شهقت شمس بقوة حينما وجدت ذراعي رائد تحيط بها. تلاشت صدمتها تدريجيا وهي ترى عينيه تحدقان بها وفيهما الكثير من التساؤلات. "ماذا تفعل أنت؟! " قالتها وهي تحرر جسدها من بين ذراعيه. ليرد رائد بتساؤل هو الآخر: "أنا من يجب أن أسأل... ماذا تفعلين أنت هنا؟! تراجعت إلى الخلف مرددة بتلعثم: "أنا جئت ل... قاطعها بجدية: "جئت لرؤيتي... أليس كذلك؟! رفعت ذقنها عالياً وأجابت: "نعم، أتيت لأراك...
أنا فقط أردت أن أعرف منك بعض الأمور التي تخص الصفقة." "لقد ناقشنا جميع الأمور يا شمس... لا أظن أن هناك شيء آخر يجب أن تعرفيه." شعرت بالخجل يغزوها، فهم بالفعل ناقشوا كل شيء في الاجتماع. سخرت من نفسها وغبائها وعدم قدرتها على اختراع كذبة مناسبة، ومما ضاعف من خجلها نبرة رائد الساخرة وهو يقول: "حاولي أن تجدي كذبة أفضل مرة أخرى." همت شمس بالتحرك مبتعدة عنه، فقبض على ذراعها قائلاً: "إلى أين...
هل تظنين أن دخول الحمام مثل خروجه؟! التفتت شمس ناحيته وقالت بجدية: "اتركني." لكنه رفض أن يتركها وقال: "حينما تخبريني بسبب مجيئك لي سوف أتركك." زفرت أنفاسها بغيظ وقالت بعناد: "لن أخبرك... هل ستبقيني طوال الوقت هنا؟! "هل اشتقت لي؟! " سألها بابتسامة. لترد بضيق: "بالطبع لا... ما هذا الذي تقوله؟! ثم أردفت بجدية: "اتركني يا رائد." "ولكنني اشتقت لك يا شمس... " قالها بصدق جعلها تبتسم بتهكم وهي ترد: "إلى ماذا اشتقت بالضبط...
إلى غبائي أم حقارتي... "شمس أرجوك... "لا تقل شيئاً يا رائد... فقط اتركني." قالها وهي تحاول فك يدها من حصار يده. ليقول بقهر: "ألهذه الدرجة أصبحت لا تطيقين البقاء معي؟! تطلعت إليه بنظرات مستاءة وقالت: "نعم... أنا لا أطيق البقاء معك." تطلعت إليه بنظرات متأملة قبل أن يحررها، فتبتعد هي بسرعة عنه وتتجه خارج مكتبه، تاركة إياه يصارع رغبته في تحطيم أي شيء يراه أمامه. عاد رائد إلى منزله والقهر والألم ما زالا يسيطران عليه.
تذكر نفورها الواضح منه وضيقها من وجوده، فشعر بألم أكبر يعتصر قلبه. دلف إلى غرفته ورمى بجسده على السرير. أخذ ينظر إلى سقف الغرفة بتأمل، بينما صورتها ترتسم أمامه. لقد تغيرت كثيراً... أصبحت امرأة بحق... لم تعد تلك المراهقة الساذجة التي تزوجها يوماً. باتت جميلة بشكل لا يصدق... مغرية... أنيقة... والأهم من ذلك واثقة من نفسها لأبعد حد. هل بات الآن يريدها ويفكر بها؟ أم أنه بات يحبها فعلاً؟
ألم تكن أمامه ملك يديه وهو خسرها بغبائه؟ اعتدل في جلسته وأخذ يتذكر إحدى المواقف التي جمعته بها حينما كانت زوجته.
(كانت قد مرت أيام أخرى على ما حدث آخر مرة بينه وبين شمس. عاد خلالها يبيت مع شمس بعدما طلب والده منه ذلك من باب العدل بين زوجتيه. كان يومها قد عاد متعباً من عمله ودلف إلى غرفة شمس ليجدها ترتدي قميص نوم أسود اللون، لكنه يختلف عن الآخر الذي ارتدته في المرة السابقة. كان أقصر وأكثر جرأة. جلس على السرير وهو يتطلع إليها مأخوذاً بها وبمظهرها الجديد. كانت قد صففت شعرها القصير ووضعت المكياج الخفيف على وجهها. تغيرت كلياً. كانت
تحاول أن تجذبه لنحوها بأي طريقة، فاخذت تسير أمامه وهي تتعمد رفع قميص نومها قليلاً. محاولاتها الفاشلة لإغرائه أضحكته بقوة. كانت تتجول أمامه وهي ترتدي قميص نوم قصير يبرز قوامها النحيل بنعومة تليق بها. كانت تتعمد أن تبرز ساقيها من تحته وكأنها ستغريه اتجاهها بهذه الطريقة. لاحظت ضحكاته التي يحاول كتمها بصعوبة، فاخذت تضرب الأرض
بقدميها وهي تقول بإحباط: "تباً... تبًا... فشلت مرة أخرى." اقترب منها أخيراً بعدما توقف عن ضحكاته. أحاط كتفيها بذراعيه وقال هامساً لها: "ماذا حدث يا صغيرة... لماذا توقفت عن إغرائي... لقد كنت مستمتعاً للغاية بما تفعلينه." رمته بنظرات مشتعلة قبل أن تهمس بصعوبة: "أنا أفعل ما تقوله ماما سميحة." زفر أنفاسه بغيظ من والدته وتدخلاتها التي لا تنتهي ليقول بنبرة جادة: "اسمعيني يا صغيرة... كفي عن الاستماع لما تقوله والدتي...
أنتِ أرق بكثير من أن تقومي بتصرفات كهذه... أليس كذلك؟! أومأت برأسها وهي بالكاد تخفي دموعها، ليسألها بقلق: "ماذا حدث الآن..؟! لماذا تبكين... أجابته من بين شهقاتها: "لأنني أحبك ولا أعرف كيف أثبت لك هذا." قرصها من وجنتها وقال: "لست بحاجة لإثبات هذا... أنا أعرف أنك تحبينني كأخ لك مثلما أنا أحبك كأخت لي." كظمت غيظها منه ومن كلماته الأخيرة لتنهض من مكانها وهي تقول بإيجاز: "إذاً لأنام فقد تأخر الوقت قليلاً."
ثم قالت مؤنبة إياه بتلك النبرة التي بات يعرفها عن ظهر قلب: "تصبح على خير يا أخي." وكأنها تتعمد تذكيره بأنها ليست أخته وأنه ليس بأخيها... تلك الصغيرة تعرف جيداً كيفية تأنيبه... يكفي أنها تتعمد تذكيره دوماً بأنها جزء أساسي من حياته لا يستطيع التخلي عنه ولو مهما حدث.) ابتسم لمرأى تلك الذكرى وتذكره إياها، ثم نهض من مكانه وقد عقد العزم على فعل شيء ما... أي شيء ربما يعيدها إليه... طفلته الصغيرة. في مساء اليوم التالي...
دَلفت شمس إلى قاعة الحفل الذي دعاها عليه رياض وهي تتأبط ذراع إياد. كانت ترتدي فستان سواريه أسود طويل يصل إلى كاحلها، مطعم بحبات من اللؤلؤ الفضي. كانت تسير بثقة بين المدعوين وهي توزع ابتسامتها المتكلفة عليهم. اختفت ابتسامتها لا إرادياً وتجمدت في مكانها وهي ترى رائد يقف بجانب إحدى السيدات التي توليها ظهرها، ويبدو أنه مندمج في حديثه معها لدرجة أنه لم ينتبه إلى مجيئها.
شعر إياد بضيقها وتجمدها، فلكزها من ذراعها لتنتبه إليه أخيراً. وجدت رياض يتقدم منهما ويحييهما بحرارة. ثم ما لبث أن قبض على كف يدها متقدماً بها نحو إحدى الطاولات، معرفاً إياها على مجموعة من رجال الأعمال. مر الوقت سريعاً ورائد لا يزال مندمجاً في حديثه مع تلك المرأة. زفرت شمس أنفاسها بضيق ونهضت من مكانها تبحث بعينيها عن إياد، فوجدته مندمجاً هو الآخر في الحديث مع إحدى الفتيات.
شعرت برغبة في تنفس القليل من الهواء، فخرجت إلى الشرفة الخارجية لقاعة الحفل لتستنشق القليل من الهواء، علها تنجح في استعادة توازنها والسيطرة على مشاعرها التي تبعثرت في حضرة وجوده. شعرت فجأة بوجود شخص ما خلفها... شخص تعرفه جيداً... تشعر به دون أن يتحدث. التفتت بسرعة لتجده أمامها يطالعها بابتسامة هادئة رف قلبها لها. "ماذا تفعلين هنا؟! " سألها وهو ما زال محتفظاً بابتسامته. لتعقد
حاجبيها وهي ترد عليه بنزق: "وما علاقتك أنت؟! زفر أنفاسه ببطء ثم اقترب منها ووقف بجانبها يتطلع إلى ضوء القمر الصافي. "شمس... "نعم... "سوف أضربك على مؤخرتك كما فعلت مسبقاً إذا رأيتك ترتدين فستان كهذا مرة أخرى." جحظت عيناها بصدمة مما قاله، ثم احمرت وجنتاها خجلاً مما تسمعه، لترد بخفوت: "لن تستطيع أن تفعلها." "لماذا؟! " سألها بتعجب. لترد بحدة: "لأنني كبرت على عقوباتك المتكررة." "وما الدليل على هذا؟!
فغرت فاها بدهشة مما تسمعه. هل يريدها أن تثبت له بأنها كبرت؟! ولكن كيف... تطلعت إليه ببلاهة وقالت: "كيف... ماذا تعني؟! أجابها بخبث: "أثبتي لي بأنك كبرتِ.... عادت وسألته بعدم فهم: "لكن كيف... اقترب منها وهمس لها ببضعة كلمات، احمرت وجنتاها على أثرها بشدة، ثم ما لبث أن ضربته على كتفه وهي تصرخ به: "أيها السافل عديم الأخلاق! وضع كف يده على فمها بسرعة قائلاً: "هش! اخرسي... سوف تفضحيننا."
أبعد كف يده عن فمها، فأخذت تعدل من هيئتها، بينما أخذ هو يطالعها بسعادة لشعوره بأن الأمور باتت تتحسن بينهما. في هذه الأثناء، دَلفت امرأة إلى الشرفة واقتربت من رائد تسأله بضيق واضح: "رائد أين اختفيت؟! "من أنت؟! " سألتها شمس بسرعة وهي تقترب من رائد بعدما وجدتها نفس المرأة التي كانت تقف معه طوال الوقت. أجابها رائد بسرعة: "هذه ميسون زميلتي في العمل... ثم عرف ميسون عليها: "هذه شمس... ابنة عمي و..... "وطليقته...
" قالتها شمس وهي تبتسم ببرود، لينقل رائد بصره بينها وبين ميسون المغتاظة. هم بالحديث، إلا أن شمس قبضت على ذراعه وقالت بتعب مفتعل: "رائد أشعر بالقليل من التعب.... "ما بك... " سألها بلهفة. لتجيبه بتردد: "لا أعلم... هناك دوار شديد يسيطر علي... يجب أن أعود إلى المنزل." ثم أردفت وهي تمسك يده: "هل ممكن أن توصلني إلى المنزل... "بالطبع... " قالها رائد بسرعة وهو يسير بها خارج الشرفة تحت أنظار ميسون المصدومة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!