تحميل رواية عشق الفهد بقلم حنان عبد العزيز pdf
بقلم حنان عبد العزيز
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
هو فهد العزيزي، من أكبر عائلات الصعيد، 27 سنة. ضابط شرطة وسيم ذو عيون رمادية حادة وجذابة، ذو قامة طويلة وعضلات مفتولة. شجاع، واثق من نفسه، لا يخضع لأحد. يراهم أقل منه شأناً، تتهافت عليه الفتيات من حوله، لكن لم توجد من تحرك وجدانه. أبوه صادق العزيزي، صاحب أكبر شركة استيراد وتصدير الفواكه والخضروات. له هيبة يخشه الجميع. ليس له سوى فهد، وله من الأخوات البنات أربعة. يحب فهد ويجعله الرجل الأول بعده. هي، زهرة. بنت عادية جميلة بريئة. عيونها زرقاء لون السماء الصافية، صغيرة الحجم، لكن كبيرة العقل والفهم....
رواية عشق الفهد الفصل الأول 1 - بقلم حنان عبد العزيز
هو فهد العزيزي، من أكبر عائلات الصعيد، 27 سنة. ضابط شرطة وسيم ذو عيون رمادية حادة وجذابة، ذو قامة طويلة وعضلات مفتولة. شجاع، واثق من نفسه، لا يخضع لأحد. يراهم أقل منه شأناً، تتهافت عليه الفتيات من حوله، لكن لم توجد من تحرك وجدانه.
أبوه صادق العزيزي، صاحب أكبر شركة استيراد وتصدير الفواكه والخضروات. له هيبة يخشه الجميع. ليس له سوى فهد، وله من الأخوات البنات أربعة. يحب فهد ويجعله الرجل الأول بعده.
هي، زهرة. بنت عادية جميلة بريئة. عيونها زرقاء لون السماء الصافية، صغيرة الحجم، لكن كبيرة العقل والفهم. مطيعة، مجنونة.
لا أخشى في الحق لومة لائم.
أبوها مزارع بسيط، يعمل في أرض صادق العزيزي.
عشقته، لكنها أقسمت أن تذيقه العذاب ألوان على إهانته لها.
***
في إحدى قرى الصعيد، تنعقد المجالس العرفية لحل مشاكل القرى.
في دوار العزايزي، يجلس كبير العائلة الحاج صادق العزايزي، وبجانبه مشايخ وكبار القرية. يتناقشون حول قضية الثأر بين كبيرة عائلة الفخايدة وبين ذلك الرجل العجوز عمي مهدي، المزارع البسيط. حيث من قديم الزمان وسلسال الدم بينهم، حتى أنهم أنهوا على جميع عائلته، ولم يبق غير هو وابنته زهرة.
الحاج صادق العزايزي: "إيه يا بلد؟ هناخد طار من الحريم ولا إيه؟"
رد عليه أحدهم: "لا، نحكم عليه هو وابنته. يفضل شغال في الأرض بلقمته، وبنته تخدم مع الحريم في البيوت. ويحمد ربنا إننا بنفوتوه بعد ما يقدم كفنه."
الحاج صادق العزايزي: "لأ، ما هعفّرش دقن راجل كبير في آخر أيامه بعار زي كده."
تكلم العم مهدي مستأذناً: "عايز أقول حاجة يا حج صادق، وبعدها أنا راضي بقضاء الله وقدره."
الحاج صادق، مشيراً للجميع: "بسكوت." وأشار له بأن يتكلم.
العم مهدي: "أنا هقدم كفني، بس ليا عندك طلب. أنا ماليش من الدنيا غير بيتي، وبدي أطمن عليها قبل ما أودع وأقابل رب كريم."
الحاج صادق: "اتفضل، اللي تأمر به ينفذ في الحال."
العم مهدي ينظر له بتأكد أن يعيد على مسامعه نفس الكلام مرة أخرى.
الحاج صادق أغلق جفنه وهز رأسه يحثه على أن يتكلم وله الأمان.
العم مهدي ينظر لفهد وقال: "أنا ماليش في الدنيا دي غير بنتي، وما فيش حد عاوز يقرب لها ويطلبها الجواز، عشان خايفين من سلسال الدم اللي بينا. وأنا عاوز أطلب منك أن تحوزها لابنك، وبكده أضمن إن محدش يتعرض لأولادها."
نزلت الكلمات على آذان الجميع كالصاعقة، حتى فهد الذي رأسه. وأخذ يفتح عينه ويغلقها دليل على الدهشة والرفض، فقد كان دائماً يأبى أن يتحكم فيه أحد.
إلا أن الحاج صادق أوقفه. وبنظرة من عينه ابتلع باقي كلامه وجلس احتراماً لأبوه إلى أن يختلي به.
ابتسم عم مهدي بأريحية، فقد كان له نظرة بأن ذلك الفهد رجل بمعنى الكلمة، فبرغم هيبته إلا أنه احترم الكبير، وهذا إن دل يدل على عظمة خلقه.
تكلم رجل من المجلس: "بينك اتجننت؟ كبرت وخرفت؟ بقى حضرة الظابط يتجوز بنتك ليها؟ من قلة البنات ولا إيه؟"
تكلم الحاج صادق بغضب عارم وضرب المنضدة ضربة أفزعت كل من في المجلس: "آخرس يا قليل الحياء! هو طلب وإني عطيته الأمان، كيف تهينه في مجلسنا؟" والتفت إلى فهد وقال: "يدفع غرامة عشر آلاف جنيه لعمك مهدي على إهانته لينا قدامنا. بعد ما أخذ الأمان." وأخذ رأي المجلس الذي نطق بالموافقة على تغريمه ذلك الشخص. وقام الحاج صادق برفع المجلس.
قام الجميع ودخل فهد الدوار. هاج وماج، وأخذ يضرب كفاً بكف الآخر، ويحرك رأسه يمين ويسار وهو متسع العينين من هول ما سمع وما رأى.
الحاج صادق، جلس على كرسيه في هدوء تام يدل على الحكمة والبلاغة في التفكير والفطانة. تكلم بصوت حاسم: "ها، خلصت تكسير وترزيع وصراخ عاد؟ ولا لسه ناوي تكمل عويل كيف الحريم يا فهد؟"
فهد نظر لوالده في دهشة من هدوء أبوه: "إني يا حاج بولول كيف الحريم؟ وقدرة تخرجها من خشمك يا بوي؟ كيف أرض لابنك الوحيد جوازة زي دي؟ أنا أتجوز جهلة ووحدة لا شفتها ولا عرفتها، وابنها يفردها على فرض قدام الجميع وأنا أوافق؟ كيف اللي بنته المكسور جناحها؟ ليه ما يمكن بنته دي فيها شيء يعيبها، أو ماشية بطال، عشان كده ما يبغى حد يتجوزها؟ أقوم ألبسها أنا زي الباشا ليه؟ ليه يا بوي؟"
رد الحاج صادق العزايزي: "آخرس يا ولد واستغفر ربك. ظلمتها واغتبتها وبهتها. كل دي المعاصي ارتكبتها في كلمة واحدة، عشان مش عايز تحكم عقلك مع قلبك. مع إنك لو هديت وركزت شوية كنت شفت نظرة عينه وهو بيترجاك توافق عشان تحمي بنته من بعده. ووقتها بس تقدر تفهم أنا هادي ليه. عشان بسمع صوت القلب مع العقل يا والدي. مش عاوز حد صوته يعلى عن صوت التاني. طول ما أنت وازن الكفتين عمر الظلم ما يعرف طريق لقلبك، ولا تترفع يد ظالم تدعي عليك."
فهد: "يعني أنت موافق يا بوي على الجوازة دي؟ ماشي، بس أنا مش موافق. وأظن ده حقي إني أوافق على البنت اللي هتجوزها. وأنا أكيد مش هتجوز وحدة أبوها دلل عليها قدام الجميع كيف البايرة. عن إذنك يا حاج، شوف لها شوال غيري تدار فيه." وخرج بره الدار نهائي، لا يعرف إلى أين يذهب من شدة غضبه.
كل هذا يدور على مسمع ومرأى من تلك التي تقف عينيها تذرف بشلالات من الدموع ودهشة. كيف أبوها يرخصها كده، ويفرضها على رجل ما يبغاهاش. معقول أبوها يرخصها كده؟ وخرجت من الدار بأكمله، تجري لا تعرف إلى أين تذهب بعد أن سمعت تلك الإهانات بأذنيها.
رواية عشق الفهد الفصل الثاني 2 - بقلم حنان عبد العزيز
خرجت زهرة من دوار الحاج صادق حيث كانت تساعد الحريم في الدار في سبيل أن تطمئن على أبوها. كانت ترتدي عباءة سوداء وطرحة سوداء، وتجري لا تعرف إلى أين ستذهب من صعق ما سمعته بأذنيها، من ذلك المغرور المتعجرف، كيف يطعن في شرفها وسمعتها ويدعي عليها الكذب. من هو حتى يحكم ويقيم الحدود، دون تحقيق أو تدقيق.
وأثناء خروجها وهي لا ترى من تجمع الدموع في عينيها، إلا أنها اصطدمت بجسد قوي صلب. أخذت تترنح إلا أن أسرع وتمسكها بيد فولاذية، اصطدمت بصدره. رفعت وجهها تئن، تقابلت العيون. لمح في عينيها فصوص من الماس والالماظ يلمعان في عينيها الزرقاء كموج البحر الغارق أو صفاء السماء في ليلة شتاء تلمع فيها أضواء النجوم، ووجهها الأبيض ووجنتيها الحمراء مع أنفها العنقودي، كأنها ملاك يمشي على الأرض.
لكن لماذا يبكي هذا الملاك ولماذا هو حزين؟ ومن يتجرأ على فعل هذا من الأساس؟
مرت لحظات كأنها سنوات حفظ فيها كل تفصيلها، من قدميها حتى شعر رأسها، الذي يظهر منه خصلة متمردة على عينها بلونه الذهبي وملمسه الحريري. وهي أيضًا لا تختلف عنه كثيرًا، تلحقه كأنها نمرة شرسة، تود أن تنقض عليه تفترسه، تود أن تمزقه إربًا إربًا، هذا المغرور.
نفضت يده بقوة وشراسة وتكلمت بحزم:
"بعد يدك عني يا جدع انت. إيه مش تحاسب ولا انت ماشى لوحدك في الدنيا عاد؟ إيه مافيش غير على الأرض اياك؟ ماشى نافش ريشك كيف الديك الرومي الكداب، انزل وبص على الأرض. في غيرك كتير مخلوقات على. بص عينك متشعلقة لفوق. ما شايفش اللي تحت رجال عاد."
وهندمت من طرحتها وتخطت فهد المصدوم كأنه نزل عليه سهم الله من جهودها العدائية، بدون مناسبة أو سبب. تخطته ولكن قبل أن تبعد قبضت يده على ذراعها بقوة ألقتها فتأوهت، وصرخت بوجهه:
"سيب إيدي يا جدع انت. أوعاك تلمسني تاني. الله في سماه أطخك عيار أجيب أجلك في الحال، وأحاصر عليك أهلك اللي انت مستقوي بيهم دول."
فهد، رفع حاجبيه في إحدى واندهاش، وتكلم باستنكار، وأشار بإصبعه، بعلامة استنكار لها ولقدرتها:
"إيه ده إنتي بتتكلمي كده إزاي؟ يا مرات إيه ده؟ أنا لو طبقت إيدي عليكي هنيمك في المستشفى بقيت عمرك، ولا هو لسان طويل وخلاص؟"
وأمسك يدها مرة أخرى جاذبًا إياها لينظر بعينها عن قرب. لكن بحركة فجائية لا تخطر على بال فهد، مدت يدها بجانب خصره تلتقط بسرعة وخفة سلاحه الشرطي، تشد أجزاءه كأنها تلعب به يوميًا.
صرخ بها فهد بجنون:
"حاسبي يا مجنونة ده الخزنة مليانة رصاص حي. أوعي تأذي نفسك."
زهرة، باستنكار من كلامه:
"إيه يا حضرة الظابط دلوقتي قلبت قطة؟ مش كنت شوية عامل فيها أسد الغابة؟"
فهد:
"صدقيني يا آنسة أنا خايف عليكي. نزلي السلاح من إيدك يا شاطرة."
واقترب محاولًا أن ينقض عليها ليلتقط منها السلاح، ولكنها كانت الأسرع وخرجت منه رصاصة أصابت كتف فهد، لتصرخ هي وتلقي بالمسدس في الأرض وتنحني على فهد تتفحصه، بقلق شديد:
"إيه ده حصلك إيه؟ سامحني يارب. ما كانش قصدي."
وتبقى في لهفة كادت أن تهلك فهد خوفًا وقلقًا عليها. ولكن سرعان ما بدأت أن تتجمع الناس على إثر صوت الرصاص.
تكلم فهد بسرعة:
"هاني يا بنتي المسدس ده بسرعة قبل الناس ما تتجمع وحسك عينك تقولي إنك أنتِ اللي ضربتي الرصاصة. أنا اللي هتصرف."
تنهدت زهرة براحة:
"كأنك زي القط بسبع أرواح. قوام تتعجرف تاني وبعدين أنا ما بكذبش أصل. هقول وأحط صباعي في عين التدخين في داركم."
ورفعت رأسها بفخر وتحدي.
فهد قام بخفة، وبسرعة ضربة بالقرب من رأسها فخشي عليه في الحال، وقال:
"غبية هتودي نفسك في داهية. سلاح ميري وضرب ضابط شرطة."
أصبحت الناس تلتف حول فهد الذي بإشارة منه توقف الناس وقالوا:
"خير يا فهد باشا؟ حصلك حاجة؟"
هز فهد رأسه:
"أبدا. إيدي. أنا كنت بنظف المسدس والبت دي ظهرت قدامي فاجأة خرجت منه رصاصة غلط. اطمنوا يا جماعة."
تكلم شخص من أهل البلد:
"الله ده كأنها زهرة بنت عمي مهدي. هتلاقيها كانت جاية عشان تطمن على أبوها."
فهد:
"مين أبوها؟ وإيه اللي هييجي هنا؟ الدوار الساعة ده؟"
الرجل:
"أبوها يبقى عم مهدي، وكان جاي عشان يقدم كفنه للعائلة الفاخيدة. وأبويا الحاج صادق خالها في الدوار عشان يحميه من غدر الفاخيدة لحد ما يقدم كفنه."
اتسعت عين فهد بعد أن عرف أنها هي العروس المقترحة. حزن ولام نفسه على الإهانة التي أهانها إليها دون أن يعرفها. فبتأكيد كانت تبكي من أثر كلماته، وهذا يفسر له سبب العداء التي تحملها بداخلها له. فهو من بدأ بإهانتها.
ظهرت ابتسامة على ثغره ولمعت في عينيه الفرحة، ورقصت فكرة جهنمية في ذهنه. مال على آثارها، وحملها، وأدخلها غرفة عند الحريم، ونبه وشدد من تنبيه أن لا تخرج من هذه الغرفة حتى الصباح.
وذهب إلى الحاج صادق، وهو في حال غير الحال، مما أدهش الحاج صادق، وقال:
"سبحان مغير الأحوال من حال إلى حال. ده أنا قولت إنك هتسافر مصر وما ترجعش هنا تاني. اللي يشوفك وانت خارج، ما يشوفكش وانت راجع. إيه اللي غير خالك يا بن صادق؟"
فهد:
"بصراحة فكرت ولقيت إن كلامك كله صح يا بوي وميصحش إن الراجل يستنجد بينا وإحنا كبرات البلد نخذله. يعني هو طلب إيه؟ ده حاجة. هتجوز بنته. وأنا مقدرش أكسر كلامك يا بوي."
الحاج صادق:
"إني عارف إني ظلمتك بجوازك من واحدة قلبك مش رايدها. بس ربنا حلل ليك. بدل الحرمة أربعة. اتجوزها وتحميها. ووقت ما قلبك يريد غيرها، اتجوزها بس أوعاك تظلمها يا والدي. الحريم دول مكسورين الجناح."
فهد:
"لا طبعًا يا بوي، أنا ابن صادق العزايزي اللي أول علامة إنه ميظلمش غيره ولا يجي على غيره. واصل يا بوي. بص يا حج إحنا نبعت نجيب عمي مهدي وتجيب المأذون وتجيب كبرات البلد عشان أنا عاوز أطلبها. أقدمهم."
وأكمل وهو يلاحظ دهشة أبوه، فسارع مبررًا:
"يعني عشان الناس ما يقولوش إني فهد صادق، حد فرض عليه حاجة يعني."
هههههههههههههههههههههههههههه.
رواية عشق الفهد الفصل الثالث 3 - بقلم حنان عبد العزيز
امتلأت الدار بأكابر القرية. العم مهدى، يجلس بفخر وسعادة، لأنه اطمأن على ابنته. فقد كادت أن يصل سنها إلى العشرين، ولم يفكر أحد في التقدم لها خوفًا من بطش الفخايدة.
فهد كان يجلس بسعادة وانتصار بعباءته البيضاء وعليها عباءة تدل على الفخامة والغنى. يبتسم كلما لمس جرحه الطفيف، آثار إطلاق الرصاص عليه. تتسع ابتسامته عندما يتذكر أنها عندما تستيقظ تجد نفسها زوجته، ويفعل بها ما يحلو له.
تكلم فهد أمام الجميع بسعادة:
"أنا بطلب إيد كريمتكم ويشرفني أن تقبلوا طلبي."
عم مهدى بفرحة وفخر ينظر لفهد، كأنه يريد أن يشكره برفع رأس ابنته أمام مجلس أكابر البلد. وقال:
"لي الشرف يا والدي، موافق، وربنا يتمم بخير."
فهد مال على رأسه يقبلها، ويقول:
"اسمح لي أكون من البوم ابنك، ويكون لي الشرف أن أكون ابنك."
وأكمل بصوت عالٍ حازم وحاسم:
"من البوم العم مهدي فرد أساسي في عائلة العزايزى، واللى يدوس له على طرف كأنه داس لي أنا أو أي فرد من أفراد عائلة العزايزى."
صدحت الزغاريد في الدار، وتم كتب الكتاب وأُعلنت أمام الجميع أنها أصبحت زوجته.
عم مهدى:
"تسمح لي يا ابني أروح أجيب عروستك وأعرفها اللي حصل؟ صحيح إني زوجتها لك بموجب إني أبوها، والتوكيلات العامة اللي كانت عاملها لي عشان نبيع دوار أمها الله يرحمها. معرفش لو عرفت كيف هيكون ردها، بس ربنا يهديها."
فهد:
"اطمن يا عم مهدي، بنت كانت هنا عشان أطمئن عليك وهي دلوقتي فوق في أوضة الحريم. ثواني أفضّي الأوضة من الحريم وأطلع لها."
ونادى فهد على أحد الخدم وأمره بالخروج من غرفة زهرة وتوصيل أباها عندها.
طلع العم مهدي واستعجب من شكل ابنته من كثرة البكاء. فقد استيقظت على صوت الزغاريد وانهارت بعد أن أبلغتها إحدى السيدات بأنها أصبحت زوجة فهد. لكن تماسكت من أجل أبيها حتى لا يحزن عليها.
فابتسمت من بين دموعها، واحتضنها أبوها وقال:
"سامحيني يا زهرة، كان لازم أطمئن عليكِ مع رجل زي فهد يحافظ عليكِ ويقدر يحميكِ من أي شر يصيبك أو يصيب أولادك في المستقبل."
انهارت زهرة وقالت:
"ليه يا بوي، ليه رخصتني؟"
قال مهدى:
"ما عشت ولا كنت يوم ما أرخصك، أنا بس أخطر تلك راجل، وبكرة تعرفي قيمة اللي أنا عملته كله عشانك يا غالية."
واحتضنها وقال:
"مبروك عليكِ رجالك وعيلتك، أنا كده اطمنت عليكِ."
وأكمل ببكاء:
"لو مت دلوقتي هموت وأنا مستريح. أسيبك لعريسك وأشوف وشك بخير. أنا عرفت إنك هتسافري معاه مصر، وهو هناك عمل لك مفاجأة هتشكريه عليها طول عمرك."
وخرج وأغلق الباب خلفه ليمنع دموعه أن تفسد ليلتها.
رأى فهد يقف أمام الباب بوجهه الباسم، وفي عينه فرحة. زاد اطمئنانه على ابنته. وقال:
"أنت عند وعدك زي ما قولت لي، إنك فعلاً اتقدمت لها في كلية الطب كيف ما كانت تحلم."
فهد ربّت على كتفه:
"متخافش يا راجل يا طيب، بنتك في أمان ويراعي فيها ربنا. ومش هقولك أكتر من كده. ووعد مني إن عمرها ما تيجي تشتكي مني يوم واصل. وأنت يا راجل يا طيب، إحنا دفعنا لعائلة الفخايدة فدية وكده أنت حر وتخاف من طار ولا شيء واصل."
ابتسم عم مهدى وقال:
"فيك الخير يا ولدي، أنا نظرتي متخيبش، أول ما شفتك عرفت إنك راجل من ضهر راجل."
دخل فهد الأوضة ولمح زهرة قاعدة حزينة منكسرة. مش ده الشكل اللي شافها وعجبته فيه. حب ينغشها، يطلع القطة الشرسة اللي جواها. خطى نحوها متصنع الجدية والصرامة.
"مبروك يا عروسة، عليكي فهد بيه."
رفعت زهرة عينها له. اعتصر فهد قلبه متألمًا من شكلها المنكسر الذبلان وعينيها المتورمة وشديدة الاحمرار من أثر البكاء. مد يده واحتضن ذراعيها وربّت على ظهرها بحنان، مما أدهش زهرة من كنانته عليها بهذه الطريقة. كانت تظنه أنه سيعذبها أو يهينها.
زهرة:
"انت عايز مني إيه؟ ما أنا عارفة كل حاجة. عارفة إنك اتجوزت غصب عنك، وإنك مش عاوزني، وإن أبويا الحاج صادق هو اللي كدرك وخلاك تتم الجوازة دي. لكن أنا بقى اللي بقولك إني مش عاوزاك، وإنك مش التيم بتاعي."
ضحك فهد بصوت عالٍ لأنه نجح في إخراج شراستها. اقترب منها أكثر وابتلع ثرثرتها في قبلة فضولًا منه ليعرف ما طعم تلك الشفاه. وياليته لم يقترب. فقد تشبث بها كأنها إكسير الحياة. لم يستطع الابتعاد كأنه ممغنط من حديد. ذاب في شهدهم حتى شعر بها تختنق بين يديه. جاهد في ابتعاده لتستنشق بعض الهواء.
ليجد زهرة قد ترنحت بين يديه، فابتسم بخبث وقال:
"اتقل كده، أومال كل ده من بوسة."
وأكمل بغرور:
"أنا عارف إني جامد، أنا مكنتش أعرف إني مهلك."
زجرته زهرة بعيدًا عنها وهي تنعته بقلة الأخلاق والأدب.
رفع فهد أحد حاجبيه:
"بصي يا بت، انتي لسانك الطويل ده أنا هقصه. إيدك دي كمان لو اتمدت عليه تاني هكسرهالك، فاهمة ولا لأ؟ انطقي."
صرّح بها فهد، أراد إخافتها. انتفضت هي على قراءتها. ليلتقطها هو بين يديه ضاغطًا على خصرها بتملك. أرد أن يعلن ملكيته لها. فهمي بجانب أذنيها برفق:
"انت... كله على بعضك ملكي، بتاعي أنا وبس، فاهمة ولا أفهمك بطريقتي؟"
زهرة بعند وقوة عكس ما بداخلها:
"لأ مش فاهمة، وأنا مش ملك حد، ولا بتاعت حد. أنت فاهم يا فهد بيه."
وحارت من أمامه بسرعة الضوء تختفي في الحمام لتهدئ من تسارع نبضات قلبها بقربه منها بهذا الشكل. وتحدث نفسها:
"أهدي يا زهرة، مفيش حاجة تخوف، انتي قوية وعمرك ما بتخافي من أي حد. أهدي يا زهرة."
انتفضت وهي تسمع صوته قريبًا من الباب وهو يحرك مقبض الباب لفتحه. ضحكت وهي تقول:
"انت عاوز إيه يا هو؟ انت قلت اسمك إيه؟"
وأخذت تفكر:
"آه قط، ضبع، أي حيوان وسلام."
وابتعدت عن الباب بسرعة. وفهد ما زال يدفع الباب من الخارج بقوة ونرفزة. وفتحت زهرة الباب على غرة من فهد مما خانه اتزانه ووقع. دخل الحمام، مما أثار ضحك زهرة الهستيري على شكله. وبسرعة خرجت وأغلقت الباب من الخارج وقالت بسخرية:
"تصبح على خير فهد بيه."
وهي ما زالت تضحك.
رواية عشق الفهد الفصل الرابع 4 - بقلم حنان عبد العزيز
في مكان ما أشبه بالقهوة البلدي
كان يجلس وينفث دخان سجائره القذرة المحشوة مخدرات.
وينفث معها غضبه العارم، وغله وحقده.
فزاع ابن كبير الفخيدة، يعشق زهرة لكنه أضعف من أن يبوح بهذا، لعلمه بموضوع الثأر بينهم.
لكنه أراد أن يشعل نار الفتنة، فهو من اقترح بالأخذ بالثأر وأشعل نيران قديمة بينهم وبين العم مهدي، حتى ينال من معشوقته وتكون ضعيفة هشة ينهش في لحمها، وهي مكسورة الجناح.
وهو من اقترح بعملها في قصرهم، مع النساء، حتى يكون له حرية التصرف معها.
لكن الله أنقذها من بين أنيابه ليجعل لها نصيب مع غيره.
فزاع: اه يا ناري يا ني، دماغي هتنفجر نصين يا وهدان.
يعني أنا أفكر وأخطط عشان أفوز بيها، وتكون في داري بدل ما أنا قاعد على طول كيف البومة، جالس على الأرض عشان أشوفها بعيني.
أقوم أضيعها من يدي خالص، لا كده ولا كده.
وهدان بقلق: هش هش، الله يخرب بيتك، اقفل خشمك يا فزاع.
وأخذ ينظر يمين وشمال يتفقد الناس خوفًا أن يسمعه أحد.
حتماً ستكون نهايتهم في الحال، أما في المجلس على يد الحاج صادق، أو على يد ابنه فهد، فقد أصبحت زوجة الفهد.
وكيف يجرؤ أي إنسان على المساس باسم زوجة الفهد.
اخرس، الله يخرب بيتك، هتودينا في داهية، اقفل خشمك.
واصلي، بينك، عاوز البلد تولع النهاردة.
خلاص يا فزاع، ماهيش من نصيبك يا جدع، وخلاص بجت من نصيب غيرك.
فجت مرات الفهد، وأنت أدرى مني مين هو الفهد، ويقدر يعمل إيه فينا دلوقتي لو سمعك أو خد خبر أنك بتعشق مراته.
مش بعيد نكون عشاء الكلاب اللي في قصر أبوك صادق النهاردة.
فزاع وقد بدأ يستوعب كلام وهدان: خلاص يا وهدان، ما عادش هشوفها تاني واصل.
لا وايه كماني، دفع لابوها الفدية، يعني كل اللي خططت ليه راح، راح.
بس أنا مش هسكت لابوها ده، عشان أنا ياما طلبتها منه أتزوجها من غير أبويا ما يعرف، رفض.
وديني لأكون مندمه ندم عمره.
وهدان: بينك، ما ناوي تجيبها لبر يا فزاع، وعايزها ليلة مغفلجة على دماغك.
أنا ماليش صالح بيك واصل، أنا قايم، عشان لما تغفلج تكون على دماغك وحدك.
سلام.
وقام وانصرف وترك فزاع بين ندم ونار الانتقام.
في دوار الحاج صادق، وخصوصاً غرفة زهرة وفهد.
زهرة جالسة على أطراف السرير وما زالت تضحك وتعلو أصوات ضحكها على شكل فهد المغلق عليه باب الحمام.
فهد بغيظ يحدث نفسه: وديني لأربيكي يا زهرة، وأعرفك إزاي تعاملي جوزك.
وما إن لفظ بوثقهما الأبدي إلا وقد تذكر تلك القبلة، التي أشعلته من داخله، جعلته يستشعر دنيا أخرى لم يجربها بعد.
لكنه أقسم أن قبلتها وشفاهها أشهى شهد وأشهى قبلة على مستوى نساء حواء أجمعين.
ابتسم بحب وأخذ يمتص شفتيه لعل يتذوق شهدها المتبقي.
لكنه اغتاظ منها واشتعل غضباً عندما سمعها تغني.
زهرة: عنيدة وطبعي حامي وكرامتي واحترامي عندي بالدنيا ديه.
كور قبضته وجز على أسنانه، كاد أن يسحقهم، يريد الخروج لها بأي طريقة.
لكنه تذكر تلك النافذة، وقد لمعت في عينيه فكرة خبيثة وقرر أن ينفذها.
أخذت زهرة في تغيير ملابسها، وارتدت منامتها الحمراء، وهي عبارة عن بادي كات وبرمودا، التي أخذتها من تلك الحقائب التي جاءت بها تلك السيدة وقالت إنها حقائب ملابسها مثل ما قال لها فهد.
فدفعها الفضول إلى فتحها لترى ما فيها.
فوجدتها عبارة عن منامات حريرية وقطنية وبعض الملابس التي تصلح للمنزل.
لكنها ابتسمت عندما وجدت أن كل الملابس ذات الطابع المحتشم، كما تحب وكما تعودت.
فارتدت تلك المنامة وارتدتها واسترخت على سريرها تنعم بقسط من الراحة لتفكر كيف تعيش مع ذاك الفهد في بيت واحد وهي بعيدة عن بلادها وأبوها.
ولكنها تذكرت قبلته فابتسمت ووضعت يدها على شفتيها تتحسسها بخجل وغطت في نوم عميق.
لكنه طاردها أيضاً في أحلامها.
فهد بعد أن خرج من النافذة إلى الغرفة المجاورة، عاد ودخل من الباب مرة أخرى.
لكنه وجدها نائمة كالملاك، تفحصها بعينه وتفحص جسدها الصغير الممشوق كأنها مانيكان، وتأمل شعرها الأصفر الغجري الطويل المبعثر بعشوائية أظهرت جمال وجهها الأبيض الجميل واحمرار خديها.
لقد سحرته بجمالها.
اقترب منها يشتم عطرها وينعم بدفء قربها.
لكنها تململت بحركة أطاحت بالغطاء وكشفت عن ساقيها البيضاء، مما جن جنون فهد.
لكنه نفض فكرة الاقتراب منها بهذا الشكل، وتمدد بجانبها وحكم عليهما الغطاء جيداً، ووجه لها يتأملها ويفكر لما هذا الانجذاب لها منذ أن رآها.
ليس معقول أن يكون قد أحبها، فهو لا يؤمن بالحب ولا يعترف بوجود أي امرأة في حياته غير أمه.
فيكفي ما حدث من قبل، فهو لا يريد أن تتكرر مأساته مرة أخرى، فكيف يعترف بالحب.
لكنه يحمل لها مشاعر وأحاسيس يعرفها جيداً.
قطع تفكيره عندما احتضنته زهرة، واشتعل جسده من نار قربها بهذه الطريقة.
وقد دفعه فضوله في تذوق تلك الشفاه مرة أخرى.
لكن العجيب أن زهرة تجاوبت معه، مما جعله يزيد ويشدد من احتضانها.
وغفى بها وهي على هذا الوضع.
في مكان آخر في الدوار.
جلس معا يتحدثان.
الحاج صادق: شوفت يا مهدي يا خوي، مش قولتلك فهد أبويا راجل، وما يردش حد قصده واصل.
وأنا عارف ومتاكد أنه قادر يصونها ويحميها.
صدقني أنا شايف إن ما فيش غير زهرة هي اللي هتقدر تنسيه اللي حصل زمان، وترجع أبويا كيف ما كان.
الله يجزيها اللي خربت حياته، وخلته يدفن قلبه جواه، وما يشوفش حلاوة الدنيا كيف بقيت الشباب.
العم مهدي: والله يا حاج صادق، لولا أنت جيت وطلبت مني أعمل موضوع تقديم الكفن ده، وإني أطلب الحماية لبنتي بابنك يتجوزها، أنا ما كنتش عملت كده واصل.
أنت متعرفش زهرة، عنيدة كيف، واستحالة حد يتحملها واصل، ولا بترضى بالكسرة واصل.
ومعرفش فهد هيستحملها، ولا هيتفاهموا إزاي وهما بعيد في مصر وحديهم.
الحاج صادق: ما تخافش، أنا هبعت معاها البيت هانم، بيت جدعة وأنا مفهمها هتعمل إيه لو حصل أي حاجة تخبرني، وأنا هتصرف.
العم مهدي: احتضن الحاج صادق: أتمنى أني أعرف أني سايب بنتي في يد أب وزوج من زينة الرجال.
ولو جرالي شيء، أنت هتكون أبوها.
صادق: ربنا يديك طولة العمر يا راجل يا طيب، وتشوف ولادهم.
يلا اقعد نتعشى سوا كيف زمان يا صاحبي.
طلعت شمس يوم جديد، وأخذت تصدح في كل أرجاء الدار أصوات الزغاريد، استعداداً لمباركة للعروسين من أهالي البلد قبل سفرهما.
مما أزعج زهرة وأخذت تتململ في فراشها، لكنها لا تستطيع الحركة من ذلك الثقل الذي تشعر به.
وجاهدت في فتح عينيها، كأنها تشعر بنفس الحلم التي عاشته بالأمس، كأنه حقيقة.
لا بل هو فعلاً حقيقة أم حلم.
صرخت في وجه، وقامت منتفضة: يخرب بيتك، أنت جيت هنا إزاي، وخرجت من الحمام إزاي.
وأخذت تتلعثم بالكلام عندما وجدته استيقظ وهو يشتعل غضباً.
اقترب منها بخطوة واحدة وحوطها بين ذراعيه، وقال: أنتِ لكِ عين تتكلمي كمان، وطولي لسانك ده اللي قصته هيكون على إيديا، واللي عملتيه امبارح ده عقابه شديد، وأنا ما أسيبش حقي واصل.
ولمعت عيناه وأخذ يمسح على ذراعيها العريان بطريقة أقشعر لها خجلاً، واليد الأخرى ترفع تلك الخصل الذهبية المبعثرة على وجهها ووضعها خلف أذنيها بحنية وهمس بحب في أذنها: استحملي اللعب مع الفهد يا قطة.
ومال عليها في قبلة تحمل القليل من القسوة، كأنه يعقبها.
لكنه سريعاً ما أدبته تلك الشفاه ونسي عقابه لها، غارقاً في شدتهما.
كان ظمآناً ويريد المزيد حتى يرتوي.
ظلا هكذا بعض الوقت لا يشعر إلا أنه أقل ما يقال إنها هي جنته على الأرض، وحنيته التي خطفت قلبه.
قاطع قبلتهم صرخة مكتومة من فهد.
رواية عشق الفهد الفصل الخامس 5 - بقلم حنان عبد العزيز
في مكان ما يجلس فزاع يحدث شخص آخر.
فزاع: أنت تنفذ اللي بقولك عليه وأنت مغمض. ولا جنس مخلوق يعرف أنت كنت فين ولا بتعمل إيه، فاهم يا أبو مخ تخين أنت ولا لسة الغباوة معششة في الطاسة دي؟
وشاور على رأسه.
الرجل ويدعى حمدان: واه يا فزاع بيه، أنت عايزني إني أصور لك مرات حضرة الضابط فهد؟ ليه انجنيت أنا؟ ولا مستغني عن نفسي؟ ده كان قطعني حي ورماني للكلاب، ولا فرق معايا، وماليش عنده داية.
فزاع انتفض من مكانه وكأن لدغة حنش، وأمسك بتلابيب ملابس حمدان.
فزاع: وأنا فزاع، وكلمتي أمر وواجب النفاذ كمان. وجرب متعملش اللي قولته، وأنت تتقطع حي كيف ما أنت خايف. ومنتش وحدك، أنت وولدك وبنتك ومراتك وخيتك كمان، يا حمدان يا ولد الفرطوس أنت.
ودفعه بعنف مما قد طرحه أرضاً.
حمدان بخوف: حاضر يا فزاع بيه. اللي تأمر بيه، أنفذه، بس يلاش الحريم يدخلوا بناتنا.
فزاع بغضب وقد أخرج هاتف محمول من النوع الحديث وقال له: قوم افهم هتعمل إيه.
وأخذ يعلمه كيف يستخدمه وكيف يعرف أخته أن تستخدمه، فاخت حمدان هي بهانة الخادمة التي سوف ترافق زهرة وفهد إلى منزلهم في مصر.
حمدان بخوف هز رأسه بالموافقة، وأخذ الهاتف ووضعه في جيبه.
حمدان: حاضر يا فزاع بيه، اللي تأمر بيه.
فزاع: يا لا غور من قدامي، الحقها قبل ما تسافر.
خرج حمدان يفكر كيف يفعل ذلك الفضيحة ولمين؟ لولي نعمته الحاج صادق، وعم مهدي الراجل الطيب، والزهرة العفيفة كيفما يتلقون عليها. كيف يقبلها أو يرضاها على أخته أو بنته.
أخذ يضرب يده بالأخرى، ويستغفر ربه وينعت فزاع بأقذر الألفاظ.
فزاع يبتسم بخبث: إن ما جبتك تحت رجليا يا بنت مهدي الشحات، أنت وأبوكي كمان، وجوزك اللي شايف نفسه وحرمني منك يا زهرة.
***
في دوار الحاج صادق، وقد مازالت الزغاريد تملأ الدار فرحاً بالعروسين، وهم يحضرون أشهى أنواع الأطعمة المعتادة، وهي عبارة عن الفطير والجبن والقشطة وعسل النحل وغيرها.
الحاج صادق ينادي على أحد الخدمات: يا بهانة، قول لفهد ينزل عشان الفطور جاهز، وعشان عمي مهدي يسلم على بنته قبل السفر.
بهانة بفرحة وزغاريد: حاضر يا با الحج.
وأخذت تصعد درجات السلم وهي مازالت تصدر الزغاريد.
أوقفها نداء أخوها حمدان، وهو يشاور لها بترقب خوفاً أن يراه أحد. استغربت بهانة حركات أخوها، فهو غفير في البيت، لما يلتفت هكذا كأنه سارق.
بهانة تراجعت ووجهت خطواتها نحو أخيها، الذي أخذها خارج الدار ليقص عليها ما حدث.
شهقت بهانة وأخذت تضرب على صدرها وتقول: يا خرابي يا حمدان، إحنا مالنا ومال الكبرات دول، إحنا غلابة يا أخويا. يارب إيه اللي وجعنا الوجعة المشندلة دي، إحنا هنضيع في الرجلين يا خويا. وفزاع مفتري، والمفترى عليه ربنا. سمعنا ومسمعناش ها نضيع بينهم، حلها من عندك يا رب.
وأخذت تبكي. احتضنها حمدان وقد أعطى لها الهاتف، وهو يقدم على البكاء مما هو فيه. وأخذت بهانة الهاتف وقد خبأته حتى لا يراه أحد فينفضح أمرها، في صدرها المكان السري للنساء.
***
في غرفة فهد يحتضن زهرة بين ذراعيه، وهو ما زال ينال من شهد شفتيها. فقد كان يقصد أن يعقبها، لكنه وقع أسير شفتيها، وأسير تلك النبضات التي يشعر بها تجاهها منذ أن رآها أول مرة.
ظل هكذا بعض الوقت وزهرة تسكن بين يديه كالعصفور بين أنياب الفهد لصغر حجمها، وكبر حجم فهد بجسده الرياضي وعضلاته القوية المنتفخة من التدريبات. إلا أنها ليست بعصفور، لكنها قطة شرسة. فقد استكانت بين يديه توهمه بهدوئها بعد اعتراضها ومقاومتها، حتى ظن فهد أنها استجابت.
فهدأ من تقييد يدها، وما إن شعرت زهرة ببعض الحرية من قيد فهد إلا وقد فاجأته بضربة قوية بركبتها في منطقة ما تسمى تحت الحزام.
صرخ فهد صرخة مكتومة، وبفعلها حررت نفسها وأخذت تجري وهي تضحك بصوت عالٍ.
زهرة: عشان متبقاش تعاكس القطة يا فهد.
وأخرجت له لسانها تغيظه، ورفعت يدها تحذره وتقول بوعيد وقوة عرفها هو من قبل.
زهرة: اسمع يا جدع أنت مش هقولهالك تاني. لو يدك ده لمستني تاني، أو فكرت تقرب مني تاني، المرة الجاية مش هتكون رصاصة طايشة ونشاني. المرة الجاية هيكون في قلبك عدل، فاهم.
فهد وهو يجثو على ركبتيه يحاول السيطرة على الألم، ينظر لها بنصف عين كالفهد الذي يستعد لينقض على فريسته.
وبفعل، بحركة فجائية انقض عليها ودفعها على السرير وجثا فوقها يريد تقييدها، وبالفعل رفع يديها فوق رأسها يقيدها بيد فولاذية، وقيد حركات جسدها بجسده.
وهو يقول بتوعد: بقي أنا مش عايز أمد يدي عليكي وبقولك يا واد، عيب ده بنت، وبعملك بأدب وأخلاق، لكن يظهر أنت مينفعش معاكي الأدب والأخلاق واصل. وأنا هربيكي من جديد، وهعلمك كيف تتعاملي مع الفهد يا قطة. وكمان واقفة تتشرطي عليا؟ ليه مين أنت يا بنتي؟ أنت فاكرة نفسك إيه؟ بتتكلمي كده بإمارة إيه، ده انتي كلك على بعضك قد كده.
وأخذ ينتبه لوضعها. اصطبغ لون وجه زهرة باللون الأحمر، مما زادها جمالاً، وازدادت عينها بريقاً. ابتلع فهد ريقه وأخذ يعد لها ويسرح بكلامه ويهمس به بجانب أذنيها مما قد أفقدها قوتها واقشعر بدنها لكلامه ووصفها بهذه الطريقة.
فهد: إكمنك يعني عيونك حلوة تسحرني، ولا شفايفك دنيا تأسرني، ولا قربك اللي بغيب فيه عن الدنيا وما فيها، ولا جمالك اللي بيخطفني.
ومال عليها في قبلة ليطفئ نار جسده المشتعل شوقاً ورغبة لها، وقد استجابت زهرة له ولتذهب معه لدنيا جديدة ساحرة، فقد هو أول من أدخلها تلك الدنيا الجديدة، دنيا الحب وقد أذاقها حلو قربه. وقد أحست بنبضات قلبها تعلو تكاد تعلن عن إيقافه من شدة ضرباته، وأقسمت أنه يسمع ضربات قلبها.
مر بعض الوقت وفهد ينال من شهد شفتيها، وأخذ يوزع قبلاته على كل إنش في وجهها ليضع ثقل ملكيته لكل شيء: شفتيها، أنفها، عينيها، جبهتها، عنقها، كل هذا ويعود لشفتيها مرة أخرى، وكأنه مسلوب الإرادة وهو ينظر لعيونها ويتأمل لونها الصافي وجمال وجهها الأبيض كالبدر في ليلة تمامه.
قاطع ملاحظتهم الطرق على الباب. انتفضت زهرة وانتبهت وكأنها كانت في غيبوبة من قربه، وأخذت تختبئ تحت الفراش خوفاً من أن يراها أحد بهذه الملابس وهي في هذا الوضع.
وقد ابتلع فهد ريقه بضيق لما هو فيه، يسأل لما هي تأسره بهذا الشكل، لكنه استمع طرقات الباب مرة أخرى فانتفض بضيق وهو يسأل من بالباب.
أتاه صوت بهانة: أبو الحج بيقولك الفطور جاهز، وبيقولك لحضرتك أبو الست زهرة عايز يسلم عليها قبل ما نسافر.
انتفضت زهرة تحت الفراش خوفاً ورعباً. فاندهش فهد وعقد حاجبيه من خوفها وخجلها، وسأل نفسه لما هي تتظاهر بالقوة أمامه وهي بهذا الضعف.
فهد: حاضر يا بهانة. قولي لأبويا الجح إحنا نازلين نفطر معاهم.
ورجع نظره لزهرة التي تنتفض تحت الفراش بخجل، وهي تفكر لماذا الضعف في حضرته، وكيف الثبات أمام سحره، وكيف يا عقل تتخلي عني بقربه. هكذا كانت تفكر وتحدث نفسها فقد أنقذتها اليوم تلك الخادمة، فماذا بعد ذلك.
لكنها عقدت العزم على أن تكون خارج نطاق قربه وتكون بعيداً كل البعد عنه. وأخذت تلملم أفكارها لما هو قادم في حياتها معه.
رواية عشق الفهد الفصل السادس 6 - بقلم حنان عبد العزيز
علي مائدة الطعام، يلتف الجميع في جو من المرح.
الجح صادق: مبروك ياعريس، كأنها أمك دعيالك ياولد عشان تاخد القمر ده.
ابتسمت زهرة وانتظرت رد فهد، لكن فهد سرحان لم يسمع كلام أبيه ولم يعلق.
ممكن أثار دهشة زهرة وشعور الحاج صادق بالحرج أمام الجميع، لكنه أحس بالقلق على ابنه. أراد أن يلفت انتباهه، إلا أن فهد مازال على وضعه لا يشعر بأحد، متمعن التفكير فيما هو ذاهب إليه مع تلك الزهرة، ولماذا يكون بتلك الحالة بمجرد قربه منها. يشعر أنه مسلوب الإرادة، مسحور بنظرة عينيها. راهب في محراب عشقها.
وما إن تلفظت تلك الكلمة في ذهنه، إلا وما كان منه إلا أنه ترك الطعام وتكلم بغضب وقال: أنا شبعت، عن إذنكم. أنا طالع أجهز نفسي للسفر.
وتركهم وسط ذهولهم من تلك الحالة التي هو عليها. مما زاد من حنق زهرة وتذكرت كلماته وتذكرت ما حدث بينهم. إذا هو كل ما كان يفكر فيه تجاهها صحيح، أنها رخيصة، ومن أجل ذلك طلبه أبوها أن يتزوجها أمام الجميع وقلل من شأنها وأحرجها. وهي بغبائها وضعفها أمامه أكدت له تلك الشائعة.
لكن هيهات، لك مني يا فهد، فبعدي عنك شيئًا حتميًا، كلها مسألة وقت.
ونهضت هي الأخرى واستأذنت وقالت بابتسامة مزيفة: الحمد لله أنا شبعت، عن إذنكم آخد أبويا مهدي أقعد معاه شوية، لحق أشبع منه قبل ما أسافر. يا عالم، هشوفه تاني كيف ومتى.
الحاج صادق باحراج مما فعله ابنه: طبعًا يا بنتي، خدي أبوكي وقعدوا براحتكم، الدار داركم يا عروستنا، على ما فهد ينزل، أصله بيحب هو اللي يحضر شنطته بيده عشان ما أنساش حاجة من حاجاته.
زهرة وقد ابتسمت لذلك الرجل العطوف بحب وهزت رأسها بتفهم، فهو لا يعرف أنها سمعت حديثهم من قبل، لكنها قالت بهدوء وسلاسة: وماله، هو براحته، أدري بحاجته يا أبا الحج.
وخرجت ومعها والدها في جنينة القصر الخلفية. وما إن اختفت عن أعين الخدم والغفر، إلا وارتمت بحضن والدها تبكي بخوف، وكأنها تود أن تقول له: إياك أن تتركني. وتشبت بحضنه وسط بكاء هستيري. فإن الأب السند والدفء والأمان اللي بجد، والدهر اللي لو انكسر اتعرّينا للخلاء، لن نجد ما يحمينا بدون غرض ولا مصلحة.
عم مهدي بقلق احتضن وجهها ورفعه وهو ينظر في عينيها ليتحسس مدى صدق كلامها.
مهدي: مالك يا بنت قلبي، فيكي إيه؟
وأخذ يكمل وهو يتلعثم بالكلام كأنه خائف من شيء ما.
مهدي: هو فهد عملك حاجة، إذاكي؟ ردي، قولي، متخافيش. أنا أقدر أحميكي منه ومن أي حد.
زهرة، بعكس ما تحمله من غضب لفهد، إلا أنها بداخلها إحساس أنه استحالة يأذيها. ابتسمت من وسط الدموع عندما تذكرت كلماته وهو يهذي بجنون في حضرة قربها. فقد أيقنت نقطة ضعفه وستلعب معه على هذه النقطة، وسوف تستغلها لحين وجود حل آخر. ونطقت بنفس الابتسامة: لا، أنا عايزة أنت، مش عايزة أسافر.
ابتسم مهدي باطمئنان عندما وجد تلك اللمعة في عينيها وقال: سافري وعيشي مع جوزك وابني مستقبلك، كيف ما كنتي بتحلمي. أومال أنا عملت كل ده ليه.
عقدت حاجبيها بعدم فهم من مقصد مهدي، لكنه طمأنها وقال: لما توصلي هتعرفي. بس أنا كنت عايز أقولك حاجة. حاولي تدي لنفسك فرصة تفهمي فهد. فهد جواه إنسان كويس وحنين، بس هو اللي لابس وش الهيبة. عايزك تطلعي الإنسان الملاك اللي مدفون جواه. وعايزك تعرفي إنه في الأول والآخر جوزك، له حقوق وعليه واجبات. ولازم تكوني إنتي البداية. أو إوعي تخافي منه أو تخبي عليه شيء. اسمعي كلامه، وبلاش العند من أجل العند. فهد راجل وأنا واثق إنه يحافظ عليكي أكتر مني كمان. وبرضه واثق في ذكائك وعارف إنك هتقدري تروديه.
هزت زهرة رأسها بضحكة زينت وجهها.
رآها فهد الواقف في النافذة يراقب حركة الشفاه، وابتسم عندما رأى أشرقت الشمس على وجهها وهي تضحك.
***
في المطبخ بهانة تجلس حزينة، تحمل فوق رأسها الهم مما هي مقدمة عليه. هي لا تعرف كيف تتصرف مع تلك المصيبة التي تحملها، وهي لا حيلة لها في ذلك. لكن ماذا عن تهديد فزاع لهم؟ رددت لنفسها: أكيد ربنا مش هيسبني، وهتتحل من عنده.
انتفضت على صوت كلاكس السيارة تعلن عن الرحيل. أخذت محتوياتها وذهبت، تاركة الأمر لله الذي لا يغفل ولا ينام.
السواق عفيفي يسأل: يا فهد بيه، مين هيسوق؟
فهد: سوق أنت النهاردة يا عفيفي، أنا ماليش مزاج.
وأعطى له المفاتيح. فتح فهد باب السيارة وانتظر زهرة التي كانت متشبثة بحضن أبوها، ثم خرجت إلى حضن الحاج صادق الذي كان يطمئنها ويحثها على المصابرة، كأنه يود أن يقول لها شيئًا، وقد فهمته هي وردت عليه بنفس النظرة.
ذهبت بخطوات ثقيلة وهي لا تعرف على أي حياة قادمة.
نظرت زهرة إلى فهد الواقف بجانب السيارة ويمسك بمقبض الباب حتى أدخلها وعدل من فستانها الطويل بكل تواضع وركب بجانبها. وقد لاحظت تغير هيئته بعد ما خلع تلك العباءة وارتدى بذلة سوداء أنيقة وقميص أبيض وكرافت بخطوط متعرجة تحمل اللون الأبيض مع الأسود، فزادت من أناقته ووسامته. فهي للمرة الأولى تراه بهذا الزي وأحست بشموخه ووقاره وهيبته. ومع ذلك لم يتكبر أن يعدل هو فستانها ولم يخجل من فعلته أمام الآخرين. فلمعت عيناها بفخر من أنه زوجها، وأحست بالاطمئنان عندما نظرت إلى أبوها وهو مبتسم ومعه الحاج صادق.
ودع فهد الجميع وانطلقت السيارة.
وكانت ورائهم سيارة أخرى صغيرة تحمل بهانة ومجموعة من البودي جارد المسلحين. وأيضًا كانت ورائهم سيارة نقل تحمل الكثير من الرجال الملثمين يتتبعون خطواته بدقة متناهية.
إلى أن توقفت عجلات السيارة في استراحة. ونزل فهد ليأتي ببعض الاسناكس من السوبر ماركت على الطريق ويريح زهرة التي غفت على كتفه دون إرادتها. وقد احتضنها فهد بحب لمشاغبتها وقد التقط لها بعض الصور السيلفي وهي في هذا الوضع وقد التف ذراعه حولها بتملك.
أحب فهد أن يجلسها بأريحية أكثر حتى لا تتعب من تلك المسافة الشاقة. ونزل إلى السوبر ماركت وقد أتى ببعض الأشياء مثل البسكويت والكانز والمياه والآيس كريم. وما إن وصل إلى باب السيارة حتى اتسعت عيناه من هول ما رآه.
رواية عشق الفهد الفصل السابع 7 - بقلم حنان عبد العزيز
في مكان ما أشبه بالقهوة البلدي، يجلس فزاع وهو ممسك هاتفه وكأنه ينتظر شيئاً مهماً. أخيراً جاءه صديقه حمدان.
"مالك يا فزاع مش قاعد على بعضك ليه؟ كأنك عامل مصيبة كيف العادة."
"بعد عني يا حمدان، الساعة دي ما أطيقش جنس مخلوق." قال فزاع بغضب وقد كشر عن أنيابه.
"يبقى كيف ما قلت، عامل مصيبة. اعجل يا فزاع، إحنا مش جد فهد وعيلته."
"أنا جد الدنيا دي، ولا فهد وماية زيه يقدروا يهزوا شعرة واحدة فيا. أنا قادر أولع البلد دي كلها في غمضة عين. مش فزاع الفخيدي اللي حد ياخد منه حاجة غصب عنه." قال فزاع بغضب وقد علا صوته، ما لفت انتباه الجميع.
"اهدأ ووطي صوتك، هتودينا في داهية، الله يخرب بيتك. كأنك مجنون، إياك ومواعيش للي بتقوله. ده اللي انت ناوي تعمله ده تطير فيها رقاب، كل الفخيدة ومالناش دية عندهم. اعقل يا ابن عمي." قال حمدان وقد انتبه لنظرات الناس لفزاع بعدم فهم لما يقوله. انتفض وقد لمس فمه بيده وقال بصوت خافض.
"بعد عني، أنا محدش يقدر علي، أنا أولعها نار."
"إني محدش ياخد مني حاجة بتاعتي، فاهمين يا بلد." قال حمدان وهو يسحبه معه إلى خارج المقهى، يردد هذه الكلمات.
وخرج مع حمدان وهو يهذي بهذه الكلمات على مسمع ومرأى من أهل البلد، الذين أشار بعضهم بأنه قد فقد عقله من آثار تناول المخدرات.
***
في دوار الحاج صادق، وقد احتقنت الأجواء بالتوتر. فهم دائماً يتصلون بفهد وزهرة، ولكن لا حياة لمن تنادي.
"قلبي واكلني على بنتي يا حج صادق." قال مهدي بقلق موجهاً كلامه للحج صادق.
"خير إن شاء الله يا مهدي." قال الحاج صادق وقد اعتلاه القلق أيضاً، فهو يعلم أن فهد يحدثه في كل استراحة في الهاتف لكي يطمئن عليه. شرد ذهنه وقال: "يا رب احفظهم يا رب. تعالي نتوضأ ونصلي ركعتين لله. ألا بذكر الله تطمئن القلوب."
وذهبوا معاً للصلاة، داعين الله أن يحفظهم.
***
عند فهد، بعد أن أتى ببعض المأكولات الخفيفة، وخطى خطوات نحو السيارة، لكنه لمح ما يجعل قلبه يرتجف خوفاً على زهرته. فقد وجد سيارة تحمل ملثمين تقترب منهم. لكنه كان سريع البديهة، حيث سحب سلاحه وشد أجزاءه، وسحب زهرة أسفل السيارة وأغلق الباب جيداً، وأخذ يصوب على عجلات السيارة حتى أوقفها.
وفي نفس الوقت، وصلت سيارة البودي جارد من الخلف ونزل منها رجال الحراسة وقد حاوطوا المجرمين من الأمام والخلف، كالعصفور في المصيدة. وقد أخذوا يتبادلون طلقات الرصاص. فر من فر، ووقع من وقع، ومات من مات. سيطر عليهم فهد في لمح البصر.
كل هذا تحت مرأى ومسمع من زهرة، حيث استيقظت من أثر أصوات طلقات الرصاص المزعجة حولهم. وعندما وجدت نفسها نائمة في دواسة السيارة، عرفت أن فهد هو من أنزلها، وابتسمت لإحساسها أنه خاف عليها. ونظرت له بإعجاب ودهشة وفخر وهو يقف وسط المجرمين كالفهد الجائع. لم يقدر عليه أحد. كل من يقترب من السيارة يقسمه نصين بشراسة، كأنه رجلاً خارق.
اتسعت ابتسامتها عندما تذكرت كلام أبيها عن فهد وعن رجولته وشجاعته وقدرته على حمايتها. حقاً كان كلامه صحيح. فقد رأت الكثير من المعارك، ولكن لم تر كهذا الرجل. إنه لا يهاب الموت، بل الموت هو من يهابه. يقف بكل شجاعة، وبعيون كالصقر، كل من اقترب منه كان الموت نصيبه.
لكن في نفس الوقت، انتبهها شيء من الخوف والرهبة منه. فرغم أنها لا تنكر عمق حنيته، إلا أنه في قسوته أشد. قالت لنفسها وهي تحثها على المصابرة: "اهدئي يا زهرة، هو انتي هتشوفي منه قسوة ليه؟ طول ما انتي كويسة وبنت حلال."
لكنها استشعرت الخوف واتسعت عيناها وخفق قلبها بشدة، وهي ترى ذلك الرجل الملقى على الأرض يسحب سلاحاً أبيض من قدميه ويصوبه في ظهر فهد دون أن يراه، لأنه مشغول مع شخص آخر.
"انطق يالا، أنتوا مين؟ ومين اللي بعتكم؟" قال فهد وهو يقيد رجلاً من يديه ويضع وجهه على الأرض ويمكث فوقه بجسده الرياضي، واليد الأخرى سلاحه يصوب بها على رأسه.
"إحنا من مطاريد الجبل، رجالة الحنش."
"فهد مين يالا اللي بعتكم؟ رجالة الحنش نشاطها مخدرات وسلاح، ملهاش في قطع الطرق."
"بس ده شغلانة طياري، خدمة يعني، لواحد مرفعة عايز يخطف مراتك، وطلب منا. ده مقابل عملية كاملة، مش هندفع فيها ملايم لو جبنا له مراتك."
"يا ولاد الكلب...!" قال فهد وقد اشتعلت عيناه من الغضب وجز على أسنانه وهو يضغط على رقبته ويلكمه في وجهه بمؤخرة المسدس. "انطق وديني لو ما قلت مين اللي عايز يخطف مراتي، لاكون دفنك حي، انطق."
الرجل وهو يلمح صديقه يقترب من فهد ليطعنه في ظهره، أراد أن يشتت انتباه فهد ببعض الكلمات الكذب حتى يتمكن زميله من طعنه، خصوصاً أنه يرى انشغال البودي جارد مع آخرين.
"هقولك، هو بيقول إنهم بيحبوا بعض وإنك اتجوزتها بالغصب، لكن هي عايزة ومش عايزك."
هنا خرجت زهرة من السيارة وهي قلبها ينتفض من الخوف على فهد. وأسرعت ومعها حجر كبير وضربت به رأس الرجل الذي كان يريد طعن فهد وهي تصرخ: "حاسب يا فهد!"
وقع الرجل في الأرض ووقعت منه السكين. وهنا انتبه فهد وقد أطلق عليه الرصاص فمات في الحال. لكنه انخلع قلبه عندما وجد جسد زهرة هاوياً على الأرض من الخوف. ترك الرجل وأسرع إليها.
وفي نفس الوقت، أسرع بالهرب الرجل من بين يد فهد، لكن فهد كان الأسرع وأطلق عليه الرصاص فمات في الحال أيضاً. وحمل زهرة في الحال وأدخلها السيارة، وهو يردد كلام الرجل في ذهنه: إنها تعشق غيره وتود الذهاب معه. لكنه رفض الفكرة من ذهنه، واسترجع كلام أبيه الحاج صادق عنها وعن أبيها.
***
فلاش باك
الحاج صادق بعد أن ذهبت زهرة مع أبوها، تجلس معه وتودعه. ذهب إلى فهد في غرفته وطرق الباب.
"تفضل يا حج، ما قلت ليش ليه وأنا أنزلك؟ ليه تتعب نفسك؟" فتح فهد الباب.
"ما فيش تعب أكتر من اللي أنا حاسس بيه عليك يا والدي. ما بينش يا والدي، تقدر تقولي فيك إيه؟"
"الف سلامة عليك يا بوي من التعب، مالي بس يا بوي، مانا زي الفل أهو."
"ربنا عوضك ببنت أصل، متربية وبنت ناس طيبين، وأخلاقها بيحلف بيها في البلد. مالك مش مبسوط ليه يا والدي؟"
"مقدرش أنسى يا بوي، ومعرفش أقولها ولا أفضل مخبي عليها على طول. وإيه هيكون رد فعلها لو عرفت الحقيقة؟ خايف أكون حبتها يا بوي، وخايف أعلق نفسي بيها ويكون الفراق شيء أساسي، وخايف وخايف وخايف من كتير يا بوي. بس اللي مش هقدر أستحمل بعدها عني." قال فهد وقد انهارت حصونه أمام حنية أبوه. "حاسس إن في شيء بيربطني بيها." ونزلت دموع فهد وارتمى في حضن أبيه.
"اهدأ يا والدي واستغفر ربنا، وخليك واثق في كرمه، وإنه قادر يعوضك عن اللي عيشته واللي شوفته. وصدقت يا والدي، زهرة كيف حتة ماس، جوهرة مصونة ولؤلؤة مكنونة. حافظ عليها يا والدي، ووعاك تظلمها، أو تاخدها بذنب غيرها يا والدي. إياك وظلم الولايا يا والدي." شدد الحاج صادق من احتضان ابنه وقلبه يرتجف خوفاً عليه. لم يره بهذه الحالة طول عمره.
***
رجوع من الفلاش باك
فهد ينظر لها وهي بين يديه ويضمها بتملك، كأنه يرفض فكرة الفراق أو أنه يصدق كلمة مما سمع من ذلك المجرم.
رواية عشق الفهد الفصل الثامن 8 - بقلم حنان عبد العزيز
في دار الفخيدة
يقف كبيرهم مجاهد أبو فزاع، هو وأكابر الفخيدة، يعترضون على مبلغ الفدية المقدمة من الحاج صادق، ويطلبون كبيرهم بذهاب إلى الحاج صادق، لسماح لهم بأخذ ثأرهم من مهدي.
وهنا دخل فزاع، وعيناه تشتعل شرارًا وقال:
"أيوه يا بوي، إحنا مش هنقبل فدية، وترنا نأخذه كيف ما بيخدوه الرجال. إحنا مش صغيرين عشان الحاج صادق يلبسنا كلنا طرح عشان خاطره هو وابنه. مالناش صالح إحنا بنسبهم ده عاد. هو لو مش عايز يدخل معانا في مواجهة، يفضوا من النسب ده أصلًا، ويفوتنا ناخد تارنا لحالنا. غير كده، يبقوا هما بيشتروا عداوتنا، وإحنا مش قليلين في البلد، إحنا أكابر البلد."
وأكمل بخبث ليشغل النيران في قلوب الرجال:
"ولا إيه يا رجالة؟ الحج صادق هيلبسكم طرح ويقعدكم كيف الحريم في البيوت، ولا إيه يا رجالة؟"
صاح الرجال:
"صح كلامك يا فزاع، يلا كلنا على دوار الحاج صادق، نبلغه بقرارنا."
ذهبوا جميعًا إلى دوار الحاج صادق والشر يتطاير من عيونهم، ومعهم فزاع وهو يبتسم ابتسامة خبث وشر لنجاحه في ما خطط إليه من إشعال الفتنة. فهو كان في حاجة إلى إشعال الفتنة كي يطفئ نار غيرته، خصوصًا بعد أن علم بأن فهد قضى على جميع الرجال الذين في مهمة خطف زهرة، ولم ينجُ منهم إلا قليلاً فروا منه قبل اللحاق بهم وهو ينقذ زهرة.
في سيارة فهد، ما زال يحتضن محبوبته بتملك وينظر لها بحب وشغف وعطف. كان يحثها على أن تحتفظ بحبه لها حتى وإن كان غير معلن، يريد منها قربها، ففي قربها تنعم الجوارح وتسبح في بحور العشق والغرام.
"إياكي يا محبوبتي المتمردة، إياكي البعد والفراق. فهنا مملكتك، بداخل حضني، بالقرب من قلبي، حتى تعطي له فرصة النبض والإحساس بالحياة."
تنهد تنهيدة حارة، وهو يقبل شفتيها برفق، كأنه يعزف على أوتار الكمان عزف النغمات ليصنع له سمفونية خاصة به، وينتقل بفمه على كل تفاصيل وجهها، كأنه يرسم لوحة فنية ويبدع في إخراجها. لكن سرعان ما خرج من نشوته وابتلع ريقه بتوتر، وهو يراها تتململ بين يديه وهي تردد:
"حاسب يا فهد."
ابتسم ولمعت عيونه وهو يرى خوفها عليه ويستشعر قلقها، لكنه أراد مشاكستها وعقبها، فهي كادت أن تؤذي نفسها بخروجها من السيارة، فماذا لو كان؟ كيف كان سيعيش بدونها؟ فقد أصبحت نبض قلبه. لكنه انتبه لها وهي تنتفض بزعر وتصرخ باسمه، فانخلع قلبه عليها، وشدد من احتضانها وهو يطمئنها ببعض الكلمات وهو يهمس في أذنها:
"اهدي يا حبيبتي، أنا جنبك، متخافيش، انتي بخير."
وأخذ يقرأ لها بعض آيات القرآن الكريم حتى هدأت وغفت في ثبات عميق. وهنا تنهد فهد بارتياح وضَمَّها إلى صدره وأخذ يمسح على رأسها بحنان كأنها ابنته. أما عن زهرة فقد تشبثت به كأنه ملجأها الوحيد.
زهرة تنعم بحلم تعشقه هي. أصبح تكرار الحلم بمثابة هروب من مواجهتها معه. فإذا رأت نفسها تود الاسترخاء والراحة، غفت واستدعته في حلمها لتنعم هي بثنايا قلبه براحة ونعيم الحياة. نعم، فقد استشعرت بقربه إحساس غريب عنها، لكنه يمدها براحة ولذة الحياة. فقد أدركت حبها له ولمست عشقها لفهدها. لكن ماذا عن الحقيقة؟ لما دائمًا ترفضه باستمرار وتريد مشاكسته؟
ابتسمت برقة، رآها فهد فعشق تلك الابتسامة، لكنه فهم واستشعر أنها له، فقد لمس حبها له. فابتسم هو أيضًا وقال بصوت خافض بجانب أذنيها:
"أهلاً بكي في محراب فهد، أيتها القطة الشرسة."
في دار الحاج صادق كان يجلس مع مهدي بعد أن اطمئن على فهد وزهرة، فقد هاتفه فهد وحكى له عن ما حدث معه وأنه سيطر على الوضع. فتنهد الحاج صادق بارتياح واطمئنان، ودعا له بأن يحفظهم الله برعايته، وأغلق الهاتف. وتكلم مع مهدي بتفكير:
"يا ترى يا مهدي مين اللي كانوا عايزين يخطفوا زهرة؟ ومين المقصود؟ فهد ولا زهرة بعينها؟"
هنا تردد العم مهدي، أن يفصح عن اسم فزاع، وعن رغبته بالزواج من زهرة في السر، حتى لا يشعل النار من جديد، فهو يعلم شر فزاع ونفسه الشريرة المتناهية.
مهدي:
"الله أعلم، علمي علمك. ربنا يأذي المؤذي يا حج صادق. أنا هقوم أصلي ركعتين شكر لله على إن ربنا نجاهم وستر طريقهم."
ولم يكمل كلامه إلا وقد استأذن الغفير، يبلغه بقدوم كبرات عائلة الفخيدة، ويستأذن للدخول.
عقد الحاج صادق حاجبيه بدهشة:
"خير يا رب، يا ترى فيه إيه؟"
"قعدهم وقدم الضيافة، وإني داخل أشوف فيه إيه."
مهدي نظر له بعدم فهم، وسأله:
"تفتكر فيه إيه يا حج صادق؟"
الحاج صادق:
"علمي علمك، تعالي نشوف."
وقبل أن يدخل قال للغفير:
"جهز شوية رجال يكونوا جاهزين بالسلاح، وجولهم وقت الحاج صادق ما يقول ادخلوا تدخلوا."
وسحب عباءته وعكازه العاج وسار في هيبة لا تليق إلا به، ودخل القاعة وخطى خطوات ثقة وقوة، تبث في قلوبهم الرجفة والرهبة، فهو قادر على أن لا يخرجهم أحياء. فهم يعلمون معنى حكم نطق به أو كلمة قالها الحاج صادق، لا يرده إلا الدم. وهو يعلم أن هذه العائلة تريد المشاكل فقط.
جلس ومعه مهدي بجانبه، كان يتحداهم وتكلم بصوت صارم وقوي:
"خير يا فخيدة، فيه إيه؟ مالكم متجمعين بعصبة المعلم كدا ليه؟ فيه حاجة مهمة؟"
تلعثم مجاهد وبقلبه خوف مما سوف يحدث، فهو أحق الناس علمًا بكلمة الحاج صادق. لعن نفسه وعائلته وابنه، فهو السبب الرئيسي فيما هو فيه اليوم وما سوف يحدث لهم أجمعين. قال بعيون زائغة:
"الرجالة بيقولوا إحنا…"
الحاج صادق تكلم قبل أن يكمل هو كلامه:
"مالهم يا مجاهد الرجالة عايزين إيه؟ انطق قول، رجالة عيلتك عايزين إيه؟ ولا أقولك أنا الرجالة عايزين إيه؟"
وقام من مجلسه وخبط بعصاه العاج في الأرض، ليرهبهم ويبث في قلوبهم الرعب أكثر وأكثر، وقال بصوت قوي، وأشار على الرجال بعصايته:
"رجالتك جاية تصغرك وتخليك ترجع في كلامك، وموافقتك على جلسة الصلح اللي عقدناها امبارح، صح يا مجاهد ولا مش صح؟"
هنا تكلم فزاع بتحدي وغلاظة:
"أيوه صح، إحنا ما رضيناش بالفدية وعايزين تارنا من مهدي."
الحاج صادق وهو ما زال واقف، وخطى خطوة واحدة نحوه وشاور له بالعصا وقال:
"مين أذن لك تتكلم في مجلس الكبار من غير إذن؟ أنت قاعد المصطبة ولا قاعد في القهوة؟ أنت قاعد في مجلس الحاج صادق العزيزي، كأن عقلك طار ومعرفش أنت بتتكلم مع مين. وأبوك الواقف ده" – وأشار على مجاهد بالعصا – "معرفش يعني إيه مجلس الحاج صادق وحكم نطق به، وإيه خطورة مخالفة قرارات المجلس، بس أنا هعرفك."
وتكلم بصوت أعلى، وقال للغفير:
"قول لرجالة تدخل."
ولم يمر دقيقة واحدة إلا وقد امتلأت الجاعة بالرجال المدججة بالسلاح وقد التفوا حول الجاعة، بحيث أصبحوا يحاوطون رجالة الفخيدة، كأنهم في حصار. وتكلم الحاج صادق بصوت قوي:
"مين يا رجالة اللي موافق على كلام العيل ده؟"
ونظر وشاور على فزاع، الذي ما أن رأى الرجال يلتفون حوله بالسلاح، إلا وقد اكفهر وجهه وأصبح يتلعثم بالكلام، مما جعل الحاج صادق يبتسم بسخرية وقال له:
"إيه مالك الكلام مطلعش من خشمك ليه؟ يكونش البسة (القطة) كلت لسانك؟"
وهنا تكلم بقوة تصدعت على أثرها الجدران:
"اسمعوا يا فخيدة، إحنا حكمنا بفدية ودفعناها، وخلاصنا وعقدنا مجلس صلح، وقلنا مهدي في ذمتنا، واللي يتعرض له هو أو بنته اللي بقت مرات والدي فهد، يبقى ثأره مع عائلة العزيزة. قلت إيه يا رجالة؟ اخترتوا إيه؟"
الرجالة:
"بس إحنا…"
الحاج صادق بصوت قوي وحاسم:
"مش بس، ليكم الاختيار. وأهو كله متسجل بالورقة والقلم."
وشاور على أحد الرجال وقال:
"اقرأ عليهم شروط المجلس يا والد، أصل بينهم أول مرة يحضروا مجلس للحاج صادق العزيزي."
الرجل يقرأ:
"بسم الله الرحمن الرحيم. إنه في يوم الموافق اتفاق كل من عائلة الفخيدة مع عائلة العزيزة على عقد مجلس صلح، وقبول الفدية المقررة، والتسامح من أجل حقن الدماء. وقد تم هذا بموافقة جميع الحاضرين من العائلتين. ومن يريد التملص من العهد والرجوع عن الاتفاق، عليه التنازل على جميع ما يملك من أراضي زراعية وبيوت وعليه مغادرة البلاد هو وأهله من غير أي شيء يملكه، وأن يكون ذلك من أجل عدم إشعال الفتنة في البلاد وحقن دماء العباد. كبير المجلس الحاج صادق العزيزي، طرف أول، وكبير الفخيدة، طرف ثان."
هنا صاح الرجال بالرفض، وأطلقت أعيرة النيران في السماء، مما أسكت الجميع. وهنا تكلم الحاج صادق:
"جولتوا إيه يا فخيدة بعد اللي سمعتوه؟"
سكت الجميع وقد نظر بعضهم لبعض، مما جعل الحاج صادق يبتسم بأريحية:
"كدا عين العجل يا رجالة. وبما إنكم طلعتوا عجلين، إحنا كرم منا بزيادة مبلغ الفدية، لأجل حقن الدماء. انتهى المجلس."
وهنا تكلم فزاع، وهو وحده بعدما أحس أن كل ما خطط إليه أتى بالفشل:
"وإحنا مش موافقين."
لكن بعد أن جلس الحاج صادق، نظر له نظرة دبّت في قلبه الرعب، وتكلم بصوت قوي وقال وقد وجه كلامه للغفير وشاور بعصاه:
"دخل الولد ده الحجز، بتهمة إثارة الشغب وإشعال الفتنة في البلاد."
وهنا كاد أبوه مجاهد بالاعتراض إلا أن أوقفه الحاج صادق وقال:
"ومن يعترض يسجن معه. انتهى المجلس."
وقام مع مهدي وغادر القاعة، وأخذ الغفير فزاع وهو يصرخ بتهديد ووعيد.
رواية عشق الفهد الفصل التاسع 9 - بقلم حنان عبد العزيز
استقرت عجلات السيارة أمام فيلا، أقل ما يقال عنها، غاية الجمال والروعة في التصميم من الخارج، وبها حراس من كل جانب.
اتسعت عين زهرة عندما رأت البوابة الإلكترونية تفتح وحدها، بدون غفير أو حارس. فرجعت للخلف بشيء من الرهبة والخوف، فاصطدمت بصدر فهد الذي كان يتأملها بابتسامة عشق. حاوط خصرها بكلتا يديه وكأنه يطمئنها.
ودخلت، واستقرت عيناها على النافورة ومنظر الزهور التي على شكل قلب. ابتسمت للمنظر الجمالي، وقد أظهرت ابتسامتها غمازاتها التي يعشقها فهد.
تكلم فهد وقال: "عجبك المنظر؟"
زهرة بابتسامة: "آه، جميل أوي يا فهد."
فهد يبتسم، فأول مرة يسمع اسمه من بين شفتيها. فقد عشق حروف اسمه لأول مرة تنطق بعفوية وتلقائية.
"فهد، تعالي اتفرجي عليها، هتعجبك أوي." وسحبها من يدها دون انتظار الرد، وكأنه عشق تلك الهدنة المؤقتة بينهما. تركت يدها له، ومشيت معه دون تردد، وهي مازالت ترسم الابتسامة الساحرة على وجهها.
فهد يتمشى بها وسط أحواض الزهور والورود المختلفة الألوان والأشكال، ويحدثها عن كل نوع. وقد اكتشفت زهرة أشياء عرفتها لأول مرة. عشقه للزهور والنظام والترتيب. فعرفت كم يعشق اللون الأحمر والبنفسجي، ويعشق روائح الفل والياسمين.
حيث اقتطف زهرة الفل واستنشقها بسعادة، وأعطاها للزهرة بابتسامة. فأخذتها زهرة واستنشقتها بفرحة وراحة، وهي تجد نفسها تفكر: هل سوف تضحك لها الحياة أم أما هي مجرد هدنة؟
أحست زهرة بتعب وإرهاق، وأحس بها فهد.
فهد بابتسامة: "تعالي أوريكي أوضتك تريحي من تعب السفر، وبعدين ابقي كملي فرجة على الفيلا."
هنا زهرة تراجعت للخلف بشيء من الحذر، وقالت: "أوضة؟ أوضة إيه؟ وقصدك إيه من تريحي شوية؟"
ضحك فهد بصوت عالٍ حتى دمعت عيناه. وهنا نظرت زهرة ولم تنجح في إخفاء فرحتها بتلك الضحكة التي أظهرت شخصًا مرحًا وخفيف الدم. وابتسمت لتلك الراحة النفسية التي أحستها مع فهد. فهي لا تشعر معه بالخوف ولا الغربة، بل بالعكس، دائمًا بجواره تشعر بالأمان والطمأنينة.
وذكرت نفسها بكلام الحاج صادق، فإن فهد بداخله حنية طيبة تسع الكون كله. وقال لها: "عليكِ أنتي يا بنتي المهمة دي، تخرجي الحنية والحب دول."
قطع شرودها فهد، وهو يداعبها بزهرة الفل التي مازالت في يده. "مالك خوفتي وسرحانة في إيه؟" وأخذها معه، ودخلوا الفيلا، التي اتسعت عين زهرة من روعة وجمال وتنسيق الفيلا. وصعدوا السلالم، أن توقفوا أمام غرفة، فتحها فهد ودخل زهرة معه.
فهد: "ده أوضتك."
وخطي بعض الخطوات نحو غرفة صغيرة وقال: "وهنا شوية هدوم ليكي، أنا وصيت داد انعام تجيبهم ليكي لحد ما نخرج أنا وانتي وأجيب لكِ كل اللي محتاجه."
وخطي بعض الخطوات ووقف أمام مكتب فخم وقال: "وده مكتبك عشان تذاكري براحتك."
زهرة بتعجب: "إذاكر؟ إذاكر إيه؟ أنا مش بدرس." وأكملت بحزن، وكادت أن تدمع عيناها حزنًا.
هنا تكلم فهد بسرعة، فهو لن يسمح بأن يرى نظرة الحزن هذه مرة أخرى.
فهد: "ابتسم، أنا كنت عاملها مفاجأة بس عشان أعرفك إنك متجوزة مين. أنا قدمت لك في كلية الطب، وقبلتي، وإن شاء الله كلها كام أسبوع وتبتدي المذاكرة يا دكتورة."
اتسعت عين زهرة مما سمعت. حقًا ستحقق حلمها بأن تصبح دكتورة. ولم تشعر بنفسها إلا وهي تحتضن فهد وتصرخ: "انت أجدع فهد في الدنيا!"
لكن فهد، انهارت حصون قلبه من احتضانها له، ولف يده حول خصرها بتملك، وكأنه يريد أن يدخلها بداخله. ونظر لها نظرة عشق واشتياق وشغف. ورفع يده يحتضن وجهها، وأنهال على شفتيها يتذوق شهدها. واستجابت له زهرة، كالعادة، لم تشعر بنفسها في حضرة قربه.
أخذ يقبلها عدة قبلات، بين شفتيها ووجهها، فهو يريد أن يضع ثقل ملكيته على كل شبر بها. ظلوا هكذا بعض الوقت. قاطع تلك اللحظة، طرق الباب.
رجعت زهرة للخلف على استحياء مما حدث، وقد اصطبغ وجهها باللون الأحمر.
ابتسم فهد، لكنه خطى نحو الباب وفتحه. فوجد داد انعام، ست تبلغ من العمر ستين عامًا، تعمل مديرة الفيلا، طيبة، حنونة، تحب فهد كأنه ابنها.
فهد: "أهلاً داد انعام، كنتي فين لما جيت ملقتكيش مستنياني كالعادة؟ كنتي فين؟"
انعام: "أسفة يا فهد يا ابني، الواد محروس ابني مغلبني، كان عامل مشاكل مع الجيران. روحت أشوف فيه إيه."
فهد: "محروس تاني؟ أنتي هتفضلي كده؟ موركيش غير مشكلة. قولتلك سيبهولي أشد ه أنا شوية عشان يبطل يعملك مشاكل شوية."
انعام بتنهيدة: "والله يا فهد يا ابني بدعيله ربنا يهديه ويلاقي بنت الحلال اللي تسعده وتفرحه وتحبه، يمكن يلاقي نفسه. آه ربنا موجود."
فهد: "ونعم بالله. تعالي أعرفك على زهرة مراتي."
انعام: "بسم الله ما شاء الله يا فهد، إيه القمر ده!" واحتضنت زهرة بحنان وعطف أبوي. قالت: "أهلاً يا حبيبتي، نورتي بيتك ومبروك عليكي فهد بيه. باين عليكي بنت حلال وتستاهلي كل خير. ماهو الطيبين للطيبات."
زهرة، وقد أحست بدفء حضن الأم مع انعام، ابتسمت لها بحب وشكرتها.
انعام: "طيب يلا، أنا محضرة لكم غداء عرايس."
فهد: "في بنت جديدة تحت اسمها بهانة، هخليها تسعدك ومتتعبيش نفسك انتي يا يا دادا."
انعام: "هو لو أنا متعبتش لابني دلوقتي أتعبله امتى؟" ومدت يدها تطبطب عليه بحنية. وقالت: "أسيبكم بقى تغيروا عدمكم أكون أنا حضرت الغدا." وخرجت وأغلقت الباب تحت عيون زهرة وفهد.
زهرة: "طيبة أوي الست انعام دي."
فهد: "آه بس ابنها تعبها. بداية معرفتي بها في القسم، كان ابنها عامل خناقة مقبوض عليه عندنا. ولقيتها بتعيط وتترجاني عشان تشوفه. عرفت إنها غلبانة وابنها مشكلة كتير عشان خاطر الفلوس. عرضت عليها فلوس، بكت ورفضت. حبيت أساعدها من غير ما أجرح عزت نفسها، جت في دماغي فكرة إنها تشتغل هنا وتكون موجودة قصاد عيني عشان أرعاها، ومن يوم ما جت وهي معوضاني عن حنان أمي الله يرحمها."
زهرة: "فعلاً حنينة أوي، وشكلي حبيتها أنا كمان."
فهد: "طب يلا ادخلي خدي شور وغيري هدومك عشان تتغدي، وأنا هاروح أوضتي أغير أنا كمان." وتركها.
لا يسمع ردها، فهو بحاجة إلى الخروج من تلك الغرفة بفارغ الصبر. يحتاج إلى أن يلملم نفسه من تلك المشاعر التي تجتاح قلبه وهو معها.
في دوار الحاج صادق، مهدي يجلس بقلق يحدث نفسه. أنه أخطأ عندما أخفى عن الحاج صادق موضوع فزاع. لكنه كان يقصد الخير والصلاح بين العائلتين وحقن الدماء.
قاطع شروده دخول الحاج صادق عليه.
الحاج صادق: "الولد اتصلوا والحمد لله وصلوا بسلامة."
مهدي بابتسامة: "الحمد لله. ربنا يهد لهم حالهم ويبعد عنهم ولاد الحلال يا قادر يا كريم."
الحاج صادق: "آمين، إن شاء الله. ويهديهم لبعض. حسن بنتك كيف القطة الشرسة وفهد والدي واعِر ههههههه ويحب اللي يتحدي ههههههه."
قاطع حديثهم، استأذن الغفير وقال: "كله اللي جولته حصل يا حاج." وفعلاً عرفنا إن فزاع كان امبارح قاعد مع كبير مطاريد الجبل."
الحاج صادق: "أنا كنت حاسس من الأول إنه وراه حاجة للي بيعمله ده. شكله مش مريحني كده."
"عم قصدك فزاع؟"
الحاج صادق: "أيوه، هو شكله مشاغب، مش سهل، ولا المسألة مسألة تار كيف ما يجول. في حاجة تانية وراه، وأنا مش يهدالي بال غير لما أعرفها."
ارتبك مهدي وتكلم بتلعثم: "يعني هيكون وراه إيه يعني؟ ده ولد طايش، طيش الشباب واخده، واخد الدنيا على صدره، متحطش في دماغك."
الحاج صادق: "لا يا مهدي، اللي حصل للفهد ده عمره ما حصل قبل كده. طول عمره رايح جاي في نفس الطريق، إشمعنا دلوجيت يظهر له مطاريد عاوزة تخطف مرته، وجدام عينه، يعني يقصد كسر عينه جدام مرته. لكن شكله معرفش الفهد بيكون شكله إيه لما حد يجرب من حاجة تخصه. بيكون وحش، محدش يقدر عليه واصل."
مرت الأيام والأسابيع، وعلاقة فهد بزهرة في تحسن سريع وملحوظ. وابتدأوا يتخطوا مرحلة العناد، وابتدأت مرحلة الحب والغيرة. فهد ذاب عشقًا في زهرته، وزهرة لا تنكر حبها له. وأعجبها بحنيته عليها واحتوائه لها. لكنها تخشى غيرته.
"نغم يغار عليها من نفسه، يغار عليها من ملابسها، ومن الهواء إذا داعب بشرتها. لكنها لا تنكر حبها له. لتجد نفسها تحاول ترويض الفهد."
فهد مازال يفكر في زهرته. فالوقت تأخر وهي مازالت مستيقظة، وهو طول الفترة اللي فاتت كان ينتظرها حتى تغفو ويذهب ويغفو بجانبها، فقد أصبح لا يقدر على بعدها حتى ولو لساعة واحدة. لكنها سهرت بالأمس وهي تذاكر، واليوم أيضًا. تنفس بحرارة واشتياق وقرر أن يدخل غرفتها. وبالفعل اتجه إلى غرفتها. طرق الباب، عدة طرقات، لكنه لم يسمع إجابة. ابتسم وظن أنها نائمة، ثم فتح الباب برفق ودخل. لم يجد لها أثر على السرير ولا على مكتبها.
لكن سرعان استمع إلى رذاذ المياه في الحمام، فآيقن بداخل. جلس على مكتبها ينتظر خروجها. وأخذ يعبث في أوراقها، فوجد مفكرة، فتحها واتسعت عيناه وابتسامته مما قرأ. فقد كانت تعترف بأنها تحبه بل تعشقه، وأنها تداعي النوم كل يوم حتى تنعم بقربه، وأنها تود أن يستقر معها في غرفتها وتبدأ معه حياة زوجية عادية. فلا داعي للبعد، فهي أصبحت لا تحتمل بعده، بل تعشق قربه وأمانه.
ابتسم فهد بخبث وفرحة عارمة تجتاحه، تجتاح قلبه. خرجت زهرة من الحمام، تلف جسدها بمنشفة كبيرة محكمة عليها المسمى بالبرنس، وتحاوط رأسها بمنشفة صغيرة. وهنا انهارت حصون الفهد.
رواية عشق الفهد الفصل العاشر 10 - بقلم حنان عبد العزيز
يجلس الحاج صادق على الأريكة في قاعة الاجتماعات الفارغة، يستند بيديه الاثنتين على عصاته العاج، ويستند بذقنه على يده، وشرد يفكر بشأن ابنه فهد وزوجته زهرة، وماذا لو علمت حقيقة زواجهما، وماذا لو يعلم فهد أيضاً باتفاقه مع العم مهدي.
هل يؤثر على هذه النبتة الصغيرة التي تنبت بينهم، وكيف ستستقبل زهرة هذا الأمر؟ هل ترضى وتتعايش؟ أم سيكون هذا جرحاً جديداً لقلب ابنه الوحيد؟
رجع برأسه للخلف ليسترجع كيف كان يعيش فهد مع أخواته البنات، شهد ويمن، وكيف كان يعيش معهم أخوه الحاج صابر وولديه سعيد ووليد واختهم شيرين.
الحاج صادق مع أخوه الحاج صابر.
**فلاش باك**
من حوالي خمس سنين.
الحاجة فاطمة، زوجة الحاج صادق، تتحدث إلى زوجها:
"يا حج صادق، شهد ويمن لي سيعيد ووليد ماشي، لكن فهد لشيرين أبداً مطيجاش. اسمع سيرتها ولا سيرت أمها العجربة، الإسكندرانية دي. جال على المثل: اكفي الجدرة على فومها تطلع العجربة لأمها."
يضحك الحاج صادق بصوت عالي، وقد التفت يده بحنان حول كتفيها، وأخذ يمشي بها بخطوات هادئة يريد إقناعها:
"يا حاجة فاطمة، بقى أخوي يدي لولاده اتنين، وأنا استخسر فيه ولدي الوحيد؟ يرضيك الناس تاكل وشي ويقولوا الحاج صادق رجع في كلامه؟ ومع مين؟ مع أخوه اللي مالوش غيره."
الحاجة فاطمة:
"يا حاج صادق، البيت عجربة حرباية، ماتحبش فهد. أنا شفتها وسمعتها بوداني هي وأمها العجربة وهي تتفق كيف يوجعوا فهد في شبكها."
الحاج صادق:
"ماهو كدا كدا أنا وأخوي متفقين إن التلات ولاد ياخدوا التلات بنات. هيتفقوا ليه بقى؟ انتي بس عشان مش طايقاهم، مش عايزة تديهم والدك الحيلة. غيرة نسوان وكيد حريم عاد، وأنا مش هسمح بداه أبداً. يفرق بيني وبين أخوي، واللي قولته هيتنفذ. يوم الخميس كتب كتاب التلات بنات على التلات رجالة."
"ودلوقتي قومي شوفي الأكل اللي ولدك بيحبه، عشان كلها كام ساعة وزمانه جاي من كليته، وبلاش حديد فارغ عاد."
الحاجة فاطمة تنادي على ابنتيها شهد ويمن، ليأتوا في الحال. بنتين في غاية الجمال، يجمع بينهم شبه في كل شيء، الشكل والطبع، فهما توأم. وجه أبيض، عينان عسليتان، أنف نحيف وفم صغير. فهما الملائكة في طبعهما، فقد تربوا على صالح الأعمال، من صلاة وصيام وعمل الخير وخدمة الآخرين، وطاعة الوالدين. نعم نعم الذرية الصالحة.
ويقولون:
"نعم يا ماي."
تقف الحاجة فاطمة أمام بناتها وهي تقول:
"خلصتوا الفطير يا بنات؟ فهد أخوكم على وصول. وانتوا عارفين أول حاجة بيحبها الفطير الساخن مع العسل والقشطة."
شهد ويمن في نفس واحد:
"أيوه يا ماي، وخلصنا حشو الحمام وطاجن الرز المعمر، وحمرنا البط وكل أنواع المحشي اللي بيعشقها فهد. كله تمام، كله خلص وحضرنا أشهى وليمة لأحلى ضابط في الصعيد كله."
تصدح شهد بزغاريد، ويمن تلتف معها بحركات مرحة دائرية تدل على السعادة والفرحة.
لتضحك الحاجة فاطمة، وتتوقف فجأة وتضرب على صدرها وتقول:
"واه نسيتوا الملوخية؟ يعني فهد يقول إيه دلوقتي؟ أمي نسيتني. امشي يا بنت منك ليها اعملي الملوخية، بلاش دلع ابنتة."
ليضحكوا البنات:
"يا أمي يا حبيبتي، هو فهد هيخلص الأكل كله ويدور على الملوخية؟ كل إجازة نعمل الوليمة اللي هي، وهو يجي يدوبك يدوق من كل صنف فتفوته."
ويقطع تلك الأجواء المرحة رنين هاتف دوار. ليرفع الحاج صادق، الذي كان يقف يضحك بسعادة وهو يشاهد حديثهم، ويتكلم:
"سلامو عليكم."
على الجانب الآخر، منزل الحاج صادق.
الحاج صادق:
"أيوه يا والدي، أنا الحاج صادق. خير يا والدي؟"
الجانب الآخر:
"إحنا مستشفى الشرطة العسكرية، نبلغكم بأن ابنكم فهد أُصيب أثناء العرض العسكري بحادث وهو الآن في غرفة العمليات."
لتتسع عين الحاج صادق، ويعلو صوته مما يجذب انتباه الجميع بنظرات قلق وخوف ورجفة للمنظر الذي أصبح عليه الحاج صادق من هول ما سمع. وقال:
"والدي كيفه؟ حصله إيه؟ أرجوك يا ولدي طمني."
يصرخ كل من الحاجة فاطمة وبناتها لمجرد ما سمعوا عن إصابة فهد.
وبعد عدة ساعات، يقف الحاج صادق وهو يتمسك بتلك العصا على أمل أنها تسنده من هول ما يسمع بأن ابنه أُصيب بطلقات نارية أثناء مناورة بالرصاص الحي في عمود الفقري، مما يؤثر على الإنجاب بنسبة ستين في المائة.
لكنها خانته تلك العصا، وكاد أن يقع إلا أن يد أخو الحاج صالح ساندته. وتقع تلك العصا، ويظل الحاج صادق شامخاً كالجبل، صامداً. ليلتف حوله كل عائلته بالصراخ والعويل على ذلك الشاب التي تحطم مستقبله قبل أن يبدأ.
في فيلا فهد، وقد انهارت حصون فهد وارتفعت نبضات القلوب، فقد كانت هي المتحدث الوحيد. فهذا الصمت الدامس.
انتفضت زهرة حين تفاجأت بفهد يقف أمامها، ولم يترك لها وقت للتفكير. حيث اقترب منها بخطوات غير محسوبة، حيث أصبح أمامها إلى حد الالتصاق، وقف يتأملها ويتأمل جمالها وهي بهذا الشكل المغري للغاية، ومد يده ورفع تلك الخصلة المتمردة من شعرها الحائرة على عينيها ووضعها خلف أذنيها، وأخذ يجوب بأصابعه على خديها يتحسس بشرتها الناعمة كبشرة الأطفال.
واقترب من أذنيها يهمس لها بكلمات عشق يذوب لها الوجدان، ويستنشق عطرها الياسمين المنبثق من جسدها بفعل سائل الاستحمام. ورفع يده وحل تلك المنشفة الصغيرة التي فوق شعرها، ليطلق لها العنان لتتمرد تلك الخصلات على وجهها وكتفيها وظهرها، ليعطي لها شكل مغري حيث تتساقط بعض قطرات الماء مثل قطرات الندى على أجسام الزجاج.
أما زهرة بحالتها لا تختلف عنه كثيراً. نعم، فقد أحبته بل عشقته في تلك الفترة القصيرة. فقد كانت تتظاهر بالخلود إلى النوم حيث يأتي ويستلقي بجانبها حتى تنعم بقربه. فقد وجدت أمانها بداخل حضنه.
اقترب فهد من شفتيها، تهمهم في قبلة أودع بها عشقه الذي بات ينبض بقلبه واشتياقه لها ورغبته بها. وقد استجابت له زهرة وكانها أعطت له الحق لفهد الإشارة لفعل بها ما يفعل. وكأنها تقول له إنها ملك له. وهنا صخرة رغبة فهد في امتلاكها وراودته نفسه ليميل عليها ويحملها بين ذراعيه ويضعها برفق على السرير. وزهرة تحضن عنقه وتدفن وجهها خجلاً في رقبته. واستلقى بجانبها، وقد أحطها بين ذراعيه يضمها إليه حد الالتصاق، يود ليزرعها بداخل جسده.
والتهم شفتيها في قبلة طويلة، وينعموا بليلتهما الأولى. ليضع فهد ثقل ملكيته بكل شبر بجسدها لتصبح زوجته أمام الله، ويعلن أمام الجميع استسلم الفهد لتلك القطة الشرسة، ويسلم لها قلبه وعقله وروحه إذا أمكن، فهي قد امتلكته حد الامتلاك. ليصنعوا سوياً أنشودة خاصة بهم تعزف على نبضات القلوب.
وأنزلت الستار على تلك العروسين، ونتركهم ينعموا بليلتهم. ومالناش دعوة بيهم عشان حرام كدا الناس بصلهم في الليلة اليتيمة يعني.