في الصعيد تحديد، في دوار الحاج صادق، يتفاجأ بدخول بسماع صوت يعرفه جيدًا. استند على عصاه، يستعد لاستقبال أخيه الحاج صالح، صاحب الصوت. الحاج صالح، باشتياق ووجع، يفتح ذراعيه. "توحشتك يا غالي." واحتضنه بقوة، ووحشة الفراق. "وأنت كمان يا غالي. كيف فهد؟ وإيه اللي أنا سمعته؟ ومين اللي أمه داعية عليه عشان يعمل عاملة زي دي؟ وفي مين؟ فهد العزايزي."
"والله يا أخوي." بقهره. "ساعة ما عرفت ماجولتش إلا أخ، لقيتني بشيعلك يا خوي. جولت، ماحدش يسندني إلا أخويا توأمي، ويجف في ظهري." "طبعًا يا أخوي. أنا مجهز الرجالة برا، بينا نشوف هانعملوا إيه مع ولد الفرطوس دول." الحاج صادق استدعى الغفير وقال: "يا ولد، جهز الأكل للرجالة اللي برا." "علم يا حاج، وكله جاهز يا حاج." "صالح، إياك والحريم والأطفال. أنا لجأت ليك تساندني على رجوع الحق مش الظلم يا خوي."
"هتفضل طول عمرك صادق، مش هتتغير. همك الناس أكتر من نفسك. ما تخافش يا خوي، أنا معاك على الحق، مش هظلم حد واصل." "عارف إنك متظلمش حد، بس ليك طريقة واعرة في التنفيذ. خد بالك، أوعاك الحريم والأطفال يا صالح." "ما تخافش يا أخوي. أومال فين مهدي؟ مادريش باللي حصل لابنته ولا إيه؟ "لا مدريش. إني دريت عليه لحد ما نرجعها. مجاليش عين أقوله بنتك مخطوفة، من حضن جوزها، فهد العزايزي."
"عندك حق، وحشة في حقنا. يالا أفوتك بخير، واطمن، الليلة تبات زهرة في حضن فهد، ونعرف الكلاب دول قيمتهم، وإنهم كيف يتطاولون على حريم أسيادهم." وفي جوف الليل، تسرب حشد من الرجال، كأنه جيش عرمرم. تلك الرجال الملثمين، عيونهم كعيون الصقر، أجسادهم تظهر عليهم القوة الوحشية. من رآهم أجزم أنهم من آكلي لحوم البشر. وحاصروا كلا من بيوت الفخايدة وبيت الحنش، وجمعوا كل ما يهم من رجال. في وسط فزع من عائلة الفخايدة،
دخل كبيرهم: "إيه يا حاج صادق، من متى وأنت تدخل البيوت من غير استئذان وتفزع حريمها وأطفالها؟ "أنا صالح يابو فزاع." بضحكة عالية تدل على القوة والصلابة. اندهش وارتجف لأنه يعلم من صالح، فهو يشتهر بالقوة والقسوة، عكس صادق قوته في هيبته وطيبته. قال في رجفة: "ومن متى الكرام يدخلوا الديار دون استئذان؟
"من يوم ما الرجال ما يعرفوش يربوا رجال، ويخلفوا عيال يخطفوا الحريم، فجولت آجي أربيك عيالك، يمكن أنت مش فاضي تربيهم وتعرفهم الأصول." "قصدك إيه بكلام ده يا صالح؟ " نطق بها أبو فزاع. "قصدي إنك وكل عيلتك هتكونوا محاصرين لحين ما يبان والدك فزاع النذل الخسيس ده." صاح
كل من رجال عائلة الفخايدة: "لا والله، إحنا نقلب عليها واطيها، ومش رجالة الفخيدة اللي يقعدوا في الدار كيف الحريم متحسرين. إحنا نموتوا كلنا موتة واحدة ويترحموا علينا، ولا يطلع علينا شمس بكرة ونكون فرجت الخلق، ياصالح." "يبقى أنت اللي اخترت." بصوت هز الجدران. بإشارة من يده، رفع جميع الرجال الملثمين السلاح وأطلقوا طلقات الرصاص في الهواء، مما جعل النساء يعلوا أصواتهن بالاستغاثة والنواح والعويل. "واه يابوي الحجونا يا خالق."
وفزع الأطفال وسارعوا بالصراخ. لكن قطع كل هذا دخول الحاج صادق. توقف الجميع عن الصراخ وتوقفت طلقات الرصاص. وصدح صوته بكلمة واحدة أوقفت تلك المهزلة. "وجف يا ولد منك ليه، اكتمي يا حورمة منك ليها. مش كبرات عائلة العزايزة اللي تروع الآمنين." صاح صوت رجال الفخايدة: "أومال إيه اللي بتعمله ده يا حاج صادق؟
"بدافع عن مرات والدي، اللي ابنك بقلة تربيته وعدم نخوته يخطف حرمة عشان يساوم جوزها عليها، يبقي ينمحي أثره من على وش الدنيا." تكلم رجل يتسم بالعقل والحكمة: "وإحنا ما يرضينا إن على آخر الزمن ييجي عيل ويعفر شيبتنا بالعار، ويعيشنا باقية عمرنا عنينا مكسورة. إحنا معاك يا حاج صادق. إن كان له يد في خطف زهرة، نقطعها له، وإن ماكنش له يد ومظلوم، يبقي نعقد مجلس وكل واحد ياخد حقه." "أكده يبجي عداكم العيب."
أخرج الحاج صادق من جيبه موبايل. "أهو اتصل على ولادكم واسأله واعرف هو وين. وإن كان في مصر، تبقي اتأكد." وبالفعل، اتصل ذلك الرجل. وبالفعل رد عليه فزاع، الذي كان يشرب الخمر. رفع الهاتف دون أن يرى اسم المتصل. "الو مين معايا؟ "عمك." "أنا عمك يا فزاع. جولي يا ولدي إنت وين دلوكيت." "أيوه يا عم. أنا في مصر. خير في إيه؟ "أبدا يا ولدي، بس أمك بعافية شوية. وكنت أنا وأبوك فكرناك قريب تشيع الدكتور. يا والدي."
"لا وديها لحد قريب. وابقى طمني عليها." وأغلق الهاتف. ونظر إلى باب غرفة زهرة، ومسح فمه بطريقة تدل على الاشمئزاز، ووقف وقد نواى على فعل شيء في ذهنه. وفي القاهرة، وتحديدًا في قسم الشرطة، يجلس مع بعض رجال الأمن. وحاول رجال يتبعوا خط سير المكالمة. ونطق رجل: "عرفنا الطريق، شارع كذا في المعادي." اتسعت عيون الفهد: "أيعقل أنه عرف طريق زوجته وأنها بالقرب منه؟ جمع حشد من رجال الشرطة المتدربين، وخرج وحاصر المنطقة.
مما اتفاجأ رجال الحنش وفزاع وقد شل تفكيرهم وعجزوا عن الحركة. ودخل فهد بكل الغضب يريد أن ينقض على كل من سولت له نفسه وخدعه عقله أن يقدر على المساس بشيء يخص الفهد. انقض الفهد على باب الفيلا، خلعه من مكانه، وانقض على الحنش، الذي ما زال المفاجأة تشل تفكيره. وأخذ يضربه، لكمة ورا لكمة، حتى نزف وجهه، ولف ذراعيه بحركة عكسية مما أدى إلى كسرهم، وهو يسأله: "أين زوجتي؟ الحنش من شدة الضرب انهار، وقد أشار له على غرفة مغلقة الباب.
قبض رجال الشرطة على الحنش ورجاله. وأسْرَع فهد إلى الغرفة المقصودة، والذي ما إن اقترب منها حتى سمع صراخ ونداء زوجته وهي تستغيث به. "الحقني يا فهد." كسر فهد باب الغرفة بكتفه، وقد روى ذلك المشهد الذي يصعب على أي رجل احتماله، وهو أن فزاع يحاول اغتصاب زوجته. فزاع يعلو زهرة، التي تمنعه من الاقتراب منها بكل ما أوتيت من قوة. اشتعلت النيران في قلب فهد، وانقض عليه يريد أن يقطعه نصفين.
وأخذ يضرب به حتى سال منه الدماء من كل جانب. قبض الشرطة على فزاع بصعوبة من بين يد فهد، الذي لا يرى أمام عينيه سوى ذلك المشهد. لكنه رأى زوجته وهي مغشية عليها. تركه، وأسرع إليها. فحملها وذهب بها على وجه السرعة إلى مستشفى، وأخذ يصرخ بنداء الأطباء لينقذوا معشوقته مما هي فيه، فهو كاد أن يجن وانخلع قلبه عليها، يريد أن يطمئن عليها. وحضر الأطباء ووضعها فهد بين أيديهم، لكنه لا يرى أمام عينيه سوى ذلك المشهد المؤلم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!