تحميل رواية «عروس رغما عنها» PDF
بقلم سوليية نصار
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الامتحان كان صعب أوي يا عادل، أنا حاسس إني هسقط. قالها أحد الأولاد والذي يبدو أنه في المدرسة الإعدادية. أخذ عادل من صديقه ورقة الامتحان والكتاب ثم ألقاها للأعلى لتسقط أرضًا وقال: يا عم فكك، المهم إننا أخدنا الإجازة. روق يا صاحبي ويلا نروح البيت ونغير عشان نلعب كورة. هز هو رأسه وسار مع صديقه، تاركًا الكتاب ملقيًا على الأرض. فجأة تقدم مراهق طويل البنية ذو عينين زرقاوين تشعان ذكاء ولهفة، يرتدي تي شيرت أسود ملطخًا بالجبس وبنطال جينز بالي. التقط الكتاب بسرعة من الأرض ثم ورقة الامتحان. ابتسم وهو ينظر...
رواية عروس رغما عنها الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سوليية نصار
رواية عروس رغما عنها كاملة بقلم سوليية نصار دليل الروايت رواية عروس رغما عنها الجزء (2) الفصل الحادي عشر 11 (كارثة!)وقف أمام الفراش وهو ينظر إليها وهي نائمة تغطي نفسها بالكامل بالغطاء بينما شعرها يغطي وجهها كليا …بدت رائعة وهي نائمة …هي فعليا رائعة بكل الاوقات …اقترب وجلس بجانبها وهو يعبث في شعرها ..رائحة جوز الهند فيه تدفعه للجنون …امسك خصلة وهو يشمها بهوس ..كيف تملكته بتلك الطريقة …ترك شعرها ثم قبلها علي وجنتها قبلة لطيفة للغاية .. رمشت مرام وهي تستيقظ من نومها …فجأة شهقت وهي تبتعد عنه وتقول:-فيه ايه ؟!انت بتعمل ايه …بتعمل ايه ؟!نظر إليها بدهشة وقال وهو ينهض :-اهدي يا حبيبتي احنا اتجوزنا امبارح …و…قاطعته ووجهها يحمر بقوة والذكريات المخجلة تندفع لعقلها…لقد تذكرت كم كان عاطفيا معها .. كيف انه اخذها لعالم آخر …عالم لم تخطوه من قبل …عالم وكأنه الجنة!!!..رغم انها لم تظهر هذا وهي معه الا انها كانت سعيدة للغاية …سعيدة وهو يحبها كم لم يحبها احدا من قبل !!!جذبت مرام الغطاء اكثر وقالت بنبرة مرتجفة:-انت….انت عايز ايه ؟!ابتسم قائلا:-مالك يا حبيبتي ..مش عايز حاجة بس اصحي عشان تفطري ادم اتصل بيا وقال انه بعد تلات ساعات هيجي …هزت مرام راسها وقالت بتوتر:-طيب معلش اطلع برا عشان اقوم …ابتسم أنس في وجهها…كان يعرف ان مرام تحتمي بقناعها الجليدي …وكان يظن انه سوف يذيبه بسهولة تامة ولكنه كان مخطئ كثيرا …فالامس رغم انها لم تبعده ..ورغم انها فقدت سيطرتها في قليل من الأحيان الا ان معظم الوقت كانت جامدة بين ذراعيه…ترتعش فقط وتغمض عينيه…ولكن الأمر ليس مهما…قد يكون خجلها الفطري هو حاجز بينهما …ستعتاد عليه قريبا يجب أن تفعل !!-انت…انت مطلعتش ليه لحد دلوقتي ؟!ابتسم وقال:-حاضر هطلع …ثم قبلها علي رأسها وخرج…ما ان خرج انس …بحثت هي بإرتباك علي قميصها الابيض حتي وجدته …ارتدته سريعا ثم اندفعت الي الحمام ……..كانت ترتجف وهي تقف تحت الدوش والمياة تندفع عليها…وضعت كفها علي شفتيها وهي تتذكر ليلتهما سويا …انها المرة الأولي التي تشعر بهذا الكم من المشاعر …ورغم انها اخفتها الا ان مشاعرها كانت حقا قوية …هي حتي مصدومة من نفسها كيف استطاعت اخفاء مشاعر قوية بتلك الطريقة ..كيف …….بعد قليل ..خرجت مرام من الحمام وهي ترتدي المئزر وشعرها الطويل مبتل …اتجهت الي الخزانة وسحبت فستان بلون البرقوق بدون اكمام ويصل الي بعد ركبتها …شكرت ربها ان الفستان يغطي اصابة كاحلها ثم سرحت شعرها ووضعت بعض العطر واحمر شفاه قاني ثم نظرت الي نفسها بدهشة فهي حقا بدت جميلة بشكل لا يُصدق ..كادت ان تمحي ما فعلته من شدة خجلها ولكنها توقفت في اخر لحظة وقررت ان تنزل للاسفل كي تأكل ……..-تمام يا نعمة شكرا تقدري تروحي دلوقتي مشوارك وانا هتصرف لما يجوا الجماعة…ابتسمت نعمة وقالت:-ربنا يخليك يا سعادة البيه…ثم امسكت حقيبتها وغادرت ..رفع أنس عينيه فجأة وتجمد وهو يراها تقف علي السلم بتوتر وهو تضغط علي شفتيها بقوة …فغر فاه قليلا بينما هي قالت بصوت ضعيف:-فيه أي حد هنا ؟! رجالة يعني بيشتغلوا ولا عادي انزل بالفستان…هو رأسه وقال مبهوتا:-لا يا حبيبتي مفيش حد غيرنا تعالي …ببطء شديد نزلت وعرجها الخفيف كان ظاهر…وما كادت ان تجلس علي المقعد المجاور لأنس حتي هتف هو:-لا متقعديش هنا !!نظرت إليه بحيرة ثم صرخت بينما يشدها ويجلسها علي ساقه ويقول:-اقعدي هنا ..-انس ..انس ايه اللي انت بتعمله ده سيبني…-لا مش هسيبك …انتِ هتفطري من ايدي !ثم بدأ بإطعامها بالإجبار…وبعد ان انتهي نظر الي ساعته وقال ؛-لسه فاضل ساعتين ونص واهلك يجوا …في الوقت ده ممكن نعمل حاجات كتير ..-زي ايه !!قالتها وهي تحاول ان تنهض لينهض هو ويحملها متجها بها الي الدرج قائلا بخبث:-هقولك في اوضتنا .-انس..لا !ولكنه قاطع اعتراضها بطريقته .………..-بابي .قالتها ملك بسعادة وهي تندفع الي احضان أنس …حملها أنس برقة وقبلها علي وجنتها وقال :-وحشتيني يا ملاكي …ثم انزلها ليسلم علي ادم وعائلته ……….بعد قليل …كان الجميع في صالة الفيلا الأنيقة يتبادلان الاحاديث …كان آدم يتكلم مع أنس الذي يحمل ملك ويضمها إليها بينما يقبلها كل فترة بحنان ابوي بينما مهرا وليلي وحسناء ينتظرون قدوم مرام …واخيرا ظهرت مرام وهي تنزل الدرج …ترتدي عباءة استقبال زرقاء وتركت شعرها الطويل حرا ..كانت تبدو في غاية الجمال …نهضت حسناء واقتربت منها وعانقتها قائلة بصوت مختنق:-وحشتيني يا مرام …البيت و.حش من غيرك !-امك بتبالغ يا مرام البيت لا وحش ولا حاجة بعد ما مشيتي اتعشينا محشي ودخلت الاوضة وانا فرحانة أنها هتكون ليا لوحدي ولبست بيجامتك الوردية اللي مبتحبيش حد يلمسها حتي…ضحكت مرام لتضر.بها والدتها علي راسها وتقول:-يا سلام يا اختي …متصدقيش كلامها يا مرام ..دي كدابة …دي قعدت طول الليل تبكي عشانك ورفضت حتي تأكل لولا اني جبت ادم اللي اكلها بالعافية…نظرت مرام الي شقيقتها بحب ثم ضمتها وهي تقول:-وانتِ كمان وحشتيني …ضمتها ليلي واغمضت عينيها …مرام غابت ساعات فقط ولكنها اشتاقت إليها بقوة …اصبح المنزل فارغ بعد ذهابها …حتي ان ادم استقل بمنزله …صحيح انه قريب جدا من منزلهما ولكنها تشتاق إليه أيضا …كم تشعر انها وحيدة الآن-يالا يا جماعة عشان تاكلوا معانا ..اعذروني طلبت لينا كلنا ديلفري …اللي بتدير البيت مش موجودة راحت تزور ابنها ومكانش فيه وقت نطبخ…ما ان قال ملاحظته الأخيرة حتي نظرت إليه مرام بغضب …كادت ليلي ان تلقي ملاحظاتها الغبية كعادتها الا ان مهرا كتمت فمها وقالت :-ولا كلمة ابوس ايديكي .…..بعد قليل ..كان الجميع يجلسون علي الطاولة يتناولون البيتزا بكل هدوء بينما يمزحان ويتكلمان عندما شهقت مرام بصوت منخفض وهي تشعر بكف أنس يرتاح علي ساقها …نظرت إليه بتوتر ليبتسم وهو يأكل…حاولت ان تبعد كفه ولكن دون جدوي …احمر وجهها بقوة وهي تنظر للاسفل ولا تأكل طعامها …-مبتاكليش ليه يا مرامي؟!قالها أني وهو ينظر إليه…نبرته كانت تتخللها الخب.ث…-مرامي لحقت كمان تدلعها .قالتها ليلي وهي تضحك ثم اكملت :-مرام مبتحبش حد يدلعها خالص …ابتسم وهو يقبض علي كفها من تحت الطاولة ويبدا بتمرير اصبعه علي باطن كفها ويقول:-بس أنا غير مش كده يا مرامي …لم ترد مرام ووجهها ازداد احمرارا …كادت ان تبكي من شدة الخجل لتضحك ليلي وتقول:-خلاص يا أبيه أنس متكسفهاش بقا …ثم نظرت إليه وقالت:-معندكش مانع لو قولتلك.يا ابيه انس صح.؟!هز أنس راسه وقال:-معنديش اي مانع .كان ادم لا ينتبه لكل تلك الحوارات..كانت عينيه علي مهرا التي تبتعد عنه بإصرار ما زالت ترفض ان تغفر له …ان تتقرب منه رغم كل محاولاته …تنهد بتعب وكاد ان يلمس كفها الذي علي الطاولة ولكنها ابعدت كفها بسرعة وهي تنظر الي مرام وليلي وتبتسم …فجأة تأوه انس بصوت منخفض عندما مدت.مرام يدها الحرة وقرصته …نظر إليها بغضب لتهمس له دون ان يلاحظ احد :-اتلمولكن ليلي رأتهما وابتسمت وهي تدرك ما يحدث تحت الطاولة …تنهدت وهي تكلم نفسها بصوت منخفض:-الكل بيحب والكل بيتجوز وانتِ يا حزينة بتذاكري وبس…لا فيه حد معبرك ولا حتي كل.ب بلدي…فجأة سكتت وهي تتذكر عينين كسواد الليل تراقبها دائما …تلك العينين اصبحت تقتحم احلامها مؤخرا !.فجأة هزت رأسها وانبت نفسها وهي تقول:-ايه اللي انتِ بتفكري فيه ده يا ليلي…ده مستحيل يحصل!!………….في المساء …-وانت قررت ايه يا علي ..انك تأخد مراتك وتسيبني ؟!قالتها والدة علي لتبتسم ميار هي وعلي وتنهض مقتربة منها وتمسك كفيها مربتة عليه ثم تقول:-هو احنا نقدر نبعد عنك يا ست الكل …علي كان حابب يخليها مفاجأة وقررنا أنا وهو أننا خلاص هنبقي هنا. مش هنسافر ولا نبعد عنك …علي هيفتح مشروع هنا ونعيش بقا وربنا يرزقنا بالحلال…نظرت والدة علي إليه وعينيها دامعة وقالت:-هي بتتكلم جد يا ولا …مش هتسيبني يعني ؟!ابتسم علي واقترب من والدته ثم قبل كفها بحب وقال:-ابدا يا ست الكل عمري ما هسيبك …خلاص قررت ابقي هنا لحد ما تزهقي مني وتطرديني !ضمته وهي تبكي وقالت:-عمري يا حبيبي ما أعمل كده …عمري ما اطر.دك ده انت روحي .ابتسم علي وهو يعانق والدته بينما وقفت ميار بعيدة وعينيها مشبعة بالدموع …لا تصدق انها كانت ستخسر شخص مثل علي …علي هو أروع رجل علي الاطلاق وكل يوم تقضيه معه تذوب في حبه اكثر …نظرت والدة علي الي ميار البعيدة وقالت :-تعالي يا بنت عشان احضنك زيه ولا أنا مشبهش ..تساقطت دموعها وابتسمت وهي تقترب منها وتضمها …ضمتها هي وابنها وكم شعرت بالراحة ان علي سيبقي معها أخيرا …هي سعيدة الآن …سعيدة لان ابنها سعيد…وقد بدأت بتقبل ميار …صحيح ما فعلته ميار مع ابنها كان قاسي للغاية ولكن السعادة التي علي وجه ابنها تستحق ان تسامح ميار لاجلها …لذلك هي غفرت لها ….……بعد قليل …نامت والدة علي وذهبا ميار وعلي الي غرفتهما …جلست ميار علي الفراش وعلي شفتيها ابتسامة سعيدة ..اقترب علي منها ووضع كفها علي رأسها ليزيح عنها الحجاب …شهقت ميار وابعدت يديه بتوتر وقالت:-لا يا علي ..بلاش عشان خاطري!-ايه هو اللي بلاش يا روح علي …انتِ مكسوفة مني يا ميار …لحد دلوقتي فاكراني مش هتقبلك كده …اطرقت ودموعها الساخنة تنساب علي وجنتها وتقول:-لسه شعري مطلعش ومش عايزك تشوفني كده يا علي …عشان خاطري بلاش …لو بتحبني بلاش ..امسك كفها وقال:-انا بحبك يا ميار…مش عشان شكلك الحلو… بحبك لأنك ميار فتاة احلامي اللي مقدرتش انساها ابدا…بحبك لأنك البنت اللي قدرت تسيطر علي قلبي ومقدرتش اخرجها رغم اني عملت المستحيل عشان اخرجك…بس لا …ده ..ثم وضع كفها علي قلبه واكمل:-ده ملكك يا ميار …ملكك.انتِ وبس …انسكبت دموعها بينما اخذ هو يمسحها بلطف ويقول:-تسمحيلي …هزت رأسها بينما يشد الحجاب …كان سعيد لانها وثقت به …فهي حتي في تقاربهما الحميمي لم تسمح له ان ينزع الحجاب …اطرقت بالاسفل بينما نظر هو الي شعرها المقصوص والذي بدا ينمو بالفعل … رفع ذقنها وقال مبتسما:-انتِ زي القمر ..وهتفضلي دايما زي القمر في عيوني…ارتمت هي بين ذراعيه وعانقته بقوة …ماذا فعلت لتنال تلك الجوهرة …حقا ماذا فعلت!!……….-افتح بوقك وكل دي عشان خاطري يا بابا ؟!قالها مروان وهو يتوسل والده الذي احتل التعب ملامحه بسبب جلسات الكيماوي …رغم أنه لم يخضع للعديد من الجلسات الا انه جسده لم يتحمل …فقد بدأ شعر يتساقط ومعدته تؤ.لمه ولا تقبل الطعام …وكان مروان يراقب والده وهو عاجز كليا عن مساعدته ..قلبه يعتص.ر من الا.لم وهو يري والده في تلك الحالة فلا يملك أن يخفف عنه قليلا….جل ما يفعله أنه يدعو في صلاته أن يكون بخير ويزول هذا المرض …ثم ينها.ر في غرفته ويبكي …يبكي من خوف خسارته كما خسر والدته …-مش قادر يا مروان …مش قادر يا ابني ..ابوس ايديك متضغطش عليا ..ابوس ايديك!احتشدت الدموع بعيني مروان وهو ينظر الي والده المتعب وقال :-طيب عشان خاطر ماما كل …أنا عارف ان ليها خاطر كبير عندك …كل يا بابا …هز وائل رأسه بتعب واكل من يده …ابتسم مروان من بين دموعه وهو يدعي الخب.ث بينما من داخله هو منهار ومحطم:-الله ده ماما طلعت اغلي مني …ده أنت اكلت علطول لما جبت سيرتها…ابتسم وائل وقال:-انتوا الاتنين اغلي من حياتي …امسك مروان كف والده وقبله ثم قال:-وانت اغلي من حياتي يا بابا …ثم نهض مروان وقال:-يالا يا بابا عشان تروح وتنام…هز والده رأسه ليمسك مروان كفه ويساعده علي النهوض ثم سار معه حتي ادخله غرفته التي بالطابق السفلي وجعله يتسطح علي الفراش ..اعطاه ادويته وغطاه بغطاء خفيف ثم قبل رأسه وقال :-انا هقعد جمبك هنا لحد ما تنام…ابتسم وائل وهز رأسه ليسحب مروان مقعد ويجلس بجوار والده .. اغمض وائل عينيه ونام من التعب …حينها اطلق مروان العنان لدموعه …ترك نفسه ينها.ر كما يريد …حالة والده تسو.ء يوما بعد يوم والعلاج لا يساعد …احيانا يؤ.لمه ضميره انه يعذب والده بتلك الطريقة ولا لا يمكنه أن يري والده علي وشك فقد حياته ولا يتصرف …فكر كثيرا في ان يعالجه بالخارج وبالفعل حاول التواصل مع طبيب شهير بالخارج وهو في انتظار الرد ….هو يحاول بيأس ان يتمسك بوالده كي لا يذهب …كي لا يبقي وحيدا مرة أخري…فكرة ان والده قد يمو.ت تق.تله …والمشكلة ان تلك الفكرة لا تبرح عن رأسه احيانا يفكر في والده وماذا سيحدث له لو مات ويسترسل في التخيل ليهز رأسه بعد ذلك ويستعيذ من الش.يطان ثم يبكي مجددا….تنهد مروان وهو. يمسح دموعه …نهض قليلا وقبل رأس والده ثم ذهب الي غرفته المجاورة لوالده …لقد هجر غرفته القديمة وآتي الي الغرفة المجاورة ليكون قريب منه …ولج الي غرفته ثم الي الحمام ليأخذ دوشا سريعا …وتحت صنبور المياه كانت دموعه تتسابق مع اندفاع الماء من الصنبور …لقد هرم …هرم بشكل غريب …لقد ما.ت ذلك العابث داخله وبقت فقط نسخة مشوهة …نسخة متعبة ومنهكة …نسخة طاعنة في السن!!…يشعر ان عمره اصبح مائة عام!!!…انتهي أخيرا ثم ارتدي ملابسه وتوضأ ليصلي ركعتين لله ويدعوه ان يشفي والده …….بعد ان انتهي من الصلاة جلس وهو يرفع يديه ويدعو بينما دموعه تتساقط:-يارب أنا عارف اني وحش…عارف عملت حاجات كتير انا مش فخور بيها …وعارف اني استاهل أي عقا.ب …بس مش هستحمل ان ابويا يروح مني …مش هستحمل ان ابقي لوحدي …أنا محتاجه يارب …يارب اشفي عنه ..اشفي عنه…يارب خد من عمري واديله…وامو.ت أنا يارب مش مشكلة المهم هو يعيش …المهم هو يعيش ..أنا مستاهلش اعيش ..بس هو يستاهل.……….شهقت عندما لف ذراعيه حول خصرها …-خضتني يا سامر !قالتها وهي لاهثة بينما قلبها يخفق بعن.ف …وضع قبلة خفيفة علي رقبتها وقال:-بتعملي ايه …يالا عشان ننام!ابتسمت له وقالت :-حابة اعمل كيكة بالشوكولاتة فجأة حسيت اني نفسي فيها …-نعملها سوا ايه رايك ؟!سألها وهو يداعبها بشفتيه لتضحك وتقول:-انت بتعرف تعمل الكيك ..-لا بس أنتِ هتعلميني …صح ولا هي …-اوك بس هاخد اجر .قالتها مازحة ليدفن رأسه في عنقها ويقول:-انت تؤمر يا باشا …ارتعشت هي وابعدته ما أن أحست أنه يتمادي وقالت:-بطل شقاوة يالا وركز عشان تتعلم….رفع كفه علي هيئة تحية وقال:-اوامرك يا باشا ..أوامرك ..ها نبدأ ازاي ؟!ابتسمت وقالت :-اكتب عندك يا سيدي…ثم بدأت تعطيه التعليمات ……..بعد مدة ليست بقصيرة …اخرجت كارما الكيك والذي بدا شهي للغاية …وضعته كارما علي طاولة المطبخ ليهدأ قليلا وبعد فترة احضرت صوص الشوكولاته وبدأت بوضعه بطريقة محترفة …-واهو كيك الشوكولاتة جهز هنسيبه شوية في التلاجة وبعدين ناكله …قالتها كارما وهي تتجه الي الثلاجة ..هز سامر رأسه وجلس علي الطاولة وهو ينتظرها …جلست هي بجواره وعلي شفتيها ابتسامة رائعة وقالت:-تعرف أنا بعشق كيك الشوكولاته جدا …وما وانا صغيرة كان فيه مخبز صغير قدام مدرستي كنت لأيام بحوش مصروفي واشتري من المخبز الكيكة بالشوكولاتة اللي انا بحبها …للأسف بعد ما بابا طلق ماما واختفي حالتنا المادية ساءت وامي تعبت اووي عشان تكبرني …فكان الحاجة الحلوة في حياتي الوقت اللي كيكة الشوكولاتة يتدوب فيها في بوقي …ابتسم سامر بتأثر وشد كفها وقبله قائلا:-اوعدك يا كارما اني هسعدك وانسيكي الخذلان اللي اتعرضتيله من باباكي ومني…دايما هكون عند حسن ظنك…شدت علي كفه وتكونت طبقة شفافة من الدموع في عينيها ولكنها ما زالت محافظى علي ابتسامتها الرائعة وقالت:-انا متأكدة من كده يا سامر …متأكدة أنك هتعوضني عن كل اللي حصلي …مد يديه ومسح دموعها التي تحررت من عينيها وقال:-ايه يا ست حلويات مش ناوية تأكليني الكيكة بتاعتك ولا ايه …شكلك عايزة تنوميني وتأكليها…انفجرت هي بالضحك لتنفجر دموعها معها وتقول:-ودي تيجي برضه …لا يوم يا سيدي نقطعها …ثم اخرجتها من الثلاجة ووضعتها علي الطاولة وقالت:-جيب طبقين وشوكتين وسكينة ..-امرك يا فندم ..قالها بمزاح وهو يحضر الاشياء التي طلبتها …قطعت كارما الكيك ووضعت له قطعة ولها قطعة أيضا ..ثم اعدت الشاي وجلسا يتكلمان سويا …وكانت تلك اللحظة هي اجمل لحظة في حياة كارما …لحظة ان تلمس الحنان الذي افتقدته طوال حياتها …الحنان الابوي!!!…..انتهيا بعد فترة لتأخذ الأطباق وتغسلها بسرعة فجأة شهقت وسامر يحملها ويقول:-يالا ننام بقا …ابتسمت بحب وهي تحاوط رقبته بيدها بينما يسير بها الي غرفتهما …اقترب اكثر منها وكاد يقبلها الا ان رنين الجرس جعلهما ينتفضان … انزل سامر كارما فنظرت إليه بحيرة :-انت مستني حد؟!هز رأسه بالنفي وقال:-هكون مستني مين يعني ؟!ومين اصلا اللي هيجي في وقت زي ده !!اتجه سامر الي الباب ونظر من العين السحرية لتتسع عينه بصدمة ويفتح الباب بسرعة وهو يقول:-حماتي!!!فجأة اطلقت كارما صرخة فزعة وهي تنظر الي وجه والدتها المكدوم بشدة بينما تحمل حقيبة كبيرة وهي تبكي بعنف …-ماما …قالتها كارما وهي تتجه الي والدتها التي ارتمت بين ذراعيها بينما تشهق بعنف …كانت كارما مصدومة … متألمة وقد احرقت الدموع عينيها ..ابعدت والدتها وقالت بصوت غاضب:-مين اللي عمل كده يا ماما …قولي انطقي !-سامح …سامح جوزي ..طلقني وضر.بني وطر.دني !!………في اليوم التالي ….انتهت مهرا من حمامها وارتدت المئزر ..قررت ان تسرع قليلا فليلي تنتظرها … ابتسمت مهرا عندما تذكرت أن رمضان اقترب وتبقي يومين فقط وهي يجب أن تتجهز…صحيح نشأتها لم تكن دينية بحق رغم ان والدتها تصلي وجدها أيضا ولكن في هذا الشهر هي تشعر براحة كبيرة للغاية …كانت دوما تكون مختلفة في الشهر الكريم …تحتشم في ثيابها وتصوم…حتي انها احيانا تصلي ..ولكن الآن قررت ان تلتزم كليا …فهي سوف ترتدي الخمار…عندما عرضت عليها ليلي الفكرة احبتها كثيرا …ليلي التي قررت أخيرا ان ترتدي الخمار ..وقررت ان تبدأ صفحة جديدة مع الله ومهرا ستفعل مثلها…كانت مهرا متحمسة جدا لتري وجه ادم عندما يراها بالخمار …ادم …فكرت وهي تتنهد به …لقد عا.قبته كثيرا وهو تحمل …عاملته ببرود أيضا ولم يشتكي يا تحملها وتفهم انها مجروحة …ولكن يكفي …هي لن تعا.قب زوجها بعد الآن …سوف يتصالحان اليوم …سوف تخبره كم تحبه وكم تريده ان يكون في حياتها للأبد…سوف تطلب منه الا يجر.حها مجددا وسوف تتعهد إليه الا تغضبه منها …الليلة سوف تضع النقاط علي الحروف …وضعت المنشفة الحامل الحديدي بالحمام ثم فتحت الباب وخرجت………-اه!!صرخت مهرا بصدمة عندما حاوط احدهما خصرها ودفن وجهه في رقبتها …تنفست بإنفعال وهي تعرفه…بالطبع هذا ادم ..كادت ان تستلم ولكن لا ..هي سوف تعطيه السماح في المساء !!نفخت بضيق وهي تحاول ان تبعده ولكن دون فائدة فهو يمسكها بقوة ويتنعم برائحة الورد التي تفوح منها …-ادم سيبني خلاص …-مش هقدرغمغم وهو يبدا بتقبيلها لتغمض هي عينيها وقد سيطرت عليها مشاعرها ولكن فجأة ابعدته وقالت:-خلاص يا ادم بقا…نظرت إليه لتجده يلهث… عينيه مشبعة بالمشاعر العنيفة …ارتجفت مهرا وقالت:-انت ليه مروحتش شغلك ؟!-النهاردة يوم إجازتي نسيتي ولا ايه …ولسه هروح الورشة شوية …اقترب منها لتبتعد هي فيمسكها من ذراعها ويجذبها اليه ويقول بصوت عاطفي:-وحشتيني .ارتبكت ولكنها قالت بعناد:-متشوفش وحش يا اخويا وسيب ايدي لو سمحت..ضحكة قصيرة البنت منه وقال:-انا مفروض مسبكيش مع ليلي تاني .. كلامك بوظ الدنيا خالص.
عانق ادم وجهها ثم وضع جبينه على جبينها وقال:
- أنا موحشتكيش.
حاربت ضعفها وقالت:
- لا موحشتنيش. توحشني إزاي وأنا كل شوية افتكر كلامك إن جوازك مني غلطة وإني أطلع من حياتك!
تنهد ادم وقال:
- انتِ قلبك أسود.
أغمضت عينيها وقد انسابت دمعة منهما وقالت:
- عمري ما كان قلبي أسود يا ادم. أنا قلبي حبك. أنا محبتش غيرك. عرفت كده من البداية وكنت بعمل المستحيل عشان أسعدك. صحيح بغلط بس انت كلامك صعب قوي. آخر كلمة قولتها قتلتني يا ادم. أنا تعبانة مش هقدر أتحمل كل شوية إنك تطردني من حياتك في كل خناقة ما بينا. أنا عندي كرامة برضو.
- آخر مرة. قالها بتوسل. ثم ابتعد ومسح دموعها وقال:
- آخر مرة يا حبيبتي هقولها. صدقيني مش هجرحك تاني. جربي طيب.
- كل أما أديك فرصة بتجرحني يا ادم. أنا عارفة إنك بتحبني وعارفة إن الكلام ده بيتقال في لحظة غضب بس قلبي يا ادم مبقاش يتحمل الإهانة دي. أنا عندي مشاعر برضو وكرامة.
- كرامتك فوق راسي. قالها ثم هبط بشفتيه يقبلها.
حاولت أن تبعد وجهها قائلة:
- سيبني يا ادم. ليلي مستنياني لازم أروح نتكلم بعدين.
ولكنه لم يتركها بل حملها بين ذراعيه وسط اعتراضاتها الضعيفة ثم وضعها على الفراش وهو يخرسها بشفتيه.
كم مر من الوقت. دقيقة. دقيقتين. لا تعرف بالضبط ولكن فجأة اخترق رنين الهاتف أذنيها لتبعد ادم وهي تلهث وتقول:
- نسيت ليلي. يخربيتك.
ثم ركضت ناحية الخزانة وهي تخرج ملابسها. … - إيه سرطان؟
قالتها حياة وهي تضع كفها على فمها بينما تحشدت الدموع في عينيها.
عندما أخبرها الطبيب النفسي أن مروان توقف عن المجيء واختفى فجأة قلقت عليه. وعلى الرغم من غضبها الشديد منه إلا أنها أتت لتصيبها الصدمة ومروان يخبرها بالحقيقة القاسية أن والده مريض.
ارتعش قلبها داخل صدرها وقالت:
- مروان. انت متأكد و…
ولكنه قاطعها وهو يمسح الدموع التي تحررت من سجن عينيه وقال:
- متأكد. حتى إننا بدأنا في العلاج يا حياة. بس للأسف بابا مش بيتحسن وأنا هموت عليه. أنا حاسس إن الموت بالنسبالي راحة.
انسابت الدموع من عينيها ووضعت كفها على فمها وهي لا تصدق. بينما رأت مروان ينهار أمامها. كانت لا تعرف ماذا تفعل وكيف تساعده.
- مروان. طيب مفكرتش تسافر بيه بره. متفقدش الأمل يمكن يخف. قالتها وهي تمسح دموعها. هي تعرف جيدا مرارة فقد الأهل. هي تشعر بمروان. لطالما أحست حياة أن مروان يشبهها في كل شيء. هما يشتركان في نفس الحرمان. الحرمان من العائلة.
تنهد مروان ورد:
- مين قالك مفكرتش في كده يا حياة. كلمت الدكتور المعالج بتاعه وقال إن مفيش داعي. حتى إني اتواصلت مع دكتور مشهور بس للأسف لسه مردش عليا. أنا حاسس إني عاجز يا حياة. شايف أبويا بيموت ومش قادر أعمل أي حاجة. حاسس إني ضعيف. ضعيف قوي.
ثم نظر إلى الأسفل وهو ينشج بقوة بينما دموعه تتساقط وقلبه يعتصر من الألم.
لم تكن حياة تعرف ماذا تفعل وكيف ستخفف عنه. فمروان بدا في تلك اللحظة محطماً كما لم تراه من قبل.
اقتربت حياة وشدت على كتفه وقالت وهي تشجعه:
- أوعى تستسلم يا مروان سامع. متخافش باباك هيكون بخير بإذن الله أنا حاسة بكده. بس المهم انت متفقدش الأمل لو سمحت. أوعي تفقد الأمل.
تنهد مروان وهو يمسح دموعه وقال:
- يارب. يارب يخف يا حياة. لاني مش حمل خسارة تاني. لو خسرته حياتي هتتدمر نهائي.
- إن شاء الله مش هتخسره. قالتها بأمل ثم نهضت وهي تقول بلطف:
- عايز حاجة يا مروان. أنا لازم أمشي دلوقتي.
- لا يا حياة روحي وشكرا على وقفتك معايا.
هزت رأسها وذهبت وهي تسيطر على دموعها بشق الأنفس. … خرجت من فيلا مروان وهي تبكي. كانت لا تستطيع السيطرة على نفسها. بكاء مروان على والده اليوم ذكرها بانهيارها يوم وفاة والديها. العائلة هي أهم شيء ومروان على وشك فقد عائلته.
توقفت وهي تمسح دموعها وتسيطر على شهقاتها ثم أخرجت نظاراتها من حقيبتها وارتدتها ثم اتجهت إلى سيارتها واستقلتها وغادرت دون أن تنتبه لأحمد الذي ذهب خلفها بسيارته. … بعد نص ساعة. توقفت حياة أمام المقبرة ثم نزلت منها.
انتفض قلب احمد في صدره وفكر أنها ربما سوف تحاول الانتحار هنا كما فعلت من قبل. خاصة أنه رآها منفعلة.
- لا لا. مش هسمحلك تعملي كده.
ثم خرج من سيارته وولج للمقبرة ليجدها أمام قبر والديها وهي تبكي بعنف. كانت تبكي كما لم تبكي من قبل.
- حياة. قالها مصدوماً لتشهق وهي تنهض.
نظرت بصدمة إلى احمد الذي أمامها.
تغلبت على صدمتها وزعقت به:
- انت عايز ايه مني تاني. ليه جاي ورايا؟
- حياة أنا…
صرخت بعنف ودموعها تنفجر من عينيها:
- اخرس. بطل تنطق اسمي. خلاص مش عايزاك في حياتي. أنا حتى شقتي اللي رجعتهالي مش عايزاها. مش عايزة حاجة تذكرني بيك. ابعد يا احمد. ابعد وارحمني.
هز رأسه بإصرار وقال:
- لا مش هسيبك. احنا هنتجوز النهاردة يا حياة.
وقبل أن تسخر منه أخرج من جيبه منديل وشدها وهو يضعها على أنفها لتفقد هي الوعي. … في المساء. في شقة احمد.
كانت تجلس حياة في الغرفة بعد أن اختطفها ذلك المجنون وأعطاه فستان زفاف لترتديه.
فجأة ارتجفت عندما دخل احمد الغرفة.
- البسي فستانك يا عروسة. المأذون زمانه جاي. قالها وابتسامة جميلة تزين شفتيه.
رفعت حياة وجهها الأحمر من شدة الغضب وصرخت به:
- انت أكيد مجنون. أكيد مجنون يا أحمد. طلعني من هنا فورا. ده اسمه اختطاف. أنا ممكن أوديك في ستين داهية.
اقترب منها وجذبها إليه ثم رفعها ليواجه وجهها وجهه وقال بينما يمرر إصبعه على وجهها:
- اختطاف إيه بس يا حبيبتي. فيه حد بيخطف مراته. بعد شوية هيجي المأذون ونكتب الكتاب وتبقي مراتي رسمي.
رفعته وصرخت:
- على جثتي. على جثتي أوافق. انت مجنون.
- مجنون بيكي. يالا يا حبيبتي البسي. المأذون زمانه جاي.
- مش هلبس. مش هلبس ومش هتجوزك. صرخت وهي تضربه على صدره.
أمسك كفيها وقال:
- لأما تلبسي الفستان لوحدك زي الشاطرة. لأما أنا البسهولك. أنا هتجوزك هتجوزك. برضاكي أو غصباً عنك. مفهوم يا روحي.
- لا مش مفهوم. مش مفهوم. أنا مش هتجوزك. مش هتجوزك. صرخت بها بغضب ليقترب هو منها ويقول:
- خلاص البسهولك أنا.
ثم شدها ويده تمتد لجرار فستانها الأحمر البسيط.
ارتعشت حياة بين ذراعيه وتجمدت وهي لا تستطيع أن تقاومه حتى.
رفعت عينيها إليه وانسكبت الدموع من عينيها وقالت:
- ليه مش عايز تطلع برا حياتي. ليه مش بتسمح ليا أنساك يا احمد.
تنفس بعنف وقال:
- لأني مش قادر يا حياة. مش قادر ابعد عنك. أنا بموت كل يوم وأنا شايفك بعيدة قوي. بموت من القهر كل أما افتكر إنك كنتي بين إيديا وضيعتك. حياة أنا بحبك. بحبك أكتر من أي حاجة. سامحيني يا حياة واديني فرصة. أي فرصة تثبت إني بحبك.
أغمضت عينيها وهي تهز رأسها.
- حياة. قالها بتوسل وألم.
لتبتعد وهي تمسح دموعها ثم تنظر إليه وتقول:
- مش قادرة يا احمد. مش قادرة بجد. نفسي أسامح بس مش قادرة. بس ده لو هيواسيك شوية فأنا لسه بحبك. بس مش هقدر أسامحك. مش هقدر. خرجني من هنا لو سمحت.
هز رأسه وهو يخرج من الغرفة وهي تتبعه.
فتح الباب وقال:
- اتفضلي يا حياة. امشي. امشي وابعدي عني لو ده هيريحك.
مسحت دموعها وهي تتجه نحو باب المنزل لتخرج ولكن فجأة احمد عانقها من الخلف.
ضمها بذراعيه إليه وهو يضع ذراعه على كتفها ويدفن نفسه في رقبتها بينما يقول بصوت مختنق:
- أنا مقدرش أحبسك يا حياة. بس أقدر اترجاكي إنك متج.
متمشيش. متمشيش يا حياة. متسبنيش. خليكي معايا لأن من غيرك أموت.
تجمدت وهي تشعر بدمعة ساخنة تقع على كتفها. احتشدت الدموع في عينيها وقالت:
- انت قتلتني. انت خلتني أخاف وأفقد الثقة فيك. عمرك ما هتحس بناري يا احمد. عمرك ما هتحس بفرحة عروسة اتسرقت يوم كتب كتابها. عمرك ما هتحس بصدمتي وأنا مستنياك. عمرك ما هتحس بصدمتي وانت بتقولي إنك قربت مني عشان فلوسي. أنت مش جرحتني وبس. انت قتلتني يا احمد. قتلتني وأنا معملتش حاجة إلا إني حبيتك. حبيتك وكنت مستعدة أديك حياتي مش فلوسي بس.
- أنا آسف. آسف والله. قالها بصوت مختنق ودموعها تنساب بغزارة.
ثم أدارها إليه وهو يعانق وجهها ويقول:
- عاقبيني زي ما تحبي يا حياة بس بلاش تنفيني من حياتك بالشكل ده. صدقيني انتِ كده بتحكمي عليا بالإعدام. أنا مقدرش أعيش من غيرك. والله ما أقدر.
أغمضت عينيها وهي تبكي لتهبط شفتيه وهو يقبل عينيها بينما يبكي هو الآخر. انهيارها بين يديه جعله ينهار هو أيضاً.
أغمضت عينيها وهو ينشر قبلاته على وجهها وقالت وهي تتنهد:
- موافقة أديك فرصة. بس بلاش نتجوز علطول. عايزة أتعالج الأول. … اتسعت عيناه بشدة وهو يراها بالخمار الأزرق. نبض قلبه بعنف واقترب منها وعينيه الزرقاء تلمع بإعجاب.
نظرت مهرا للأرض وارتبكت بينما وضعت ليلي ذراعيها على كتف مهرا وقالت بمرح:
- إيه رأيك يا ابيه. جيبتلها تشكيلة خمارات إنما إيه قمر. وكل كان لايق عليها اللهم بارك.
ابتسم ادم وقال بصوت مختنق بفعل العاطفة:
- جميل. جميل قوي.
ثم اقترب منها وهو يرفع ذقنها ويبتسم.
صفقت ليلي وقالت:
- هاي يا ابيه أنا هنا. احترمني شوية.
ابتعد ادم عن مهرا ونظر إليها بضيق قائلا:
- عايزة إيه يا بنت انتِ.
رفعت رأسها وقالت وهي تمط شفتيها للأمام بضيق لأن شقيقها لم يمدحها أيضاً وشعرت بقليل من الغيرة:
- معلقتش يعني على الخمار بتاعي يا ابيه. خلاص دلوقتي بقت كل حياتك مهرا وأنا مش مهم. على العموم أنا ماشية شكلي تقيلة على قلبكم.
ضحكت رمضان جانا وفرحنا به
بعد غيابه وبقاله زمان
غنوا وقولوا شهر بطوله
غنوا وقولوا
أهلاً رمضان
غنوا وقولوا
أهلاً رمضان جانا كانت الأغنية تنطلق من المسجل الحديث بالصالة في فيلا أنس.
بينما أنس مشغول في وضع زينة رمضان في أنحاء الصالة. "بابي بابي امتي هتحط الفانوس؟"
قالتها ملك وهي متحمسة وتقفز على ساقيها. ضحكت مرام وهي تمسك الفانوس الكبير.
ضحك أيضاً أنس وقال:
"حاضر يا قردة بس استني شوية اخلص الزينة وبعدين نعلق الفانوس." "والرز باللبن؟ هناكل رز باللبن كل سنة صح؟"
أخذت تردد بحماس. ردت مرام في تلك اللحظة وقالت:
"دادة نعمة هتعملك الرز باللبن بالليل عشان تحلي بيه بعد السحور يا لوكا متقلقيش." ابتسمت ملك بسعادة وهي تنظر لوالدها بينما ينتهي من إعداد الزينة.
ثم وضع السلم في المنتصف وقال:
"مرامي هاتي الفانوس."
هزت رأسها وأعطته الفانوس ليعلقه. أخيراً انتهى لينظر إليه بفخر وينزل ويقف بجوار عائلته الصغيرة.
حاوط كتف مرام وقال:
"إيه رايك في جوزك؟"
نظرت إلى أنس بخجل وأعطته ابتسامة صغيرة وقالت:
"حلو شكله يجنن." قبلها على وجنتها بسرعة.
لتضربه وهي تقول بتوتر:
"لوكا قاعدة احترم نفسك." "انتي ليه بتعامليني كأني خطيبك مش جوزك؟ فكيها بقا يا مرام." رفعت حاجبيها وقالت:
"أفكها إزاي يعني؟" غمز لها وقال:
"هقولك في أوضتنا." احمر وجهها وقالت بإنفعال:
"انت مش محترم. أنا مش عارفة إزاي انت صاحب شركة كبيرة وبتتصرف بالشكل ده. لا بجد مش انت أستاذ أنس اللي كنت بحترمه. كان ليك هيبة وكنت بخاف منك." ابتسم بتسلية وقال وهو يجذبها من خصرها وقال وهو يغمز لها:
"أنس المدير مختلف عن أنس العاشق. المرح والتساهل ده مش بيشوفه إلا المقربين مني. زيك بالظبط." "بابي."
قالتها ملك وهي تخرجه من شروده.
لينظر إليها فتقول هي بضيق مصطنع:
"بقالكم كتير بتتكلموا شكلكم نسيتوني." حملها أنس وقال وهو يضحك:
"بتغيري يا لوكا."
ضحكت بينما هو يدغدغها برقة.
وقالت:
"بابي خلاص كفاية."
كفاية. توقف وأنزلها.
فقالت هي:
"يالا نتصور أنا وانت ومامي مرام." اتسعت عيني مرام وخفق قلبها تأثراً.
فارتبكت ملك وقالت:
"هو أنا ينفع أقولها مامي؟ مش هتزعل صح؟"
سألت والدها بعينين متسعتين. أنس وكاد أن يرد إلا أن مرام قاطعته واقتربت وهي تضم ملك بقوة:
"طبعاً عادي يا حبيبة قلبي. ليا الشرف تناديني كده. أنا بحبك اووي يا لوكا."
ثم ابتعدت مرام عنها وقبلتها على وجنتها.
رغم معرفتها القصيرة بتلك الفتاة إلا أنها حقاً سلبت قلبها.
هي حقاً أحبتها. "طيب وبابا ملوش من الطبيب نصيب؟"
قالها أنس بغضب طفولي.
لتنهض ملك وتجذبه ثم تقبله على وجنته قائلة:
"ينفع أنا أبوسك؟" "ينفع يا لوكا." "تمام يالا بقا نتصور." هز أنس رأسه ثم حمل ملك وجذب مرام إليه.
احمرت مرام وهي تشعر بنفسها قريبة منه لتلك الدرجة. "لوكا اوعي تطلع الصور وحشة." "يا بابي ما أنا كل سنة اللي بصورك وبتطلع حلو اثبت بقا عشان نتصور." أخذا صوراً لهم.
وكم بدت جميلة ومكتملة. دخل فجأة رجل الأمن وقال:
"أنس بيه مدام نيرمين هنا موجودة وهي وضابط." خفق قلب أنس برعب.
بينما ولجت نيرمين بالفعل.
والذي تكلم هو الضابط وقال:
"أنس بيه فيه أمر من المحكمة أننا ناخد بنت أخو حضرتك. ملك أنور الصاوي. وده لأن حضرتك أخلّيت بالعقد."
رواية عروس رغما عنها الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سوليية نصار
حاسس أنك فرحانة ومرتاحة…
قالها الطبيب النفسي بإرتياح وهو ينظر إلى حياة التي لمعت الحياة بعينيها. لم تكن تبتسم بالمعنى الحرفي، ولكنه وجهها بدا وكأن عادت له الحياة. ليس تلك هي حياة التي كانت يائسة دوماً، تحارب لكي تنهض ولكن كثيراً ما تنزلق وتسقط. وقد شك الطبيب أن السعادة التي تظهر على وجهها سببها أحمد.
ابتسمت حياة، فأنار وجهها أكثر، ثم أطرقت وهي تفرك كفها. قلبها ينبض بسرعة وتشعر أنها ركضت لمسافات طويلة. لقد أعطته فرصة. أعطته عندما عرفت أن لا يمكنها أبداً أن تعيش دونه. فعلت هذا لأنها تحبه ولن تحب غيره. قررت أن تثق به مجدداً، ولكنها ما زالت خائفة. فالمرة الأولى التي جرحها بها انهارت، وهي لا تريد أن تُجرح مرة أخرى. ولكن كيف تقاوم عواطفه التي تحاصرها!!
طيب يا ستي، ممكن تقولي أي سبب السعادة الغريبة دي النهاردة؟
قالها الطبيب وهو يدرك السبب، ولكن أرادها أن تتكلم هي. ضحكة سعيدة أفلتت من فمها وقالت:
أحمد.
ضحك الطبيب وقال:
كنت عارف إن هو… يعني اللي مقدرتش أعمله أنا الجلسات اللي فاتت دي، هو قدر يعمله ببساطة كده!
هزت حياة رأسها وقالت:
لا لا… طبعاً يا دكتور غلط. حضرتك الله يباركلك ساعدتني كتير أوي. بعد ربنا، انت اللي انتشلتني من الدمار اللي كنت فيه. أنا مش عارفة أشكرك بجد إزاي.
ده شغلي يا حياة. شغلي إني أشوفك كويسة.
ابتسمت حياة ليكمل هو:
كملي يا ستي، قولي إيه اللي حصل…
اديتله فرصة.
جميل أوي.
قالها الطبيب لتكمل هي بتوتر:
أنا لسه خايفة يا دكتور ومش حاسة بالأمان. أنا اديتله ثقتي بس لسه خايفة يغدر بيا. أول مرة سابني واتخلي عني، انهارت تماماً. حسيت إن الحياة كلها اتقفلت في وشي. حسيت إني وحيدة أوي. كنت حاسة إن فعلاً هتجنن. ولما ظهر وقالي إنه اتقرب مني عشان الفلوس…
صمتت وقد تعكر صفو سعادتها واحتشدت الدموع في عينيها وأكملت:
حسيت إني رخيصة أوي وآني مستاهلش الحب، وإن الحاجة اللي عاملالي قيمة هي فلوسي وبس. ووقتها قررت إني أنساه. قررت إني أبعد، وبالفعل عملت كده. بس هو قرر إنه يلاحقني. كان رافض تماماً إنه يسيبني يا دكتور. وأنا مقدرتش أقوم حبه. مقدرتش ورجعت. أنا غلطانة.
ابتسم الطبيب وهز رأسه نافياً وقال:
مظنش.
***
كان يقف أمام سيارتها ينتظرها حتى تخرج من عيادة الطبيب النفسي. يحمل باقة أزهار رائعة باللون الأحمر. قرر اليوم أن يسعدها قليلاً ثم يذهبا إلى والدته. أغمض عينيه بسعادة وهو يتذكر أنها أخيراً وافقت عليه. أخيراً أراحت قلبه، وتقبلته في حياتها. خفق قلبه وهو يراها تخرج من العيادة. ابتسم لها وهو يشير إليها، ليتجهم وجهها وتقترب منه وتقول:
برضه جيت. أنا مش نبهت عليك يا أحمد متجيش عند الدكتور. أنا حابة أروح لوحدي وأجي لوحدي.
ابتسم وهو يمسك كفها ويقبلها:
حبيبتي، أنا بس جيت ووقفت قدام العيادة مدخلتش. بعدين إيه اللي مزعلك يعني؟ ده جزاتي إني جيت وجايبلك ورد ومحضرلك مفاجأة حلوة.
نظرت إليه وهي تشعر بالذنب قليلاً، فهو يفعل المستحيل لإسعادها، ولكنها تتعامل معه بجمود. ولكنها تعترف أن ما زال هناك توتر في علاقتهما، فهي لن تعطيه الأمان بكل بساطة. أعطته ابتسامة رائعة كمكافأة أخيراً.
ابتسم وهو يقول:
أخيراً… أخيراً يا ست ابتسمتي في وشي.
ضحكت هي وعينيها تلمع، كلمعة العشق التي كان يراها في عينيها. ازدادت ابتسامته وقال:
أهو أنا دلوقتي حاسس إني قدرت أرجع حبيبتي لحياتي تاني. يالا يا ست البنات عشان عاملك خروجة النهاردة هتعجبك أوي، وبعدين نروح لماما عايزة تشوفك.
هنروح فين؟
قالتها بتساؤل ليرد ببساطة:
الملاهي.
***
لا لا مش عايزة… مش عايزة أسيبك يا بابي… متسبنيش.
قالتها ملك وهي تبكي وتشهق. كانت في غرفتها، بينما أنس بنفسه جهز حقيبتها لكي تذهب مع نيرمين. كانت مرام تقف بعيداً والدموع محتشدة في عينيها، لا تعرف ماذا تفعل. فجأة خرجت من غرفة ملك وأسرعت إلى غرفتها وأغلقت الباب.
بعد أن أغلقت الباب، انفجرت الدموع من عينيها وبقت تبكي وتبكي كما لم تبكي من قبل. قلبها كان يعتصر من الألم. الشعور بالذنب يحرّقها. تشعر أنها هي السبب. هي لن تسامح نفسها أبداً، فلو لم يحبها أنس لم يكن ليخسر ابنته. جلست على الأرض وهي تبكي بصوت مرتفع. لم يهمها أن سمعها أحد أم لا.
***
يا بابي هتخليها تأخدني.
قالتها ملك بصوت منكسر ليتجمد أنس في مكانه ويتذكر وعده لشقيقه.
فلاش باك…
انت هتقوم… هتقوم يا أنور وتربي بنتك.
قالها أنس وعينيه مشبعة بالدموع، ولكنه لم يحررها، لم يسمح لضعفه بالظهور. شفقة بحال شقيقه، فهو لا يريده أن يجزع. كان أنور في حالة سيئة بسبب الحادث.
أمسك هو كفه وقال:
أنا عارف إني هموت يا انس، مفيش فايدة ومش خايف من الموت. أنا خايف عشان بنتي. بنتي ملك يا انس… لازم انت اللي تربيها. متديهاش لجدتها. دي وصيتي الأخيرة. نيرمين أفعى… أنا مستأمنهاش على بنتي. أنا بعدت عنها نوارة بنتها لأنها آذتها كتير. الست دي آذت بنتها، فمش متخيل ممكن تعمل إيه في بنتي.
آذت نوارة إزاي؟
سأل أنس وهو يرتجف. كان خائف من الإجابة. ترى ماذا فعلت نيرمين وآذت ابنتها؟ والجواب من فم أنور كان حقاً صادم. الجواب الذي جعله يبذل كل جهده كي يحافظ على ملك. وهو لن يتنازل عنها أبداً!!
باك…
نظر أنس إلى ملك التي تبكي وجلس أمامها وهو يعانق وجهها ويمسح الدموع عن عينيها وقال:
ملك، انتِ بنت الصاوي. أنا مستحيل أتخلى عنك. انتِ بتثقي في بابا ولا لأ؟
هزت ملك رأسها ليبتسم هو ويقول:
هرجعك تاني… ده وعدي ليكي يا ملك. مش هتخلى عنك أبداً. والمرة دي هرجعك للأبد. بس مستعدة تعملي اللي أقولك عليه؟
هزت رأسها مرة أخرى ليبتسم هو ويقبل رأسها، ثم يخبرها ما يجب أن تفعله فعلاً!!!!
***
في الأسفل كانت نيرمين تشرب سيجارتها وهي مستمتعة للغاية. لقد استطاعت أن تقضي على أنس. استطاعت أن تحطمه. وكم أسعدها هذا. أنس لم يجب عليه أبداً أن يتحدّاها. هو من يبكي الآن وهي من انتصرت. والمسألة مسألة وقت وسوف يتوسل إليها ليتزوج ابنتها!!
لمعت عينيها أكثر وهي تجد أنس يمسك كف ملك التي تمسح الدموع من عينيها. اتسعت ابتسامة نيرمين وهي تقترب من ملك وتقبلها على خدها قائلة بخبث:
متقلقيش يا روحي… هتنبسطي أوي معانا. لازم برضه تخلي بابا ومراته الجديدة لوحدهم. عشان لما يخلفوا بكرة مش هيكونوا فاضيين ليكي.
كان أنس صامتاً رغم داخله يريد أن يقتلها. ولكن الصبر… سوف يحرقهم جميعاً!! في قانونه مكتوب أن إذا أردت أن تربح الحرب وتقضي على عدوك، تحول إلى وحش واقتل جميع مشاعرك الإنسانية. وهذا ما سيفعله. لقد ذاقوا لطفه، فليحترقوا الآن بنيران غضبه. وليذيقوا الويل.
نزل أنس إلى مستوى ابنته والدموع في عينيه، ولكنه بإرادة قوية حبسها، ثم قبلها على رأسها وقال:
هتوحشيني أوي… متنسيش تتصلي بيا دايماً يا حبيبتي. وزي ما اتفقنا الصلاة في أوقاتها ومتبكيش خالص. عايزك تكوني مبسوطة.
ابتسمت ملك وهي تنظر إليه وقالت:
هعمل اللي حضرتك عايزه يا بابي.
أنا متأكد من كده يا حبيبة بابي.
قالها ثم قبل كفها لتسحبها نيرمين وتقول:
كفاية كده يا أنس. يالا يا ملك نمشي.
وأمام عينيه كانوا يسحبونها. وفي تلك اللحظة قرر هو أن يعاقبها بطريقة لن تنساها أبداً!!!
***
مش عايز أي غلط يا سيد عمران في الصفقة دي بالذات. حسان توفيق هيبقي من أهم شركائنا. عايزك تراجع أوراق الصفقة كويس عشان بكرة بإذن الله هجتمع معاه بعد الفطار.
قالها مروان وهو يجمع أشياءه. يجب أن يذهب الآن، فميعاد جلسة والده اليوم وهو لا يريد التأخير. هز عمران رأسه وهو يقول:
حاضر يا مروان بيه متقلقش. روح حضرتك وسلملي على وائل بيه وعقبال ما ينور شركتنا تاني.
ابتسم مروان ونظر إليه وقال:
يا رب يا سيد عمران. ادعيله لو سمحت.
نظر إليه عمران بشفقة إلى حال هذا المسكين وقال:
ربنا يشفيه يا بني ومتتحرمش منه أبداً.
يارب يارب.
والدعوة كانت من أعماق قلب مروان.
***
خرج من الشركة وركب سيارته ثم قادها بسرعة. بعد دقائق عديدة توقف أمام جامعتها. كان مشتاق لرؤيتها، وكأن رؤيتها هي المسكن الذي يخفف عنه مصائب الحياة. خرج من سيارته ووقف وهو مربع ذراعيه.
محاضرات وامتحانات وفي رمضان. هما الدكاترة من قريش ولا إيه؟ بيعملوا فينا كده ليه؟
قالتها ليلي وهي تخرج من الجامعة. حلقها جاف للغاية وتشعر بالجوع الشديد، بالإضافة إلى ضغط الدراسة بجامعتها. هذا كثير عليها.
اجمدي كده يا لولا، إحنا لسه في أول أسبوع في رمضان. الدكتور قال إن في الأسبوع التالت كله امتحانات، ده إحنا هنتنفخ.
يا مرك يا ليلي. يارب أنا واحدة تافهة عايزة انبسط بحياتي. إيه اللي دخلني طب؟
أخوكي السبب.
قالتها ميار وهي تضحك، لتنفخ ليلي وتقول:
الله يسامحك يا أبيه، ده أنا اتنفخت. أنا حاسة إني هفضل أمتحن لحد ما أموت. أنا بمتحن أكتر ما بأكل.
ضحكت ميار عليها، ثم شدتها كم كفها وقالت:
بس بجد يا ليلي، شكلك حلو أوي بالخمار.
ابتسمت وقالت:
ده تاسع مرة تقوليلي كده من الصبح.
عشان أنتِ شكلك حلو فعلاً. برافو إنك أخدتي الخطوة دي معايا.
أحاطت ليلي كتف ميار وقالت:
عشان كده أنا بحبك يا ميار. أنتِ صديقة جدعة بتجريني دايماً للخير.
وأنا بحبك. ولو ليا أخ كنت جوزتهولك.
وضعت ليلي كفها على قلبها وقالت:
آه ياريت يا ميار لو كان لكِ أخ كنت اتجوزته فورا. بس اسمع إن لكِ ابن عم.
ضربتها ميار على كتفها وقالت:
اتلمي يا ليلي، الراجل متجوز.
ضحكت ليلي وقالت بمزاح:
نطلقه عادي خالص أو يتجوزني أنا كمان ويرحمني من الطب وقرفه.
ثم ضحكا سوياً. تجمد مروان وهو يراها واقفة تتكلم مع صديقتها. خفق قلبه داخل صدره وهو يراها بهيئة أخرى. هيئة رائعة للغاية ومحببة إلى قلبه. بدت بخمارها الكريمي وكأنها ملاك هبط من السماء. ملاك هو لا يمكنه الحصول إليه، فهو ما زال ذلك الشيطان في حياتها وحياة عائلتها. فكر بحزن، فلا سبيل لعلاقتهما أبداً. ولكنّه لا يستطيع أن ينساها. هي مسيطرة عليه سيطرة كاملة!!
***
بت يا ليلي، الحتة مش ده الواد اللي اسمه مروان بيراقبك تاني اهو. مادام هو ملتزم أوي في مراقبتك، خليه يسجل معانا في الكلية. ده ملتزم أكتر مننا!
قالتها ميار وهي توكز ليلي في كتفها. نظرت ليلي بصدمة إلى المكان ما أشارت، لتجده فعلاً واقفاً ينظر إليها. وما أن رأى نظراتها تحاصره، حتى ارتبك وركب سيارته بسرعة ثم قادها.
ضحكت ميار وقالت:
أنا نفسي يكون عندي نفس إصرار الواد بس في العلم. ده مش عايز يتخلى عن الأمل خالص. يومياً بتلاقيه هنا بيراقبك، رغم إنه يا عيني أخد ضرب من أخوكي بعمره. عارفة لو أنا عندي نفس الإصرار بتاعه كنت طلعت الأول على الدفعة.
كلمات ميار لم تدخل عقل ليلي من الأساس، لأن وقتها عقلها كان في مكان آخر!
***
بعد منتصف الليل…
يالا يا حبيبتي قومي عشان السحور.
قالها آدم وهو يقبل رأسها بلطف.
آدم عايزة أنام.
قالتها وهي نائمة. كانت تشعر حقاً بالإرهاق بسبب الجهد الذي بذلته في تنظيف المنزل لاستقبال الشهر الكريم. إنها المرة الأولى التي تتعب لتلك الدرجة. ولكن عندما نظرت إلى المنزل ووجدته نظيفاً كلياً، ارتاحت كثيراً.
شهقت بخفة عندما حملها آدم بين ذراعيه وقال:
لا مينفعش لازم تتسحري. أنا جهزتلك الأكل يالا.
حاوطت رقبته وهي تنام على صدره وتغمغم بينما تحاول فتح عينيها، ولكن النوم كان مسيطر عليها كلياً:
تعبانة أوي يا حبيبي.
عارف يا حبيبتي الله يكون في عونك. اتسحري وصلي الفجر وبعدين نامي براحتك، كده كده جهزنا اللي هنفطر بيه بكرة.
فتحت عينيها فجأة وقالت:
صحيح، اتصلت بطنط حسناء وليلي وقولت هيفطروا عندنا بكرة.
أنزلها لتقف على قدميها وهز رأسه وقال:
آيوة. وبعدين اتصلت بمامتك وعزمتها هي وجدك.
اتسعت عيني مهرا ليشيح آدم بوجهه ويقول وهو يخفي مشاعره:
يالا عشان نتسحر، روحي اغسلي وشك.
ابتسمت مهرا ثم اقتربت منه وجذبته وهي تقبله مراراً وتكراراً على وجنته.
كفاية… كفاية يا مهرا متبقيش غلسة زي ليلي. يا ستار يارب.
ضحكت مهرا وهي تبتعد عنه وتلج للحمام وقلبها يطير من السعادة. العائلة سوف تجتمع.
***
جلست مهرا على طاولة الطعام، سمت وبدأت تأكل. جلس آدم بجوارها وهو يأكل بصمت ويفكر بقراره بإدخال جابر عزام لحياته مرة أخرى. صحيح أنه لا يمكن أن يسامحه، ولكنه فعل هذا من أجل مهرا. من أجل أن تكون سعيدة. هي أرادت أن تفطر أول يوم بمنزل جدها، ولكن ما إن أخبرها أنه يريد أن يدعو والدته وشقيقته إلى الإفطار، تنازلت فوراً. مبتسمة، لذلك هو أيضاً تنازل قليلاً لكي تجتمع مع عائلتها.
أمسكت مهرا كف آدم لينتبه لها. أعطته ابتسامة رائعة وهي تقول:
حبيبي كل ومتفكرش في حاجة.
أنا كويس.
تنهدت وقالت:
أنا عارفة إنك عزمت جدي عشان خاطري… عارفة الموضوع صعب عليك أوي ومقدرة… فشكراً ليك يا آدم. شكراً أوي.
التقط كفها وقبله وقال:
أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان خاطرك.
ربنا يخليك ليا يا حبيبي. أنا بجد كنت محتاجة أشوف جدي. تجهيزات رمضان خلتني أنقطع عنه وحاسة بالذنب لإن آخر مرة كلمت ماما قالت إنه تعبان.
ماله خير؟
قالها آدم وهو يخفي القلق في صوته. لتتنهد هي بحزن وتقول:
السن وأحكامه غير إن قلبه لسه بيتعبُه. أنا خايفة عليه أوي يا آدم.
بإذن الله هيبقي أحسن. ربنا ميحرمكوش من بعض.
ابتسمت وقبلت كفه هي الأخرى:
ولا يحرمني منك أبداً يا آدم.
صمتت مهرا. كانت تريد أن تتحدث معه بشأن غفرانه لجده بما أنهم في رمضان، فتلك فرصة مناسبة لم شمل العائلة، ولكنها خافت أن تتكلم. لم تكن تريد أن تعكر صفو تلك اللحظة الجميلة. لا تريد إغضاب آدم مجدداً ولا تريد أن يفترقا مجدداً. فهي تدرك كم أن الحياة من دونه كالجحيم.
كلي يا مهرا وبطلي تفكير.
قالها آدم وهو يتناول طعامه بهدوء، لتهز هي رأسه وتبدأ بالأكل، بينما يفكر هو أن مهرا ما زالت تفكر في موضوع غفرانه لجده. ولكن الجيد أنها لم تشير إلى الموضوع، فهو لا يريد أي توتر في علاقتهما. فيكفي صدمته منذ أيام عندما أخبرته حسناء أن جابر عزام أتى إليها وطلب السماح، وهي سامحته. هكذا ببساطة. ليكون صريحاً، هو ليس قديساً لتلك الدرجة. لا يمكنه الغفران. لا يمكنه. سوف يموت وهو يكره جابر عزام!
***
في اليوم التالي…
ماما صعبانة عليا أوي يا سامر. من وقت ما جات هنا لا بتتكلم وبالعافية. امبارح سحرتها عشان الصيام. أنا خايفة عليها أوي يا حبيبي. خايفة أوي.
قالتها كارما والدموع تنساب من عينيها. أمسك هو كفها وقال:
اهدي يا كارما، انتِ لازم تساعديها مش تنهاري. وحقها هناخده من جوزها الكلب ده. أنا كلمت محامي أعرفه وهنرفع قضية. وعد إني هبهدله، بس انتِ هوني عليها شوية.
ابتسمت كارما وقالت:
أنا مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه. شكراً ليك يا سامر.
على إيه يا كارما. أمك هي أمي. صدقيني أنا بعتبرها زي أمي الله يرحمها، واللي عمل كده في أمي لازم يتحاسب.
تنهدت كارما وقالت:
أنا هدخل وأشوفها. يارب تكون كويسة.
***
في الغرفة…
كانت مودة جالسة على الفراش. دموعها تتسابق على وجنتها بينما تشهق بقوة. آثار الكدمات ما زالت على وجهها قوية. تغمض عينيها وتتذكر كيف أنها أُهينت بأسوأ طريقة!!!
فلاش باك…
أخذت مودة أنفاسها اللاهثة وهي تقف أمام باب منزلها وتحمل الأغراض التي أحضرتها من السوق. زوجها رفض تماماً أن يذهب معها، وهي لم ترد أن تغضبه، لذلك بنفسها قررت أن تذهب، متحملة سخافة بعض الباعة وقلة تربيتهم. ولأنها امرأة ضعيفة لا تقوى أبداً على الدفاع عن نفسها، كانت تتحمل الإهانة والكلام الفاحش وتصمت.
أخرجت مفتاحها وهي تفتح الباب وتلج إليه. تجمدت مكانها وهي تسمع أصوات قادمة من غرفة النوم. ثم وضعت كفها على فاها وهي تسمع ضحكة أنثوية قوية. تقدمت من غرفة النوم وهي ترتعش بقوة. انسابت الدموع من عينيها وهي تعرف المصيبة التي تنتظرها بالداخل، ولكنها قررت المواجهة. إلى متى سوف تكون جبانة؟ إلى متى؟!! هي تعرف أنه يخونها، ولكن أن يأتي بامرأة إلى هنا، هذا ما كسرها حقاً!!
فتحت باب غرفة النوم، ثم شهقت بقوة وهي ترى زوجها مع جارتهما المتزوجة في الفراش. لم ينتبها لها في البداية إلا عندما صرخت بقوة مما جعلهما ينفصلان عن بعض.
بتخوني… بتخوني يا ابن الكلب في فرشتي… وديني لافضحك.
صرخت بها بقوة وخرجت من الغرفة.
الحقها لو قالت لجوزي هيقتلنا احنا الاتنين!
قالتها السيدة وهي تستر عريها، لينهض سامح ويرتدي بنطاله بسرعة ويخرج. وقبل أن تفتح مودة الباب لكي تخرج، أمسكها من شعرها وصرخ بها:
اخرسي.
والله لافضحك يا عرّة الرجالة.
صرخت بها وهي تبكي. لم يتحمل هو وبدأ بضربها بقسوة. استغلت جارتها الوضع وارتدت ثيابها ورحلت، بينما سامح ما زال يضربها بقسوة.
انتِ طالق… طالق. غوري من بيتي.
ثم تركها ودخل إلى الغرفة. نامت هي على الأرض وهي تبكي بعنف وتشهق. كانت لا تصدق أنه ضربها بكل تلك القسوة. هل هي مخطئة لأنها تنازلت؟!!
بعد دقائق خرج وهو يمسك حقيبتها ورماها بجوارها وقال:
يالا غوري من هنا مش عايز أشوفك. ولو قولتي لحد على اللي شفته هنا هقتلك. فاهمة ولا لا!!!
باك…
انفجرت بالبكاء وهي تعيسة. لقد تنازلت ولكن هذا ما نالته. نالت الإهانة والضرب.
***
ولجت كارما إلى غرفة والدتها لتتجمد وهي تجد والدتها تبكي بعنف.
ماما.
قالتها كارما بشفقة وهي تنظر إلى والدتها بحزن. كان يقتلها اليأس على وجهها. أرادت حقاً أن تخفف عنها. اقتربت منها كارما وجلست على الفراش ثم عانقتها بقوة لتنفجر هي بالبكاء. بينما تشعر أن قلبها سوف ينشطر من الألم.
بس يا ماما بس، ده حيوان ميستاهلش أبداً إنك تبكي عشانه. حسبي الله ونعم الوكيل فيه.
ابتعدت مودة وقالت:
مش ببكي عشانه يا بنتي. ببكي عشاني أنا. أنا اتنازلت وده اللي حصلي في الآخر. أنا السبب. أنا السبب.
***
كان يسيطر على منزل آدم الجديد جو أسري دافئ للغاية بوجود والدته وشقيقته. ليلي التي بدأت بنشر البهجة في المنزل. كانت ليلي تساعد مهرا في وضع الطعام على الطاولة.
الله عاملة جلاش باللحمة المفرومة بحبه أوي. وورق عنب كمان.
كانت ليلي تنظر إلى الطعام بسعادة لتضحك مهرا وتقول:
ما أنا عملتهم عشان أنتِ بتحبيهم. آدم قالي إن لولا بتحب الأكل ده عشان كده قولت نفرح لولا شوية بما إنها تعبانة في المذاكرة.
آه والله يا مهرا. تعبانة أوي، أنا مبنامش تقريباً وأنا بذاكر زي الحمارة.
ضحكت مهرا وقالت:
معلش بكرة تتخرجي. على فكرة أنا دعيتلك إن ربنا ينجحك السنة دي وكل السنين.
نفخت ليلي وقالت:
ده بدل ما تدعيلي اتجوز وأخلص.
ضحكت مهرا بقوة عليها ليقترب آدم ويقول:
بتقولوا إيه. أنا بخاف لما تجتمعوا انتوا الاتنين.
هزت ليلي كتفها وقال وهي ترفع رأسها:
حبيبتي مهرا عملت الأكل ده عشاني. عشان أنا بحبه. هي قالت كده.
كدابة على فكرة. عملتهم عشان أنا بحبهم.
قالها آدم وهو يمازح ليلي التي مطت شفتيه بغضب طفولي مصطنع وقالت:
يعني انت لازم تكسفني يا أبيه. ليه مبتحبش حد يجاملني شوية.
اقترب آدم منها وقبلها على وجنتها وقال:
عشان بحبك. واللي يحبك ينكشك صح يا لولا.
طيب خلاص عفونا عنك.
قالتها ليلي بنبرة متكبرة ليضحك آدم ثم يعانقها.
رن جرس الباب فجأة بتقول مهرا بسعادة:
دوول أكيد جدي وماما.
أنا هفتح.
قالتها حسناء بابتسامة وهي تتجه إلى الباب.
أهلاً وسهلاً نورتونا.
قالتها حسناء بابتسامة وهي تفتح الباب لمروة وجابر. كان جابر واضح عليه التعب والإرهاق الشديد. كان وجهه شاحب ويبتسم بصعوبة. هو أتى إلى هنا بصعوبة. حاول بكل جهده أن يأتي. لم يكن أبداً ليضيع تلك الفرصة. فرصة أن يكون مع عائلته، فرصة ليتقرب من آدم وليلي ومرام.
اقتربت مهرا منهما وعانقت والدتها بقوة وعينيها العسلية تبرقان بقوة. كانت سعيدة حقاً بقدومهما. ابتعدت عن والدتها ثم عانقت جدها بقوة وقالت:
وحشتني أوي.
وأنتِ وحشتيني أوي يا حبيبتي.
ابتعدت عنه ليقترب آدم ويقبل رأسها قائلاً:
أهلاً بيكي يا حماتي.
خفق قلب جابر بقوة وهو ينتظر أن يسلم عليه آدم أو يعانقه، ولكن آدم نظر إليه وهو يخفي مشاعره بأكملها ثم هز رأسه لتحيته. ابتلع جابر ريقه بصعوبة وهو يتقبل تحية حفيده الباردة. أغمض عينيه وهو يقر أنه يستحق تلك المعاملة. هو يستحق! ليلي أيضاً أمسكت بقميص آدم ورفضت أن تذهب وتسلم على جدها. كانت حسناء تنظر إلى ليلي بتحذير، ولكن ليلي تجاهلته وهي تنظر إلى الأرض.
ابتسم جابر بحزن وقال بنبرة لطيفة حنونة:
أخبارك إيه يا ليلي؟
كويسة الحمد لله.
قالتها بنبرة جامدة وهي ما زالت تنظر لأسفل. لم تنظر إليه حتى!!!
تنهد وقال مجدداً:
اومال فين مرام؟ مش هتفطر معاكم النهاردة؟
تنهد آدم وهو يتذكر اتصال مرام به وإخباره أن جدة ملك قد أخذتها، وحينها تواصل مع أنس ليواسيه ويعرض عليه المساعدة. إلا أن أنس أخبره ألا يقلق. هو يعرف ما سيفعله جيداً!!!
قال آدم فجأة:
مرام هتفطر النهاردة في بيتها. لما اتصلت بيها قالت كده.
هز الجد رأسه ليكمل آدم:
يالا اتفضلوا على السفرة، المغرب قرب يأذن.
ثم جلس الجميع حول الطاولة. على الرغم من توتر الجو العام، إلا أن شكلهم بدا دافئ للغاية. بدا كعائلة واحدة. وكم هذا أسعد مهرا. أسعدها كثيراً أن عائلتها كلها مجتمعة على الرغم من كل شيء.
***
بعد يومين…
أنس.
قالتها مرام بارتباك. اليومين السابقين لم يتحدث أبداً. كان منغلقاً على نفسه وهي أيضاً. خافت أن تواسيه. لم يكن لديها الجرأة لتواسيه بفقدان ابنته، بينما تكون هي السبب في هذا. يعلم الله كم تتعذب كل يوم وتدعو الله أن تعود ملك. حتى أنها فكرت أن تذهب وتطلب من ليل أن تعيد ملك. هي تعرف كم أن أنس متعلق بابنته، وهذا صعب عليه. صعب جداً.
نظر أنس ببرود إلى مرام، بينما يغلي من الداخل. لقد اختفت في الوقت الذي كان بحاجة ماسة إليها. أراد أن يعاتبها، يلومها، يخبـرها أنها خذلته. لقد توقع أن تواسيه في تلك الكارثة، ولكنها بكل سهولة أغلقت على نفسها ولم تظهر أمامه. بينما هو يحارب لإعادة ابنته، هي تبتعد عنه بتلك الطريقة. وهذا جرحه. جرحه بقوة وجعله يظن أنها لا تحبه!!
خير عايزة إيه؟
لمعت عينيها بفعل الدموع. لم تكن تريد أن تبكي، ولكن مشاعرها غلبتها في تلك اللحظة وقالت:
آسفة… آسفة يا أنس… آسفة لأن بسببي خسرت بنتك. لو مكنتش اتجوزتني مكانش ده حصل.
ربع ذراعيه وقال:
بجد… هو ده بس اللي حابة تقوليه؟ بعد ما حضرتك اختفيتي اليومين اللي فاتوا بدل ما تواسي جوزك وتطبطي عليه، جاية تقولي آسفة.
أنا… أنا…
اقترب أنس منها ثم امسك ذراعها بعنف. عينيه كانت تبرق بشدة والألم يعصف به بقوة. بحث في عينيها عن أي أثر لحبه فلم يجد. اللعنة، هو لا يحتاج أسفها ولا دموعها. يحتاج حبها. حبها فقط. حبها هو ما سيجعله يقاوم ويحارب. هو لأنه عشقها، حارب نيرمين وجشعها. ولكن من قبل كان جبان. كان يخاف!! ولكن وجودها أعطاه السعادة. ولكنّه لا يكتفي ولن يكتفي. هو يريد حبها. حبها فقط. ولا شيء غير أن تحبه.
أنس… أنس أنت بتوجعني!
قالتها مرام وهي تحاول السيطرة على دموعها، ولكنها فقدت السيطرة وانسابت على وجنتها.
محبتنيش ليه؟ ليه مش قادرة تحبيني يا مرام؟ مفروض أعمل إيه تاني عشان تحبيني!!!
كان يقولها وهو يضغط على ذراعها بعنف، بينما عينيه تلمع بفعل الدموع. الألم الذي يشعر به لم يشعر به من قبل! كانت دموع مرام تنساب على وجنتها. تحاول أن تتكلم، أن تنفي ما يقوله، ولكنها عاجزة تماماً. أكمل ودمعة ساخنة تنساب على وجنته:
للدرجادي أنا مش مهم وبتتعاملي معايا ببرود؟ ده انتِ حتى مواستنيش لما أخدوا ملك وبعدوها عني. مقربتيش مني ولا حضنتيني. سبتيني منهار وقفلتي على نفسك باب أوضك. ليه البرود ده يا مرام؟ ليه انتِ معندكيش قلب؟ مش قادرة تحبيني يعني؟ ومادام مش قادرة اتجوزتيني ليه؟
كان يصرخ وهو يشعر بالجنون. هو يريدها. يريدها أن تحبه. لا يمكنها أن تمنع حبها عنه، لا يمكنها. جنونه جعله يجذبها إليه ويضغط شفتيه على شفتيها ويقبلها بجنون وغضب. ولكنها بقت متجمدة بين ذراعيه. لم تقاوم ولم تبادله حتى. بعد لحظات من شغفه وبرودها، أبعدها عنه وقال بيأس:
أنا فشلت. فشلت أخليكي تحبيني. وده بسببي أنا. جوازنا مينفعش يستمر!!!!!
كلمته قتلتها. نظرت إليه برعب وقالت بنبرة مكسورة:
أنس… انت بتقول إيه؟ قصدك إيه؟
تألم قلبه لأجلها. هو يحبها. يعشقها. مستعد أن يموت لأجلها وهو مبتسم حتى. ولكن أيضاً يريد الشعور بحبها. يريدها أن تحبه. يتوق إليها. لا يمكنه أن يعيش بدونها. ولكنّه تقتله وهي تخفي مشاعرها كلها عنه. هو يريدها. يريد أن يمتلك قلبها كما امتلكت هي قلبه. ولن يتوقف حتى يمتلكه!
***
بعد أسبوع…
هي مسألة وقت بس يا ليل وهتلاقي أنس راكع تحت رجلينا وبيطلب إنه يتجوزك عشان يرجع ملك. هو اهو صبر أسبوع بس مش هيقدر يصبر أكتر من كده.
قالتها نيرمين وهي تشرب سيجارتها بإستمتاع. ثم أكملت:
آه يا ليل لو تشوفي شكله وهو مذلول كنتي هتفرحي أوي فيه. أنا استنيت كتير عشان أشوف أنس الصاوي مكسور. كده إحنا حطينا صباعنا ضرسنا، بمعنى أوضح روحه في إيدينا إحنا وهنقدر نعمل فيه اللي عايزينه. وأولها هنطلب يطلق البنت المتشردة دي اللي جابها من الشارع دي وهتبقي انتِ مكانها. هتبقي ست البيت وهتحققي كل أحلامك وأحلامي. بعدها هيبقي سهل نحط أيدينا على ثروة أنس وناخدها.
كانت ليل تنظر إليها بإضطراب. لم يكن بإمكانها أن تستمتع بنصرها لأنها تعرف أنس جيداً. ليس هو من يستسلم بتلك السهولة. هو حتى لم يتحرك عندما رفعت والدتها قضية عليه بسبب إخلاله بالعقد، وكأنه تخلى تماماً عن فكرة التمسك بملك. تشعر أن هناك شيئاً ما يفكر به أنس. ولأن أيضاً مر أسبوع وهو لم يفعل أي شيء. هو بالتأكيد يخطط لشيء. وكم تخاف أن ما يفكر به أنس سوف يدمرهم. للأسف والدتها لا تعرف أنس جيداً.
ماما لما رفعتي قضية على أنس متحركش أبداً وسابك تاخدي ملك، مش شايفة إن ده غريب شوية؟
ضحكت نيرمين وقالت:
إيه هو الغريب يا قلب أمك. الراجل خلاص عرف إن مفيش مفر هيخسر البنت خلاص. أنس وقع يا حبيبتي. وقع لما سمح لقلبه يقوده زي أختك الغبية بالضبط وزيك. مفيش أحسن من إنك تفكر بعقلك. أهو اتجوز المتشردة دي وخسر بنته، يستاهل اللي حصله. أنا فرحانة فيه أوي.
كانت ليل غير مرتاحة أيضاً. هناك شيء خاطئ. أنس لا يستسلم بتلك السهولة. هي تحفظه جيداً. ألا تحبه… هي تعشقه بجنون وتحفظه عن ظهر قلب. أنس ليس ذلك الرجل اللطيف. أنس لديه وجه قاسٍ للغاية مع أعدائه. وبفعلتها اليوم والدتها جعلت من نفسها عدوة أنس!!! تلك الفكرة جعلتها ترتعش برعب. فأنس لن يصمت. لن يصمت أبداً!!!
شوفي أنتِ ملك بتعمل إيه في أوضتها وأنا طالعة أرتاح شوية.
هزت ليل رأسها.
***
ولجت نيرمين إلى هاتفها لتنظر إليه وتجد نعمان يتصل بها. أغمضت عينيها بغضب. ترى ما الحجة التي سيخبرها بها الآن. ذلك الرجل الغبي لم يطلق زوجته حتى الآن، وبالتالي لم يتزوجها!! وهي تريد أن تتزوجه بأقرب فرصة كي تستطيع سلب منه الفندق الخاص به!!
فتحت الهاتف وقالت:
عايز إيه يا نعمان؟
أتاها صوته من الناحية الأخرى وهو يقول:
إيه يا بيبي النبرة دي؟
أنا تعبت يا نعمان. تعبت من كتر ما أنت بتماطل عشان تطلق مراتك وتتجوزني. خلاص ننهي الموضوع ما بينا مادام متمسك بيها كده!!
قالتها نيرمين بغضب ليقول نعمان بلهفة من خلال الهاتف:
يا حبيبتي، متقوليش كده. أنا مقدرش أعيش من غيرك. والله. اديني فرصة يا نيرمين. أقولك تعاليلي النهاردة عايزك.
لا لا انسي إني أعمل زي المرة اللي فاتت. أنا مش هسلم لك نفسي تاني إلا لما أتجوز يا حبيبي. غير كده لا. أنا مش من النوع ده من الستات. هي كانت لحظة ضعف وراحت لحالها!
لا يا حبيبتي انتِ فهمتي غلط. أنا كنت عايزة أوريلك الشقة اللي هكتبها باسمك. بس مادام مش عايزة خلاص.
لمعت عيني نيرمين الخضراء بقوة وخفق قلبها بإثارة وقالت بلهفة:
عدي عليا بعد ساعة يا حبيبي ونروح سوا!
***
بعد أسبوع من التجاهل القاسي من أنس، كانت قد فقدت تماسكها. وبينما تقف أمام المرآة وتنساب دموعها بقوة. قلبها يؤلمها بشدة. هي تشعر بالذنب بسبب كل شيء يحدث حولها. خسارته لملك وعدم وقوفها بجانبها. عجزها أن تخبره أنها لم تحب أحد مثله. تعجز تماماً أن تخبره أنها عاشقة له حد النخاع وأنه كل حياتها. ماذا تفعل؟ كيف تصلح الوضع؟ هي تختنق الآن بحاجة أن تتكلم مع أحد. تريد أن يرشدها. أمسكت هاتفها ولم تجد إلا آدم. آدم شقيقها وصديقها. لذلك اتصلت به.
***
عاش يا شباب والله برافو عليكم.
قالها آدم وهو مبتسم بفخر وهو يرى عمله على أرض الواقع. لقد تعب حقاً في ديكورات ذلك المنزل الكبير والذي سوف يكون ربح جيد للشركة. انتبه عندما رن هاتفه. أخرجه وهو يرى مرام تتصل به. ابتسم وهو يرد:
أيوه يا بسبوستي.
قالها آدم بمرح لتغمض مرام بينما تنفجر الدموع من عينيها وتقول:
آدم… آدم…
مرام فيه إيه؟
قالها آدم بقلق وهو يسمع نبرة البكاء في صوتها.
آدم أنا محتاجاك… محتاجة أتكلم معاك.
أجيلك.
قالها دون تفكير لترد هي:
لا لا… أنا جاية عندكم بكرة وهتكلم معاك!
***
شقة دعارة. جايبني في شقة دعارة يا نعمان!!!
صرخت بها نيرمين بغضب وهي تنظر إلى جميع الفتيات التي ترتدين ملابس خليعة.
ششش اسكتي بقا.
قالها ثم سحبها إلى غرفة فارغة وقال:
هو أنتِ مش عايزة شقة.
آيوة شقة شقة. مش بيت دعارة. خلينا نطلع من هنا.
ابتسم نعمان وهو يمسك خصلات شعرها ويقول:
يا حبيبتي… هجيلك شقة وعربية كمان. ده أنا حتى هكتب الفندق باسمك. بس أنا عايزك دلوقتي. من أول ليلتنا الأولى سوا وأنا مبفكرش إلا فيكي.
تقوم تجيبني هنا؟
أعمل إيه مراتي مرقباني. لو عرفت هتطين عيشتي. أنا عايز أتخلص منها بأي طريقة. للأسف هي ليها نص الفندق وأنا عايز أخلص الفندق من تحت إيديها ويبقى لينا بس. ومش عارف أعمل إيه؟ هي لو ماتت الفندق هيبقي كله ليا. ادعي إنها تموت.
لمعت عيني نيرمين وقالت:
مفكرتش تقتلها.
ضحك نعمان وقال:
إيه خفة الدم دي؟
ولكن نيرمين لم تضحك بل قالت:
أنا مش بهزر. مادام واقفة في طريقك اقتلها ولا تحط روحك في إيديها!
نظر إليها بتوتر وقال:
أقتل مين يا حبيبتي… أنا مش كده… هو أنتِ فاكراني إيه.
ابتعدت نيرمين عنه وقالت:
خلاص يا نعمان متقتلـهاش. بس انساني بقا. أنا استنيت كتير أوي، يالا روحني لو سمحت عشان انت ضايقتني وأثبت إنك لسه بتحب مراتك وأنا مش مهمة عندك.
وكادت أن تبتعد عنه إلا أنه جذبها وقال بحرارة:
لا متروحيش. أنا بحبك. بحبك والله أنتِ مش بحب غيرك.
هزت كتفيها وقالت:
خلاص اعمل اللي بقولك عليه وخلص عليها وخلينا نخلص. انت خايف ليه؟
ابتلع ريقه وقال:
السجن.
ضحكت نيرمين وقالت:
متقلقش يا نعمان أنا هقولك تقتـلها إزاي بحيث متدخلش السجن. إحنا هنخلي موتها طبيعي خالص.
صمت نعمان وهو يفكر. برقت عيني نيرمين بشدة وبخبث. تلك فرصة ذهبية لها. لا يجب أن تضيعها. سوف تجعل نعمان يقتـل زوجته ثم تبلغ هي عنه بعد أن تقنعه بالتنازل لها عن كل شيء. فكرة جبارة لا تخرج من عقل إلا أنثى مثلها.
تمام ماشي موافق.
قالها نعمان ببساطة لتبتسم وهي تحاوط رقبته وتقول:
كده أنا أحبك.
ثم بدأت بتقبيله برقة.
***
بالأسفلتوقفت عربات الشرطة أمام البناية ثم صعدا ناحية الشقة المشبوهة.
كبسة… كبسة… كبسة…
هكذا صرخت بها إحدى الفتيات لتدفع نيرمين نعمان عنها وتصرخ بينما رجال الشرطة يقتحمون الغرفة.
***
ماما!
قالها مروان وعينيه تتسعان بسعادة ثم ركض ناحية والدته مبتسماً. فتحت هي ذراعيها له ليضمها بقوة إليه والدموع تطرف من عينيه:
وحشتيني يا ماما وحشتيني أوي.
قالها ودموعه تتسابق على وجنتيه. ابتسمت والدته وقالت بصوتها الرقيق:
وأنت وحشتني أوي يا مروان.
ابتعد مروان عنها وعينيه تلمع بقوة. كان يبتسم من قلبه وهو يراها. بعدها شعر بشخص خلفه. نظر خلفه ليجد والده في كامل صحته، وجهه ينير وشعره الذي فقده بفعل العلاج الكيماوي عاد مجدداً.
بابا.
قالها مروان بحيرة ليبتسم وائل ويتجه إلى زوجته وهو ينظر إليها بشوق. ثم أمسك كفها لتسحبه هي خلفه وتسير به.
ماما انتِ واخداه فين؟
قالها مروان برعب وهو يرى والده يذهب مع والدته. ولكنها لم ترد عليه وهي تذهب هي ووالده.
بابا… بابا…
صرخ بها وهو يحاول أن يمسك كف والده ولكن فجأة الاثنان اختفوا. وبقي هو وحيداً!!
بابا… بابا…
أخذ مروان يصرخ بها بقوة. فجأة استيقظ مروان من نومه وهو يصرخ. نظر مروان حوله وهو يلهث بقوة. هذا كان حلم… حلم. هز رأسه وهو يفكر أنه كابوس. كابوس مرعب.
عم محسن معلش جهز بابا عشان يروح المستشفى عقبال ما أجهز.
هز عم محسن رأسه. ليدخل مروان غرفته مجدداً ويجهز ملابسه ويلج للمرحاض ثم يأخذ دوشاً سريعاً. بعد الدوش ارتدى ثيابه ثم توضأ وصلى وهو يدعو الله أن يكون والده بخير!!
بعد نصف ساعة تقريباً.
كان ينطلق بسيارته نحو المستشفى.
***
في المستشفى…
كان مروان في الغرفة مع والده يستعدان للجلسة عندما طلب الطبيب المعالج أن يتكلم معه ضروري.
إيه هي الحاجة الضرورية اللي حضرتك عايز تكلمني عليها؟
تساءل مروان وقلبه يخفق بخوف. لم يرد أن يفكر بالأسوأ. لذلك أجبر نفسه على التفاؤل. أطرق الطبيب وقال:
للأسف يا مروان… جسم والدك مش بيستجيب للكيماوي كويس. التحاليل الأخيرة أثبتت أن السرطان لسه بينتشر بطريقة سريعة. أنا آسف.
سيطر مروان على انفعالاته وقال:
يعني… يعني إيه يا دكتور؟
ابتلع الطبيب ريقه وقال:
يعني كفاية تعذيب أبوك يا ابني. مفيش فايدة!
رواية عروس رغما عنها الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سوليية نصار
رواية عروس رغما عنها كاملة بقلم سوليية نصار دليل الروايت رواية عروس رغما عنها الجزء (2) الفصل الثالث عشر 13 (موت وحياة )-يعني ايه ؟!!يعني ايه ؟!نهض مروان وهو يكرر كلماته وهو يهذي …كان الطبيب ينظر الي حالته بشفقة بينما الدموع بدأت تحتشد بعينيه …اقترب مروان من المكتب وضر.ب عليه بعن.ف وهو يصرخ ؛-يعني ايه يا دكتور مفيش فايدة يعني ايه؟!!انت بتطلب مني اني …انسابت دموعه واكمل:-انت بتطلب مني اني اتخلي عن علاج ابويا ..اشوفه وهو بيمو.ت!!!اطرق الطبيب وهو عاجز عن الكلام …هز مروان رأسه وهو يمسح دموعه وقال:-لا…لا…أنا مش هستسلم …مش هستسلم …أنا هسفر بابا برا البلد ..مش هستسلم …لا مش هستسلم..بابا مش هيسيني مش هيسيني …لا لا. …كانت كلماته غير مترابطة …شهقاته تخرج من قلبه الممزق …يشعر وكأن العالم كله لفظه …صدره يضيق….-مروان …تقدر تروح لمليون دكتور غيري هيقولولك نفس الكلام …أنا بنصحك كأب او كأخ كبير وبقولك متعذ.بش ابوك اكتر من كده …عيشوا سوا الوقت اللي متبقيله بهدوء …والله اعلم ممكن ربنا يشفي عنه …هو اللي قادر علي كل شئ…قالها الطبيب بآسي …كان يشعر بالشفقة عليه …الفتي يبدو منهار للغاية !كلام الطبيب حطم قلبه…قت.ل الامل داخله واحر.ق روحه …وقف للحظات وهو لا يعرف ماذا يفعل …يشعر انه عاجز للغاية …مقيد بينما يري والده يموت …هل سيعود وحيد مجددا …ما فائدة حياته اذن …ما الفائدة…خرج من مكتب الطبيب وهو يمسح دموعه …وقف امام الغرفة القابع بها والده كان يتأمله وهو يبكي بينما يضع كفه علي شفتيه …يجب ألا يواجهه الآن …اخرج هاتفه واتصل حمدي لكي يأخذ والده ثم خرج هو من المشفي بقلب محطم وعينيان تنزفان الدموع !!!….كان يقود سيارته بسرعة كبيرة …دموعه تنف.جر من عينيه كلام الطبيب لم يغادر عقله بعد …هل هي النهاية …هل يستسلم …معقول !!!اخذ يهز رأسه وهو يقول بنبرة خالطها البكاء:-لا لا لا ….ثم أخذ يضرب علي مقود السيارة بعنف وهو يصرخ ويبكي …فجأة علت أصوات بوق سيارة ليرفع عينيه ويجد أن سيارة تأتي من الجانب وعلي وشك الاصطدام به وبالفعل اصطدمت السيارة بسيارة مروان لتلتف سيارة مروان حول نفسها عدة مرات ثم يصطدم رأسه بالمقود فيفقد الوعي ……..-يا استاذ …يا استاذ ..قالها الرجل المسن برعب ومن حوله تجمهر بعض الناس …لقد طلبوا الإسعاف ولم يجرؤ أحد أن يحركه ولكن عندما شعر أحدهم أنه ما زال يتنفس قرروا ايقاظه …اخترق صوت الرجل رأس مروان فرفع رأسه وهو يشعر بسائل دافئ ينساب علي وجهه …ابتسم الرجل وقال:-يا بني انت كويس …متتحركش الإسعاف دلوقتي جاي …امسك مروان محرمة وكتم بها الدماء وهو يقول بنبرة جامدة :-مفيش داعي يا حاج ..ثم وامام ذهول المارة انطلق بسيارته التي بدت في حالة جيدة إلا أن اثر صدمة السيارة واضح بها …………..في قصر وائل السويسي…دخل مروان وهو يشعر بالانهاك ليهتف والدة الذي كان بالصالة جالس علي الأريكة:-مروان مالك يا ابني ؟!نظر مروان الي والده بابتسامة دامعة وهو ما زال يحمل المنديل المغطي بدمائه بينما تكفل طبيب الصيدلية التي ذهب إليها بمداوة جر.حه وقال:.-وقعت يا بابا …-تعالي يا مروان ..قالها وائل بهدوء ليقترب مروان منه ثم جثي علي ركبتيه وهو يمسك بكف والده ويقبله بقوة …اخذ مروان يقبل كفيه الواحد تلو الآخر وهو يسجن دموعه بشق الأنفس…-الدكتور لما اخدك قالك ايه يا مروان ؟!سأله وائل وهو ينظر إليه ليرفع مروان رأسه ويبتسم ابتسامة لم تصل لعينيه:-قال انك.بتتعافي يا بابا …وقال انك هتخف قريب …هو بينصحني أننا نسافر برا البلد …-مروان …قاطعه والده بتعب الا أن مروان لم يتوقف عن الكلام :-هنسافر امريكا فرنسا أو بريطانيا …ممكن المانيا كمان …مش هنفقد الامل …مش هنفقد الامل …-مفيش فايدة يا بني خلاص …خليني اعيش الشوية اللي باقين في حياتي من غير عذا.ب …تهدل كتفي مروان ثم واضع رأسه علي ساقي والده وقال:-متمو.تش …بالله عليك يا بابا متمو.تش وتسيبني لوحدي …أنا مليش غيرك …انسابت دموع وائل وقال وهو يربت علي شعره؛-ياريت اقدر اعيش سنين يا مروان عشان اديك الحب اللي تستحقه ..انت تستحق كل الحب ..رفع وجه ابنه الذي أصبح احمر من شدة البكاء وقال:-هنعيش الايام دي سوا أنا وأنت يا مروان من غير شغل ولا انشغال ولا اي حاجة هنقضي كل دقيقة في حياتي الباقية مع بعض …هديك الحب اللي حرمتك منه !………-اهلا يا مرام .قالتها مهرا بإبتسامة سعيدة وهي تستقبل مرام التي كانت تبتسم بشق الانفس ولكن مهرا لمست التغيير بها …رأت لمعة الحياة التي انطفأت في عينيها .-ازيك يا مهرا..قالتها مرام بنبرة منهكة وهي تعانق مهرا ثم ابتعدت وقالت :-كل سنة وانتِ طيبة ..-وانتِ طيبة يا حبيبتي …اتفضلي …ثم ولجت الي المنزل لتجد شقيقها يقرأ القرآن …فضلت الا تقاطعه وجلست علي الأريكة وهي غارقة في تفكيرها …تريد أن تنف.جر وتخبر أدم بكل شئ …تريده ان يساعدها ويأخذ بيدها …ان يكون لها السند كما كان دائما …فسعادتها علي وشك ان تنها.ر …وهي لا يمكنها خسارة انس …لا يمكنها ان تخسر الرجل الوحيد الذي احبته!سوف تطلب مساعدة ادم …سوف تف.ضح كل مشاعرها …سوف تذيب الجليد الذي يحيط معها …هذا الجليد الذي كانت تعشقه الان هي تمقته لانه السبب في ابتعاد أنس عنها …فكرة أن انس سوف يتركها تحط.مها بشدة ….احتشدت الدموع في عينيها وبدأت تنساب دون أن تستطيع أن تمنعها …لقد ذاب جليدها وظهر انهيارها لانه تفقده ..أنه يتسرب من بين يديها …شهقاتها بدأت تعلو لتتجمد مهرا وهي تنظر إلي مرام….أنها المرة الأولي التي تراها بتلك الحالة !!!…كادت أن تقترب منها إلا أن ادم انتهي من قراءة القرآن واغلق المصحف ثم قبله واقترب من مهرا وقال بهدوء:-سيبيها أنا هتكلم معاها.ابتسمت وهزت رأسها بتفهم ليقترب ادم من مرام ويجذبها من ذراعها ثم يلج بها الي الغرفة وهي ما زالت تبكي ومنها.رة تماما!!….في الغرفة الصغيرة …اجلس ادم شقيقته برفق ثم مسح دموعها بحنانه المعتاد وقلبه يعت.صر من الالم بسببها …لا يتحمل أن يري مرام بتلك الحالة …لطالما عهد مرام قوية لا تنهار ابدا …صحيح كان يكر.ه جمودها ولكن انهيارها الان يقت.لهربع ادم ذراعيه وقرر أن يتكلم معها بهدوء تام وقال:-ها يا مرام اتكلمي وقولي ايه اللي حصل …ليه الدموع دي ؟!…ليه الانهيار المفاجئ يا مرام…انا قلقان عليكي …صوتك امبارح مكانش عاجبني والنهاردة الاقاكي بتعيطي بالشكل ده !فيه ايه ؟!قوليلي!! …أنس زعلك ولا حاجة ؟!هزت هي راسها وقالت بصوت مختنق:-لا أنا اللي زعلته !اتسعت عيني ادم ثم افلتت منه ضحكة تعبر عن دهشته الشديدة من صراحتها وقال:-اه يا مفترية …كان لازم اعرف ان الراجل طيب وغلبان مش هيقدر عليكي يا ملكة التلج …ازاي خرجتي الراجل عن شعوره وكف.رتي عن سيئاته؟!….-ادم بطل سخافة أنا عايزاك تحل مشكلتي مش تتريق عليا !تنهد ادم وقال:-تمام يا حبيبتي قولي زعلتي أنس في ايه ؟!ابتلعت ريقها واغمضت عينيها ودموعها تتحرر مرة آخري …هذا صعب …صعب ان تعري مشاعرها امام أي احد ولكن من أجل انس هي مستعدة لفعل أي شئ..أي شئ…ولا تهتم .فتحت عينيها وقررت أن تقص علي ادم كل شىء ……..بعد أن انتهت اخيرا من الكلام …نظرت إلي وجه أخيها الغامض وهي تمسح دموعها وتقول:-أنس مبقاش يحبني يا آدم …خلاص انا قدرت اطفشه …هز آدم رأسه وقال :-مين ده اللي مبيحبكيش ؟! أنس…يا بنتي الراجل بيعمل اي حاجة في العالم عشان بس تفرحي …ده عرض نفسه أن بنته تتأخد من حضنه بس عشان بيحبك ومش قادر يخسرك …اتجه إليها وجذبها وهو يمسح دموعها مرة أخري وقال:-مرام أنس بس محتاج أنه يعرف انك بتحبيه …أنس محتاج حبك مش محتاج غير كده يا مرام …أنس اتحدي خوفه عشان يتجوزك حارب جدة بنته وخالتها عشان بس يتجوزك ..مش قادرة تعملي حاجة بسيطة عشانه …انك تحا.ربي خوفك ….نظرت إليه مرام بنظرات تتبشع بها الحسرة ليعانق هو وجهها ويقول:-عارف ..عارف يا حبيبتي قد ايه عانيتي…عارف ان اللي حصلك مش سهل …مش سهل تشوفي ذل امنا ولا ذلنا واحنا بنحاول نجيب فلوس عشان بس ناكل…عارف خوفك وحاسس بيه …بس ده انتهي ..أنس عمره ..عمره ما هيأ.ذيكي …اقدر اقولك أن مشوفتش حد بيحب مراته قد ما أنس بيحبك …حاربي يا مرام عشان متندميش في الاخر …فجأة انفجر.ت بالبكاء ليضمها هو إليه ويظل يتمتم وهو يربت علي ظهرها :-يا حبيبتي …يا حبيبتي…………-ايه اتقبض عليكي !!!صرخت بها ليل بفزع وهي تسمع صوت والدتها المنهار من علي الهاتف …توقف عقلها عن العمل للحظة ولكن فجأة لمعت عينيها وهي تعرف من السبب … بالتأكيد أنس…والدتها تهاونت به وهو اعطاها الضر.بة القاضية ببساطة ؛!!!كانت تعرف ان أنس لن يغفر لها…لن يغفر لها ابدا …-انا أعمل ايه …أعمل ايه دلوقتي ؟!قالتها ليل وهي ترتعش لتصرخ بها نيرمين وتقول:-هتعملي ايه يعني …اتنيلي اتصلي بالمحامي بتاعنا يتصرف يا ليل …أنا مقدرش ابات في السجن يا بنتي …ده أنا ممكن امو.ت فيها …احتشدت الدموع بعيني ليل …كانت مرتعبة وهي تفكر ان دورها قادم وان أنس سوف ينت.قم منها بكل تأكيد …-حاضر …حاضر يا امي …اقفلي أنتِ وانا هتصل بيه …هتصل بيه .ثم أغلقت بسرعة مع والدتها واتصلت بالمحامي فعلا ..ولكن للمرة الأولي لم يرد حاولت مرة واثنان وعشرة حتي اخيرا تكرم ورد عليها ..-اه يا متر انت فين ؟!!!قالتها ليل وهي ترتعش من الغضب وعينيها الخضراء لامعة كالقطط البرية …-انا سافرت فرنسا اتفسحلي يومين .-نعم يا اخويا …فرنسا ايه ..اتصرف وتعالي فورا امي اتقبض عليها !!صرخت ليل بغضب ليقول الاخر ببرود:-يا آنسة ليل قولت اني مسافر …مسافر ..أنا مش هاجي دلوقتي لو حصل ايه ..خلي الست الوالدة تستني شوية لحد ما اجي من السفر الاسبوع اللي جاي …سلام .ثم اغلق الهاتف بوجهها …لتتسع عينيها بصدمة وتقول:-ده قفل التليفون في وشي …قفله في وشي …اعمل ايه دلوقتي انا !!!قالتها وهي تجلس علي التردد وتبكي بقوة …تري كيف ستتصرف الان ووالدتها في السجن …كيف …شعرت ليل ان في تلك اللحظة عقلها توقف تماما عن العمل …شعرت أنها مكبلة وليس في مقدرتها أن تفعل. اي شئ …وعرفت وقتها أن ما كان يجب عليهما أن يتحدوا أنس !……….كان يجذبها امين الشرطة من ذراعها بقسو.ة بينما هي تطرق بعينيها في الارض ودموعها تتساقط …كانت تشعر بالخزي والعار…طمعها جعلها عمياء تماما وها هي سمعتها قد تحط.مت كليا ….فتح أمين الشرطة الباب ثم ادي التحية للضابط وقال:-المتهمة اهي يا فندم !-تمام يا شريف روح دلوقتي …قالها الضابط بهدوء لتتجرأ أخيرا وترفع وجهها ولكنها فجأة تجمدت وهي تجد امامها أنس يجلس براحة علي مقعده ومع شخص آخر عرفته فورا ..المحامي الخاص به !!!تري لماذا اتي؟!!فكرت نيرمين وهي ترتعش …كانت قد نسيت كل المشاكل بينهما في خضم الكارثة التي اوقعت نفسها بها ….-طيب يا أنس بيه هسيبكم أنا بقاقالها الضابط جمال وهو ينهض ليبتسم أنس في وجهه ويقول:-تسلم يا جمال باشا …خرج جمال من المكتب لينظر أنس الي نيرمين نظرة قاسية ويقول:-اتفضلي اقعدي عشان كلامنا هيطول …اقتربت هي منه دون أن تجلس وقالت وهي ترتعش بإنفعال:-انت…انت عرفت ازاي ان أنا هنا ؟!ليل قالتلك صح …الغب.ية دي …ازدادت ابتسامة انس اتساعا وهو ينظر إليها لتبهت هي وتقول:-مش معقول …مش معقول …كان انت …انت اللي عملت كده !!!!افلتت ضحكة من فم أنس وقال :-كان نفسي انكر واطلع بمظهر الجنتل مان يا نيرمين بس للأسف أنا حق.ير وعملت كده …وصدقيني استمتعت بكل دقيقة وانا بخطط فيها اني اد.مرك …ومتتخيليش اد ايه انا مبسوط وانا شايفك هنا يا نيرمين …بجد.همو ت من الفرحة …جلست علي المقعد بصدمة ودموعها تنفجر من عينيها وهي تنظر إليه …كانت لا تصدق أنه فعل هذا …كيف يتصرف بكل تلك الحقا.رة…-انت ازاي تكون حقي.ر بالشكل ده …قولي …ازاي تتصرف بالحقارة دي معايا !!!كان ينظر إليها وهو يرفع حاجبيه…كم هي وقحة …لا يصدق أنها تسأله الان !!ضحك بدهشة وقال:-شوف مين بيتكلم علي الحقارة …مش قادر اصدق يا نيرمين …صحيح عندما تتحدث العا.هرة عن الشرف …-اخرس …اخرس …قالت بإهتياج وهي تنهض وتمسكه من سترته غالية الثمن وهي تهزه بغل وتبكي …جل ما إرادته الان تقتله …هي حقا تريد أن تقت.له …فجأة نهض أنس وأمسك كفيها وهو يقول:-ششش…اخرسي واقعدي…ثم دفعها لتجلس علي المقعد الخاص بها ووضع كفيه في جيبه وقال:-اهدي عشان نتكلم في الشغل والا وديني يا نيرمين اسيبك تتعفني هنا في السجن ..مسحت دموعها التي انسابت وحبست البقية في سجن عينيها وهي تهز برأسها وتقول بتوتر:-ماشي …ماشي …اهو هديت …ابوس ايديك طلعني من هنا …ابوس ايديك …ابتسم أنس وأشار للمحامي الخاص به وقال:-انا جهزت كل حاجة يا نيرمين للحظة دي في الوقت اللي كنتي فاكرة نفسك أخدتي بنتي خلاص جهزت العقد الحلو ده ..ثم أعطاها العقد لتمسكه بين يديها وتقرأه بصدمة ثم بعد لحظات نظرت إليه وقالت بنبرة مرتعشة:-عايز تحرمني من حفيدتي ؟!!كانت مرتعبة …بتلك الطريقة سوف تضيع ثروة أنس من بين يديها …ضحك أنس وقال:-وانتِ يعني بتحبي حفيدتك اووي !الكلام ده مش عليا يا نيمو…عيب أنا فاهمك كويس …بس عموما ده شرطي عشان اطلعك من هنا …تتنازلي عن ملك نهائيا …العقد ده بيوضح انك في كامل قواكي العقلية خلاص مش عايزة حاجة تربطك بملك نهائي وان المدعو أنس الصاوي هو المسئول عنها وبس .-هتقطع صلة الرحم بيني وبين حفيدتي!قالتها وهي تمسح دموعها ولكن الحقيقة لم تكن تهتم ابدا بملك …جل ما إرادته هو المال …أن يعرض عليها أنس مبلغ محترم وستبتعد شاكرة …ضحك أنس بسخرية وقال:-صلة رحم !!هو اللي زيك يعرفوا يعني ايه صلة رحم أو رحمة حتي …أنتِ هتعمليهم عليا يا غالية إذا كنت عارف انك حتي محبتيش بنتك اللي ماتت ولا ندمتي علي اللي عملتيه فيها هصدق انك مهتمة بملك …امضي يا نيرمين والا هسيبك هنا وملك كدا كدا معايا ..متنسيش أن فيه شرط في العقد القديم بيقول لو اخلاقك مش كويسة اقدر اخد البنت منك للابد…وأنتِ يا فرحتي بيكي ممسوكة د.عارة …بس انا برضه حابب اساعدك فبعرض عليكي الصفقة دي ..أما بالنسبة لو فاكرة بالمناهدة بتاعتك دي اني هعرض كمان اديكي فلوس فلا انسي الموضوع ده خالص قولتلك أنا بقول عرضي مرة واحدة بس وقولت العرض ده من فترة وأنتِ رفضاني بغبا.ئك …واهو قدامك عرض اخير .. فرصة أخيرة امضي أو أمشي …-همضي ..بس ايه يضمني انك تطلعني ..-عيب يا نيرمين كلمتي لوحدها وعد !هزت راسها مستسلمة ثم مضت سريعا …ابتسم أنس واعطي الاوراق للمحامي وقال:-اعملي ميت نسخة ..محتاج اتأمل في جمال العقد ..ثم نظر إلي نيرمين وقال:-متقلقيش يا نيمو المحامي هيطلعك بكرة بالكتير ..ثم كاد أن يذهب فوقفت أمامه وقالت:-طلع نعمان من السجن ..أنا مش هخسر العريس اللي لقيته ليا …مش هخسر كل حاجة ! …ابتسم أنس مرة أخري وقال:-صدقيني مفيش اصعب عليا من اني اك.سر قلبك في الوقت ده يا نيرمين بس للاسف نعمان مش غني زي ما أنتِ فاكراه…ده واحد شغال في شركتي بيجيب القهوة والشاي وكده للموظفين ..عامل يعني بسيط …بس بصراحة ذكي جدا أنا هرقيه ..بهتت نيرمين لينظر إليها أنس وهو يدعي الاسف :-تعرفي مشكلتك ايه ؟!لما الموضوع يتعلق بالفلوس بتبقي غب.ية اووي يا نيرمين ..أنا اللي زقيت نعمان عليكي …الفندق اللي اخدك فيه ده بتاعي …وهو لما زعلل عينيكي بالفلوس بان رخصك …واستحلمتي تطلعي وتخرجي معاه من غير اي رابط بينكم ..بس فيه خبر سعيد …نعمان مش متجوز يا ستي ابسطي…هطلعه واتجوزوا…وانا مستعد اشهد علي فرحك يا قمر …سلام يا نيمو .ثم تركها وغادر وهي علي وشك الإصابة بنوبة قلبية!!!……….كانت ليل تمسك الهاتف وهي لا تعلم بمن تتصل …اكيد والدتها الان تشتعل غضبا لان ليل لم تتصرف ولكن ماذا تفعل وهذا المحامي الفاشل اختار هذا الوقت بالذات لكي يسافر … أطفأت سيجارتها بتوتر وهي تحاول أن تبحث عن حل …اخيرا اعتدي عقلها الي صديقة لها تعرف رقم محامي جيد …وما كادت أن تتصل بتلك الصديقة حتي دق باب شقتها الراقية ذهبت لتفتح الباب لتتجمد وهي تجد أنس أمامها ..-فين ملك !!!قالها أنس وهو يدخل دون إذن حتي …كان يدور بعينيه وهو يبحث بلهفة عن ابنته …-ايه ده ايه ده …استني هو أنت بتعمل ايه !!!قالتها ليل وهي تمسك ذراعه …نظر إليها أنس بغضب لتتوتر وهي تخضع لسحر عينيه …تقهقهرت قليلا وابتلعت ريقها وهي لا تقوي علي الكلام …شملها أنس بنظراته الساخرة وقال:-امك هتطلع بكرة متقلقيش المحامي هيضبط الموضوع …وطبعا مقابل ده هاخد ملك …ايه عندك مانع !!!لم تتكلم ليصعد هو السلالم الحديثة بالشقة واخيرا وصل لغرفة الصغيرة …فتح الباب ليخفق قلبه بقوة وهو يري ابنته تجلس علي فراشها وهي ترتدي حجاب صغير وتقرا قرآن ودموعها تتساقط من عينيها الجميلة …اعت.صر قلبه أ.لما لأجلها وقال :-ملك …لوكا حبيبتي …صدقت ملك بعد أن انتهت من قراءة الآية ثم اتسعت عينيها وهي تجد والدها …أسندت المصحف برفق علي الطاولة التي بجوارها ثم ركضت إليه وهي تقول:-بابي…بابي….رفعها أنس إليه وضمها بقوة وهو يقول والدموع تحتشد بعينيه:-حبيبتي….حبيبتي …وحشتيني …وحشتيني اوووي ….تساقطت دموع ملك وقالت:-وانت كمان يا بابي…وحشتني اووي …متسبنيش تاني …أبعدها قليلا وأخذ يقبل رأسها مرارا وتكرارا ودموعه تنفجر من عينيه ويقول:-ابدا …ابدا يا حبيبتي عمري ما هسيبك …عمري …خلاص يا ملك …أنتِ هتبقي مع بابا طول العمر …محدش هيقدر يفرق بيننا يا حبيبتي …محدش …ثم انزلها وهو يمسح دموعها ويقول :-يالا يا حبيبتي نجهز هدومك…عشان نمشي من هنا هنمشي من هنا ومش هنرجع تاني …مش هنرجع تاني يا حبيبتي ..هزت ملك رأسها بسعادة ثم بدأت بتحضير حقيبتها ……في الاسفل…كانت ليل شاردة وقلبها يخفق بعنف …لقد فعل أنس ما أراده …فجأة انتفضت عندما نزل أنس وهو يحمل ملك بيد وحقيبتها باليد الأخري بيننا يقبلها علي وجنتها بحب …ما أن نزل حتي انزلها وقال استنيني جمب الباب يا لوكا عايزة اتكلم مع خالتو شوية …ذهبت ملك راكضة لينظر أنس إلي ليل بجمود وقال:-ليل أتمني أن محدش فيكم لا أنتِ ولا امك تحاولوا تعترضوا طريقي تاني والا المرة اللي جاية مش هكون لطيف معاكم زي المرة دي !…………في صالة الفيلا …كانت تجلس علي الأريكة وهي تنتظره بقلب خافق …قررت اليوم أن تعترف له بعشقها …قررت أن تخبره أنها لا تعشق غيره …ستخبره بحبها لن تخفي حبها بعد الآن ….هي لن تبعد حبيبها عنها بعد الآن …بل ستعطيه قلبها ومشاعرها …ستجعله الحاكم الوحيد لقلبها…المتحكم الوحيد في دقات قلبها….احمر وجهها من الخجل وهي تتخيل مقابلتها له ما ان تراه …كل ما ستفعله انها سنذهب إليه وتعانقه بقوة …وهو لن يرفض …لا يمكنه أن يرفض حبها الذي تعرضه عليه …لا يمكن ..فجأة انتبهت مرام الي تأخر أنس و نظرت الي الساعة ..وهي تدرك ان صلاة التروايح انتهت منذ ساعة تقريبا وهي صلتها ولكن انس لا خبر عنه حتي الآن ..هو حتي لم يفطر.معها …يبدو انه حقا لا يريد ان يري وجهها …اخرجت هاتفها وكادت ان تتصل به الا ان صوت ملك جمدها-مامي مرام ..اوقعت مرام هاتفها واحتشدت الدموع بعينيها وهي لا تصدق ما تراه …ملك هنا وترتدي اسدال جميل يلائم سنها ويبدو انها عادت من الصلاة …كان أنس يحمل حقيبتها وهو يبتسم رغم ان السائق طلب ان يحمل هو الحقيبة الا ان انس لم يقبل ابدا !!ركضت مرام الي ملك وضمتها إليها بقوة ودموعها تنساب من عينيها وتقولها :-حبيبتي يا لوكا ..ابتعدت ملك وقالت وهي سعيدة:-بابا قال مش اني مش هبعد عنكم خالص …نظرت مرام الي أنس الذي هز رأسه وابتسم ثم اقترب من ملك وامسك كفها وقال:-يالا يا لوكا نطلع فوق …غيري هدومك عشان ترتاحي يا حبيبتيهزت ملك راسها بطاعة وصعدت مع والدها لتصعد أيضا مرام خلفهما …….بعد ان اوصل انس ملك الي غرفته ذهب الي غرفته وجلس علي الفراش وهو يزفر بتعب …اقتربت مرام هي منه وجلست بجواره وقالت:-ازاي رجعتها ؟!…بجد يا انس عملتها ازاي دي ؟!ابتسم أنس وقرر ان يحكي لها كل شئ…بعد لحظات وبعد ان حكي لها القصة كاملة شهقت مرام بقوة وهي تضع كفها علي فمها ثم ابعدت كفها وقالت:-انت…انت بجد مفتري…ابتسم أنس وقال:-البادي اظلم يا مرام …أنا مستحيل اخسر ملك …أنا وعدت اخويا …نيرمين مكانش لازم انها تتحداني…بعترف اني اتصرفت بحقا.رة بس هي اجبرتني أعمل كده.صمتت مرام وهي تتنهد وتعترف ان حقا نيرمين هي من عاندته …ابتلع أمس ريقه وهو ينظر الي مرام …كم يشتاق إليها …جل ما يريده الآن ان يضمها بقوة إليها …يتنعم.بحبها ….امسك هو كفها فجأة وقال؛-انا آسف يا مرام …آسف علي المعاملة بتاعتي الايام اللي فاتت ..أنا عارف اللي مريتي بيه مش سهل وعارف ان صعب تبيني مشاعرك بالسهولة دي …أنا اتسرعت ..أنا آسف …واوعدك اني مش هلومك تاني علي …-أنس أنا بحبك !قالتها مرام فجأة وهي تلهث…تجمد وهو ينظر إليها الا انها قالت مجددا والدموع تنفجر من عينيها:-انس أنا فعلا بحبك !رفع حاجبيه بدهشة وكاد ان يرد عليها الا انها قالت مرة اخري :-انا بحبك اووي …ثم وبجراءة نادرة من قبلها اقتربت منه وهي تضغط شفتيها علي شفتيه في قبلة سريعة ثم تبتعد عنه بوجه محمر من الخجل بينما كان هو مصدوم للغاية…نهضت هي من امامه وهي تذوب من الخجل ثم استدارت راكضة من الغرفة الا انها قبل ان تصل الي الباب خا.نتها ساقيها وسقطت ارضا علي وجهها …-مرام !قالها انس بفزع وهو ينهض ويقترب منها ثم يحملها بين ذراعيه …ابتسم أنس وهو يري وجنتيها الحمراء من شدة الخجل وقال:-معلش قبل البوسة مسمعتش قولتي ايه …ممكن تقوليها تاني..انتِ عارفة سمعي تقيل حكم السن بقا .لم ترد عليه بينما تدفن وجهها في صدره …ليس لديها الجراءة ان تواجهه بعد فعلتها تلك …اتجه هو به الي الفراش ووضعها برفق ثم امسك ساقها المصابة قديما وقال :-حصل لرجلك حاجة ؟!-ثم كاد ان يرفع فستانها البيتي الا انها صرخت قائلة:-لا لا …يا أنس متبصش !عقد حاجبيه بحيرة وقال:-مبصش علي ايه ؟!احمر وجهها وقالت:-الرجل دي هي اللي اتصابت في الحادثة …شكلها مش حلو خالص …صمت وهو يفهم اصرارها الدائم علي تغطية كاحلها …حتي عند ارتداءها قميص النوم تصمم علي ارتداء شراب طويل يغطي كاحلها …-انا بحبك انت ِ وبرودك اللي بيخليني اتجنن واصاباتك كمان …مفيش حاجة هتخليني ابطل احبك …ارتعشت هي من الداخل بينما رفع هو الفستان ليظهر كاحلها الذي كان ظاهر به الاصابة نسبيا… كاد ان يقبل اصابتها بشفتيه لتسحب كاحلها وتقول بارتعاش :-انت …انت بتعمل ايه ؟!اقترب منها وهو يقول بعنف عاطفي وقد ارتفعت نيران الرغبة بها في عينيه وقال:-انا عايزك الليلة تحبيني …عايزك تقولي أنك بتحبيني عايزك تقوليها مليون مرة !ثم مد يده الي فستانها ليخلعه ولكن فجأة تجمد عندما سمع طرقة علي باب غرفته وصوت ملك.يقول:-بابي ..تعالي ..-اووف يا ملك ..ده وقتك ..قالها أنس بضيق لتضحك هي ويذهب هو الي الباب ويفتحه…ابتسمت ملك ببراءة وهي تنظر إليه وقالت :-ممكن تيجي انت ومامي اوضتي ؟!……بعد قليل-يا ملك يا حبيبتي نامي وبكرة احكيلك حواديت …معقول جايباني أنا ومرام هنا عشان نحكيلك حدوتة !!!-لا مش عايزة انام دلوقتي يا بابي …احكيلي حدوتة الاول …قالتها ملك بعناد ولكن فجأة نظرت لمرام الجالسة بجوارها علي الفراش وعلي ثغرها ابتسامة رائعة مثلها وقالت:-لا بابي قصصه قديمة اووي …ممكن ماما مرام تحكيهالي …ضحكت مرام وهي تلعب في شعر ملك وقالت :-حاضر يا أنسة ملك هحكيلك حدوتة واديلك بوسة قبل النوم كمان …-طيب وبابا ليه بوسة قبل النوم ؟!قالتها ملك ببراءة لتحمر مرام بقوة ويتدخل أنس ويقول:-ايوة بابا عندها حق . بابا ملوش حاجة يا مرام؟ أصل بابا يتيم. والله أمي وأبويا ميتين، وأخويا كمان. ومليش ولا حبيب ولا قريب ولا غريب. إيه بابا ملوش في الطيب نصيب ولا إيه؟ ضحكت مرام بخجل، وتسطحت بجوار ملك وهي تقص عليها قصة. بعد نص ساعة تقريبًا، كانت ملك قد نامت. قبلتها مرام بهدوء، ثم نهضت كي تذهب. أمسكها أنس وقال:
فين بوسة بابا اللي قبل النوم؟ انس سيبني، بتعمل إيه؟
قالتها مرام وهي توبخه. فقال بنبرة طفولية:
يووه، اشمعنى لوكا بقى. مد خده وقال:
يالا بسرعة عشان أسيبك تمشي، وإلا مش هتخرجي من هنا. كانت مرام تذوب من الخجل، ولكن أسرعت كي تضع قبلة على وجنتيه. ليدير هو وجهه ويقبلها على شفتيها. اتسعت عينا مرام بصدمة. كانت تشعر بالجليد داخلها ينصهر ويختفي تمامًا. حاولت أن تبعده عنها، ولكنه كان متشبث بها بقوة. كانت تشعر أن الأرض تميد بها. شعرت بالضعف يغزوها، ولكن فجأة دفعته وخرجت هاربة من تلك المشاعر العنيفة التي انتابتها فجأة. ركض هو خلفها وحملها ليدخلها غرفتهما سويًا.
انس… انس نزلني، إيه اللي أنت بتعمله ده؟ هو رأسه وقال:
مستحيل أسيبك أبدًا أبدًا يا حبيبتي. قبل ما أنتقم منك على الجفاف اللي عيشتيني فيه، النهاردة هخليكي تقولي كل اللي في قلبك. بعد وقت طويل من اتصال روحهما لا جسدهما فقط، نام أنس وهو يشدها إليه. كانت مرام متوردة وهي تدفن رأسها في كتفه، تتذكر بخجل طلبه المتكرر بأن تخبره أنها تحبه، وهي أطاعته بكل حب. أخبرته كل مشاعرها، عرت قلبها أمامه، وأعطته كل ما يتمناه. رفع أنس رأسه وقبل رأسها وهو يغمغم من بين نعاسه:
مرام قولي أنك بتحبيني! لم تسيطر مرام على نفسها وانفجرت من الضحك وقالت:
بحبك يا أنس. بعد أسبوع. خرجت من كليتها وهي تنظر حولها كالعادة ولم تجده. لقد اختفى تمامًا منذ أسبوع، فلم يعد يقف كما اعتاد كل مرة. تنظر إليه على أمل أن تجده، ولكن دون جدوى. عقدت حاجبيها بضيق وهي تأنب نفسها وتقول:
وأنتِ مال أهلك يا ليلي؟ هو كان من بقية عيلتك الكريمة؟ ده أنتِ تنحة بصحيح. مالك بيه مفروض تفرحي إنه بطل يراقبك. تلاقيه لقي واحدة تاني و بيلف عليها، ما هو واحد نسوانجي هتأخدي عليه، والله عيب عليكي. بنت يا ليلي واقفة عندك ليه؟ يالا عشان نروح.
قالتها ميار وهي تقترب من ليلي الشاردة، ثم نظرت إلى المكان التي تنظر إليه وفهمت، ثم قالت:
جرا إيه يا لولا؟ إيه يا لولا؟ هو الواد أخد عقلك ولا إيه؟ ضربتها ليلي على رأسها وقالت:
اتلمي يا قليلة الحيا. مين ده اللي ياخد عقلي؟ فشر. أنا عقلي في راسي. أنا بس كنت سرحانة في امتحان النهاردة، خايفة مكونش حليت كويس. ضحكت ميار وقالت:
عليا يا لولا. عيب عليكي والله. ده حتى حرام الكدب. إحنا في رمضان. ميار بطلي سخافة ويالا بقا نروح. أنا صايمة ومش طايقة روحي.
الله مالك يا بنت؟ بقيتي عصبية ليه؟ أنا بهزر معاكي على فكرة. أنا عارفاكي مستحيل تبصي له ولا تحبيه بعد مشاكله مع أخوكي. آدم مش هيرضي أصلًا. وهو شكله اقتنع وعشان كده بعد. تجهم وجه ليلي وارتعش قلبها داخل صدرها وهي تمنع الدموع من الاحتشاد في عينيها. صحيح ما الذي تفكر به؟ لا أحد سوف يقبل. كيف تفكر هكذا؟ كيف؟ لابد أنها فقدت عقلها. لا تربطها مشاعر بهذا الشخص إلا الكره. الكره فقط. هي ستظل تكرهه إلى آخر ثانية في عمرها. لا يوجد شئ بينهما إلا الكره. الكره فقط. كررتها في عقلها لعلها تقتنع. ليلي روحتي فين؟
قالتها ميار بقلق. صديقتها تبدو مريبة تلك الأيام. ذلك الشرود لا يبشر بالخير. فتحت فمها لكي تسألها إلا أن ليلي نظرت إليها وهي تعطيها ابتسامة واسعة وتقول:
أنا عارفة أنك بتهزري. عشان كوني أفكر في الشخص ده، فهو ده الجنان بعينه. مستحيل طبعًا. يالا يا أوختي نمشي عايزة أرتاح شوية، الامتحان فرهدني! وبس يا سيدي، أهي دي كل الحكاية. معرفش فجأة حسيت نفسي بحبها أوي وبقيت كل يوم أروح أقف قدام الكلية بتاعتها زي مراهقين تانية إعدادي أشوفها لما تروح أو تيجي الكلية وبعدين أمشي. قضيت أيام على كده. بس كانت لما تشوفني تبصلي بقرف كأني برص.
قالها مروان وهي جالس تحت ساقي والده بينما يضحك والده من قلبه ويقول:
مش معقول الدنجوان يقع الوقعة دي. ضحك مروان وقال:
اديني وقعت يا أخويا. ولا إيه يا بابا؟ أول مرة شافتني فيها قالتلي يا عمو. أنا عمو. ضحك وائل مرة أخرى حتى شعر أن قلبه أوجعه من كثرة الضحك. منذ أسبوع تقريبًا ومروان لا يتحرك من تحت قدميه إلا على النوم أو الصلاة. يضاحكه بتلك الطريقة ويفطر معه. باختصار، لا يضيع أي دقيقة ويقضيها معه. ومعظم حواراتهما تكون فكاهية مضحكة. البنت دي علمتك الأدب.
اه والله.
قالها مروان وهو بيضحك. ابتسم وائل وربت على رأس مروان وقال:
بتحبها يا مروان. ابتسم مروان بحزن وقال:
وايه الفايدة؟ هي كدا كدا مبتحبنيش ولا عمرها هتحبني. وده مش ذنبها. أنا اللي غلطان يا بابا. أنا بوظت حياة ناس كتير ويمكن ده ذنبي. يمكن أنا مستاهلش الحب. شد وائل على كفه وقال بإنفعال:
غلط. أنت تستاهل كل الحب اللي في الدنيا يا مروان. تستحقه. ضحك مروان وقال:
انت بتقول كده عشان أنا ابنك. لكن أنا فعلا إنسان بشع. عملت حاجات كتير مش كويسة. حتى لو توبت برضه مينفعش أني عملت حاجات وحشة أوي. الحمد لله أنا راضي بعقاب ربنا. المهم إنك متبعدش عني. تجهم وجه وائل وهو ينظر إليه. ثم قال مروان بإبتسامة مشرقة:
معرفش ليه يا بابا بس حاسس إن بجد فيه معجزة هتحصل وهتخف بإذن الله. أنا حاسس كده بجد إنك هتبقى معايا. ابتسم والده وقال:
وأنا معرفش ليه يا مروان حاسس إن البنت اللي بتحبها هتكون من نصيبك وهتحبك. ضحك مروان بسخرية وقال:
ده مستحيل يا بابا. مفيش حاجة مستحيلة يا بني. وأنا أهو بدعيلك إن البنت تحبك.
ثم رفع وائل كفيه وقال:
يارب هي تحبك يارب. قبل العيد بيوم. يا كحك العيد يا احنا. يا بسكويت يا احنا. يا شربات يا احنا. في الكوبيات يا احنا. يا فناجين يا احنا. يا مرصوصين يا احنا. يا مهلبية يا احنا. على الصينية يا احنا. يا عود نعناع يا احنا. عند البياع يا احنا. يا عود ملوخية يا احنا. على العربية يا احنا. يا بلح بريمو يا احنا. يتباع بالكيلو يا احنا. يا سمن سايح يا احنا. دوة الصفايح يا احنا. يا شربات يا احنا. في الكوبيات يا احنا. يا احنا يا احنا. ومحدش حلو اللي احنا. كانت حياة تغني مع والدة أحمد وهي تضحك بسعادة وتصنع الكحك. من أول ما تعاملت مع تلك السيدة الطيبة وهي تشعر أن الضرر الذي في قلبها شفي تمامًا. لقد شعرت أنها والدتها. أحست بحنان الوالدة المفقود. أحست بالدفء الأسري الذي حرمت منه. إيه ده؟ كحك بيعمل كحك.
قالها أحمد مازحًا وهو يدخل إلى المنزل. تورّدت حياة وهي تنظر إليه. في الأيام السابقة أثبت أنه محل ثقة. ورويدًا بدأت تتخلى عن حذرها ووثقت به. اقترب أحمد من والدته ثم قبلها برقة على رأسها. وقال:
جبتلك الشوكولاتة اللي طلبتيها يا ست الكل. تسلم يا غالي.
قالها وهي تكمل ما بيدها لكي تدخله الفرن وتنهي. اقترب أحمد من حياة ثم قبلها على رأسها وهمس بحب:
وحشتيني يا حبيبتي. ضربته والدته على كفه وقالت:
عيب يا واد لما تتجوزوا. ضحكت حياة بخجل، بينما أخرج أحمد من جيبه علبة مخملية وقال:
الخاتم جاهز بس ناقص موافقة العروسة. ابتسمت حياة بتوتر ليمسك أحمد كفها ويقول:
تقبلي يا بنت الحلال تتجوزيني وتعيشي معايا باقي عمرك وعمري. عمري ما هسيبك. عمري. ابتسمت حياة بحب وهي تهز رأسها ليضحك أحمد ويضع الخاتم المآسي بإصبعها ويقبله قائلًا:
بحبك يا ست البنات. يوم العيد. وبعد الصلاة. يا مهرا يا مهرا كفاية بقى.
كان آدم يصرخ بمهرا التي تتناول طبق السمك المملح (الفسيخ) بنهم مع ليلي. كان آدم يحاول منع كليهما ولكنه يعرف ليلي جيدًا لن تقبل. بالإضافة أنها كل عام تأكل تلك الأكلة الغريبة وآدم يستغرب كيف أنها لم تتسمم من قبل. ظهرت على وجهه علامات التقزز وهو يرى مهرا تأكل كأنها لم تأكل من قبل. نظرت إليه وقالت:
ما تيجي يا دومي تاكل. بس يا بت بطلي قرف.
قالها بقر.ف لتضحك مهرا وليلي. بينما حسناء تجلس وتتابع التلفاز وهي تضحك أيضًا. هي أيضًا لا تحب السمك المملح كحال آدم ولا حتى مرام. لا أحد يعلم كيف أحبت ليلي تلك الأكلة وجرت مهرا إليها. ربع آدم ذراعيه وقال لليلي:
عارفة يا ليلي لو مراتي حصلها حاجة هنفخك بجد والله. عشان أنتِ اللي عرفتيها على الأكلة دي. ثم ذهب من أمامهما غاضبًا ليضحكا الاثنان سويًا ويكملان أكلهما. بعد ساعة تقريبًا. كانت مهرا في الحمام تتقيأ بعنف بينما ليلي في الخارج تضرب وجهها بفزع وتقول:
يالهوووي البت هتروح مننا. آدم هينفخني. لا ده هيقتلني. يا مهرا يا حبيبتي أبوس إيديكي خلينا نروح الدكتور. إيه اللي بيحصل هنا؟
قالها آدم وهو يقترب منها ليشحب وجهها وتقول بتلعثم:
ا… ابيه. إيه اللي حصل لمهرا؟
قالها آدم وهو مرتعب ثم كاد أن يدخل الحمام إلا أن مهرا خرجت وارتمت بين ذراعي آدم وهي تقول قبل أن تفقد الوعي:
وديني المستشفى. أنا بموت. مهرا.
صرخ آدم برعب. في المشفي. كانت مهرا في غرفة الطوارئ بينما آدم يلتف حول نفسه ثم يرمق ليلي بغضب.
يا ابيه ما أنا أكلت أهو وزي الفل. اخرسي يا ليلي اخرسي. مهرا متتحملش الأكلات دي. وبعدين أخي البت اتسممت وأنتِ واقفة قدامي زي القردة. شهقت ليلي وهي تشير إلى نفسها وقالت:
أنا قردة يا أبيه؟ الله يسامحك. بعدين متقلقش يا سيدي بإذن الله تكون بخير ويكون ده شوية برد في المعدة مش أكتر. يستحسن يكون فعلاً كده عشان لو كان فيه تسمم هشرب من دمك.
الدكتور خرج يا ابيه.
قالتها ليلي ليركض آدم إلى الطبيب بلهفة ويقول:
ها يا دكتور؟ طمني يا دكتور. مراتي كويسة. أنا والله قولتلها بلاش تاكل فسيخ بس أنت عارف دماغ النسوان و…. ضحك الطبيب وقال:
اهدي اهدي يا باشا. مراتك كويسة. والف مبروك يا سيدي المدام حامل. اهو فيه مسرحية العالم كبرت يا بابا. تعالي نتفرج عليها كده كده ملناش غيرها.
قالها مروان وهو يبتسم. كان وائل يشعر بالتعب ولكن لم يريد أن يخبر مروان على هذا. مروان.
قالها وائل لينظر إليه مروان ويقول:
نعم يا بابا عايز حاجة. ابتسم وائل. توتر مروان ونظر إلى والده والالم يعصف به. اقترب بخطوات مرتعشة إلى والده ليضمه بقوة.
أنا آسف. آسف يا بني. أنا على إيه يا بابا؟
قالها مروان بصوت مختنق ودموعه تتساقط ليرد وائل:
آسف إني هروح قبل ما أديك الحب اللي تستحقه. بابا.
قالها مروان بصوت مختنق وهو يبكي ليلفظ وائل أنفاسه الأخيرة بين ذراعي ابنه. ويبقي عناق الحب الذي تمناه مروان من والده حصل عليه ووالده يفارق الحياة.
رواية عروس رغما عنها الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سوليية نصار
(انكسار مروان)
-ايه حامل…أنا مراتي حامل ؟!
قالها ادم وعينيه.الزرقاء تلمع بقوة كان لا يصدق ما يسمعه …لا يصدق ابدا …شعر وكأن قلبه سوف يخرج من صدره من فرط الاثارة…
ابتسم الطبيب وقال:
-ايوة حامل يا سيدي في الشهر الأول أنا انصحك ان….
ولكن ادم قاطعه وهو يقول :
-يا حبيبي يا دكتور .
قالها ادم وهو يجذب الطبيب ويعانقه !!!اتسعت عيني الطبيب بصدمة وتجمد وهو لا يعرف ماذا يفعل …ابعده ادم سريعة ثم بدأ يقبله علي وجنتيه مرارا وتكرارا وهو يقول:
-والله انت دكتور زي العسل ….انت وش الخير …
لطمت ليلي وقالت:
-يخربيتك يا ادم هتشبه نفسك …
حاول الطبيب ان يبعد ادم المتمسك به ويقبله الا انه فشل تماما …لتقترب ليلي في تلك اللحظة وتشد ادم وتقول:
-ابيه…ابيه كفاية سيبه هتشبه نفسك وتشبهني …
ابتعد ادم.عن الطبيب بصعوبة..ليمسح هو خده بقرف ثم يذهب بغضب من امامه بعد ان قال له :
-تقدر تدفع الحساب في الاستقبال وخد مراتك ويارب مشوفكش تاني وابقي تابع مع دكتور نسا …
بعد ان ذهب الطبيب قال ادم بحيرة :
-هو الدكتور زعل ليه.؟!
ضحكت ليلي بدهشة وقالت:
-لا بجد …أنت مش عارف زعل ليه يا ادم …حرام عليك ..مسكت في الراجل وقعدت تبوسه في وسط المستشفي وشبهته وشبهت نفسك ….الناس تقول ايه علينا ..
هز.ادم كتفه وقال:
-هتقول واحد فرحان عادي يا ليلي ….دي مراتي حامل …متتخيليش أنا فرحان قد ايه .
ابتسمت ليلي بحنان وقالت:
-مبروك يا حبيبي مبروك …
ثم ضمته إليها …كانت هي الاخري سعيدة من أجل شقيقها …ومهرا أيضا …هم يستحقان كل السعادة في العالم …..
……
كانت مهرا تتسطح علي الفراش وعلي شفتيها ابتسامة رائعة بينما تربت علي بطنها بحب …هي سوف تصبح ام …تصاعدت الاثارة داخلها …الأم سيكون بينها وبين ادم رابط قوي …رابط قوته تناقل قوة حبهما …
-الف مبروك …ألف مبروك يا حبيبتي ..
قالها ادم وهو يدخل الي الغرفة ثم يضمها اليه
-احم …احم يا ابيه نحن هنا .
قالتها ليلي مازحة ليبتعد عن مهرا وينظر الي ليلي بضيق ويقول:
-اطلعي يا بت برا …يالا برا …
نفخت هي بضيق مصطنع وقالت:
-هيجي يوم وتندم يا جميل .
ثم خرجت وسط ضحكات مهرا وادم …
..
نظر ادم بحب الي مهرا وامسك كفها وهو يقبله بحب ويقول:
-هتبقي احسن ماما في العالم يا مهرا …تمن شهور وهيشرف ابننا او بنتنا…
ابتسمت مهرا وتجمعت دموع السعادة في عينيها لتنتقل الدموع إليه فجأة وتبتل عينيه الزرقاء بالدموع وتنساب من شدة عاطفته ثم قال:
-شكرا يا مهرا …شكرا يا حبيبتي عشان كل مرة بتديني السعادة بعد ما افتكرت ان مش من حقي افرح ..
انسابت دموعها أيضا وعانقته وهي تقول:
-شكرا ليك يا حبيبي لأنك معايا … شكرا لأنك حبتني وخلتني اسعد انسانة في العالم كله .. شكرا لأنك في حياتي يا ادم …أنا حياتي ملهاش لازمة من غيرك !
…………
بعد ان خرجا من المشفي وبعد ان وصلا لمنزلهما
-يا ادم نزلني …انت تقريبا من المستشفى وانت شايلني مسبتنيش الا في التاكسي !
قالتها مهرا وهي تضحك بينما ادم يحملها كأنها زجاج هش …كان رقيق معها للغاية …منذ أن علم بخبر.حملها وهو يطير حرفيا من السعادة ..ضحك وهو يتذكر انه عانق الطبيب وبدأ بتقبيله علي وجنته …لابد ان الطبيب أعتقد أنه مختل عقليا…حسنا هو لديه حق فآدم بعد هذا الخبر فقد عقله من السعادة….
فتحت حسناء الباب بعد ان رنت ليلي الجرس وشهقت قائلة:
-فيه أيه يا ادم …ليه شايلها بالشكل ده ؟!
كانت مصدومة …وايضا توترت خشيت ان يكون اُصيب مهرا شئ …فمعدة تلك الفتاة لن تتحمل السمك المملح …
-حصلك حاجة يا مهرا؟!
قالتها حسناء بقلق لتهز مهرا رأينا بينما يدخلها ادم الي المنزل …ذهب برفق الي غرفتهما القديمة ووضعها علي الفراش ثم قال بأمر:
-تقعدي وترتاحي …اياكي تعملي أي حاجة …أنا من النهاردة ورايح هطبخ واغسل الهدوم والمواعين واكنس واعمل كل شغل البيت …عارفة يا مهرا لو لقيتك شيلتي قشاية من الأرض هنفخك …
ضحكت مهرا بقوة لتقول حسناء:
-ما تفهموني يا ولاد فيه ايه ؟!
ضحكت ليلي وقالت:
-مهرا حامل يا ماما …ايه لحد دلوقتي مفهمتيش !
لم تكتم حسناء سعادتها واطلقت زغرودة عالية .
……….
كانت الدموع تحتشد في عينيه يرفض تحريرها لانه بالاساس يرفض تصديق الأمر …لا يمكن …لا يمكن أن يتركه والده …لا يمكن ..لا يمكن أن يُحرم من آخر شخص احبه …كان يضم والده بقوة ويقول بنبرة خالطها البكاء :
-بابا …بابا ابوس ايديك اصحي …اصحي يالا هنخرج سوا … بابا انت بتعمل كده عشان تخوفني صح …رد عليا…
كان يصرخ وهو. يضمه بقوة …يرفض ان يتركه ويرفض.ان ينظر إليه حتي …يرفض تقبل الحقيقة القاسية ..تقبل حقيقة انه اصبح وحيد …لا أحد له ….
وقف حمدي متجمدا امام الباب وهو يري ذلك المنظر الماثل امامه …انخلع قلبه وهو يدرك ان وائل ما-ت…الرجل الذي يدين له بالكثير …لقد اتي ليراه ويطمئن عليه وهو مات …لم يستطع حتي ان يودعه …اعتصر قلبه من الألم وهو لا يعرف ماذا يفعل …كان متجمدا تماما وهو يري مروان يضم والده ويصرخ به ان يتحرك …تألم قلب حمدي وهو يري ذلك المسكين الذي تدمرت حياته وخسر كل شئ…
جمع حمدي شتات نفسه واقترب من مروان بخطوات مرتعشة ثم امسك كتفه وهو يقول بنبرة مختنقة من شدة البكاء :
-مروان ..مروان كفاية يا ابني حرام عليك ..كفاية …
ولكن مروان لم ينظر إليه حتي ولم يصمت بل استمر في التوسل لوالده كي يستيقظ بينما قلبه ينزف داخل صدره …
شده حمدي بعن.ف من علي والده حتي جعله مقابله وقال :
-مروان يا ابني..كفاية …كفاية حرام عليك خلاص ابوك راح للي خلقه!!…
-لا لا …سيبني …سيبني ..
كان مروان يصرخ بإهتياج وحمدي لا يستطيع السيطرة عليه …كان منها.ر بالكامل الدموع التي حبسها طويلا انفجرت من عينيه فبدت كالامطار في ليلة ممطرة عاصفة. .كان الألم يعصف به بقوة يشعر ان قلبه يتفتت …والده لا يمكن أن يمو.ت …لا يمكن أن يتركه …فليمو.ت هو أيضا لان الحياة لا تحبه…لقد ايقن هذا !!!
-مروان …مروان كفاية ..
كان حمدي يصرخ وهو يمسك الفتي المنها.ر بينما اتي الخادم بالمنزل وامسك مروان معه وعينيه مشبعة بالدموع علي تلك الحالة السيئة التي وصل لها مروان
كان مروان يصرخ من قلبه…يصرخ وقد انهار …انك.سر كليا !!!
-يا مروان ..كفاية كفاية …
صرخ بها حمدي الا ان مروان لم يصمت ما زال يبكي ويصرخ ….ما زال متحط.م …
-لا لا محدش يغطي وشه…محدش يغطي وشه هو عايش…عايش …
قالها بعد ان غطي احد الخدام وجه وائل …بينما طلب حمدي من الخادم الاخر ان يمسك مروان معهما ليخرجه من غرفة والده وبالفعل بالقوة اخرجوه ثم بالقوة أيضا ادخلوه غرفته واغلقوه عليه الباب …
…
اخذ مروان يضر.ب الباب وهو يصرخ:
-افتحوا الباب …افتحوه …افتحوه لا…بابا عايش .. محدش هياخده مني ..محدش هياخده مني …
ثم انها.ر واقعا علي الأرض وهو يبكي ويضم ساقيه الي جسده ويقول:
-هو مستحيل يسيبني …هو مش هيسيني …اعيش ازاي أنا دلوقتي اعيش ازاي …..امي وابويا سابوني اعيش ليه…اعيش ليه!!
ثم نهض واتجه الي المرآة ونظر الي انعكاسه …كان وجهه احمر ومحتقن …عينيه حمراء كالدماء ..الدموع تشوه وجهه الجميل …
-ده مش حقيقي أكيد ده كابوس …هو مامتش …هو مامتش …لاااا
صرخ مرة أخرى وهو يضر.ب المرآه بذراعيه حتي تهشمت بالكامل بينما ارتفع صراخه اكثر وهو يقول ؛
-ليه هو يمو.ت وانا لا …ليه ارجع وحيد تاني …
انفتح الباب ودخل حمدي ثم تجمد وهو يري ذراعي مروان الملطخة بالد.ماء والمرآة المهمشة….
-مروان !!
قالها الرجل مصدوما لينظر إليه مروان بإنهاك ثم يفقد الوعي !!!
…………
-اسبوع ؟!عايزنا نتجوز بعد اسبوع يا احمد هنلحق نجهز نفسنا ازاي ؟!
قالتها حياة وهي تجلس بجوار والدة أحمد التي تضحك بسعادة وهي تري السعادة المرسومة علي وجه ابنها وحياة …حياة التي باتت تعتبرها ابنتها أيضا….كانت تدعو من قلبها ان يتم الموضوع علي خير …فهي تعرف كم تأ.لم ابنها عندما ابتعد عن حياة …
جلس احمد أيضا بجوارهما وامسك كف حياة وقال:
-يا حبيبتي …البيت اللي هنتجوز فيه جاهز وانا دلوقتي معايا صور لفساتين الفرح …اختاري الفستان اللي عايزاه وانا هتصرف واجيبه بس خلينا نتجوز بعد اسبوع …أنا خللت جمبك يا حياة !
قال جملتها الأخيرة بغضب لتنف.جر كلا من حياة ووالدته بالضحك..
تنهدت حياة وقالت:
-طيب يا حبيبي خليها علي الأقل اسبوعين نكون جهزنا نفسنا كويس انت مستعجل كده ليه…هو أنا هطير…
شد هو علي كفها بقوة وقال :
-ايوة خايف تطيري …انتِ طلعتي عيني عقبال ما وافقتي أخيرا واتكرمتي تتجوزيني فمستحيل اسيبك …
ضحكت حياة مرة اخري وهي تعترف ..هي فعلا اتعبته حتي وافقت …حتي حينما اعطته فرصة كانت مترددة جدا علي قبول عرضه بالزواج ورغم ذلك هو لم يكل ولم يمل من طلب الزواج بها …حقيقة انه دوما يحمل الخاتم معها ولا يفوت أي فرصة حتي يعرض عليها ان تتزوجه ..وكم هذا جعلها تشعر انها تذوب كليا …ورويدا بدأت تعطيه ثقتها بالكامل !
تنهدت حياة وهي تنظر إليه واعطته ابتسامة واسعة …ابتسامة جميلة كجمالها بينما عينيها البنية ترمقه بحب كبير وثقة بالغة:
-ماشي يا احمد اللي تحبه…
-ياااه أخيرا يا عنيدة انتِ ..
قالها براحة ثم جذبها اليه وعانقها بقوة ..
-واد ..واد انت ابعد عنها !!!
صرخت والدته بغضب وهي تضر.به علي ذراعه ليبتعد عنها …ابتعد احمد علي مضض لترمقه والدته بغضب وتقول:
-ايه يا احمد بيه أنا مش قولتلك متلمسهاش الا لما تتجوزوا …قولت ولا مقولتش …
ضحكت حياة وحاوطت كتف حماتها المستقبلية ونظر لأحمد كي تغيظه وقالت:
-ايوة بجد يا احمد …ماما عندها حق ..مينفعش كده …وانا موفقاها جدا …
نظر إليه بغضب لتخرج لسانها وتضم والدة احمد.اليها…نظر إليها احمد وقال مصطنعا الغضب:
-حاضر ..حاضر أنا هوريكي …استني بس اخلص اللي ورايا ..
ضحكت حياة ليقول احمد بجدية الآن:
-بما ان خلاص اتفقنا يا حياتي ..ايه رايك نختار الفستان يا روحي
ابتسمت حياة. وقالت :
-طيب نتكلم علي الشقة الأول ونقول القرار لماما ..
هز احمد راسه لتنظر والدته إليه بحيرة وتقول :
-فيه ايه يا واد ؟!انطق فيه ايه ؟!
ابتسم احمد وقال:
-الموضوع يا ست الكل اني قررت أنا وحياة أننا هنسكن في الشقة الكبيرة اللي اشترتها وحابين يعني ناخدك معانا بدل بهدلة الايجارات وكده …قولتي ايه ؟!
-انت عبيط يا ولا …انت ومراتك هتسكنوا في شقة أنا اجي أعمل ايه اكون محرم مثلا …خلي عندك دم انتوا كمتجوزين لازم يكون ليكم خصوصية وابقوا تعالوا زوروني …
ابتسمت حياة وامسكت كفها ثم قبلته وقالت:
-بس يا ست الكل أنا عايزاكي تسكني معانا …مش بتعتبريني بنتك ؟!
هزت هي راسها لتبتسم حياة وتقول:
-وانا عايزة امي تسكن معايا …عايزة احس بحنانها…
كانت كلمات حياة نابعة حقا من قلبها وقد تأثرت والدة أحمد كثيرا وتألم قلبها علي تلك الفتاة المسكينة …ارادت بأي طريقة ان تخفف عنها !
ابتسمت هي وقالت:
-حاضر هسكن معاكم …
لتبتسم حياة وتعانقها فجأة رن هاتف حياة لتنفصل عن حماتها المستقبلية وتنهض وهي تخرج هاتفها …انقبض قلبها وهي تري ان الذي يتصل هو حمدي الرجل الذي يعمل لدي والد مروان ردت عليه سريعا لتشحب وتقول بنبرة منها.رة :
-بتقول ايه ؟!!!
………………..
في اليوم التالي ….
-حامل .
قالها جدها وهو يبتسم بحب ويمسك كفها …كان متسطح علي الفراش….الآونة الأخيرة كان متعب للغاية ….ساءت حالته وقد ايقن انه سوف يموت قريبا !!
ابتسمت مهرا وقد احمرت وجنتيها جراء الخجل وقالت:
-ايوة يا جدي ..عرفت ده امبارح عشان كده مقدرتش اجي…ادم من وقت ما عرف وهو شايلني في عينيه حرفيا ..مش بيخليني اتحرك ابدا …بفضل اضحك عليه وعلي تصرفاته …
ضحكت مروة وقالت:
-اكيد يا بنتي الراجل هيكون اب يا عيني الفرحة مش سايعاه …الطفل اللي هيجي هيخلي علاقتكم اقوي بإذن الله …
ابتسمت مهرا واطرقت برأسها ليتنهد جابر بحزن…يتمني من كل قلبه ان يعيش حتي يري حفيدته …لقد ايقن ان ادم ومرام وليلي لن يسامحوه فعلي الأقل يري حفيدته …لا يريد ان يمو.ت قبل ان يراها …نظر جابر الي مهرا وقال بتردد :
-هو ادم مجاش معاكي يا مهرا ؟!
نظرت مهرا الي جدها بشفقة واحست بتأنيب الضمير…لان ادم اتي فعلا ولكنه بقا خارجا وهي لم تجبره علي الدخول خوفا من ان تحدث بينهما مشكلة كالعادة …فالايام السابقة كانت اجمل ايام حياتها …فقوة حبهما تغلبت علي كل شئ ولكن ما زال موضوع جدها مسبب توتر خفي بينهما !!!
-ادم برا يا جدي قال هيستناني لحد ما اسلم عليكم وهنمشي سوا …
ابتلع جابر ريقه وقال بتردد:
-معلش يا مهرا …ممكن تطلبي منه يدخل ويقابلني …أنا عايزة اشوفه ضروري …
دون نقاش هزت مهرا راسها ثم ذهبت لتتصل بآدم.
……..
لقد دخل ..اتي إليه ووقف امامه وعلي رغم وجهه المتجمد الا ان قلبه يعتصر بسبب حالته تلك ولكنه ابدا لن يظهر هذا …لن يجعل جابر عزام يظن ان ادم سوف يسامحه …الغفران بعيد المنال !!.
-عايز اتكلم مع ادم لوحدي …ممكن لو سمحتوا تسيبونا لوحدنا؟!
قالها جابر بصوت منهك لتهز مهرا رأسها وهي ومروة ويخرجان بكل هدوء …والان اصبح مواجه لادم الذي ينظر إليه بوجه خالي من المشاعر …
-قرب يا ادم عايزك جمبي ..
قالها جابر وهو يمد كفه الا ان ادم قال بجمود:
-شكرا انا مرتاح هنا …
اسقط جابر كفه بيأس وقد احتشدت الدموع بعينيه وقال:
-عارف أنا مستاهلش أنك.تسامحني يا بني أنا اذ.يتكم كتير اووي ..
-كويس أنك عارف ..
قالها ادم بجمود وهو يحاول أن يقسي قلبه …كان لا يجب ان يشعر بالشفقة علي جابر عزام …ولكن للأسف شعر بالشفقة والحزن عليه …ليت قلبه كان حجر ولم يشعر بكل تلك المشاعر التي تخنقه …
انسابت دموع جابر وقال :
-انا همو.ت يا بني
احرقت الدموع عيني ادم وقال بنفس الجمود وكان قناع جموده علي وشك التحطم:
-كلنا هنمو.ت يا جابر بيه …
انسابت دمعة خائنة من عينيه وقال:
-زي بالضبط ما ابويا ما.ت …بسبب حضرتك…
بكي جابر …بكي كالطفل الصغير ليهز ادم راسه ودموعه تنفجر من عينيه بغزارة ويقول:
-عايزني اسامحك …بتب.تزني عاطفيا عشان اسامحك …اسامح الراجل اللي د.مر حياتنا …قت.ل ابويا…
-كفاية يا ادم …كفاية يا بني ..
قالها جابر بعذا.ب ليرد ادم ويقول:
-عندك حق …كفاية …كفاية كده متطلبش السماح مني لأنك مش هتناله يا جابر عزام …أنا مش زرار هتدوس عليا. هسامحك …انا انسان …انسان حضرتك.سر.قت منه ابوه …سعادته واحلامه…انسان كل يوم هيفتكر أنك حرمته من اجمل ايام حياته ..هفتكر دايما ان احلامي ضاعت بسبب غرورك.فأرجوك متطلبش السماح عشان بس حاسس نفسك هتمو.ت لان لولا احساسك بالمو.ت مكنتش عرفت اصلا أنك غلطت في حقنا يا جابر بيه !
قالها ثم غادر …غادر تاركا اياه يبكي !!
………..
بعد اسبوعين …
وقف امام قب.ر والده …ذقنه ناميه قليلا وعينيه حمراء …ملامحه منهكه ويبدو كمن فقد روحه…بعد اسبوعين من الانهيار العصبي الذي عاشه بالمشفي …العديد من التوسلات ليخرج الا ان الأطباء رفضوا بأمر من حمدي …حالته كانت سيئة جدا جدا…لم يكن في وعيه…خاف الجميع أن يؤذي نفسه لذلك حجزوه بالإجبار…وحياة واحمد لم يتركوه وقفوا بجواره …ولكن هذا كلفه الكثير …فهو لم يحضر جنازة والده بسبب انهياره بالمشفي …
كان احمد وحياة خلفه يقفان وينظران إليه بأ.لم…لقد تبدل مروان اصبح وكأنه اتعس رجل في العالم كله !!!كان حقا حزين…بائس ومنهار وهو ينظر لقبر والده الذي بجوار قبر والدته…لقد د.فنوه بجوارها طبقا لوصيته كما دوما اخبره…..
جلس مروان بجوار القبر وهو يتلمسه وقلبه يعتص.ر من الأ.لم بينما يقول :
-اسف …آسف .. آسف…
كان يكرر اعتذاره دون ان تفهم حياة علي ماذا يعتذر ولكن مروان كان يكرر اعتذاره وهو يبكي …فجأة شهق بقوة وانفجرت دموعه بغزارة وقال:
-اسف اني عاملتك ببرود…آسف اني بعدت عنك…آسف مقدرتش احضر جنازتك …أنا مكنتش ابن صالح ليك يا بابا…أنا خذلتك زي ما خذلت امي …
-مروان !
قالتها حياة بصوت مختنق من البكاء ولكن مروان نظر إليه بعينين حمراء كالدماء بفعل البكاء وقال:
-معلش ممكن تمشوا. ..حابب اقعد لوحدي شوية .
كان طلبه سوف يُرفض من قبل حياة التي كادت ان تهز رأسها بالنفي الا ان مروان قال بتوسل:
-لو سمحتي يا حياة عايز ابقي لوحدي …لو سمحتي ..لو سمحتي …
كانت حالته سيئة …كان يبكي بطريقة اوجعت قلبها لذلك لم تجادل ابدا بل همست لأحمد قائلة:
-يالا نمشي .
وبالفعل ذهبا الاثنين من المقبرة تاركين اياه بمفرده…وتلك كانت فرصته ليبكي كما يريد …فرصته لينهار بالطريقة التي يريدها …..
صرخة قوية افلتت من بين شفتيه ثم شهقات متكررة ودموعه بدأت بالانفجار من جديد وهو يردد :
-ليه…ليه يا بابا ..كان نفسي تبقي معايا اكتر …استغفر الله العظيم ..استغفر الله العظيم …يارب هعمل ايه دلوقتي …يارب المو.ت راحة ليا
….
لقد انت اليوم الي المقبر.ة بمفردها…انها المرة الأولي التي تأتي بمفردها دون ادم …ولكنها ارادت ان تزور والدها …انتهت من قراءة بعض القرآن له…ثم عدلت خمارها جيدا ونهضت وهي تقول:
-هاجي ازورك دايما يا بابا …أنا بحبك ..
ثم كادت أن تذهب لتتجمد وهي تري هرة صغيرة تصدر صوتا وتبدو انها جائعة :
-يا حبيبتي يا بنتي ..
قالتها ليلي وهي تشعر بالشفقة علي حال تلك المسكينة ثم حمدت ربها انها دوما تحمل في حقيبتها عبوة زبادي بالفروادلة لانها تحبه….اخرجتها من حقيبتها واقتربت من الهرة الا ان الهرة خافت وجرت …
-استني يا ستي هأكلك…مش هاكلك يعني …يا دي النيلة هي بتجري بسرعة ليه هو أنا عفريتة!!
ولكن فجأة تجمدت وهي تسمع صوت بكاء علي يسارها …نظرت لتجد آخر شخص توقعت ان تجده…مروان يجلس علي الأرض وهو يبكي ويتلمس قبر ما …كان يتكلم وهو يبكي :
-اعمل ايه … أعمل ايه ؟!واعيش ليه…محدش عايزني …انت الوحيد اللي كنت بتحبني وموت…أنا قلبي وا.جعني يا بابا …كان نفسي تبقي معايا ..كان نفسي …
احتشدت الدموع في عينيها وهي تدرك السبب الذي جعله يختفي …تأ.لم قلبها بسببه …وكم كانت مصدومة من قلبها …ما بال قلبها يعارضها وتتكون به مشاعر محرمة …مشاعر لا يمكن أن تخرج للنور…لماذا تشفق عليه …لماذا تبكي لأجله لماذا …
فجأة انتبهت وهي تري مروان ينظر إليها بصدمة لتتراجع هي للخلف وتمسح دموعها ثم تركض من امامه هاربه منه …
…………..
جالسة علي مقعدها وهي تشرب سيجارتها ….منذ خروجها من السجن وهي تحبس نفسها هنا تخرج لكي تتناول.طعامها فقط …تشعر بالخز.ي والعا.ر …تشعر بالهزيمة وكم هي تكره ان تخسر …كانت دائما افضل الربح واعتقدت بغباؤها انها سوف تهزم انس…ولكن هي من خسرت وانس من ربح…انس هو من فاز ودمرها تماما …كيف ظنت انها سوف تقه.ره …لقد كانت غبية حقا …
فكرت وهي تحرق سيجارتها وتتيقن ان اللعبة قد انتهت تماما وأنس اعلن فوزه ويبدو انها سوف تعود لفعلتها القديمة. ..محاولة اصطياد رجل ثري ينفق عليها حتي لو سوف تكون عشيقة لا زوجة
………..
ولجت ليل الي غرفة والدتها وعينيها مبتلة بالدموع …منذ خروج والدتها وهي بتلك الحالة …منغلقة علي نفسها وتبكي…لقد مرت اسابيع وهي بنفس تلك الحالة !!أنس د.مرها تماما …كانت ليل تعرف ان والدتها لن تستطيع هزيمة انس…هي تعرف انه ذكي ولكن حقا لم تتوقع ابدا ان يكون لديه تلك الكمية من الدهاء…لقد د.مر والدتها وخلص نفسه من العقد واخذ حضانة ملك للأبد ومنعهما من رؤيتها حتي …حسنا لا هي ولا امها تهتمان بملك حتي …هي تريد انس ووالدتها تريد ثروته …ولن تستلم ليل حتي تحصل علي حبها…انس كل حياتها وان لم تحصل عليه سوف تموت!
اقتربت من والدتها وجلست بجوارها وقالت:
-ماما …هنعمل ايه ؟!ملك ضاعت وثروة انس.ضاعت …وانس…
اختنق صوتها ثم اكملت ودموعها تنساب علي وجهها :
-أنس ضاع مني يا ماما. ..أنا بحبه مقدرش اعيش من غيره صدقيني هموت …هموت يا ماما .. ساعديني ارجعه يا ماما ابوس ايديكي …
نظرت إليها نيرمين ببلادة …كانت عينيها ميتة وهي تشرب سيجارتها بالامبالاة ثم قالت :
-أنس هو اللي كسب يا ليل ..خلاص انتهت الحرب وانا وانتِ خسرنا …خلاص اتقبلي الموضوع …انسي انس…
هزت ليل رأسها وامسكت كف والدتها وقالت بتوسل:
-ماما أنا بحبه…بحبها صدقيني هموت لو راح لغيري …ابوس ايديكي اتصرفي يا ماما …اتصرفي واعملي أي حاجة …
نفخت نيرمين بضيق وقالت؛
-هنعمل ايه ؟!خلاص يا ليل خلاص الموضوع انتهي …خسرنا ورقتنا الوحيدة ومرام كسبت انس وملك وثروته ..البنت الشحاتة دي بقت اذكي مننا …ازاي قدرت تسحره بالطريقة دي …ده بقا مجنون بيها …
-انا هقت.لها …هقت.لها يا ماما …
قالتها ليل بحق.د لتنظر إليها نيرمين بصدمة فتكمل ليل وهي تبتسم ابتسامة غريبة :
-لو قت.لتها أنس هيتجوزني صح ؟!ايه رأيك…اعملي خطة عشان نتخلص منها وانا معاكي في أي حاجة !!!
……………..
كانت ميار تجلس علي الفراش وهي تمسك صورته ودموعها تنساب بغزارة …رغم ما حدث ورغم ما فعله يظل والدها …ما زالت آثار ما فعله قابعة في روحها لا جسدها فقط الا انها ادركت انها لا تكر.هه …هي تحب والدها ..لم تكر.هه يوما…رغم انها حاولت الا انه والدها…كيف تكر.هه ..هي احيانا لا تتذكر القس.وة التي ذاقتها علي يديه…بل تتذكر قبل أن تدخل علياء حياتهما كيف كانت مثالية …كيف كان اب حنون …ينفذ جميع طلباتها …بقي لمدة دون زواج فقط من اجلها وعندما أستمع أخيرا لإلحاح الاقارب وتزوج …ادخل افعي الي المنزل …افعي سا.مة د.مرت حياتها وعاملتها أسوأ معاملة وجعلت والدها ينقلب عليها ويه.ينها …لقد تو.جع قلبها وهي تري والدها يعاملها بتلك الطريقة السيئة …لقد استطاعت علياء السيطرة عليه بالكامل …استطاعت ان تجردها من حب والدها وتأخذه في صفها…
بكت ميار ولكن تلك المرة بقوة وهي تمسك الصورة
……
ولج علي الي الغرفة وهو مبتسم بعد ان احضر لها اقراص المشبك التي تحبها …تلاشت ابتسامته وتجمد وهو يراها تبكي بتلك الطريقة …هُلع وهو ينظر إليها تبكي وتمسك صورة …اقترب منها بهدوء وجلس بجوارها دون ان تشعر وامسك الصورة منها …شحب قليلا وهو يجد صورة لوالدها وهو شاب بينما يحملها وهي صغيرة …نظر إليها ليجدها مطرقة وهي ما زالت تبكي … وضع الصورة جانبا وجذبها اليه ليضمها الي صدره …لم يتكلم …لم يفعل شئ سوي مواساتها …كان يربت علي كتفها برقة جعلتها تبكي اكثر …وقلبه كان متأ.لم لأجلها. .هو يحبها لدرجة أنه لا يمكنه أن يراها تبكي …لا يتحمل الأمر …
…
بعد عدة دقائق كانت قد انتهت من البكاء …او انهكها البكاء لدرجة انها لم تعد قادرة علي ذرف المزيد من الدموع …تنهد علي وهو يبعدها قليلا ثم ينظر إليها وبكفيه اصبح يمسح الدموع التي لطخت وجنتيها ثم عانق وجهها وحاصر عينيها السوداء وقال:
-باباكي وحشك مش كده ؟!
هزت رأسها وهي لا تقوي حتي علي الحديث ..بعد فترة قالت بصوت قت.له الانهاك.:
-انا مش قادرة اكر.هه يا علي مش قادرة …مش قادرة حتي ابقي زعلانة منه وحا.قدة عليه بالعكس أنا تعبانة اووي وقلبي واجعني عشان هو في السجن …حاولت احارب شعوري دع بس شعوري انتصر عليا يا علي ومبقتش قادرة …أنا بحب بابا
..ومش قادرة اسيبه في السجن اكتر من كده …أنا بتعذب…بتعذب ..
-يا حبيبتي …
قالها برقة ثم قبلها علي وجنتها ثم وضع رأسه علي راسها فقالت هي بتعب :
-انا غلطانة يا علي …غلطانة لاني مش قادرة اكر.هه …
لم يبتعد عنها بل ما زال يلصق جبينها بجبينه ويربت علي وجنتها ثم تنهد وهو يقول:
-لا مش غلطانة يا عمري …انتِ انسانة طبيعية …انسانة كويسة جدا كمان لانها لسه بتحب والدها …لسه مهتمة بيه رغم كل اللي عمله …دي حاجة تخليني افتخر بيكي يا عمري ..حاجة تخليني احبك اكتر …
-طيب أعمل ايه …أعمل ايه يا علي …
قالتها بصوت مختنق ودموعها تنساب من عينيها مجددا …ظنت ان دموعها نضبت ولكنها كانت مخطئة كثيرا … ابتعد هو قليلا عنها ثم بدأ يمسح.دموعها وقال بهدوء:
-الحل تتكلمي معاه …..زرويه واتكلمي معاه…
– بس انا خايفة
قالتها بتردد ليبتسم ويرد :
-وانا معاكي …وهفضل دايما معاكي فمتخافيش يا حبيبتي …أنا هكلم المحامي يخلينا نزوره في أقرب وقت …اتفقنا ..
ابتسمت ميار وقالت :
-اتفقنا …
ثم عانقها بقوة وكم ان عناقه اعطاها الآمان…وللمرة المليون تدرك ان وجود علي في حياتها هو نعمة.
….
-الله البيت بقا حلو اووي يا حماتي .
قالها سامر مبتسما لتبتسم له مودة وتقول:
-لولاك ده مكنش حصل يا بني …شكرا اووي يا سامر علي اللي عملته معايا .
جلس سامر علي الأريكة بجوار كارما وضمها إليه بحركة عفوية:
-هو أنا عملت ايه يا حماتي يعني؟! ده واجبي …
هزت مودة راسها وقالت:
-بطل تواضع يا سامر …أنت عملت كتير طبعا …انت اخدت حقي من سامح …سج.نته واخدت تعويض كويس منه زائد حقوقي كلها …بسببك وقدرت أشتري شقة ليا من غير ما يذ.لني أي حد وفتحتلي مشروع اكسب منه وجاي دلوقتي تقول عملت ايه ؟!
كانت كارما تنظر الي سامر وقلبها يخفق بسعادة….كانت كل يوم تعشقه اكثر من اليوم الذي قبله …سامر ساعدها كثيرا هي ووالدتها وهي لن تنسي ما فعله لأجلهما…
-يا حماتي ..أنا عيوني ليكي …ده كفاية أنك خلفتي واحدة بقت كل حياتي …
احمر وجه كارما وابتسمت وهي تذوب بفعل كلماته لتبتسم مودة بسعادة وهي تري سعادة ابنتها وتشكر ربها انها وجدت زوج صالح لها …رغم ما حدث …ورغم كثرة المشاكل الا انهما عادا سويا ليكون حبهم اقوي من السابق …انها تري نظرات الحب الخالصة في عيني سامر لابنتها …الآن يمكنها ان تمو.ت بسلام دون ان تقلق علي ابنتها …..فهي واثقة ان سامر سوف يهتم بها جيدا …
-انا عملت كيك الشوكولاتة اللي بتحبيه يا كارما ايه رايك اجيبلك حتة…
نهضت كارما وقالت بسعادة طفلة لم تتجاوز العشر سنوات :
-بجد يا ماما …لا أنا رايحة اجيبها …
امسكتها مودة وقالت :
-لا …اقعدي جمب جوزك …أنا اللي هروح واجيبها يا طفسة انتِ …
ضحكت كارما بخجل لتذهب والدتها الي المطبخ لتشهق كارما فجأة وسامر يجذبها إليه ..
-ايه يا سامر …
-عيونه …
قالها وهو يقربها منه اكتر لتنهره قائلة:
-بطل جنان احنا في بيت ماما ..
هز كتفه وهو يتلمس وجنتها قائلا:
-خلاص يا روحي …نروح بيتنا ونبقي سوا …..نتفرج علي فيلم وانا بحضنك …الفيلم اللي تحبيه…
ابتسمت وقالت:
-عيوني نقعد شوية وبعدين نروح …ميصحش نمشي دلوقتي ماما تقول ايه !
-حاضر يا هانم اللي انتِ عايزاه هيحصل …
ابتسمت وقالت:
-بحبك لما تقولي يا هانم..
-وانا بحبك في كل الاوقات يا هانم ولو الكلمة دي بتفرحك هفضل اقولها دايما يا حبيبتي …
تنهدت كارما بسعادة ثم نامت علي كتفه وقالت:
-شكرا يا سامر علي كل حاجة بتعملها عشاني وعشان ماما ..شكرا لأنك متخليتش عننا…شكرا لأنك في حياتي …
التقط كفها وقبله ورد عليها:
-وشكرا لاني حبتيني يا كارما …حبك هو أكبر نعمة في الحياة دي بالنسبالي…أنا بقاوم كل حاجة بتقابلني عشان انتِ جمبي..وهفضل اقاوم واعمل المستحيل عشان اسعدك يا حبيبتي …سعادتي هي سعادتك دايما…
-خايفة السعادة متكمل…
-ششش متكمليش …سعادتنا هتكمل بإذن الله يا كارما انا مش هسيبك تضيعي من ايدي تاني …
تنهدت كارما بحب وهي تفكر ان أخيرا قلبها وجد السكينة…أخيرا حصلت علي الحب الذي تمنته …الأمان أيضا. ..حصلت علي الأمان بين ذراعيه…هي ستظل ممتنة له الي الأبد …
من بعيد كانت تقف مودة عينيها مبتلة بالدموع وهي تري سعادة ابنتها…الأم هي الوحيدة التي تتمني ان يكون حظ ابنتها احسن من حظها…ومودة سعيدة الآن …سعيدة لان كارما سعيدة في حياتها مع سامر …ربما كارما لديها حق …ربما ابتعادها وتمسكها بكرامتها هو ما جعلها تحصل علي قلب سامر …ربما هي المخطئة فالتخلي عن الكرامة لا يجلب سوي التعاسة !!
……..
في اليوم التالي …
خرجت من الحمام وهي تجفف شعرها الطويل …لقد استيقظت مبكرا اليوم رغم انه إجازة أنس الذي وعدها هي وملك انهم سوف يذهبون الي النادي ليكافئ ملك علي حفظها الجزء الثالث من القرآن الكريم …نظرت الي جهة انس وابتسمت وهي تجده نائم…اقتربت منه بخفه ثم جلست علي الفراش بينما خصلة من شعرها المبلل تلامس وجهه …عقد أنس عينه بضيق لتضحك مرام برقة بينما يفتح هو عينه ثم يعطيها ابتسامة رائعة ويقول:
-الله صحيت علي وش حلو اهو…كنتي فين من زمان ؟!
ضحكت مرام وقالت:
-ليه انت كنت بتصحي علي وش مين قبل ما تتجوزني ؟!
-كنت بصحي علي وش ملك …كانت بترعب اهلي …بتصحيني بطريقة غير ادمية بالبتة ..
ضحكت مرام وقالت :
-يالهووي لو سمعتك …
ادعي أنس الخوف وقال:
-لا لا يا ستار يارب ما تسمعني دي ممكن تأكلني …دي.مفترية أنا مقدرش عليها …
ضحكت مرام مرة اخري ليبتسم ويقول:
-اضحكي دايما يا مرام لان ضحكتك تاني اجمل حاجة شوفتها في حياتي..
رفعت حاجبيها وقالت بغضب:
-وليه متكونش أول اجمل حاجة يعني!!
ازدادت ابتسامته اتساعا وبرقت عينيه بحب خالص لها وقال وهو يجذب كفها الرقيق ويقبله قائلا:
-لانك انتِ أول اجمل حاجة شوفتها في حياتي …
احمرت هي وشعرت بالعاطفة تخنقها ولكنها تمالكت نفسها وقالت لتغيظه:
-وانت سابع اجمل حاجة شوفتها في حياتي !
ضحك وقال:
-سابع !!كتر خيرك يا ستي خلتيني من العشرة الاوائل…
ضحكت هي ايضا وقالت وهي تنهض:
-يالا بقا قوم عشان نفطر ونفسح لوكا…
ولكنها شهقت فجأة وهو يجذبها لتسقط علي صدره …
-انس ..انس سيبني بتعمل ايه ؟!
-قوليلي أنا بحبك .
طالبها بإبتسامة لتقول هي ؛
-انت مش هتشبع من الكلمة دي ؟!
هز رأسه وقال:
-لا …هحب اسمعها منك لحد ما اموت …اهي دي اجمل كلمة سمعتها في حياتي منك …
ابتسمت له بحب اذاب قلبه وقالت:
– أنا بحبك .
-وانا كمان بحبك قد الكون بمجراته وكواكبه ونجومه ..
ثم قبل رأسها لتنهض هي وتقول :
-يالا بطل كسل عشان نطلع !
ثم اتجهت الي المرآة وبدأت بتسريح شعرها بسرعة ليستند هو علي ذراعه وينظر إليها بإبتسامة حلوة…
………
في المطبخ …
كانت مرام تحضر الافطار…شعرها مربوط في كعكة وعنقها الابيض الناعم ظاهر بالكامل …اقترب منها أنس بخفة وحاوط خصرها ثم قبلها علي رقبتها لتشهق بقوة ثم تقول :
-انت جيت امتي ؟!وبتتسحب زي الحرا.مية ليه ؟!
ضحك وقال:
-عشان اخضك …
استدارت هي ثم ابعدته وقالت:
-طيب يا اخويا ابعد عشان لو جات لوكا هنتفض.ح!
ولكن بعد ان ابعدته جذبها وضمها إليه وقال:
-مش هتيجي متقلقيش .
– يا أنس ..عيب …عيب احنا في المطبخ …
قالتها مرام بضيق وهي تبعد انس الذي يحتضنها بقوة ….
-جرا ايه يا مرام مش انتِ لسه قايلالي من شوية أنك بتحبيني لما جيتي تصحيني من النوم …دلوقتي ابعد ولا هو يتمنعن وهن الراغبات
ضحكت مرام وضربته علي كفه وقالت:
-اتلم وبعدين خلاص اطلع برا خليني أعمل الفطار عشان نمشي ..
-متتعبيش نفسك يا مرام قولت هنفطر في النادي …
-نفطر هنا وفي النادي انت عارف لوكا لو راحت النادي بتنسي نفسها فأنا عايزاها تاكل عشان متتلهاش باللعب ..
وافقها انس وقال :
-عندك حق والله …خلاص يا حبيبتي اعملي اللي عايزاه وانا رايح اشوفها بتعمل ايه…بس قبل ما امشي يالا قوليلي بحبك .
ضحكت هي وقالت برقة :
-بحبك …
-برافو عليكي …يالا ..
قال كلمته الأخيرة وهو يشير لوجنته لتحمر بخجل ثم تقترب وتقبله علي وجنته ولكن هو حرك رأسه لتقع قبلتها علي فمه فتضربه علي كتفه وتقول بوجنتين تشتعلان من الخجل :
-اطلع…اطلع برا …
قبلها مرة اخري علي فمها ثم ركض خارجا لتضحك بسعادة …هي سعيدة كما لم تكن سعيدة من قبل
…………
خرجت حياة من عند الطبيب النفسي الخاص بها وهي تشعر بالارتياح قليلا فهي قد اخبرت الطبيب بحالة مروان ووعدها انه سيحاول التواصل معه …هي لن تترك مروان في تلك الحالة ابدا …لن تتخلي عنه …توقفت وهي تجد احمد ينتظرها كالعادة …اعطته ابتسامة رائعة…كل يوم تعشقه اكثر من السابق …لقد اجل الزفاف من اجلها ووقف بجوار مروان الذي يكر.هه أيضا من اجلها…اثبت حقا انه يحبها وانه يريد اسعادها وكم هذا اثر بها وهي تري انه يبذل قصاري جهده لرسم البسمة علي وجهها …هي لن تنسي ابدا مواقفه تلك…ستظل ممنونة له الي الأبد …اقتربت هي منه ليمسك كفها ويقول بنبرة مهتمة:
-حاسة نفسك احسن يا حبيبتي ؟!
هزت هي رأسها ليتنهد بعمق ففي الايام السابقة حالتها قد ساءت بسبب مروان …فحزن مروان الشديد علي والده جعلها تتذكر اهلها وهذا جعلها في حالة نفسية سيئة وهذا او.جع قلبه عليها فحاول بأقصي جهده ان يسعدها ويرسم البسمة علي وجهها.واشار عليها ان تكمل جلساتها مع الطبيب النفسي لأنها تحتاج هذا …وهي فعلت ما قال والحمدلله يري انها اصبحت افضل الآن ..
-كلمت الدكتور علي حالة مروان وقال هيحاول يساعده…وانا كمان مش هسيبه هحاول اجيبه هنا عشان يحاول يتقبل الموضوع …
تنهدت بحزن وقالت:
-فقدان حد قريب منك بالشكل الصادم ده صعب يا احمد …الله يكون في عونه …
مرر احمد ظهر كفه علي وجنتها الناعمة وقال:
-متقلقيش يا حبيبتي ..مروان هيكون بخير وهيتقبل الموضوع …ربنا مش هيسيبه …ربنا رحيم بعباده …أنا واثق ان مروان هيتجاوز المحنة دي …
امسكت حياة كف احمد وقالت :
-شكرا يا حبيبي …
رفع حاجبه وقال:
-علي ايه ؟!
ابتسمت بحب صافي له وقالت:
-علي وقفتك معايا…علي تأجيل الفرح …
صمتت قليلا ثم اكملت:
-وعشان واسيت مروان رغم المشاكل اللي بينكم بس بقيت جمبه…
-انا عشان خاطرك هعمل الحاجة حتي لو كنت بكر.هها بس مروان صعب عليا عشان كده وقفت جمبه…فقدان الاب صعب أنا جربته …حاسس بك.سرته الله يكون في عونه …
تنهدت حياة وقالت :
-يارب يا احمد …يارب ..
امسك احمد خصلة من شعر حياة ثم قال:
-انتِ طيبة اووي يا حياة …بحب الطريقة اللي بتقفي جمب الناس بيها …أنا فخور بيكي يا حبيبتي لأنك واحدة طيبة وقلبك ابيض .
تجهم وجه حياة فجأة واعتصر قلبها من الأ.لم …لا هي ليست قلبها ابيض …لا …هي سيئة…علي الرغم من انها حاولت ان تتخلص من ذلك التفكير الا ان ما فعلته بمهرا ما زال يطاردها بقوة …هي لن ترتاح حتي تعتذر منها …لن تحصل علي السلام حتي تسامحها مهرا …فكرت كثيرا أن تذهب إليها ولكنها خائفة آخر مرة ذهبت الي هناك انها.رت تماما بينما مهرا تواجهها بحقيقتها البشعة !!
-حبيبتي مالك ؟!
قالها احمد بقلق وهو ينظر الي حياة الشاردة …شعر بالقلق عليها وتلمس وجنتها مرة اخري وكرر :
-حياة حبيبتي فيه حاجة؟!
احتشاد الدموع في عينيها جعله يقلق اكثر …انسابت الدموع من عينيها وهي تنظر إليه وتقول:
-بس أنا مش كويسة ولا قلبي ابيض يا احمد …كفاية اللي عملته في مه…
-ششش متكمليش …خلاص يا حبيبتي ابوس ايديكي انسي …انتِ توبتي واتعذ.بتي كتير …خلاص هتعملي ايه تاني …
هزت حياة راسها وقالت:
-لا يا احمد…لازم اروح واعتذرلها تاني …لازم تسامحني …لازم …
وامام انهيارها هذا لم يجرؤ علي الرفض!
في منزل ادم
-اقعدي يا ليلي أنا هفتح .
قالتها مهرا لليلي التي تذاكر عندها في المنزل ونهضت من الأريكة …كادت ليلي ان تعترض لتضحك مهرا وتقول:
-يا بنتي متبقيش اوفر زي اخوكي ..أنا كويسة …
ثم ذهبت لتفتح الباب ولكن تجمدت كليا وهي تري حياة تقف امام منزلها وتقول:
-انا مش همشي من هنا الا لما تسامحيني!
رواية عروس رغما عنها الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سوليية نصار
بهتت مهرا وهي تنظر إلي حياة التي بدت مصرة للغاية.
- أنا جاية أطلب منك تسامحيني، ومش هستسلم. مش مهم أقعد قد إيه قدام باب بيتك، مش مهم قد إيه أترجاكي، مش مهم كام مرة هتطرديني، المهم إني مش هتحرك هنا من قبل ما تسامحيني.
نظرت ليلي إلي تلك الفتاة الجميلة بذهول، ويبدو أنها عرفتها جيدًا. هي حياة التي أخبرتها مهرا عنها.
ابتلعت مهرا ريقها وهي لا تعرف ماذا تقول. احتشدت الدموع في عينيها وهي تنظر إلي أحمد وحياة، وهي عاجزة تمامًا عن التحدث. لا تعرف ما شعورها الآن، ولكن بالطبع هي لا تكره حياة مثل السابق. سعادتها مع آدم أنستها كل شيء، أنستها الغدر وأنستها الخيانة.
- اتفضلي جوا.
هكذا قالتها مهرا ببساطة، فهي لا تريد أي دراما أمام الجيران.
ولجت حياة وهي تمسك كف أحمد. كان كفها يرتعش وعينيها ملبدة بدموع مهددة بالسقوط.
وقفت حياة في منتصف الصالة للمنزل الصغير الهادئ. لن تنكر الأمر، لقد ذُهلت. ذهلت وهي ترى مهرا تعيش حياة ليست حياتها أبدًا، ولكن يبدو أنها سعيدة جدًا. لما لا، فالحب يصنع المعجزات. نظرت هي إلي مهرا وأيقنت أن مهرا تغيرت كثيرًا. كانت ترتدي إسدال واسع، ارتدته سريعا قبل أن تفتح لحياة. خمارها الكبير كان يغطي نصف جسدها، بدت مختلفة، ولكن جميلة. راضية وعاشقة.
وحياة كانت سعيدة جدًا لأجلها، وكأن سعادة مهرا جعلتها تشعر بالكثير من الراحة. أزالت ولو بعض من تأنيب الضمير.
تنهدت مهرا وقالت بصوت جاهدت لجعله ثابتا وهي تمسح دموعها التي تحررت خلسة:
- اتفضلي اتكلمي، أنا سامعاكي.
انسابت دموع حياة ثم مسحتها بسرعة. هذا صعب، ولكنها ستفعله من أجل مهرا ومن أجل أن ترتاح. هي تريد أن تزيل هذا الذنب عن قلبها وستفعل أي شيء كي تزيله.
أغمضت عينيها ثم فتحتها مجددًا وهي تقول:
- أنا بتعذب، بتعذب يا مهرا. أنا فعلاً بموت. مش قادرة أسامح نفسي على اللي عملته. بحاول كتير أبقى سعيدة بس حاجة معكرة عليا سعادتي دايماً. أنا مش قادرة أنسى اللي عملته فيكي، مش قادرة يا مهرا.
أغمضت حياة عينيها وهي تشهق وتبكي، بينما أخذت ليلي تنظر إلي حياة بفضول. تلك الفتاة دمرت مهرا كليًا، ولكن يبدو أنها حقًا نادمة. هي تعاني بطريقة صعبة. تألم قلب ليلي عليها ونظرت إلي مهرا لتجد وجهها خاليًا من المشاعر. لولا أن ليلي تعرف أن الغفران شيء صعب للغاية ويكاد يكون مستحيل لطلبت من مهرا أن تسامحها، ولكن وضعها مع الذي يفترض أن يكون جدها جعلها تدرك أن الغفران ليس بالشيء السهل. أن تغفر لأحد أساء لك، أحد دمر حياتك بأكملها، هذا الأمر ليس بسيط. هي أيضًا لم تستطع أن تغفر لجدها، لذلك لا يمكنها الآن أن تذهب وتطلب من مهرا أن تغفر لتلك الفتاة، مهما كانت منهارة.
اقتربت ليلي من مهرا وأمسكت ذراعها هامسة:
- مهرا انتِ كويسة؟
هزت مهرا رأسها وهي ما زالت تنظر إلي حياة. ما زال قلبها يؤلمها، ولكن من ناحية أخرى ما فعلته حياة جعلها تتعرف على حب حياتها وتدرك أنها أبدًا لم تحب مروان، وأن حبها الحقيقي كان آدم، آدم فقط.
ارتبكت حياة وهي ترى مهرا صامتة لا تتكلم ولم تعطها أي رد. ارتجف قلب حياة داخل صدرها وهي تفكر أن معقول مهرا لن تسامحها. هل ستظل تتعذب طوال حياتها. انفجرت الدموع من عينيها أكثر وهي تنظر إليها بتوسل ثم قالت بصوت مختنق من كثرة البكاء:
- مهرا قولي حاجة، مهرا قولي أنك سامحتيني. أنا والله بموت. مش هتصدقيني لو قولتلك إني مش عارفة أعيش يا مهرا، فعلاً مش عارفة أعيش. ومش عارفة أفرح. كل أما أجي أفرح أفتكر اللي عملته فيكي. بحس إني مستحقةش أي سعادة. بفكر إني مستحقةش إلا الموت، الموت وبس. بشوف إن السعادة كتيرة على واحدة زيي، واحدة حقيرة دمرت حياة صاحبتها عشان كانت غيرانة منها. انتِ كان عندك حق، أنا كنت إنسانة بشعة حاولت أعمل المستحيل عشان أخليكي شبهي، بس انتِ طول عمرك أحسن مني، انتِ أحسن مني بكتير يا مهرا. عشان كده، عشان كده.
اختنق صوتها وهي تضع كفها على قلبها الذي يعتصر من الألم وتكمل:
- عشان كده خليكي أحسن مني وسامحيني. سامحيني أبوس إيديكي وخليني أرتاح. خليني أعرف أعيش حياتي. فيه حمل كبير على صدري، حمل بيخنقني، ذنب مش قادرة أعيش بيه، وده ذنبك يا مهرا، ذنب اللي عملته فيكي واللي هفضل شايلاه لحد ما تسامحيني.
أحرقت الدموع عيني مهرا. شعرت وكأن قلبها سيخرج من مكانه بسبب الألم.
- مهرا ردي، قولي حاجة، أي حاجة أبوس إيديكي.
كان أحمد ينظر إلى انهيار حياة ومهرا التي تغلق عينيها بألم. وقد عرف أن مهرا لن تغفر، ولن تجني حياة إلا التقليل من نفسها.
- يلا يا حياة نمشي.
همس أحمد لحياة ولكنها لم تستمع إليه. كانت تريد الغفران بأي طريقة، تريد أن ترتاح. لذلك اقتربت من مهرا وأمسكت كفها. نظرت إليها مهرا بصدمة. كانت حياة ما زالت تبكي بقوة وتقول:
- أنا مستعدة أبوس إيديكي عشان تسامحيني، وأبوس رجليكي كمان، بس سامحيني وارحميني من العذاب ده.
وبالفعل شدت حياة كف مهرا لكي تقبله، إلا أن مهرا أبعدت كفها بسرعة وقالت:
- مسامحاكي. خلاص مسامحاكي.
- آه.
قالتها حياة براحة وهي تجلس على الأرض وتقول ببكاء وهي تضع كلها على قلبها:
- شكراً، شكراً يا مهرا، شكراً.
شدتها مهرا من على الأرض وربتت على كفها وهي تعطيها ابتسامة مشفقة وتقول:
- خلاص انسي كل اللي حصل وعيشي حياتك يا حياة.
ابتلعت حياة ريقها وقالت بصوت مبحوح:
- ممكن طلب تاني؟ ممكن تسامحي مروان؟
تنهدت مهرا وهي تشيح بوجهها لتكمل حياة:
- مروان والله كمان بيتعذب يا مهرا. ده خسر أبوه وبقى منهار. وحاليًا قافل على نفسه ورافض يقابل حد. سامحيه عشان يحس بالراحة شوية. انتِ قلبك أبيض.
أطرقت ليلي برأسها وهي تتذكر رؤيته في المقبرة بالأمس وهو يبكي بعنف. وعرفت السبب، والده مات. كم بدا منهار في تلك اللحظة، بدا ضعيفًا ومثيرًا للشفقة، وكم أوجعها قلبها عليه.
في المساء.
خرج من الحمام وهو عاري الجذع بينما يرتدي بنطال أزرق. اتجه إلى المرآة وهو يجفف شعره بمنشفة بيضاء. أسند المنشفة على جنب ثم بدأ بتمشيط شعره المبلل. انتفض قليلاً وزوجته تعانقه من الخلف. ابتسم آدم وقال:
- أنا مش قلت متتحركيش من السرير؟
نفخت مهرا بضيق وهي تواجهه وتقول:
- مليت يا آدم. مش معقول انت مانعني ما أتحرك خالص. إيه يا حبيبي أنا حامل مش تعبانة. وبعدين إحنا لسه في الأول.
أسند آدم المشط ثم حملها برفق لتقول متأففة:
- انت عنيد.
لمعت عينيه الزرقاء وقال:
- أيوه عنيد، عشان كده بطلي تناقشيني واعملي اللي أنا عايزه من سكات يا حبيبتي. قضي شهور حملك على خير وبعدين اعملي اللي أنتِ عايزاه.
ثم وضعها على الفراش برقة وجلس بجوارها وهو يضمها إليه ثم يقبل رأسها. أغمضت عينيها وقالت:
- محدش قالك قبل كده إنك أوفر.
- أيوه مرام دايماً بتقولها. هي مبتحبش اللي بيبين مشاعره بالمبالغة دي. بس مش هتصدقي أنا قد إيه فرحان يا مهرا. فرحان أوي. متحمس إني هعيش المشاعر اللي اتحرمت منها.
ابتعدت مهرا ونظرت إليه وقد ظهر العشق في عينيها العسليتين. ليبتسم آدم بحزن ويقول:
- رغم إني حاولت أبين من صغري إني قوي، بس كنت محتاج بابا أوي يا مهرا. محتاج أحس بسعادة أي طفل وهو ماسك إيدين أبوه. بس للأسف لما مات بابا فيه حاجة جوايا اتكسرت ومتصلحتش شوية إلا لما عرفت إنك حامل. أنا ناوي بإذن الله أفرح ابني، ناوي أسعده، ألعب معاه، مش هخليه أبدًا محتاج أي حاجة. هعمل المستحيل عشان أفرحه.
ابتسمت هي له وعينيها لامعة بالدموع وقالت:
- طيب لو بنت.
ابتسم بسعادة أكبر وعينيه تلمع بقوة وقال:
- يا ريت دول المؤنسات الغاليات. لو جالي بنت هعاملها زي الأميرة. هكون صاحبها وقدوتها. هلاعبها وهنخرج سوا ونتكلم. وهنسيبك انتِ في البيت.
قال جملته الأخيرة مازحًا لتضربه على كتفه بينما تمسح الدموع التي انسابت من عينيها.
أمسك هو كفها وقبله ثم قال:
- مهما تجيبي بنت أو ولد اعرفي إني هفرح أوي. هكون أسعد إنسان في العالم. الطفل اللي هيجي ده هيربط بيننا أكتر يا مهرا. هيكون أحلى رابط بيننا.
قبل رأسها وأكمل:
- عشان كده مش عايزك تتعبي نفسك. عايزك ترتاحي وتبعدي عن العصبية والمشاكل. مفهوم؟
ابتسمت وهي تهز رأسها قائلة:
- أمرك يا فندم. اللي عايزه هيحصل.
قبل رأسها مجددًا وقال:
- حبيبتي انتِ، بحب لما تسمعي الكلام.
مرر أصابعه على وجهها وقال:
- بس أنا حاسس إنك فرحانة زيادة عن اللزوم النهاردة. خير مهرا، اللي مخليكي سعيدة بالشكل ده؟
اتسعت عينيها بدهشة وقالت:
- ده انت بتفهمني كويس على كده.
هز رأسه بفخر وقال:
- أكيد يا حبيبتي، لو أنا مقدرتش أفهمك مين هيقدر. ها، يلا يا حبيبتي قوليلي حصل إيه مخليكي فرحانة بالشكل ده؟
تنهدت وهي تضم نفسها إليه وتقول:
- حياة جاتلي النهاردة.
- وحصل إيه؟
قالها وهو يربت على كتفها، فقط يتمنى ألا تكون ضايقتها. ففي آخر مرة رأتها مهرا قد انهارت تمامًا وهذا أودع الرعب في قلب آدم أن تكون مهرا قد انفعلت عليها اليوم. ولكن يبدو من هيئة مهرا أن هذا لم يحدث أبدًا.
تنفست مهرا براحة وردت:
- سامحتها يا آدم. كده ببساطة. هي طلبت مني أسامح وأنا سامحتها.
أبعدها عنه قليلاً ومرر أصابعه على وجهها برقة وقال:
- ومُرتَاحة يا حبيبتي لقرارك ده؟
هزت مهرا رأسها وهي تقول بصدق:
- بصراحة كده أيوه يا آدم. مرتاحة ومرتاحة جدًا كمان. كفاية إني هقدر أعيش حياتي من غير ما أكون بكره حد. أنا عايزة قلبي يكون فيه حب، حب وبس. حب ليك يا آدم، حب لابننا وللعيلة. مش عايزة أي كره يلوث قلبي. عشان كده سامحتها. وعشان كمان.
تنهدت وأكملت:
- عشان كمان صعبت عليا أوي وهي بتترجاني أسامحها. كان باين عليها إنها بتعاني أوي وأنا مكنتش أكيد هزود عليها عشان كده قررت أسامح. قررت أشيل من قلبي كل حقد حاساه من ناحية حياة أو مروان.
قبل آدم رأسها وقال:
- لو ده مريحك ماشي يا حبيبتي. على فكرة انتِ شجاعة أوي إنك قدرتي تسامحي. فيه ناس مبتقدرش أبدًا، معندهاش القدرة إنها تنسى الأذى.
فهمت مهرا أنه يتحدث عن نفسه فقالت:
- بس لازم نحاول يا آدم. عشان نخلص من أي مشاعر سلبية جوانا لازم نسامح، مش كده؟
- وجهة نظر كويسة.
كان يتهرب من الموضوع وهي فهمت، لذلك غيرت هي دفة الموضوع وقالت:
- صحيح، حياة عزمتني على فرحها. قالت احتمال تعمله بعد تلات أسابيع وقالتلي لو أقدر هاجي.
- وهتروحي؟
قالها متسائلاً لترد بالإيجاب:
- بصراحة أيوه هروح وقولت آخد ليلي معايا المسكينة مطحونة في المذاكرة أريحها شوية.
- وأنا هاجي معاكم.
قالها آدم لترد وهي تقبله على وجنته. قربها هو منه وقال:
- ما تسيبك من حياة وليلي دلوقتي. تعالي هنا، انتِ وحشتيني.
- وانت كمان يا دومي.
قالتها مهرا وهي تضحك بقوة بينما هو يقبل عنقها ويُسطّحها على الفراش.
في اليوم التالي.
كانت ترتجف بقوة وهي تمسك كف علي. كانا بصالة الزيارة. استطاع علي الحصول على الإذن لكي تزور والدها. لن تنسى هذا أبدًا له. نظرت إليه لتجده ينظر إليها بعمق. ارتجفت شفتيها وهي تقول بنبرة مختنقة بسبب الدموع المسجونة في عينيها:
- أنا خايفة. خايفة أوي يا علي. خايفة ميتقبلش وجودي. خايفة يقولي كلام صعب مقدرش أتقبله.
انسابت دموعها وشهقت بنعومة ليمد هو كفه ويمسح دموعها برقة قائلاً:
- ششش، أهدي يا حبيبتي، أهدي شوية. كل حاجة هتكون بخير. أنا حاسس إنه هيتقبلك وهيكون عرف إنه غلط في حقك جامد. وبعدين أنا معاكي متخافيش من حاجة.
شدت علي كفه وقالت:
- أيوه خليك معايا، خليك معايا يا علي أنا خايفة أوي. خائفة يرفضني ويطردني. خليك جمبي.
ابتسم وقال:
- أنا جمبك على طول يا حبيبتي.
فجأة بدأ المساجين بالتوافد ليدق هي قلبها بعنف وهي تفرك كفيها. تجمدت كليًا وهي تراه. لم تكن حالته سيئة بالمرة وهذا ما صدمها. وما إن رآها حتى تجمد هو الآخر. لقد أخبروه أن لديه زيارة، ولكن السجان لم يخبره من، مما جعله يشعر بالذهول. ولكن عرف الآن لماذا أخفى السجان الأمر. كانت ميار تنظر إليه وعينيها متشبعة بالدموع. نهضت ودموعها تنساب. تنتظر أي إشارة لتقترب وأخيرًا وجدت الإشارة وهي ابتسامة حانية ارتسمت على شفتيه لتندفع إليه وتعانقه وهي تبكي. ضمها والدها إليه والدموع تحرق عينيه.
- بنتي، بنتي.
قالها عثمان وهي يبكي. أيامه في السجن جعلته يدرك أنه أخطأ حقًا بحق ابنته. وجوده بمفرده جعله يدرك أنه ترك نفسه فريسة لعلياء. هي من تلاعبت به وجعلته يكره ابنته. عندما فكر وجد أن كل المشاكل بدأت من كلمة خبيثة من علياء التي اتهمت ابنته أنها عديمة الشرف. وكم ندم على ما فعله. كم أراد أن يرى ميار ويعتذر منها، ولكن لم تكن لديه الجرأة لفعل. ولكن ميار أتت، أتت إليه.
ابتعدت ميار عنه وهي تمسك كفه وتقبله بلهفة قائلة:
- وحشتني، وحشتني أوي. سامحني يا بابا، سامحني سامحني.
أبعد عثمان كفه وجذبها ليضمها مجددًا قائلاً:
- لا يا بنتي، أنا اللي مفروض أطلب تسامحيني. سامحيني يا ميار، سامحيني إني مكنتش أب كويس ليكي. بس وعد يا بنتي، أخرج من هنا وأعوضك عن كل اللي شوفتيه مني. أنا طلقت علياء وأنا في السجن، أنا طردت الأفعى من حياتنا، وهرجع أبوكي بتاع زمان، أبوكي اللي بيحبك.
أنا وحيد. تعبان ومنهار يا دكتور. حاسس إن الحياة مبتحبنيش واني لو مت ده هيبقي أحسن ليا.
قالها مروان والدموع في عينيه. كان متسطح على الكرسي الناعم، يشعر بالاختناق. الكلام يخرجه بصعوبة. كان الطبيب ينظر إليه وهو ينتظره أن ينهي كلامه. رغماً عنه شعر بالشفقة عليه، فمروان قد تغير، تغير كثيرًا. وجهه فقد بريقه وأصبح كالشخص الميت. تحيط الهالات السوداء بعينيه كأنه لم ينم لسنوات. الحقيقة هو كان ينوي التواصل معه ولكنه صُدم أمس وهو يتصل به ليطلب موعد ضروري وهو لم يتأخر. كان مرتعبًا أن يفعل شيئًا بنفسه.
- مروان، أنا حاسس بيك. كلنا فقدنا ناس في حياتنا، كلنا بنعاني بطريقة ما، بس مش لازم نفقد الأمل يا مروان. لا لازم نبقى أقوى من كده.
انسابت الدموع من عيني مروان وبدأ يبكي بعنف. كان منهارًا. قلبه يؤلمه ويشعر أن العالم كله أدار ظهره له.
- اهدي يا مروان.
قالها الطبيب وهو ينهض ثم مد له محرمة وجلس بجواره. وضع مروان كفه على قلبه وقال:
- أنا بموت يا دكتور. حاسس إن مفيش حاجة عشان أعيش عشانها. حاسس الموت هو الحل الوحيد اللي بيحصلي يا دكتور.
- متقولش كده، استغفر ربك.
وضع مروان كفه على رأسه وقال بصوت يتقطع من البكاء:
- أنا، أنا بموت. عندي أفكار كتير وحشة، أفكار سيئة. بفكر دايماً في الانتحار بس خوفي من ربنا مانعني. الأفكار محصراني مش قادر أسيطر عليها. أنا خايف شيطاني يتغلب عليا وانتحر. دايماً بيوسوسلي إنّي انتحر وإن ده الأحسن ليا، على الأقل هبقى مع أهلي اللي بيحبوني. بس برضه الخوف مانعني، كل أما التفكير ده يسيطر عليا أتوضى وأصلي، أقرب من ربنا أكتر. بس خايف، خايف في مرة أعملها، خايف انتحر. مش خوفًا من الموت، أنا أتمنى أموت، بس مش عايز أغضب ربنا. كفاية إني عصيته كتير مش عايزة يغضب عليا. مش عايز...
أمسك الطبيب كتفه وشد عليها في حركة مواساة ليتنهد مروان ويقول:
- أنا حاسس إن الألم اللي جوايا مش هيخف والأفكار دي مش هتسيبني في حالي. حاسس إني.
توقف وهو يشهق من البكاء. كانت حالته تسوء، هو ينهار. وهكذا يمكن فعليًا أن يؤذي نفسه.
- اهدي يا مروان، اهدي.
قالها الطبيب بنبرة لطيفة وهو يجعل مروان يسترخي مجددًا على المقعد المريح الناعم.
- دكتور أنا، أنا.
- خلاص اهدي، اهدي خالص. غمض عينيك وصفي مخك. ابعد أي أفكار سلبية عن دماغك وفكر بطريقة إيجابية أكتر. فكر في حاجة انت بتحبها، حاجة بتفرحك، حاجة بتنسيك أي وحش قابلته في حياتك.
أغمض مروان عينيه وهو يستمع لكلام طبيبه وهو يفكر ويبحث عما يسعده. وما يسعده كان بسيطًا: والديه وليلي. الثلاثة يدخلون السرور لقلبه المحطم. والثلاثة ليسوا في حياته. انسابت دموعه وهو مغمض عينيه بينما أكمل الطبيب:
- تفتكر يا مروان لو آذيت نفسك أهلك هيبقوا مرتاحين؟
هز مروان رأسه وهو لا يستطيع التحكم في شهقاته وقال:
- أنا بحاول أبعد الأفكار دي، بحاول أقومها بس.
- أفضل قاومها. لازم تقاومها يا ابني. أنت هتبقى كويس. متخليش الشيطان يضحك عليك يا مروان. متبقاش لوحدك أبدًا عشان الأفكار دي متسيطرش عليك.
فتح مروان عينيه التي أصبحت حمراء من كثرة البكاء. قلبه كان يعتصر من الألم. يشعر بالاختناق. كيف لا يكون وحيدًا؟ هو بالأساس وحيد. ليس لديه أي أحد يهتم بشأنه. هو وحيد بعد موت والده. هو المنبوذ، الملعون من قبل تلك الحياة. لا أحد معه، لا أحد بجواره. اهتزت نبرة مروان وقال:
- بس أنا وحيد يا دكتور. أنا مليش أي حد خالص.
هز الطبيب رأسه وقال:
- إزاي مليكش حد؟ دي حياة كلمتني مخصوص عشانك وكانت قلقانة عليك يا مروان. أنت ليك ناس بتحبك بس أنت اللي قافل على نفسك بالشكل ده. رافض إن أي حد يقرب منك. عايز تعيش في الحزن وخلاص.
هز مروان رأسه وقال:
- حياة هتتجوز أحمد، وبيني وبينه مشاكل. مينفعش أكون في حياتها عشان أبوظها. هي اتعذبت كتير متستاهلش ده مني. أنا مش هدمر حياتها بسبب أنانيتي. لا أنا هبعد، هبعد عن الكل يا دكتور، هو ده الحل الوحيد عشان أقدر أعيش. الحل إني أبعد وأبدأ من جديد.
- هتروح فين؟
سأله الطبيب بحيرة ليرد هو:
- هسافر فرنسا.
بعد أسبوع.
في النادي.
كان مروان يجلس على الطاولة وهو ينظر إلى الأرض بشرود. لقد اتصلت به حياة وطلبت أن تراه ضروريًا، لذلك أتى وهذا أفضل لكي يخبرها أيضًا بقراره. لقد قرر وانتهى الأمر. قرر أن يغادر تلك البلاد للأبد. قرر أن يترك كل شيء خلفه ويذهب. سيبدأ من جديد في مكان جديد وينسي كل شيء. هو لن يستطيع أن يعيش هنا وذكريات الحنين لوالديه تخنقه. لن يستطيع العيش بينما مشاعره لامرأة لن تكون له أبدًا تقتله. هو سيموت هنا. لكي يعيش أن يبتعد. ورغم أن هذا القرار حطم قلبه، ولكن بعد حديثه مع طبيبه النفسي فكر في هذا ولم يستطع إخراج الفكرة من عقله.
ولجت حياة وهي تمسك كف أحمد إلى النادي. كانت تنظر إلى أحمد بتردد ثم قالت:
- تفتكر هيتضايق لو قولناله على الخبر؟ يعني أبوه لسه ميت من شهر تقريبًا مش هيكون حلو إننا نعمل فرحنا بعد أسبوعين ونقوله إننا كتبنا الكتاب. هيحس بالضيق صح؟
حاوط أحمد كتفها وقال:
- لا، مظنش يا حبيبتي. بالعكس الخبر ده ممكن يفرحه.
- يارب يا أحمد، أنا بجد متضايقة عليه أوي. حاولت كتير أتواصل معاه بس هو كان قافل على نفسه، بس الحمد لله الدكتور طمني إنه راحله من أسبوع واتكلم معاه. وحاسة إني ارتحت أوي يا أحمد. الدكتور أكيد ساعده. أنا كنت خايفة يأذي نفسه.
- لا، مروان أقوى من كده. هو بس كان مصدوم. الوقت هيقدر يصلح كل الضرر اللي في قلبه.
تنهدت حياة وقالت بابتسامة بسيطة:
- أتمنى ده يا حبيبي.
- إزيك يا مارو.
قالها أحمد بابتسامة لينتشل مروان من شروده لينظر إليه مروان ويبتسم ابتسامة لم تصل لعينيه، ما زالت نظرات عينيه منكسرة. نهض مروان وهو يمد كفه ليصافح أحمد ثم حياة. جلسا الثلاثة على الطاولة في النادي بينما ابتسمت حياة وهي تقول:
- الحمد لله إنك رضيت أخيرًا تقابلنا يا أستاذ مروان. أنا فقدت الأمل فيك.
ابتسم مروان بإحراج وقال:
- معلش يا حياة، اختفيت عشان أضبط أموري، وأشوف أنا هعمل إيه.
- ويا ترى قررت هتعمل إيه؟
سألته حياة بترقب ليرد مروان:
- قررت أسافر فرنسا. بابا ليه شركة هناك هديرها وأعيش هناك ومش هرجع مصر تاني.
بهتت حياة وقالت:
- متتهزرش يا مروان.
- أنا مبهزرش يا حياة. أنا مقدرش أقعد هنا أكتر من كده. صدقيني ده مش كويس عشاني. الذكريات مش سايباني في حاله وحاسس نفسي لو قعدت هنا آخري هيكون الانتحار أو أدخل مصحة.
- مروان الهروب مش حل.
قالتها حياة بشفقة ليبتلع مروان ريقه ويقول:
- صدقيني في حالتي أنا هو الحل الوحيد. الحل الوحيد لو عايز فعلاً أعيش. كل يوم في البيت بفتكر أيامي مع بابا. أنتِ مش هتحسي بيا يا حياة. أنا مبقاش ليا حد.
سالت دمعة من عين حياة ليقول هو:
- حياة أنا مش عايز أزعلك ولا أحزنك بس سيبيني براحتي. صدقيني فكرت كتير وده الحل الأسلم ليا. يمكن ربنا يهديني وأرجع.. يمكن.
مسحت حياة دموعها وهزت رأسها وهي تتمتم:
- ربنا يهديك يا مروان.
ابتسم وقال:
- ها، كنتي عايزاني ليه؟
نظرت حياة إلى أحمد ليقرر أحمد أن يتكلم ويقول:
- بصراحة كده يا مروان إحنا كتبنا الكتاب.
اتسعت عيني مروان بسعادة وقال:
- بجد! ألف مبروك يا أحمد، فرحتلكم والله بس فجأة كده ومحدش قالي.
- أنا كنت بحاول أتواصل معاك يا أستاذ مروان بس حضرتك مكنتش بترد على تليفوناتي. ولما كنت بروحلك بيتك مكنتش بلاقيك.
ابتسم مروان بإحراج وكرر أسفه:
- آسف يا حياة، الأيام اللي فاتت كنت تايه أوي.
- عارفة.
قالتها حياة وهي تتنهد بحزن ثم أكملت:
- أنا برضه خسرت أهلي يا مروان، حاسة بيك، وحاسة باللي بتعيشه حاليًا. بس الحياة غصبًا عني وعنك بتستمر. مش هنقدر نوقفها.
وافقها مروان قائلاً:
- عندك حق، عشان كده أنا هبعد يا حياة. هبعد عشان الحياة تستمر عشان أقدر أتابع حياتي بشكل طبيعي. المهم دلوقتي امتى الفرح؟
فركت حياة كفيها بتوتر وقالت:
- بعد أسبوعين. هتحضره يا مروان؟
وقع هو في مأزق، لقد أراد أن يسافر بعد يومين ولكنه كان عاجزًا عن رفض طلبها وكسر خاطرها. لذلك قرر تأجيل سفره قليلاً وابتسم قائلاً:
- أكيد هحضره يا حياة.
- بطلي جنان. بطلي جنان يا ليل!
صرخت بها نيرمين وهي تهز ابنتها بعنف. من أول ما أخبرتها ليل برغبتها أن تقتل مرام وهي فقدت عقلها تمامًا. ظنت نيرمين في البداية أن ابنتها تهذي أو تتكلم في لحظة انفعال أو غضب، ولكن هي كررت طلبها مرة أخرى. تلك الفتاة تريدهما أن يذهبا للسجن. لا يمكن أن تقترب من أنس مرة أخرى، فهو قد دمرها من قبل. ولو لمست شعرة من مرام سوف يقتلها على الأكيد. ابنتها الغبية يجب أن تدرك هذا الأمر. بكت ليل وصرخت:
- بحبه يا ماما، بحبه. ولو مقدرتش آخده هموت، هموت والله اتصرفي أبوس إيديكي اتصرفي.
تراجعت نيرمين وهي تنظر إلى ابنتها المنهارة ثم رفعت كلها لتصفعها على وجنتها وتصرخ بها:
- أنتِ أكيد مجنونة! عايزاني ألعب مع أنس تاني؟ أقتل مراته عشان وقتها مش هيتردد لحظة ويقتلني أنا وانتِ يا غبية. لا لا، مستحيل، مستحيل ألعب مع أنس تاني. كفاية اللي حصلي بسببه.
صرخت ليل بألم عندما شدت والدتها شعرها وقالت بغيظ:
- اسمعيني يا بت انتِ كمان تنسيه. فاهمة ولا لا؟ تنسي حاجة اسمها أنس خالص. أنا مش عايزة مشاكل معاه. خلاص وجهي طاقتك لحد تاني. العبي على حد تاني. حد يكون غني لحد ما تتجوزيه ونخلص. لكن أنس شيليه من بالك. فاهمة ولا لا!
ثم دفعتها بعنف. مسحت ليل دموعها وقالت:
- لا يا ماما مش هنسى أنس. أنس لو مكنش ليا مش هيكون لغيري. أنا مقدرش أقتله، بس هقتل مرام!
بعد أسبوعين.
- دي إمضتي يا أستاذ عمران. أنا بسلمك كامل المسؤولية بتاعة الشركة. من يوم ورايح أنت ليك كافة الصلاحيات عشان تتخذ أي قرار صالح للشركة. أنا بثق فيك جدًا وعايز تدير الشركة زي ما أنا و...
اختنق صوته وظهرت فيه نبرة الانهيار وأكمل:
- وبابا الله يرحمه كان بيديرها.
أمسك عمران كفه وقال بتوسل:
- يا بني خليك ودير شركتك. خليك هنا في بلدك.
هز رأسه بتصميم وقال:
- يا ريت أقدر، يا ريت. بس صدقني مقدرش لازم أبعد عشان أرتاح. وزي ما قولتلك يا أستاذ عمار أنا بثق في حضرتك وواثق إن حضرتك هتديرها كويس زي ما أنا بعمل وأكتر.
هز عمران رأسه وقال:
- امتى مسافر يا ابني؟
- بكرة بإذن الله. كنت حابب أسافر قبل أسبوعين بس حياة صممت أحضر فرحها الأول. هحضر الفرح وبعدين أسافر.
هز عمران رأسه وقال:
- توصل بالسلامة يا بني. ابقى اتواصل معايا دايماً. ويارب تغير رأيك وتبقي هنا.
- مظنش.
قالها بحزن ثم عانق عمران وقال:
- أشوف وشك بخير.
ثم انسحب خارجًا من المكتب والشركة بأكملها.
بعد ساعة ونصف من التجول بلا هدف وصل إلى قصره. زفاف حياة بعد ساعتين تقريبًا. قاعات الزفاف. لهذا هو لديه متسع من الوقت ليجهز حقيبته كي يغادر غدًا باكرًا. صعد لغرفته بتعب لكي يجهز حقيبته ويسافر. وضع ملابسه كلها في حقيبة كبيرة. فجأة توقف وهو يمسك صورة تجمع كلا من والده ووالدته. سالت دموعه وهو يضم الصورة لصدره ثم يقبلها برقة ويقول:
- وحشتوني. بس حاسس إنكم هتبقوا معايا دايماً.
وضع الصورة بالحقيبة. ثم فتح جارور الطاولة الصغيرة بجوار فراشه ليتجمد وهو يرى صورتها قابعة في مكانها. الأيام التي سبقت موت والده كان دوماً يتأمل صورتها تلك وهو يبتسم بذوبان. رغم إدراكه أنها من المستحيل أن تكون له، ولكن حمل تلك المشاعر بقلبه جعلته سعيدًا. هو سعيد بقدر ما يتألم. ابتسم ابتسامة حزينة وهو يمرر أصابعه على ملامحها الطفولية الجميلة ثم وضع الصورة بجوار صورة عائلته. هم الثلاثة يمثلون الحياة بالنسبة إليه، ولكن للأسف هم ليسوا في حياته. أهله توفيا، تركاه بمفرده والفتاة التي يحبها مستحيل أن يحصل عليها. الأفضل له أن ينسى الأمر. وما سيساعده هو ابتعاده عن هنا. لو ابتعد عن هذا المكان سوف ينسى بكل تأكيد كل شيء. وجوده في بيئة جديدة سوف يشفي قلبه. تنهد مروان وهو يغلق حقيبته ويجلس على الفراش. نظر إلى ساعته ليجد أن تبقت ساعة ونصف على زفاف حياة. تسطح على الفراش ونظر إلى السقف والدموع تحرق عينيه. كم يشتاق لأهله. إنه يشتاق إليهم. والدته، والده. كم يرغب بالذهاب إليهما. لا يريد أن يكون وحيدًا، ولكن ليس بيده شيء. لا يمتلك أي خيارات الآن. الخيار الوحيد الذي يمتلكه هو أنه يقاوم، يقاوم حتى يُشفى. ولكن الجروح بقلبه شديدة، لن تُشفى بتلك السهولة. انسابت الدموع من عينيه وهو يغمضهما. لحظة، لحظتين، ثلاثة وغاص مروان في النوم بسبب الإرهاق من كثرة التفكير.
كان يقف بمفرده في مكان غريب ينظر حوله ويشعر بقلبه يقصف داخل صدره. فجأة لمعت عيناه وهو يرى والدته الحبيبة. ركض نحوها ثم عانقها بحب وهو يبكي.
- حبيبي مروان.
قالتها وهي تضمه إليها. أبعدته عنها ثم قبلت رأسه وعانقت وجهه وهي تقول:
- حبيبي أنا فخورة بيك، فخورة أوي.
- أنتِ وحشتيني أوي يا ماما. أنا مش قادر أكمل. حاسس بخنقة. حاسس إن الحياة مبتحبنيش. عايز أموت. أنا مليش حد هنا. خديني معاكي. أبوس إيديكي خديني من هنا يا ماما. أنا عايز أبقى معاكي. أنا مش بخير.
هزت رأسها بالنفي وقالت:
- كل حاجة هتكون بخير يا مروان. خليك قوي.
أغمض عينيه ودموعه تنساب ثم فتحها مرة أخرى ليجد والدته قد اختفت.
- ماما.
صاح هو بخوف.
- ماما انتِ فين؟ انتِ فين؟
- ماما.
صرخ بها مروان وهو ينهض من نومه. ثم أخذ يتنفس بقوة وهو يدرك أنه كابوس. مرر أصابعه على وجنته يمسح دموعه. ثم نظر إلى ساعته لينظر كالملسوع. لقد تأخر على حياة. ركض إلى الحمام ليأخذ دشًا سريعًا.
خرج مروان من الحمام وهو يجفف شعره جيدًا ثم سحب الحلة الرمادية الخاصة به وارتداها. مشط شعره وهذب ذقنه قليلاً. ثم أمسك زجاجة العطر وبدأ يرش على نفسه. انتهى بارتداء ساعته غالية الثمن ثم غادر بسرعة وهو يمسك هاتفه ومفاتيح سيارته. خرج من قصره واتجه إلى سيارته ثم استقلها وقاد بسرعة. لو فوت حفل الزفاف سوف تقتله حياة بكل تأكيد. فكر بتسلية وابتسامة صغيرة تحتل شفتيه.
في إحدى قاعات الزفاف.
كانت الأغاني الشعبية تضج هناك بينما والدة أحمد ترقص مع ابنها العريس وهي سعيدة كثيرًا لسعادته. كانت حياة تجلس على مقعد العروس وهي تضحك بسعادة ومرح. فجأة لمعت عينيها بقوة واحتشدت بعض دموع السعادة في عينيها وهي ترى مهرا وادم وليلي معًا قد أتيا. نهضت عندما اقتربت منها مهرا وقالت بصوت باكي وكادت أن تعانقها:
- افتكرت إنك مش هتيجي.
ابتسمت مهرا بإيجاز وصافحتها بدل أن تعانقها، وتفهمت حياة الأمر جيدًا. لن تعود مهرا صديقتها كالسابق.
- أنا وعدت هاجي وأهو جيت.
- مبروك.
كان هذا صوت آدم القوي. نظرت إليه حياة وأومأت له بأدب ثم نظرت إلى ليلي. تلك الفتاة التي سلبت عقل مروان كليًا. ابتسمت ليلي الأخرى وقالت:
- مبروك يا عروسة.
- الله يبارك فيكي يا حبيبتي عقبالك.
- أيوه كده ادعي بضمير. الواحد عايز يتجوز ويهرب من الطب اللي قصف عمره.
وكالعادة ليلي بددت التوتر إذ ارتفعت ضحكات الجميع.
- إيه ده، أنس ومرام هنا؟
قالتها ليلي بدهشة ثم ذهبت باتجاههم. قالت حياة وهي تشرح الوضع:
- أحمد كان المحامي بتاع أنس خلصله كان حاجة كده وهو بصراحة كمان ساعد أحمد كتير وعشان كده أحمد اللي عزمه.
هز آدم رأسه وهو يسحب مهرا ويتجهان إلى أنس ومرام في الطاولة التي يجلسان عليها.
اقترب أحمد من حياة لاهثًا وهو يضحك فقالت له بابتسامة:
- ماما شكلها مبسوطة أوي.
ضحك وهو يهز رأسه ثم قال:
- هو مروان لسه مجاش؟
هزت رأسها بالنفي ولكن رأسها تجمدت وهو يلج إلى القاعة. يرتدي حلة رمادية بينما ذقنه النامية تم تهذيبها قليلاً. توقف مكانه وعينيه تقع عليها. كان لا يصدق أنها موجودة هنا. ابتلع ريقه وهو ما زال يتأملها بصدمة بينما دقات قلبه تتسارع كأنه في سباق سريع. كانت ليلي تضحك وهي تتحدث مع مرام ومهرا. فجأة شعرت بشعور غريب. نظرت تجاه القاعة لتتلاشى ابتسامتها وهي تراه. ظلا للحظات يحدقان ببعضهما إلى أن صوت آدم أرعبها وهو يقول:
- إيه اللي جاب ده هنا؟
نظر مروان الناحية الأخرى إلى حياة واتجه إليها. فهو آخر شيء يريده الآن أن يتصادم مع آدم.
- مروان اتأخرت.
قالتها حياة بعتاب ليبتسم مروان ويقول:
- آسف يا حياة، كنت بجهز نفسي عشان السفر بكرة وسرقني الوقت.
- برضه مش ناوي تغير رأيك؟
سألته بحزن ليهز رأسه ثم ينظر إلى أحمد ويصافحه قائلاً:
- خلي بالك منها.
ابتسم له وهو يضم حياة إليه:
- دي في عيوني.
هز مروان رأسه ثم اتجه إلى طاولة فارغة تمامًا وهو يجلس وحيدًا. كالعادة. على الرغم من أن حواليه الكثير إلا أنه كان وحيدًا للغاية. أمسك كأس العصير وهو يشربه بهدوء بينما شعر بالدموع تحرق عينيه. عينيه التي لم يستطع السيطرة عليها وهي تنظر إليها. نظر إليها بالفعل وقلبه يقصف في صدره ليجدها تنظر إليه. بعينيها الجميلتين. توترت واحمر وجهها عندما أمسكها لتنظر هي من الناحية الأخرى. بقا هو ينظر إليها وهو يفكر أنها المرة الأخيرة. المرة الأخيرة التي سوف يراها. المرة الأخيرة التي سوف تدخل السرور لقلبه فيها. فهو بعد اليوم سوف يبتعد. يبتعد للأبد. توتر مروان وادم يمسكه يحدق بليلي واشتعلت عيناه من الغضب. أشاح مروان بوجهه وهو يشعر بالقلق بينما أمسك آدم ذراع ليلي وقال بغضب:
- هو اللي اسمه مروان ده بيبصلك ليه؟
- م..معرفش يا ابيه. هو اللي بيبص مش أنا.
قالتها ليلي بتلعثم. نظر آدم إلى مروان بغضب وهو يبعد ليلي ويجعلها بعيدًا عن مرمى نظر مروان.
بعد ساعتين تقريبًا.
كان قد انتهى الحفل وخرج العروسان. وقفا أحمد وحياة وهم يتكلمان مع أنس بالقرب من السيارة التي سوف تقلهم إلى الفندق.
- متقلقش يا أحمد شهر العسل خلاص بقى عليا وأنا حجزتلك في الفندق بتاعي اللي في الإسكندرية.
ابتسم أحمد وهو يشكره بينما اقترب مروان لكي يودع حياة قبل أن يغادر للأبد ولكنه احتار وهو ينظر إلى تلك الفتاة الغريبة التي تقف بعيدًا وتنظر إلى أحدهما بحقد. تتبع مسار نظراتها ليجدها تنظر إلى شقيقة ليلي.
تنفست ليل بغضب وهي ترى مرام تقف بجوار أنس تمسك كفه. كان من المفترض أن تكون هي مكانها. كان من المفترض أن تكون هي زوجة أنس لا مرام. هذا مكانها. مكانها. هي من تعشقه. هي. هي التي تعشقه أكثر من أي شيء. حبه لم يكن قرارها بل هو لعنة أصيبت بها ما إن وقعت عينيها عليه. وإن كنت تعلمت شيئًا وهي واقعة في غرامه فإنها تعلمت ألا تستسلم. سيكون لها في النهاية أو الثمن سيكون حياة مرام. سيكون حياة حبيبته مرام. أخرجت السلاح الذي اشترته منذ أسبوعين ثم وجهته إلى مرام وقالت بحقد:
- لو مكنتش ليا مش هتكون لغيري. هحرق قلبك زي ما حرقت قلبي. أنت رفضتني وكسرت قلبي. وأنا هقتل مراتك وأكسر قلبك.
ثم هيأت سلاحها لتطلق النار.
- احسبي!
صرخ مروان فجأة وهو يدفع مرام ناحية أنس فيقعان سويًا على الأرض لتصيب الرصاصة بطنه. دار العالم بمروان ليسقط أرضًا وهو يضع كفه على بطنه الذي ينفجر بالدماء. شعر أنه انفصل عن العالم. لا يسمع أي أصوات. يرى الناس من حوله تصرخ ولا يميز الصوت كأنه أصيب بالصمم. ورغم الألم، رغم العذاب، إلا أن هذا الشعور كان رائعًا. شعور الموت. هو ليس خائفًا الآن بل يشعر بسكون رهيب. يشعر أن أخيرًا الحياة أسدت له خدمة هائلة. فهو سوف يذهب إلى والديه دون أن يغضب الله. لقد أدرك بعد صراع أن الحياة لا تحب أمثاله. لهذا بدا له الموت رغم ألمه رائعًا للغاية. الموت يحبه. الموت راحة. هو لن يرتاح إلا عن طريق تلك الطريقة. لهذا لم يتمسك بالحياة بل أغمض عينيه بهدوء بينما آخر شيء رآه، صورة ليلي وهي تنظر إليه وتبكي. صورة حبيبته.
رواية عروس رغما عنها الفصل السادس عشر 16 - بقلم سوليية نصار
شهقت ليل بصدمة وهي تخفي السلاح الناري ولكن بعد فوات الأوان، فقد رآها أنس ونهض بسرعة متجهاً إليها.
لم تتوقف هي لحظة وركضت بسرعة نحو سيارتها.
توقف أنس وهو يلهث بينما ينظر إليها تهرب من أمامه، ثم أخرج هاتفه واتصل بالشرطة.
وبعد أن انتهى قال وعيناه تشتعلان من الغضب:
"مش هتهربي مني يا ليل... المرة دي هخليكي تعفني في السجن."
***
"مروان... مروان..."
كان هذا صوت حياة التي تبكي بعنف، بينما هو في عالم آخر الآن.
"الو... محتاجين عربية إسعاف في شارع ××××... لو سمحتوا بسرعة، اللي اتصاب حالته خطيرة."
كان هذا صوت أدم القوي، بينما مهرا تضم ليلي التي ترتعش بخوف وتبكي.
اقترب أنس وهو يرى زوجته بجوار ليلي ومهرا، جذبها إليه وهو يضمها والدموع تحرق عينيه.
"كانت ستموت اليوم لولا مروان!"
جاءت سيارة الإسعاف بسرعة وبحرص تم حمل مروان الفاقد للوعي.
ركض أنس وهو يمسك مرام واستقل سيارته استعداداً للمغادرة، ليحتار قليلاً وهو يرى ليلي تركب خلفه وهي تمسح دموعها.
نظر أنس بحيرة إلى مرام التي كانت مصدومة هي الأخرى، ولكنه لم يسألها حتى، بل قاد سيارته ويبدو أنه فهم كل شيء.
تلك النظرات التي كان يراها بعيني مروان، انهيار شقيقة زوجته، كل تلك الأشياء جعلته يفهم الأمر.
إنه يعرف أمور العشق جيداً، أليس بعاشق!
مهرا وأدم أيضاً استقلا سيارة أجرة وهم يلحقان بسيارة الإسعاف، وأحمد شد كف حياة المنهارة ليستقل بها سيارة وينطلق بها.
***
أمام غرفة العمليات، كان الجميع يقف بتوتر منتظرين أي خبر عن مروان القابع بالداخل.
كانت ليلي تمسح دموعها كل فترة، ومهرا أبقت عينيها عليها.
لا تصدق كيف غفلت عن الأمر، كيف غفلت أن ليلي أحبت مروان رغم كل شيء.
مروان الذي لطالما هتفت بأنها تكرهه بشدة، كانت تظن أن ليلي ستظل تكرهه طوال حياتها.
إذن ماذا حدث ومتى أحبته؟
لتكن مهرا صادقة، هي لم تعد تكره مروان، لقد غفرت له هو وحياة، وإن كان لن تستطيع التعامل معه.
ولكن بعد ما حدث، وبعد إنقاذه لمرام، وحالته الخطيرة تلك، بدأت ممتنة له.
الرجل التي كرهته أكثر من حياتها، هي الآن أصبحت شاكرة له لأنه أنقذ شقيقة زوجها والفتاة التي تعتبرها شقيقتها مرام.
ولكن هل أدم سيغفر له؟ هل سيسمح له بالانضمام للعائلة؟ هل سينسى كل شيء؟
هذا ما كانت تخشاه، أن أدم لن يتقبل مروان مهما حدث، ولكن مروان ضحى بنفسه من أجل مرام، لابد أن هذا سوف يحسن صورته قليلاً.
***
داخل غرفة العمليات، كان الأطباء يفعلون المستحيل كي ينقذوه.
"دكتور... قلب المريض وقف!"
صرخت الممرضة برعب وهي ترى إشارة الجهاز على أن قلب مروان قد توقف.
"لا لا لا..." قال الطبيب بفزع ثم بدأ يدلك قلبه بقوة وهو يصرخ:
"اصحى... اصحى متموتش... قاوم!"
ولكن مروان لم يكن متمسكاً بالحياة، جل ما كان يريده هو اللحاق بأهله.
استيقظ مروان ووجد نفسه بمكان غريب به أشجار خضراء كثيرة، كان الخضار يسيطر على المكان، ووقتها شعر براحة، شعر حقاً بالسكون.
فجأة ابتسم وهو يجدهما، والديه، يقفان ويبتسمان.
ركض هو إليهما ثم ضمهما بقوة وقال:
"وحشتوني... وحشتوني..."
ابتعد قليلاً وهو يمسك كفيهما، كف والده ووالدته، وعيناه تبرق بفعل الدموع وقال:
"خلاص... مش هبعد عنكم تاني... أنا جيت... جيت يا بابا... هبقى معاكم يا ماما..."
ابتسمت والدته ولم تتكلم، ثم اقتربت وقبلت رأسه وأخذت كف والده ورحلا.
اختفيا بسرعة.
هطلت دموعه وهو يصرخ:
"انتوا فين... متسبونيش لوحدي... لا... لا!"
"مروان يالا!"
صرخ الطبيب به وهو يضربه بعنف على قلبه ليعود قلبه وينبض من جديد.
ابتسم الطبيب براحة، وبدأ بإكمال عمله. لقد استطاع أن ينقذ مريضه.
***
"ليل!"
قالتها نيرمين بصدمة وهي ترى ابنتها ترتعش وهي تمسك سلاحاً نارياً.
عيناها الخضراء تنزفان الدموع، وفي عينيها رعب العالم كله.
"ليل..." قالتها نيرمين مرة أخرى بتحذير.
لا يمكن أن تكون ابنتها الغبية قد فعلت هذا.
"ماما... ماما..." قالتها ليل وهي ترتعش بقوة ودموعها تنفجر من عينيها.
"عملتي إيه يا غبية... عملتي إيه؟!"
صرخت نيرمين وهي تشدها من شعرها الأسود بغيظ حتى تمزقت خصلاته.
كان الرعب يدب في قلبها، لقد حصلت على عداوة أنس مرة أخرى.
أنس سوف يقتلهم بكل تأكيد.
أخذت تهزها بعنف وهي تصرخ بها برعب وتقول:
"قت.لتيها... قت.لتي مرام... قت.لتيها!"
ارتعشت ليل وهي تهز رأسها وتقول بصعوبة:
"لا... لا... مش هي... مش هي اللي اتصابت بالمسدس... ده واحد تاني... واحد تاني... أنا قتلته... هو مات..."
ثم وقعت على الأرض وهي تبكي بعنف.
أكيد سوف تدمر الآن.
لقد رآها أنس وبعض مدعويي الفرح، كيف كانت بتلك الغباء، غباؤها جعلها تطلق النار على مرام دون أي تفكير.
دموعها ما زالت تذرف من عينيها بينما تمسك قدم والدتها وتقول برعب:
"ساعديني يا ماما... أبوس إيديكي ساعديني... أنس مش هيسيبني عايشة... هو شافني... شافني..."
دفعتها والدتها وقالت وهي ترتجف:
"أنا... أنا مليش دعوة يا ليل... قولتلك بلاش تستفزي أنس وابعدي عنه... قولتلك إنه دمر حياتي من غير ما يحس بأي ذنب... قولتلك انسى خلاص... قولتلك شيليه من دماغك يا غبية وأنتِ... أنتِ روحتِ خليتيه يحطنا في راسه... أنا مليش دعوة... مليش دعوة... أنا مفيش في إيدي حاجة أعملها عشانك... أنا مش هقدر أعملك أي حاجة يا ليل... مش هقدر..."
ثم ركضت نيرمين إلى غرفتها وهي ترتعش بخوف.
مسحت ليلي دموعها وبرقت عيناها بشر مخيف، ثم نهضت وذهبت ليل خلفها وهي تمسك السلاح.
اليوم سوف تتخلص منها، تلك الأفعى، لقد دمرت حياة شقيقتها وحياتها!
كانت نيرمين تجلس على المقعد وهي ترتعش بقوة.
أنس لن يصمت... لن يصمت... أكيد سوف يدمر ليل، وهي أيضاً سوف تكون في الصورة.
بالطبع أنس سوف يظن أن نيرمين أيضاً اشتركت معها.
تلك الفكرة جعلت نيرمين ترتجف من الرعب.
وقفت ليل أمام والدتها وهي تشهر السلاح بوجهها.
"ليل!"
قالتها والدتها بصدمة لتقول ليل:
"أنتِ دمرتي حياتنا... دمرتي حياتي ودمرتي حياة نوارة... أنتِ عمرك ما حبتينا... عمرك... كنتِ بتحبي نفسك وبس!"
نهضت نيرمين وهي ترتجف، وقد كانت مرعبة على نفسها.
ليل لم تكن بوعيها وهتفت بنبرة مرتعشة:
"لا لا محصلش يا ليل... أنتِ ونوارة كنتوا أغلى حد في حياتي كلها... انتوا..."
"كدابة... كدابة!"
صرخت بها ليل وهي تبكي ويديها ترتعش، ثم أكملت:
"أنا ونوارة عمرنا ما كنا نهمك يا ماما... أنتِ بس اللي كان يهمك نفسك... نزواتك وأحلامك... عمرك ما حبتينا زي ما عمرك حبيتي بابا... بابا اللي لما مات اتجوزتي واحد تاني... واحد قذر ضحك عليكي... واحد كان بيتحر.ش بأختي الكبيرة وأنتِ كنتي عارفة..."
صرخت في جملتها الأخيرة والدموع تنفجر من عينيها لتبهت نيرمين وتبتسم ليل وتقول:
"إيه فاكراني مكنتش أعرف... أنا عارفة كل حاجة... عارفة إن جوزك الواطي كان بيتحر.ش بأختي اللي كتير قالتلك وأنتِ عشان حبك إيه مكنتيش بتصدقيها..."
ضحكت بسخرية وقالت وعيناها الخضراء تبرق بعنف:
"ولا كنتي عارفة بالموضوع... كنتي عارفة صح... كنتي عارفة عشان كده كنتي بتقصدي تأخديني ونطلع وتسيبي نوارة معاه..."
صرخت ليل بعنف وهي تطلق النار لتصيب الحائط، فتصرخ نيرمين وهي تضع كفيها على أذنها.
وقعت على الأرض وهي تبكي وتقول:
"كنت بحبه... كان لازم أعمل كده وإلا هيسيبني وإلا..."
"اخرسي... اخرسي يا أحقر خلق الله... أنتِ لازم تموتي... لازم تموتي..."
ثم وضعت السلاح بجبهتها لينكسر باب الشقة فجأة وتدخل الشرطة، وفي ثوانٍ كانوا يمسكون بليل التي بدت مستسلمة تماماً، بينما نيرمين جالسة على الأرض وهي تبكي بعنف.
***
في اليوم التالي، فتح عينيه بتعب لتتسرب إلى أنفه رائحة خانقة تشبه رائحة الأدوية.
نظر للأعلى ليجد إضاءة بيضاء قوية.
أغلق عينيه مرة أخرى وهو يتأوه.
"حمدلله على سلامتك يا مروان."
صوت ناعم اخترق أذنيه، صوت بدا أنه مبحوح من البكاء.
حرك مروان عينيه لتقع على وجه حياة الشاحب، وأحمد الجالس بجوارها.
كان ما زال تحت تأثير المخدر، يشعر أن انتباهه مشتت للغاية.
أخيراً استعاد نفسه وقال بهدوء:
"حصل... حصل إيه؟"
تنهدت حياة وقالت:
"اتضربت بالنار وجابوك هنا... وقلبك وقف لدقيقة تقريباً... الموضوع كان صعب أوي... الدكاترة قالوا إنك مكنتش متمسك بالحياة."
زفر مروان وهو يغمض عينيه وقال:
"عندهم حق... أنا مكنتش عايز أعيش... ليه أنقذتوني؟"
"بطل سخافة مش هنسيبك تموت أكيد."
تنهد وأغمض عينيه وقال:
"هو مين... مين اللي ضرب نار؟"
ردت حياة وهي تهز كتفيها:
"واحدة مجنونة كانت بتحب أستاذ أنس وكانت عايزة تقتل مرام مراته."
ابتسم مروان بحزن وقال:
"يبقى عمرها ما حبته... اللي بيحب حد عمره ما يستحمل يشوفه حزين... أو مقهور... ده اسمه تملك."
"أو جنان... دي أكيد مجنونة لأنها ودت نفسها في ستين داهية يا مروان. أنس مكانش هيكست وفعلاً مهديش إلا لما اتقبض عليها. ده غير إنه بالعافية رضي إنه يروح بيته امبارح كان عايز يبات في المستشفى عشانك وطلب من الدكتور يعمل المستحيل عشان ينقذك. كان خايف عليك أوي... أنت أنقذت مراته وهو كان عايز ينقذك بأي طريقة."
"ونجح أهو." قالها مروان مبتسماً والدموع تحرق عينيه.
ثم فتح عينيه وقال:
"آسف بوظت عليكم شهر العسل."
"متفكرش كتير يا مروان قوم أنت بس بالسلامة. شهر العسل مش هيطير." قالها أحمد وهو يجذب حياة إليه ليرد مروان:
"خلاص روحوا أنتوا وأنا هبقى كويس... للأسف ضيعت الطيارة وشكلي هاجل السفر تاني... إيه الحظ ده!"
هزت حياة رأسها وقالت:
"مستحيل مستحيل... إحنا هنفضل هنا لحد ما نطمن عليك يا مروان. وبعدين خلاص يا عم شيل فكرة السفر من دماغك وخليك هنا في بلدك مفيش أحسن منها."
لم يناقشها مروان... كان منهكاً للغاية.
***
"أنا شكلي نيلة أوي بالبتاع ده... حاسس إني رايح أزور خطيبتي!"
قالها أدم وهو ينظر إلى الورد الذي أصرت مهرا على شرائه.
بالأمس بعد الاطمئنان عليه ذهبا وقررا أن يأتيا اليوم، وجلبت ليلي معها.
لأن رغم أن ليلي رفضت الاعتراف لها بالأمس عن الموضوع، ولكن مهرا متأكدة أنها تحب مروان.
ضحكت مهرا عليه بينما قالت ليلي:
"فكرة حلوة يا أبيه إنه يكون خطيبك، أنا بقول نجيب المأذون ونكتب كتابكم هنا."
توقف أدم في ممر المستشفى ونظر إليها قائلاً:
"أنا مش قولتلك مترميش إيفيهات تاني يا بنت انتِ... دمك سم! وبعدين انتِ إيه اللي جابك معانا علطول لازقالي أنا ومراتي... الواحد مش قادر أخلص منك."
"جاية أشكر الراجل اللي أنقذ أختي."
توقف أدم مرة أخرى وأعطى الأزهار لمهرا وأمسك ذراع ليلي وقال:
"اسمعيني يا بنت انتِ عشان الواد ده معتوه وطلبك مني قبل كده، إياكي تتكلمي انتِ تقفي ورايا أو تقعدي برا وتستني لحد ما أشكر وأطلع."
"لا أنا هدخل معاك يا أبيه!"
"خلاص يا أدم سيبها."
قالتها مهرا بجدية ثم أكملت:
"خلينا ندخل ونشكر الراجل."
هز أدم رأسه وهو يأخذ الورد ويقول:
"ماشي... يالا."
***
"هو أنا إمتى هطلع من هنا؟"
قالها مروان بملل وهو يحاول أن ينهض ولكن بطنه ما زالت تؤلمه.
"هنسأل الدكتور يا مروان واهدي شوية."
قالتها حياة وهي تحاول أن تجعله يسترخي وكادت أن تنهض لتستدعي الطبيب إلا أن الباب فُتح ودخل أدم ومهرا وليلي.
رفع مروان حاجبيه وهو يرى أدم يقف أمامه ويمسك باقة أزهار ومعه مهرا.
خفق قلبه خفقة قوية وهو ينظر ويجد ليلي تقف خلف أدم نسبياً.
ابتسامة سعيدة شقت شفتيه وكأنه نسي الألم كلياً وهو ينظر إليها.
"هاي إنت يا بابا خليك معايا هنا!"
قالها أدم بضيق وهو يجعل ليلي خلف ظهره كلياً يخفيها عن عيني مروان.
نظر إليه مروان ليقول أدم وهو يقدم له باقة الأزهار ويقول:
"خد ده... متقلقش مش هأكلهولك زي المرة اللي فاتت."
ابتسم مروان له لتقول مهرا بلوم:
"أدم!"
نفخ أدم وقال:
"حاضر... حاضر هشكره."
نظر إليه وقال بصوت خافت:
"شكراً ليك عشان أنقذت حياة أختي."
"مش سامع يا أدم بتقولي إيه؟"
قالها مروان ليستفزه ثم أكمل:
"ارفع صوتك شوية."
"لا بقولك إيه مش عشان أنقذت أختي هتتدلع شكرتك وخلاص وبعدين الحمدلله أنت زي القرد عايش محصلكش حاجة."
صمت قليلاً وقال:
"شكراً مرة تانية... لولاك مكنتش أعرف هعمل إيه... رغم كل المشاكل اللي حصلت بيننا فاقدر أقول دلوقتي إني مسامحك على اللي عملته ومش بحقد عليك."
ابتسم مروان براحة وقال:
"بجد... بجد سامحتني؟"
"طيب مهرا." نظر إلى مهرا لتقول هي:
"أنا سامحتك وسامحت حياة... رغم إنكم أذيتوني بس بسببكم اتعرفت على أدم."
ابتسم مروان وقد تشجع وقال:
"يعني كده أقدر أطلب اللي أنا عايزه منكم."
"انت عايز تطلب إيه؟"
قالها أدم بتوجس ليرد مروان بسرعة:
"ليلي... عايز ليلي... وصدقني يا أدم هشيلها جوه عيني ومستعد أثبتلك إني اتغيرت."
وعلامات النفور على وجه أدم كانت أبلغ جواب.
***
في المساء، "أنس... أنس كفاية أنت من أول ما جينا من عند مروان وانت حاضنني بالشكل ده!"
قالتها مرام بينما أنس يضمها إليه في غرفتهما، بينما الاثنان متسطحان على الفراش.
ما زال مرتعباً، قلبه يرتعش كلما تذكر أنه كاد أن يخسرها.
تلك الحقيرة كانت تريد أن تقتلها ولكنه لم يرتاح حتى تنال ليل أقصى عقوبة.
لولا مروان لكان أنس قد انتهى تماماً.
عدم وجود مرام في حياته يعني الدمار.
هو يحبها أكثر من أي شيء آخر، هي حبيبته، مالكة قلبه.
والتفكير أنه كاد أن يخسرها ينهكه كثيراً.
"أنا كنت هخسرك يا مرام... كنت هخسرك."
تنهدت مرام وهي تبعد أنس عنها قليلاً ثم عانقت وجهه وقالت:
"أنا عارفة إن اللي حصل صعب أوي يا أنس... بس الحمدلله أنا كويسة وعايشة... متخليش الخوف يسيطر عليك يا حبيبي واعرف دايماً إن ربنا بيحمينا... الله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين."
"ونعم بالله يا حبيبتي... ونعم بالله."
"أنا بحبك يا أنس... وبحب خوفك عليا... ربنا يخليك ليا."
"ويخليكي يا عمري."
قالها ثم ضمها إليه وهو يتنهد وقد ارتاح قليلاً.
نعم الله هو الحافظ وسيدعو دوماً أن يحفظ له حياته، مرام.
***
"أخيراً قدرت أطمن على مروان... الدكتور قال إنه خلاص يومين ويطلع."
قالتها حياة وهي تلج إلى منزل الزوجية التي لم تدخل إليه منذ إصابة مروان.
كان من المفترض أن يسافرا إلى شهر العسل ثم يأتيان إلى المنزل ويحضران والدة أحمد لتعيش معهما، ولكن إصابة مروان جعلتها تنسى كل هذا.
والآن تشكر الله أنه أصبح بخير.
جلس أحمد بتعب على الأريكة وهو يرجع رأسه للخلف.
ابتسمت حياة باشفاق واقتربت منه وهي تجلس بجواره وتمسك كفه وتقول:
"آسفة يا حبيبي... بوظتلك شهر العسل."
ضمها إليه وقال:
"المهم أنك اطمنتي على مروان وبس يطلع هنروح شهر عسل مش هتنسيه طول حياتك بس يارب متحصلش حاجة تاني تبوظ الموضوع."
ضحكت حياة وقالت:
"حاسة إننا فقر يا أحمد كل أما نيجي نتجوز تحصل حاجة معينة تبوظ كل حاجة."
ضحك أحمد وهو يشدها إليه ويقبلها قائلاً:
"عندك حق... باين إننا معمولنا عمل على رجل بقرة."
لم تتحمل حياة وضحكت بقوة وقالت:
"بس أهو إحنا لوحدنا."
مرر أحمد أصابعه على وجنتها وقال:
"أيوة لوحدنا يا حبيبتي ومع بعض وهنكون دايماً مع بعض."
ثم اقترب منها وقبلها بلطف تفاعلت هي معه، وما كادت أن تشعر أنه يحملها حتى أبعدته وهي تقول:
"استني... استني لازم أجهز زي أي عروسة."
ثم نهضت بسرعة وهي تركض نحو غرفة النوم.
ضحك أحمد وهو يضحك كفه على وجهه بينما يذهب خلفها، بينما هي تفتح الخزانة وتخرج عدة ملابس نسائية خاصة.
وقفت تنظر إليهم بحيرة ثم اختارت قميص زهري باهت وركضت إلى الحمام.
ابتسم أحمد وقرر أن يتحضر هو لأجلها أيضاً وذهب للحمام الإضافي بالشقة.
***
في الحمام، كانت حياة قد ملأت المغطس الدائري (البانيو) ثم وضعت به سائل الاستحمام ومعطر للجسد، ثم جلست به وهي تدلل نفسها من أجل زوجها، حبيبها.
مغمضة عينيها وهي تفكر أن الليلة ستكون أجمل ليلة في حياتها كلها.
بعد دقائق عديدة نهضت وهي تغسل جسدها ونشفته جيداً، ثم ارتدت القميص الزهري القصير وسرحت شعرها وخرجت.
اهتز قلبها داخل صدرها وهي تجد أحمد جالس على الفراش وهو عاري الجذع بينما يرتدي بنطال منامة أسود اللون.
"تعالي يا حبيبتي."
قالها بتعب لتقترب منه وتجلس بجواره.
سطحها برفق على الفراش وتسطح بجواره ثم أمسك كفها وقبله قائلاً:
"أنا بحبك أوي يا حياة."
ثم انغلقت عينيه وغرق بالنوم تاركاً إياها تنظر إليه بذهول.
"نومت... نومت يا أحمد بعد ده كله... يا ريتني ما استحميت!"
رواية عروس رغما عنها الفصل السابع عشر 17 - بقلم سوليية نصار
اتسعت عيني مروان وخفق قلبه بقوة…
للحظات ظن إنه سمع خطأ…
ولكن كان هذا صحيح…
صحيح مائة بالمائة…
لقد وافق عليه آدم…
وافق إنه يعطيه فرصة…
أغمض عينيه وهو يشعر إن الحياة تقبلته أخيرا…
فهذا الفتى المنبوذ من قبلها الآن له فرصة يعيش…
فرصة إنه يكون سعيدا…
احتشدت الدموع بعينيه وأغمضهما وهو لا يصدق الأمر…
بسرعة وخجل مسح الدموع التي انسابت على وجنته ونظر إلى آدم وهو يقول بصوت جاهد بقوة لإخراجه ثابت:
- معلش قول تاني… قولها تاني…
لم يبتسم آدم وقال:
- قولت أنك نجحت في الاختبار… أنا موافق تتجوز…
لم يتركه مروان يكمل حديثه بل صرخ بسعادة لدرجة إنه أفزع آدم وليلى…
ثم شد آدم وضمه بقوة…
- أنت يا بن آدم… ابعد ابعد…
قالها آدم بضيق وهو يحاول إبعاد مروان عنه ولكن دون جدوى…
كان مروان يحتضنه ودموع السعادة تملأ عينيه…
بينما آدم يحاول إبعاده فلا يستطيع وليلى تشيح بوجهها المحمر من الناحية الأخرى بينما تضحك بكل رقة…
أخيرا أبعده آدم عنه وهو ينظر إليه بضيق بينما تأوه مروان وهو يضع كفه على بطنه المصابة وقد تألم قليلا…
نظر إليه آدم بضيق وقال:
- سيطر على فرحتك شوية عشان أنت لسه خارج من المستشفى…
هز مروان رأسه بسعادة ثم قال:
- إمتى كتب الكتاب والفرح… أنا بقول الخميس اللي جاي نكتب الكتاب وبعدها بأسبوع…
- بس… بس إيه يا بابا فيه إيه… إيه الاستعجال ده… أنت فاكر الموضوع بسيط للدرجة دي… أجوزك أختي بسهولة كده!!!
نظر مروان بتوتر إلى ليلى وقال:
- أنت مش قولت أنك موافق و…
- أيوة وافقت بس طبعا لازم تكون فيه فترة خطوبة عشان أقيمك وأشوف تنفع ولا لا ليها… أنا هسلمك أختي وبنتي…
- فترة الخطوبة دي هتبقى قد إيه؟!
- بعد ما تخلص كليتها.
اتسعت عيني ليلى بفزع…
رباه هي ما زالت في السنة الثالثة من كلية الطب…
ستنتظر ثلاث سنوات أخرى…
- بتقول إيه؟!
قالها مروان بصدمة ثم أكمل:
- كتير يا آدم والله… خلينا نتجوزها ومستعد أديك كلمتي إني أخليها تكمل دراستها…
- والله خايف يا مروان أعمل كده…
قاطع آدم كلامه ونظر إلى ليلى وكأنه يدرك فيما تفكر هي وأكمل:
- تروح هي تأثر عليك ومتروحش الكلية…
هز مروان رأسه بالنفي وقال:
- ده مستحيل… مستعد أديك وعد إني هجبرها كل يوم تروح الكلية وتذاكر وأنا متكفل بكل مصاريف دراستها!
- يا دي النحس…
تمتمت ليلى بضيق…
أكمل مروان وهو يترجاه قائلا:
- آدم أرجوك… صدقني مش هشغلها عن دراستها لكن تلات سنين كتير…
تنهد آدم بضيق وقال:
- طيب نستنى ست شهور فترة خطوبة مناسبة أهي ندرس فيها تصرفاتك ونشوف تنفع ليها ولا لا…
ابتسم مروان بسعادة وقال:
- موافق جدا… شكرا أوي يا آدم…
ثم كاد إنه يعانقه مرة أخرى إلا إن آدم نظر إليه ببرود ليتراجع وهو يحك رأسه بخجل بينما لا يستطيع منع تلك الابتسامة التي تكونت على وجهه…
هو سعيد… سعيد للغاية… يكاد يطير من السعادة… حبيبته ستكون له… لا يصدق هذا!!!
شد على باقة الأزهار وقال بلهفة:
- إمتى الخطوبة… ها قولي…
ابتسم آدم وقال:
- نخليها بعد أسبوعين يا مروان… بس خلي بالك فيه ضوابط لازم تراعيها مع أختي… أنا عايزك تتقي ربنا على قد ما تقدر… ما تندمنيش في يوم إني جوزتهالك…
هز مروان رأسه وقال:
- مستحيل يا آدم… هعمل المستحيل عشان أليق بيها…
- أنا همشي دلوقتي…
ثم كاد إنه يذهب ولكن آدم قال:
- استنى يا مروان…
توقف مروان وهو ينظر إليه فقال آدم:
- أنت جايب الورد ده لمين؟!
توتر مروان وهو ينظر إلى الورد وقال:
- ليكم… قولت مدخلش وإيدي فاضية…
- جميل أوي… طيب ليه مروح بيه هيسليك في الطريق مثلا؟!
وضعت ليلى كفها على فمها وبدأت بالضحك عندما رأت وجه مروان المضطرب…
يبدو لطيفا أكثر وهو متوتر هكذا…
……
- تعبت النهاردة…
قالها آدم وهو يتسطح على فراشه المريح ثم يغمض عينيه براحة…
كانت المرة الأولى منذ أيام التي استطاع فيها إنه يغلق عينيه بتلك الراحة الكبيرة…
منذ عرف بمشاعر ليلى لمروان كاد يجن فعلا…
أخذ أيام يفكر ماذا يفعل؟! وكيف يتصرف!!
كان حزن شقيقته يؤثر عليه يجعله ضعيف…
ومع محاولة إقناع مهرا له…
مهرا رغم إنها تعرضت للأذى من قبله إلا إنها أوضحت إنها غفرت له كل ما فعله…
وكأنها تريد إن تمحي الماضي كليا…
وليكن صريحا رفضه لمروان لم يكن بسبب ما حدث بينهما الفترة الأخيرة…
صحيح إن هذا من ضمن الأسباب ولكنه كان يريد لشقيقته شخص تقي يستطيع إنه يمنحه شقيقته وهو مرتاح…
ولكن مروان… مروان مختلف كليا عنهم ولكن الفترة الأخيرة بدأ مختلف بشكل كبير…
لقد كاد يموت من أجل مرام…
ومهما حاول إنكار هذا فهو حقا ممتن إليه…
وأمام إصرار مهرا وحزن ليلى الذي يتملك من قلبها يوما بعد يوم وافق أخيرا.
نظرت مهرا وهي مبتسمة بحب إليه…
كانت ملامحه منهكة فما عاشه الأيام السابقة كان كالجحيم ولكن الحمدلله استطاعت أخيرا إن تقنعه ينسي الماضي ولا يقف في وجه سعادة شقيقته…
اقتربت منه وهي تمد كفها الناعم إلى جبهته ثم بدأت بتلمس شعره برقة…
أمسك هو كفها وقبل باطنه بعاطفة قائلا:
- أتمنى تكوني ارتاحتي دلوقتي…
- جدا يا حبيبي… كفاية إننا شوفنا الفرحة في عيون ليلى…
ابتسم آدم وقال:
- هو ده اللي مريحني يا مهرا… مريحني إنها مبسوطة بس…
اختفت ابتسامته وأكمل:
- بس خايف أندم على القرار ده يا مهرا… خايف ميكونش يستاهل ليلى… خايف أظلمها بواحد ليه ماضي زي مروان… خايف أوي يا مهرا…
ضمته مهرا بقوة وقالت:
- مظنش يا حبيبي… أنا شايفة إن مروان فعلا اتغير أوي… وبعدين ده لسه فيه خطوبة يعني تقدر تختبره زي ما أنت عايز…
لمعة عيني آدم بخبث وقال:
- أختبره وبس… اصبري عليا بس يا حبيبتي ده أنا هطلع عينيه… دي فرصة وجاتلي لحد عندي…
ضحكت مهرا برقة وقالت:
- بحبك لما تكون شرير…
دفن يده في شعرها وقال وهو يحاصر عينيها العسلية ويذوب بجمالهما:
- وأنا بحبك في كل الأوقات يا مهرا وبحب ابننا أو بنتنا اللي هتيجي…
اعتدلت قليلا ووضعت وجهها على يدها قائلا:
- قولي يا آدم…
- عيون آدم وروحه.
ابتسمت له وهي تعبث في شعره وأكملت:
- لو جه ولد هتسميه إيه؟!
- الاسم اللي تحبيه يا روحي… أنتِ الأم…
قالها وهو ينحني قليلا ويقبل بطنها لتدفن يدها في شعره وتقول:
- أنا عايزاك أنت تختار أول اسم قولي هتحب تسميه إيه؟!
- يعني معندكيش مانع إني أختار…
قالها وهو يضع رأسه على بطنها.. لتهز رأسها قائلة:
- لا معنديش أي مانع… اختار…
تنهد وقال:
- لو جه ولد نفسي أسميه علي على اسم أبويا الله يرحمه… دي كانت من أحلامي…
- طيب لو بنت..
تساءلت وهي ما زالت تمرر أصابعها في خصلات شعره ليرد هو:
- لو بنت هنسميها نجمة… أنا بحب الاسم ده أوي يا مهرا… بحسه اسم رقيق.. هيليق ببنتنا اللي هتكون في رقة أمها واللي لما تيجي هتنور حياتي كلها… إيه رأيك في الأسماء…
- جميلة أوي يا حبيبي… اتفقنا…
اقترب آدم بوجهه منها وقال:
- بحبك يا مهرا… بحبك أكتر من أي حاجة في العالم.
- وأنا كمان يا حبيبي… بحبك أكتر من حياتي حتى…
ابتسم واقترب منها أكثر لتضع كفها على فمه وتقول:
- حبيبي أنا جعانة روح جيبلي علبة الآيس كريم من التلاجة.
- ووليه فصيلة!!
قالها آدم بضيق وهو ينهض لتضحك هي عليه…
………….
بعد ست أشهر وأسبوع…
- أنتِ إيه اللي جابك هنا؟!!
قالتها ليل ببرود وهي تنظر إلى والدتها في صالة الزيارة الخاصة بالمساجين..
- مش هتسلمي على أمك يا ليل؟!
قالتها نيرمين بحزن وهي تقترب من ليل لكي تعانقها ولكن الأخرى ابتعدت بقسوة عنها وجلست على المقعد…
كانت تنظر إليها باحتقار كبير…
كم الكراهية الذي بعيني ليل كان رهيب للغاية…
كتمت نيرمين دموعها وقالت:
- ليل أنا حاولت أطلعك والله كلمت المحامي وهو اترافع عنك وحاولنا بس التهمة كانت لابساكي وأنتِ اللي اعترفتي بنفسك…
- أنتِ السبب في وجودي هنا… السبب إني اتحبس خمس سنين هنا!!
صرخت بها ليل والدموع تتصاعد بعينيها…
كانت تتنفس بعنف ثم أكملت:
- أنتِ اللي زرعتي في قلبي الكراهية… أنتِ اللي خلتيني أقتنع إن أنس هيكون ليا… كل ده بسببك…
- يا بنتي أنا… أنا…
- اخرسي… اخرسي ولا كلمة… خلاص امشي من هنا… امشي مش عايزة أشوف وشك ولا المرة خالص… أنا مش بنتك… عمرك ما حبتيني… حتى إنك عمرك ما حبيتي نوارة… نوارة…
اختنق صوت ليل وانفجرت الدموع من عينيها وقالت:
- نوارة اللي خليتي جوزك يتحرش بيها.. أنتِ أم أنتِ… ازاي تبقي أم وأنتِ بإيدك سلمتي بنتك لجوزك الندل ده ازاي!! أنت أحقر ست شوفتها في حياتي… أنا ندمانة لأني سمعت كلامك بعد ما عرفت عملتي إيه في أختي… كان مفروض أقتلك وأخلص من شرك…
كانت نيرمين تستمع إلى كلماتها وهي تبكي بعنف…
لا تصدق إن ابنتها تكرهها لتلك الدرجة ولكنها تستحق…
هي تستحق الكره…
تستحق كل كلمة قالتها ابنتها وهي لن تلومها أبدا…
- ليل خلينا ننسي الماضي… أنا عارفة إني استحق كل كلمة بتقوليها في حقي… عارفة قد إيه إني ست مش كويسة… بس يا بنتي أنا بحبك… وحبيت أختك… كنت أنانية صح وبحب نفسي أكتر بس حبيتكم… أنا…
نهضت ليل وقالت ببرود:
- متجيش هنا تاني… أنتِ لا أمي ولا أعرفك!!
………….
في المساء…
الليلة هي أجمل ليلة في حياته…
هي الليلة التي سوف ينال فيها حبيبته ليلى بعد انتظار طويل وضغط كبير من شقيقها…
آدم الذي اقتنع أخيرا بعد ست أشهر إنه يليق بها ويستحقها..
كان مروان يضع كفه في كف آدم وهو يردد خلف الشيخ بينما عينيه على ليلى التي ترتدي فستان كريمي غاية في الروعة عليه خمار من نفس اللون…
بدت وكأنها ملاك… هي ملاكه!
- بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهما في خير.
قالها المأذون أخيرا وهو يعلنهما زوجين…
لتنطلق الزغاريد في المكان ويخفق قلب مروان بالسعادة…
لقد حصل على فتاته… حصل عليها أخيرا!!!
نهض هو ليقترب من ليلى الواقفة بجوار شقيقتها ووالدتها تطرق برأسها من الخجل بينما ابتسامة رائعة تزين شفتيها…
كان يقترب منها وهي تشعر بهذا وقلبها يخفق بقوة كبيرة…
تنتظر إنه يعانقها… يحقق ما تقرأ عنه في الروايات ولكنه توقف بعيدا عنها قليلا وقال بنبرة سعيدة مرتبكة:
- مبروك يا ليلى…
نظرت إليه وقد احتلت خيبة الأمل وجهها وقالت:
- الله يبارك فيك يا أخويا…
………….
بعد عدة دقائق اختلي بها في غرفتها وجلس بجوارها…
كان صامت نهائيا… لم يتقرب منها… لم يحاول إنه يمسك يدها أو يقبلها حتى…
كان جالس وهو ينظر للسجادة البنية في غرفتها..
- عاجباك السجادة؟! تحب تأخدها معاك البيت؟!
سألته ليلى لينظر هو إليها بحيرة فتبتسم قائلة:
- أصلي ملاحظة إنك بتبص على الأرض كتير ومبصتش في وشي… هو وشي مش عاجبك لا سمح الله ولا السجادة أحلى مني؟!
ابتسم بتوتر وقال:
- لا طبعا أنتِ جميلة والسجادة جميلة… أنتوا الاتنين زي بعض..
- زي بعض؟!
قالتها ليلى وهي تنظر إليه بضيق ثم أكملت:
- ربنا يخليك والله بقيت سجادة خلاص…
توتر مروان أكثر وقال وهو ينهض:
- طيب يا ليلى عايزة حاجة أنا ماشي.
نظرت إليه ليلى بضيق وقالت في نفسها:
- إيه الراجل ده؟! اتكتب كتابنا النهاردة وممسكش إيدي حتى هو أنا جربانة ولا هو عبيط ولا ضحكوا عليا في الروايات…
- ليلى عايزة حاجة قبل ما أمشي..
أعادها مروان وهو ينظر إلى شرودها بحيرة لتقول وهي تبتسم ابتسامة صفراء:
- لا يا أخويا روح ربنا يسترها عليك بس أشرب اللبن قبل ما تنام واغسل سنانك وغطي رجلك عشان العفاريت…
نظر إليها مروان بحيرة وقال:
- ليلى أنتِ زعلانة مني في حاجة؟!
-لا مفيش، قالتها بغضب.
فابتسم بحنان وقال:
-لا شكلك زعلانة.. قولي زعلتك في إيه، أنا ميهونش عليا زعلك.
نفخت بضيق وقالت:
-بصراحة يسطا، أنت دمرت كل خيالاتي في يوم مهم زي كده. احنا كتبنا الكتاب النهاردة… يعني دي أجمل فترة في حياتنا.. محاولتش فيها تمسك إيدي أو تحضني.
واحمر وجهها قليلا ثم أكملت بإنفعال وهي تنظر إليه:
-بس حضرتك حتى إيدي ممسكتهاش.. سلمت عليا من بعيد كأني مبستحماش وقولت عليا إني زي السجادة! يعني يا مروان متقنعنيش إنك مؤدب.
هز رأسه بالنفي بسرعة وقال:
-لا لا، أنا مش مؤدب بس خايف منك.
شهقت وهي تضع كفها على صدرها وقالت:
-أخص عليك يا ببلاوي، هو أنا عفريت؟ لا.. لا خالص، براحتك يا عم.. ده أنت جوزي.
ابتسم مروان وقال:
-بجد يعني براحتي براحتي.
أسبلت أهدابها وقالت:
-براحتك يا عم.. أنا مراتك مش بنت خالتك.
-ماشي.
ابتسم مروان بحماس وجذبها إلى صدره.
شعرت ليلى بفراشات تتحرك في معدتها وأغمضت عينيها بشدة.. تعايش المشاعر التي قرأت عنها دائما في الروايات.
اقترب مروان بوجهه بنية تقبيلها، ولكن صرخة عالية دمرت اللحظة الشاعرية بينهما.
-يا لهوي، دي مهرى.. شكلها بتولد، ابعد كده.
قالتها ليلى وهي تدفعه بقوة ليسقط على الفراش ويقول:
-إيه العيلة المجنونة دي!!
………..
-آدم آدم، أنا بموت.. بموت!!!
قالتها مهرى والدموع تغرق وجنتيها بينما سيارة الأجرة تنقلهم للمشفى بسرعة.
عندما صرخت لم ينتظر آدم مروان أو أنس ليوصلوهم بل أخذ زوجته.. وأوقف سيارة أجرة.
كانت تستند على صدره بينما بكفها تتمسك بقميصه الرمادي… الألم الذي تشعر به خطير.. لم تشعر بهذا الألم من قبل.. كانت تلهث من شدة الألم بينما تبكي وتنظر لآدم الذي يتمتم بشيء ما وهو يضع كفه عليه.
كان يقرأ القرآن بينما الدموع تحتشد بعينيه.. الخوف والرعب كانا يسيطران عليه.. روحه كانت تتألم وهو يراها تتألم بتلك الطريقة.. حبيبته..
-حبيبتي.. حبيبتي.. اصبري، قربنا نوصل.
-مش قادرة.. مش قادرة.. حاسة روحي بتطلع يا آدم.. خايفة أموت.
هز رأسه وقال:
-متقوليش الكلمة دي تاني.. هتبقي كويس وتجيبي نجمة اللي هتنور حياتي كلها.. وهنربيها سوا ونجيب عشر أطفال زي ما أنتِ عايزة بالضبط.
-عشرة… عشرة إيه؟!! ابقى خلفهم أنت يا آدم.. أنا خلاص كده كفاية عليا نجمة!
صرخت به بصوت منهك ليقول هو مغيظا لها:
-خلاص هتجوز عليكي واحدة تجيبلي عشر عيال.
نظرت إليه.. عينيها العسلية كانت مشبعة بالغضب.. كانت قد نسيت كل الألم فعلا بسبب شدة غضبها.
اختفت الابتسامة من وجه آدم ونظر إليها بتوجس قائلا:
-حبيبتي مال…
-آه..
صرخ بألم وهي تغرس أسنانها في صدره.. كانت تعضه بقسوة.. بغل بسبب ما قاله… كانت حقا غاضبة منه وقد بدا أنها نسيت الألم تماما.
-يا مهرى.. يا مهرى والله بهزر!!
قالها آدم وهو يتأوه بألم بينما سائق السيارة ينظر إليهما من المرايا وهو يتمتم لنفسه:
-مجانين دول ولا إيه؟!
……….
وصلوا أخيرا للمشفى وحمل آدم زوجته ليدخلها بعد أن أعطى المال للسائق.
بعد قليل.. كان آدم يقف أمام حجرة الولادة وهو يدور حول نفسه بينما رأى عائلته بأكملها قادمين نحوه.. مرام وزوجها وليلى وزوجها ووالدته.
-أخبار مهرى إيه يا…
كانت مرام تتكلم ولكن قاطعها صراخ مهرى القوي لتشهق هي وتقول:
-يا حبيبتي ربنا يهونها عليكي.. أنا كمان مش مصدقة إن بعد سبع شهور هجرب الشعور ده.
قالتها مرام بخوف وهي تضع كفها على بطنها وقد توترت.
اقترب أنس من آدم وشد على كتفه قائلا:
-اهدي يا آدم، هتكون بخير.
هز آدم رأسه وقال:
-أتمنى يا أنس… أتمنى بجد.
اقتربت مرام منه ثم ضمته إليها برفق.. فقد بدا في تلك اللحظة ضعيفا وهو يستمع لصراخ مهرى.. كان صراخها يؤلمه.
أخيرا كفت مهرى عن الصراخ وارتفع صراخ آخر.. صراخ لطفل رضيع.
ضحك آدم بسعادة لتعانقه ليلى أيضا بقوة وتقول:
-مبروك يا أبيه.. مبروك بقيت أب خلاص.
………..
بعد قليل كانت دموع السعادة تحتشد بعيني آدم وهو يحمل صغيرته.. نجمة آدم عزام.. تمتلك عيني والدها ورقة والدتها، هي مزيج رائع بين الجمال والكبرياء.
-أذن يا آدم في ودن البنت.
قالتها مرام وهي تنظر إليهما بسعادة ليقترب آدم من أذن صغيرته ويؤذن.. بينما دموع السعادة تنهمر من عينيه.
……دموعها انفجرت من عينيها وهم يعطونها صغيرتها.. هي الآن ليست نادمة عن أي ألم تحملته في سبيل إخراج تلك الملاك للحياة، فما أن نظرت إليها حتى شعرت وكأن جميع آلامها اختفت تماما.
قربتها منها ثم قبلتها بسعادة وتهيأت لإطعامها.. وما هي إلا ثواني وكان الجميع انسحب وبقي فقط آدم.. آدم الذي كان ينظر لعائلته بحب.. تلك العائلة التي يمتلكها… لقد ظن دائما أنه لن يتزوج أو يبني عائلة… ظن أن ليس لديه حق في هذا.. ولكن مهرى أتت وأدخلت السعادة لحياته.. لقد سحبته إلى الجنة!!
اقترب منها وهي تطعم طفلتها ثم قبلها على رأسها وقال:
-شكرا على السعادة دي يا مهرى.. شكرا.
………..
كانت تسير في منزلها كأنها تحتضر… تشرب سيجارتها وعينيها مشبعة بدموع الندم.. كانت تتعذب.. المواجهة بينها وبين ليل كانت عذاب خالص.. لقد رأت الكره في عينيها.. واجهتها ليل بشخصيتها البشعة وجرائمها التي لا تحصى بحق ابنتيها.
أخذت ترتجف نيرمين وهي تبكي بينما تجلس على الأرض وهي تتذكر بخجل خضوعها لرجل حقير لأنها أحبته.
……….
-أنت كنت بتعمل إيه مع نوارة يا عمر؟!
قالتها نيرمين وعينيها تبرق بغضب.
ابتسم عمر واقترب منها وهو يجذبها إليه حتى اختلطت أنفاسهما وقال:
-حبيبتي أنتِ بتصدقي طفلة.. معقول!!
ابتلعت نيرمين ريقها.. كانت تذوب تحت لمساته الجريئة وقالت بتلعثم:
-أنا.. أنا شوفتك بتلمسها.
ولكنه قاطعها وهو يقبل رقبتها.. أغمضت عينيها وهي تتمسك بكتفه بينما أكمل هو:
-حبيبتي متزعلنيش منك.. والا هسيبك وأمشي.. نوارة زي بنتي وأنا بحبها.. متحطيش حاجة في دماغك أبدا.. دي لمسات بريئة من أب لبنته… متتدخليش بينا والا هيبقى التمن طلاقك.. مفهوم!
……….
خرجت نيرمين من شرودها وهي تضع كفها على وجهها وتبكي بأنف.. تلك لم تكن أبدا لمسات بريئة… لقد كان ينتهك ابنتها.. وهي تركته يفعل هذا.. تركته يؤذي ابنتها….. كانت خاضعة صحيح.. خاضعة للحب.
نهضت متجهة إلى المطبخ وأمسكت سكين المطبخ الكبير ثم مررته على رسغها لتنفجر منه الدماء.. سقطت وتسطحت على الأرض وعينيها تنزل الدموع بينما ترى الدماء تلطخ الأرضية.. إنها تموت.. تدفع ثمن أخطائها… أخطائها بحق نوارة.. بحق ليل وأنس… موتها سوف يريح الجميع!!!
………..
خرج مروان من الحمام وهو يجفف شعره.. وقف أمام المرايا وبدأ بتسريح شعره… توقف فجأة وهو ينظر إلى انعكاسه في المرايا… كان مختلف.. حقا مختلف.. لحيته نمت قليلا وأعطته وقار… علامة داكنة قليلا تحتل جبينه من أثر السجود. وجهه منير وبعينيه فرحة عظيمة.. لم يفرح هكذا من قبل.. وفرحته ليس لارتباطه بليلى فقط.. ولكن فرحته من أنه نجح في هزيمة شيطانه واقترب من الله.
الست شهور الماضية لازم آدم كليا.. وتعلم منه الكثير.. عرف معنى أن تكون قريب من الله.. أدرك متعة طاعته والبعد عن المعصية.. وقتها عرف أنه كان غبي… غبي كثيرا بالانصياع لرغباته وعصيان الذي خلقه.. بكى كثيرا.. أخذ ليالي يبكي وهو يصلي.. يطلب من الله أن يغفر له ويرحمه.. يطلب منه أن يتجاوز عن سيئاته… ولكن رغم أنه يشعر بالسكينة الآن إلا أن أحيانا الخوف يتمكن منه.. ماذا لو لم يسامحه الله على ما فعله… ماذا لو كان سيكون عقابه في الآخرة النار… فهو قد ارتكب الكثير من الأشياء البشعة.
استعاذ من الشيطان الرجيم.. فتلك الأفكار منه هو.. دوما يحاول الشيطان أن يقنع الإنسان أن ليس لتوبته فائدة وأن الله سوف يعاقبه مهما فعل، ولكن مروان أدرك أن الله أكبر من أي شيء… أكرم من أي أحد.. لا تغلق أبواب مغفرته قط.. والله كان رحيم به إذ أيقظه من سباته في آخر لحظة وجعله يتقرب منه.
ابتعد مروان عن المرايا وقرر أن يشرب سيجارته قبل أن ينام.. عادة سيئة جدا وعرف أنها حرام أيضا وهو بيتمنى أن يقلع عنها.. ويدعو الله ليلا ونهارا أن تكون له القدرة لكي يقلع عنها.
جلس على الفراش وبينما هو يشعل سيجارته.. رأى على الطاولة التي بجوار الفراش مفكرة صغيرة.. وتذكر أن تلك المفكرة كانت في غرفة ليلى.. وقد أخذها اليوم بعد أن دفعته وخرجت من غرفتها.. كان مكتوب على المفكرة "أحلامي".. لذلك لم يقاوم مروان أن يأخذها.. عادة سيئة أخرى… يعترف بهذا.. ولكن حقا لديه فضول ليعرف ما هي أحلام حبيبته.
أخذ المفكرة وبدأ بفتحها.. كانت تخط أحلامها في كل ورقة.. كتبت في الورقة الأولى أنها تريد أن تتزوج رجل وسيم لا يدخن!
توقف مروان عن القراءة ونظر إلى السيجارة التي في يده ثم أطفأها في المنفضة بجانبه وأكمل قراءة أحلامها.. إلى أن غلبه النوم وهو يضم المفكرة لقلبه.
………..
بعد منتصف الليل نظرت مرام لأنس لتجده غارق بالنوم.. ابتسمت بخبث ثم نهضت من الفراش وهي ترتدي روبها الأزرق وتخرج من الغرفة.. نزلت للأسفل واتجهت للمطبخ الأنيق.. ثم أمسكت عبوة الملح وهي تسحب ملعقة كبيرة.. فتحت العبوة وأدخلت الملعقة ثم أخرجتها مملوءة على آخرها ثم كادت أن تدخلها لفمها ولكنها شهقت بقوة عندما أمسك أنس كفها.
-أ… أنس…
قالتها مرام بتوتر وهي تبتلع ريقها.. بينما كل ما كان يسيطر على وجهه الوسيم هو الغضب:
-ملح.. هتاكلي ملح!!!
-أنا… أنا…
أخذ هو العبوة من يدها وأغلقها لتحتج بقوة وتقول:
-حرام عليك، أنا بتوحم.. إيه القسوة دي.. دي طريقة تتصرف بيها مع واحدة حامل.
أسند عبوة الملح ثم حملها بين ذراعيه فجأة متجها إلى الأعلى لغرفتهما وقال:
-الطريقة المناسبة اللي مفروض أتعامل بيكي معاها دلوقتي إني أكسر دماغك يا حبيبتي.. بتتوحمي على ملح.
مطت شفتيها بضيق وقالت:
-نفسي أكل حاجة مملحة يا أنس.. حاسة إني هموت لو ماكلتش.
وضعها أنس على الفراش برفق وقال:
-لا يا حبيبي، الحاجات دي ممنوعة.. غلط عليكي أن تأكلي ملح بالشكل ده… غلط على صحتك وصحة البيبي.
قالها مبتسما وهو يضع كفه على بطنها… ثم انحني وقبل بطنها برفق لتتذمر قائلة:
-أنس أنا نفسي أكل حاجة مالحة بجد.. أتصرف معلش.
تنهد وقال:
-هجيبلك مخلل من تحت.. بس حاجة بسيطة كده عشان نفسك فيها بس.. لكن يا حبيبتي انسي حوار أنك تستخدمي سحرك عليا دايما عشان أحقق لك اللي عايزاه.
-بس أنت فعلا بتقع فريسة لسحري وبتحقق اللي أنا عايزاه.
قالتها بدلال.. ليقرصها من وجنتها ويقول:
-وأنتِ بتستغلي ده يا نصابة.
ابتسمت دون خجل وهي تهز رأسها ليقبلها على وجنتها ويقول:
-بس مش المرة دي، أنا مش هتهاون في حاجة تؤذيكي أو تؤذي البيبي… هروح أجيبلك زيتونة صغيرة تأكليها.
نفخت بضيق بينما هو يبتعد عنها وينزل إلى الأسفل.. ولكن سرعان ما ابتسمت بسعادة وهي تعترف أن بعد كل ما عاشته.. كل المعاناة التي عاصرتها.. أتى أنس وأعطاها السعادة… هي معه تشعر أنها تطير… ماذا فعلت لتنال رجل رائع مثله.. هي حقا لا تعرف.
-اهو المخلل…
قالها أنس مبتسما وهو يقترب منها ممسكا قطعة صغيرة من الخيار المملح.. نظرت إليها مرام وعينيها تبرق بينما تشعر أنها جائعة لهذا الخيار المملح.. تريد تناول الكثير منه حتى تشبع… خطفته من أنس ثم تناولته سريعا.
تراجع أنس قليلا بخوف وهو ينظر إليها لتبتسم هي وتقول:
-ابنك يا أنس فاضحني بجد، شكله هيطلع مفجوع زيك!
-أنا مفجوع!
قالها أنس وهو يرفع حاجبيه بينما يشير إلى نفسه لتهز مرام رأسها وتضحك.
اقترب هو منها وجلس بجوارها قائلا:
-تنتهي فترة حملك على خير بس يا مرام وهديكي حتة علقة على اللي بتعمليه فيا.
ضمته وقالت بحب:
-مش ههون عليك يا أنوس.
ابتسم وقال:
-صحيح مش هتهوني عليا يا حبيبة أنوس.. نامي بقى وارتاحي، مش كل يوم أجيبك من المطبخ بتحاولي تعملي كارثة جديدة.. بعدين هربطك في السرير عشان أضمن أنك متحاوليش تأكلي ملح تاني.
أغمضت عينيها وهي تضحك ولكن فجأة رن هاتف أنس… عقدت مرام حاجبيها وقالت:
-مين بيرن عليك دلوقتي يا أنس… معقول تكون متجوز عليا!
ضحك أنس وأبعدها عنه وقال:
-يا ستي هو أنا قادر عليكي عشان أتجوز تاني.
..وبعدين أنا معايا القمر كله مالي بباقي البنات…
- والله الرجالة اللي كلامها حلوة زيك مفروض نخاف منهم…
- هبقى دبش يا حبيبتي عشان متخافيش ومش هقولك كلام حلو تاني..
وبعدين ده المحامي اللي بيتصل…
خير بيتصل دلوقتي ليه…
تساءل أنس ورد عليه وفجأة شحب وجهه وقال:
- بتقول إيه؟!!! نيرمين منتحرة!! ……………
في اليوم التالي…
ابتسمت بسعادة وقلبها يخفق بعنف وهي ترى هاتفها يضيء باسمه وتلك الفراشات تتحرك في معدتها…
كان شعورها بالفعل كشعور بطلات الرواية التي قرأتها… هي تطير الآن… سعيدة كما لم تكن من قبل..
امسكت الهاتف وبلهفة ردت عليه وهي تقول بصوت رقيق:
- السلام عليكم..
- وعليكم السلام يا روحي… جهزي يالا هنخرج سوا…
اتسعت عينيها السوداء وقالت:
- آدم مجاش لسه من المستشفى وممكن يرفض…
ضحك وقال:
- حبيبتي انتِ مراتي دلوقتي… يعني ميقدرش… يالا جهزي عشان فيه مفاجأة حلوة مستنياكي يا مراتي…
- حاضر يا جوزي..
قالتها مبتسمة بخجل ليغلق هو الخط ويسرع بسيارته نحو منزلها…………..
عشر دقائق بالضبط وكانت قد ارتدت ملابسها… فستان باللون الزهري رقيق للغاية عليه خمار أزرق بلون السماء… زينت عينيها بالكحل ورطبت كفيها… نظرت برضا إلى المرآة…
لقد كانت جميلة… جميلة جدا… جميلة وسعيدة…
- رايحة فين يا بنت؟!
قالتها والدتها متسائلة لتبتسم ليلي بخجل وتقول:
- جوزي جاي يفسحني…
ضحكت حسناء وهي تهز رأسها وتقول:
- والله ما بقيتي تتكسفي يا ليلي طول عمري واخدة فكرة عنك إني معرفتش أربيكي…
تخلت ليلي عن خجلها وقالت:
- لازم أبين قدام الراجل إني مكسوفة انتِ عايزاه ياكل وشنا…
- اهو الحمدلله رجعتي لأصلك ياللي معرفتش أربيكي.. طيب ما تستني لحد ما آدم ومهرا يجوا من المستشفى… هو قال إنه في الطريق…
- أنا زعلانة من آدم أصلا… مرضيش يخليني أفضل معاه وابات مع مهرا..
ابتسمت والدتها وقالت:
- ولا خلي مرام كمان… هو آدم كده عنيد ومحدش يقدر يعارضه…
رن جرس الباب فجأة لتقول ليلي وهي تبتسم:
- جوزي جه اهو…
ثم ركضت بلهفة ناحية الباب وفتحته لتتسع ابتسامتها وهي تراه أمامها….
اتسعت عينيه بإعجاب وهو يتأملها… كانت جميلة كعادتها.
- اتفضل.
قالتها وهي تبتسم بخجل… فولج هو إلى المنزل واتجه إلى حسناء وقدم لها باقة الورد قائلاً:
- ورود لأجمل وردة شوفتها في حياتي…
ضحكت حسناء وقالت:
- انت نصاب يا ولا…
- الصراحة جدا… بس المرة دي أنا صادق انتِ وردة فعلاً…
لوت ليلي فمها وقالت هامسة:
- إيوة صح أمي تبقى وردة وأنا أبقى سجادة…
- يالا يا ليلي نمشي…
قالها مروان وهو يقترب منها ويمسك كفها ثم ودّع حسناء وذهب بها …….
في الأسفل فتح باب سيارته لها وقال:
- اتفضلي يا روحي..
ابتسمت له وكادت أن تلج للسيارة إلا أن صوت آدم الذي خرج من سيارة الأجرة جمدها…
- رايحة فين يا ليلي؟!
سألها آدم وهو يربع ذراعيه..
توترت هي وكادت أن تجيب إلا أن مروان قال:
- رايحة معايا يا آدم… هخرجها شوية وهجيبها تاني متقلقش…
- ومين سمحلك تاخدها… للأسف يا مروان مش هتروح معاك.. اطلعي يا ليلي فوق…
- كان نفسي أسمع كلامك يا دومي بس ليلي مراتي حالياً… وطاعتي مقدمة على طاعتك يا أبو نسب ولا إيه.. ده انت اللي علمتني كده…
ثم غمز له وهو يدفع ليلي إلى السيارة ويركب بجوارها ويذهب…
- ابن ال.. أتمسكن لحد ما أتمكن..
قالها آدم وشبه ابتسامة على وجهه ………..
فغرت ليلي فمها وهي تنظر إلى أرجاء القصر الكبير بينما مروان يمسك كفها ويسير بها…
ثم صعد بها الأدراج متجهاً بها إلى الغرف…
- احنا رايحين فين؟!
قالتها ليلي بتوجس ليرد هو:
- اصبري يا روحي..
فتح باب غرفة معينة ثم قال:
- ادخلي…
كانت متوترة للغاية ولكنها دخلت الغرفة وهو دخل خلفها وترك الباب مفتوحاً…
شهقت ليلي واتسعت عينيها بسعادة وهي تقول بلهفة طفل:
- بيت الألعاب بتاع باربي…
ركضت نحوها وهي تتلمس البيت الخشبي الكبير نسبياً واللي أرادت دائماً أن تشتريه…
قاطع لهفتها صوت مروان وهو يقول:
- حلمي بيت ألعاب رأيته في الثانية عشرة من عمري ولم أتمكن من شرائه… ورأيته مجدداً في العشرين من عمري وعجزت أيضاً أن أشتريه…
تجمدت ليلي وهو يقول جملتها من مفكرة الأحلام الخاصة بها…
نظرت إليه لتجد نظراته تشع حباً لها بينما قال:
- أحلامك دايماً هتكون أوامر يا ليلي… وأنا هفضل أحققهالك لحد ما أموت.. ده وعد مني ……………
بعد أسبوع…
- عشان خاطري آخر حته يا مهرا… كلي يا حبيبتي انتي مبتاكليش كويس… يالا..
قالها آدم بتوسل وهو يطعمها رغماً عنها..
أبعدت المعلقة وهي تقول:
- حبيبي بجد مش قادرة أنا أكلت كتير… انت من وقت ولادتي وانت بتأكلني زي ما أكون جاموسة…
ضحكت مروة وهي تحمل حفيدتها الجميلة وقالت:
- يا بنتي كلي الراجل ذات نفسه طبخلك… والله ما خلاني أمد إيدي وأساعده…
ابتسمت بشرود واكملت:
- تعرفي يا مهرا.. طول عمري بدعيلك بواحد صالح يعاملك زي ما كان باباكي الله يرحمه بيعاملني والحمدلله ربنا رزقك براجل غير كل الرجال…
حمل آدم الطعام ووضعه على الطاولة المقابلة وقال:
- أنا عيوني ليها يا حماتي… مهرا جزء مني ازاي مقفش معاها… أكيد أنا لو تعبت أو حصلي حاجة هتعمل كده برضه…
- بعيد الشر عنك يا حبيبي.. ان شاء الله تفضل منور حياتنا يا حبيبي…
ابتسم وحمل الطعام ثم اتجه للمطبخ…
ما إن ذهب آدم حتى اقتربت مروة من مهرا… حاولت التكلم ولكنها كانت مترددة كثيراً.
- فيه إيه يا ماما اتكلمي قلقتيني!
قالتها مهرا بتوتر وهي ترى حالة والدتها هذه… كانت تشعر أن هناك شيئاً ما قد حدث… قلبها أخبرها بهذا..
ابتلعت مروة ريقها وقالت:
- جدك يا مهرا… جدك تعبان أوي.. حالته ساءت أكتر من آخر مرة شوفتيه فيها..
خفق قلب مهرا برعب وهي تتذكر أنها ذهبت لزيارته قبل ولادتها بأسبوع ولكن حالته بالفعل كانت سيئة لدرجة أنه كان يعجز عن النهوض من الفراش… وهذا جعل قلبها يعتصر من الألم وهي ترى جدها العزيز بتلك الحالة الصعبة…
نظرت مهرا إلى والدتها وقالت:
- هو وضعه ساء أكتر من آخر مرة شوفته فيها..
هزت مروة رأسها بحزن وقالت:
- أنا حاسة إن دي النهاية يا مهرا… جدك بقى في حالة صعبة… أنا كل يوم بخاف عليه أكتر… ودايماً بيجيب سيرة الموت ومراته وأولاده الاتنين وبيقول إنه عايز يروحلهم…
شهقت مهرا وابتلت عينيها بالدموع وهي تقول:
- متقوليش كده يا ماما أبوس إيديكي.. أنا قلبي اتقبض… ربنا يديه العمر الطويل وميوجعش قلبي عليه…
تنهدت مروة وردت:
- أتمنى يا مهرا بجد… بس حتى الدكتور مش متفائل بوضعه… رغم إن العملية نجحت بس السن برضه ليه عامل كبير… وجدك كبر وجسمه مش بيقاوم زي الأول وهو حتى مش عايز يقاوم.. مستسلم للمرض وحاسس إن دي نهايته…
شهقت مهرا والدموع تنساب من عينيها…
- لا لا يا حبيبتي متبكيش… مهرا متجهديش نفسك.. انتِ لسه والدة يا حبيبتي.. ياريتني ما كنت قولتلك…
ارتجفت شفتي مهرا وقالت:
- وهو كمان عايز يشوفك أوي… علطول بيطلب مني ده.. بعد ولادتك كان عايز يجي بس صحته مكانتش مساعداه… وأنا وعدته بس تشدي حيلك هتروحي تزوريه انتِ ونجمة… هو كمان عايز…
ترددت مروة لتكمل مهرا عنها:
- عايز آدم ومرام وليلي يروحوله مش كده؟!
هزت مروة رأسها لتقول مهرا:
- مستحيل آدم مش هيقبل…
- جدك بيحتضر يا مهرا… لازم آدم يشوفه قبل ما ربنا يأخذ أمانته…
- متقوليش كده يا ماما…
قالتها مهرا بصوت مختنق ودموعها تنساب من عينيها لترد مروة:
- دي الحقيقة يا بنتي للأسف… محدش يقدر ينكرها… جدك خلاص… وآدم لازم يروح ويشوفه.. لأنه لو مات جدك من غير ما آدم يديله فرصة ويسمعه هو اللي هيندم أكيد…
ومن بعيد كان آدم يسمع هذا الحديث وفمه ينقبض من التوتر والانفعال… والقلق أيضاً ولأول مرة يعترف بشكل صريح إنه قلق على جابر عزام!
رواية عروس رغما عنها الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سوليية نصار
في السجن، تنام ليل على فراشها غير المريح والدموع تتساقط من عينيها. والدتها ماتت. أغمضت عينيها وهي تبكي، متذكرة لقاءها مع أنس.
في صالة الزيارات، تجمدت ليل في مكانها وهي تراه أمامه، يرتدي بدلته السوداء التي تجعله وسيمًا. تصاعد الشوق داخلها مع تصاعد الدموع. كل ما أرادته هو أن تركض إليه وتضمه. كانت مشتاقة إليه بقوة.
اقتربت ليل ودموعها تنساب على وجنتيها، وعيناها تمران عليه بلهفة. رغم كل شيء، ورغم ما فعلته، كانت تحبه. كانت تحبه أكثر من حياتها.
"أنس... أنس، أنا مش مصدقة إنك هنا. أنت جيت؟ جيت عشاني؟ جيت عشاني صح؟"
كانت حالتها مثيرة للشفقة. على الرغم من غضبه منها، شعر أنس بالحزن عليها. ماذا سيفعل عندما يخبرها بوفاة والدتها؟ المسكينة سوف تتحطم.
ابتلع أنس ريقه وقال بصوت حذر: "اقعدي يا ليل."
انسابت الدموع من عينيها وقالت: "وحشني صوتك يا أنس. وحشني أسمع اسمي منك. أنا الأيام اللي فاتت مكنتش بحلم إلا بيك. بحلم تيجي وتعرف إني أنا الوحيدة اللي حبيتك. حبيتك أكتر من أي حاجة في حياتي. أنا بحبك يا حبيبي."
"اقعدي يا ليل." كرر كلماته بصوت أعلى. كانت حالتها لا تطمئن أبدًا.
هزت رأسها بلهفة واقتربت من الطاولة ثم جلست، تنظر إليه بينما عيناها الخضراوان تلمعان وهي تتأمله عن قرب. في عينيه القاسيتين كانت هناك رقة خاصة. لم تصدق أن تلك النظرات لها.
"وحشتني أوي يا أنس." قالت بصوت مختنق وهي تبكي.
تنهد أنس وقال: "ليل، ممكن تسمعيني؟ أنا جاي أقولك حاجة مهمة."
مدت كفها كي تلمس كفه، إلا أنه أبعد كفه بسرعة. قالت بحماس: "أنت جاي عشان تخرجني من هنا ونتجوز؟ أنا موافقة يا حبيبي، موافقة أوي."
"ليل، فُوقي لنفسك! أنا مش جاي عشان كده! لو سمحتي اسكتي عشان تسمعي." قال أنس بانفعال، وقد بدأ يفقد صبره معها بسبب هراءها.
صمتت ليل وهي تمسح دموعها وتقول: "أنا... أنا بس فرحانة إنك هنا يا أنس. أنت مش هتتخلي عني صح؟ أنا بحبك يا أنس. إزاي تتخلي عن واحدة بتحبك للدرجة دي؟ صدقني مهما حبتك مرام، حبها مش هيجي لنص الحب اللي بحبهولك. أنت أغلى من حياتي كلها."
أرهقته كلماتها، فهي تبدو محطمة. ماذا إذن لو أخبرها بوفاة والدتها؟ رغم أنه ما زال يكره ليل لمحاولتها إيذاء زوجته، إلا أنه لم يستطع أن يمنع شعور الشفقة الذي تشبع به قلبه. هو يشفق عليها، يشفق على حالتها تلك ولا يتمنى أن تحزن أكثر من هذا.
"ليل، والدتك ماتت!" قالها دون مقدمات. فالكلام الممطوط لن يفيده شيئًا ولن يخفف من ألمها.
بهتت وهي تنظر إليه وقالت وهي تشعر بالاختناق: "انت بتقول إيه يا أنس؟ ماما... ماما إيه؟"
أغمض عينيه وهو يقول بنبرة مهتزة: "الخدامة اللي عندكم لقيتها مغمي عليها في البيت. قطعت شرايينها. اتصلت بالإسعاف عشان تلحقها بس للأسف ماتت في المستشفى. المحامي بتاعي بلّغني الخبر بعد ما المحامي بتاعكم كلمه. امبارح اتدفنت. حاولت أجل الموضوع لحد ما تقدري تشوفيها بس مقدرتش. أنا آسف يا ليل."
"آه..." تأوهت بصدمة والدموع تنساب من وجنتيها. كانت لا تصدق هذا. لقد أصبحت وحيدة كليًا. كان أنس يتكلم، ولكنها لم تكن تسمعه من الأساس. نهضت بانهيار وهي تخرج من الصالة الكبيرة وقلبها محطم إلى مليون قطعة.
عادت ليل من شرودها وهي تبكي بعنف. لقد انتهى كل شيء وتدمرت هي.
كانت تنام على الجهة الأخرى وهي تذرف دموعها دون صوت. لم تكن تريد لآدم أن يسمعها تبكي. ما قالته والدتها اليوم حطم قلبها. إنه من المؤلم أن يكون جدها مريضًا لتلك الدرجة. لقد أخبرتها والدتها بصراحة تامة سوء وضعه، وأنه من الممكن أن يفارق الحياة.
شهقت فجأة، ولكن بسرعة كتمت فمها كي لا يسمعها آدم. لم تكن تريد أن تحزنه، لهذا كتمت حزنها عنه واستمرت بالبكاء. ولكن فجأة شهقت بينما تشعر بذراعين قويتين تجذبها من مكانها. ذلك كان آدم. جذبها وضَمّها إلى صدره وقال: "كفاية يا مهرا. كفاية."
لم تتحمل أكثر من هذا وانفجرت بالبكاء. ظل هو يربت على ظهرها بلطف ويقول: "أنا سمعت اللي والدتك قالته. عرفت إن حالة جدك صعبة."
ابتعدت عنه مهرا ونظرت إليه قائلة: "آدم، آدم جدي... جدي هيموت. ماما بتقول إن حالته ساءت أكتر من الأول. أنا حاسة قلبي واجعني أوي عليه يا آدم. حاسة إني هموت."
ضمها آدم إليه وقال: "حبيبتي، اهدي. اهدي بإذن الله هيكون بخير."
شددت مهرا ذراعيها عليه وقالت: "لا يا آدم، المرة دي جدي تعبان أوي. المرة دي حاسة إن حاجة هتحصله. حاسة إنه خلاص هـ..."
"ششش... بعيد الشر. هيبقي كويس بس انتِ بطلي عياط." بدأ يمسح دموعها برفق وقال: "هيكون كويس يا حبيبتي متخافيش. خلي عندك أمل في ربنا."
"ونعم بالله." تمتمت بإرهاق وهي تستند على صدره بتعب وتغمض عينيها.
فجأة انطلق بكاء طفلتها، وكادت أن تنهض ولكن آدم شد على كتفها وقال: "ارتاحي حبيبتي، أنا هروح أجيبها من سريرها."
وبالفعل نهض آدم متجهًا إلى سرير ملاكه الصغير. حملها وهو يهددها برقة لتسكت قليلاً وهي تتطلع إليه بتلك العينين الرائعتين. ابتسم لها وهو يقبل رأسها ثم ذهب بها إلى والدتها لكي تطعمها.
بعد ساعة تقريبًا، كانت الصغيرة نامت، وبالتالي نامت مهرا من التعب، بينما آدم بقي مستيقظًا وكلمات مروة لا تغيب عن باله.
في اليوم التالي، استيقظ آدم على رنين هاتف مهرا. أمسك الهاتف ليجد حماته تتصل. رفع حاجبيه بحيرة ونظر إلى الساعة ليجدها الساعة العاشرة صباحًا. لم يشأ أن يوقظ مهرا، لذلك رد على الهاتف ليشحب ويقول فجأة: "طيب يا حماتي جايين."
أغلق الهاتف ونظر إلى مهرا النائمة ثم ابتلع ريقه وهو يوقظها برفق.
"مهرا... مهرا."
فتحت مهرا عينيها وقالت: "فيه إيه يا حبيبي؟"
ابتلع ريقه بتوتر أكبر وقال: "لازم نروح لجدك دلوقتي. والدتك اتصلت بيا وقالت إنه تعبان أوي."
"خليك معايا النهاردة." قالتها مرام بدلال وهي تضمه بقوة إليها، بينما تقبله على وجنته قبلات متتالية لطيفة. أغمض أنس عينيه وهو يستمتع بقربها، ومغتاظ من نفسه لأنه بذلك الضعف أمامها. فهي عندما تتكلم بتلك النبرة لا يستطيع مقاومتها ولا أن يرفض لها أي طلب.
"أنتِ بتستغلي حبي ليكي عشان أقعد من الشغل."
"أيوه." قالتها وهي تضحك، هكذا دون خجل. ليقبلها على رأسها ويقول: "حبيبي، لازم أروح الشغل. ووعد هرجع بدري وأبقى معاكي."
نهضت قليلاً وهي تنظر إليه بحزن مصطنع وقالت متذمرة: "بس أنا عايزة أخليك تبقي معايا النهاردة يا أنس. خد إجازة النهاردة وخليك معايا. هترفض طلب أم ابنك أو بنتك؟"
قبلها على أنفها وقال: "نفسي والله بس ورايا شغل كتير."
تنهدت وقالت: "خلاص مفيش مشكلة. خلي بالك من نفسك وأنا هقوم أشوف لوكا."
هز أنس رأسه ونهض ليرتدي ملابسه، بينما نهضت هي وذهبت لغرفة ملك.
"لوكا حبيبة ماما." قالتها مرام وهي تلج إلى غرفة ملك لتجدها جالسة على فراشها وتقول وهي تتنهد: "مقدرتيش تقنعيه يقعد من الشغل صح؟"
هزت رأسها بالنفي وقالت: "صدقيني حاولت، بس أبوكي عنيد أوي. مقدرتش أقنعه."
تنهدت ملك وهي تنهض وتقول: "هو أعند واحد فينا. محدش يقدر يقنعه يعمل حاجة هو مش عايزها يا ماما مرام."
هزت مرام وهي تقر برأيها هي وتقول: "عندك حق يا لوكا. هنعمل إيه دلوقتي؟ كنا عايزين نخرج سوا."
لمعت عيني ملك وقالت: "هنخرج أنا وأنتِ وخليه هو يروح الشغل، خلي الشغل ينفعه." قالت جملتها الأخيرة بغضب وهي تربع ذراعيها.
ضحكت مرام وقالت: "أنتِ شايلة منه للدرجة دي؟"
هزت ملك رأسها وقالت: "أيوه عشان هو وعدني يسفرني في الإجازة ونسي."
ضمتها مرام وقالت: "معلش يا لوكا، أنتِ شوفتي اللي حصل. بابي برضه مضغوط."
تفهمت ملك الأمر، فمنذ وفاة جدتها منذ أيام ووالدها يعاني. صحيح أن جدتها لم تحبها يومًا، إلا أن ملك حزنت عليه، والفضل لمرام التي بقيت معها لتواسيها.
"مرام!" كان هذا هتاف أنس لها من الخارج.
"جاية يا أنس." قالتها مرام وهي تخرج من غرفتها ليسحبها أنس نحو غرفتهما.
"مش وقته يا أنس، روح شغلك." قالتها وهي تضحك برقة، ولكنه لم يضحك، بل ظل وجهه جامدًا.
"فيه إيه يا أنس؟" قالتها مرام بتوتر وهي تلاحظ تجمد وجه أنس.
"حبيبتي، لازم تروحي لجدك دلوقتي. آدم اتصل بيا وقال إنه تعبان أوي."
تصاعدت الدموع لعينيها وقالت: "لا... لا."
"مرام، لازم تروحي. الراجل بيموت! بيحتضر!"
"لا لا يا أنس، مستحيل... مستحيل أروحله برجلي، مستحيل." قالتها مرام وهي تهز رأسها بينما ترتجف. الدموع تنسكب من عينيها وفي قلبها ألم هائل.
جذبها أنس إليه وهو يعانق وجهها ناظرًا إليها وقال: "حبيبتي، اسمعيني بس."
هزت رأسها ونشيجها يرتفع. كان لبكائها صدى مؤلم في قلبه.
"لا يا أنس، اللي بتطلبه مني ده مستحيل. مستحيل يا أنس... ده واحد كسرنا، دمر حياتنا. بابا..." اختنق صوته ودموعها تنفجر من عينيها أكثر، وكأن كل مشاعرها التي كبتتها لسنوات تخرج الآن. "بابا يا أنس مات بسببه. أمي اشتغلت في البيوت وآدم مكملش تعليمه... وضعنا كان يصعب على الكافر، بس رغم كده هو عمره ما حس بتأنيب الضمير. أنا كنت محتاجة بابا وبسببه راح. أنا اتحرمت من الأب ده كله بسببه يا أنس."
"ششش... اهدي... اهدي." قالها بلطف وهو يمسح دموعها ثم قال: "جدك تقريبًا بيحتضر يا مرام. قوللي لو مات من غير ما تسمعيه، هتقدري تسامحي نفسك؟"
بكت مرام وهي عاجزة عن الرد. ليجذبها هو إليه ويضمها بقوة.
في فيلا جابر عزام، كان الجميع ملتفًا حوله. حسناء وادم ومرام وأنس وليلي ومروة ومهرا. كانوا يراقبون حالته الصحية التي تتدهور وهم متأكدون أن النهاية اقتربت. اعتصر قلب مهرا وهي تنظر إلى جدها. جدها الذي رباها. هي لم تشعر أبدًا باليتم بسبب جدها. لقد كان الأب والحامي لها. رغم قسوته عليها أحيانًا، إلا أنه دللها كثيرًا. ذاقت حبه وحمايته. كان يفتخر بها دومًا. ووجوده بتلك الحالة يقتلها. ترتعب من فكرة فقدانه. رغم علمها أن نهايته اقتربت، إلا أن لديها أمل أن يعيش. يعيش ويكون معها. انفجرت الدموع من عينيها وهي تنظر إليه. تتمنى ألا تفقده. اقتربت منه وهي تمسح دموعها بكف، وعلى اليد الأخرى تحمل ابنتها الصغيرة.
"بص يا جدي... بص دي نجمة بنتي." نظر عزام إلى الطفلة وهو يغتصب ابتسامة على شفتيه، بينما عيناه متشبعتان بالدموع. إنه من المؤسف أن يموت الآن دون أن يعيش لحظات سعيدة مع ابنة حفيدته مهرا وحفيده آدم.
"ج... جميلة زيك يا روحي." قالها جابر وهو يتكلم بصعوبة. نظر جابر إلى ليلي وقال: "تعالي... تعالي."
تجمدت ليلي وهي تتمسك بذراع آدم. كانت تنظر إلى الأرض، ترفض أن تتواصل معه بصريًا.
"ليلي، روحي لجدك." قالتها حسناء، ولكن ليلي ما زالت متشبثة بآدم. رفعت وجهها ونظرت إلى آدم الذي حثها أيضًا لتذهب. وبخطوات مرتجفة ذهبت وجلست بجواره. كانت دموع جابر تنساب على وجنتيه. رفع يده ووضعها على رأسها قائلاً: "سامحيني يا بنتي."
لم ترد عليه ليلي وهي تطرق بوجهها. كانت غير متقبلة أي كلمة منه. ما زالت تشعر بالقهر منه. ابتسم جابر بتعب وقال: "أنا عارف إنكم صعب تسامحوني... وعارف إن من الأنانية إني أطلب السماح دلوقتي، بس حاولوا... حاولوا تسامحوني. أنا معملتش أي حاجة حلوة في حياتي وعارف إن عقابي عند ربنا كبير. مش عايز أشيل ذنوب أكتر من كده. سامحوني... سامحوني."
أخذت الدموع تنفجر من عينيه، بينما ما زالت ليلي تنظر أرضًا وآدم يضم كفيه وهو يشعر بالتوتر، بينما مرام تشيح بوجهها وهي تكتم دموعها. كان الغفران صعبًا، صعب جدًا.
"حابب أعمل حاجة أخيرة عشان أكفر عن جزء من سيئاتي. أنا وصيت المحامي إنه يوزع ورثي بعد ما أموت بشرع ربنا. وصيته يدي لكل واحد حقه، سواء مروة أو حسناء أو أحفادي. خدوا الفلوس دي حقكم."
أغمض آدم عينيه، فهو قد أقسم ألا يلمس تلك الأموال الملعونة، لكنه لم يستطع أن يكسر قلب الرجل وهو على فراش الموت.
"مرام... تعالي يا بنتي اقعدي جمبي." قالها جابر بتعب، ليدفعها أنس رغم اعتراضها ورفضها ونفورها. ذهبت مرام وجلست بجوار شقيقتها. كانت أيضًا متباعدة حتى لا تنظر إلى عينيه. تشيح بوجهها عنه، ولكنها تجمدت وهو يمسك كفها ويجذبها قليلاً ثم يعانقها! اتسعت عينيها بصدمة وأرادت أن تدفعه عنها، ولكنها لم تملك القدرة لتفعل هذا. بل ظلت متسعة العينين بينما هو يضمها ويبكي. تصاعدت الدموع لعينيها ثم انسابت وهي ترفع كفها وبدلًا من أن تدفعه، أخذت تربت برفق على ظهره. فعلتها تلك جعلت جابر يبكي أكثر. كان صوت بكاؤه مرتفعًا رغم مرضه.
ابتعدت مرام بلطف عنه وهي تربت على كفه ثم نهضت هاربة تلجأ لأنس. رغم كل شيء، هي لن تسامح مائة بالمئة. هذا صعب. الماضي ما زال حاجزًا رهيبًا بينهما.
نهضت ليلي أيضًا ووقفت بجوار مرام.
"آدم." قالها جابر بتعب وهو ينظر إلى حفيده. لم يجعله آدم يكرر نداءه، بل اقترب منه. حتى لو لم يسامحه الآن، فالوقت كفيل بإصلاح كل شيء. أول ما اقترب آدم منه، ضمه جابر بقوة وهو يشم فيه رائحة ابنه علي، ابنه الذي تخلى عنه لأنه عشق فتاة هو لم يرض عنها. ظل جابر يضم آدم بقوة وآدم يربت على ظهره. كانت تلك اللحظة هي اللحظة الأجمل في حياة جابر عزام. شعر أن رسالته في الحياة انتهت. والآن يمكنه الموت بكل هدوء. لذلك أغمض عينيه وروحه تنساب من جسده وأطلق أنفاسه الأخيرة لتسقط ذراعيه من حول آدم، ويعلن مغادرته الأبدية لتلك الحياة.
"إنا لله وإنا إليه راجعون." قالها آدم وكررها عدة مرات وهو يحبس دموعه بقوة ويربت على ظهر جده. ولكن صراخ مهرا قاطع السكون الذي حل فجأة وقالت: "جدي... لاااا!"
ارتدت ميار حجابها وثبتته جيدًا ثم ابتعدت وهي تنظر إلى نفسها وعلى وجهها ابتسامة مشرقة. والدها سوف يخرج اليوم، وهي من سوف تذهب لاستقباله. أخيرًا ذاب الجليد بينهما وسوف يعودون كعائلة. رغم أنها حاولت أن تخرجه مبكرًا من السجن، إلا أنه رفض تمامًا. كان يريد أن ينال عقابه كاملاً ثم يخرج ليبدأ من جديد. ولج علي إلى الغرفة وقال: "جهزتي يا حبيبتي."
نظرت إليه بحب وردت: "أيوه يا حبيبي جهزت." مد كفه لتبتسم بفرحة وهي تمسك يده بفخر. هي تفتخر بكونه زوجها ودائمًا ستمسك بكفه، حتى الموت.
خرجا من غرفتيهما ليجدا والدة علي تجهز بعض الكعك. تنهدت ميار وقالت: "يا ماما ما قولتلك، ملوش لزوم تتعبي نفسك. أنا جهزت كل حاجة من امبارح."
ابتسمت والدة علي وهي تحمل الصينية لتدخلها الفرن وقالت: "جرا إيه يا ميار؟ دي حاجة بسيطة حلاوة خروج الحاج. روحي حصلي أبوكي وملكيش دعوة يا بت انتِ."
ابتسمت ميار وهي تهز رأسها وتقول: "أنا عارفة إني مش هقدر عليكي. يالا يا حبيبي."
وقفت أمام بوابة السجن وقلبها يرتعش داخل صدرها بينما عيناها مشبعتان بالدموع. أخيرًا سوف يخرج والدها. فُتح باب السجن ليخرج فجأة. ابتسمت هي والدموع تنساب من عينيها ثم ركضت نحوه وضَمّته بقوة. ضَمّها هو بدوره، والدموع تحتشد بعينيه. أبعدها عثمان عنها وهو يعانق وجهها لتنفجر هي بالبكاء ليردد هو: "لا لا يا حبيبتي... خلاص مفيش عياط بعد النهاردة. أنا عايزك تفرحي وبس. افرحي يا بنتي، افرحي عشان أنا أفرح." ثم بدأ بمسح دموعها بلطف لتهز هي رأسها وتقول بوعد: "من النهاردة هنفرح وبس يا بابا. هنفرح بإذن الله."
بعد شهرين.
"خدي يا بنتي، كل يا حبيبتي. أنتِ حامل ولازم تتغذي." قالتها انتصار والدة أحمد وهي تطعم حياة بالقوة، بينما حياة تحاول منعها قائلة: "خلاص يا ماما، والله معدتي مبقتش مستحملة. أنا أكلت كتير."
لوت انتصار فمها وقالت: "فين الأكل ده يا بنتي؟ يدوب هما طبقين لسان عصفور وطبقين رز وتلات تفاحات. يا حبيبتي لازم تأكلي أكتر من كده عشان ابنك أو بنتك اللي في بطنك يتغذوا كويس."
عاد أحمد من العمل ودخل المنزل وهو يهتف: "جعان يا ماما."
"استني يا بغل، بأكل مراتك." قالتها انتصار وهي تدفع الطعام لفم حياة التي كادت معدتها أن تنفجر.
"يالهووي عليكي يا ماما." قالها أحمد بفزع وهو يسحب حياة من بين ذراعيها ويقول: "يا ستي حرام، دي مش قدي."
"يا بني أنا بأكلها." ضم أحمد زوجته إليه وقال: "أكليها بعقل يا امي، هي مش جاموسة بتزغطيها."
"البط بس هو اللي بيتزغط يا موكوس." ضحك أحمد وقال: "تعرفي يا حياة، لما كنت أتعب كانت تعمل معايا كده. تأكلني بالعافية."
ابتسمت هي وهي تقترب من انتصار العابسة ثم ضمتها وقبلتها قائلة: "بتعمل كده عشان بتحبك. أنت محظوظ إن عندك أم زي كده."
ابتسمت انتصار وضمت حياة بدورها. ابتسم أحمد وهو يقترب من عائلته الجميلة ويضمهما إليه وقد بدا كل شيء بخير أخيرًا.
قبل زفاف ليلي بيوم.
كان آدم وإخوته بالإضافة إلى والدته ومهرا معًا في المنزل. بعد موت جدهم، ورثوا أموالاً طائلة منه. لم يعد آدم ذلك الفتى الفقير. ولكن آدم قد أقسم أنه لن يلمس تلك الأموال أبدًا. تلك الأموال ملعونة. وقف آدم أمام أسرته وقال: "أنا قررت حاجة ولازم أبلغكم بيها."
"ناوي تتجوز على مهرا يا أبيه؟" صرخت بها ليلي لتقاطعها مهرا: "هتتجوز عليا يا آدم؟"
"أنتِ هتعومي على عوم العبيطة دي يا مهرا؟ جرا إيه يا حبيبتي، ما تعقلي!" قالها آدم بضيق. لضحك مرام وهي تضع كفها على بطنها الكبير. نظر آدم إلى ليلي وقال: "حقيقي أنا مش عارف أنتِ هتتجوزي بكرة إزاي بالعقلية دي!"
تنهد وقال: "قررت أستخدم الفلوس اللي ورثتها بشكل أفضل من إني أصرفها على نفسي."
فهمت مهرا أن رغم أن آدم سامح جدها، إلا أنه لن يمكنه استخدام أمواله. فتلك الأموال ملعونة بالنسبة إليه.
"هتستخدمه إزاي يا آدم؟" سألته مهرا ليرد بحماس: "ناس كتير محتاجة. أولاد كتير محتاجة تتعلم وحابب أساعدهم يتعلموا. عشان كده هعمل زي مؤسسة خاصة للمساعدة في التكفل بتعليم الأطفال الصغيرة لحد ما يبقوا في الجامعة."
ابتسمت حسناء وهي تنظر إلى ابنها بفخر. كان آدم يحقق أحلام الآخرين في التعلم. يعطيهم الفرصة التي فقدها هو. نظر آدم إلى والدته وابتسم وقال: "المؤسسة هتبقى على اسم بابا علي عزام."
شهقت حسناء وهي تضع كفها على فمها وتبكي. ليقترب آدم منها ويضمها بقوة. لتقاطعه مرام وتقول: "وفلوس ورثي كمان كلها هحطها في المؤسسة دي يا آدم."
"وأنا كمان يا أبيه." قالتها ليلي بحماس.
تنهدت مهرا وقالت: "وأنا كمان يا آدم هحط الفلوس دي في المؤسسة. وبنقترح نكبرها أكتر عشان نعرف نساعد الناس المحتاجة مش في التعليم وبس، الصحة كمان والأكل والجواز. نحاول كمان توفير فرص عمل ليهم. ونعمل موائد رحمان في رمضان. نقدر نعمل حاجات كتير."
نظر إليها آدم وهو فخور، ثم اقترب منها وجذبها إليه وهو يقبل رأسها. لتضمهم ليلي أيضًا وتتبعها مرام. نظر آدم إلى والدته ومد ذراعه لتنهض وتعانق ابنها هي أيضًا. وكانوا في تلك اللحظة مترابطين أكثر من أي وقت مضى. ابتسمت حسناء وهي تضع كفها على ظهر آدم. كانت فخورة بأنها أنجبت أبناء في غاية الروعة. فخورة لأنها ربتهم جيدًا. لقد كانوا حقًا نبتة طيبة.
رواية عروس رغما عنها الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سوليية نصار
في أحد قاعات الزفاف..
يقال إن لكل شخص فرصة أخرى…
وأن لكل شخص الحق بالسعادة…
ولكن هو أبدًا لم يتخيل أن يكافئه الله بتلك الطريقة ويعطيه من أحبها أكثر من حياته كلها…
لقد أصبحت ليلي له فعليًا…
كان يجلس على المقعد الخاص بالعروسين ينظر إليها بحب…
لا يتكلم أو يقترب فقط ينظر إليها وداخله ضجيج لا يهدأ…
قلبه يهدر داخل صدره بينما تتشبع روحه من رؤيتها وهي تبدو بكل هذا الجمال ففي فستانها الكريمي الجميل وخمارها الذي ترتديه بدت وكأنها عروس من الخيال…
بدت كأجمل شيء هو رآه في حياته!
كانت ليلي تنظر إليه وهي تفرك كفها بتوتر بينما تبتسم له بخجل…
ولكن رغم ذلك لم يبعد عينيه عنها…
لم يستطيع…
فليلي بدت في تلك اللحظة أجمل من أي امرأة رآها في حياته…
هي حب حياته…
وكل حياته أيضًا…
………
بعد انتهاء الزفاف وتوديع ليلي بالدموع من قبل أسرتها وخاصة آدم الذي بقى يضمها أكثر من نصف ساعة وهو يحبس دموعه بشق الأنفس فليلي ليست شقيقته فحسب بل هي ابنته التي رباها… قطعة من قلبه والآن هي سوف تبتعد عنه!!
………
-خلاص يا مروان نزلني هعرف أطلع لوحدي.
قالتها ليلي ووجنتها تلتهب من الخجل بينما يحملها مروان بين ذراعيه ويتجه بها لغرفتهما في القصر الكبير…
ازدردت ريقها وهي ترى عينيه وقد أصبح بهما جرأة أخافتها وكأنه سوف يلتهمها…
ابتسم مروان لها بعاطفة وقال:
-من ضمن أمنياتك في الدفتر أن عريسك يشيلك… دي الأمنية الثالثة… وأهو بحقق أمنيتك..
ابتسمت بخجل وهي تطرق برأسها…
منذ قرأ دفتر أحلامها وهو يصر على تحقيق جميع أحلامها…
دومًا يفاجئها… يفعل المستحيل ليسعدها ويرسم البسمة على شفتيها…
تنهدت ليلي وهي تركن برأسها إلى صدره وتستمتع بتلك اللحظات الرائعة…
أخيرًا وصل لغرفتهما دفع الباب بقدميه ثم دخل واقفله…
والآن أصبحت هي وهو فقط…
بابتسامة بها الكثير من الوعود اتجه بها للفراش…
لتصرخ فجأة هي:
-أنا جعانة… جعانة… عايزة آكل…
أنزلها مروان ونظر إليها بصدمة لتكمل هي:
-حرام عليك بقولك جعانة… وبعدين لازم نصلي و…
وضع كفه على شفتيها وقال وهو يكتم ضحكته:
-هاكلك يا مفجوعة… نصلي الأول وبعدين هقول للي تحت يجهزولك الأكل…
………
وبالفعل أقاموا الصلاة ثم طلب مروان من الخادمة بإحضار الطعام…
انتهيا من الأكل ودخلت ليلي الحمام لتغسل يديها وأغلقت الباب على نفسها..
بينما أخذ مروان بقايا الطعام وأنزله للأسفل ثم صعد لغرفته وجلس على فراشه بصبر وهو ينتظرها…
مرت نصف ساعة وهي لم تخرج من الحمام…
لم يرغب مروان أن يخيفها فقرر أن ينتظر عشر دقائق ثم يطرق على الباب ولكن فجأة فتحت الباب وخرجت ثم جلست على الفراش بجواره وهي ما زالت ترتدي إسدال الصلاة…
رفع مروان حاجبيه وقال:
-متقوليش إنك مكسوفة مني؟!
نظرت إليه وقد احمر وجهها من الإنفعال وقالت:
-وليه متكسفش يعني؟! هو أنا مش بنت؟!
ابتسم لها وقال:
-أكيد طبعًا يا حبيبتي وست البنات كمان…
ابتسمت بخجل إذابة..
مد كفه إلى شعرها وهو يداعبها بينما قلبها يرتعش من الداخل…
شعرت بتوترها يزداد وفجأة نهضت
-أنا… أنا جوعت تاني ورايحة آكل!
قالتها ليلي بتوتر بالغ وهي تنهض لتركض خارج الغرفة ولكنها شهقت عندما شعرت بذراعين قويتين تجذبانها نحو صدر رحب دافئ..
حاولت التحرر وهي ترتجف ليضحك مروان بلطف وهو يهمس في أذنها:
-متخافيش مش هعمل حاجة… عايز بس أفضل حاضنك كده… عايز أصدق إنك بقيتي ملكي يا ليلي…
أنتِ كنتِ بالنسبة لي حلم… حلم جميل واتحقق… مش عايز أعمل أي حاجة غير أننا نفضل كده يا ليلي… عايز أصدق بس إنك في حياتي.. أصدق إنك مش هتسبيني زي اللي سابوني وراحوا… عايز أطمن…
ابتسمت ليلي وهي تستدير…
على الرغم من خجلها إلا أنها قاومته وهي تعانق وجهه وترتفع على طرفي قدميها بينما ابتسامة جميلة تشكلت على شفتيها…
-أنا معاك يا مروان.. معاك للأبد ومش همشي…
وكان هذا الوعد هو أكثر شيء يريده في حياته لذلك حاوط خصرها وضمها بقوة…
كان أول عناق بينهما لم يكن كأي عناق بل بدا وكأن الحياة لهما…
لم يستطع مروان أن يفلتها بل ظل يضمها وتمني أن يتوقف الوقت في تلك اللحظة…
أخيرًا أبعدها عنه وهو يعانق وجهها ثم يقترب منها ليأخذ منها قبلتها الأولى…
أغمضت ليلي عينيها بقوة بينما تشعر به يتراجع بها حتى توقف فجأة وابتعد عنها ثم جعلها تجلس على الفراش وركع بجوارها…
ثم أمسك كفيها وبدأ يقبلهما برقة متناهية بينما يتمتم بكلمات عشقه لها… لحبيبته… ليلته…
ثم نهض مجددًا وهو يرجعها للفراش وينضم إليها ليجعلها له قولًا وفعلًا!!
………
في اليوم التالي…
سطعت الشمس بقوة في غرفة نومهما لتفتح ليلي عينيها بتعب وهي تنظر إلى السقف…
كانت ما تزال تحت سيطرة النوم ولا تتذكر شيئًا… فجأة تدافعت الذكريات لعقلها واحمرت بشدة…
جذبت الغطاء حتى تغطي وجهها لكي لا تواجه مروان ولكن صوت مروان جمدها بينما يقول:
-صباح الخير يا حبيبتي…
أفلتت شهقة من شفتيها وهي تراه واقفًا على الباب يرتدي بنطال أسود وتيشرت رمادي وشعره لامع بفعل الاستحمام..
وبيده صينية مستطيلة يبدو أن عليها الأفطار...
وضع الطعام على الطاولة الصغيرة بغرفته،
اقترب منها حتى جلس على الفراش وقال مبتسما وهو يقبل جبينها:
- اغسلي وشك عشان تفطري عشان ناوي أفسحك النهاردة... هنخرج من دلوقتي وهنرجع الفجر متأخر زي ما الأمنية الرابعة في دفتر أمنياتك...
ابتسمت له متأثرة وقد أحبت اهتمامه بتفاصيلها...
فهي في الآخر امرأة يأثر قلبها الاهتمام...
……………..
في المنتزه،
كان أنس يحاوط كتف مرام وهو يضمها إليه بينما ملك تركض أمامهما...
أخيرا أجلسها على مقعد خشبي وقال:
- هنروح أنا وملك نجيب غزل بنات أجيبلك معانا...
هزت مرام رأسها وقالت:
- عايزة أكل حاجة مالحة... جيبلي شيبسي يا أنس بالله عليك...
هز أنس رأسه وقال:
- لا يا حبيبي مستحيل أنا أكلتك إمبارح وكتره غلط عليكي...
- أووف بقا...
قالتها بغضب طفولي وهي تربع ذراعيها ليضحك أنس وهو يسحب ملك معه ويقول:
- خليكي مؤدبة يا حبيبتي متتحركيش لحد ما أجي...
ضحكت ملك وهي تسير بجوار والدها ليقول أنس:
- دي دخلت في السادس تقريبا ولسه بتتوحم... أنا استويت والله...
ضحكت ملك بشكل أقوى وقالت:
- معلش يا أنوس استحمل دي أم بناتك برضه...
ضحك أنس وجذب ملك إليه وقال:
- لمضة ومش هخلص من لسانك...
……………..
كانت مرام جالسة على المقعد وهي تنظر إلى الأطفال حولها بينما تربت على بطنها بابتسامة...
ثلاث أشهر تقريبا وسوف تأتي ابنتها...
كم هي متحمسة لكي تمضي الأيام سريعا...
فجأة سكنت عينيها على ذلك الولد الصغير الذي يحمل كيس رقائق البطاطس بطعم الملح...
شعرت فجأة بالرغبة في التهامه،
لهذا نهضت واقتربت من الطفل وقالت:
- حبيبي ممكن تديني واحدة؟!
نظر الطفل إلى تلك المرأة الجميلة التي تمد كفها كالمتسولين:
- أنتِ شحاتة يا طنط...
قالها الصغير وهو ينظر إليها بفضول لتسيطر على غضبها وتقول:
- اعتبرني كده يا حبيبي واديني واحدة يالا...
مد الصغير بالكيس لكي تأخذ منه واحدة،
ولكنه شهق برعب وهي تخطف الكيس منه وقالت:
- هاكل وحدتين وأديهولك...
- الشيبسي بتاعي... سيبي الشيبسي بتاعي!!!
قالها ذلك الصغير وهو يصرخ في منتصف الحديقة العامة بينما مرام تلتهم رقائق البطاطس الخاصة به دون أي خجل...
- بطل طفاسة يا ض... قولت هاكل وحدتين بس وهديهولك تاني... أنا حامل يا أخي وبتوحم خلي عندك دم!!
لم يتوقف الطفل عن البكاء ليأتي أنس وهو يمسك كف ملك وينظر إلى مرام بصدمة بينما يقول:
- أنتِ أخدتي كيس الشيبسي من العيل الصغير وسايباه يبكي... بجد يا مرام!!!
لم تهتم مرام،
ليَقْتَرِبْ أَنْسْ مِنْ الطفل ويقول:
- حبيبي اهدي... أنا هجيبلك كيس تاني...
ولكن الطفل لم يتوقف عن الصياح ليخرج أنس من جيبه ورقة من فئة مائتين جنيه وقال:
- خد دي وجيب اللي أنت عايزه بس بطل عياط...
- مازن فيه إيه؟!
كان هذا صوت والدته ليتوتر أنس وهو ينظر إلى والدة الطفل ويقول باعتذار:
- أنا آسف والله يا مدام بس مراتي بتتوحم ونفسها جات على كيس الشيبسي اللي في إيدين ابنك...
نظرت السيدة بذهول إلى مرام التي ابتسمت وأشارت إلى بطنها بفخر وقالت:
- مش أنا ده البيبي...
ابتسمت السيدة ليقول أنس:
- اتفضلي يا مدام ده حق ال...
- خلاص يا أستاذ محصلش حاجة يعني كلنا كده في الفترة دي ربنا يقومها بالسلامة...
ثم سحبت ابنها من كفه وقالت:
- خلاص يا حبيبي بطل عياط هجيبلك واحد تاني...
ثم ذهبت بابنها...
ليشهق أنس فجأة ومرام تخطف منه المال وتقول بسعادة:
- لوكا خدي الفلوس وروحي السوبر ماركت اللي هناك ده وجيبي عشر أكياس شيبسي بالخل...
- تمام يا فندم.
قالتها ملك بسعادة ثم خطفت المال وركضت وسط صياح أنس وتوعده لها!
اقترب أنس من مرام وقال:
- عاجباكي الفضايح دي؟!
مطت مرام شفتيها وقالت:
- نفسي في شيبسي وأنت مش راضي تجيبلي... عشان كده أخدت من الولد الصغير... عارفة إني غلطانة بس مقدرتش أسيطر على نفسي... آسفة.
تنهد أنس...
فهي عندما تتحدث بتلك الطريقة لا يمكنه أن يغضب منها أبدا...
هي لديها تأثير كبير عليه...
……………..
في المساء،
في عيادة الطبيب الخاص بالنساء...
كانت تجلس كارما وهي تهز ساقها بتوتر...
تشعر أنها ستنفجر بالبكاء في أي لحظة...
قلبها يهدر داخل صدرها والقلق يعصف بها بقوة...
نظرت إلى سامر تناشده أن يطمئنها،
ولكن سامر أيضا كان متوتر،
ولكن ما أن وقع نظره عليها حتى جاهد لصنع ابتسامة مطمئنة على شفتيه رغم أنه بعيد كل البعد عن الهدوء،
فقد مرت شهور يحاول هو وكارما أن يحصلا على طفل دون أي جدوى رغم أن تحاليل كلا منهما سليمة جدا ولا يعرفان أين المشكلة،
وقام الطبيب بإجراء تحليل دم لكارما والنتيجة بيده الآن...
- ها يا دكتور طمني... كارما مالها... التحاليل بتقول إيه؟!
قالها سامر وهو يعجز عن إخفاء الخوف بصوته.
ابتسم الطبيب وقال:
- بصراحة التحاليل أظهرت مفاجأة ليا...
نظرت كارما بخوف إلى الطبيب ليقول باسما:
- مدام كارما أنتِ حامل!
- حامل!
شهقت كارما بقوة وهي تضع كفها على فمها بينما دموعها تنحدر من عينيها...
كانت لا تصدق بعد كل تلك الشهور العصيبة التي عاشتها وهي تحاول أن تنجب فتفشل،
أخيرا أعطاها الله مرادها...
استجاب لدعائها...
ارتفع نشيجها وانفجرت بالبكاء وهي تغطي وجهها...
ابتسم سامر من بين الدموع التي تملأ عينيه ونظر للطبيب وقال:
- دكتور... أنت بتتكلم بجد... مراتي حامل...
ابتسم الطبيب وهز رأسه،
ليجذب سامر كف كارما من وجهها ثم يقبل كفها قائلا:
- مش قولتلك ربنا كريم يا حبيبتي... ربنا اهو استجاب لينا وهنخلف...
ضحكت كارما من بين دموعها وهي تهز رأسها وقد طغت السعادة على وجهها رغم الدموع التي تلطخ وجنتيها...
- الحمدلله... الحمدلله...
قالتها وهي تبكي بقوة...
وكانت تلك أجمل دموع ذرفتها...
……………..
دخلت إلى القصر ممسكة بكفه بينما تضحك بسعادة...
لقد حقق وعده لها...
اليوم أخرجها منذ الصباح واتيا قبيل الفجر...
دللها اليوم بطريقته المميزة...
نزهها وعاش معها طفولتها وفي أوقات الصلاة كان يصلي هو في مسجد الرجال وهي في مسجد النساء ثم يخرجان لتكملة نزهتهما...
اليوم هي أسعد إنسانة على وجه الأرض...
كم هي سعيدة لدرجة أن قلبها يقفز من فرط السعادة...
- انبسطت أوي النهاردة...
قالتها ليلى وهي تبتسم له بسعادة وحب...
ضحك هو وحملها بين ذراعيه لتحمر خجلا وتقول:
- مروان نزلني الست مريم واقفة...
- لا...
قالها وهو يضحك غامزا لمريم بينما يصعد بها إلى غرفتهما وسط ابتسامة الخادمة...
أدخلها إلى الغرفة وأنزلها قائلا:
- إيه رأيك؟!
تجمدت ليلى مكانها وهي ترى تلك الأرجوحة الصغيرة التي تحتل منتصف الغرفة،
في الحقيقة كانت تشبه المقعد بينما لها حامل من الحديد...
- المرجيحة اللي كان نفسي فيها...
صرخت ليلى بحماس وهي تجلس عليها بينما تضحك...
لمعَتْ عينيها بحب وهي تبتسم لمروان وقالت:
- شكرا... شكرا أوي يا حبيبي...
ابتسم لها مروان واقترب ثم ركع بجوارها وقبل كفها قائلا:
- أحلامك أوامر يا ست البنات...
……………..
بعد مرور سنة وثلاثة أشهر...
- آه...
صرخت ليلى بعنف وهي تنهض بعد ما سكب مروان المياه على وجهها...
- إيه الغباء ده يا مروان؟!
صرخت به ليبتسم ببرود ويقول:
- يالا يا حبيبتي هتتأخري على الامتحان...
- مش عايزة أروح الامتحان... مش عايزة أروح!!
صرخت به وهي تنام مرة أخرى ليقول هو بخبث:
- طيب أنتِ اللي اختارتي...
ثم بسرعة اتجه إليها وحملها لكي يدخلها الحمام:
- لا... لا يا مروان متبقاش رخم يا أخي... مش عايزة أروح الامتحان... هو أنا أخلص من أدم تيجي أنت...
رغم كل مقاومتها لم يتركها بل ضمها إليه أكثر وهو يلج للحمام...
- طلقني يا مروان... طلقني أنا بكرهك!
صرخت بها ليلى عندما وضعها أسفل صنبور المياه بكامل ملابسها وفتحه لتندفع المياه على رأسها...
نظرت إليه وهي تغلي من الغضب بينما احمر وجهها بقوة ليبتسم في وجهها ويقول:
- خدي شاور عقبال ما أقولهم يحضرولك الفطار يا عمري.
ثم تركها وغادر مغلقا الباب...
نفخت ليلى بضيق ثم بدأت بخلع منامتها لكي تستحم...
بعد قليل نزلت للأسفل وهي ترتدي فستان كريمي عليه خمار وردي شاحب...
ترتدي حقيبتها الكبيرة...
- تعالي يا ست البنات عشان تفطري...
قالها مروان مبتسما لتقترب ليلى من الطاولة وتبدأ بالأكل...
ثم بعد ذلك خرج مروان ليوصلها كالعادة إلى كليتها...
……………..
- يارب استر يا رب... يارب استر يارب...
قالتها مهرا وهي تدور حول نفسها في غرفة النوم الخاصة بها هي وآدم...
زفر آدم وقال:
- يا حبيبتي اهدي شوية خيلتيني...
تنفست بعنف وقالت:
- اسكت يا آدم بالله عليك اسكت أنا مرعوبة أوي...
ابتسم آدم ثم نهض وقال وهو يضمها:
- حبيبي فيها إيه لما يكون عندنا بيبي تاني... ليه مكبرة الموضوع بالشكل ده... أحنا...
ولكن مهرا قاطعته وهي تبتعد وتذهب إلى اختبار الحمل لترى النتيجة...
- حامل... حامل!!!
صرخت مهرا وهي تنظر لاختبار الحمل بفزع...
عقد آدم حاجبيه بحيرة وقال:
- أيوة حامل يا حبيبتي... مصدومة ليه؟! ما أنتِ متجوزاني وبعدين مأفورة ليه...
أغمضت عينيها بغضب ونظرت إليه صارخة:
- آدم نجمة لسه عندها سنة ونص وأنا حامل أنت عارف المصيبة اللي أنا فيها... ياربي أعمل إيه... أعمل إيه؟!!
شدها آدم إليه وهو يعانقها قائلا:
- بس بس يا حبيبتي مكبرة الموضوع ليه ده رزق من ربنا وبعدين فيها إيه يعني ستات كتيرة بتخلف ورا بعض...
دفعته صارخة:
- طبعا يا حبيبي أنا هنشغل بالعيال وأنت هتروح تتجوز عليا عشان أهملتك صح... أنا عارفة الأسطوانة الحمضانة دي ليلى قالتلي عليها...
- ليلى دي محتاجة علقة مني عشان تتهد شوية...
قالها آدم بضيق ثم نظر إلى مهرا وقال وهو يربت على شعرها:
- يا حبيبتي... يا روحي أنا مش عايز غيرك أنتِ... مفيش ست هتقدر تملي قلبي زيك...
- طيب احلف إنك مش هتتجوز عليا...
قالتها وهي تزم شفتيها ليَلْزَمْ الصمت قليلا فتصرخ هي:
- شوفت اهو بتفكر... يبقى ناوي تعملها كلكم مصطفى أبو حجر...
ثم انصرفت من أمامه ليضحك قائلا:
- بنت يا مهرا استني... جيبتي من فين مصطفى أبو حجر دي... كلامك الكتير مع ليلى بوظك.
خرجت مهرا من غرفتها لتجلس بجوار حسناء التي تحمل نجمة ابنتها...
فحسناء أصبحت تعيش معهم تقريبا بعد زواج ليلى...
- طمنيني يا مهرا النتيجة إيه؟!!
زفرت مهرا بتعب وقالت:
- طلعت حامل يا حماتي...
اتسعت ابتسامة حسناء وهي تضم مهرا بيدها الحرة وتقول:
- بجد ألف مبروك يا حبيبتي... ألف مبروك... ومالك زعلانة كده ده رزق يا هبلة...
- قوليلها يا ماما...
قالها آدم وهو يجلس بجوار مهرا ويجذبها إليه ويقول:
- في حد يكره النعمة يا مهرا... ده ربنا مديكي رزق كبير يا حبيبتي...
- يا حبيبي أنا مش هقدر كده أوفق بين نجمة والبيبي الجديد...
ابتسمت حسناء وقالت:
- يا سلام وأنا فين يا ست مهرا طيب... متقلقيش يا حبيبتي أنا معاكي وآدم كمان ومامتك وفيه ليلى ومرام محدش هيسيبك...
تنهدت مهرا وقالت:
- مرام كتر خيرها مع بنتها ملاك وليلى مطحونة في المذاكرة هانت فاضل ليها سنة وتخلص...
ضحك آدم وقال:
- دي أكيد هتزغرط من الفرحة لما تخلص كلية الطب...
ضحكت مهرا أيضا...
فليلى بعد زواجها حاولت التكاسل عن الذهاب للجامعة ولكن مروان لم يسمح لها أبدا...
فهو في هذا الموضوع كان أكثر صرامة من آدم شخصيا!!!
…………………
- يارب استرها على البنت اللي حيلتنا.
قالها مروان وهو يقف أمام الكلية ينتظر أن تنتهي ليلى من اختبارها بينما قلبه يرتعش من التوتر...
لقد أنهى عمله سريعا وجاء لكي يطمئن عليها...
رن هاتفه فجأة لينتفض من مكانه ويخرج هاتفه ويرى أن من يتصل به هو آدم...
رد عليه وقال:
- أيوة يا آدم... لا أنا قدام الكلية بتاعتها... هي لسه مطلعتش... حاضر بس تطلع وتطمني هخليها تتصل بيك وتطمنك متقلقش... ماشي يا أبو نسب سلام...
أغلق مروان هاتفه مبتسما...
في الآونة الأخيرة أصبحت علاقته مع آدم جيدة للغاية...
لقد تقبله آدم بعد كل شيء فعله...
ورغم كل شيء.
انتفض قلبه داخل صدره وهو يرى ليلى تخرج من الكلية وبجوارها صديقتها ميار...
اقترب مروان بسرعة منها وقال:
- طمنيني عملتي إيه؟!
ابتسمت ليلى بسعادة وقالت:
- حليت كويس أوي...
- برافو يا ست البنات وعشان كده أنا النهاردة هعزمك على الآيس كريم اللي بتحبيه...
- شكرا يا مارو...
قالتها بابتسامة رائعة ثم استدارت لصديقتها المرهقة وقالت:
- يالا معانا يا ميار...
نظرت إليها ميار بتعب وقالت:
- معلش يا لولا روحوا أنتوا أنا عايزة أروح البيت عشان أنام... تعبانة أوي...
- طيب هتقدري تروحي لوحدك...
قالتها ليلى بقلق لتهز ميار رأسها قائلة:
- متقلقيش عليا كده كده البيت بتاعي قريب من هنا متخافيش أنتِ...
هزت ليلى رأسها وقالت:
- تمام يا حبيبتي نتقابل الامتحان اللي جاي.
ثم أمسكت بكف زوجها وغادرت بسعادة...
تنهدت ميار وقالت:
- الفقير بيتجوز والغني بيتجوز وأنا لا... امتى أتجوز...
…………….
في المساء...
في عيادة طبيبة النساء،
كانت مهرا مستلقية على السرير الصغير بينما الطبيبة تفحصها...
- مبروك حامل في شهرين يا مهرا...
قالتها الطبيبة مبتسمة ثم صمتت فجأة وقالت:
- لحظة ده أنتِ كمان حامل في توأم!
- توأم!!!!
صرخت مهرا بفزع ثم أكملت:
- يا دي المرار!
ضحك آدم عليها بينما ينظر إليها بحب...
………………
بعد سنة...
كانت أمام الطبيب النفسي هي وزوجها وقد بدت أسعد إنسانة في العالم كلها...
كان قلبها يدق بسعادة وكأنها لم تشعر بالألم أبدا...
سعادتها طغت على الألم الذي عايشته لسنوات...
ابتسم الطبيب براحة وهو يرى السعادة التي في عينيها...
يمكنه القول الآن أن حياة بخير تماما...
- مبسوطة يا حياة؟!
قالها الطبيب لتتسع ابتسامة حياة أكثر حتى شملت كل وجهها وقالت وهي تضغط على كف أحمد وتبتسم له بهيام:
- ما زنش كنت سعيدة في حياتي قد دلوقتي يا دكتور... أنا فرحانة... فرحانة أوي...
ابتسم لها أحمد ابتسامة محبة بينما عينيه السوداء تلمع لها هي... فقط هي...
خرجا من عيادة الطبيب النفسي ممسكين بيد بعضهما...
- يالا بسرعة زمان عمر خلي ماما تشد في شعرها...
قالتها حياة وهي تضحك وتتذكر صغيرها الذي أتمم عام وخمس أشهر منذ وقت قريب...
لابد أنه أنهك جدته رغم أنه متعلق بها للغاية ولكنه صعب المراس مثل والده...
فتح أحمد باب سيارته وقال:
- اتفضلي يا أميرة...
ابتسمت وهي تلج للسيارة وتقول:
- ميرسي يا أميري...
ذهب من الجهة الأخرى وركب سيارته وقادها ليذهبا إلى المنزل...
أسندت حياة رأسها على كتف أحمد وقالت:
- هتفضل تحبني كده دايما يا أحمد.
- هحبك دايما يا روحي .. حتى تحترق النجوم زي ما استاذنا أحمد خالد توفيق قال …………. في المقبرة.
- وحشتني أوي يا جدو … وحشتني أوي ..
قالتها مهرا والدموع تنفجر من عينيها بينما ألم هائل يقبع داخل قلبها.
تنهدت وهي تمسح دموعها وتقول:
- بس أنا واثقة أنك في مكان أحسن دلوقتي … واثقة أنك مرتاح يا جدو … وواثقة أنك مبسوط بالطريقة اللي استغلينا بيها الفلوس … احنا في وقت قصير قدرنا نساعد ناس كتير … وده بفضل آدم بعد ربنا طبعا … أنا واثقة أنك لو كنت عايش كنت هتنبسط أوي بحفيدك …
قالتها مبتسمة ودموعها تتساقط من عينيها.
- حبيبتي …
اقترب آدم من مهرا ثم ضمها إليه وهو يقول:
- هو في مكان أحسن دلوقتي …
هزت مهرا رأسها وقالت:
- أكيد يا آدم …
بدأ بمسح دموعها برفق وقال:
- يالا بقى نمشي عشان نلحق على وكريم زمانهم جننوا أمك وأمي …
ضحكت مهرا من بين دموعها وقالت:
- ماشي يا حبيبي يالا وعايزين نشتري هدية عشان حفلة تخرج ليلي بكرة …
- ياااه مش مصدق إن ليلي اتخرجت خلاص …
ضحكت مهرا وقالت:
- دي أكيد هتطير من الفرح يا حبيبي …
- أكيد طبعا ………….
في المساء …
ارتدت فستانها الأسود الواسع ثم التقطت نقابها لترتديه … ودخل علي الغرفة لينظر إليها وهو يبتسم وقال:
- حسين نام يا حبيبتي وماما هي اللي صممت تبقى معاه …
ابتسمت له ميار وقالت:
- كويس يا حبيبي فرصة نروح نبارك ونرجع على طول … بس أتمنى منضايقش ورد … أنا والله مكنتش حابة أروح لولا والدتها اللي جات وعزمتنا بنفسها …
- لو مش عايزانا نروح الفرح مفيش أي مشكلة يا حبيبتي مش هزعل …
قالها علي لميار التي تعدل من وضع نقابها …
ابتسمت ميار من تحت النقاب وقالت:
- لا يا حبيبي هنرجع … الناس ذات نفسهم جم وعزموني عيب نتجاهل الدعوة دي .. مش من أخلاقك يا علي … كل القصة إني خايفة من التوتر اللي هيحصل بسبب أنك كنت خاطب ورد قبل كده … خايفة إنها تتضايق أو …
قاطعها علي وهو يقترب منها ويضمها إليه قائلاً:
- حبيبتي متقلقيش خالص … أصلاً ورد بطلت أفكر فيا … هي دلوقتي شكلها تجاوزتني نهائياً وهتبقى مبسوطة بإذن الله مع جوزها الجديد …
وضعت ذراعيها حول عنقه وقالت وعينيها تبرق:
- يستحسن فعلاً إنها تكون نسيتك يا علي لأني بغير عليك أوي ومش هستحمل إن واحدة تبص لك …
ابتسم وقال:
- وأنا هستغل الغيرة دي …
رفعت نقابها بانفعال وأمسكت كفه ثم عضته ليصرخ ويقول:
- بس … بس خلاص يا عضاضة …
أمسكته من قميصه وقالت بشراسة:
- أنت ملكي ولو فكرت تبص لغيري أو تستغل غيرتي هقتلك فاهم …
- فاهم يا باشا …
قالها وهو يبدأ في تقبيلها بلطف …………..
في الحديقة الخاصة بقصر مروان …
قرر أن يقيم حفلة كبيرة بمناسبة تخرج ليلي …. كانت الحفلة تضم العائلة فقط … آدم وزوجته ووالدة آدم ووالدة مهرا ثم أنس ومرام وابنتيهما ملاك وملك … وميار صديقة ليلي … كانت الأغاني المبهجة تسيطر على المكان بينما ليلي تضحك بسعادة أخيراً بعد ست سنوات دراسة بكلية الطب … لقد أفنت عمرها في تلك الكلية ولكن الحمدلله أخيراً انتهت من الدراسة والآن يمكنها أن تؤسس حياتها … قررت أن تنجب طفل … الآن هذا هو الوقت المناسب … الحقيقة تم الاتفاق بينها وبين مروان أن ينجبوا طفل بعد تخرجها وهذا كان قرار سليم نوعاً ما …
- اتخرجنا يا ليلي اتخرجنا …
صرخت بها ميار بحماس وهي تضم ليلي بقوة وعندها تم تشغيل أغنية لعبد الحليم حافظ وأصبحوا يرددونها سوياً:
حياة قلبي وأفراحه .. وهناه في مساه وصباحه و حياة قلبي وأفراحه .. وهناه في مساه وصباحه ما لقيت فرحان في الدنيا زي الفرحان بنجاحه و حياة قلبي وأفراحه .. وهناه في مساه وصباحه و حياة قلبي وأفراحه .. وهناه في مساه وصباحه ما لقيت فرحان في الدنيا زي الفرحان بنجاحه دا حلم جميل في خيالنا .. ولا غابش في يوم عن بالنا دا حلم جميل في خيالنا .. ولا غابش في يوم عن بالنا و بنّا لنا قصور .. وفرشها زهور لحياتنا ومستقبلنا و لقيتني في عز هناها .. والدنيا فرح ويايا و لقيتني في عز هناها .. والدنيا فرح ويايا بتهني حبايبي معايا .. وتقول للكل ارتاحووووا دي مفيش فرحان في الدنيا زي الفرحان بنجاحه و حياة قلبي وأفراحه .. وهناه في مساه وصباحه و حياة قلبي وأفراحه .. وهناه في مساه وصباحه ما لقيت فرحان في الدنيا زي الفرحان بنجاحه الناجح يرفع إيده هيه في ذلك المقطع رفعت ليلي وميار يديهما وسط ضحكات الجميع وهما يكرران:
- الناجح يرفع أيده هيييييه و يغني في عيدنا وعيده هيه الناجح يرفع إيده هيه و يغني في عيدنا وعيده هيه و يقول ونقول دايماً نجحين علطول دايماً و نجاحنا يطول دايماً دايماً علطول دايماً دايماً علطول دايماً علطول دايماً .. دايماً .. دايماً دايماً هييييييييييييييييييييييييه بعد أن انتهت الأغنية صفق الجميع ثم بدؤوا بالاقتراب من ليلي ليعطوها الهدايا هي وميار ……… - مش معقول يا أبيه جيبتلي الكوميكس بتاعة بات مان اللي بحبها … شكراً أوي يا أبيه ..
قالتها ليلي بحماس وهي تضمه بقوة ليبعدها قليلاً ثم يقبل رأسها ويقول:
- مبروك يا أحلى دكتورة في العالم كله …
ابتسمت وهي تضم كفه وتقول:
- الله يبارك فيك يا آدم ويخليك ليا يارب ..
ابتسم وابتعد ليفسح المجال لمهرا التي تمسك كف نجمة الصغيرة التي تسير بجوارها:
- عمتو …
قالتها الصغيرة بنبرة طفولية بمهارة تعارض تماماً سنها الصغير.
- حبيبة عمتو ..
قالتها ليلي وهي تحملها وتقبلها …
ابتسمت مهرا وهي تقدم لها علبة مخملية راقية وقالت:
- مبروك يا لولا …
ابتسمت ليلي وعانقتها قائلة:
- الله يبارك فيكي يا حبيبتي ..
ابتعدت وأكملت:
- أومال فين علي وكريم حبايب عمتو الحرباية ..
ضحك الجميع على خفة دمها المعتادة لتأتي حسناء وهي تحمل علي ومروة وهي تحمل كريم .. عانقتهم بالتتابع … ليبدأ بعدها أنس ومرام في تقديم الهدايا لها … ثم ملك التي أعطتها هدية عبارة عن لوحة جميلة بداخلها ورقة مرسوم فيها ليلي ومروان بطريقة محترفة تنبئ عن موهبة خارقة تمتلكها تلك الصغيرة التي بدأت أولى خطواتها في سن المراهقة …..
بالقرب من ليلي كان مروان يقف وهو في قمة سعادته … كان يفتخر بها حبيبته الطبيبة …. لقد عاش معها أجمل أيام حياته ولن ينسي أبداً أنها دفعته إلى النور وأخرجت الظلام القابع بقلبه … شفت الألم القابع في قلبه وأعطته السعادة التي ناشدها طوال حياته … لن ينسي هذا أبداً .. لن ينسي أنها دخلت حياته وأحضرت الربيع لحياته المظلمة !!! …………..
- علي فكرة مجبتليش هدية التخرج …
قالتها ليلي بضيق بعد انتهاء الحفل بعد ما دخلت غرفة النوم ووجدت مروان قد بدّل ثيابه وجلس على الفراش.
ابتسم مروان وقال:
- تعالي يا ست البنات اقعدي جمبي …
كانت عينيه تنظر إليها براحة تامة … كان سعيداً أكثر من أي وقت سابق … ببطء اتجهت ليلي إليه وجلست بجواره … أمسك كفيها ثم بدأ يقبلهما بالتتابع … ترك كفيها بلطف ثم عانق وجهها وقال بصوت عاطفي بينما يحاصر عينيها وكم بدت عينيه جميلة في تلك اللحظة:
- شكراً يا ليلي … شكراً لأنك في حياتي …
ابتسمت له ليكمل:
- أنا بشكر ربنا كل يوم عشان بقيتي من نصيبي … السعادة اللي حسيت بيها معاكي محستهاش من وقت موت أمي …. أنتِ قدرتي تصلحي قلبي المكسور يا ليلي ولو جيبتلك هدايا العالم كله مش كفاية …. تنهد وقال:
- بس أقدر أحقق لك آخر حلم في دفتر أحلامك.
لمعَت عينيها وهي تفغر فمها بصدمة ليخرج من تحت وسادته تذاكر للسفر …
- إيه ده ؟!
- دي تذاكر سفر للسعودية هنرجع نعمل عمرة … ودي هي هدية نجاحك …
وضعت ليلي كفها على فمها وهي تضحك بسعادة بينما الدموع تنساب من عينيها … ابتسم لها مروان بحب وأخرج من تحت الوسادة دفتر باللون الزهري ثم مدّ الدفتر إليها وقال:
- ده دفتر جديد تكتبي فيه أحلامك وربنا يقدرني وأحقق لك كل أحلامك يا حبيبتي ….
مسحت دموعها بسرعة وأمسكت الدفتر وهي تنظر إليه عاجزة عن الكلام … هذا كثير عليها … كثير جداً .. وضعت تذاكر السفر مع الدفتر على الطاولة بجوار الفراش ثم قالت:
- أنا بحبك يا مروان …
ضمته إليها وهي تقبله على وجنته مراراً وتكراراً و على عكس الجميع لم يبعدها بل استمتع وهي تعطيه هذا القدر من الحب … الحب الذي بحث عنه دوماً ووجده بها … انتقلت شفتيها من وجنته إلى فمه وهي تقبله بلطف أكثر … بينما يستلقي ويسحبها إلى صدره دون أن يقاطع قبلتهما بينما كفه تزيل خمارها لينطلق شعرها محيطاً بكليهما … الآن حصل مروان على السلام … لا بد أن والديه سعيدان الآن … سعيدان وهما يرى السعادة الرائعة التي حصل عليها ابنهما …………..
في منزل أنس …
تجلس مرام بجوار ملك وهما يضحكان بينما أنس يمارس تمارين رياضية صعبة (بلانك) لمدة دقيقتين … وهذا ما حكمت به مرام بعد ما خسر في لعبة الورق (الشايب) للمرة الثالثة … كان أنس يتصبب عرقاً ويتنفس بسرعة بينما يشعر بألم في معظم عضلات جسده … ولكنه سينتقم منهما … أخيراً بعد جهد جبار انتهى من آخر حكم له لينهض ويقول:
- يالا نلعب تاني.
ده أنا هوريكم…
كان متوعداً لهما.
ابتسمت ملك وهي تنظر إلى مرام وتغمز لها.
هزت ملك رأسها وقالت:
- طيب يالا يا بابي عشان نوزع الورق.
وبالفعل بدأت توزع الورق.
نظر أنس إلى ورقه وأغمض عينيه بقوة ثم فتحهما:
- أنا حاسس إنكم بتخدعوني!
قالها أنس وهو يرفع حاجبه الأيمن بينما ينظر إلى مرام وملك.
نظر أنس إلى أوراقه بدون رضا وأكمل:
- دي رابع مرة أنا ألبس فيها الشايب… يعني مش معقول حظي يكون وحش للدرجة دي.
أخفت ملك ابتسامتها بجهد بينما قالت مرام وهي تهز كتفها:
- ده حسب ضميرك يا حبيبي… أنت لو سألك مكنتش هتلبس الشايب أربع مرات.
رفع حاجبه الأيمن مجدداً وقال:
- لا والله؟!
- أيوة.
قالتها وهي تعض شفتيها كي لا تضحك بصوت عالي يفضح خداعهما له.
ألقى أنس أوراقه وقال:
- أنا متأكد إنكم أنتوا الاتنين بتخدعوني… يالا اعترفوا عملتوا إيه؟!
ارتدى أنس قناع رجل الأعمال الذكي وهو ينظر إليهما وهما يبدوان مذنبين.
ارتبكت ملك وقالت بتلعثم:
- م… معملناش حاجة… يا بابا… أنت بتشك فينا؟!
- وأنا إمتى وثقت فيكم… أنا شعري شاب بسبب عملكم أنتوا الاتنين… انطقوا عملتوا إيه.
أخذ يعبث في ورقته حتى أخذ ورقة الشايب ونظر إليها من الخلف لتتسع عينيه وهو يجد بها علامة صغيرة باللون الأسود.
- بتخدعوني!!!
قالها أنس وهو ما زال ينظر إلى الورقة بصدمة.
ابتلعت ملك ريقها وخلسة نهضت دون أن ينتبه لها أحد وركضت من أمامهما.
نظر أنس إلى ملك التي على الفور أصبحت أعلى الدرج وما زالت تركض حتى وصلت لغرفتها.
- باعتني في ثانية!!!
قالتها مرام ثم نظرت إلى أنس بتوتر ونهضت ثم كادت أن تركض إلا أنها صرخت بقوة عندما جذبها أنس إليه ثم حملها على ظهره.
- أنس… أنس.
قالتها بتوتر ليرد هو:
- أنا هوريكي إزاي تخدعيني.
ثم صعد بها الدرج ماشياً جهة غرفة ملك.
فتح الباب ليجد ملك نائمة بجوار شقيقتها الصغيرة ملاك.
بالتأكيد كانت تدعي النوم ولكن أنس لم يكن يريد إيقاظ صغيرته ملاك لذلك قرر أن يؤجل عقابها للغد.
الآن يجب أن يتفرغ لتلك التي يحملها على كتفه.
- أنس… أنس ملاك نايمة خليني نمشي.
همست مرام وهي فوق كتفه ليغلق أنس الباب ويقول:
- عندك حق خليني أعاقبك أنتِ الأول.
ثم اتجه بها إلى الغرفة وسط ابتسامتها المرحة.
أخيراً وحدهما في الغرفة.
أنزلها ثم ربط ذراعيه وقال:
- أعمل فيكي إيه؟!
ابتسمت بإغراء ثم وضعت ذراعيها حول رقبته وقالت:
- متقدرش تعاقبني أنتِ بتحبني.
- لا والله؟!
قالها وهو يضيق عينيه لتهز رأسها بثقة.
أبعد ذراعيها وقال:
- يالا يا مرام بلانك لمدة تلات دقايق.
رمشت هي بصدمة ليردد هو:
- يالا ده هيكون عقابك.
- متهزرش يا أنس… تلات دقايق إيه؟! أنا آخر مرة عملته وكان دقيقة فضلت اليوم كله متلقحة على السرير… اتقي الله.
تنهد وقال:
- طيب خلاص عشان أنا راجل طيب اعملي بلانك لمدة دقيقة.
ومش هينازل.
- طيب خليها تلات ثواني وحياة عيالك.
- مستحيل يا قلبي.
قالها وهو يهز رأسه بقوة ثم أكمل:
- يالا يا روحي اعم…
ولكنها قاطعته وهي تلتصق به وتقبله!
لقد خدعته مجدداً.
فكر أنس بيأس بينما يحاوط خصرها ويجذبها إليه أكثر متقبلاً هجومها عليه.
ابتعد قليلاً وهو يضع جبينه على جبينها ويقول مبتسماً:
- بتعرفي تخدعيني دايماً.
- عندك مانع؟!
قالتها وهي تتلمس وجهه برقة ليهز رأسه ويقول:
- لا يا مرامي معنديش أي مانع استغليني زي ما أنتِ عايزة.
- بحبك.
قالتها ليرد هو قبل أن يغرقها بقبلاته:
- وأنا كمان.
وسعادة أنس كانت دوماً مرام… هي نقطة قوته وضعفه.
…………
كان آدم ومهرا يحملان التوأم يحاولان جعلهما يخلدان للنوم.
حسناء قد أخذت نجمة لتنام معها بغرفتها حيث إن الصغيرة متعلقة بجدتها.
كانت مهرا تهدهد الصغير كريم لتجعله ينام.
حيث إنها أطعمته جيداً ومن المفترض أن ينام لفترة طويلة.
آدم أيضاً كان يحمل توأمه علي ولكن علي الهادئ نام على الفور.
آدم لديه سحر مبهر عليه.
- نام علي اهو.
همس آدم ثم اتجه إلى السرير الصغير ووضع طفله عليه.
ثم اتجه لمهرا ليحمل كريم أيضاً ويهدهده قليلاً لكي ينام.
استغلت مهرا تلك الفرصة وقررت أن تستحم.
بسرعة أخذت قميصها الأرجواني وروب من نفس اللون ثم خرجت من الغرفة متجهة إلى الحمام.
…………
بعد قليل خرجت من الحمام وهي تجفف شعرها الأشقر المبتل ثم ولجت للغرفة لتجد أن صغيرها الآخر قد نام بينما آدم يجلس على الفراش مغمضاً عينيه.
نظرت إليه بشفقة.
حبيبها متعب للغاية.
ظلت للحظات تتأمله وقلبها يخفق بقوة.
تلك الخفقات ملكه… حتى قلبها بأكملها له… هي كلها تنتمي إليه.
اقتربت ببطء ثم وضعت كفيها الناعمين على كتفيه وقالت:
- تحب تعملك مساج يا حبيبي؟
هز آدم رأسه وهو يستقيم على الفراش بينما هي تتسلق الفراش من خلفه وتعجن كتفيه برفق.
ليشعر بالاسترخاء على الفور.
وقد نسي ضغط العمل تماماً.
فهو أصبح مشغول كثيراً الفترات الأخيرة بين الشركة التي أسندها أنس له تقريباً والمؤسسة الخيرية.
انتهت مهرا أخيراً ثم استدارت وهي تجلس على ساقيه وقالت:
- حاسس إنك مرتاح دلوقتي؟
هز رأسه مهمهماً بينما يدفن رأسه في عنقها قائلاً:
- وحشتيني.
- وأنت كمان يا حبيبي.
نهضت فجأة وهي تجذبه لينهض ثم ضمته وقالت:
- إيه رأيك تأخد إجازة من الشغل وتبقى معانا وقت أطول… بقيت توحشني أوي.
- حاضر يا بسبوسة.
قالها وهو يقبل رأسها.
ثم دفعها للفراش ونام بجوارها وضمها إليه وقال:
- يالا ننام.
مطت شفتيها بضيق وقالت:
- طيب غنيلي يالا.
- حاضر يا بسبوسة هغنيلك.
ثم جذبها من يدها ونهض قائلاً:
- يالا نتجنن شوية.
ثم أمسك كفها مستعداً لكي يرقصا.
ضحكت مهرا قائلة:
- مجنون فعلاً.
- مجنون بيكي.
ثم بدأ يتحرك وهو يغني:
ساموراي رحال وقالوا لي محال
دي الدنيا في حال وحبيبتي في حال
عندها جناحات هامسكها تطير
غاوية الترحال وأنا نفسي طويل
جمالها رهيب، ولما تغيبت
سونامي رعد وبرق وجو بيبقى غريب
بس أنا مش خايف، أنا ساموراي
بدل السيف أنا بعزف ناي
راكب أوبر، من طوكيو وجاي
ترفضني إزاي وأنا الساموراي
وهفضل ألف، ألف، ألف
وراكي هلف، هلف، هلف
والدنيا تاخذني تلف، تلف
لحد ما شيب أو عقلي يخف
وهفضل ألف، ألف، ألف
وراكي هلف، هلف، هلف
مهما الدنيا تاخذني هلف
أنا مجنون مش عايز أخف
هفضل رحال ما أعرفش محال
وراكي لو حتى في آخر الدنيا في وسط جبال
في الأصل محارب، بس بغني
ويمكن صوتي يوصل لك أسرع مني
والسكة تهون ويكون ما يكون
لو مئة فيضان أنا هعرف أعدي أجي لك عوم
بس أنا مش خايف، أنا ساموراي
بدل السيف أنا بعزف ناي
راكب أوبر، من طوكيو وجاي
ترفضني إزاي وأنا الساموراي
وهفضل ألف، ألف، ألف
وراكي هلف، هلف، هلف
وهفضل ألف، ألف، ألف
وراكي هلف، هلف، هلف
مهما الدنيا تاخذني هلف
أنا مجنون مش عايز أخف.
- أنا مجنون بيكي ومش عايز أخف.
قالها وهو يتوقف عن الرقص لترتفع هي على قدميها وتقبله على وجنته وتقول:
- وأنا كمان مجنونة بيك ومش عايزة أخف.
ابتسم آدم وهو يجذبها إليه ويقبلها.
حبهما دوماً مختلف… مختلف عن الجميع.
فآدم بالنسبة لمهرا هو الحياة ومهرا بالنسبة له الأمل.
الأمل ليكون سعيداً وهما… هما ينتميان لبعضهما بجسدهما وقلبهما وروحهما.
وهكذا انتهت أجمل قصة لأفضل ثنائي… أو قد تكون البداية.
رواية عروس رغما عنها الفصل العشرون 20 - بقلم سوليية نصار
نهض عنها بسرعة وهو يلهث.
ابتعد قبل فوات الأوان، وقبل أن يجعلها زوجته رسميًا.
لا يصدق أنه انجرف معها بتلك الطريقة، لا يصدق أن ضعفه تحكم به.
عينيه الزرقاء كانت مشبعة بالصدمة.
نظر آدم إلى مهرا التي تصاعدت الدموع في عينيها، وتمتم دون شعور:
- أنا آسف. أنا آسف.
ثم سحب قميصه الذي رماه بسرعة وارتداه، وخرج مسرعًا. كان شياطين العالم تطارده.
كانت مهرا متسطحة على الفراش وهي شاخصة عينيها لأعلى.
الجزء العلوي من منامتها ممزق قليلاً.
شفتيها مر*ضوضتين بفعل وقبلاته المجنونة، وقلبها ما زال يخفق بعنف، بينما هي تلهث بعنف.
كانت الدموع تنساب من عينيها وهي تتذكر كيف ابتعد عنها كالملسوع، وكأنها شر مقيت أراد الابتعاد عنه.
شعرت أنه يخاف على نفسه من التلوث.
تصرفه آذاها بقوة.
شهقت فجأة ودموعها تنفجر من عينيها أكثر.
كانت لا تستطيع أن تتوقف عن البكاء.
لقد أدركت الآن مشاعره.
هو لن يعتبرها أبدًا زوجته.
هو لا يحبها، يش*مئز منها.
هو مثلهم يعتبرها خاطئة.
يظن أنها فرطت في شرفها بإرادتها.
ذلك التفكير رفض مغادرة عقلها.
دفنت رأسها في الوسادة وهي تبكي بعنف.
كانت شهقاتها تخرج متقطعة.
بينما تشعر بألم عظيم في قلبها.
ألم لم تختبره من قبل.
لقد أحبت وتحطم قلبها.
وتلك المرة تحطم قلبها بقوة.
لن تُشفي جراح قلبها.
عرفت هذا.
وقف آدم في صالة المنزل وهو يشعر بالصدمة من نفسه.
يشعر بالصدمة لأنه ضعف أمامها بتلك الطريقة.
لو لم يتوقف في آخر لحظة، كان سيجعلها زوجته رسميًا.
اتجه إلى المنضدة وجلس عليها بانهيار.
وضع كفه على شفتيه وأغمض عينيه وهو ما زال تحت تأثير تقاربهما.
لم يشعر بهذا الشعور من قبل.
يشعر أنه غرق وليس هناك أي سبيل للنجاة.
أغرق وجهه في كفيه وهو يشعر بالصداع يكاد يفتك رأسه.
ما الذي فعله؟
كيف يفعل هذا؟
كيف يخون الأمانة؟
لقد وعد نفسه أنه سوف يحميها ويعيدها إلى عائلتها سالمة.
فكيف حدث هذا؟
- آدم.
صوت ضعيف قطع حبل أفكاره.
رفع آدم رأسه ليجد والدته أمامه.
حاول أن يبتسم، ولكن الابتسام تطلب جهدًا كبيرًا منه.
جهدًا لم يمتلكه في الوقت الحالي.
من نظرة واحدة عرفت والدته ما الذي يمر به ابنها.
عرفت أن هناك شيء خاطئ، وهذا الشيء يتعلق بمهرا.
هي تفهم ابنها جيدًا، أليس هي من ربته؟
هي تفهمه أكثر من أي شخص آخر.
جلست بتعب على المقعد المجاور له وتقول:
- إيه اللي مصحيك دلوقتي يا آدم؟
أخيرًا استطاع أن يبتسم وقال:
- عادي يا أمي، مش جايلي نوم. ومرهق شوية. المهم أنتِ ليه صاحية؟ روحي نامي.
ابتسمت وهي تقول:
- حسيت بيك فطلعتلك يا آدم.
تنهد هو بتعب وقال:
- أنا تعبان أوي يا أمي. حاسس إن الدنيا حواليا متلخبطة. مش عارف أنا عايز إيه. وخايف أقع في غلط إني أظلم حد معايا. خايف آخد قرار وأدمر الشخص اللي معايا.
- تقصد مهرا؟
سألته، ولكن الأمر لم يكن مجرد سؤال. بدت متأكدة للغاية.
تنهد هو ولم يتكلم، لتكمل هي:
- أنا عارفة ومتأكدة أن جوازك من مهرا له سبب معين. مش جواز حب. بس أنا مش عايزة أعرف السبب. بس دلوقتي يا ابني، أنت حبيتها.
نظر إليها بصدمة، لتبتسم وتقول:
- عينيك دلوقتي بتلمع ليها، عكس أول ما اتجوزتها. كنت بحس في الأول أنها مفروضة عليك. لكن دلوقتي اللمعة اللي في عينيك ليها بتقول إنك بتحبها أوي.
ابتلع آدم ريقه ولم يتكلم.
لتنهض هي وتربت على كتفه قائلة:
- إحنا بنعيش مرة واحدة يا آدم. مضيعش سعادتك من إيديك. امسك فيها كويس.
كان يمسك صورتها والدموع تنساب من عينيه.
لقد ابتعدت عنه، غادرت دون رجعة.
اختارت آدم وتركته هو.
قلبه كان يؤلمه.
كان حقًا يموت من الألم.
هو من رباها.
شاهدها وهي تكبر.
دَلّلها وأحبها أكثر من حياته.
فكيف يأتي آدم بتلك السهولة ويخطفها منه؟
كيف؟
وكيف تختاره بتلك السهولة؟
كان قلبه يتمزق من الحزن عليها.
هي اختارت آدم.
أمسكت بكفه وتركت كفه هو.
بعد كل ما فعله.
لقد حاول دوماً أن يسعدها.
ولجت مروة المكتب وهي ترى عمها في تلك الحالة.
على الرغم مما فعله، إلا أنها تشفق عليه كثيرًا.
دموعها كانت تتساقط.
لقد عرفت أن مهرا اختارت آدم وتركته هو.
رغم ما فعله جابر عزام، إلا أنه حقًا أحب مهرا.
أحبها أكثر من أي شيء آخر.
هو فعل المستحيل لإسعادها.
وكما أنه من أنقذها من الفضيحة التي كادت أن تحدث لها بمساعدة آدم.
رباه، هي ممزقة ما بين الغضب منه والشفقة عليه.
عمها رجل كبير ولن يتحمل أن تبتعد عنه مهرا.
إذن ماذا تفعل؟
هل تكلم مهرا؟
هل تحاول إقناعها أن تكلم جدها؟
هل تفعل هذا؟
كانت مروة محتارة ماذا تفعل.
- عمي.
قالتها مروة بحزن.
مسح جابر دموعه وقال:
- بنتك اختارت آدم يا مروة. بنتك فضّلته عليا.
نظرت مروة لأسفل وقالت:
- اللي سمعته صعب يا عمي.
نهض جابر وهو يصرخ ويقول:
- أنا اللي ربيتها يا مروة. أنا اديتلها الحب والرعاية والاهتمام. أنا اللي اهتميت بيها. أنا اللي بروح ألم مصايبها. يبقى ده جزاتي في الآخر يا مروة؟ تبعد عني وتنفيني من حياتها!
ابتلعت مروة ريقها تشعر بالآسي على عمها، ولكن داخلها لا تلوم مهرا.
فما فعله جابر كان قاسي للغاية.
المشكلة أنه لا يعترف أبدًا أنه أخطأ في حق حسناء.
دائمًا ينظر إليها باحتقار.
حتى أنها يحملها مسؤولية موت زوجها.
عمها يتصرف بقسوة بالغة مع حسناء.
كان يجب أن يتقبلها قليلاً حتى يسامحه آدم.
ولكن يبدو أن هذا بعيد المنال الآن.
فآدم أصبح يكرهه أكثر.
لن تنسى أنه كاد أن يقتله عندما عرف بما فعله بوالدته.
وادم لديه حق أن يغضب ويثور.
فيكفي ما فعله جابر معهم.
نظرت إلى جابر التي دموعه تنساب بقهر وهو ينظر إلى صورة مهرا.
توجع قلبها لأجله.
رغم كل شيء، جابر هو من رباها.
هو من اهتم بها ودللها.
فعل الكثير من أجلها.
حاول دوماً حمايتها.
صعب عليه أن تتخلى عنه مهرا بتلك الطريقة.
هذا صعب.
تنهدت وقالت:
- هترجع يا عمي، متقلقش. مهرا أكيد بتحبك.
هز جابر رأسه وهو يمسح دموعه وقال:
- بنتك حبت آدم أكتر مني. قدامي مسكت إيده ورفضت تيجي معايا. مهتمتش بقلبي اللي اتكسر يا مروة. مهتمتش باللي رباها وحبها أكتر من حياته. اللي حقق لها كل طلباتها ولما وقعت هو اللي ساعدها. بنتك نسيت كل ده يا مروة.
أغمضت مروة عينيها بآسي وقالت:
- معذورة يا عمي، اللي سمعته صعب برضه ولا إيه؟ مهرا اتصدمت فيك، وبعدين أنت خليت الوضع أسوأ لما روحت لحسناء.
نهض جابر وهو يصرخ:
- لأن حسناء هي السبب في ده كله. أخدت ابني في الأول، ودلوقتي ابنها جاي ياخد حفيدتي. عايز ياخدها ويبعدها عني. هو بينتقم مني في مهرا، وهتشوفي يا مروة إن آدم هيدمرها عشان يحقق انتقامه. هو ورث سواد القلب من أمه. دي نتيجة تربية حسناء.
- إيه اللي أنت بتقوله على آدم يا عمي ده؟ حفيدك.
هز جابر رأسه وقال:
- لا، لا. آدم مش حفيدي. هو ابن الست دي، ابن حسناء. وحتى لو شفته ميت قدامي مش هتها. آدم انتهى بالنسبالي. انتهى لما اتجرأ ومد إيديه عليا.
في اليوم التالي.
نظرت إليه وهو نائم.
مررت يديها على وجهه.
ذقنه غير الحليقة أعطته جاذبية خطيرة.
ابتسمت كارما وقلبها يخفق بقوة.
هي تعيش أسعد لحظات حياتها الآن.
وكم تتمنى أن تدوم تلك السعادة للأبد.
تتمنى ألا ينكسر قلبها أبدًا.
اقتربت وهي تقبله على وجنته.
تشتم رائحته كالمهووسة.
فتح سامر عينيه وحاوطها بذراعيه وهو يقول:
- صباح الخير يا ملاكي. ما دام صحيت على وشك أكيد هيكون يوم حلو زيك.
قالها وهو يبتسم لها بسعادة.
رقص قلبها داخل صدرها.
لا تصدق أنه يقول لها هذا الكلام.
لا تصدق.
هل هي تحلم يا ترى؟
- إيه الكلام الحلو ده؟ تتحسد؟
قالتها كارما وهي تخفي خجلها منه.
نظر إليها وقال:
- يعني أقول كلام حلو مش عاجب؟ مقولش برضه مش عاجب. إنتوا الستات محدش فاهمكم عايزين إيه.
ضحكت وقالت:
- أنا عايزة كلام حلو.
- وأنا ههريكي كلام حلو يا ست البنات. بس بس، كل يوم هقرالك شعر.
اتسعت عينيها بشغف وقالت:
- إيه ده؟ أنت بتعرف تقول شعر؟
- لا، أنا مش رومانسي للدرجادي. أنا بس حافظ شوية لشعراء كده.
ابتسمت وقالت:
- مش مهم. المهم إنك الراجل الأجمل في حياتي كلها.
ضحك بمرح وقال:
- أنا كده هتغر، خلي بالك.
- يا سيدي، براحتك. أنت تعمل اللي أنت عايزه.
صمت قليلاً وهو يشعر بألم طفيف في قلبه.
أدرك أنه لا يستحق تلك المعاملة أبدًا.
لا يستحق هذا الحب.
كارما حقًا تحبه بكل كيانها.
أما هو، هو لا يبذل أي مجهود ليدخلها قلبه.
ذلك الخاطر أزعجه كثيرًا.
وجد نفسه يقول بصوت غريب:
- أنا آسف يا كارما. آسف.
عقدت حاجبيها بحيرة وقالت:
- ليه بتعتذر؟
تنهد ورد عليها:
- لأني مش قادر أحبك. أنتِ تستحقي أكتر من مجرد احترامي. أنتِ تستحقي أكتر من كده بكتير. تستحقي إني أحاول عشانك أكتر من كده.
ابتسمت بحزن وهي تنظر إليه.
أنه يؤلمها، ولكن لا يمكن أن تغضب منه.
يكفي أنه يحاول.
يكفي أنه يعاملها بلطف وباحترام.
وهي تكتفي بهذا.
والحب سوف يأتي.
هي لديها أمل كبير أن يحبها.
وسوف تسعى لتمتلك قلبه.
سوف تفعل كل الأشياء التي يحبها.
لن تدعه يتذمر منها.
أمسكت كارما كف سامر وقالت:
- يلا بقى يا كسلان عشان تروح الشغل. وأنا كمان أروح شغلي. أنا رايحة أجهز الفطار.
ثم ركضت من أمامه.
تجهم وجه سامر وهو يشعر بالضيق.
يشعر أنه يبذل مجهود جبار كي لا يشعرها أنها عبء عليه.
كما أنه متضايق من موضوع أنها تعمل.
هو لا يريد لزوجته أن تعمل.
هذا المبدأ مرفوض لديه.
يريد أن يكلمها عن هذا، ولكن لا يريد أن يحدث أي توتر بينهما الآن.
يكفي أنها قد اطمأنت إليه.
يكفي أنها بدأت تشعر مجددًا أنها سعيدة.
ولكن هذا الضيق ناحيتها لا يخف.
يشعر به يخ*نقه بقوة.
كانت كارما تعد الإفطار وهي تدندن بسعادة.
أنها تعيش أجمل لحظات حياتها الآن.
سامر يعاملها كالأميرات حقًا.
لم تتخيل حتى في أحلامها أن يعاملها بتلك الطريقة.
تستطيع أن تجزم الآن أن قريبًا سوف تتكون لديه مشاعر لها.
شهقت وهي تضحك عندما ضمها من الخلف وقال:
أتحدى.. من إلى عينيك، يا سيدتي، قد سبقوني
يحملون الشمس في راحاتهم
وعقود الياسمين..
أتحدى كل من عاشترتهم
من مجانين، ومفقودين في بحر الحنين
أن يحبوك بأسلوبي، وطيشي، وجنوني..
أتحدى.. كتب العشق ومخطوطاته
منذ آلاف القرون..
أن تري فيها كتاباً واحداً
فيه، يا سيدتي، ما ذكروني
أتحداك أنا.. أن تجدي
وطناً مثل فمي.. وسريراً دافئاً.. مثل عيوني
أتحداهم جميعاً..
خفق قلبها بعنف وقالت:
- دي قصيدة لنزار قباني. أنا بحبه أوي.
ابتسم وهو يقبل رقبتها ويقول:
- وأنا بحبه لأنك بتحبيه.
كيف يكون لديها شك بعد كل هذا أنه يحبها؟
أنه يحبها بكل تأكيد.
لا يستطيع إخراجها من عقله.
منذ الصباح وهو يفكر بها.
حاول كثيرًا أن ينشغل بالعمل، ولكنها ترفض مغادرة تفكيره.
ما زال يتذكر تقاربهم المجنون بالأمس.
استسلامها بين يديه ومبادلته قبلاته المجنونة.
لو لم يسيطر على نفسه في آخر لحظة، لكانت أصبحت زوجته رسميًا.
لكنه جعلها ملكه، ولم يكن ليتركها أبدًا.
ولكنه لن يكون أنانيًا لتلك الدرجة.
لن يحتفظ بها لنفسه.
لن يلزمها بأن تبقى معه.
هي لن تعتاد على حياته أبدًا.
وهو ليس لديه أي شيء ليقدمه لها.
هو لن يستطيع أن يسعدها.
إذن ليحررها منه.
صحيح أنها تخلت عن جدها من أجله.
ولكنها يومًا ما سوف تعود لحياتها.
يومًا ما سوف تكره حياته تلك.
فهي ليست معتادة على الشقاء.
وهو لا يستطيع أن يفكر بنفسه الآن.
مرام قد تتزوج، وهو بحاجة إلى كل فلس لكي يجهزها جيدًا ويرفع من شأنها أمام زوجها.
ليلى ما زالت في الكلية، وغدًا سوف يأتي نصيبها وستتزوج أيضًا.
وهو يجب أن يجهزها.
والدته مريضة وبحاجة له.
هو مكبل بالمسؤوليات.
وفتاة مثل مهرا لن تتحمل هذا.
وهو حقًا لا يلومها.
هي اعتادت على نمط حياة معين ولن يجبرها أن تتخلى عن تلك الحياة من أجله.
حتى لو كان يحبها.
حتى لو تألم عندما تذهب.
ولكن أبدًا لن يكون أنانيًا معها.
لن يسجنها في منزله، بل سيحررها منه.
وقريبًا جدًا.
رغم الألم.
رغم التحطم الذي يشعر به، إلا أنه لن يربطها به أبدًا.
- آدم.
صوت ضعيف ناداه.
عرف صاحبة الصوت قبل أن يرفع رأسه.
أغمض عينيه وهو يتنفس بضيق.
متى ستتركه؟
متى ستحل عنه؟
ألا يكفي المشاكل التي بحياته لتأتي هي وتجعل الوضع يسوء أكثر؟
رفع رأسه وهو يعطيها نظرة باردة جمدتها مكانها.
لمعت عينيها بالدموع وهي ترى البرود الذي يطل من عينيه.
رغم كل المخاطر أتت.
أتت لكي تتكلم معه.
أتت لأنها ما زالت باقية عليه رغم تجاوز زوجته معها.
انسابت دموعها أمامه، فلم يحرك ساكناً وهو ما زال ينظر إليها بضيق.
كان حقًا غاضبًا منها.
ما تفعله غير صحيح.
هي سوف تؤذي نفسها بتلك الطريقة.
- عايزة إيه يا ميار؟
قالها آدم بنبرة باردة تخفي براكين غضبه التي تكاد أن تنفجر بسببها.
شهقت وهي تبكي أمامه.
تريد أن تؤثر به، لعله يشفق عليها ولا يعاملها معاملة سيئة.
تريد أن ترى الحب بعينيه.
تريده أن يعود ويحبها.
- آدم، أنا بحبك صدقني.
- بس اسكتي يا ميار. اسكتي خالص. وبطلي الكلام اللي بتقوليه ده. خلاص مليت من جنانك. ولو سمحتي امشي من هنا.
شهقت وهي تقول:
- أنت بتطردني يا آدم؟ بتطردني أنا؟ إمتا بطلت تحبني يا آدم؟ معقول مراتك أثرت عليك بالطريقة دي؟ معقول نستك ميار، نستك حب ميار وخلاك تتخلي عني؟
اقترب منها واللهب في عينيه يتصاعد وقال:
- معلش، مين السبب اللي خلاني أبطل أحبك؟ قولي كده تاني؟ أنت بتعلقي غلطك على التانيين.
- آدم.
قالتها بانكسار.
ليقترب منها أكثر وهو يزعق بها:
- هو مين اللي اتخلى عن مين؟ أنا سبتك ولا أنتِ اللي سبتيني؟ مين اللي راح اتجوز أول عريس جاهز؟ مين اللي اتخلى عن مين يا ميار؟ انطقي.
صرخ بها في جملته الأخيرة، لترتعش بقوة ثم أكمل بحرقة:
- رغم إنك اتخليتي عني، بس عمري ما حسستك بالذنب يا ميار. سيبتك تختاري حياتك وأنا اخترت حياتي. مش من حقك تيجي دلوقتي وتحاولي تخربي جوازي. لأني عمري ما هدخلك حياتي بأي شكل من الأشكال. لو شفت وشك هنا تاني هقول لأبوكي.
تراجعت بصدمة ودموعها تتساقط.
كانت لا تصدق أن هذا هو آدم.
صرخ بها بعنف وقال:
- يلا اطلعي برا.
لتنفجر هي بالبكاء ثم استدارت لتركض خارج الورشة، وقد أحدث آدم جرحًا في قلبها لن يُشفى.
كانت مرام تقف مصدومة وهي تجد ميار تخرج باكية.
- دي ميار؟ معقول!
قالتها مرام بصدمة بعد ما خرجت ميار باكية من عند آدم.
تنهد آدم وقال:
- أيوه هي.
هزت مرام رأسها وقالت:
- آدم، دي متجوزة وأنت متجوز و...
برقت عينيه وهو ينظر إليها ويقول:
- مرام، أنا مش كده أكيد. ميار انتهت من حياتي، ويمكن شفتي إنها مشيت من هنا. وصدقيني مش هترجع تاني. أنا بحترم مراتي وهي لازم تحترم جوزها.
ابتلعت مرام ريقها وقالت:
- طيب، هي كانت عايزة إيه؟
تنهد وقال:
- مش مهم تعرفي يا مرام. خلاص الموضوع انتهى.
قالها آدم دون أن تكون لديه أي نية لشرح الوضع.
تنهد وهو يتذكر أنه قسى عليها.
أهانها كثيرًا وحطمها.
كان لا يريد أن يفعل هذا، ولكن ميار تجاوزت الحدود.
غير أنه غاضب بسبب ضعفه الغريب أمام مهرا.
وغاضب لأن ليس هناك أي فرصة ليكونا سويًا.
غاضب لأنها قد تتركه في أي وقت.
كان غارقًا في التفكير بينما شقيقته تنظر إليه وتتساءل لماذا عادت ميار لحياة آدم بعد أن دمرتها.
ما زالت تتذكر كيف كان حال شقيقها بعد أن تركته.
كان حقًا محطمًا.
أغرق نفسه بالعمل والتزم الصمت لفترة طويلة، ولكن كانت ترى الخراب في عينيه.
ترى الخذلان والخيانة.
حينها شعرت بالشفقة عليه وبالذنب أيضًا.
كانت تعرف أن آدم يحرم نفسه من الكثير كي يسعدها هي وليلى.
هو رفض أن يصرف أي فلس على نفسه من أجلهما.
لم يجهز لنفسه مكانًا ليتزوج به.
لم يدخر أي أموال من أجله أبدًا.
لم يفكر بنفسه من الأساس، وهذا دفع ميار لتركه.
رغم أنها حاولت إقناع نفسها أن هذا حقها، ولكن مرام حقًا كرهتها.
كرهتها وهي ترى الانكسار في عيني شقيقها.
لقد استغرق آدم وقتًا طويلاً جدًا لكي ينساها، وطيلة هذا الوقت كان ترى أخاها يتعذب لدرجة أنها خافت أن تحب كي لا ينكسر قلبها مثله.
فهي تعرف أن ادم عشق ميار حد الجنون.
لقد اعتبرها تخصه.
اعتبرها من عائلته.
ولكن ما الذي أتى بها في الوقت الذي تجاوزها شقيقها وتزوج من أخرى؟
هي حقًا لا تفهم.
هل أتت لتدمر حياة شقيقها؟
- متفكريش كتير يا مرام. قولتلك ميار مش هتيجي تاني، وخصوصًا بعد الكلام اللي سمعتهولها. متقلقيش على أخوكي. أنا مش ضعيف ولا غبي عشان أرجعها حياتي بعد ما اتخلت عني. خلاص ميار انتهت من حياتي وللأبد.
ابتسمت مرام براحة وقالت:
- متعرفش ريحتني قد إيه بكلامك ده. أنا مش عايزة أخوك يتجرح تاني يا آدم.
ابتسم وأمسك كفها قائلاً:
- متقلقيش يا بسبوستي، أنا كويس أوي.
ابتسمت مرام وقالت:
- أنا عايزة دايماً تكون مبسوط، خصوصاً مع مهرا، لأني واثقة أنها بتحبك بجد.
تجهم وجهه وقال، مغيرا الموضوع:
- خلينا نتكلم في المهم. أنا جبتك بعيد عن البيت عشان أقولك على اللي قاله أنس. وأنتِ طبعًا ليكي حرية الاختيار.
تنهدت مرام بتوتر وقالت:
- قول يا آدم.
- أنتِ كنتي تعرفي أن عنده بنت؟
هزت رأسها بالإيجاب وقالت:
- بس بصراحة معرفش هو مطلق ولا أرمل ولا إيه وضعه و...
قطعت حديثها فجأة ونظرت إلى آدم وقالت بصدمة:
- معقول يكون لسه متجوز عشان كده؟
هز آدم رأسه وقال:
- لا يا مرام، هو مش متجوز وملك مش بنته.
- إيه؟ مش بنته!
قالتها بصدمة ليتنهد آدم وهو يقص عليها كل شيء.
بعد أن انتهى من حديثه، نظر إلى المشاعر المتعاقبة على وجه مرام.
لقد صدمها الآن، خاصة بعدما أخبرها بالاتفاق الذي تم بين أنس وليل.
- مرام، أنا من رأيي أنس إنسان كويس جداً. وهو طلب تصبري عليه شوية. معرفش ليه، بس هو دخل قلبي بسرعة. لكن في الأول والآخر، القرار قرارك. فكري كويس.
هزت مرام رأسها وقالت:
- حاضر.
في منزل ميار.
كانت ميار في غرفتها تبكي بعنف.
كانت لا تصدق أن آدم يجرحها بكل تلك القسوة.
لطالما كان آدم قلبه أبيض.
يعاملها بلطف وحنان.
حتى عندما قررت تركه لم يفعل شيئًا، بل بارك لها بهدوء وتمنى لها السعادة.
ولكن اليوم.
اليوم هو حطمها تمامًا.
وكأنه كان يختزن ألمه منها في قلبه.
وأتت لحظة الانفجار.
تلك اللحظة التي صرخ بها وأخبرها بوضوح كيف يراها.
تلك اللحظة كسرت قلبها حقًا.
أرادت أن تلومه.
ترتمي بين ذراعيه وتبكي.
تشتكي مرارة ما تعيشه.
تتوسل إليه ليعود إليها.
ولكن الحب الذي كان بعينيه الزرقاء لها جف تمامًا.
كانت ترى بعينيه الغضب والكراهية.
إنها المرة الأولى التي ترى فيها آدم يكرهها بتلك الطريقة.
لقد عرفت الآن أن قلبه لم يعد لها.
كانت تكذب على نفسها.
تكذب وتقول إنه يحبها.
ولكن لا.
الكلام الذي قاله يخبرها بوضوح أنه تحرر من حبها.
تحرر في الوقت الذي هي ما زالت أسيرة حبه ولا تستطيع نسيانه.
ماذا تفعل الآن؟
كيف ستنساه؟
ربما لا يوجد أمل لها أن تعود لآدم.
ربما آدم ألقاها خارج حياته.
ماذا تفعل الآن؟
هل تجعل حياتها تتوقف؟
تعيش مع والدها وزوجته الكريهة؟
لا، لا.
هي سوف تجن لو عاشت معهم بكل تأكيد.
زوجة والدها تكرهها وسوف تجعل حياتها جحيمًا.
هي قد تجعل والدها يزوجها من رجل مسن.
هي لن تتوانى لحظة لكي تدمر حياتها، وهي لن تسمح بهذا.
يجب أن تنجي بنفسها.
رغم الألم الذي تشعر به الآن.
رغم قلبها المحطم على يد آدم، فهي يجب أن تفكر في نفسها الآن.
والشخص الوحيد الذي سوف ينقذها من هذا الوحل هو علي.
علي فقط.
صحيح أنه ارتبط بغيرها، ولكنها تعرف جيدًا أنه ما زال يعشقها بقوة.
بالتأكيد لو أخبرته أنها تريد العودة، فسوف يعيدها ويترك تلك الفتاة.
نعم.
علي يحبها وهو الوحيد الذي سوف ينقذها الآن.
نهضت وهي تمسح دموعها وتفكر ماذا تفعل لتعيد علي إليها.
هل تذهب إليه؟
أم تتصل به؟
لا، هي سوف تذهب.
وتخبره أنها نادمة جدًا على تركه.
وأنها تريد العودة لتصبح زوجته وتسافر معه وترضي بنصيبها.
فبعد الكلام الذي قاله لها آدم، لا تتوقع أبدًا أن يعود إليها.
بعد الكره الذي رأته، لا تتوقع أن حياة مشتركة سوف تجمعهم.
اتجهت لخزانتها ثم أخرجت قميص نسائي وبنطال أسود واسع لكي ترتديهم.
بعد قليل.
كانت تقف أمام المرآة وهي تضع بعض مساحيق التجميل على وجهها.
ابتعدت ونظرت إلى نفسها لتبتسم وقد استحسنت شكلها.
كانت رائعة للغاية.
ابتسامتها تضيء وجهها الجميل.
سحبت حقيبتها وخرجت من الغرفة.
وقفت في صالة المنزل وهي تجد والدها ينظر إليها بغضب.
تراجعت بخوف وهي تبتلع ريقها وقالت:
- فيه إيه؟
- أنتِ رحتي لآدم النهاردة؟
ابتلعت ريقها وكادت أن تنفي، إلا أن والدها اقترب وصفعها بعنف وقال:
- إياكي تكدبي، لأن علياء شافتك خارجة من عنده.
مطت علياء شفتيها وقالت:
- إحنا اتفضحنا في الحي كله يا عثمان. بنتك جابت لنا العار. راحت ورشته، والله أعلم إيه اللي حصل بينهم.
نظرت ميار إليها وهي تصرخ:
- اخرسي يا حرباية يا صفرا أنتِ. أنا أشرف منك يا قليلة الشرف يا أحقر خلق الله.
- شوف قليلة الرباية. اللي اتطلقت من جوزها وجاية تكمل الفضيحة وتروح لآدم ورشته عشان تحط راس أبوها في الطين.
غلى الدم في عروق عثمان ليجذب ميار من شعرها ويقول:
- عقابك معايا هيكون كبير يا ميار.
ثم سحبها خلفه لغرفتها وهو يصرخ:
- هاتي المقص يا علياء.
- بابا، بابا هتعمل إيه؟
أمسك عثمان المقص من يد علياء وجذب شعرها وقال:
- هتشوفي دلوقتي أنا هعمل إيه.
ثم بدأ بقص شعرها.
في المساء.
كانت تجلس في غرفتها تنتظره.
يجب أن تتكلم معه وتضع النقاط على الحروف.
يجب أن تعرف وضعها معه لكي تقرر.
فهي لن تحارب من أجله إلا عندما تتأكد أن هناك مشاعر داخله لها.
أغمضت عينيها وهي تتذكر تقاربهم بالأمس وكيف كانت سعيدة للغاية وهي بين ذراعيه.
شعرت حقًا أنها تنتمي إليه.
وكأنها خلقت له.
كأن قلبها خُلق لآدم.
ولكن تصرفه بعد ذلك جرحها بقوة، وهي يجب أن تعرف سبب تصرفه هذا.
ستستجمع شجاعتها وتتحدث معه بكل صراحة.
ستعرف لماذا فعل هذا.
مهما كانت الإجابة صعبة، سوف تتحملها.
سوف تتحمل الحقيقة ما دامت طلبتها.
نظرت إلى الساعة وقدرت أنه قد يأتي بعد عشر دقائق.
وكلما مرت الدقائق كان قلبها يصرخ داخل صدرها بقوة.
كانت حقًا خائفة من الإجابة التي سوف تنالها منه.
هل يا ترى سوف يجرحها؟
أم آدم سوف يتعامل معها بلطف كما كان يتعامل معها دوماً؟
بلطف وتفهم.
هل سيعتذر عن تصرفه أم سيتصرف ببرود؟
كل تلك الأسئلة كانت تدور في عقلها لدرجة شعرت أن رأسها سوف ينفجر من التفكير.
تنهدت مهرا وقالت:
- يارب ساعدني. أنا حاسة إن هيحصل حاجة وحشة. يارب ساعدني.
انتفضت قلبها داخل صدرها وهي تسمع باب الغرفة يُفتح.
نهضت وقلبها يصرخ داخل صدرها.
كانت يديها ترتعش وهي تنظر إلى ملامحه المغلقة.
كان متباعدًا كثيرًا، وقد فهمت هذا.
لم ينظر إليها حتى، بل اتجه إلى خزانته وأخرج ملابسه، ثم خرج من الغرفة متجهاً إلى الحمام ليأخذ دشًا سريعًا.
ولج إلى الحمام ووضع ظهره على الباب وهو يضع كفه على قلبه.
يعلم أنها تريد التحدث معه.
ولكنه غير مستعد أبدًا أن يتكلم الآن.
هو مشوش للغاية.
يشعر أنه لو تكلم، سوف يجرحها وهو لا يريد أن يفعل هذا.
يريد أن يرتب أفكاره أولًا كي يكلمها.
كي يجعلها تفهم وجهة نظره.
فهي لا تنتمي لهذا المكان.
لا تنتمي إليه.
فكر وقلبه يعتصر من الألم.
معرفة هذا جعلته يتعذب.
للأسف، لقد أدرك أنه يكن لها مشاعر.
مشاعر قوية.
تأثيرها عليه كبير، ولكن تأثير ضميره أكبر.
وضميره يخبره ألا يظلمها.
تنهد وهو يبدأ بخلع ملابسه كي يستحم.
بعد قليل، كان قد انتهى وولج لغرفته، لتنهض هي وتقول:
- ليه اتأخرت يا آدم؟
تنهد وهو يستعد للذهاب إلى النوم قائلاً:
- أهو جيت يا مهرا. كان ورايا شغل كتير.
ابتلعت ريقها وقالت:
- حابة أتكلم معاك شوية.
- مينفعش، الموضوع يتأ...
قاطعته وهي تقول بصرامة:
- لا، مينفعش. لازم نتكلم. لازم.
أخيرًا استعاد سيطرته على نفسه وقال وهو ينظر إلى عينيها العسلية:
- اتفضلي يا مهرا.
تنهدت وهي تستجمع شجاعتها المبعثرة وتقول:
- عايزة أعرف أنا وضعي إيه يا آدم. أنا إيه في حياتك؟
- أنتِ مراتي وليكي احترامك لحد ما ترجعي لحياتك و...
- بس أنا اتخليت عن حياتي عشانك. مسكت إيديك ووقفت قصاد جدي وقولت: هعيش هنا معاك طول حياتي. أنا مسكت إيديك وانت عايز تتخلي عني في الوقت اللي أنا اتمسكت بيك.
ابتلع ريقه وقال:
- بس بيننا اتفاق يا مهرا. أنا اتفقت إني أرجعك سالمة بيتك بعد ما تخلص قصة جوازنا. فخلينا نمشي على خطتنا الأصلية.
ثم كاد أن يذهب من أمامها، إلا أنها أمسكت ذراعه وقالت:
- طيب، ليه مفتكرتش خطتنا الأصلية وانت بتقرب مني امبارح؟ نسيتها ليه؟ ليه بتعمل معايا كده؟ ليه مش قادر تفهم أنا... أنا...
- متكمليش. متكلميش.
قالها بانفعال ثم أكمل:
- أنتِ بتد*مري حياتك معايا. قوليلي، واحدة زيك هتقدر تعيش معايا طول حياتها إزاي؟ أنا معنديش حاجة أقدمهالك يا مهرا. أنا وهبت نفسي لعيلتي. مش من حقي أفكر في نفسي وأسيبهم، ولا حقي أتمسك بيكي وأظلمك. صدقيني، المشاعر اللي جواكِ دي هتروح بسرعة، ويبقى قدامك الواقع البشع إنك عايشة مع واحد معندوش حاجة يقدمها ليكي. واحد مش هيقدر يحقق أحلامك. مش أنا أمير أحلامك يا مهرا.
بعد يومين.
اليوم سوف تكون ملكه.
اليوم سوف تتنعم بحبه.
اليوم سوف تكون أسعد امرأة على الوجود.
فكرت حياة وهي تنظر إلى انعكاسها في المرآة.
كانت تبدو رائعة جدًا في فستان زفافها.
السعادة التي على وجهها كانت كافية لتزيينه، فلم تضع الكثير من مساحيق التجميل.
كان قلبها يرقص داخل صدرها.
بعد دقائق سوف يأتي أحمد وسوف يكتبان الكتاب لتصبح له رسميًا.
قررا أن تكون الحفلة في المنزل.
لقد استغنت عن حلمها بصنع حفل زفاف كبير لأنه طلب هذا.
إنها المرة الأولى التي تنفذ طلبات أحدهما وهي في غاية السعادة هكذا.
ولكن أحمد ليس أي أحد.
أحمد هو مالك قلبها.
حبها الأول والوحيد.
الشخص الذي مستعدة أن تمنحه حياتها وليس قلبها فقط.
ابتلت عينيها بدموع السعادة.
كانت خائفة أن يكون كل هذا مجرد حلم.
طرقة خفيفة على الباب أخرجتها من شرودها.
- اتفضل.
قالتها بصوتها الرقيق ليدخل جلال، صديق والدها المقرب، وهو من سيكون وليها.
ابتسمت حياة له ليقترب منها جلال وعينيها لامعة بالدموع ويقول:
- أكيد عصام هيكون مبسوط دلوقتي وهو بيشوفك أجمل عروسة في العالم يا حياة.
ابتسمت حياة ووجنتيها تشتعلان بالخجل.
أمسك جلال كفها وقال:
- يالا يا بنتي، المأذون جه والعريس زمانه على وصول.
هزت حياة رأسها ومسحت الدموع التي سقطت على وجنتها بسرعة.
ثم تأبطت ذراعه وخرجت معه.
في صالة شقتها الراقية.
جلست حياة على الأريكة ومعها صديق والدتها.
بعد قليل سوف يصل أحمد، وفي المساء سوف يأتوا ببعض المدعوين ليقيموا حفلة بمناسبة عقد القران.
نظرت للساعة الكبيرة المعلقة على الحائط لتجد أن أمامه بالضبط خمس دقائق ويصل.
أمسكت هاتفها وهي تتصل به، ولكنها عقدت حاجبيها وهي تجد هاتفه مغلقًا.
رغم القلق الذي كان ينهش قلبها، إلا أنها حاولت طرد ذلك الشعور.
ربما نسي أن يشحنه بسبب حماسه.
مرت الخمس دقائق.
ثم عشرة.
ثم نصف ساعة.
ثم ساعة كاملة، وأحمد لم يظهر.
كان القلق ينهش قلبها.
الدموع تتصاعد في عينيها وهي تدعو بكل قلبها أن يكون كل شيء على ما يرام.
نظرت إلى جلال بقلق ليقترب منها ويقول:
- خير يا بنتي، متقلقيش. أكيد فيه حاجة عطلته وهييجي.
هزت رأسها وهي تنهض ممسكة فستان زفافها، بينما تحاول الاتصال به، ولكن هاتفه مغلق كالعادة.
مرت ساعة أخرى بين قلق من حياة وجلال وضيق المأذون.
- يا بنتي، هو العريس إمتى هييجي؟ أنا مش فاضي، ورايا كتب كتاب.
قالها المأذون لحياة.
ارتعشت حياة بقوة وهي تتمسك بفستان زفافها، بينما أحمد لم يظهر بعد.
بينما مئات الأفكار السيئة تدور في عقلها.
لا، لا.
لا يمكن أن يكون هذا حقيقيًا.
مستحيل أن يتخلى عنها أحمد بتلك الطريقة المهينة.
حبست دموعها بقوة وقالت:
- أكيد جاي دلوقتي يا شيخ، بس ممكن يكون الطريق زحمة.
- يا بنتي، أنتِ من ساعة قولتيلي نفس الكلام. طيب، اتصلي بيه.
هزت رأسها وهي تتمسك بالأمل:
- حاضر. حاضر، هتصل بيه.
أمسكت هاتفها ويديها ترتعش، ثم حاولت الاتصال به.
وكما توقعت، وجدت الهاتف غير متاح كالمرات السابقة.
انسابت دموعها وقلبها يرتعش داخل صدرها.
اقترب منها جلال وهو يقول:
- قوليلي بيت أهله فين وأنا أروح أشوفه يا حياة. متخافيش، أكيد حصلت حاجة وعطلته.
نظرت إليه وكادت أن ترد عليه، إلا أن رنين الجرس جعلها تنتفض.
ضحكت حياة وهي تبكي وقالت:
- أهو جه يا عمو.
ثم اتجهت لتفتح الباب بسرعة ولهفة، ولكنها توقفت وهي ترى شابًا غريبًا.
ابتسم الشاب ابتسامة غريبة وقال:
- أكيد أنتِ حياة. أحمد بعتلك الرسالة دي معايا.
أخذت منه الورقة التي كان مكتوب فيها بخط عريض:
اسف، مش هقدر اتجوزك.
فتحت مهرا الباب وهي تبتسم محاولة تخبئة حزنها، لتفشل في هذا.
عرفت والدتها من الوهلة الأولى أن ابنتها حزينة بشكل غريب.
وقد أوجع هذا قلبها.
- نورتينا يا ماما.
قالتها مهرا بابتسامة لم تصل لعينيها، ولكنها جاهدت لتظهر بمظهر المرأة السعيدة.
ولكن والدتها عرفت أنها تدعي، وقررت ألا تسألها الآن.
ابتسمت مروة وهي تضم ابنتها إليها وتقول:
- وحشتيني يا مهرا.
ثم ابتعدت عنها لتجد حسناء في صالة المنزل.
ابتسمت مروة وقالت:
- الله، إحنا بقينا حلوين أهو.
اقتربت مروة ثم ضمت حسناء إليها.
ابتسمت حسناء لها وهي تقول بصوت لم يُشفَ بعد من أثر التعب:
- الحمد لله، نورتينا يا مروة.
- حبيبتي، ده نورك والله. خدي دي حاجة بسيطة ليكي.
ثم قدمت لها عبوة فاخرة من الشوكولاتة.
- بتتعبي نفسك ليه؟
قالتها حسناء وهي تبتسم بلطف.
- لا، لا، دي حاجة بسيطة كده.
هزت حسناء رأسها وقالت:
- طيب، اتفضلي واقعدي.
ثم جلست مروة هي وحسناء يتكلمان.
كانت مهرا تنظر إليهما وهي تبتسم بحزن.
هي عشقت تلك العائلة الجديدة لها، ولكن يظهر أن وجودها غير مرحب به.
آدم لا يريدها.
بعد حديثهم الأخير، أدركت هذا.
هو يريد أن يبعدها عنه.
غير مهتم بقلبها الذي تحطم بفعل كلماته تلك.
يظن أنها لن تطاق الحياة معه.
لقد تخلت عن جدها من أجله.
قبلت أن تعيش هنا.
أحبت حياته لأنها أحبته.
ألا يعني هذا أي شيء له؟
لماذا قرر بتلك القسوة أن يبعدها عنه؟
كانت حقًا حزينة ويائسة وغاضبة منه.
لاحظت مروة بعينيها أن مهرا حزينة.
وأيضًا حسناء لم يُخفِ عنها هذا الحزن.
ابنها الغبي مصمم على التخلي عن سعادته، ولكنها لن تسمح له بهذا.
صحيح أنها تركته اليومين السابقين ولم تكلمه بسبب مرضها وكي تتركه على راحته قليلاً.
ولكن يجب أن تتحدث.
ابنها يدمر حياته بتلك الطريقة.
هو يظلم نفسه.
يهتم بالجميع على حساب نفسه.
وما يفعله خاطئ جدًا.
تعرف أنه لا يريد لأحد من إخوته أن يُحرم من شيء، ولكنه يجب أيضًا أن يفكر بنفسه.
هو لديه حق على نفسه أيضًا، وخصوصًا أنه تزوج ومهرا لديها حقوق أيضًا.
هي تفهم أن آدم قد يعتقد أنه سوف يظلم مهرا لو بقي متزوجًا منها.
خاصة أنه لن يستطيع أبدًا أن يجعلها في نفس المستوى الذي اعتادت عليه.
ولكن الفتاة لا تتذمر، وهي قد تقبلت حياتها مع آدم.
إذن ما المشكلة؟
انتهت مروة من زيارة حسناء وولجت حسناء لغرفتها، تحججت أنها تريد الراحة كي تتكلم مهرا مع والدتها.
- شكلك مش مبسوط يا مهرا.
قالتها مروة لابنتها.
وتلك الكلمة كانت كالقشة التي قصمت ظهر البعير.
انفجرت مهرا بالبكاء وهي تشعر بقلبها يتمزق من الألم.
شدتها مروة إليها وهي تضمها بقوة وتقول:
- كنت حاسة بيكي. قوليلي يا بنتي إيه اللي مزعلك.
آدم؟
لم ترد مهرا، ففهمت مروة الأمر وأبعدت مهرا عنها وهي تمسك وجهها وتقول:
- الموضوع بسبب جدك؟
هزت مهرا رأسها ودموعها تتساقط أكثر وقالت:
- أنا بحب آدم يا ماما. بحبه أوي.
ابتسمت مروة وهي تربت على شعرها الأشقر وتقول:
- طيب، وإيه المشكلة يا مهرا. إيه المشكلة إنك تحبيه.
- المشكلة إنه مبحبنيش.
قالتها بحرقة.
لترد والدتها وتقول:
- آدم اللي قالك كده؟ قالك مبحبكيش؟
هزت رأسها وقالت:
- مقالش كده. قالي كلام فاضي. قالي مش هتستحملي العيشة معايا. قالي إنه معنديش حاجة أقدمهالي واني بظلم نفسي معاه. بيحاول يبعدني عنه. أكيد عشان حبيبته ظهرت بيتحجج عشان يبعد.
شدت مروة على كفها وقالت:
- أنتِ شايفة آدم من النوع ده؟ شايفاه كده؟
هزت مهرا رأسها وقالت:
- المشكلة إنه مش كده، فمش فاهمة.
ابتسمت مروة وقالت:
- يبقي توريه يا مهرا إنك هتستحملي وإنه واخد عنك فكرة غلط تمامًا.
خرجت ليلي من الجامعة وهي تشعر بالتعب بعد يوم طويل.
ابتسمت بحزن.
لقد اشتاقت لصديقتها ميار.
ميار للأسف مريضة ولم تأتِ منذ يومين.
حقا، الكلية ليس لها طعم من غيرها.
من بعيد كان أحدهم يراقبها بالسيارة.
نظر أحد الشباب وقال:
- أهي لوحدها. دي الفرصة الوحيدة عشان نخط*فها. جهزوا نفسكم يا شباب، مش عايز أي غلط. هنخدرها ونوديها لمروان بيه.
- تمام.
أخرج الشاب زجاجة المخدر ومحرمة من القماش.
ساروا بالسيارة خلفها، منتظرين الوقت المناسب للهجوم عليها.
أخيرًا سارت ليلي في شارع هادئ.
قررت اليوم ألا تستقل عربة لتوصلها.
سوف تتمشى.
هي تريد أن تصفي ذهنها.
تعتقد أن هناك مشاكل بين آدم ومهرا.
ترى الحزن بعيني مهرا، بينما شقيقها متباعد.
- كل ده بسبب الحرباية الصفرا ميار، الله يارب تموت ونخلص منها. أنا مش عارفة إزاي آدم حب واحدة زي دي. أخويا فعلاً دماغه تعبانة.
فكرت ثم وضعت كفها على شفتيها وقالت:
- آدم لو سمعني بقول كده عليه هيعلقني من رقبتي. الحمد لله إنه مسمعنيش.
ضحكت ليلي وهي تفكر أن تفعل أي شيء لحل الخلاف بينهما، حتى لو اضطرت أن تنتف شعر تلك المدعية ميار.
صحيح أنها كانت لا تطيق مهرا أبدًا، ولكن الآن هي حقًا أحبتها.
فمهرا تمتلك قلبًا طيبًا وروحًا طاهرة.
هي لا تبدو كما تدعي، لا تبدو تلك المدللة المستهترة.
فهي قد تحملت المسؤولية وقت مرض والدتها ولن تنسى لها هذا أبدًا.
كما أنها تركت جدها من أجل آدم.
تركته عندما عرف ماذا فعل مع والدتهم.
هي فقط تتمنى أن يدوم زواجهما للنهاية.
آدم لا يتكلم، ولكن من الواضح حقًا أنه يحبها.
لقد رأت هذا في عينيه الأيام الفائتة.
رأت كيف ينظر إليها خلسة.
عينيه تفضحان مشاعره.
يظن آدم أن لا أحد يفهمه، ولكنه مفضوح أمام الجميع.
الجميع عرف مشاعره تجاه مهرا، حتى عم محمد صاحب البقالة الذي أسفل عمارتهم.
صحيح، شقيقها ذكي، ولكنه أحمق في الأمور التي تتعلق بالعشق.
هو لا يستطيع أن يخفي مشاعره.
هو يحبها، ولكن يحتاج إلى دفعة.
وهي سوف تتولى تلك المهمة.
فكرت بفخر وهي تسير بسعادة وعلى وجهها ابتسامة حلوة مثلها.
نظرت خلفها فجأة عندما سمعت صوت ما، وجدت ثلاث شبان يمسكان زجاجة ومحرمة.
وخلفهم سيارة.
وفهمت بسرعة ماذا يحدث.
لذلك بسرعة حاولت الهروب والركض منهم.
أحدهم صرخ وقال:
- الحقها يا كارم. لو هربت، مروان بيه هيطين عيشتنا.
ركض خلفها الشاب، وقبل أن تخرج من الشارع الهادئ، أمسكها الشاب لتصرخ هي، ولكنها صف*عها بعنف حتى وقعت على الأرض واغمي عليها.
بعد قليل.
كانت ليلي تنام على فراش مروان، بينما مروان يصرخ بهم:
- أنا مش قولتلكم محدش يأذيها يا بها*يم. غوروا من وشي دلوقتي.
هز الشباب رأسهم وغادروا بخوف.
ليتنهد مروان عدة مرات بعنف، ثم يستعيد سيطرته وهو ينظر إلى ليلي الفاقدة الوعي ويقول:
- بعد الليلة دي يا ليلي، مش هتقدري تقوليلي لا تاني.