقاوم بل بهدوء جعلته يقودها الي الطاولة الصغيرة الجديدة التي يبدو أنه ابتاعها منذ مده قصيرة …
انزلها هو وجعلها تجلس علي المقعد ثم بدأ بسكب لها الطعام والذي كان عبارة عن رز ودجاج مشوي ..
أصدرت معدة مهرا صوتا يدل علي جوعها….ورغم كر.هها أن تعترف بهذا إلا أن فعلة ادم تلك انقذتها من أن تجوع نفسها …يجب أن تكون ممتنة !!
ابتعد ادم عنها لتشرع هي في تناول الطعام بشراهة كبيرة …ابتسم ادم وهو يراها تأكل بتلك الطريقة وبدل من أن يأكل كان يراقبها وعلي شفتيه ابتسامة محبة …لقد اشتاق اليها …اشتاق اليها بجنو.ن …وقد قطع وعدا أنه لن يجر.حها ابدا …سوف يتحكم في اعصابه !
كانت مهرا تشعر بنظرات أدم عليها وعلي الرغم من خجلها لأنها تأكل كأنها لم تأكل منذ قرن الا أنها كانت جائعة كثيرا فلم تهتم حقا …
شرع أيضا ادم في الاكل بكل هدوء !!
………
بعد أن انتهوا حمل ادم الاطباق وساعدته مهرا ثم اتجهت للحوض لتغسل الاطباق بكل هدوء …
ابتسم ادم واقترب منها ثم حاوطها من الخلف وهو يمسك كفها …اغمض عينيها ورائحته تتغلل روحه …لكم اشتاق اليها …اشتاق اليها بجنو.ن ..وقد كانت قا.سية عليه …كانت قا.سية كما هو قا.سي عليها …
-اب…ابعد عني لو سمحت !!
قالتها بارتباك ..ولكنه لم يمتثل لأمرها بل اغمض عينيه وهو يضع شفتيه علي شعرها …أحر.قت الدموع عيني مهرا …لما عليها أن تكون ضعيفة معه إلي تلك الدرجة …لو استسلمت الان سوف يستمر ادم بإها.نتها ..لانه سوف يظن أنها ستعود دوما إليه ببضعة كلمات تطيب خاطرها….لا ..هي لن تستسلم تلك المرة …
أبعدته عنها بقوة ثم خرجت من حصاره ووقفت بعيدا عنه وقالت بصوت مهتز:
-لو حاولت تقرب مني من غير رضايا أنا هسيبلك البيت …هعمل المستحيل عشان امشي من هنا واتطلق منك …أنا مش عايزاك تلمسني !!
ابتلع ريقه واقترب وهو يقول بتوتر:
-حبيبتي …
تراجعت وهي تقول :
-انا مش حبيبتك …متقولش الكلمة دي …متقولش اني حبيبتك وبعدين تأذ.يني…انت فاكر أن كل مرة هرضي بإعتذارك وكلامك الحلو عشان تيجي برضه وتجر.حني بكلامك وانا عشان معنديش كرامة هسامحك وانسي الموضوع !
هزت راسها وهي تمسح الدموع التي تحررت من سج.ن عينيها وقالت:
-لا …لا يا آدم المرة دي غير …المرة دي مش هسامح بسهولة …المرة دي هتمسك بكرامتي عشان تفكر مليون مرة قبل ما تدو.س عليها ..
ثم تركته مبهوتا وخرجت من المطبخ !!
……….
في اليوم التالي …
وقف امام المرآة وهو يرتدي سترته ..ثم ابتعد قليلا وهو ينظر الي نفسه …جعد انفه وهو يتأمل نفسه في تلك الحلة الرسمية المضحكة …هو لم يعتاد علي ارتداء تلك الملابس …كان دوما يرتاح مع السراويل المصنوعة من الجينز والسترات الجلدية التي تجعله يشبه الشباب سئ السمعة…ولكن الآن بدا مختلف بشكل مثير للاهتمام ولكنه نظر إلي نفسه بإستياء وقال:
-شكلي نيلة اووي بالبتاع ده !اووف ..
ثم بدأ بتصفيف شعره كي يذهب الي الشركة..فهو قد اتخذ قراره سوف يأخذ مسؤولية الشركة ويقوم بها وهذا طبعا مقابل موافقة والده علي العلاج …
انتهي مروان ثم أمسك زجاجة عطره الفرنسية ورشها عليه ثم ابتعد لكي يغادر وهو يحمل حقيبة سوداء وخرج من غرفته …
…..
كان وائل جالس علي الأريكة المريحة التي اشتراها مروان وصمم عليها …يقرأ كتاب ما وداخله يشعر بالتوتر …لقد وعد ابنه بأن سوف يخضع للعلاج الكيماوي …لقد كان يريد أن يمو.ت براحة دون أن يتعذ.ب ولكن مروان يتمسك بالأمل وهذا يو.جعه أن بعد مو.ته ابنه سوف يتحط.م …
انتبه وائل وهو يري ابنه ينزل من الدرج وبهت وهو ينظر إلي ملابسه
-متضحكش .
قالها مروان محذرا وهو ينفخ بضيق بينما كتم بالفعل وائل ضحكاته وقال :
-علي فكرة شكلك حلو اووي في الفورمال …أراهن انك هتبقي رجل اعمال محصلش …
-اكيد ده انا هرفع راسك ..
قالها مروان بتكبر مصطنع ليضحك والده …اقترب مروان من وائل وركع بجواره وهو يمسك كفه ويقول:
-انا هعمل المستحيل عشان شركتنا تبقي واقفة ونفضل ننافس بقوة ..هخلي شركتك قوية عشان لما ترجع بإذن الله تكون فخور بيا …
تو.جع قلب وائل وهو يري الامل في عيني ابنه …أراد أن يخبره الا يضع امل …أراد أن يخبره حقيقه أنه سوف يمو.ت …لا يريده أن ينها.ر إذا ما.ت وتهاوت آماله …ولكن لم يكن يستطيع أن يصارح ابنه …لم يكن يريد أن يطفئ تلك الشعلة التي تشتعل في عينيه ….
ربت وائل علي وجنة مروان وتجمعت الدموع بعينيه وقال بإستياء من نفسه :
-انا كدبت عليك يا مروان ….كدبت لما قولتلك اني مكنتش عايزك وانك جيت غلطة في حياتي..واني بس بهتم بيك عشان والدتك …كل ده كان كدب يا مروان …انت اجمل حاجة في حياتي يا مروان ..
ابتلت عيني مروان بالدموع ليجذبه وائل إليه ويضمه بقوة:
-انا بحبك يا بني …وفخور انك ابني …
ضمه مروان بقوة والدموع تنفجر من عينيه بينما يدعو ألا يمو.ت والده … فلو ما.ت مروان سوف ينها.ر مجددا !!
……..
بعد لحظات ..
كان يقود سيارته متجها الي الشركة فجأة توقف أمام جامعتها وقلبه يخفق بقوة …لقد وعدها ان يختفي من حياتها…ولكن قلبه كان يدفعه بقوة لان يراها أما المنطق أخبره أن يذهب ويبتعد عنها فهي ليست ملكه …أخذ لحظات يفكر ثم ترجل من سيارته وقد انتصر القلب علي المنطق …
وقف أمام سيارته وهو يبحث عنها بعينيه ويتمني ان يراها فقط ويذهب …
….
من الجانب الآخر ..
كانت ليلي تمسك كف ميار صديقتها وتخبرها أن ادم أعاد مهرا وسجن.ها في شقتهما الجديدة…كان يتكلمان وهما يضحكان فجأة تجمدت ضحكة ليلي وهي تنظر إليه…هو هنا ..مجددا …كانت تتأمله بذهول …أنه مختلف حقا مختلف تلك المرة ..مختلف عن ذلك العابث الذي كان يطاردها بإصرار… بدا الان وكأنه رجل محترم …فجأة اضطربت عندما اصطدمت نظراته بنظراتها واجفلت هي بينما توتر هو واسرع الي سيارته وقادها مسرعا وهو يشعر ان قلبه سوف يخرج من صدره…لقد أمسكت به يراقبها وهو الذي وعدها أنه لن يقترب منها مجددا…ماذا ستقول عنه الان !!!!
………..
-اه ….اه سيبيني !!
صرخت بها علياء بينما كريمة أحدي السجينات معها تضر.بها …كريمة تعتبر هي رئيسة السجن … السجينات يخافن منها ويحترموها ولكن علياء تجاوزت حدودها معها لذلك تقوم كريمة الان بتربيتها جيدا …..كانت كريمة تمسكها من شعرها وتشده بعن.ف حتي تمزقت خصلاتها لتنفجر وعلياء بالبكاء بينما تذق الذ.ل علي يد الاقوي منها …كانت لا تستطيع أن تضرب تلك السيدة ….فهي كانت قوية …اسقطتها المرأة أرضا ثم أمسكت شعرها بعنف اكبر وقالت:
-بت يا تحية هاتي الموس اللي معاكي …
جزعت علياء وحاولت المقاومة الا ان المرأة كانت تثبتها جيدا ..اتت تحية واعطتها الموس لتبتسم المرأة ب.شر وقالت:
-ودعي شعرك يا حلوة…
ثم بدأت بتمرير الموس الحاد علي خصلات شعرها الذي أصبح يتساقط علي الأرض !!
……….
في المساء …
كان احمد نائما علي ساق والدته عينيها لامعة بفعل الدموع …مهما حاول أن يعيدها إليه إلا أنها رافضة أن تعطيه اي فرصة …تصر بشدة علي طر.ده من حياتها وهذا يؤلمه …يؤلمه بقوة …انسابت دموعه بينما يشعر أن عزيمته ضعفت كليا وأنها لن تعود …فحياة قد تغيرت وان كانت تحبه فهي لم تعد تثق به وهي لا تلومه بالطبع علي هذا …لقد كان هو كثيرا للغاية معها …هو د.مرها وسرق سعادتها ولن يلومها لأنها مصرة علي إخراجه من حياتها …
-متفقدش الامل يا حبيبي …حياة بتحبك وبإذن الله هترجع …
هكذا قالتها والدته مطمئنة إياه …أراد حقا أن يصدقها وتمني هذا ولكن كان يعرف داخل قرارة نفسه أنها لن تعود إليه …فمهما هو حاول هي ستظل خائفة منه …
هز هو رأسه وقال:
-مظنش يا امي أنا خسرتها …خسرتها للابد…
قالها بصوت مختنق ثم أكمل:
-كل أما احاول معاها تبعد عني …قالتها لي كتير اني انساها لأنها مش هترجعلي …أنا مخنوق يا ماما …مخنوق اووي ..ونفسي بس تديني أي فرصة اثبتلها اني اتغيرت واني مقدرش اعيش من غيرها …بس هي …هي …
ربتت والدته علي كتفه وقالت:
-اعذرها يا بني انت جر.حتها اووي ولازم تصبر لحد ما تسامحك …الموضوع هياخد وقت يا احمد …ما هو لاما تحاول معاها أو تنساها…وشوف هل حياة تستحق انك تحاول معاها اكتر من كده …
تنهد احمد وهو يسمح دموعه وقال مبتمسا ؛
-حياة تستاهل كل خير يا ماما …حياة هي اجمل حاجة في حياتي وانا عاوزها ..
ابتسمت والدته وقالت:
-يبقي تحاول ترجعها …متستسلمش ابدا مهما حاولت تبعدك …اوعي تتخلي عن حبك يا بني …البنت دي بتحبك فمتسبهاش تفلت من بين ايديك …حاول ترجعها…
ابتسم احمد وقال وقد تجدد أمله:
-هرجعها يا ماما !
……….
وقفت أمام المرآة وهي تعض شفتيها وتنظر الي نفسها بخجل …كان انعكاسها يصيبها بالإحراج الفظيع…رغم أنها كانت متزوجة منذ فترة طويلة إلا أنها لم تتجرأ ابدا علي الظهور بتلك الهيئة أمام زوجها ولكن اليوم قررت نفض الخجل عنها …فهي قد وعدت والدة الي أنها سوف تسعده وهي سوف تفعل المستحيل لتنفذ هذا الوعد …ستجعل علي يري كم هي تحبه …تحبه ..نعم تحبه …تحبه بقوة أيضا لقد عرفت هذا وتاكدت منه …أن كان الحب هو السعادة عندما تري من تحب فهي تحبه وان كان الحب هو تسارع دقات قلبك عندما يكون بجوارك فهي تحبه …وان كان الحب هو الا.لم الذي يعتصر قلبك عندما تفكر أن من تحبه قد يبتعد عنك فهي تحبه …تحبه ..تحبه وستظل تخبره هذا للصباح حتي يصدقها …
التقطت احمر الشفاه الوردي ومررته علي شفتيها ثم ابتعدت وهي تنظر برضا الي منظرها بسعادة …قميصها الوردي القصير كان يليق علي جسدها المشدود والمثالي ….تجمدت ابتسامتها فجاة وهي تنظر إلي حجاب الرأس الذي علي رأسها والتي ترتديه دوما بسبب شعرها المقصوص والذي لم ينمو حتي الآن !!!
تنهدت هي وهزت رأسها وهي تخرج كل تلك الأفكار السلبية من عقلها …كان تفكيرها ينصب علي علي .
.ينصب علي حبيبها فقط …اتجهت الي الفراش وجلست عليه تنتظره وهي تفرك كفيها بتوتر …فجأة اضطربت عندما سمعت حركة باب الغرفة ليدخل علي …ثم يتجمد وهو يراها بتلك الهيئة أمامه …ابتسمت ميار بإرتباك ثم نهضت وهي تقترب منه …
-ميار !
قالها بذهول وهو ينظر إليها ابتلعت ريقها وقالت:
-انا عايزة نبدا من جديد يا علي …عايزاك تكون جوزي وحبيبي وأبو عيالي ..
أغمضت عينيها وتنهدت ثم فتحتهما مرة أخري وقالت:
-انا بحبك يا علي بحبك …أنا ب…
لم تتم كلمتها الا وجذبها إليه واسكتها بطريقته .
……..
-اووف عيب كده !
قالتها مهرا بضيق بسبب مشاغبة ادم معها في المطبخ بينما هي تغسل الاطباق .. …نظر إليها ادم بوداعة مزيفة وقال:
-انا عملت ايه بس ؟!
احمر وجهها من الغضب وقالت:
-والله يعني حضرتك شايف انك معملتش حاجة !!!
هز رأسه ببراءة لتكز هي علي أسنانها وتقول:
-بطل تقرب مني بالشكل ده…انت قولت هتديني وقتي براحتي ليه بتحاول تقرب …
أشار ادم بإصباعه علي نفسه وقال:
-انا …أنا عملت كده ؟!
-استعبط يا اخويا استعبط !!لو سمحت يا آدم خليني اغسل المواعين عشان اروح انام بكرة كتب كتاب مرام وورانا شغل كتير ..
-اغسلها معاكي ..
عرض المساعدة ولكنها كانت تعرف الهدف خلف عرضه لذلك قالت بهدوء:
-لا شكرا مش عايزة وخلاص بقا روح نام أنا هخلص وانام أنا كمان …
هز رأسه وهو يقف مستندا علي الحائط قائلا:
-لا …أنا هفضل اتفرج عليكي لحد ما تخلصي …
نفخت بضيق وهي تعود وتغسلها …
ابتسم بخب.ث واقترب مجددا ثم وضع قبلة علي رقبتها لتنتفض هي ويعود هو مسرعا للحائط ويقول:
-كان فيه صرصار علي رقبتك …كنت بمشيه …
– انت بتستهبل يعني شايفني غب.ية …ولو فيه يا عم سيبه …أنا عايزة يكون فيه صرصار علي رقبتي …أنا بحب الصراصير …
-بجد يعني انتِ مبتخافيش من الصراصير …
-لا مبخافش لاني عايشة معاهم ..
هكذا قالتها بغضب ليعقد حاجبيه وقال:
-انا حاسس ان قصدك إها.نة ليا واني مثلا أنا صرصار!
ابتسمت بتشفي وهي تنظر إليه وقالت:
-بسم الله ما شاء الله ذكاءك باهر…
-انا صرصار يا مهرا !
قالها وهو يشير إلي نفسه لتنفخ هي وتعود لغسيل الاطباق …
وقف هو ينظر إليها ويتأملها بينما ابتسامته تتسع … يحبها وهي هادئة ولكنه يعشقها وهي غاضبة بتلك الطريقة …هو يعشق النيران التي تنبعث من عينيها وكم يريد الاحترا.ق بتلك النيران …..
…..
اخيرا انتهت هي من غسيل الاطباق ودون أن تكلمه حتي خرجت من المطبخ ثم ولجت لغرفتها وأخذت منامتها ودخلت الحمام لتأخذ دوشا سريعا…
تنهد آدم وقد بدأ يحزن قليلا بسبب طول خصامهما …مهما حاول فهي لا تريد أن تسامحه ما زالت مجر.وحه منه وهذا يحيطه بقوة …من يريد أن يزيل المها …يريد أن يحمي جر.حها منه …يمحي من عقلها ما قاله …يريد فقط أن تتذكر انه يحبها…يحبها بجنون ..
….
في الحمام ..
كانت مهرا تقف تحت صنبور المياه الذي يندفع بقوة علي جسدها….تغمض عينيها والدموع تحر.قهما …لقد طال الخصام واشتاقت إليه ولكنها لا يمكن أن تسامحه بسهولة عما قاله …لا يمكنها أن تتنازل بتلك السهولة ولكنه يحاصرها بقوة عاطفيا…لا يتركها لتأخذ وقتها في الحزن بل يصر علي محو جر.حها منه ويحب أن تعترف أن هذا يروق لها كثيرا رغم الخوف أنها قد تستلم سريعا قبل أن تعا.قبه…فهي مع كل محاولة يذوب الجليد بينهما …
…….
خرجت مهرا من الحمام وهي ترتدي منامتها السوداء واتجهت الي المرآة الصغيرة ثم بدأت بتجفيف شعرها…ثم اتجهت الي الفراش الذي ينام عليه ادم ونامت من ناحيتها وهي تغلق الانوار …
فجأة شهقت بقوة وهو يحاوط خصرها ويدفن رأسه في عنقها ويقبلها!!
-ادم …ادم ابعد ..
قالتها وهي تشعر أنها تذوب ..
-ولو مبعدتش هتعملي ايه ؟!
قالها بشغف طفولي وهو يمرر كفه علي وجهها بينما ابتسامة حلوة تحتل شفتيه …شهقت هي واندفعت الدموع من عينيها تجري كالمطر …
عقد حاجبيه ونهض بسرعة ثم فتح الاضواء وجذبها إليه وقال:
-حبيبتي مالك ؟!
أبعدته عنها وهي تشهق وتقول:
-ابوس ايديك يا آدم متقربش مني …أنا بحبك ومش همنعك بس بعدين هكر.ه نفسي لاني استسلمت بسهولة هحس اني معنديش كرامة اديني وقت …شوية وقت …
تنهد بتعب وقبل رأسها قائلا:
-مش هقرب منك كده تاني يا مهرا الا لما تطلبي وتسامحيني…وانا هستني لما تسامحيني ومش هستعجل.
……….
في اليوم التالي …
في المساء …
هو رجل لم يؤمن بالحب …سخر من فكرة أن يمتلك أحدهما قلبه …ظن أن قلبه محصن ضد العشق وان لا يوجد امرآة في الوجود سوف تستطيع أن تسلبه قلبه ولكن اتت مرام …اقتحمت حياته بعن.ف ولم تسلب قلبه فحسب …راحته …وروحه أيضا !!!جعلته يري أن الحياة بدونها ليست لها أي أهمية …لقد كان ميتا حتي اتت هي .هي من أحيت قلبه المتجمد وهو من سوف سيحيي قلبها مجددا سينسيها ما عاشته … سيجعلها سعيدة…لن يستسلم حتي تسلمه كل مقاليد قلبها …سيقتحم عالمها وقلبها وروحها ويمتلكها مليا …وسيكون جزءا منها ..ابتسامة حلوة حطت علي شفتيه وهو يراها تأتي من الداخل تمسك كف شقيقتها بينما ترتدي فستان زهري باهت مطعم بفراشات فضية براقة وترتدي خمار ازرق ..وجهها خالي تقريبا من مساحيق التجميل الا من مرطب شفاه وماسكارا…
انطلقت الزغاريد بينما تجلس هي علي الأريكة المقابلة وهي تضع عينيها علي الأرض وقلبها ينبض بعن.ف …هي حتي لم تمتلك الجراءة لتنظر إليه …تشعر بالخوف والتوتر …فبعد دقائق ستكون زوجته…وصحيح أنها تزوجت من قبل ولكن ابدا لن تكن مشاعرها متورطة الي تلك الدرجة … رفعت عينيها ببطء لتتوتر وهي تري أنس ينظر إليها وعلي فمه ابتسامة ساحرة للغاية غمز هو لها بخفة لتنظر للأرض مجددا وهي تفرك كفيها بتوتر وتغمض عينيها من الخجل…ابتسم أنس وهو يدرك أن إذا كان الحب سيتمثل في هيئة معينة فستكون هيئتها هي فقط …فهي الحب بالنسبة إليه…ولم يعرف قلبه حب غيرها…هي حبيبة قلبه …
-قبل ما نبدا عايزة اسأل العروسة سؤال .
قالها الشيخ بوجه بشوش لتنظر إليه مرام فيكمل هو :
-موافقة علي العريس يا بنتي من غير اي ضغط …
-موافقة يا شيخ ..
قالتها بإيجاز وهي تنظر إلي أنس ليبتسم الشيخ ويقول:
-كده تمام نبدأ كتب الكتاب فين ولي العروس …
اقترب ادم منه و أنس ووضعا كفيها في كف بعض وهو يرددان خلف الشيخ ما يقوله …
…
كان أنس ينظر إلي مرام بينما يقول كل كلمة تربطهما معا الي الأبد…كل كلمة تجعله علي ذمته …زوجته التي لن يتركها ابدا …بينما هي تبتسم بخجل وهي لا تستطيع رفع عينيها حتي لتواجهه …قلبها كان يخفق بسعادة بينما يعلن الشيخ أنهما أصبحا زوجين واعطاها الدفتر كي تمضي …
..
لقد أصبحت زوجته…أصبحت حبيبته ومالكته …هكذا ردد بذهول داخل عقله …مرام اخيرا أصبحت له …مرامه ..حبه وأمانه وسعادته وترياقه …كان جل ما يفكر به الآن أن ينهض ويضمها إليه بقوة …يعانقها ويشعر بها بين ذراعيه وبالفعل نهض واقترب منها بينما تتلقي التهاني من عائلتها…شهقت عندما جذبها من بينهم إليه ونظر اليها بعمق
ابتسمت ليلي وهي تنظر إليه بحماس وقالت:
-احضنها يالا …
وكزها ادم علي ذراعها لتنظر إليه وهي تتأوه وتقول:
-ايه يا أبيه دي مراته ؟!!
ابتسم انس وبالفعل سحبها إليه وهو يعانقها ولاول مرة ….وكم بدا عناقها اجمل ما اختبره يوما …بدا وكأنه الحياة….الجنة .
……….
-ما تقوليلي بحبك !
قالها أنس بمشاكسة وهو يقترب من مرام بعد عقد قرانهما في غرفتها هي وليلي …ابتعدت مرام بتوتر وهو تزدرد ريقها وتقول:
-بعد الجواز….
-احنا كتبنا الكتاب يا مرام …جواز ايه تاني اللي هنتجوزه يا حبيبتي …
فركت كفيها بتوتر وقالت بنبرة جاهدت لإخراجها ثابتة:
-اقصد يعني بعد الفرح ..
ضحك أنس وقال:
-لا يا حبيبتي انا عايزها دلوقتي ..أنا استحملت رخامتك دي كتير !!
-رخامتي !!
قالتها بإستنكار ليهز رأسه بشجاعة وقال:
-اه رخامتك يا مرام …فدلوقتي لاما تقولي بحبك أو ….
صمت بخب.ث وهو يقترب بنية تقبيلها …نهضت هي وقالت:
-قولتلك بعد الجواز…ودلوقتي يالا روح الوقت أتأخر وانا عايزة انام …
نهض أنس واقترب منها وعينيه السوداء تلمع بتصميم وقال:
-وانا مش همشي الا لما تقولي أنا بحبك يا أنس …
اخذت تبتعد عنه وقلبها يقفز داخل صدرها ولكنها ما زالت محافظة علي جمود وجهها بمهارة ولكن قناعها مهد.د بالسقوط فقالت بسرعة وانفعال:
-قولت يا أستاذ انس امش….اه …
صرخت بذهول عندما بدأ يدغدغها …
-انس …
قالتها وهي ترمش بصدمة ولكنه لم يكتفي بل جذبها إليه حتي جلست علي ساقيه وجلس هو علي الفراش ثم بدأ يدغدغها لتضحك بصوت مرتفع وهي لا تستطيع أن تبتعد عنه …
-لا يا أنس…لا أنا بغير..
قالتها محاولة التملص منه وهي تطلق ضحكاتها بصوت مرتفع …
-قولي بحبك يا أنس ..
قالها. هو يضحك ومستمر فيما يفعله …
…
في الخارج كانت ليلي تقف أمام الباب بذهول وتقول:
-ايه الضحك اللي يجيب بوليس الآداب ده ؟!هما جايبين رقاصة جوا ولا ايه
قرصتها مهرا وقالت:
-ملكيش دعوة خلينا نروح نخلص اللي ورانا …
شهقت ليلي وهي تضع كفها علي فمها وقد تبينت صوت الضحكات وقالت :
-يا لهووي ده صوت مرام …اختي بقت رقاصة !!!
-قولتلك يالا يا بنت ..
قالتها مهرا وهي تجذبها خلفها
..
-كفاية …كفاية …
قالتها بضيق ولكنها لم تستطع أن تكتم ضحكاتها لتنهض بسرعة وتبتعد وهي تعود لجمودها وتسيطر علي ضحكاتها وتقول :
-خلاص بقا روح بيتكم …
-انت بتطر.ديني ؟!
قالها بحزن مصطنع وهو ينهض لتهز رأسها ..ابتسم وعينيه الجميلة تمر بإنبهار علي وجهها الجميل وقال :
-حاضر همشي بس بشرط تديني عشر بوسات وتلات احضان وتقوليلي عشرين مرة بحبك …
-ايه اللي أنت بتطلبه ده ….اطلع برا لو سمحت …
قالتها مرام ووجهها محتقن من الغضب والخجل …قلبها يدق بشدة …وتشعر أن الحرارة دبت في روحها الباردة …
نظر إليها أنس وقال بوداعة:
-انا طلبت ايه يعني ؟!أنا يدوب طلبت عشر بوسات وتلات احضان وتقوليلي عشرين مرة بحبك …أنا راجل مش متطلب خالص …
-انت…انت …
اخذت تردد في انفعال ليقترب منها بخطوة واحدة ويقول :
-انا ايه …
فزعت وهي تبتعد عنه حتي وصلت لاخر الغرفة وقالت:
-اطلع برا لو سمحت والا هنادي ادم !!
ابتسم بش.ر وهو يقول:
-ناديه وانا هقوله انك مش راضية تدي لجوزك عشر بوسات …علي فكرة أنا بجح متفتكريش يعني هتكسف من ادم …
كانت لا تصدق التحول الرهيب في شخصية أنس …فهذا المشاغب يختلف تماما عن رجل الأعمال المتحكم جدا بنفسه ….
-ما تصرخي وتنادي ادم يا بنتي …شكلك مكسوفة…خلاص هناديه أنا …
وما كاد أن يفتح فمه وينادي ادم الا واقتربت منه وهي تكتم فمه بقوة…لف هو ذراعه حول خصرها ورفعها قليلا وقال وهو يبعد كفها:
-وقعتي في فخي اهو !
حاولت التحرر وهي تشعر بالتوتر والخوف ..
.
-اهدي …
جاء همسه الخشن مهدئا من اضطرابها قليلا …ثم مد كفه لخمارها وبمهارة حله والقاه علي الأرض ثم جذب مشد الشعر لينطلق شعرها الأسود الطويل محيطا بها وقد بدت حينها كأحدي الاميرات من القصص الخيالية ..
-انتِ ..أنتِ جميلة اووي …
اهتزت نبرتها وقالت:
-لو سمحت …لو سمحت امشي …أنس!
هتفت برعب بينما يقترب من شفتيها ويقول بإبتسامة شقية :
-هنحقق اول طلب طلبته ..عشر بوسات ..يالا عدي …
كانت تنظر إليه بهلع بينما يقترب أكثر ويضغط شفتيه علي شفتيها …وقد كان مصرا علي تحقيق جميع طلباته بنفسه …حتي أنه جعلها تقول انها تحبه أكثر من مرة !
…………..
بعد اسبوع…
بتمناها ما تكون سنه
زي كل سنه بتمناها
بتمنا فيها حبيبتي لي
لابسه الزفاف متحننه
ماسكاني من يدي اليمين
واهلنا واقفين حولنا بالفاتحه
في بيت الحلال يا ناس نتوج حبنا
بتمناها
بتمنا هذا اليوم يجي
البس قميصي وبدلتي
ويجوني كل اصحابي ديل
زملاني واولاد دفعتي
ويغنو في البيت للصباح
أخواني وأولاد حلتي
واقول خلاص دي ست البنات
بقت حلالي ودنيتي
وافرح شديد لمن اشوف دعوه
أبوي ووالدتي
يالله يا قادر كرييييم
خلي الفرحه تعمنا
…
كانت الأغنية الحماسية تصدح في منزل مرام التي أصرت أن تكون ليلة الحنة في منزلها حتي أنها اقترحت ألا يكون هناك فرح ولكن انس وأخوها رفضا بقوة …لقد استيقظت منذ الصباح لأن الرسامة قد أتت ورسمت الحنة في يديها وعلي بعض مناطق جسدها ….
كانت ليلي ترقص وهي تمسك كف ادم بينما مهرا تضحك بمرح …
حاول ادم جذب مهرا التي امتنعت كليا فهي لازالت تعاقبه..
-ايه يا أبيه انت لسه متعاقب ولا ايه؟!
قالتها ليلي وهي ترقص وتضحك ليضربها علي رأسها ويقول :
-اسمعني لاقطع لسانك …اسكتي وارقصي …
بعد قليل توقفت ليلي وذهبت لإحضار العصائر والمياة الغازية في نفس الوقت اقترب أنس من مرام وشدها قريبا منه ثم بدأ بالرقص معها وسط خجلها …فجأة تنبه لكفها ورفعه وقال:
-ايه ده ؟!
خجلت مرام وهي تنظر لاسم أنس المرسوم علي كفها بالحناء وقالت:
-ده اسمك…
ابتسم لها بحب ثم رفع كفها وقبله بعاطفة!
………
-ليلي فين الساقع…
قالها ادم ولكنه توقف وهو يراها في المطبخ تمسح دموعها …
-ليلي ؟!
قالها ادم بحيرة واقترب منها وهو يربت علي كتفها ويقول :
-مالك يا حبيبتي. ..بتبكي ليه ؟!
نظرت إليه وعينيها حمراء بفعل الدموع وقالت بصوت مختنق:
-انا مش مصدقة أن مرام هتسيبنا يا أبيه …مش مصدقة !
ثم ارتمت بين ذراعيه تبكي لتحتشد الدموع في عينيه هو الآخر …هو منذ الصباح يحا.رب دموعه…فلا يصدق أن صغيرته مرام سوف تتزوج وتبتعد عنه…كم سيفتقدها …فهي شقيقته وصديقته المقربة …
ابعد ادم ليلي عنه وعانق وجهها قائلا:
-ايه يا بنت المشاعر دي …طلعتي بتحسي اهو …ومين قالك أن مرام هتبعد ده احنا هنروح نزورها كل يوم وهي هتيجي لحد ما نزهق منها ..مش معني أنها اتجوزت يبقي هتقطع علاقتها بيننا …هي هتفضل مرام اختنا …
شهقت ليلي وبكت وهي تقول:
-هتوحشني اووي يا آدم…صحيح مرام كانت باردة وتنحة والله يكون في عون جوزها بس هي اختي و…اه ..
صرخت ليلي وهي تشعر بضر.بة علي رأسها لتستدير وتجد مرام تنظر إليها بغضب وتقول:
-عمرك ما تكملي كلامك الحلو للآخر..
مسحت ليلي دموعها وقالت:
-واقولك ليه كلام حلو وأنتِ هتسيبينا …خلاص خلي جوزك يقولك …
كان أنس يقف أمام المطبخ ويقول:
-جرا ايه يا ليلي صدق ما اقنعتها أننا نتجوز وبعدين يا ستي هجيبهالك كل يوم واخلي السواق بنفسه يجي ياخدك وتقعدي معاها في بيتها …
ابتسمت مرام وعانقت وجه ليلي وقالت:
-انا عمري ما ابعد عنكم عمري !
ثم ضمتها إليها بقوة بينما تنفجر ليلي بالبكاء مرة أخري …أحر.قت الدموع عيني مرام وبدأت تنساب الدموع بهدوء علي وجنتها …
كان ادم ينظر لشقيقتيه وقلبه متأ.لم إحداهما سوف تذهب قريبا وهي لا تحدثه من الأساس …فمرام.حتي الان لا تكلمه …ظن أن بعد كتب الكتاب سوف تنسي حزنها وتكلمه ولكنها رفضت بإصرار …ما زالت تتعامل معه ببرود وهذا يؤ.لمه …
ابتعدت مرام عن ليلي وهي تمسح دموعها …ثم تعلقت عينيها بعيني شقيقها اللامعة بفعل الدموع …توتر ادم ولم يعرف ماذا يفعل ؟!هل يعانقها؟!ولكن ماذا أن رفضت …هل سيتقبل رفضها بشكل بسيط ام سيغضب ويتأثر ولكن ما حدث تاليا صدمه بشدة فمرام هي من عانقته وهي تبكي بعن.ف …كانت تعانق شقيقها وصديقها …مهما فعل ومهما جر.حها ومهما جر.حته هي سوف ينتظر حبهما لبعض علي خلافاتهما!!
…………
وقفت أمام المرآة وهي تنظر إلي نفسها بذهول …بدت جميلة بشكل مدهش للغاية…فستان زفافها الابيض كان يليق بها كثيرا كأنه صُنع لأجلها !ابتسمت بذهول وهي تتطلع الي نفسها …لا تصدق انها بهذا الجمال …دارت حول نفسها وفستانها الابيض يدور معها …كان الفستان براق للغاية بتصميم بسيط وشعرها القصير عقدته في تسريحة بسيطة بمشد علي هيئة فراشة …كانت تبتسم بسعادة وقلبها يهدر داخل صدرها وهي تفكر أن اخيرا كل شىء أصبح علي ما يرام …اخيرا سوف تكون سعيدة مع حبيبها …سوف تلقي الماضي بعيدا وتعيش سعيدة معه ..
طرقة علي الباب جعلتها تنتفض قليلا من الحماس …
-ادخل ..
قالت بنبرة مرتعشة ليدخل هو مبتسما ولكن سرعان ما تجمد ولمعت عينيه وهو يراها لهذا الجمال ..هو لم يري امرأة بهذا الجمال الأسر من قبل ….اقترب منها ثم جذبها إليه وقبلها علي رأسها وقال:
-بحبك .
ابتسمت له بسعادة وامسكت كفه وقالت :
-وانا كمان بحبك …بحبك اكتر من اي حاجة يا سامر …انت كل حياتي. .
-معقول الكلام الحلو ده طالع منك أنتِ ..
هزت راسها وقالت:
-الكلام ده طالع من هنا …
ثم وضعت كفه علي قلبها واكملت :
-الكلام ده طالع من قلبي يا سامر …قلبي اللي محبش غيرك …
خلع سترته لتنظر هي إليه بحيرة وتقول:
-انت بتعمل ايه يا سامر ؟!
-بقولك ايه فكك من الاحتفال اللي هنعمله في المطعم ده …تعالي هنعمل احتفال احلي هنا …
تراجعت وهي تضحك وتقول:
-لا لا انسي يا حبيبي انا ….اه …
صرخت بصدمة وهو يحملها ويتجه بها الي الفراش ويلقيها عليه ثم يقترب منها ويضمها بينما هي تضحك وتقول بينما يعبث بفستان الزفاف:
-انت مجنون …
-مجنون بيكي يا حبيبتي ..
قالها وهو يقبلها بلطف …
………..
في أحدي اشهر القاعات في البلدة والتي شهدت حدثا عظيما وهو زواج أنس الصاوي أحد أشهر رجال الأعمال في مصر ويكاد يكون أشهرهم …لم يصدق أحد أن انس صاحب الشخصية الباردة والتحكم المستفز ….الرجل الذي رفض الحب مرارا وتكرارا سوف يقع في العشق …وسوف يتزوج أيضا ومن فتاة من أسرة متوسطة ….
انطلقت الموسيقي الافتتاحية عندما دخل أنس وزوجته القاعة وهو يمسك كفها بقوة كأنه لا يريد أن تهرب منه بينما علي وجهه أكثر ابتسامة سعيدة يمكن لأحد أن يراها….كان سعيد … سعيد للغاية…انخفضت إضاءة القاعة ليجذب أنس مرام الي منتصف القاعة ومع ارتفاع صوت الأغنية الرومانسية كان يراقصها بلطف بينما يغرق بعينيها دون أن يشعر بتأنيب الضمير …فهي الان أصبحت زوجته …ملكه وسيظل ينظر إليها حتي يمو.ت! كان هو يحركها بلطف وحذر بسبب فستانها الأبيض الضخم والذي اوصي أحد أهم مصممي الأزياء أن يصممه …كان يريد لتلك الليلة أن تكون مثالية …كان يريد أن تكون سعيدة ولعل أكثر ما أعجبه أنها لم تتخلي عن خمارها …بل لبست خمار ابيض حتي وجهها لم تلطخه بمساحيق التجميل …فقط بعض الأساسيات كمرطب الشفاه والماسكارا والكحل (الايلاينر )..وكم بدت جميلة …جميلة بشكل لا يصدق …
-بصيلي
قالها فجأة يأمرها أن ترفع عينيها …ارتجف قلبها هي وامتنعت عن النظر إليه مش شدة خجلها واضطرابها …
-بصيلي والا…
هد.دها بخب.ث لترفع عينيها فورا فيبتسم هو بشدة …
-انا بحبك .
قالها بعاطفة قوية لتبتسم هي وتنظر للاسفل مرة اخري …هي سعيدة اليوم …سعيدة وهي بين ذراعيه …لم تصدق أن مشاعرها سوف تتورط بذلك الشكل معه…كيف سلب قلبها وراحتها ..وكيف سمحت هي بهذا …هذا ليس مهم …المهم الان أنها سعيدة جدا جدا…
………
انتهي الزفاف ومباركات الأهل والأصدقاء فقد ضم الحفل أعداد كبيرة منها السيدة مروة وجابر الذي أصر علي الحضور رغم رفض مرام أن تتعامل معه وذهبت ملك ابنته مع عائلة ادم بعد إصرار منهما ليتركاه براحة اول يوم مع عروسه
…………
في قصر أنس ..
ولج هو الي الغرفة بعد أن تركها تاخذ راحتها وتبدل الفستان ليتجمد ويتضاعف الشوق داخله وهو يراها بهيئة مختلفة تماما … تجلس علي الفراش وهي تفرك كفها …ترتدي روب ابيض تحته قميص لم يتبين شكله جيدا …شعرها حر يصل حتي أسفل ظهرها قريبا …بينما زينت نفسها له ووضعت احمر شفاه قاني…تنفس بعن.ف وهو يقترب منها ثم يجلس بجوارها …كان ينظر إليها بإعجاب وشوق …
مد يده ثم دفن يديه في شعرها الكثيف نظرت هي إليه ليجذبها بقوة ويضغط بشفتيه علي شفتيها ويرجعها للفراش المزين بالورود الحمراء وقد فقد سيطرته علي نفسه . .
…
بعد لحظات قليلة…
-لا. ..لا …
-الصلاة…احنا مصلناش …
ضرب علي رأسه قائلا:
-ايوة صح …خلاص روحي اتوضي وانا هتوضي في حمام الاوضة التانية …
ثم وضع قبلة علي وجنتها وغادر لتبتسم هي بحب …
…….
بعد عشر دقائق كانا قد انتهيا من الصلاة …طوي أنس سجادة الصلاة ووضعها في الخزانة ثم اقترب من مرام التي ابتلعت ريقها بتوتر…ودون أي كلمة قام بنزع إسدال الصلاة عنها واشتعلت عينيه وهو يراها بالقميص الابيض القصير …شهقت هي ووضعت ذراعيها حول جسدها ليبعده هو وينظر بتركيز الي كتفها والذي كُتب عليه بالحنة (أنس)
-اسمي…
قالها مبتسما وهو يضع كفه علي كتفها لترتعش وتقول بتوتر:
-هي الرسامة اللي عملته …
ابتسم وقبل كتفها بخفه ثم شهقت عندما حملها ووضعها علي الفراش واقترب منها لتصبح هي زوجته فعليا !