علي مائدة الطعام، يلتف الجميع في جو من المرح. الجح صادق: مبروك ياعريس، كأنها أمك دعيالك ياولد عشان تاخد القمر ده. ابتسمت زهرة وانتظرت رد فهد، لكن فهد سرحان لم يسمع كلام أبيه ولم يعلق.
ممكن أثار دهشة زهرة وشعور الحاج صادق بالحرج أمام الجميع، لكنه أحس بالقلق على ابنه. أراد أن يلفت انتباهه، إلا أن فهد مازال على وضعه لا يشعر بأحد، متمعن التفكير فيما هو ذاهب إليه مع تلك الزهرة، ولماذا يكون بتلك الحالة بمجرد قربه منها. يشعر أنه مسلوب الإرادة، مسحور بنظرة عينيها. راهب في محراب عشقها. وما إن تلفظت تلك الكلمة في ذهنه، إلا وما كان منه إلا أنه ترك
الطعام وتكلم بغضب وقال: أنا شبعت، عن إذنكم. أنا طالع أجهز نفسي للسفر. وتركهم وسط ذهولهم من تلك الحالة التي هو عليها. مما زاد من حنق زهرة وتذكرت كلماته وتذكرت ما حدث بينهم. إذا هو كل ما كان يفكر فيه تجاهها صحيح، أنها رخيصة، ومن أجل ذلك طلبه أبوها أن يتزوجها أمام الجميع وقلل من شأنها وأحرجها. وهي بغبائها وضعفها أمامه أكدت له تلك الشائعة. لكن هيهات، لك مني يا فهد، فبعدي عنك شيئًا حتميًا، كلها مسألة وقت.
ونهضت هي الأخرى واستأذنت وقالت بابتسامة مزيفة: الحمد لله أنا شبعت، عن إذنكم آخد أبويا مهدي أقعد معاه شوية، لحق أشبع منه قبل ما أسافر. يا عالم، هشوفه تاني كيف ومتى. الحاج صادق باحراج مما فعله ابنه: طبعًا يا بنتي، خدي أبوكي وقعدوا براحتكم، الدار داركم يا عروستنا، على ما فهد ينزل، أصله بيحب هو اللي يحضر شنطته بيده عشان ما أنساش حاجة من حاجاته.
زهرة وقد ابتسمت لذلك الرجل العطوف بحب وهزت رأسها بتفهم، فهو لا يعرف أنها سمعت حديثهم من قبل، لكنها قالت بهدوء وسلاسة: وماله، هو براحته، أدري بحاجته يا أبا الحج. وخرجت ومعها والدها في جنينة القصر الخلفية. وما إن اختفت عن أعين الخدم والغفر، إلا وارتمت بحضن والدها تبكي بخوف،
وكأنها تود أن تقول له: إياك أن تتركني. وتشبت بحضنه وسط بكاء هستيري. فإن الأب السند والدفء والأمان اللي بجد، والدهر اللي لو انكسر اتعرّينا للخلاء، لن نجد ما يحمينا بدون غرض ولا مصلحة. عم مهدي بقلق احتضن وجهها ورفعه وهو ينظر في عينيها ليتحسس مدى صدق كلامها. مهدي: مالك يا بنت قلبي، فيكي إيه؟ وأخذ يكمل وهو يتلعثم بالكلام كأنه خائف من شيء ما. مهدي: هو فهد عملك حاجة، إذاكي؟
ردي، قولي، متخافيش. أنا أقدر أحميكي منه ومن أي حد. زهرة، بعكس ما تحمله من غضب لفهد، إلا أنها بداخلها إحساس أنه استحالة يأذيها. ابتسمت من وسط الدموع عندما تذكرت كلماته وهو يهذي بجنون في حضرة قربها. فقد أيقنت نقطة ضعفه وستلعب معه على هذه النقطة، وسوف تستغلها لحين وجود حل آخر. ونطقت بنفس الابتسامة: لا، أنا عايزة أنت، مش عايزة أسافر. ابتسم مهدي باطمئنان عندما وجد
تلك اللمعة في عينيها وقال: سافري وعيشي مع جوزك وابني مستقبلك، كيف ما كنتي بتحلمي. أومال أنا عملت كل ده ليه. عقدت حاجبيها بعدم فهم من مقصد مهدي،
لكنه طمأنها وقال: لما توصلي هتعرفي. بس أنا كنت عايز أقولك حاجة. حاولي تدي لنفسك فرصة تفهمي فهد. فهد جواه إنسان كويس وحنين، بس هو اللي لابس وش الهيبة. عايزك تطلعي الإنسان الملاك اللي مدفون جواه. وعايزك تعرفي إنه في الأول والآخر جوزك، له حقوق وعليه واجبات. ولازم تكوني إنتي البداية. أو إوعي تخافي منه أو تخبي عليه شيء. اسمعي كلامه، وبلاش العند من أجل العند. فهد راجل وأنا واثق إنه يحافظ عليكي أكتر مني كمان. وبرضه واثق في ذكائك وعارف إنك هتقدري تروديه.
هزت زهرة رأسها بضحكة زينت وجهها. رآها فهد الواقف في النافذة يراقب حركة الشفاه، وابتسم عندما رأى أشرقت الشمس على وجهها وهي تضحك. *** في المطبخ بهانة تجلس حزينة، تحمل فوق رأسها الهم مما هي مقدمة عليه. هي لا تعرف كيف تتصرف مع تلك المصيبة التي تحملها، وهي لا حيلة لها في ذلك. لكن ماذا عن تهديد فزاع لهم؟ رددت لنفسها: أكيد ربنا مش هيسبني، وهتتحل من عنده.
انتفضت على صوت كلاكس السيارة تعلن عن الرحيل. أخذت محتوياتها وذهبت، تاركة الأمر لله الذي لا يغفل ولا ينام. السواق عفيفي يسأل: يا فهد بيه، مين هيسوق؟ فهد: سوق أنت النهاردة يا عفيفي، أنا ماليش مزاج. وأعطى له المفاتيح. فتح فهد باب السيارة وانتظر زهرة التي كانت متشبثة بحضن أبوها، ثم خرجت إلى حضن الحاج صادق الذي كان يطمئنها ويحثها على المصابرة، كأنه يود أن يقول لها شيئًا، وقد فهمته هي وردت عليه بنفس النظرة.
ذهبت بخطوات ثقيلة وهي لا تعرف على أي حياة قادمة.
نظرت زهرة إلى فهد الواقف بجانب السيارة ويمسك بمقبض الباب حتى أدخلها وعدل من فستانها الطويل بكل تواضع وركب بجانبها. وقد لاحظت تغير هيئته بعد ما خلع تلك العباءة وارتدى بذلة سوداء أنيقة وقميص أبيض وكرافت بخطوط متعرجة تحمل اللون الأبيض مع الأسود، فزادت من أناقته ووسامته. فهي للمرة الأولى تراه بهذا الزي وأحست بشموخه ووقاره وهيبته. ومع ذلك لم يتكبر أن يعدل هو فستانها ولم يخجل من فعلته أمام الآخرين. فلمعت عيناها بفخر من أنه زوجها، وأحست بالاطمئنان عندما نظرت إلى أبوها وهو مبتسم ومعه الحاج صادق.
ودع فهد الجميع وانطلقت السيارة. وكانت ورائهم سيارة أخرى صغيرة تحمل بهانة ومجموعة من البودي جارد المسلحين. وأيضًا كانت ورائهم سيارة نقل تحمل الكثير من الرجال الملثمين يتتبعون خطواته بدقة متناهية.
إلى أن توقفت عجلات السيارة في استراحة. ونزل فهد ليأتي ببعض الاسناكس من السوبر ماركت على الطريق ويريح زهرة التي غفت على كتفه دون إرادتها. وقد احتضنها فهد بحب لمشاغبتها وقد التقط لها بعض الصور السيلفي وهي في هذا الوضع وقد التف ذراعه حولها بتملك.
أحب فهد أن يجلسها بأريحية أكثر حتى لا تتعب من تلك المسافة الشاقة. ونزل إلى السوبر ماركت وقد أتى ببعض الأشياء مثل البسكويت والكانز والمياه والآيس كريم. وما إن وصل إلى باب السيارة حتى اتسعت عيناه من هول ما رآه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!