خرجت زهرة من دوار الحاج صادق حيث كانت تساعد الحريم في الدار في سبيل أن تطمئن على أبوها. كانت ترتدي عباءة سوداء وطرحة سوداء، وتجري لا تعرف إلى أين ستذهب من صعق ما سمعته بأذنيها، من ذلك المغرور المتعجرف، كيف يطعن في شرفها وسمعتها ويدعي عليها الكذب. من هو حتى يحكم ويقيم الحدود، دون تحقيق أو تدقيق.
وأثناء خروجها وهي لا ترى من تجمع الدموع في عينيها، إلا أنها اصطدمت بجسد قوي صلب. أخذت تترنح إلا أن أسرع وتمسكها بيد فولاذية، اصطدمت بصدره. رفعت وجهها تئن، تقابلت العيون. لمح في عينيها فصوص من الماس والالماظ يلمعان في عينيها الزرقاء كموج البحر الغارق أو صفاء السماء في ليلة شتاء تلمع فيها أضواء النجوم، ووجهها الأبيض ووجنتيها الحمراء مع أنفها العنقودي، كأنها ملاك يمشي على الأرض. لكن لماذا يبكي هذا الملاك ولماذا هو حزين؟
ومن يتجرأ على فعل هذا من الأساس؟ مرت لحظات كأنها سنوات حفظ فيها كل تفصيلها، من قدميها حتى شعر رأسها، الذي يظهر منه خصلة متمردة على عينها بلونه الذهبي وملمسه الحريري. وهي أيضًا لا تختلف عنه كثيرًا، تلحقه كأنها نمرة شرسة، تود أن تنقض عليه تفترسه، تود أن تمزقه إربًا إربًا، هذا المغرور. نفضت يده بقوة وشراسة وتكلمت بحزم: "بعد يدك عني يا جدع انت. إيه مش تحاسب ولا انت ماشى لوحدك في الدنيا عاد؟ إيه مافيش غير على الأرض اياك؟
ماشى نافش ريشك كيف الديك الرومي الكداب، انزل وبص على الأرض. في غيرك كتير مخلوقات على. بص عينك متشعلقة لفوق. ما شايفش اللي تحت رجال عاد." وهندمت من طرحتها وتخطت فهد المصدوم كأنه نزل عليه سهم الله من جهودها العدائية، بدون مناسبة أو سبب. تخطته ولكن قبل أن تبعد قبضت يده على ذراعها بقوة ألقتها فتأوهت، وصرخت بوجهه:
"سيب إيدي يا جدع انت. أوعاك تلمسني تاني. الله في سماه أطخك عيار أجيب أجلك في الحال، وأحاصر عليك أهلك اللي انت مستقوي بيهم دول." فهد، رفع حاجبيه في إحدى واندهاش، وتكلم باستنكار، وأشار بإصبعه، بعلامة استنكار لها ولقدرتها: "إيه ده إنتي بتتكلمي كده إزاي؟ يا مرات إيه ده؟ أنا لو طبقت إيدي عليكي هنيمك في المستشفى بقيت عمرك، ولا هو لسان طويل وخلاص؟
وأمسك يدها مرة أخرى جاذبًا إياها لينظر بعينها عن قرب. لكن بحركة فجائية لا تخطر على بال فهد، مدت يدها بجانب خصره تلتقط بسرعة وخفة سلاحه الشرطي، تشد أجزاءه كأنها تلعب به يوميًا. صرخ بها فهد بجنون: "حاسبي يا مجنونة ده الخزنة مليانة رصاص حي. أوعي تأذي نفسك." زهرة، باستنكار من كلامه: "إيه يا حضرة الظابط دلوقتي قلبت قطة؟ مش كنت شوية عامل فيها أسد الغابة؟ فهد: "صدقيني يا آنسة أنا خايف عليكي. نزلي السلاح من إيدك يا شاطرة."
واقترب محاولًا أن ينقض عليها ليلتقط منها السلاح، ولكنها كانت الأسرع وخرجت منه رصاصة أصابت كتف فهد، لتصرخ هي وتلقي بالمسدس في الأرض وتنحني على فهد تتفحصه، بقلق شديد: "إيه ده حصلك إيه؟ سامحني يارب. ما كانش قصدي." وتبقى في لهفة كادت أن تهلك فهد خوفًا وقلقًا عليها. ولكن سرعان ما بدأت أن تتجمع الناس على إثر صوت الرصاص. تكلم فهد بسرعة:
"هاني يا بنتي المسدس ده بسرعة قبل الناس ما تتجمع وحسك عينك تقولي إنك أنتِ اللي ضربتي الرصاصة. أنا اللي هتصرف." تنهدت زهرة براحة: "كأنك زي القط بسبع أرواح. قوام تتعجرف تاني وبعدين أنا ما بكذبش أصل. هقول وأحط صباعي في عين التدخين في داركم." ورفعت رأسها بفخر وتحدي. فهد قام بخفة، وبسرعة ضربة بالقرب من رأسها فخشي عليه في الحال، وقال: "غبية هتودي نفسك في داهية. سلاح ميري وضرب ضابط شرطة."
أصبحت الناس تلتف حول فهد الذي بإشارة منه توقف الناس وقالوا: "خير يا فهد باشا؟ حصلك حاجة؟ هز فهد رأسه: "أبدا. إيدي. أنا كنت بنظف المسدس والبت دي ظهرت قدامي فاجأة خرجت منه رصاصة غلط. اطمنوا يا جماعة." تكلم شخص من أهل البلد: "الله ده كأنها زهرة بنت عمي مهدي. هتلاقيها كانت جاية عشان تطمن على أبوها." فهد: "مين أبوها؟ وإيه اللي هييجي هنا؟ الدوار الساعة ده؟ الرجل:
"أبوها يبقى عم مهدي، وكان جاي عشان يقدم كفنه للعائلة الفاخيدة. وأبويا الحاج صادق خالها في الدوار عشان يحميه من غدر الفاخيدة لحد ما يقدم كفنه." اتسعت عين فهد بعد أن عرف أنها هي العروس المقترحة. حزن ولام نفسه على الإهانة التي أهانها إليها دون أن يعرفها. فبتأكيد كانت تبكي من أثر كلماته، وهذا يفسر له سبب العداء التي تحملها بداخلها له. فهو من بدأ بإهانتها.
ظهرت ابتسامة على ثغره ولمعت في عينيه الفرحة، ورقصت فكرة جهنمية في ذهنه. مال على آثارها، وحملها، وأدخلها غرفة عند الحريم، ونبه وشدد من تنبيه أن لا تخرج من هذه الغرفة حتى الصباح. وذهب إلى الحاج صادق، وهو في حال غير الحال، مما أدهش الحاج صادق، وقال: "سبحان مغير الأحوال من حال إلى حال. ده أنا قولت إنك هتسافر مصر وما ترجعش هنا تاني. اللي يشوفك وانت خارج، ما يشوفكش وانت راجع. إيه اللي غير خالك يا بن صادق؟ فهد:
"بصراحة فكرت ولقيت إن كلامك كله صح يا بوي وميصحش إن الراجل يستنجد بينا وإحنا كبرات البلد نخذله. يعني هو طلب إيه؟ ده حاجة. هتجوز بنته. وأنا مقدرش أكسر كلامك يا بوي." الحاج صادق: "إني عارف إني ظلمتك بجوازك من واحدة قلبك مش رايدها. بس ربنا حلل ليك. بدل الحرمة أربعة. اتجوزها وتحميها. ووقت ما قلبك يريد غيرها، اتجوزها بس أوعاك تظلمها يا والدي. الحريم دول مكسورين الجناح." فهد:
"لا طبعًا يا بوي، أنا ابن صادق العزايزي اللي أول علامة إنه ميظلمش غيره ولا يجي على غيره. واصل يا بوي. بص يا حج إحنا نبعت نجيب عمي مهدي وتجيب المأذون وتجيب كبرات البلد عشان أنا عاوز أطلبها. أقدمهم." وأكمل وهو يلاحظ دهشة أبوه، فسارع مبررًا: "يعني عشان الناس ما يقولوش إني فهد صادق، حد فرض عليه حاجة يعني." هههههههههههههههههههههههههههه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!