ثم حاولت قطع العلامة الحمراء، لكني شعرت بصدمة عندما انطلق سن صغير الحجم من الظرف إلى عنق سارة. توقعت أن تصرخ أو يُغشى عليها، لكنها كانت منشغلة في ذلك الظرف المفتوح. قلت لها في ريبة: _سارة، انتي كويسة؟ نظرت لي بعدم فهم وقالت: _مش فاهمة تقصد إيه؟ _فيه سن في رقبتك! مدت يدها تتحسس رقبتها حتى شعرت به، فأخرجته وهي تقول: _ما حستش بيه خالص! _الحمد لله، أنا افتكرتك هتموتي. نظرت لي باستنكار على صراحتي وقالت وهي
تخرج ورقة من داخل الظرف: _استنى أشوف فيه إيه البتاع ده. _مكتوب كلام غريب! بلغة أغرب! أمسكته منها وكانت على حق. _سيبهولي، أنا هبقى أشوف حواره بعدين، خلينا نبسط بالجو ده. _يعني اعترفت إن العيشة البسيطة أحلى. _لأ، ما اعترفتش، أنا بجاريك، المكان مرعب، انتي شايفة الست اللي هناك دي، بقالها ساعة بترضع ابنها، والواد مش طايقها أساساً وهي مكمله. _وانت مالك انت ومالها. _لا حول الله يا بنتي، مش لازم أبص على الوسط المحيط.
في الأسابيع التالية توطدت علاقتنا للغاية، حتى تلك الليلة التي قررت فيها أن أعترف لها بما يوجد في قلبي تجاهها. كنا نجلس نتناول "الأيس كريم" على أحد أرصفة الشوارع ونحن نرتدي ملابسنا المعتادة في هروبنا من حياتنا المعتادة. _سارة. _نعم يا سيدي. _كنت عايز أقولك حاجة. _اممم. _يا بنتي، سيبي أم الأيس كريم، هقولك حاجة مهمة. قالت وهي تعقد حواجبها وترفع صوتها: _فيه إيه! ما تسبني أكل، أنا بسمع على فكرة.
أخذت شهيق وتحدثت وأنا أحاول أن أكون راقياً في أسلوبي: _الحقيقة يا سارة إني أول مرة شفتك كنت مش طايقك، وخصوصاً لما شتمتيني، بس مع معرفتي بيكي في الشهرين دول، بقيتي أغلى الناس عندي، تقريباً انتِ وأمي في نفس الغلاوة. قالت في صدمة: _أمك؟ _فيه إيه، بهزر، وبعدين متبوظيش اللحظة وبطلي أكل. _عندك حق، أنا بصراحة بحب أوي ننزل سوا، يعني فيه حد بيشاركني حياتي. _تتجوزيني يا سارة؟ لا أعرف أن تلك الكلمات موترة لهذه الدرجة!
لقد شعرت بصدمة! ونظرت بعيداً وقالت في ارتباك: _أنا.. أنا يعني… بصراحة.. اا.. _لا حول الله، أنا أروح أشوف واحدة تانية بتعرف تتكلم مع البشر. قالت في لهفة وخجل: _لأ لأ، خد، أنا موافقة خلاص، اقعد هنا. _تصدقي وتؤمني بالله! _لا إله إلا الله! _انتي خسارة فيكي الرومانسية، دمرتي اللحظة بكرشك ده. _ليه يعني، هو الآيس كريم تاعبك في إيه! _سارة، بصي في الموبايل على شكلك، انت طلعلك شنب شوكولاتة يا سارة، هجوز مدحت شلبي.
لم تأتي نهاية الأسبوع حتى تقدمت لخطبتها! كان أباها شديد الطمع، لكني لن أستغنى عنها لمجرد بعض الأموال! لكن دائماً ما تأتي الرياح بما لا تشتهيه السفن! بعد أسبوعين من خطبتي لها، مرضت سارة بشكل مفاجئ! بدأت تشعر بهزل وتثاقل، تفقد وزنها بسرعة كبيرة! ويُغشى عليها كثيراً! حتى هذا لم أكن أشعر بخطر! إلا أن بعد بضعة أيام جائني خبر أنها تقبع في مشفى (... هرولت في اتجاهها مسرعاً لكنني تأخرت كثيراً!
رأيتها تنام على الفراش في غرفتها في المشفى، كانت نائمة، لكن بشرتها مال لونها للأصفر! وصارت باهتة، ومتصل بأوردتها أجهزة كثيرة. حدثني حينها الطبيب قائلاً: _الحقيقة أنا مش قادر أحدد مرضها إيه؟ وخصوصاً إنها كانت بصحة كويسة والتحاليل بتقول إن كل حاجة سليمة. _اتصرف يا دكتور، أكيد فيه سبب. _يا أستاذ علي، الأمور مش بتتاخد كده، الآنسة سارة لما وصلت كانت شبه الأموات!
وكانت بتصرخ من ألم جسمها، بس اللي ملاحظينه إن معدل ضربات قلبها بيقل، بالإضافة إن ضغطها بيقل كمان. _أنا هاخدها وأسافر ألمانيا، هناك في دكاترة كويسين. رحلت في توهان، كيف حدث هذا! أيعقل هذا، كيف لا يستطيعون تحديد مرضها! مرت الأسابيع خلف الأسابيع حتى مر شهر كامل دون جدوى، لكن التغيير كان في صحتها، كانت تسوء. لقد بدأت عظام يدها في الظهور، صارت نحيفة للغاية، وشاحبة، لا تستيقظ مطلقاً.
وحينها قال الطبيب أنها في "غيبوبة"، دقات قلبها بطيئة للغاية، وتنفسها كان يسوء، لم يكن في استطاعتي فعل شيء! استدعيت طبيباً من فرنسا كنت على معرفة به، وكان حديثه يشابه حديث ذلك الطبيب، لا يعرفون ما مرضها! كانت خيبات الأمل تحيط بي، في كل مرة أنظر في وجهها النائم، كنت أراها جثة هامدة، لا حول لها ولا قوة. حتى جائني ذلك الاتصال في المساء. كنت أجلس فوق فراشي لأستعد للنوم حتى رن هاتفي ولكن لن يظهر رقم المتصل. _الو. _......
_الو. _لو عايز علاج سارة يبقى تقابلني بكرة في طريق إسكندرية الصحراوي، استناني عند اليافطة، الساعة 2 بليل، هستناك!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!