الفصل 32 | من 41 فصل

رواية عش العراب الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم سعاد محمد سلامه

المشاهدات
24
كلمة
7,828
وقت القراءة
40 د
التقدم في الرواية 78%
حجم الخط: 18

دخلت زهرت وصعدت إلى شقتها. وقفت مذعورة وهي تضع يدها حول عنقها. ذهبت إلى مرآة قريبة في الردهة وخلعت حجابها. وقفت تنظر إلى ذلك الخط الدامي الرفيع الظاهر على شفتيها، وعلامات أصابع ذلك الوغد نائل، سواء كانت على وجهها أو عنقها، بسبب صفعها ومحاولته خنقها. تُعيد حديثه في رأسها بغيظ يزداد. حقًا، كما قالت تلك البلهاء هند، أن نائل مُغرم بـ سلسبيل. هوس عقلها. ودت تكسير كل شيء حولها، لكن لجمت غضبها تهزئ بغيظ وهي تنظر في المرآة:

"سلسبيل... سلسبيل. فيها إيه مميز عني؟ أنا أجمل منها. عندي أنوثة مش عندها. إيه الفرق؟ فلوس عيلة العراب... هنا ازداد الجشع في قلبها. "الفلوس... هي اللي بتعمل سعر للبني آدمين. أنا مش أقل من سلسبيل. رباح خلاص بقى لعبة في إيدي. وكمان الجنين اللي في بطني مش بس هيورث اسم، هيورث فلوس العراب. مش هيفرق عن ابن سلسبيل...

"دلوقتي لازم أنسى أمر انفصالي عن الغبي رباح. بعد ما الوغد نائل ظهر وشه الحقيقي. بس مش هسيبه. هعرف إزاي أتقم منه وأندمه على لعبه بيا." *** في منزل أخو قدرية. بالدور الأرضي. دخلت سميحة إلى إحدى الغرف تحمل بين يديها حقيبة كبيرة خاصة بالخضروات والفاكهة، قائلة: "إتسوقِت لك الخضار والفاكهة اللي قولتلي عليهم. أهم في الأكياس في قلب الشنطة دي."

نهضت قدرية من مكانها واقتربت من تلك الحقيبة وقامت بفتحها وإخراج تلك الأكياس تعاين تلك الخضروات والفاكهة، قائلة بعدم رضا: "معرفش كان إيه هَفَني في عقلي أقولك إتسوقي لي. إيه ده؟ الفاكهة والخضار معطوبين. طبعًا إسترخصتي وجبتي حاجات مش نمرة واحد. زي ما كنتي متعودة في دار أهلك." ردت سميحة بدمعة وهي تشعر أن قدرية تحاول الاستقلال من شأنها: "إحنا كنا فقراء صحيح وكنا عايشين على قدنا، بس ماما عمرها ما أكلتنا حاجة معطوبة." نظرت

لها قدرية قائلة بتأمر: "وسعر الحاجات دي قد إيه بقى؟ ولا خايبة في الشرا كمان." ردت سميحة: "لأ مش خايبة في الشرا. وبعدين بتسأليني ليه؟ أنا دفعت تمن الحاجات دي من معايا." ردت قدرية بتهكم واستقلال: "دافعة تمن الحاجات دي من معاكِ؟ كأنك دافعاهم من خير أهلك. إياك ما كله من خير ابني اللي معيشه في نغنغة. مكنتيش تحلمي بها. لدغة ناقصة زيك." ردت سميحة بضيق تحاول ضبط نفسها حتى لا ترد على قدرية بطريقة تؤخذ عليها خطأ:

"ناقصة إيه يا حماتي. قصدك إيه؟ وفيها إيه أما أكون لدغة. ده ينقصني في إيه؟ عن غيري في إيه؟ ردت قدرية بضيق: "هو فيه إيه؟ كل كلمة أقولها تردي لي عليها بجملة. بتردي عليا لؤم بلؤم كده ليه؟ ولا عشان ربنا حوجني للي ميسواش." ابتلعت سميحة حديث قدرية الفج، قائلة: "ربنا ما يحوجك يا حماتي. والله محمد على طول بيوصيني عليكي." تهكمت قدرية ساخرة:

"آه، وأنتي بتعملي بالوصية قوي. خدي الفاكهة والخضار دول للمطبخ واغسلي لي شوية فاكهة في طبق وهاتيهم." حاولت سميحة ضبط نفسها قائلة: "حاضر." ثم خرجت من الغرفة إلى المطبخ. بينما جلست قدرية تشعر بالزهو والغطرسة، لكن في نفس الوقت شعرت بالغيظ من تلك اللدغاء، التي تأتي إليها مرة بالأسبوع كي تطمئن عليها وتهتم بطلباتها. همست قدرية بغِل:

"اللدغة أم نص لسان. حاوطة في الكلام. كل ما أحاول أوقعها في الكلام وأسألها عن أخبار دار العراب بترد عليا بالقطارة. ما بعرفش آخد منها خبر واحد." بينما سميحة توجهت إلى المطبخ. وضعت تلك الحقيبة وآتت بأحد الأطباق ووضعت به بعض الفواكه وقامت بغسلها. تُلجم غضبها من طريقة حديث قدرية الفظة، وحدثت نفسها:

"والله لو مش وصاية جدتي هداية ليا أتحمل طبعك الغلس. أنا ما كنت جيت لك. بس أنا بسمع كلام جدتي هداية. يمكن تدعي لكِ دعوة حلوة وتقبل. ما أني أشك إن اللي زي حماتي دي تدعي دعوة وتقبل. دي لسانها بينقط سم." كادت سميحة تخرج من المطبخ، لكن قبل ذلك بالصدفة تسمعت حديث حماد على الهاتف مع أحدهم. كانت ستخرج بلا اهتمام، لكن سمعت ذكره لاسم العراب، فتوقفت مكانها لتسمع ماذا يقول عن العراب.

سمعت تهكمه على عيلة العراب، وأيضًا كان حديثه عن سلسبيل التي رفضت بيع تلك التماثيل، ساخرًا من غباء وتسلط قماح عليها. همست سميحة لنفسها قائلة: "صحيح قليل الأصل. بتاكل في خير دار العراب وبتجيب سيرتهم بالسوء. بس واضح إنك زي أختك الخسيسة. يظهر إنها وراثة عندكم. بس أنا هطلع قدامه إزاي؟ مش بعيد يشك إني سمعت لكلامه ويلفت له."

وقفت سميحة حائرة تخشى دخوله إلى المطبخ، فهي تكره نظرات عيناه الثاقبة والفجة. رغم أنه لم يتعرض لها سابقًا، لكن تشعر من نظرات عيناه أنه بلا أخلاق. أما حماد، أغلق الهاتف ووقف يزفر نفسه بغضب وحقد. وكان سيدخل للمطبخ، لكن للصدفة نادت عليه عطيات فذهب إليها. تنهدت سميحة براحة وخرجت سريعاً من المطبخ وذهبت إلى غرفة قدرية. قدرية التي استقبلتها بضيق وتهجم قائلة: "ساعة على ما تغسلي الفاكهة؟ ولا توهتي في الدار من وسعها."

صمتت سميحة تنظر لـ قدرية هامسة لنفسها: "والله الدار دي حاوية العقارب." نظرت لها قدرية بشر قائلة: "مبترديش ليه يا أم نص لسان؟ ردت سميحة: "الوقت قربنا عالعصر ولازم أرجع قبل محمد ما يرجع للدار عشان يتغدا. سلاموا عليكم." قالت سميحة هذا ولم تنتظر رد قدرية وغادرت فورًا. بينما تهجمت قدرية... *** في منزل الجزيرة.

أغمضت سلسبيل عينيها وتنهدت بنشوة وهي تجلس بالحديقة تشعر بانتهاش روحها وهي تستنشق عبق تلك الزهور الممزوج مع نسمات الهواء. كذلك تستمتع بدفء شمس الربيع تشعر بالسلام في قلبها. تبسمت وهي تشعر بيدي صغيرها التي تسير على وجهها ظنًا منه أنها نائمة. يحاول إيقاظها. فتحت عينيها تنظر له ببسمة. وشعرت بيدي قماح التي وضعهما على كتفيها من الخلف. أدارت رأسها تنظر له بإبتسامة. تبسم قماح وانحنى يُقبل وجنتها ثم أخذ الصغير منها قائلاً:

"مش كفاية قاعدة تحت الشمس؟ ابتسمت سلسبيل قائلة: "خلاص الوقت مر بسرعة. بقينا العصر ولازم نرجع لدارنا دار العراب." تبسم قماح بعد أن أخذ الصغير من يدي سلسبيل ونظر له قائلاً بمزاح: "إيه رأيك يا ناصر بيه نرجع دار العراب ولا نفضل هنا في الجزيرة كمان الليلة." رد الصغير بحركات يديه الذي يحاول العبث بوجه قماح. ليس هذا فقط، بل قام بلعق أنف قماح الذي تبسم له. نهضت سلسبيل قائلة:

"أنا عن نفسي معنديش مانع. مستعدة أعيش هنا طول عمري. كفاية الصفاء والهدوء ده. بس برضوا اللمة اللي في دار العراب وحشتني ولازم نرجع لهم من تاني." تبسم قماح وهو يلف يده حول خصر سلسبيل قائلاً: "أوعدك من فترة للتانية نجي نقضي هنا وقت جميل... بس المرة الجاية هنبقى لوحدنا أنا وأنتي وبس، عشان ميبقاش فيه عازول بينا." ضحكت سلسبيل على رد ناصر الذي قام بهبش وجه قماح. وقالت: "واضح إن ناصر مش عاجبه إنك تقول عليه عازول."

تبسم قماح وقبل يد صغيرة ثم قبل وجنة سلسبيل يضم جسدها إليه، يشعر بدفء العائلة الذي افتقدها يعود إلى قلبه. *** في دبي. عدل كارم تلك الوسائد خلف ظهر همس الجالسة على الفراش وجلس لجوارها يضمها لصدره. تبسمت همس على ملامح وجه التي ما زالت يظهر عليها الخوف بوضوح. وقالت بمرح حتى تزيل ذلك الخوف عن كاهلهُ: "ابنك شكله هيطلع شقي زيك. على فكرة وإحنا صغيرين لما كنت بتكسر لسلسبيل التماثيل اللي كانت بتتعب في تشكيلها."

رغم رجفة قلب كارم وتلك اللحظات الصعبة التي عاشها قبل قليل، لكن تبسم قائلاً بتبرير: "أنا كنت بعمل كده عشان ألفت نظرك ليا. كنت بحب أشاغبك لأن عارف إنك إنتي اللي هتتهجمي عليا عشان كسرت تمثال سلسبيل. سلسبيل مكنتش بتتكلم بس أنتي كنتي بتبقي زي المدفع. فاكرة مرة غرقتيني ميه بخرطوم الري بتاع الجنينة وبعدها أنا أخدت دور برد وجدتي كانت بتسقيني مجموعة أعشاب عشان أخف بسرعة لأن وقتها كنت في امتحانات نص السنة." ضمت

همس رأسها لصدر كارم قائلة: "أنا كنت أشقى تاني واحدة في اخواتي. هدى شقية، إنما سلسبيل واخدة عقل جدتي هداية أكتر. إنما هدى بقى دي الطايشة بتاعتنا." تنهدت همس تشعر بالحنين لأختيها الذي أصبح يراودها بشدة الشوق لهن. وسرحت قليلاً. شعر كارم من نبرة حديث همس أنها أصبحت تشتاق كثيراً لاختيها، فقال بمفاجأة: "همس إيه رأيك ننزل مصر الفترة الجاية." تفاجأت همس ونظرت لـ كارم قائلة بإستيعاب: "قصدك إيه بننزل مصر؟

وشغل المطعم اللي هنا، عاوز ترجع مصر بعد المطعم ما بدأ يشتغل كويس وبقى له زباين محترمين؟ رد كارم بتفسير: "لأ طبعاً. أنا مش قصدي إننا ننزل مصر ونرجع نستقر هناك. أنا قصدي ننزل مصر الفترة الجاية. أنا أرجع لهنا أتابع شغل المطعم، وأنتي تفضلي في مصر لحد ما تخلصي بقية شهور الحمل وتولدي بالسلامة وترجعي لهنا تاني بالبيبي." ردت همس التي شعرت برجفة في قلبها لكن حاولت المزاح: "طب ليه لازمتها إيه الشحططة دي؟

ما أفضل هنا وأولد هنا. والولد ياخد الجنسية الإماراتية. أنت عارف الجنسية الإماراتية بقت زي المصباح السحري للسفر لأي مكان. دي بقت تنافس جواز السفر الأمريكي والشنجل الأوروبي." تبسم كارم قائلاً: "مش قصدي عالجنسية الإماراتية دي سهلة. أنا قصدي هناك هتلاقي اللي يراعيكي طول الوقت." تبسمت همس قائلة: "هلاقي اللي يراعيني ليه؟ أنا مالي؟ أنا كويسة قدامك أهو. ولا عشان المغص اللي كان عندي من شوية؟

لأ اطمن. اهو انت سمعت الدكتورة بنفسها طمنتana البيبي بخير وأن ده مغص عادي ومالوش أي خطورة عالحمل. بيبقى يصيب الحوامل من فترة للتانية. وبعدين سبق وقلتلك ابنك وارث الشقاوة من الجهتين." ضم كارم همس قائلاً: "بصراحة أنا بعد ما شفت وجعك بسبب المغص ده بقيت خايف المغص ده يرجع تاني في وقت أكون أنا مش فيه معاكِ. وقتها هتعملي إيه؟ ردت همس: "وليه تقدر البلا؟ الدكتورة قالت ده شئ عرضي مش لازم يرجع تاني...

كارم بلاش تبالغ. أنا بخير. مكنش حتة مغص اللي لسه مخوفك كده." رد كارم: "همس أنا فعلاً خايف عليكي. وفيها إيه لما تنزلي مصر الفترة الجاية، لحد ما تولدي." ردت همس: "فيها إنك نسيت يا كارم، إني في نظر الجميع ميتة." تنهد كارم يبتلع تلك الغصة قائلاً: "همس أظن الكذبة دي لازم تنتهي بقى وتظهر الحقيقة إنك لسه عايشة، والكل يعرف بكده." ارتعشت همس وابتعدت عن حضن كارم بصمت. شعر كارم برعشة همس وجذبها لحضنه مرة أخرى قائلاً:

"همس أظن أنك اتعالجتي ولازم تقدري تواجهي دلوقتي. آجلاً أو عاجلاً مسيرنا هننزل مصر ووقتها هيكون حتمي اللقاء بينك وبين أهلنا. ولا هتتنكري قدامهم؟ طب هقولك على حاجة. بابا قالهالي بعد ما بعتنا كسوة سبوع ناصر ابن سلسبيل، إن سلسبيل شكت إنك عايشة." لم تتعجب همس من ذلك وقالت: "كنت متأكدة أن سلسبيل هتشك في كده. ناسي إن سلسبيل هي اللي ظهرت براءتي...

صدقني يا كارم أنا مشتاقة إني أرجع من تاني وأعيش وسط أخواتي ونفرح ونلعب تاني زي ما كنا. بس خايفة من الصدمة لما يعرفوا إني لسه عايشة، وبالذات من الصدمة على ماما. مش متوقعة رد فعلها. يمكن يخيب أملي وقتها." رد كارم: "ليه يا همس؟ مرات عمي مفيش في حنيتها وتواضعها." تنهدت همس: "بس الحنية زيادة عن اللزوم أوقات بتبقى ضعف. ماما أوقات كتير كنت بحس إنها سلبية." تنهد كارم يقول:

"بالعكس. أنا شايف مرات عمي أكتر واحدة في دار العراب إيجابية. بابا قالي إنها ضربت قماح بالقلم عشان خاطر سلسبيل، لما اتجوز عليها." تعجبت همس وقالت بعدم تصديق: "ماما ضربت قماح بالقلم؟ مستحيل. مش مصدقة." رد كارم: "لأ صدقي يا همس. مرات عمي مش ضعيفة ولا سلبية. هي كل اللي عاوزاه إنها تعيش حياة هادية بدون مشاكل أو نزاعات على أنها تستحوذ على قيمة ومقام معين. زي.....

صمت كارم يشعر بغصة، قبل أن يعطي لها والداته مثال على الأنانية وحب الذات. شعرت همس بصمت كارم وعلمت أنه يقصد والداته، فقامت بتغيير مجرى الحديث: "خلي أمر نزولي لمصر ده للوقت. الله أعلم إيه الجاي لسه. أنا بعد اللي حصلي مكنتش مصدقة إني أرجع طبيعية تاني...

والسبب في رجوعي هو أنت يا كارم. صبرك ودعمك ليا خلاني قدرت أتخطى المحنة اللي كنت فيها. أنا بندم على إني في وقت كنت بضايق منك لما كنت بتحاول تقرب مني وأنا عايشة في وهم كنت برسمه بغبائي، وكنت بحاول أتهرب منك. بس أنت كنت زي المغناطيس جذبتني ليك. أنا بحبك يا كارم." قالت همس ذلك وقامت بحضن كارم قويًا. تبسم كارم وضمها أقوى حتى أنين من بطنها، وسمع ذلك الأنين. فك كارم عناقه لهمس بخضة قائلاً: "المغص رجع تاني." تبسمت همس قائلة:

"لأ بس أنت حضنتني جامد وناسي إني زي البالونة المنفوخة وأنت زنقت على بطني." تبسم كارم يلتقط نفسه قائلاً: "أنا بقول أقوم أعمل لينا شوية فشار ونشوف فيلم كويس نسمعه سوا. اهو نتسلى فيه. أنا بصراحة كان نفسي نتسلى في حاجة تانية بس خلاص الدكتورة منعت التسليّة دي شوية وغصب عني لازم أستحمل من أجل عيون هاميس." تبسمت همس قائلة: "ليه مش هترجع للمطعم تباشر الشغل فيه؟ رد كارم: "لأ قاعد معاكِ أنتي والأستاذ ناصر كارم اللي خضنا."

تبسمت همس بقبول تشعر بسعادة رغم أنها بها جزء ناقص، لكن بداخلها أصبحت تريد أن تسمع لقول كارم وتعود. لكن ما زال لديها بعض الرهبة من المواجهة مع والديها وأختيها. وماذا سترد عليهم حين يعاتبوها لما أرادت الابتعاد عنهم... لكن ربما اللقاء قريب ووقتها يحدث ما هو مقدر... *** في دار العراب. مع نهاية وقت العصر. دخل قماح يحمل الصغير وخلفه سلسبيل. توجهوا إلى غرفة هداية مباشرة. دخل قماح. تبسمت هداية قائلة:

"ناصر حبيبي. إتوحشتك جوي من امبارح غايب عن نظري." أعطى لها قماح ناصر. أخذته منه مبتسمة ونهضت وفتحت أحد الأدراج وأخرجت منه شيئًا... في ذلك الوقت دخلت سلسبيل هي الأخرى تبتسم. تحدثت هداية وهي تنظر إلى وجوههم السعيدة قائلة: "حمدلله عالسلامة. تعالي يا سلسبيل خدي ناصر شليه عشان أعرف أشابك له الحجاب ده في هدومه." اقتربت سلسبيل منها وأخذت ناصر وحملته مبتسمة وهي ترى شبك هداية لذلك الحجاب البسيط بملابسه، قائلة:

"الحجاب ده دايماً تشابكيه في هدوم ناصر اللي تحت. ده حجاب مبارك وهيحفظه." تبسمت سلسبيل قائلة: "حاضر يا جدتي." قبل أن يتحدث قماح، كان هناك أصوات عالية يأتي من الخارج. خرجوا سريعاً من الغرفة باتجاه تلك الأصوات... بينما قبل قليل. بشقة زهرت.

وقفت أمام المرآة تضع بعض مساحيق التجميل على وجهها تُخفي آثار الصفعة الظاهرة على وجهها. بالفعل أخفت تلك العلامات، ربما لوقت. لكن ماذا بعد أن تُزيل تلك المساحيق ستظهر تلك العلامات مرة أخرى وربما يراها رباح ويسأل عن سببها.

وقفت تسب وتلعن في ذلك الوغد نائل. ألقت ما بيدها على الأرض بعنفوان تزفر أنفاسها الملتهبة بغضب. لثوانٍ، ثم نظرت إلى ما كان بيدها وألقته على الأرض. وبدأت في الانحناء وجمعه مرة أخرى. بالصدفة توجهت نحو زجاج الشرفة تلتقط إحدى تلك الأشياء من على الأرض. واستقامت مرة أخرى. وقع بصرها عبر زجاج الشرفة على سميحة التي تسير بالشارع تكاد تقترب من الدخول إلى الدار. نظرت بغيظ وحقد كبير. تلك اللدغاء تستحوذ على قبول وترحيب الجميع بها منذ أن دخلت إلى الدار. تملك منها شيطانها في نفس اللحظة إنها فرصتها. ألقت تلك الأشياء التي كانت بيديها أرضًا مرة أخرى وخرجت من الشقة ومنها إلى الأسفل. وقفت في مدخل الدار الداخلي تنتظر دخول تلك اللدغاء كي تنفذ مخططها الشيطاني.

بالفعل دخلت سميحة إلى الدار. تعجبت من وقوف زهرت قائلة: "واقفة كده ليه؟ ردت زهرت بتهكم وجر أنين: "واقفة مستنية أشوف جمال خطوتك. كنتِ فين لدلوقتي؟ قربنا عالمغرب." ردت سميحة: "أنا راجعة مش فايقة. إبعدي عن طريقي." قالت سميحة هذا وأكملت سير، لكن زهرت توقفت أمامها قائلة: "ومش فايقة لي ليه؟ راجعة منين؟ يمكن من عند دكتورة النسا ولا حاجة... إيه خايفة تكوني عاقر؟ بقالك كام شهر متجوزة ومحبلتيش." رد سميحة بغضب:

"أوعى لمعنى كلامك كويس. منين عرفتي إني عاقر؟ وأهو إنتي قولتيها بقالي كام شهر. إنما إنتي قربتي على سنتين متجوزة ويادوب لسه حامل جديد... أما أبقى يعدي عليا سنة من غير ما أبقى حامل وقتها أبقى أقلق. وسعي من سكتي أنا راجعة مصدعة." تعصبت زهرت ولم تتجنب من أمام سميحة، بل ادعت سقوطها أرضًا ومدت يدها تدعي أنها تستند على سميحة التي للحظة خشيت عليها. لكن ذُهلت حين صرخت زهرت وظلت ممسكة بيد سميحة وهي تجلس أرضًا تقول:

"إبعدي عني حرام عليكي. أنا حبلى بتضربيني. عاوزة تسقطيني." آتت على صريخ زهرت نهلة أولاً ثم قماح وخلفه سلسبيل وهداية، وأيضًا بعض النساء العاملات بالمنزل. كانت الصدمة لهم. زهرت شبه نائمة على الأرض وسميحة تمسك بيدها. تملك الشيطان من زهرت أكثر تقول برجاء: "أبعدوها عني. ضربتني بالقلم وزقتني على الأرض وكانت عاوزة ترفصني في بطني تسقطني. كل ده بسبب غيرتها مني."

تلجم عقل سميحة من تلك الخبيثة الكاذبة. وجال بصرها لوجوه الموجودين بالمكان تهز رأسها بنفي أن هذا لم يحدث. ذهبت إحدى الخادمات إلى زهرت وحاولت مساندتها حتى تقف. بدموع التماسيح سندت زهرت عليها. واستقامت تعدل حجاب رأسها تقول: "شوفي آثار إيديها معلمة على وشي. ورقبتي دي حاولت تخنقني. ليه وليه بقولها خفي رجلك من المرواح عند عمتي قدرية وبلاش تنقلي لها سر الدار هنا." عقل سميحة لا يستوعب كل هذا. لكن بلحظة تجمعت شجاعتها قائلة:

"كذابة يا زهرت. منين جالك إني كنت عند عمتك قدرية؟ إنتي قولتي لي إني كنت عند الدكتور عشان أعرف إن كنت عاقر أو لأ." بجاحة ردت زهرت: "أنا هقولك عاقر ليه. وعرفت إنك كنتي عند عمتي من ماما لسه قافلة معايا الموبايل. قولت أحذرك. لكن إنتي اتهجمتي عليا... وعندي استعداد أحلف عالمصحف بكده." ردت سميحة: "وأنا كمان هحلف عالمصحف إنك كذابة وإني مقربتش منك وكل ده تمثيل." تهجمت زهرت قائلة: "إيه اللي تمثيل؟

علامات صوابعك اللي على وشي ولا اللي على رقبتي... وظاهرة أهي." قبل أن تدافع سميحة عن نفسها، تحدثت هداية بحزم للشغالات: "كل واحدة تروح تشوف شغلها. الرجالة زمانهم على وصول." ثم نظرت لـ سميحة وزهرت: _وإنتوا الاتنين حصلوني عالمندرة حالاً." تحدثت سلسبيل: "مش معقول كذب زهرت. أنا مصدقة سميحة." ردت نهلة: "وأنا كمان مصدقة سميحة. زهرت خبيثة. اقولك ملكيش دعوة هما سلايف مع بعض والحجة هداية هتحل المشكلة." ردت سلسبيل:

"تمام. أنا هطلع أغير لـ ناصر." تبسمت لها نهلة وهي تقبل يد الصغير قائلة: "إتوحشتك كتير. أوعى تكون نسيتني." تبسم الصغير لها وألقى بنفسه عليها. تبسم قماح وسلسبيل التي قالت بمرح: "طب طالما بعتني بسهولة كده خليك معاها بقى." تبسمت نهلة لها قائلة: "ناصر ده روحي. إطلعي إنتي وقماح غيروا هدومكم وانزلوا. في هنا غيارات لـ ناصر هغيرله أنا." تبسمت سلسبيل وقماح بموافقة وصعدوا إلى شقتهم. دخلت سلسبيل وخلفها قماح... وقفت سلسبيل تقول:

"معرفش غرض زهرت إيه من اللي عملته مع سميحة. سميحة رغم معرفتي بها من مدة مش طويلة بس قلبها أبيض متعملش كده... إنما زهرت طول عمرها قلبها أسود وحقودة." رد قماح: "أهو إنتي قولتيها زهرت قلبها أسود وحقودة. ويمكن استفزت سميحة وخرجتها عن شعورها." تعجبت سلسبيل قائلة: "قصدك إيه؟ يعني انت مصدق إن سميحة تضرب زهرت؟ لأ وكمان كانت عاوزة تسقطها؟ عن تجارب سابقة مع زهرت مستحيل أصدق كذبتها دي."

اقترب قماح من سلسبيل ووضع يديه حول خصرها قائلاً: "أنا لا مصدق زهرت ولا مكذب سميحة. الموضوع مش فارق معايا من أساسه. أنا بقول طالما مرات عمي خدت ناصر معاها يبقى نستغل الفرصة دي." أنهى قماح حديثه وهو يقبل وجنتي سلسبيل ينزع الحجاب عن رأسها يُسدل بيديه شعرها ثم قبل عنقها. تبسمت سلسبيل بترحيب ونظرت لعين قماح للحظات قبل أن تخفض عينيها خجلًا، ثم ابتعدت عن قماح وذهبت إلى غرفة النوم، وخلفها قماح، ليعيش الاثنين لحظات عشق.

بعد قليل. نامت سلسبيل بظهرها على الفراش تتنهد بقوة. اقترب قماح منها وجذبها لصدره قائلاً: "إيه سبب التنهيدة دي؟ ضمت سلسبيل نفسها لصدر قماح واقتربت براسها من عنقه تستنشق بأنفها عطرهُ قائلة: "هتصدقني يا قماح لو قولت لك معرفش سبب للتنهيدة دي." تبسم قماح قائلاً:

"بس أنا عارف سبب للتنهيدة دي. أقولك بسبب ناصر مش هنا ومزعجناش وإحنا مع بعض زي ما بيعمل دايمًا. ما يصدق إني أقرب منك زي ما يكون بيغير عليكي مني ومش عاوزني أقرب منك. خايف نجيب له أخ يستحوذ معاه شوية عالدلع والاهتمام." ضحكت سلسبيل قائلة: "يمكن برضو. بس أكيد لسه بدري على ما يجيله أخ وهو لسه عمره يا دوب شهور." توقفت سلسبيل تفكر ثم قالت: "قماح أنا مش باخد أي مانع حمل. إزاي فاتت عليا دي." ضحك قماح قائلاً:

"واضح إن ناصر مش هيفضل وحيد لفترة طويلة وهيجيله أخ أو أخت بسرعة." تبسمت سلسبيل قائلة: "قماح أنا ملاحظة إنك نفسك أخلف تاني بسرعة ليه؟ تبسم قماح قائلاً: "أنا عاوز يبقى ليا عيلة صغيرة معاكِ يا سلسبيل. أنا طول عمري اللي فات كنت بحس إني وحيد. ومتقوليش عندك تلات أخوات، آه أخواتي بس مش شُققة. غير إني عشت لفترة بعيد. ومش عاوز ناصر يحس بوحدة زيي." تبسمت سلسبيل وهي تضم قماح قائلة: "ودلوقتي لسه عندك إحساس إنك وحيد؟

ضم قماح سلسبيل قائلاً: "لأ. معاكِ أنتِ وناصر اللي بيسهرك طول الليل حسيت بالعيلة اللي كنت بتتمناها." بعد قليل. وقفت سلسبيل تعدل من هندامها أمام المرآة. نظرت لإنعكاس قماح قائلة: "زمان ماما قالت طلعوا فوق يغيروا هدومهم ونسيوا نفسهم." تبسم قماح قائلاً: "لأ اطمني. ناصر طول ما أنتي بعيدة عنه بيبقى هادي." *** حل المساء، بـ دار العراب. بشقة زهرت.

قامت بجمع ملابسها ووضعت مصوغاتها الذهبية كلها بها. تفاجأ رباح الذي دخل إلى الشقة من وقوف زهرت وخلفها تلك الحقيبة قائلاً: "رايحة فين بشنطة هدومك دي؟ ردت زهرت: "أنا ماشية. هسيب دار العراب. أنا بعد اللي حصلي واللي جدتك عملته فيا مستحيل أفضل هنا في الدار دي. يا أنا يا سميحة اللدغة." رد رباح: "مش فاهم إيه اللي حصل؟ ردت زهرت: "أحكيلك اللي حصل."

سردت زهرت له كذبتها وما حدث من تهجم سميحة عليها بالضرب، ومساندة هداية لها عليها حين دخلن خلفها إلى غرفتها. فلاشـــــــ..باك. دخلت هداية وجلست على مقعد بالغرفة. دخلت خلفها سميحة مباشرةً تبكي وتوجهت إليها وانحنت تُقبل يديها قائلة:

"والله يا جدتي ما حصل وأتهجمت على زهرت بالكلام ولا مديت إيدي عليها، ولا حتى كمان بنقل أسرار الدار لحماتي. إنتي اللي بتؤمرينى أروح أزورها. والله أنا بتحمل وجودي عندها بالعافية. دي بتعاملني على إني شحاتة وشغالة عندها. بس بتحمل زي ما قولتي لي قبل كده. زهرت بتفترى عليا ونقري من نقري من يوم ما دخلت لـ دار العراب." بكت زهرت هي الأخرى قائلة: "وأنا هحط نقري من نقرك ليه؟ أنا زيي زيك هنا. وهفترى عليكي ليه؟

يعني هكون أنا اللي ضربت نفسي. ووقعت عالأرض." ردت هداية: "بس مفيش واحدة فيكم تتكلم قبل ما أقول لها.." قالت هداية ونظرت لوجوه الاثنتين، استشفت من خلالهما الصادقة ومن الكاذبة، وقالت: "زهرت أنتي بتقولي إن سميحة بتنقل أسرار دارنا لـ قدرية. إيه دليلك على كده؟ نقلت لها إيه؟ ارتبكت زهرت قائلة بتعلثم: "معرفش. ماما هي اللي قالت لي أحذرها. عمتي قدرية محروقة بعد طلاقها ونفسها تتشفى في عيلة العراب...

وسميحة هي الوحيدة اللي بتروح لها. أنا رغم إنها عمتي، بس أنا اخترت أصون سر دار جوزي." تهكمت هداية قائلة: "وانت سيد من يصون السر؟ أنا عندي ثقة في سميحة وزي ما قالت أنا اللي بسمح لها تروح لقدرية. لكن إنتي خرجتي الصبح من الدار من غير إذني. روحتي فين ورجعتي طلعتي على شجتك طوالي؟ ارتبكت زهرت قائلة بدموع: "أنا كنت بزور قبر بابا. جالي في الحلم بيعاتبني، إني مش بزور قبره وأقرأ له الفاتحة ترحمه." تهكمت هداية قائلة:

"تقدري تقري له الفاتحة وتوصله من أي مكان. وليه مجتيش تاخدي إذن مني؟ أنا مش قايلة مفيش واحدة تخرج من الدار بدون إذني؟ ردت زهرت: "طب ما سلسبيل بتخرج بمزاجها." ردت هداية بحزم: "مالكيش صالح بسلسبيل. بتخرج لشغلها في المقر بإذن جوزها. إنما أنتي بتخرجي بمزاجك بدون إذن حتى رباح... دلوقتي اللي حصل ينتهي عليه خبر. وأيًا كان أنتي الصادقة أو سميحة، الموضوع خلص. ولو اتكرر بعد كده هيكون ردي عليه مش هيسرك يا زهرت."

شعرت سميحة بانشراح في قلبها وقبلت يد هداية قائلة: "والله أنا من يوم ما دخلت لدار العراب وحتى من قبل ما اتجوز محمد حبيت كل اللي فيها وعمري ما فشيت سر حتى لماما نفسها. حتى هي مش بتسألني أصلاً... وإنتي شايفة معاملتي مع كل اللي في الدار." قاطعتها هداية قائلة: "جولت كفاية عاد. يلا كل واحدة منيكم تطلع شجتها تغير خلجاتها. رجالتكم زمانهم على وصول... واللي حصل ممنوع أي راجل يعرفه."

نظرت زهرت لهداية بغل ولسميحة أيضاً وخرجت ببركان في عقلها. هداية أنصفت سميحة عليها. توقفت زهرت من سرد ما حدث لـ رباح بنحيب دموعها الخادعة، قائلة: "أنا عارفة إن جدتك طول عمرها بتكرهني ومكنتش موافقة على جوازنا. بس اللي حصل النهارده يأكدلي إني ماليش مكان هنا. دي أنصفت اللدغة عليا. أنا قبل ما أكون مرات حفيدها كنت بنت... توقفت زهرت لثوانٍ ثم قالت: "طبعاً كانت هتحبني وأنا أبقى بنت بنت جوزها. أكيد ده سبب الحقد جواها ليا...

أنا ماشية عشان ترتاحي." أمسك رباح يد زهرت قائلاً: "لو في واحدة لازم تمشي من الدار فهي سميحة مش أنتي يا زهرت." قال رباح هذا وترك الشقة متوجهاً لأسفل بزوبعة... دخل إلى غرفة المعيشة. كانت هداية تجلس مع النبوي ومحمد وناصر، وكذا قماح. كاد يتصادم مع دخول سميحة. نظر لها بحقد قائلاً بتهجم: "طبعاً مبسوطة إن جدتي أنصفتك على زهرت بعد ما كنتي عاوزة تسقطيها. بترسمي دور البراءة وأنتي واحدة حقيرة ملهاش أصل وإندست وسطنا."

انصدمت سميحة من تهجم رباح عليها الذي كاد أن يمد يدهُ عليه لولا أن أمسك محمد يدهُ قائلاً: "أوعى تمد إيدك على مراتي. وكلامك الغبي ده هتغاضى عنه بس عشان خاطر إننا أخوات. مراتي مش حقيرة ولا مالهاش أصل. متفرقش في أصلها عن مراتك زهرت. بل هي عندها اللي يميزها ومش عند مراتك." تهكم رباح قائلاً: "وإيه اللي يميزها عن مراتى؟ رد محمد: "عندها حب واحترام لكل اللي في الدار. وقبل كده رضا في قلبها. مش طماعة زي مراتك." رد رباح:

"ومراتي بتكرهكم. ولا كانت طمعت في إيه؟ نهض النبوي قائلاً: "حلو قوي وقوفكم قدامي زي الديوك كده. إيه النسوان هتوقع بين الأخوات." رد رباح: "مش النسوان اللي وقعت بين الأخوات. إنت اللي وقعت بينهم من الأول لما كنت بتفضل واحد عالتاني في المعاملة." ذُهل النبوي ودون إرادة منه كانت صفعة قوية على وجه رباح. نهض ناصر وقماح. نظر رباح لـ النبوي قائلاً: "أنا هاخد مراتي ونسيب دار العراب." انصدم النبوي من قول رباح السفيه.

وقال له بتوعد: "لو خرجت من الدار تنسى إنك من عيلة العراب." رد رباح بإستعجال: "وأنا هتبرى من عيلة العراب كلها." ذهب ناصر وامسك يد رباح قبل أن يخرج قائلاً له: "وحد الله يا رباح. اللي حصل شيطان." رد رباح: "الشيطان دخل من سنين لما راح اتجوز على أمي وجاب لها ضرة وفضل ابنها عليا. أنا ساكت بس خلاص انتهى." قال رباح هذا ونفض يد ناصر. ووجد زهرت أمامه بحقيبة ملابسها. قال لها:

"كويس إني جبتي شنطة هدومك خلينا نمشي من هنا. بعد كده انسى عيلة العراب." بالفعل خرج رباح ومعه زهرت من الدار. جلس النبوي يشعر بألم في صدره نادمًا ربما ما كان عليه صفع رباح. لكن هذا ما حدث. بكت سميحة التي تظن أن ما حدث بسببها. صعدت إلى شقتها وخلفها محمد. بينما حل الصمت والنظرات بين قماح وناصر، وهداية التي قالت:

"بنت عطيات لعبت لعبتها وفكرت إنها كسبت تبقي غلطانة. وعلى رأي المثل خيرًا تعمل شرًا تلجأ. بس الخير مش بيروح. ورباح هيرجع من تاني لـ هنا ويعرف إن ولد العراب لازم يرجع راجل قبلها مش حرمة اللي تسمم أفكاره." *** بشقة محمد وسميحة. دخل محمد وجد سميحة تبكي بهستيريا، وهي تضع ملابسها في حقيبة ملابس. نظر لها محمد قائلاً: "بتعملي إيه يا سميحة؟ صمتت سميحة وهي ما زالت تبكي وتضع ملابسها بالحقيبة. أمسك محمد يديها قائلاً بتعصب:

"بقولك بتعملي إيه؟ ردت سميحة ببكاء: "بلم هدومي عشان أمشي من هنا. أنا اللي دخلت دار العراب فرقتها." رد محمد: "سميحة بلاش تعصبيني. أنتي مش السبب. السبب عقل رباح الغبي واللي زرعت فيه ده من الأول كانت ماما وجت زهرت كملت عليه. سميحة أنتي مش السبب. انتهينا." ردت سميحة بدموع: "والله يا محمد أنا ما لمست زهرت ولا قربت منها. دي بتقول لي يا عاقر." تبسم محمد وهو يضم سميحة:

"أنا عارف معدنك من معدن زهرت يا سميحة، ومتأكد من نضافة قلبك. بلاش تخلي سواد قلب زهرت يدمر حياتنا. مكانك هنا غصب عن أي حد. ومش الخلفه هي اللي هتحدد مكانتك هنا، لأن مكانتك عالية عندي يا لدوغتي." قال محمد هذا وضمها قوياً لصدره، كذاك سميحة ضمت محمد وما زالت تبكي. بينما قال محمد بمزح: "كفاية دموع على قميصي بقى. ولا أقولك أنا هقلع القميص وأبكي عليه براحتك طالما." تبسمت سميحة بصمت تحاول تجفيف دموعها بيديها.

ضمها محمد قائلاً: "بحبك يا لدغة." *** بشقة سلسبيل. ابتعدت سلسبيل عن جسد قماح تنظر له قائلة: "قماح هسألك سؤال ولو مش عاوز تجاوب براحتك." نظر لها قماح ببسمة قائلاً: "والسؤال ده مكانش ينفع تسأليه وإنتي في حضني." تبسمت سلسبيل بخجل قائلة: "إنت بتكره رباح؟ هز قماح رأسه بنفي وهو ما زال نائمًا على ظهره قائلاً: "لأ. عمري ما كرهت رباح. بالعكس أنا بشفق عليه." نظرت سلسبيل لـ قماح بذهول. بينما استرد قماح حديثه:

"رباح كان عنده حظ ومميزات في حياته أكتر مني. بس هو اللي سلم دماغه لغيره يسمع منه ويأثر عليه... وهو بيزرع الحقد في قلبه. واللي حصل النهارده كان آخر دليل على غباؤه اللي خسرهُ. بس متأكد بابا قادر يرجعه لعقله تاني. بس قبلها هيأدبه كويس." ردت سلسبيل بسؤال مختصر: "زي إيه المميزات اللي كانت عند رباح مش عندك." رد قماح بغصة:

"كفاية كان عنده أم. حتى لو كانت شخصيتها سيئة زي قدرية. كفاية آخر الليل كان بيلاقي أم تدخل تطمن عليه. ولما كان بيوقع بيلاقي إيد تساعده يوقف ويطبطب عليه. أنا اتحرمت من أمي وبعدها محسيتش بأي حنان. حتى لما رجعت تاني لـ هنا كنت بقيت شاب." ردت سلسبيل: "وجدتي حنيتها مكنتش كافية ليك." هز قماح رأسه بنفي قائلاً: "جدتي فعلاً كانت بتحاول تعوضني فقد أمي بحنيتها. بس محدش يقدر يعوض مكان الأم يا سلسبيل...

زي ناصر كده. رغم إنك طول اليوم بتبقي بعيدة عنه وهو مع جدتي بيبقى هادي معاها. ووقت ما بترجعي إنتي وتاخديه في حضنك بيدلع عليكي ويشاغب معاكِ. عارف إنك هتتحملي دلعه ده وكمان بتبتسمي له. جواه يقين إن حبك له مكانه خاصية له لوحدهُ محدش بيشاركهُ فيه." تبسمت سلسبيل قائلة: "بس أنا أكيد مع الوقت هخلف غيره وهياخد في قلبي نفس مكانته." تبسم قماح قائلاً:

"أهو قولتي نفس مكانته. يعني مش هيبقى فيه تفرقة في مشاعرك له وبين أخواته. فا بالتالي مش هيحس إنه ناقص عن غيره. الأم بتعرف توزع حنانها واحتوائها بين أولادها بالتساوي." تبسمت سلسبيل وهي تنظر لـ قماح بصمت. شعرت بذلك الفقد الذي شعر به قماح بعد أن فقد والداته. عانى بسن صغير من القسوة فأكتسبها كي يستطيع التكيف مع المحيطين له. تبسم قماح وفتح ذراعيه لـ سلسبيل التي فهمت أن قماح يريدها أن تعود تنام بحضنهُ مرة أخرى.

استجابت سلسبيل وعادت تنام فوق صدره تضمه بيديها، ردًا على ضم قماح لها بقوة بين يديه، ثم قبلت وجنته مبتسمة قائلة: "أنا بحبك يا قماح." تبسم قماح وضمها أقوى بين يديه وهو يستدير بهم ينظر لشفاها وبلا انتظار قبلها يستقي من شفاها نبع يروي قلبهُ بقُبلات عاشقة ولمسات شغوفة، ترحب بها سلسبيل بل وتريد المزيد منها تشعر بالتميز وهي بين يديه. *** بعد مرور عشرون يوم. بتلك الشقة التي يقطن بها زهرت ورباح مؤقتًا.

صداع يفتك برأس رباح. يبحث مثل المجنون عن حبه من ذالك الدواء لكن ليس موجود. شعر بخيبة. ونظر إلى زهرت التي دخلت عليه قائلة بإستهجان: "فيه إيه مالك زي المجانين كده." رباح الذي يمسك رأسه بيديه: "علاج الصداع خلص." ردت زهرت ببرود: "وأنا هعملك إيه؟ رد رباح: "قولي لصاحبتك اللي كانت بتجيبه ليكي وهاتي منها." ردت زهرت ببرود وسخرية: "وتمنه هدفع لها منين؟

الفلوس اللي كانت معانا خلصت. لو كنت سمعت كلامي وصرفت الأشياك اللي كان النجار بيكتبوها باسمك كان زمان معاك فلوس تجيب دوا الصداع بتاعك. لكن إنت خوفت يقولوا عليك حرامي. اهو في الآخر طردوك من غير ولا مليم." رد رباح: "زهرت مش وقته. دماغي هتتفرتك. خدي أي حتة صاغة بيعيها وهاتي الدوا وصرفي نفسك بيها دلوقتي." ردت زهرت بسخرية: "وبعد ما يخلص تمن حتة الصاغة أبيع غيرها لحد ما الصاغة كلها تخلص." رد رباح بعصبية:

"لأ قبل ما تمن حتة الصاغة يخلص هكون اتصرفت وبلاش كلام كتير." ردت زهرت: "تمام. هاخد طقم دهب من اللي عندي وهنزل ابيعه. لحد ما أشوف آخرتها." قالت زهرت هذا وأخذت إحدى علب الذهب الخاصة بها وخرجت من المنزل. *** بمخزن قديم يشبه الوكر مُدنس. دخل حماد. تبسم له الآخر قائلاً بتهكم: "من زمان مجتش لهنا. قولت يمكن توهت عن المكان. إيه فكرك الليلة بالمكان ده؟ إيه الشوق حدفك؟ بس من شكل ملامح وشك إنك مضايق ع الآخر." رد حماد:

"مش فايق لتريقتك يا نائل. كفاية الغبي رباح. من يوم ما ساب دار العراب. وخالي ناصر استلم الشغل مكانه ومبقتش عارف أشتغل. وأنسى إني اعرف أدسلك البضاعة بتاعتك في البضاعة بتاعته. شوفلك طريقة تعرف توصل بيها بضاعتك للزبون بتاعها." *** بالمقر. دخلت سلسبيل إلى غرفة قماح. سمعته يتحدث على الهاتف. لاحظت توتره حين دخلت عليه فجأة. كما أنه اختصر في الحديث مع من يتحدث إليه وانهى الاتصال. تحدثت قائلة: "كنت بتكلم مين." رد قماح:

"ده واحد من التجار." ردت سلسبيل: "أنا خلصت شغلي. مش نرجع بقى الدار." رد قماح: "لأ. أنا عندي لقاء مع تاجر اللي كنت بكلمه عال موبايل. ارجعي إنتي مع السواق وأنا هروح أقابل التاجر وأرجع بعدها." تبسمت سلسبيل قائلة: "ومين التاجر ده... ممكن أجي معاك وبعدها نرجع سوا للدار." رد قماح بتسرع: "لأ. ارجعي إنتي للدار. ده تاجر لسه هتفاوض معاه وممكن حديثنا ياخد وقت. ارجعي إنتي مع السواق. وأنا هخلص معاه وهحاول متأخرش."

شعرت سلسبيل بشيء غريب، وقالت: "تمام. أشوفك في الدار." نهض قماح وذهب بإتجاه وقوف سلسبيل وقام بتقبيل وجنتيها مبتسمًا. تبسمت سلسبيل وغادرت وهي تشعر بشيء في صدرها. بعد قليل. أمام أحد الكافيهات القريبة من المقر. نزلت سلسبيل من السيارة ودخلت إلى الكافيه. إنصدمت وهي ترى قماح يجلس على أحد الطاولات. وبصحبتة آخر من كانت تتوقع. شعرت بنغزة قوية في قلبها قائلة: "هند! *** بعتذر عن التأخير. التأخير كان غصب عني.

أنا والله بكتب وعنيا تقريبًا مش شايفة بيها. أنا تاني يوم روحت المعرض. خالي توفى. وده مش بس خالي يعتبر عمي كمان لأن بابا وماما ولاد عم. وكمان اندفن مع بابا في نفس القبر. وكمان بيته جار بيتنا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...