مرت ثلاثة أيام وشمس في منزلها ترفض الخروج أو رؤية أي أحد. ما فعلته لم يكن سهلاً عليها أبدًا، لكنها اضطرت لفعله. اضطرت أن تثأر لكرامتها، وأن تأخذ حقها منه كاملاً. أغمضت عينيها تتذكر تلك الليلة، تتذكرها بكل شغفها. تلك الليلة ستظل محفورة في ذاكرتها إلى الأبد، لن تنساها طالما حييت. رن هاتفها فحملته لتجد إياد يتصل بها. زفرت أنفاسها بضيق ثم أجابت على الهاتف: "أهلاً إياد، ماذا تريد؟ أجابها إياد بتعجب من نبرتها المتضايقة:
"ما بكِ يا شمس؟ تبدين أنكِ لستِ بخير." بالكاد سيطرت على دموعها وهي تجيبه: "أنا بخير، فقط أشعر بقليل من التعب." "شمس، لا تكذبي علي، صوتك يقول أنكِ لستِ بخير." ردت بضيق: "لا تلح علي يا إياد، أخبرتك بأني بخير." "حسناً، لا تتضايقي، أنا فقط أردت الاطمئنان عليكِ." صمت لوهلة قبل أن يكمل: "لقد اتصل بي السيد رياض، يريد منا أن نذهب إليه لنتحدث بأمر الصفقة." "ألم نتحدث مسبقاً واتفقنا وقتها على كل شيء؟
"نعم، ولكنه يقول إن هناك أشياء أخرى يجب أن نتحدث بها." تنهدت بصوت مسموع وقالت: "حسناً، سوف أجهز نفسي ونذهب إليه. بعد قليل سأكون عندك." أغلقت الهاتف دون أن تنتظر ردًا ونهضت من مكانها متجهة إلى خزانة ملابسها لاختيار ملابس عملية مناسبة لهذه الزيارة، فاختارت بدلة عملية مناسبة مع حذاء بكعب عالٍ. *** استيقظ رائد من نومه على صوت رنين هاتفه. نهض بسرعة من وضعيته الممددة ما إن رأى اسم المتصل. ضغط على زر الإجابة وقال:
"أهلاً سيدي رياض." جاءه رد رياض: "أهلاً بك يا رائد، أين كنت يا رجل؟ ثلاثة أيام لم تأتِ إلى الشركة." أجابه رائد باعتذار: "آسف حقًا، ولكنني أخذت إجازة من سكرتيرتك لأني كنت مريضًا جدًا." "أعلم هذا، كيف حالك؟ هل أصبحت أفضل الآن؟ "أفضل بكثير." قالها رائد وهو ينهض من مكانه ليأتيه صوت رياض قائلاً: "ما رأيك أن تأتي إلى الشركة الآن؟ بعد قليل ستأتي السيدة شمس ونتناقش بشأن بعض الأمور التي تخص الصفقة."
لم يعرف رائد بماذا يجيب وكيف يتصرف. هو بين خيارين لا ثالث لهما. إما أن يقوي نفسه ويرى شمس ويثبت لها أنها لم تعد تعني شيئًا له وأنه غير مهتم بما حدث. أو لا يذهب إلى الشركة ويثبت لها كم ضعفه وقلة حيلته. لم يكن يعرف ماذا يجب أن يفعل. "رائد، أين ذهبت؟ أفاق رائد من شروده على صوت رياض ليقول معتذراً: "أنا هنا، اعتذر شردت قليلاً." ثم أكمل وقد حسم أمره واتخذ قراره: "سوف أكون في الشركة خلال نصف ساعة." "جيد، وأنا في انتظارك."
أغلق رائد الهاتف واتجه إلى الحمام ليأخذ دشاً سريعاً، فهو سيذهب إلى الشركة ويقابل شمس وليحدث ما يحدث. *** كان رائد يقود سيارته متجهاً إلى الشركة حينما شرد بما حدث بينه وبين شمس. إلى الآن هو غير قادر على استيعاب ما حدث. لا يصدق أنها كانت تحاول الانتقام منه. يعترف بأنه ظلمها يومًا وجرحها، قسا عليها دون أن يدري. ولكن ما فعلته هي كان صعبًا للغاية، ولا يمكن أن ينساه بسهولة.
عاد بذاكرته إلى الخلف قليلاً وتحديدًا إلى عدة سنوات مرت ليتذكر ما حدث في ذلك اليوم اللعين وكيف انتهى به المطاف وحيداً. كان في الشركة يمارس عمله حينما رن هاتفه باسم والدته تخبره بأن زوجته في المشفى ووضعها سيء. لم يفهم ما الذي حدث ولم يرد أن يفهم، فكل ما فكر به أن يذهب إليها ويراها. ركض مسرعاً خارج الشركة وركب سيارته. قاد سيارته بجنون حتى وصل إلى المشفى بسرعة قياسية. وجد والدته هناك بجانبها أخته.
سألهم عن زوجته فاخبرته والدته أنها في غرفة العمليات. جلس على أحد الكراسي الموجودة في المكان وهو يدعو ربه أن تخرج سالمة. بعد دقائق نهض من مكانه واتجه نحو والدته مستفسراً منها عما حدث. تلعثمت والدته في الإجابة إلا أنها قالت بالنهاية: "لقد فقدت توازنها ووقعت من فوق الدرج." شعر رائد بوجود شيء غريب في حديث والدته لكنه قرر الانتظار حتى تخرج زوجته من غرفة العمليات.
بعد حوالي نصف ساعة خرج الطبيب ومعالم وجهه لا تبشر بالخير أبدًا. اقترب رائد منه بسرعة وسأله بلهفة وقلق شديدين عن حال زوجته ليأتيه الرد الصادم. نهى فقدت جنينها الذي لم يكتمل نموه بعد النزيف الشديد الذي دفع الأطباء لإجهاضه. جن جنون رائد بما سمعه بينما أخذت والدته تواسيه هي وأخته. حينما استيقظت نهى وعلمت بما حدث جن جنونها هي الأخرى وأخذت تبكي وتصرخ وتدفعه بقوة. حاول رائد تهدئتها، ضممها إليه بقوة وهو يقول:
"اهدئي حبيبتي، اهدئي أرجوك." إلا أنها دفعته بقوة وهي تقول بانهيار: "أنت السبب، لقد مات ابني بسببك، قتلت ابني، تلك الحقيرة قتلته وأنت لم تفعل بها شيئًا." "ماذا تقولين يا نهى؟ من تقصدين؟ أجابته من بين دموعها ولهاثها: "شمس، وهل يوجد غيرها؟ "نهى، لا تهذي، ما علاقة شمس بما حدث؟ "وتدافع عنها أيضًا، هي من دفعتني من فوق الدرج، أرادت أن تتخلص مني ومن ابني." جحظت عينا رائد بصدمة مما سمعه. لا يصدق أن شمس قد تفعل هذا بنهى.
نهض من مكانه وخرج متجهاً إلى والدته وأخته قائلاً لهما: "هل شمس هي من دفعت نهى من فوق الدرج؟ أجيبوني." تحدثت أخته بنبرة مترددة: "هي لم تقصد يا أخي، بالتأكيد لم تكن تقصد." اعتصر رائد قبضة يده بقوة وتحرك بسرعة نحو المنزل وهو يتوعد لشمس بالكثير. أفاق رائد من ذكرياته حينما وجد نفسه قد وصل إلى مقر الشركة. هبط من السيارة واتجه إلى الداخل وهو على أتم الاستعداد لرؤيتها مرة أخرى بعدما حدث.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!