أفاقت شمس من ذكرياتها على صوت النادل وهو يتقدم منهما لأخذ طلباتهما. أخبراه بما يريدان، بينما عاد أياد مركزًا بصره عليها متسائلاً بجدية: "إذا... ألن تخبريني بسبب كل هذا الحزن والكآبة؟ "لا أستطيع... حقًا لا أستطيع." "بماذا تفكرين إذا؟ أجابته: "بيوم طلاقي من رائد... وكيف انتهى بي الوضع مطرودة من بيت عمي؟ عاد أياد هو الآخر بذاكرته إلى الخلف وتذكر كيف جاءت شمس له منهارة باكية تخبره بأن رائد طردها من المنزل.
كانت وقتها سعادته لا توصف كونها لجأت إليه، وزادت سعادته أضعافًا حينما علم بأنه طلقها. لم تمر ساعة حتى جاء عمها إليه يريدها أن تعود إلى المنزل، موعدًا إياها بأنه سيتصرف مع ابنه ويوقفه عند حده. لكن شمس رفضت بقوة، وبالرغم من محاولات عمها لإقناعها، إلا أن رفضها هذا لم يقل. مر يومان آخران وشمس تعتكف غرفتها ترفض الخروج أو رؤية عمها. إلا أن المفاجأة الكبرى كانت حينما جاء رائد بنفسه في اليوم الثالث وهو يريد رؤيتها.
وعلى غير ما توقع أياد، وافقت شمس على مقابلته لتجده في وضع مزري للغاية. وبالرغم من ألمها لأجله، إلا أنها لم تظهر له ولو قليلاً من هذا الألم. اعتذر لها عما حدث وأنه ظن بها سوء، فهو قد علم الحقيقة كلها بعدما سمع نهى وهي تحكي لوالدتها في الهاتف ما فعلته بشمس بالصدفة البحتة. اكتشف حينها حقيقة المرأة المتزوج بها.
وحينها لم يتحمل ما سمعه فقرر تطليقها فورًا، خاصة بعدما كانت تتحدث مع والدتها عن ضيقها منه ومن تصرفاته الخانقة بالنسبة لها وعجزه عن توفير متطلباتها. وبالرغم من اعتذاره من شمس ومحاولاته العديدة لإصلاح ما حدث بينهما، إلا أنها رفضت وبقوة. كانت شمس حينها قد تغيرت كثيرًا وبدأت تتصرف بطريقة مختلفة عما اعتادت أن تفعله. فقد تخلصت من برائتها وسذاجتها تلك، وكان لرائد الفضل الكبير بهذا.
مرت الأيام وعلاقة شمس بأياد أصبحت قوية للغاية، كما عادت شمس إلى منزلها وقررت أن تسكن به. وهكذا طورت شمس من نفسها وأثبتت وجودها تدريجيًا في مجال الأعمال والصفقات التجارية. أفاق أياد من شروده على صوت النادل وهو يضع أطباق الطعام أمامهما، ليبتسم لها قبل أن يقول: "تناولي طعامك، فأنت تبدين جائعة للغاية." "معك حق، فأنا لم أتناول طعامي منذ أكثر من يومين."
قالتها شمس وهي تتناول القليل من الحساء الموضوع أمامها، قبل أن تبدأ بتناول الطعام بشهية مفتوحة. بعد مرور شهرين. تطلعت إلى وجهها الباهت في المرأة بقلق شديد. لقد تقيأت كالعادة. لقد بات القيء الصباحي عادة ملازمة لها بشكل يومي. أغمضت عينيها وبدأت تأخذ نفسًا عميقًا وتزفره ببطء. وضعت كف يدها على صدرها تحاول الحفاظ على تنفسها. خرجت من الحمام وهي تشعر بألم غريب في جسدها.
قررت الذهاب إلى الطبيب فربما تكون مصابة بأنفلونزا أو ما شابه. وبالفعل كانت لدى الطبيب بعد حوالي ساعة، والذي بدأ يفحصها. انتهى الطبيب من فحصها لتنهض شمس من مكانها وتتجه نحوه تسأله بقلق: "ماذا هناك دكتور؟ أخبرني." تحدث الطبيب بنبرة هادئة وابتسامة مريحة: "لا يوجد شيء يستدعي القلق يا شمس... مبروك، أنت حامل." تجمدت الكلمات على شفتيها ولم تستوعب ما سمعته.
حاولت التحدث أو نطق أي شيء، لكنها لم تستطع فعل شيء سوى أن تخفض رأسها أرضًا. وكأنها خجلة من أن تضع عينيها في وجه الطبيب. خرجت وهي تكاد لا ترى أمامها، تفكر في وضعها وما وصلت إليه. ظلت يومين تلتزم فراشها ترفض أن تقابل أحد أو تتحدث مع أي شخص. حتى أياد تجاهلت اتصالاته وتجاهلته كليًا. بعد مرور يومين آخرين، نهضت من مكانها وقد عقدت العزم على رؤيته. هو والد الطفل وشريكها بما حدث ويجب أن يعلم بكل شيء.
غيرت ملابسها بسرعة وخرجت من المنزل متجهة إلى الشركة التي يعمل بها. دلفت إلى داخل الشركة واتجهت إلى مكتبه الذي زارته مسبقًا. لكنها لم تجد أحدًا به. سألت السكرتيرة عنه لتخبرها بأنه مسافر في رحلة عمل ولن يعود إلى نهاية الأسبوع القادم. لتعود خائبة إلى منزلها وهي تفكر بأن عليها الانتظار لأسبوع آخر حتى يعود رائد وتخبره بكل شيء. أوقف أياد سيارته أمام منزل شمس.
هبط من السيارة ورن الجرس لتفتح الخادمة الباب له وتخبره بأن شمس جالسة في صالة الجلوس. تقدم أياد نحوها وهو يقول: "هل جننت يا شمس لتختفي بهذه الطريقة؟ مطت شمس شفتيها ثم قالت باستياء: "هذا أفضل حل لمن هم في مثل حالتي." "حالتك؟ ما بها حالتك؟ رمته بنظرات مترددة قبل أن تقول بجدية: "أياد أنا بحاجة لك." "ماذا حدث يا شمس؟ أخبريني." تساءل أياد بقلق من نظراتها الخائفة وترددها الواضح، ليسمعها تسأله بنبرة جادة: "أياد...
هل تتزوجني؟ اتسعت عينا أياد بدهشة لما يسمعه. لحظات قليلة وأخذ يقهقه عاليًا بشكل أغاظ شمس التي وقفت وهمت بالرحيل: "أنا مخطئة لأني تحدثت معك وطلبت منك هذا." "تعالي اجلسي هنا واشرحي لي سبب طلبك العجيب هذا." قالها أياد وهو يمسك بكف يدها لتجلس على مضض وتقول بتعب وقلة حيلة: "أياد أنا في مصيبة ولا أعرف كيف أتصرف." انتقل القلق إلى أياد الذي سألها: "احكي لي بسرعة ماذا حدث؟ رمته بنظراتها الخائفة قبل أن تقول بخفوت: "أنا حامل."
"ماذا؟ صرخ بها أياد بعدم استيعاب لتهز شمس رأسها مؤكدة ما قالته. "كيف حدث هذا؟ "هل سأشرح لك الآن؟ الحل الوحيد أن أتزوج وفي أسرع وقت... وإلا سأفضح." "كفي عن طريقتك هذه... تتعاملين مع الأمور وكأنك في مسلسل تركي أو هندي." ثم أردف بجدية: "وماذا عن رائد؟ أخبريني... هل أخبرتيه بالأمر؟ هو والد الطفل ويجب أن يعرف بوجوده." "كيف عرفت؟ "عرفت ماذا؟ "بأن الطفل من رائد." كاد أياد أن يشد شعره من غبائها ليقول بنفاذ صبر:
"أجيبي على سؤالي." هزت رأسها نفيًا، بينما حمل هو هاتفها الموضوع على الطاولة وقال: "اتصلي به حالًا." هزت رأسها نفيًا بعناد، فهدر بها بقوة: "قلت اتصلي به." أخذت منه الهاتف على مضض واتصلت برائد. لحظات قليلة وأغلقت الهاتف ليشحب وجهها كليًا، بينما تقول هي بعدم استيعاب: "رائد تزوج... تزوج بميسون." ثم فقدت وعيها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!