بعد مرور خمس سنوات ... وقفت أمام مرآتها تتأمل تفاصيل إطلالتها للمرة الأخيرة. كانت إطلالة راقية للغاية، مكونة من تنورة سوداء قصيرة بالكاد تصل إلى منتصف فخذيها، فوقها قميص من الشيفون الأبيض عاري الأكتاف، يغطيه سترة سوداء اللون ذات أزرار فضية. ارتدت حذاءها ذا الكعب العالي، ثم أخذت تسرح شعرها الطويل بعناية قبل أن تضع عطرها المفضل وتخرج من منزلها متجهة إلى الشركة.
دَلفت إلى الشركة لتتجه عيون جميع الموظفين نحوها، فهي رئيسهم وصاحبة هذه الشركة الضخمة. تقدمت نحو المصعد وضغطت على أحد أزراره لينفتح الباب تلقائيًا بعد لحظات. دلفت إلى الداخل وضغطت على زر الطابق الأخير. وصلت إليه بعد لحظات لتهبط من المصعد وتتجه نحو مكتبها، فتجد سكرتيرتها في انتظارها. ألقت التحية عليها وقالت بنبرتها العملية المعتادة: "هل الجميع في الداخل؟ أومأت سكرتيرتها وهي تجيبها بجدية: "جميعهم في انتظارك."
توقفت لحظات قبل أن تقول: "هل حجزت لي تذكرتي سفر إلى إيطاليا كما اتفقنا؟ أومأت السكرتيرة وهي ترد عليها: "نعم، حجزت." تنهدت بصمت قبل أن تتحرك متجهة إلى قاعة الاجتماعات حيث ينتظرها الجميع هناك لبدء الاجتماع. ... جلست في مكتبها بعدما انتهى الاجتماع وهي تتنهد بتعب. لقد قضت وقتًا طويلاً وهي تتناقش مع موظفيها بكثير من أمور العمل.
أغمضت عينيها للحظات، سرعان ما انتهت وهي تفتحها على صوت ضجة غريبة في الخارج. خرجت مسرعة لتجد اثنتين من الموظفات تتعاركان سوياً وصوت صراخهما يعلو في أرجاء المكان. وبصرخة واحدة منها جعلتهما تتراجعان فورًا عما تفعلانه، ثم أخذت تنهرهما بضيق قبل أن تأمر بفصلهما من العمل. في هذه الأثناء، تقدم أحدهم منها متسائلاً بتعجب: "ماذا يحدث يا شمس؟ ولما كل هذه الضجة؟ أجابته شمس وهي تتجه نحو المكتب مرة أخرى:
"دعنا ندلف إلى الداخل أولاً، وسوف أخبرك بكل شيء." أخذ الشاب يقهقه عالياً بشكل أغاظ شمس التي نهرته بضيق: "كف عن الضحك يا إياد. مالذي يضحك فيما قلته؟ أجابها وهو يجاهد لكتم ضحكاته: "لقد تحولت الشركة إلى سوق هرج." زفرت شمس أنفاسها بضيق وهي تضع وجهها بين كفي يدها، لينتهض إياد من مكانه ويقترب نحوها متسائلاً: "ما بك يا شمس؟ تبدين متعبة." رفعت شمس بصرها في وجهه قائلة بنبرة متعبة:
"تعبت يا إياد. أشعر بأنني أتحمل ما هو فوق طاقتي. الشركة ضخمة وتحتاج إلى جهد كبير." ربت إياد على كتفها قائلاً بنبرة مواسية: "أعلم هذا، ولكن لا حل أمامك سوى التأقلم مع هذا الوضع. أنت ما زلت في بداية مشوارك، ومن الطبيعي أن تتعبين كثيراً وتشعرين بالعجز." أومأت شمس برأسها قبل أن يكمل إياد وهو يغمز لها بعبث: "ما أخبار الرحلة؟ ابتسمت قبل أن تجيب بجدية: "كل شيء جاهز. سوف ننطلق مساء اليوم."
هز إياد رأسه متفهماً، ثم قرر الاتجاه إلى منزله للتجهيز من أجل رحلته. ... أمام أمواج البحر العالية كان يقف هو والذكريات تلفحه من جميع الجوانب. ذكريات مرت عليها سنين طويلة، لكنها ما زالت تعصف به وبذاكرته. عودة إلى الوقت الماضي...
(نهضت شمس من مكانها وهي تغطي جسدها بغطاء السرير والدموع اللاذعة تغرق وجهها. تطلعت بعيون منخفضة إلى رائد الذي يجلس على السرير مولياً ظهره العاري لها ورأسه منخفض نحو الأسفل. لا يصدق ما فعله. كيف فعل بها شيئاً كهذا؟! كيف استغل براءتها وسذاجتها بهذا الشكل المخزي؟! هل ستعذره؟ هل ستتفهم أسبابه؟ بالتأكيد لا. مسح وجهه بكفي يده والتفت نحوها قائلاً بنبرة مترددة خافتة: "أنا آسف.")
مسحت شمس دموعها بأناملها ورفعت أنظارها في وجهه أخيراً قائلة بصوت باكي: "بل أنا من يجب أن أعتذر." اندهش من كلامها وتقدم ناحيتها ماسحاً دموعها بأنامله متسائلاً بقلق: "لماذا تعتذرين؟ أجابته من بين نشيجها وتنهداتها: "لأنني تصرفت كطفلة صغيرة وبكيت." حملق بها بدهشة بينما أكملت هي بجدية: "أنا لست غبية يا رائد وأفهم جيداً أن ما حدث طبيعي بين أي زوجين." تنهد رائد بصمت ثم قال بجدية: "أنا آسف يا شمس... آسف يا صغيرتي...
لكنني أعدك بأنني لن أكرر ما حدث إطلاقاً." تهلل وجهها بشكل مزق قلبه: "حقاً؟ أومأ برأسه دون أن يجيب، بينما نهض من مكانه وارتدى قميصه وخرج، تاركاً شمس ضائعة لا تعرف كيفية التصرف في وضع كهذا. أغمض عينيه وهو يتنهد بألم. لقد كان هذا بداية انقطاع الخيط بينهما. بداية البعد والفراق. ("لماذا لم تخبرها بأن والدها توفي منذ يومين؟ كان حديث المحامي وطريقته المؤنبة كافية لجعل رائد ينفجر في وجهه ويقول:
"وكيف تطلب مني أن أخبرها بشيء كهذا وهي لم تخرج من صدمة ما حدث بيننا بعد؟ زفر المحامي أنفاسه بضيق، بينما أكمل رائد: "أساساً لا أصدق كيف طاوعتك وفعلت ما فعلته." تحدث المحامي بنبرته الجدية العملية: "سيد رائد، لم يكن أمامك حل آخر سوى هذا. أم كنت ترغب بأن يسيطر أعمامك على أملاك المرحوم بعد أن يكشفوا أمر زيجتكم المزيفة؟ تطلع إليه رائد بنظرات غير مقتنعة، ليكمل المحامي حديثه:
"ما حدث هو الصحيح. أنت أنقذت الفتاة من طمع أعمامها." "أحاول أن أقتنع بما تقوله، لكنني لا أقدر." نهض المحامي من مكانه وأخذ يربت على كتف رائد قائلاً: "صدقني سيد رائد، أنت لم تفعل سوى ما هو صحيح." "معك حق." قالها باختصار وهو ينهض من مكانه متجهاً إلى منزله ليرى شمس ويخبرها بوفاة والدها. ... عودة إلى الوقت الحاضر.
جلست شمس على الكرسي المخصص لها في الطائرة بجانب إياد. كورت قبضتيها بقوة حينما بدأت الطائرة في الارتفاع، ليقبض إياد على كف يدها محاولاً التقليل من خوفها، فهو يعرف مدى خوفها من الطائرات. تنهدت براحة حينما ارتفعت الطائرة في الفضاء الواسع، بينما حرر إياد يدها من قبضته.
أغمضت شمس عينيها محاولة منها للنوم أو التقليل من التوتر الذي تشعر به. وبدلاً من النوم، أخذت الذكريات تعود إليها بقوة. ذكريات أبت أن تتركها. ذكريات لا تخص وحدها، بل تخص آخر تعلق قلبها به رغماً عنها. (كانت شمس تجلس في غرفتها تتتابع التلفاز بملل شديد حينما دلف رائد إليها. كانت هذه المرة الأولى التي تراه بها بعدما حدث. فمنذ رحيله، ليته أو بالأحرى هروبه، وهو يتجنب اللقاء بها. نهضت من مكانها مصدومة من
وجوده لتسأله بعدم تصديق: "رائد، ماذا تفعل هنا؟ تطلع إليها رائد بنظرات حزينة قبل أن يقول بجدية: "شمس، هناك شيء مهم يجب أن تعرفيه." شعرت شمس بالقلق مما سيقوله، فقالت بنبرة متوترة: "تحدث. ماذا حدث؟ أغمض رائد عينيه للحظات قبل أن يفتحها ويقول بصوت متشنج: "لقد توفي عمي يا شمس." رمشت شمس بعينيها عدة مرات تحاول أن تستوعب ما سمعته. أخذت تهز رأسها نفياً والدموع تهطل من عينيها بغزارة. دموع لا إرادية. "شمس...
" قالها رائد وهو يقبض على كتفيها محاولاً إسنادها، إلا أنها كانت رافضة لتصديق ما تسمعه، فظلت تهز رأسها نفياً رافضة تصديق ما سمعته قبل أن تنهار باكية بين أحضانه. أفاقت شمس من ذكرياتها المؤلمة على صوت المضيفة تسألها عن وجبة الطعام التي تفضلها، لتمسح دمعة يتيمة تدحرجت على وجنتها دون إرادة منها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!