الفصل 7 | من 41 فصل

رواية عش العراب الفصل السابع 7 - بقلم سعاد محمد سلامه

المشاهدات
18
كلمة
7,582
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 17%
حجم الخط: 18

غادر النبوي وأخذ معه تلك الطفلة، وترك همس مع كارم بالكافيه. نظر كارم لها قائلاً: ألا تعلمين حبيبتي كم مرة فكرت في الانتحار كي ألحق بكِ ونتقابل بين شظايا النيران نحترق سوياً؟ لكن كان القدر رسم لي البقاء كي تعودي إلي. تبسم كارم قائلاً:

اقلعي النقاب اللي على وشك يا همس، أظن مبقاش له لازمة بعد كده تخفي وشك عني. أنا كان عندي إحساس إنك هاميس بنت عمي، يوم ما لمحتك في المقابر يوم جواز سلسبيل وقماح. ولقاءاتنا بعد كده مكنتش صدف، أكيد كانت من ترتيب مين الله أعلم. رفعت همس النقاب عن وجهها وقالت: لقائنا مرة تانية كان من ترتيب القدر يا كارم، فاكر كنت بتقول لي إيه دايماً؟

"هاميس هي العروسة اللي كان الفراعنة بيرموها في النيل كل سنة عشان الخير يفيض بعد كده. بس هاميس مماتتش، فضلت عايشة في القلوب، إنها رمز للعطاء والتضحية." تبسم كارم قائلاً: وإنتي ضحيتي ليه بحياتك قدامنا يا هاميس؟ ليه رضيتي تبقي ميتة خا... لم يُكمل كارم الكلمة، واسترد حديثه قائلاً: احكي لي الحكاية من الأول يا هاميس. وهتصدقني يا كارم؟ هكذا ردت همس. نظر لها كارم قائلاً:

لو مكنش عندي ثقة إنك بريئة يا همس، مكنتش اتعذبت الفترة اللي فاتت وكنت نسيتك بسهولة جداً. شيلي النقاب، رغم إن وشك عمره ما فارق خيالي، بس وحشتني بسمة وشك يا همس. رفعت همس النقاب عن وجهها وقالت بشعور الهزيمة: بسمتي اختفت يا كارم. بالفعل نظر كارم لملامح همس، شعر بغصة قوية في قلبه. صورة وجهها كما هي، لكن اختفت عينيها اللتان كانتا تضويان ببريق الطفولة، حتى بريق الطفولة انطفأ. أمامه وجه صبية عابس، تحسر قلبه وقال:

احكي لي من أول الحكاية يا همس. نظرت له همس قائلة: عاوز أنهي حكاية فيهم؟ حكاية إني إزاي عايشة وبتنفس لغاية دلوقتي رغم إني حاسة إن قلبي ميت وحياتي انتهت، ولا الحكاية التانية، حكاية همس اللي اتوصمت بكلمة... خا... قبل أن تكمل همس الكلمة تحدث كارم: ابدأي بأي حكاية فيهم يا همس. غص قلب همس وقالت: هبدأ بحكاية إزاي إني لسه عايشة. *** في إحدى غرف المنزل. كانت همس موضوعة على طاولة.

دخلت هداية إلى الغرفة من أجل أن تقوم بتغسيل جسدها ومن ثم تكفينها. دخلت بقلب منفطر، إحدى الزهرات التي تربت على يديها. عقلها لا يصدق ما حدث قبل قليل، ولا حتى أن همس ارتكبت تلك الخطيئة بإرادتها. هي من ربت حفيدتيها وربتهن على العفة، سواء عفة النفس أو عفة البدن. الوجع يتضاعف بقلبها، ليس وجع بل فجع، فجيعه كبيرة تقتسم بقلبها.

اقتربت بدموع تسيل من عينيها كزخات مطر، كحال الطقس الممطر. كان السماء هي الأخرى تبكي لوجيعة قلب هداية. أصبح جسد همس مسجى أمامها مباشرة. كلما رفعت يدها لا تستطيع أن تصل إلى جسد همس بسرعة، تعود لجوارها. لكن وقع بصرها على جسد همس، لاحظت ما زالت الدماء تندفع منها بغزارة، كما أنها سمعت صوت أنين خافت للغاية. اعتقدت أنها تتخيل ذلك.

لا تعرف سبب لما مدت يدها بسرعة وضعتها فوق جرح همس الذي ينزف. شعرت بنبض يكاد يضيع. نظرت لوجه همس، رأت شفاها انفرجت تئن بلا صوت. مسحت دموع عينيها واستقوت قائلة: همس، إنت لسه عايشة، لسه فيكي الروح. أنت همس وكأنه الأنين الأخير، بالفعل بعدها صمتت همس. وضعت هداية يدها على قلب همس، ما زال هناك نبض ضعيف. فتحت ملابسها سريعاً، رأت مكان الرصاصة واندفاع الدماء منها.

أتت بأقطان وقامت بوضعها فوق الجرح، حاولت كتم غزارة الدماء كي ترى مكان الجرح. لكن فوجئت الرصاصة قريبة من القلب كثيراً. عليها التصرف سريعاً. أتخرج وتقول لهم أن همس ما زالت حية وتعطيهم أملاً، واهياً سرعان ما يزول.

فكر عقلها وقلبها معاً بسرعة. أخرجت ذلك الهاتف الخلوي القديم الطراز وقامت بالضغط على زر الاتصال لأحد الأرقام الموجودة على الهاتف. وقفت تنتظر الرد الذي بنظرها تأخر، فهذا الرنين الثاني، لكن بنظرها لحظة تفرق بعودة همس للحياة أو مغادرتها نهائياً. سمعت رد عليها فقالت بلهفة: إنت فين يا نبوي؟ مبتردش عليا من أول رنة ليه؟ رد النبوي متعجباً:

أنا رديت على طول. أنا داخل عالوحدة الصحية أجيب دكتور يكشف على همس عشان أطلع تصريح الدفن وشهادة الوفاة. ردت هداية بتسرع: مالوش لازمة. ارجع للدار بسرعة، تعالالي من الباب الوراني للأوضة اللي دخلنا فيها همس، بسرعة بجولك.

قالت هداية هذا وأغلقت الهاتف، واقتربت من جسد همس مرة أخرى. وضعت يدها على عنقها، هناك ما زال النبض. كان القطن الموضوع على جرحها قد غرق من دمائها. أزاحت ذلك القطن ووضعت غيره تضغط عليه بقوة. لولا خوفها لقامت بفتح جسد همس وأخرجت تلك الرصاصة من جسدها، علّ خروجها ينهي هذا النزيف. لكن مهما كان لديها قلب جامد وبعض المهارات، لكن لم تصل لتلك الخبرة التي تحتاجها همس الآن. تحتاج ليد طبيب متخصص. وقبل الطبيب تحتاج إلى معجزة ليست بيد أحد سوا الله.

بالفعل بعد دقائق معدودة دخل النبوي من باب الغرفة المطل على الحديقة تحدث بنهجان: في إيه يا أمي؟ خلتيني ليه أرجع قبل ما أوصل للوحدة وأجيب الدكتور. ردت هداية بهدوء قليل اكتسبته من خبرتها السابقة: همس لسه فيها الروح. ذُهل النبوي قائلاً: بتقولي إيه؟ إزاي! ردت هداية: مش وقت إزاي دلوقتي. دلوقتي لازم نحاول ننجدها، يمكن ربنا ياخد بيدها. ووجدتها تظهر الحقيقة.

اقترب النبوي من الطاولة الموضوعة عليها همس ووضع يده على عنقها. انذهل حين شعر بنبض تحت يده. تبسم بتلقائية لا يعرف كيف وقال: فيها الروح صحيح. هطلع أقول لناصر ومرته. مسكت هداية يد النبوي وقالت: النبض ضعيف يا نبوي. بلاش تديهم أمل كداب. خدها للمستشفى، ونشوف الدكاترة هتقول إيه. يلا بسرعة يا ولدي، الوقت مش في صالحها. النزيف مش عمال يتوقف. نظر النبوي لهداية وقال: وهطلعها إزاي من الأوضة قدام اللي موجودين بالدار.

فكرت هداية قائلة: استنى يا ولدي. قالت هذا وآتت بملاءة ولفت بها جسد همس وقالت له: اطلع هات العربية جدام باب الأوضة بسرعة. بالفعل لم ينتظر النبوي، وخرج وآتى بالسيارة أمام باب الغرفة الخلفي. حمل همس سريعاً وخرج بها من الغرفة ووضعها بالسيارة. أشارت له هداية أن ينطلق سريعاً. بسرعة الرياح كان يسير النبوي بالسيارة ووصل إلى إحدى المشافي الخاصة. دخل إلى الاستقبال يحمل همس، ينادي بصوت جهور على أحد أن يأتي إليه للمساعدة.

دلوه على غرفة الاستقبال، طلب النبوي التعامل السريع معها. وبالفعل تدخل الأطباء وحولوها إلى العمليات مباشرة. وقف النبوي أمام باب غرفة العمليات ينتظر. الوقت لا يمر. بعد دقائق من دخول همس لغرفة العمليات، خرج أحد الأطباء قائلاً: المريضة النبض ضعيف للغاية، وممكن في أثناء العملية تموت. رغم شعور النبوي بالألم القاتل لكن قال: أرجوك يا دكتور حاول تنقذها بأي شكل. رد الطبيب:

مش في إيدي أنقذها، دي بين إيدين ربنا. أنا بس حبيت أبلغك بالوضع. دلوقتي هدخل للعمليات، ادعي لها. بالفعل وقف النبوي أمام غرفة العمليات، لكن رن هاتفه. علم من تكون. رد عليها وقال: أنا في المستشفى والدكتور بيقول الأمل ضعيف للغاية. سآم قلب هداية وقالت له: حتى لو كان يبقى عملنا اللي علينا يا ولدي. أنا مش هقول لحد إنها لسه عايشة وهتصرف. تعجب النبوي قائلاً: هتتصرفي إزاي يا أمي؟ هتحطي عروسة من القطن في كفن بدالها؟

رأيي نستنى نشوف الدكتور هيقول إيه تاني وأيه اللي هيحصل. ردت هداية: مش هتفرق يا ولدي، عروسة قطن من جُتت همس. الوقت بيمر وممكن الشك ولا الكلام يتنطور على اللي حصل بين الخلق. لو همس رجعت تاني للحياة، وجدتها مش هنغلب نقول للناس إنها لسه عايشة بس كان غلط الدكتور. قالت هداية هذا وصمتت تتألم، ثم قالت بآنين: ولو سلمت روحها للي خلقها مش هنغلب في دفنها. خليك يا ولدي لحد الدكتور ما يطلع، شوف هيقول لك إيه وأنا هنا هتصرف.

أغلقت هداية هاتفها، ونظرت حولها بالغرفة. هناك كنبة بالغرفة عليها مرتبة. توجهت لها وقامت بشقها من المنتصف. وقامت بتخيط مجسم لجسد همس وقامت بحشوه بأقطان من تلك المرتبة. أصبح من يراها إن لم يقترب منها، لا يعلم أنها عروس بنموذج جسد بشرية لكن من القطن. انتظرت بعض الوقت قبل أن تخرج. لكن سمعت طرق على الغرفة. قامت بغطاء العروس ورسمت الدموع وتوجهت إلى باب الغرفة الداخلي وفتحته. وجدت أمامها عطيات التي تبكي بتمثيل قائلة:

همس فين؟ رايدة أشوفها قبل ما تندفن في التراب. يا حسرة قلبي على شبابها، جرالها إيه؟ أنا مش مصدقة اللي حصل. ردت هداية: اللي حصل ربنا رايده، وأنا خلاص غسلتها وكفنتها وحرام نكشفها من تاني ونعذبها. أنا مستنية النبوي على ما يرجع، هو قالي قدامه ساعة بالكتير يكون جاب تصريح الدفن على ما يجهزوا لها القبر. نظرت عطيات نظرة خاطفة على تلك الطاولة، بالفعل تبدو انتهت من تغسيل وتكفين همس. قالت عطيات بعويل بعض كلمات الندب.

تحدثت هداية بصرامة: اكتمي ندب، ادعي لها بالرحمة واقرئي لها قرآن. مسمعش كلمة ندب عاد. بالفعل كتمت عطيات صوتها وبكت بتمثيل متعجبة من تلك القوية التي تحدثت معها بصرامة. بعد وقت بالمشفى، خرج الطبيب من غرفة العمليات. تلهف عليه النبوي قائلاً: طمني يا دكتور... هتعيش.. قصدي لسه عايشة. رد الطبيب بمهنية: هي لسه عايشة بس الأمل ضعيف جداً. رد النبوي وقال: يعني إيه يا دكتور. رد الطبيب:

فيها روح وفينا روح الله أعلم. هقولك حالتها بالضبط. المريضة وصلت لينا متأخر، الرصاصة من رحمة ربنا تفادت القلب بأقل من اثنين سنتيمتر. بس واضح المريضة نزفت دم كتير قبل ما تيجي لهنا في المستشفى، وتقريباً توقف ضخ الدم في باقي الجسم وده أدى نقص في وصول الأوكسجين للمخ. والمريضة تعتبر في غيبوبة الله أعلم هتفوق منها أو لأ، غير نعرفش جسمها هيقاوم أو لأ. توقع الأسوأ. أغمض النبوي عينيه بتأثر. تحدث الطبيب:

أنا هبلغ أمن المستشفى عشان يتخذ الإجراءات اللازمة. دي حالة خطيرة ومضروبة بالرصاص. أومأ النبوي رأسه بصمت، فسَهُل عليه حل مشكلة الأمن بالمال، فالمشفى بالنهاية خاص. بعد قليل اتصل على هداية التي ردت سريعاً، أخبرها بما قاله الطبيب له. أغمضت هي الأخرى عينيها وتدمعت مرة أخرى وقالت له: تعالى للدار بسرعة يا نبوي.

بالفعل عاد بعد قليل للدار، وحمل العروس القطنية ووضعها بنعش وحملوه، وخرجوا من الغرفة التي أغلقت أبوابها هداية سريعاً بالمفتاح. ووقت الدفن هو من حمل العروس ووضعها بالقبر، لتنتهي مراسم الدفن المزيف. مر أكثر من ثلاث أسابيع، ما زالت همس تعيش بفضل الأجهزة الطبية، ربما عدت مرحلة الخطر، لكن لم تفق، ما زالت سابحة بملكوتها الخاص. كان النبوي وهداية يقومان بزيارتها يومياً.

حاول الأطباء إفاقة همس أكثر من مرة لكن لم تكن تستجيب. أرجح الأطباء أن ربما ذلك بسبب نقص وصول الأوكسجين للدماغ بعد تعرضها للنزف لفترة طويلة. لكن فوجئ الطبيب المباشر لها ببعض مؤشرات الإفاقة. بالفعل بدأت همس تفيق وتعود للوعي تدريجياً. نظر لها الطبيب ببسمة وقال: أهلاً برجوعك مرة تانية. نظرت همس للطبيب وقالت بخفوت: أنا فين. رد الطبيب: فاكرة اسمك إيه؟ همست بصوت خافت: هاميس. عندك كم سنة يا هاميس؟

حاولت همس التذكر، صمتت لبعض الوقت. لاحظ ذلك الطبيب ذلك وقال: اسم والدك إيه؟ صمتت همس تتذكر بصعوبة، لكن لا تتذكر. تحدث الطبيب: طب فاكرة سبب إصابتك إيه؟ أغمضت همس عينيها، تتذكر. رأت نفسها وهي تمسك السلاح بيدها تضغط عليه، وتذكرت وقوعها على الأرض. فتحت همس عينيها. تحدث الطبيب: حاولي متجهديش عقلك وقوليلي اللي فاكراه بس. ردت همس: كارم... سلسبيل... هداية. مين كارم؟ ردت همس: ابن عمي. تبسم الطبيب: طب مين سلسبيل؟ ردت همس:

أختي الكبيرة. سأل الطبيب: طب مين هداية؟ ردت همس: أختي الصغيرة، وكمان... كمان إيه؟ تذكرت همس قائلة: جدتي هداية يبقى كمان اسم جدتي. تبسم الطبيب قائلاً: مش فاكرة حد تاني. أغمضت همس عينيها تعتصرها وفتحتها تهز رأسها بلا. رد الطبيب: تمام. بلاش تجهدي عقلك، مع الوقت هتفتكري البقية. أومأت همس برأسها، وقالت: أنا إزاي لسه عايشة؟ تبسم الطبيب قائلاً:

أمر ربنا. واضح إن رحلتك لسه منتهتش. أنا بقول كفاية كده النهارده ويا ريت ترتاحي وبلاش تفكري كتير. وكمان في ضيوف موجودين بالمستشفى عشانك، وحابين يطمنوا عليكِ، مصدقوا إنك فوقتي. انفرجت شفاه همس ببسمة طفيفة وقالت: مين. رد الطبيب: دلوقتي هيدخلوا ونشوف هتتعرفي عليهم ولا إيه اللي هيحصل. فتح الطبيب باب الغرفة قائلاً: اتفضلوا. دخل النبوي يمسك يد هداية التي تبسمت بانشراح حين رأت همس تفتح عينيها، كذلك النبوي.

اقترب الاثنان من الفراش، انحنت هداية قائلة: حمدلله على سلامتك... يا همس. نظرت لها همس متعجبة تقول: همس مين؟ تعجبت هداية، كذلك النبوي الذي نظر للطبيب. أومأ له الطبيب أن يحاول الحديث مع همس. بالفعل اقترب النبوي وانحنى كي يقبل جبين همس، لكن برد تلقائي بعدت رأسها عنه، تتوجس منه. وكذالك نظرت لهداية أيضاً ببعض التوجس، أقل من النبوي في البداية، ثم شعرت ببعض الألفة معها.

بعد خرج النبوي بصحبة الطبيب وترك هداية مع همس بالغرفة تحدثها ببعض الأشياء. بينما تحدث النبوي للطبيب: همس مالها؟ ليه خافت مني؟ رد الطبيب: همس عندها فقدان جزئي للذاكرة، بسبب الغيبوبة اللي كانت فيها لأكثر من ثلاث أسابيع. ممكن تكون حالة نفسية ومع الوقت هترجع لها الذاكرة كاملة، بس بلاش ضغط عليها لأن ممكن يجي لها انتكاسة نفسية. رأيي المهم دلوقتي إنها فاقت من غيبوبتها والذاكرة مع الوقت هترجع لها. تألم النبوي قائلاً:

فعلاً، أهم شيء إنها رجعت للحياة من تاني. متشكر يا دكتور. ياترى إمتى ممكن تخرج من المستشفى؟ رد الطبيب: هي حالتها الجسمانية لحد كبير كويسة، بس ممكن تفضل هنا كم يوم تبقى تحت الرعاية تحسباً فقط لأي انتكاسة. نقدر وقتها ندخل بسرعة، كمان لازم تتعرض على طبيب نفسي يشخص حالتها أفضل مني. رد النبوي: تمام حضرتك أكيد تعرف أطباء نفسيين ممكن تدلني على واحد منهم. فكر الطبيب وقال:

تمام، أعرف دكتورة نفسية وتبقى أخت زوجتي وهي متميزة في الطب النفسي. تبسم النبوي يقول بشكر: شكراً جداً يا دكتور، ياريت تكلمها تتابع حالة همس. رد الطبيب بعملية: تمام، هكلمها دلوقتي وأديها تقرير كامل عن حالة همس. بس ليا استفسار، وأنا بحاول معاها، هي افتكرت تلات أسماء بس. ممكن لو اتقابلت مع واحد منهم يكون له تأثير وتسترد ذاكراتها بالكامل. رد النبوي باستفسار: ومين اللي ذكرت أسماءهم. رد الطبيب:

أول اسم ذكرته كان كارم وقالت إنه ابن عمها. للحظات دب الشك في قلب النبوي وسأل عقله: أيُعقل أن يكون كارم هو من انتهك همس؟ لكن سرعان ما زال الشك عن رأسه. كارم اعترف له أنه يريد الزواج من همس بعد نهاية هذا العام الدراسي، كما أنه أكثر من حزن عليها بصدق، يرى ذلك بوضوح. لكن لما تذكرته همس؟ جاوب عقله: ربما كانت تشعر بمشاعر كارم وتبادله نفس المشاعر. نظر النبوي للطبيب وقال: ومين الاسمين التانيين؟ رد الطبيب:

سلسبيل وهداية، وقالت هداية اسم أختها واسم جدتها كمان. وأنا عارف الحجة هداية لأنها كانت بتيجي معاك الفترة اللي فاتت زيارات ليها. تعجب النبوي يقول: طب طالما فاكرة أمي ليه لما قربت منها خافت منها؟ رد الطبيب: بصراحة معرفش، عشان كده قولت محتاجين طبيب نفسي. أنا هكلم الدكتورة دلوقتي، وأشرح لها اللي شوفته وسمعته من همس وهخليها تيجي من بكرة تتابع معاها. مد النبوي يده للطبيب يصافحه قائلاً: مرة تانية متشكر يا دكتور.

صافحه الطبيب وغادر، بينما عاد النبوي إلى داخل الغرفة وجد هداية جالسة جوار همس على الفراش تضمها على صدرها وهمس صامتة لا تتحدث. كذالك هداية تحتويها تربت عليها بيديها بحنان. لكن حين رأت همس النبوي مرة أخرى للحظة خافت منه وتمسكت بهداية. ضمتها هداية قائلة:

متخافيش يا همس، ده عمك النبوي هو اللي أنقذك وجابك لهنا المستشفى. همس، أنا لو مكنتش عندي ثقة إنك مظلومة مكنتش خليت عمك ينجدك، كنت سبتك تتعذبي لآخر لحظة بعمرك. يا بتي، إن بشر وخطائين بس قدامنا فرص نصلح أغلاطنا، وأني اتعلمت من الأيام محكمش بظاهر الأمر، الله أعلم باطنه إيه. تشبثت همس بهداية قائلة: ليه مش فاكرة حاجة غير إن كان في إيدي سلاح وبعدها توهت وعقلي فصل؟

كمان مش فاكرة حد غير سلسبيل وهداية أخواتي، وكمان كارم ابن عمي. دب نفس الشك في عقل هداية حين قالت همس ذلك. رفعت بصرها ونظرت للنبوي الذي هز رأسه: مستحيل كارم أن يؤذي همس، ذلك الأذى الفادح، هو أعلم بقلب ولده. زال الشك من عقل هداية وقالت لهمس: بكرة تفتكري كل شيء يا بتي، ودلوقتي هقول لأبوكي وأمك يجوا يزوركي، يمكن جرح قلبهم يخف. ابتعدت همس عن حضن هداية وقالت برفض:

لأ مش عاوزة أقابل حد ومتعرفش عليه. أرجوكي، إنتِ بتقولي إنك جدتي وأنا مش فاكراكِ بس حاسة براحة معاكِ. أرجوكي بلاش أشوف في عينيهم نفس الصعبهانية اللي شيفاها في عينك إنتِ واللي بتقولي عليه يبقى عمي. يمكن مع الوقت أفتكرهم، مش عاوزة أصعب على حد تاني. جذبتها هداية لحضنها وقبلت رأسها وحبست دمعة بعينيها وقالت لها:

اللي تريديه يا بتي. أنا كنت بجول إنك خدتي مني الشكل بس، بس لأ يا بتي، جُوَه فيها منها جوّاكي، ومع الأيام متأكدة الحقيقة هتبان. غادر النبوي ومعه هداية. بالسيارة تبسم النبوي وقال: مش هنقول لناصر ومرته بجى يا أمي إن بتهم عايشة أهي خلاص أخيراً فاقت من الغيبوبة. ردت هداية:

لأ يا ولدي، مسمعتش كلام الدكتور إنها عندها نقص في الذاكرة وناسية حاجات كتير، وكمان رغبتها. خلينا كيف ما إحنا مداريين عليها لحد ما تعود لهمس ذاكراتها، ووجدتها تقرر هي اللي تريداه. امتثل النبوي لحديث هداية ووافق عليه، ربما مع مرور الأيام تتذكر همس وتعود كما كانت.

بالفعل مع الأيام، بدأت همس علاج نفسي مع تلك الطبيبة التي كانت تجلس مع همس تستمع لها وأحياناً تعطي لها بعض الصور التي أخذتها من زيارات هداية والنبوي لها بالمشفى. كانت همس كأنها تتعرف على أناس غرباء عنها. بعد مضي أسبوع، خرجت همس من المشفى بصحبة هداية والنبوي. كان بداخلها شعور بالخوف لا تعلم تفسير له، طلبت منهم عدم العودة بها إلى المنزل ووافقوا على طلبها. بالفعل بإحدى العمارات الراقية بمدينة بني سويف، فتح النبوي

باب إحدى الشقق وقال: ادخلي يا أمي. دخلت هداية ومعها همس تحت يدها، دخل النبوي خلفهن وأغلق الباب. تبسمت هداية حين أقبلت عليها امرأة بمنتصف الأربعين وانحنت تقبل يد هداية بحبور قائلة:

الحجة هداية، والله ليكِ وحشة كبيرة والله. لما النبوي بيه جاني البلد وجالي الحجة هداية قصدكِ في خدمة تعمليها لها، جولت له رجالك فداها، ده فضلها عليا أنا وبناتي كلياتهم. لو مش هي يمكن كانوا ضاعوا مني، بعد المرحوم جوزي. بس مين العروسة الزينة اللي معاكي دي؟ لأ استنى، أنا قلبي حاسس إني أعرفها زين. تبسمت هداية وقالت: طمر فيكي العيش والملح يا وصيفة، ركزي زين كده وجوليلي مين دي. تمعنت وصيفة وقالت:

دي بتي همس. قصدي يعني زي بتي أنا. رضعتها من صدري على بنتي لما الست نهلة كانت واخدة حمى شديدة بعد ولادتها يجي بخمس شهور، ومكنتش بترضى لا تاكل ولا ترضع من الإزازة اللي كنتم بتحطوا لها فيها الحليب، وكنت عندكوا بالصدفة وجتها و خدتها منها ورفعتها لصَدري وهي قبلت ورضعت مني على بنتي اللي كانت أكبر منها بسنة. تبسمت هداية وقالت: فعلاً دي همس، وأنا بعت لكِ عشانها، عاوزاكي تجعدي معاها هنا في الشقة دي، ومتسأليش ليه.

تبسمت وصيفة وقالت:

ينقطع لساني لو سألت ليه يا حجة هداية. كلمتك ليا أمر. مع إني بطلت خدمة وبيع الزبدة في بيوت الناس الغنية بعد ما جوزت آخر بناتي واطمنت عليهم، جولت الحمد لله أعيش اللي باجلي من العمر، معاش المرحوم يكفيني وكفاية شجا بقى. بس إنتِ تؤمرينى أمر. كفاية وقفتك جاري زمان وكمان ناصر بيه هو اللي دورلي على معاش من الحكومة، وغير خيركم اللي مغرقني. في كل جوازة من بناتي كانت سترتها وفرشها وعزالها من خيركم، مع إني كنت من بلد تانية بعيدة عن بلدكم، كنتم معرفة مع المرحوم جوزي، كان بيشتغل أجير عندكم، وكان وصيته ليا لو جرالي حاجة روحي للحجة هداية وولادها هيكرموكي، وده اللي حصل.

ردت هداية: بلاش كلامك الماسخ ده، أنا متفضلتش عليكي ده كان رزقك من عند ربنا، وبلاش كلام كتير، همس أمانتك. ردت وصيفة: دي في عيني يا حجة هداية، إني خدامتها. استردت وصيفة حديثها وقالت: بس في حاجة كده عاوزة أقولها، بس لو موافقتي أنا هبقى مع الأبلة همس برضه. رد النبوي: قولي إيه هي الحاجة دي، لو قصدك على المرتب متخافيش، اللي هتطلبيه مش هنختلف عليه. أخفضت وصيفة وجهها في الأرض وقالت:

فهمتيني غلط يا نبوي بيه، إني ميهمنيش الفلوس قد إني أرد جزء صغير من فضل الحجة هداية عليا. أنا كل اللي فيها بت بنتي، ربنا خلقها بعيب إنها خرسا، ورحنا بيها لدكاترة كتير واستغربوا إزاي خرسا وبتسمع، بس ده أمر ربنا بقى الحمد لله. وبنتها دي قاعدة معايا دايماً تاخد بحسي ومتعلقة فيا بزيادة. هي عندها خمس سنين. تبسمت هداية وقالت:

وفيها إيه يا وصيفة هاتيها معاكي، والنبوي يشوف لها حضانة قريبة من هنا، وكمان يعرضها على دكتور يمكن يكون في حل وعقدة لسانها تتفك. فرحت وصيفة وانحنت على يد هداية قائلة: ربنا يزيد من خيرك يا حجة هداية، وأني هبقى تحت رجل الأبلة همس اللي معزتها من معزة بناتي، هي بتي زيهم بالتمام.

سحبت هداية يدها من أمام وصيفة تمنعها أن تقبل يدها وتبسمت، وكذالك همس شعرت براحة مع تلك المرأة هي وتلك الطفلة الصغيرة التي من قدرة الله تسمع ولا تتحدث. ومرت أيام تصحبها أشهر، انتهى الربيع وأقبل الصيف. همس استعادت جزء كبير من ذاكراتها بفضل الطبيبة النفسية، كذلك زيارات النبوي وهداية لها بالمشفى، غير أحاديثهم الهاتفية.

لكن حين طلبت منها هداية العودة إلى المنزل، بكت همس وقالت لها أنها غير قادرة على مواجهتهم، من الأفضل لها أن تظل بنظرهم ميتة أفضل من نظرات الاتهام أو اللوم وحتى الشفقة منهم، لن تقدر على تحملها الآن، ربما مع الوقت تعود لهم، لكن ليس الآن.

لكن ذات يوم بالصدفة أثناء جلوس همس عصرًا بشرفة تلك الشقة، كان هناك كافيه كبير في مقابل العمارة. رأت دخول كارم إلى هذا الكافيه، عرفته من الصور. لا تعلم لما أرادت أن تراه عن قرب. بالفعل ارتدت ثيابها ووضعت على وجهها ذلك النقاب التي أصبحت ترتديه كلما خرجت من الشقة خشية أن يتعرف عليها أحد وهي لا تعرفه.

بالفعل ذهبت إلى ذاك الكافيه، دخلت إليه، جابت عينيها المكان إلى أن وقع بصرها على مكان جلوس كارم. جلست خلف طاولة قريبة منه، رأت تلك البسمة التي شقت شفتيه حين نهض يسلم على أحد الأشخاص. تعجبت ذلك الشعور الجديد عليها، لما اليوم تتمعن بملامح كارم بهذا الشكل؟ تضارب بعقلها وقلبها الأحاسيس، ماذا يعني لها كارم؟ هي استردت ذاكراتها كلياً. جلست في المقابل له إلى أن نهض ودفع الحساب وغادر الكافيه.

عادت إلى الشقة، تبسمت لتلك الطفلة الصغيرة التي تفاجئت أن اسمها همس هي الأخرى، وسماها جدتها تذكاراً لهمس التي أرضعتها ذات يوم مع ابنتها. كانت تحب الاسم وظل عالقاً برأسها. لكن همس الصغيرة ولدت بلطف من الله معها، صماء حديثها همهمة غير مفهومة لمن لا يعرفها، لكن ببقائها معها لوقت تعودت وفهمت همهمتها وأصبحت صديقتها الصغيرة، أو كما تنعتها ابنة أختها بالرضاعة.

مر وقت آخر، أثناء زيارة النبوي لها في يوم أخبرها أن سلسبيل ستتزوج. فرحت بداخلها لكن سرعان ما غص قلبها، سلسبيل تتزوج بعد وفاتها بأشهر قليلة. أتكون نسيتها؟ جميعهم نسوها. تألم قلبها المجروح، لكن تعجبت حين علمت بمن ستتزوج سلسبيل، قماح!

سلسبيل كانت ربما لا تكره قماح، لكن كانت تتجنب مجلسه، كما أنها كانت تقول أنه هوائي من ناحية النساء. لم تظن أن سلسبيل أجبرت على هذا الزواج، فالأيام قادرة على التغيير من المشاعر، وأكبر مثال على ذلك هي، كيف تغيرت مشاعرها اليوم عن الأمس القريب التي رأت فيه كارم، التي كانت سابقاً لا تراه أكثر من أخ، اليوم ليس كذلك. كما أن مشاعرها ناحية قماح انكشفت حقيقتها أمامها اليوم. لم تنسى حزنها يوم أن تزوج بـ هند، كم شعرت بالتعاسة وقتها. اليوم تبتسم. لكن كل ما يشغل بالها سلسبيل، تمنت أن تراها عروس. لكن كيف؟

فكرت، وفكرت، وعقدت النية، ستحضر عُرس سلسبيل. بالفعل اتصلت على النبوي يوم عُرس سلسبيل صباحاً. ذهب إليها. جلست معه تقول: عمي، أنا هحضر فرح سلسبيل. تبسم النبوي وقال: بجد، الفرح كده هيبجى فرحين، في قلبي، سلسبيل أكتر واحدة اتمنيتها تبجي من نصيب قماح. وظهورك هيزود الفرحة في قلوبنا كلنا. ردت همس:

أنا مش عاوزة أظهر يا عمي، أنا هحضر متنقبة زي ما بقيت بنزل للشارع بالنقاب. عمي، أنا لسه مش قادرة عالواجهة، مش جاهزة ليها. وبعدين أفضلوا تنسوني زي ما حصل كده، بعد موتي بكام شهر أهو فرح في دار العراب. نهض النبوي وقال لهمس: قومي غيري البيجامة اللي عليكي دي يا همس وتعالي معايا، مش عاوزة تحضري فرح سلسبيل، ومفكرة إننا نسيناكي؟ لا، لازم تشوفي حاجة بعينيكي ووجدتها احكمي بنفسك.

رغم تعجب همس لكن بدلت ملابسها وارتدت نقاب على وجهها، وذهبت مع عمها. تعجبت أكثر حين دخل بها إلى المقابر الخاصة بهم. تركها وابتعد عنها، لكن قبل ذلك قائلاً: أكيد فاكرة مكان قبر جدك الله يرحمه، حتى لو مش فاكرة المكان، في يافطة مكتوب عليها اسمه. أنا هستناكي هناك في العربية، لحد ما ترجعي.

بالفعل ذهبت همس إلى مكان قبر جدها. لكن قبل أن تقترب من القبر تفاجئت بالواقف أمام القبر يضع زهرة صفراء اللون على قبرها وتدمع عيناها، يتحدث لمن بالقبر. علمت أن هذا القبر الجميع يعتقد أن همس مدفونة به.

وقفت صامتة تتابع همس كارم، تتمنى أن تكون بداخل القبر تتسمع لما يقوله. لكن فجأة شعرت بشيء يلعق قدمها، انخضت وخرج منها صوت مسموع، انتبه له كارم، فنظر ناحية الصوت، تصنم لدقيقة وهو ينظر لها. سار فجأة ناحيتها، لكن همس حين نظر لها ارتبكت وحين رأته يتقدم ناحيتها ارتجفت، لم تدرِ بنفسها وهي تجري من أمامه تقطع المقابر التي كانت تخشى المرور من أمامها سابقاً، الآن هي بداخلها تجري هرباً من كارم. بينما كارم دخل له شعور أن تلك التي كانت واقفة يعرفها جيداً.

هربت همس بسيارة النبوي، تبكي ذالك العاشق لها، كيف يوماً كانت ترفض مشاعره التي كانت ظاهرة لها. عاقبها الله على ذلك ببعدها عنه، ليس عنه فقط، بل عن جميع أحبائها. بالطريق توقف النبوي قائلاً: اتأكدتي إننا نسيناكي؟ لسه عندك رأيك ليه يا همس مش عاوزة ترجعي؟ خايفة من إيه؟ أنا وجدتك لغاية دلوقتي دافنين سر إنك عايشة بسبب طلبك. ردت همس:

مصيري هرجع يا عمي، بس لسه مش جاهزة للرجوع. ودلوقتي أنا هحضر فرح سلسبيل زيي زي أي حد مدعي للفرح. بالفعل بعد وقت كانت تجلس بين النسوة، ولإنشغال الجميع بالفرح المصغر لم ينتبه أحد لوجودها، حتى هداية التي قالت فيما بعد للنبوي لو كان أخبرها أن همس بالمنزل ما كانت جعلتها تخرج منه، وكانت أفشت سر أنها ما زالت على قيد الحياة. لكن فات الأوان.

بدأت تمر أيام، لاحظت همس مجيء كارم لذلك الكافيه كثيراً. كانت تراقب الكافيه من شرفة الشقة، وحين تراه كانت تنزل وتدخل للكافيه. حتى ذاك اليوم التي اصطدمت به همس الصغيرة. ربما كان القدر يريد أن تظهر أمام كارم. يومها كانت تحدثه وهي ترتجف من داخلها. أخبرت عمها عن لقائها بكارم، وأنه يتردد كثيراً على ذاك الكافيه. وتكررت لقاءاتها بكارم لأكثر من مرة، حتى أنه في إحدى المرات حاول الحديث مع همس الصغيرة لكن لم ترد عليه وردت بدلاً عنها هاميس. بحث عمها في ذلك الأمر واكتشف أن كارم عرض على مدير الكافيه شراءه. فكر النبوي وسبق كارم واشترى الكافيه هو وسجله باسم همس بوقت قصير للغاية.

وها هي أمامه الآن بعد أن اكتشف من تكون. عادت همس من التذكر، يديها ترتعش، ليست يدها بل جسدها بالكامل، كما أنها تبكي. نهض كارم من مقعده وجلس بالمقعد المجاور لهمس ومد يده وأمسك يدها. في البداية بتردد، سرعان ما ضغط عليها بقوة وقال بشفقة: كفاية يا همس، بلاش تكملي الباقي دلوقتي. سحبت همس يدها من يد كارم سريعاً بخوف، وكادت تنهض. تعجب كارم من ذلك، هو شعر برعشة يد همس حين وضع يده عليها، لكن قال لها:

همس، لازم ترجعي معايا وتواجهي الجميع إنك عايشة. عادت همس تجلس قائلة: لأ مش هرجع يا كارم، أنا مش قد المواجهة، مش هتحمل لا لوم ولا عتاب ولا اتهام. الأفضل لهم يفضلوا فاكرين إن همس مبقتش موجودة. أنا فرحت لما سلسبيل اتجوزت من قماح. رد كارم بمفاجأة: يمكن سبب عدم رجوعك لدار العراب إنك مش قادرة تتحملي إن قماح بقى جوز أختك سلسبيل. تفاجئت همس قائلة: قصدك إيه؟ رد كارم:

أنا كنت عارف إن عندك مشاعر ناحية قماح يا همس. أوقات كنت بكرهه، كان نفسي تبصيلي بنفس النظرة اللي كانت عينيكي بتلمع بيها لما كنتي بتشوفي قماح، وكمان لما كنتي بتحاولي تلفتي نظره ليكي. بس هو عمره ما شافك غير همس بنت عمه. تفاجئت همس وقالت:

مش هكدب يا كارم، ولا هكذب كلامك ده. بس هتصدقني لو قولتلك إني بلوم نفسي إني فكرت في يوم إني كنت مش هقول بحب قماح، كنت معجبة بيه مش أكتر. بس يوم زفافه هو وسلسبيل اتأكدت إني كنت مراهقة عاجبها الشاب اللي له كلمة وسط الكبار، كان إعجاب مش أكتر من كده، موصلش لحب. رد كارم: طب مفيش حد تاني وصل لقلبك. تبسمت همس دون رد. تبسم كارم هو الآخر وقال:

أفهم من سكوتك ده إنك موافقة على عرض بابا، إننا مش بس نتشارك في الكافيه ونتشارك في الحياة كلها. وأنا موافق يا همس إنك تفضلي بعيد عن العيلة، بس متأكد في يوم هتكملي لي سرد بقية اللي حصل، ووقتها هنرجع للعيلة وإيدينا في إيد بعض زي كده. أنهى كارم قوله وأمسك يد همس. لكن همس ارتجفت وسحبت يدها من يده بخوف وتدمعت عينيها. غص قلب كارم، يبدو أن ما حدث بالماضي ترك أثراً على همس، هي تخشى اقترابه أو لمسه لها.

يبدو طريق عودة هاميس للحياة غير ممهد وعليه بالصبر والاحتواء. *** بالعودة لمنزل العراب. بالأتيليه الخاص بسلسبيل. أثناء تشكيل سلسبيل لإحدى المنحوتات بالأتيليه، لا تعلم لما فجأة شعرت بدوخة بسيطة. أغمضت عينيها، لترى طيف رداء أسود لامرأة منقبة لا يظهر من وجهها سوى عينيها العسلية، التي تشبه عين... همس.

فتحت سلسبيل عينيها سريعاً تفكر في ذلك الخاطر التي رأته. شرد عقلها، همس في الفترة الأخيرة أصبحت تأتي بخاطرها كثيراً، في بداية موتها لم تكن تأتي بخاطرها. أيكون مثلما قالت هدى قبل قليل، همس تريد إخبارها بشيء قد يظهر براءتها. يا ليت هذا يحدث وتظهر براءة همس، وقتها سترفع رأسها أمام ذاك القاسي قماح الذي يستغل سيرتها أحياناً كثيرة من أجل أن تخضع لما يريده، متقبلة بصمت. في ذلك الأثناء دخلت هدى عليها وجلست على أحد مقاعد

الغرفة ونفخت أوداجها تقول: أنا حاسة بملل فظيع، بقالي فترة طويلة يمكن من بعد ما خلصت امتحانات مخرجتش من البيت. كنا في الأول بنسلي بعض، بس من يوم ما اتجوزتي من قماح، وإنتي بقى معندكيش وقت ليا. كم ساعة بالنهار، لكن لما قماح يبقى في البيت بيبعدك مش بس عني، عن الكل. يظهر جدتي كان عندها وجهة نظر وإن الواد قماح ده بيحبك، بس بيخبي. سخرت سلسبيل وهمست لنفسها قائلة:

هتقوليلى، ده بيعشقني لدرجة متتصوريهاش. كله بالعنف أو الغصب أو المعايرة، بس كله عشانك يا يهون. نهضت هدى تقول: بقولك إيه يا سلسبيل مش معاكي رخصة قيادة سيارات. ردت سلسبيل: أيوا بابا استخرج ليا رخصة من فترة، بس بتسألي ليه. ردت هدى: إيه رأيك نخرج شوية في عربية بره في الجنينة وأكيد السواق سايب المفاتيح فيها. تبسمت سلسبيل بموافقة وتفهم: قصدي نهرب من البيت نتهوى شوية. تبسمت هدى وقالت:

ونشم عوادم السيارات وريحة أكل المطاعم وناكل من الشارع ومش بعيد بابا يجي القسم يضمنا، زي اللي حصل قبل كده وهمس كانت... صمتت هدى تشعر بغصة قوية في قلبها، كذالك شعرت سلسبيل، لكن قالت: لأ متخافيش المرة دي معايا رخصة قيادة وكمان نشغل GPS عالطريق يعرفنا الطرق المخالفة، ومنوقفش في مكان الونش يشيل العربية زي المرة اللي فاتت. تبسمت هدى قائلة: طب إيه مش يلا بينا نتصرمح في الشوارع شوية. تبسمت سلسبيل قائلة:

يلا بينا، هطلع أغير هدومي دي... وإنتي رخصة القيادة بتاعتي هتلاقيها في أوضتي اللي في شقة بابا في درج التسريحة، روحي هاتيها وتعالي ونتقابل عند العربية. تبسمت هدى بالفعل بعد دقائق كانتا الاثنتين بالسيارة تبتسمان بمرح. آتى المساء. أصبحت الساعة في حوالي التاسعة والنصف. دخل قماح برفقة ناصر إلى غرفة هداية. تحدث ناصر: حرمتي يا أمي، عقبال ما تصلي في الحرم وأنا صحبة معاكِ. تبسمت هداية ومدت يدها لقماح الذي ساعدها على

النهوض من على الأرض وقالت: المرة الجاية اللي هروح فيها الحرم النبوي، هاخد قماح وسلسبيل معايا ويكون ربنا رزقهم بالذرية الصالحة اللي تجمع بينهم وتقر عيونهم. تبسم قماح بمودة وآمن على دعائها قائلاً: يارب إن شاء الله. بينما تبسم ناصر وقال: أمال البنات فين، يا أمي. صمتت هداية تنظر لقماح.

بينما تلك الحقود قدرية التي يمتلئ قلبها الغل من محبة الجميع لقماح، هي ليست فقط تكرهه، هي تتمنى أن يختفي من الحياة مثلما اختفت أمه سابقاً. لما تعلم لما عاد لهنا مرة أخرى، يحصد حب وإعجاب الجميع. لكن لا لتدخل تشعل فتيل قد ينهي ذلك الحب الذي يحصده قماح من الجميع، وذلك عن طريق تلك الحمقاء سلسبيل. قماح سبق أن طلق زوجته السابقة بسبب مخالفتها لأمره وخروجها دون إذن مسبق منه. يبدو أن الحظ سيعود لها اليوم.

من ملامح قماح، يبدو أنه لا يعرف الحمقاء سلسبيل خرجت من المنزل. لتدخل وتضع أول شعلة في عقل ذلك الحقير قماح. بالفعل دخلت بتلهف وادعاء قائلة: حجة هداية، الساعة قربت على عشرة والبنات مرجعوش للبيت. أنا خايفة يكون حصل لهم حاجة مش زينة. تعجب ناصر وقال: بنات مين اللي مرجعوش. ردت قدرية بتمثيل: إيه ده؟ أنتم متعرفوش؟ ياريتني ما كنت اتكلمت. رد قماح: ردي على سؤال عمي.. بنات مين؟ ردت قدرية تدعي الخوف واللهفة:

هدى وسلسبيل، خدوا العربية من الجنينة وخرجوا من قبل المغربية ولحد دلوقتي مرجعوش. يارب يرجعوا بالسلامة. نظر قماح لجدته التي تنظر لقدرية بتوعد. استشف صدق قول زوجة والده. وفتح هاتفه، يتصل على سلسبيل، الهاتف يرن ولا أحد يرد. بينما فتح ناصر هاتفه واتصل على هدى، التي أخبرته أنهن بالطريق عائدين للمنزل، خلال دقائق. أغلق ناصر الهاتف وقال: هدى بتقول إنهم بخير على وصول. نظرت قدرية لملامح قماح المتهجمة وقالت:

يوصلوا بالسلامة. بداخلها نشوة، لديها يقين أن قماح لن يفوت خروج سلسبيل من المنزل دون إذنه دون عقاب منه. تتمنى بداخلها أن يحدث الطلاق بينهما بأقرب، وقتها سيتفرق الجميع من حول قماح، ويصبح مكروه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...