يجلس الحاج صادق على الأريكة في قاعة الاجتماعات الفارغة، يستند بيديه الاثنتين على عصاته العاج، ويستند بذقنه على يده، وشرد يفكر بشأن ابنه فهد وزوجته زهرة، وماذا لو علمت حقيقة زواجهما، وماذا لو يعلم فهد أيضاً باتفاقه مع العم مهدي. هل يؤثر على هذه النبتة الصغيرة التي تنبت بينهم، وكيف ستستقبل زهرة هذا الأمر؟ هل ترضى وتتعايش؟ أم سيكون هذا جرحاً جديداً لقلب ابنه الوحيد؟
رجع برأسه للخلف ليسترجع كيف كان يعيش فهد مع أخواته البنات، شهد ويمن، وكيف كان يعيش معهم أخوه الحاج صابر وولديه سعيد ووليد واختهم شيرين. الحاج صادق مع أخوه الحاج صابر. **فلاش باك** من حوالي خمس سنين. الحاجة فاطمة، زوجة الحاج صادق، تتحدث إلى زوجها: "يا حج صادق، شهد ويمن لي سيعيد ووليد ماشي، لكن فهد لشيرين أبداً مطيجاش. اسمع سيرتها ولا سيرت أمها العجربة، الإسكندرانية دي.
جال على المثل: اكفي الجدرة على فومها تطلع العجربة لأمها." يضحك الحاج صادق بصوت عالي، وقد التفت يده بحنان حول كتفيها، وأخذ يمشي بها بخطوات هادئة يريد إقناعها: "يا حاجة فاطمة، بقى أخوي يدي لولاده اتنين، وأنا استخسر فيه ولدي الوحيد؟ يرضيك الناس تاكل وشي ويقولوا الحاج صادق رجع في كلامه؟ ومع مين؟ مع أخوه اللي مالوش غيره." الحاجة فاطمة:
"يا حاج صادق، البيت عجربة حرباية، ماتحبش فهد. أنا شفتها وسمعتها بوداني هي وأمها العجربة وهي تتفق كيف يوجعوا فهد في شبكها." الحاج صادق: "ماهو كدا كدا أنا وأخوي متفقين إن التلات ولاد ياخدوا التلات بنات. هيتفقوا ليه بقى؟ انتي بس عشان مش طايقاهم، مش عايزة تديهم والدك الحيلة. غيرة نسوان وكيد حريم عاد، وأنا مش هسمح بداه أبداً. يفرق بيني وبين أخوي، واللي قولته هيتنفذ. يوم الخميس كتب كتاب التلات بنات على التلات رجالة."
"ودلوقتي قومي شوفي الأكل اللي ولدك بيحبه، عشان كلها كام ساعة وزمانه جاي من كليته، وبلاش حديد فارغ عاد." الحاجة فاطمة تنادي على ابنتيها شهد ويمن، ليأتوا في الحال. بنتين في غاية الجمال، يجمع بينهم شبه في كل شيء، الشكل والطبع، فهما توأم. وجه أبيض، عينان عسليتان، أنف نحيف وفم صغير. فهما الملائكة في طبعهما، فقد تربوا على صالح الأعمال، من صلاة وصيام وعمل الخير وخدمة الآخرين، وطاعة الوالدين. نعم نعم الذرية الصالحة. ويقولون:
"نعم يا ماي." تقف الحاجة فاطمة أمام بناتها وهي تقول: "خلصتوا الفطير يا بنات؟ فهد أخوكم على وصول. وانتوا عارفين أول حاجة بيحبها الفطير الساخن مع العسل والقشطة." شهد ويمن في نفس واحد: "أيوه يا ماي، وخلصنا حشو الحمام وطاجن الرز المعمر، وحمرنا البط وكل أنواع المحشي اللي بيعشقها فهد. كله تمام، كله خلص وحضرنا أشهى وليمة لأحلى ضابط في الصعيد كله." تصدح شهد بزغاريد، ويمن تلتف معها بحركات مرحة دائرية تدل على السعادة والفرحة.
لتضحك الحاجة فاطمة، وتتوقف فجأة وتضرب على صدرها وتقول: "واه نسيتوا الملوخية؟ يعني فهد يقول إيه دلوقتي؟ أمي نسيتني. امشي يا بنت منك ليها اعملي الملوخية، بلاش دلع ابنتة." ليضحكوا البنات: "يا أمي يا حبيبتي، هو فهد هيخلص الأكل كله ويدور على الملوخية؟ كل إجازة نعمل الوليمة اللي هي، وهو يجي يدوبك يدوق من كل صنف فتفوته." ويقطع تلك الأجواء المرحة رنين هاتف دوار. ليرفع الحاج صادق، الذي كان يقف يضحك بسعادة وهو يشاهد حديثهم،
ويتكلم: "سلامو عليكم." على الجانب الآخر، منزل الحاج صادق. الحاج صادق: "أيوه يا والدي، أنا الحاج صادق. خير يا والدي؟ الجانب الآخر: "إحنا مستشفى الشرطة العسكرية، نبلغكم بأن ابنكم فهد أُصيب أثناء العرض العسكري بحادث وهو الآن في غرفة العمليات." لتتسع عين الحاج صادق، ويعلو صوته مما يجذب انتباه الجميع بنظرات قلق وخوف ورجفة للمنظر الذي أصبح عليه الحاج صادق من هول ما سمع. وقال: "والدي كيفه؟ حصله إيه؟ أرجوك يا ولدي طمني."
يصرخ كل من الحاجة فاطمة وبناتها لمجرد ما سمعوا عن إصابة فهد. وبعد عدة ساعات، يقف الحاج صادق وهو يتمسك بتلك العصا على أمل أنها تسنده من هول ما يسمع بأن ابنه أُصيب بطلقات نارية أثناء مناورة بالرصاص الحي في عمود الفقري، مما يؤثر على الإنجاب بنسبة ستين في المائة.
لكنها خانته تلك العصا، وكاد أن يقع إلا أن يد أخو الحاج صالح ساندته. وتقع تلك العصا، ويظل الحاج صادق شامخاً كالجبل، صامداً. ليلتف حوله كل عائلته بالصراخ والعويل على ذلك الشاب التي تحطم مستقبله قبل أن يبدأ. في فيلا فهد، وقد انهارت حصون فهد وارتفعت نبضات القلوب، فقد كانت هي المتحدث الوحيد. فهذا الصمت الدامس.
انتفضت زهرة حين تفاجأت بفهد يقف أمامها، ولم يترك لها وقت للتفكير. حيث اقترب منها بخطوات غير محسوبة، حيث أصبح أمامها إلى حد الالتصاق، وقف يتأملها ويتأمل جمالها وهي بهذا الشكل المغري للغاية، ومد يده ورفع تلك الخصلة المتمردة من شعرها الحائرة على عينيها ووضعها خلف أذنيها، وأخذ يجوب بأصابعه على خديها يتحسس بشرتها الناعمة كبشرة الأطفال.
واقترب من أذنيها يهمس لها بكلمات عشق يذوب لها الوجدان، ويستنشق عطرها الياسمين المنبثق من جسدها بفعل سائل الاستحمام. ورفع يده وحل تلك المنشفة الصغيرة التي فوق شعرها، ليطلق لها العنان لتتمرد تلك الخصلات على وجهها وكتفيها وظهرها، ليعطي لها شكل مغري حيث تتساقط بعض قطرات الماء مثل قطرات الندى على أجسام الزجاج.
أما زهرة بحالتها لا تختلف عنه كثيراً. نعم، فقد أحبته بل عشقته في تلك الفترة القصيرة. فقد كانت تتظاهر بالخلود إلى النوم حيث يأتي ويستلقي بجانبها حتى تنعم بقربه. فقد وجدت أمانها بداخل حضنه.
اقترب فهد من شفتيها، تهمهم في قبلة أودع بها عشقه الذي بات ينبض بقلبه واشتياقه لها ورغبته بها. وقد استجابت له زهرة وكانها أعطت له الحق لفهد الإشارة لفعل بها ما يفعل. وكأنها تقول له إنها ملك له. وهنا صخرة رغبة فهد في امتلاكها وراودته نفسه ليميل عليها ويحملها بين ذراعيه ويضعها برفق على السرير. وزهرة تحضن عنقه وتدفن وجهها خجلاً في رقبته. واستلقى بجانبها، وقد أحطها بين ذراعيه يضمها إليه حد الالتصاق، يود ليزرعها بداخل جسده.
والتهم شفتيها في قبلة طويلة، وينعموا بليلتهما الأولى. ليضع فهد ثقل ملكيته بكل شبر بجسدها لتصبح زوجته أمام الله، ويعلن أمام الجميع استسلم الفهد لتلك القطة الشرسة، ويسلم لها قلبه وعقله وروحه إذا أمكن، فهي قد امتلكته حد الامتلاك. ليصنعوا سوياً أنشودة خاصة بهم تعزف على نبضات القلوب. وأنزلت الستار على تلك العروسين، ونتركهم ينعموا بليلتهم. ومالناش دعوة بيهم عشان حرام كدا الناس بصلهم في الليلة اليتيمة يعني.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!