كانت مستلقية على تختها شاردة في الفراغ، وآثار عبراتها على وجنتيها كمجرى شلالات جافة. لم يعرف النوم لها طريقًا، فظلت مستيقظة منذ الأمس وهي تدعو الله أن يهدي لها الحال، وأن والدتها تتراجع عن قرار السفر المفاجئ.
قاطع تفكيرها صوت تذوب له كل القلوب من عذوبة ندائه الرائع، فهو نداء الحق وطريق الهدى لمن ضل سبيله. تعالت أصوات الآذان في كل مكان معلنة عن صلاة الفجر. رددت فيروز الأذان مع المؤذن ثم قالت الدعاء، وكادت تنهض لتذهب وتتوضأ. استوقفها صوت خطوات أقدام والدتها ففزعت فيروز وتصنعت النوم. آمال وهي تدلف للغرفة: انتي نمتي وما غيرتيش هدومك؟ اقتربت منها وقبل أن توقظها، جلست بجانبها ومسدت على خصلات
شعرها وهي تقول لنفسها: سامحيني يا بنتي، مش عايزاكي تعيدي الماضي وتخسريني زي ما خسرت أهلي زمان. ثم تذكرت ما حدث لها منذ زمن لتخونها عبراتها التي انزلقت من أهدابها لتسقط على وجنة ابنتها. فيروز وهي تفتح عينيها: ماما انتي بتعيطي؟ نهضت واقتربت من والدتها ثم عانقتها وهي تقول: أنا آسفة يا ماما، سامحيني. أفاقت آمال من ذكرياتها ومسحت بكفيها
دموعها واردفت قائلة بجمود: قومي يلا اتوضي وصلي وغيري هدومك وجهزي شنطتك وحاجتك عشان نلحق أتوبيس الساعة ٧. قالتها وهي تبعد يدان فيروز المعانقة لها. أرادت فيروز أن ترجوها للمرة الأخيرة، لكنها خشيت من ردة فعلها، فإنها تعلم أن والدتها عنيدة وعندما تتخذ قرارًا لا تتراجع فيه. بعدما انتهوا من إعداد حقائبهما، استعدا للرحيل. فيروز: ماما. آمال: نعم. فيروز: ممكن قبل ما نمشي أنزل لليلى أسلم عليها؟
كانت تفكر بأن تترك رسالة مع صديقتها لترسلها لصقر لكي يعرف إلى أين سيذهبون. آمال وهي تتفرس ملامحها: عشان البيه بتاعك يعرف انك مسافرة ويجي ورانا. فيروز بتردد وقلق: آآآ أنا... قاطعتها والدتها: فيروز، أنا كنت في يوم من الأيام في سنك وعارفة انتي بتفكري في إيه. أنا أمك واللي مربياكي وبفهمك من نظرة عنيكي. مش عايزاكي تتعشمي في حاجة إحنا مش قدها. هو فين وإحنا فين؟
وبعدين ده لو كان رايد الحلال كان قبل ما يقرب منك كان جالي وطلبك على سنة الله ورسوله. فيروز برجاء: ماما اسمعي بس... قاطعتها مرة أخرى: اسمعيني انتي للآخر ومتقاطعنيش. انتي رخصتي نفسك لما بتقابليه ورايحة وجاية معاه، ومن بجاحتك نازلة من عربيته قدام باب البيت، ودي تاني مرة غير المرة اللي شافك فيها الواد جمال. فيروز: هو الزفت ده قالك؟ آمال: هو ده اللي همك؟ ومش همك عيل صايع زي ده ماشي يجيب سيرتك في الحتة؟
كنت باسمع الكلام من الجيران وبعمل نفسي طرشة وبقول يا بت اسكتي هي هتيجي بنفسها هتحكيلك كل حاجة وقولت أسيبك لما تخلصي امتحانات، لكن ما شاء الله طلعتي مباتضيعيش وقت. فيروز: ماما انتي فاهمة غلط، والله صقر على فكرة بيحبني وطلب إيدي وقالي هيجيلك بعد امتحاناتي، يعني مش بيلعب بيا زي ما انتي فاكرة.
آمال: اللي زيه من أصحاب الفلل والعربيات يوم ما ييجوا يتجوزوا بياخدوا من اللي زيهم، لكن اللي زي حالنا بيبقى تسلية وهيضحك عليكي بكلامه المعسول وأول ما هينول غرضه منك هيرميكي رمية الكلاب، اسأليني أنا، وفي الآخر انتي اللي هتشيلي الطين فوق دماغك. فيروز تسمع لحديث والدتها وكانت تخشى أن يكون صحيحًا ولكن عشقها لصقر كان يزيل تلك الأفكار من ذهنها. آمال بصوت مرتفع: انتي يا بت سرحانة في إيه؟ فيروز: ها، لأ مفيش.
آمال: طب يلا عشان نلحق قبل ما الأتوبيس يطلع. فيروز بتأفف: أوووف يلا. غادرا المنزل ونزلا الشارع وسارا إلى أن وصلا إلى موقف سيارات الأجرة الجماعية التي ستصل بهما إلى محطة مترو الأنفاق. *** بداخل مكتب صقر بقسم الشرطة. إياس: لا، انت كده غلط يا صاحبي، ماينفعش. إزاي تاخدها تبات عندك وكمان رايح توصلها بالعربية تحت بيتها؟ ده كويس إن مامتها ما ادتكش المين انت كمان.
صقر: ما هو أنا هاروحلهم النهاردة إن شاء الله وانت هتيجي معايا عشان أطلب إيديها. إياس: ما تاخدش الأمور بالسرعة دي، لازم الأول تروح تعتذر لوالدة فيروز وبعد كده تحدد معاها ميعاد. صقر: أنا باحب أجيب من الآخر، وبعدين انت ما شوفتهاش إمبارح دي كانت بتبصلي بصة كأنها هتولع فيا. إياس: حقها يا صقر، دي أم ودي بنتها وما لهاش غيرها، غير إنهم في حي شعبي يعني سمعة... وبعدين انت لو بتحبها بجد استحمل أي حاجة تحصلك عشان تكون ليك.
صقر يتنهد بقوة: حااضر يا أستاذ إياس، انت الوحيد اللي بتقنعني بكلامك. إياس: ده واجبي عليك يا صديقي، إحنا عشرة عمر وأكتر من الإخوات ولازم أوجهك للصح وأبعدك عن اللي بيضرك. صقر: ربنا يخليك ليا. إياس وهو يقلد صوت فتاة: ويخليك ليا يا حبيبي. صقر بضحكة جلية: هههههههههههه يخربيت عقلك، شغلك في الآداب ده بهت عليك خالص. إياس: مقبولة منك يا صاحبي. صقر: طيب أنا يدوب أمشي، أنا هاروح لحماتي وأعتذرلها وربنا يحنن قلبها عليا.
إياس: ما تكلم فيروز الأول. صقر: باتصل عليها من بدري موبايلها مقفول. إياس: ربنا معاك ولو احتجت أي حاجة اتصل عليا. صقر: تسلملي... يلا سلام. نهض صقر من مكتبه وغادر القسم وركب سيارته متجهاً نحو منزل فيروز. *** أمام منزل فيروز نزل من سيارته وكانت تتابعه من أعلى وهي تقف في الشرفة والدة ليلى... ظلت تراقبه وهي تقول لنفسها: مش ده الشاب اللي كان مع فيروز في المستشفى وبيقول إن خطيبها؟
طب وجاي ليه وهم سافروا، شكله ما يعرفش. لما أطلع وأشوف. كان ما يزال يقف في الفناء ويحاول الاتصال على فيروز، لكن لا فائدة، هاتفها مغلق، لا يعلم أنه أصبح حطام. والدة ليلى وهي تخرج من الشرفة وتدلف للداخل متجهة نحو باب المنزل: بت يا ليلى تعالي انشري الغسيل ده عقبال ما أجي. ليلى بتأفف: يوووه أهو ابتدينا بقى، يا رب الإجازة تخلص بسرعة. والدة ليلى: انجزي يا بت بدل ما أنشرك انتي بدل الغسيل. ليلى: حاضر يا ماما...
يا رب توب عليا بقى. خرجت أم ليلى ووقفت على الدرج تنتظر صقر الذي يصعد الدرج، فاستوقفته: يا بيه يا بيه. صقر وهو يتعرف على ملامحها ويشبه عليها: نعم. أم ليلى بابتسامة زائفة: أنا أم ليلى صاحبة فيروز اللي شفتني في المستشفى لما أمها تعبت. صقر: آه افتكرت حضرتك، في حاجة؟
أم ليلى: أنا شفت حضرتك طالع وأنا كنت في البلكونة، قلت أخرج وأقولك إن الست آمال وبنتها شافهم عمك أبو ليلى وهو راجع من صلاة الفجر رايحين موقف الميكروباصات ومعاهم شنط سفر. صقر بتعجب: سافروا!! ... بتتكلمي بجد؟ أم ليلى: والله زي ما باقول لحضرتك. صقر: طيب ما تعرفيش راحوا فين؟ أم ليلى: والله اللي أعرفه إن عمرهم ما سافروا لأي حتة ولا أعرف بلدهم إيه. صقر: طيب ومدام آمال معاها تليفون؟
أم ليلى: أها، ثواني هادخل أجيب الموبايل وأجيلك. دلفت للداخل وأحضرت هاتفها ثم خرجت: اتفضل حضرتك النمرة أهي، اكتب... صقر انتهى من تسجيل الرقم: طيب شكراً لحضرتك... وهم بنزول الدرج... سلام. أم ليلى وهي تلوي فمها: ده الظاهر اللي سمعته إمبارح في المدخل ده صح... ربنا يسترها على بنتنا. ودلفت للداخل لتقابلها ليلى: كنتي بتعملي إيه بره يا ماما؟ أم ليلى: خليكي في حالك وإياكي أشوفك تقفي ولا تكلمي اللي اسمها فيروز دي تاني، فاهمة؟
ليلى وهي تفتح فاها من الصدمة: انتي بتقولي إيه؟ أم ليلى: مش عايزة رغي كتير، باقولك اقطعي معاها بدل وديني وما أعبد ما هاخليكي تخرجي من باب الشقة... قالتها واتجهت إلى المطبخ وهي تهمهم: بنات آخر زمن. بينما صقر بعد أن ذهب وركب سيارته كان يحاول الاتصال على والدة فيروز لكن كان يعطيه رسالة مسجلة بأن الهاتف غير متاح حاليًا... جز على أسنانه وهو في قمة غضبه ليضرب بقبضته على المقود وبصوت هادر: سافرتوا عشان تبعديها عني...
وقسمًا بالله ما هأبعد عنها وهتكون ليا غصب عن الكل... صمت ثم اتصل بإياس. صقر بصوت مخنوق: ألو أيوه يا إياس، أنا هاديك رقم دلوقت وعايزك تديه لصاحبك اللي بيشتغل في شركة (..... ويعرفلي مكان صاحب... إياس: مش فاهم حاجة، وبعدين ده صعب اللي انت بتطلبه ده. صقر: ماليش فيه اتصرف، ولما تخلص شغلك تعالالي على البيت عشان عايزك... يلا سلام. ***
وبعد مرور ١٢ ساعة سفر عبر طريق الواحات الصحراوي وفي إحدى قرى محافظة الوادي الجديد، أخيرًا وصلت كل من فيروز والسيدة آمال أمام منزل كبير متكون من عدة طوابق له بوابة كبيرة من الحديد المطلي باللون الأسود الذي تكونت عليه الأتربة. آمال وهي تمسك بهاتفها: يوووه ده مفيش شبكة هنا. فيروز تقف كجسد بلا روح حيث كانت تتظاهر بالنوم طوال الطريق، وكل ما يشغل فكرها ما الذي تخطط له والدتها ولماذا لم تعطِ صقر فرصة ليثبت لها صدق نواياه...
استوقفت والدتها شرودها. آمال: افردي بوزك بدل ما أقلع اللي في رجلي وأديكي بيه على بوقك. فيروز نظرت لها بعيون ترقرقت فيها العبرات. آمال: هو أنا لسه حاسبتك؟ اصبري عليا بس. انتفضت فيروز من كلمات والدتها فخيالها يصور لها أشياء جعلتها تدعو الله بأن هذا لا يحدث. يا مرحب يا مرحب بالغاليين من ريحة الحبايب. جاء هذا الصوت من خلفهم... لترد آمال: أهلًا ازيك يا أبو خالد. أبو خالد: ياااه أخيرًا جيتي بلد جوزك يا أم فيروز.
آمال: ما انت عارف الظروف، وبعدين المسافة كبيرة وأحمد الله يرحمه كان مريض وممنوع من السفر. أبو خالد: نورتوا البلد والله... ونظر لفيروز ويتفحص ملامحها التي لا تشبه أخيه بتاتًا... ثم أردف قائلاً: ما شاء الله كبرتي يا عروستنا. فيروز لم تنبس بكلمة فنظرت لها والدتها بنظرة مخيفة وهي تقول لها: ردي على عمك يا بت، ده يبقى عمك حافظ أخو أبوكي الكبير. فيروز بصوت منخفض: ازيك يا عمي. حافظ: الله يسلمك يا بنتي...
هاتوا عنكم الشنط هاخلي خالد ابني يطلعهالكم فوق... ثم أردف بصوت جلي: يا خالد يا خالد. أجابه خالد من شرفة الطابق الثاني: أيوه يا بابا. حافظ: تعالى يا ابني مرات عمك وبنت عمك وصلوا. خالد: أنا جاي. لتفتح البوابة من الداخل وخرج خالد إليهم: أهلًا وسهلًا يا مرات عمي... ثم نظر لفيروز وكان شاردًا في ملامحها وعينيها التي جذبته من أول نظرة. (خالد... ٢٩ سنة... يعمل طبيب أمراض نفسية... طويل وعريض المنكبين... ذو بشرة خمرية...
يتميز بملامح رجولية منحوتة وجذابة) حافظ: هاتفضل متنح كتير كده، خد الشنط منهم واطلع حطها فوق. خالد: حاضر. حافظ: يلا اتفضلوا يا مرحب يا مرحب. صعدت فيروز مع والدتها إلى شقة عمها بالطابق الثاني ودلف الجميع للداخل. استقبلتهم زوجة حافظ بابتسامة ومهللة: يا مرحب يا مرحب... صافحتهما بالعناق والقبلات. ونظرت لفيروز متفحصة: ما شاء الله والله أكبر إيه الحلاوة والجمال دي يا ست أم فيروز. آمال: تسلمي يا أم خالد الله يخليكي.
أم خالد نظرت لابنها الذي كان ينظر لفيروز وقالت: روح يا خالد انده على عمك سعد وعمتك اعتماد قولهم مرات عمك وبنتها وصلوا. خالد: حاضر. *** كانت تجلس على الأريكة في إعياء شديد وهاتفها لم يتوقف عن رنين المكالمات الواردة. تحاملت وجمعت قواها وأمسكت بهاتفها لترى من المتصل حتى أجابت. مايا: ألو يا سيلي، معلش كنت نايمة. سيلين: أنا تحت البيت عندك، قعدت أرن الجرس ومحدش فتح. مايا: معلش يا حبيبتي مكنتش سامعة.
سيلين: أوكي اقفلي، وأنا طالعالك ناو عشان عيزاكي في موضوع مهم. مايا: أوكي مستنياكي. أغلقت ثم تنهدت وهي تتأفف: أوووف ده وقتك. اتجهت نحو باب المنزل وهي تشعر بالغثيان، فقامت بفتح الباب لصديقتها مسرعة وركضت نحو المرحاض ودلفت له وأفضت كل ما بجوفها. وكانت الأخرى قد دلفت للمنزل وتنادي: مايا انتي فين؟ مايا: لا رد. وجدت سيلين باب المرحاض مفتوحًا فاتجهت إليه لتصرخ بذعر: ماياااااا!
كانت مايا مسجاة على الأرض وبشرتها شاحبة، فجثت سيلين على ركبتيها وأخذت تضرب على وجنة مايا لتفيق. ثم وضعت أناملها على عنقها لتقيس النبض، فوجدت نبضها ضعيفًا. نهضت وركضت للخارج وأخذت تفتش في حقيبتها عن هاتفها، فأمسكت به واتصلت على رقم الطبيب المعالج لعائلتها. سيلين: ألو يا دكتور، أنا سيلين السويفي، عيزاك تيجي ضروري على العنوان اللي همليه لحضرتك. آه، العنوان هو (......... في انتظارك يا دكتور، باي.
حاولت أن تسند صديقتها لتحملها إلى غرفتها إلى أن يصل الطبيب. نجحت بسحبها إلى غرفتها ثم وضعتها على تختها ذي الفراش الوثير. وبعد مرور ربع ساعة، رن جرس الباب. أسرعت راكضة نحو الباب وفتحته. سيلين بتوتر وخوف: اتفضل يا دكتور، من هنا بسرعة بليز. دلف الطبيب لغرفة مايا وأخرج من حقيبته أدواته الطبية ثم فحصها بعدما قام بقياس الضغط ومعدل نبضها. أغلق جهاز قياس الضغط ونظر لسيلين وتنهد. سيلين: هي مالها يا دكتور؟
الطبيب: هي عندها ضعف عام، واللي زود من أعراضه إنها حامل. سيلين وهي تشهق: هااا حامل!!! الطبيب: هو أنتو مكنتوش تعرفوا ولا إيه؟ سيلين بارتباك وريبة: آآآه، أصل جوزها مسافر وسابها قاعدة لوحدها، وأهلها عايشين في سويسرا مش هنا. الطبيب بعدم اقتناع: آه... طيب عمومًا أنا هكتبلها على شوية فيتامينات وفوليك أسيد عشان البيبي، ولازم تروح لدكتور نسا عشان تتابع معاه. سيلين: حاضر يا دكتور، ميرسي. الطبيب: ده واجبي يا آنسة سيلين.
نهض بعدما كتب ورقة علاجية. ثم ذهب إلى باب المنزل وفتحت له سيلين وهي تتردد: دكتور. الطبيب: نعم. سيلين: أرجو الموضوع ده يفضل سر. الطبيب وهو يرفع أحد حاجبيه: حاضر يا آنسة سيلين، بس خدي بالك من صاحبتك ومن صحتها. سيلين: أوكي ميرسي. الطبيب: مع السلامة. سيلين: سلام. ذهب الطبيب وقفلت سيلين خلفه الباب ثم سندت بظهرها على الباب وهي تزفر بقوة: يخربيتك يا مايا، إيه اللي هببتيه في نفسك ده. ***
في منزل أيمن، كان يتقلب على فراشه وهو يغمغم بكلمات غير مفهومة وجبينه يتصبب منه قطرات عرق منزلقة. لتدلف سلمى للغرفة وهي تمسك بملابس مطوية لتضعها بالخزانة، فسمعت أنين زوجها فألقت ما بيدها على الكومود وأضاءت مصباحًا خافت الإضاءة وتقربت منه وأخذت تمسح بيدها على جبينه وتوقظه بصوت هادئ. سلمى: أيمن... يا أيمن، قوم يا حبيبي فوق مالك. نهض أيمن في فزع من كابوس في منامه ونظر أمامه وهو يحدق في الفراغ وهو يقول:
معملتش حاجة، مش عايز أموت، سيبوني. سلمى وهي تربت على ظهره بحنان: مالك يا حبيبي اهدي. وأخذت تقرأ عليه سورة الإخلاص والمعوذتين حتى هدأ تمامًا وعاد لوعيه. ونظر لها. سلمى: مالك يا أيمن، كنت بتحلم بكابوس؟ أيمن ظل صامتًا لثوان وهو يتذكر أحداث الأمس بالصحراء ثم اقترب من زوجته وقبلها من جبينها وهو يقول: مفيش يا حبيبتي، كان كابوس وراح لحاله. سلمى بضيق:
عشان بقالك كتير بعيد عن ربنا ومش بتصلي، حتى لما فتحها عليك ورزقك بفلوس المفروض تصلي وتشكره. أيمن وقد شعر بالاختناق من حديثها له: هي الساعة كام دلوقت؟ سلمى: إحنا المغرب، قوم يلا عشان تتغدى وتروح الشغل. أيمن زفر بضيق لأنه سيذهب ويرى مجدي زميله بالعمل وسبب دخوله إلى وكر الأفاعي والوحوش. أيمن: أنا ماليش نفس للأكل، حضري لي الحمام عقبال ما أجهز هدومي. سلمى: حاضر... طيب أحطلك الأكل في حافظة الأكل وتاكل في الشغل. أيمن بغضب:
انتي مبتفهميش! قولتلك ماليش نفس أطفح وروحي اعملي اللي قولته لك عليه. سلمى ترقرقت عبراتها في عينيها من كلماته لها بدون سبب، فتركته وغادرت الغرفة. رن هاتفه فنظر إلى الشاشة وجد المتصل رقم مجهول، فعلم أنه من بيبرس. أيمن: ألو يا باشا. بيبرس: أيمون حبيبي، مساء الخير. أيمن ويزفر بضيق: مساء الخير يا باشا. بيبرس: ماله صوتك، كنت نايم ولا إيه؟ أيمن: آه كنت نايم ورايح الشغل. بيبرس: ربنا يقويك يا أيمون. كتم
أيمن الصوت بالهاتف وقال: هو اللي زيك يعرفوا ربنا! الله يلعنك أنت واللي معاك. ثم فتح الصوت وأردف: الله يخليك يا باشا... فيه جديد ولا إيه؟ بيبرس بضحك: أنا كل اللي عندي على طول جديد يا أيمون... هتعرف كل حاجة لما تقابل ساشا بكرة الساعة ٤ قدام نادي الصيد. أيمن: تمام سعادتك. بيبرس: خلاص هأسيبك عشان تلحق تروح شغلك، وأبقى سلملي على ميجو... سلام. أيمن: سلام... قالها وهو يلقي بهاتفه على الفراش ويبصق عليه وهو يقول:
الله يحرقك أنت وهو في يوم واحد. *** في منزل مايا. سيلين: ألو داد. صلاح: نعم يا سيلي، أنتي فين لغاية دلوقت؟ سيلين: أنا بتصل بيك عشان هقولك أنا هبات مع مايا صاحبتي عشان تعبانة ومعاهاش حد. صلاح: خلاص يا حبيبتي خلي بالك من نفسك ومنها... أبعتلك حد من الخدم؟ سيلين: ميرسي داد، مفيش داعي... يلا باي. كان شهاب يجلس مع عمه وسمع الحوار فسأل عمه: هي سيلي هتبات بره ولا إيه؟ صلاح: صاحبتها مايا تعبانة وهي قاعدة معاها. شهاب
باقتضاب وهو يقول لنفسه: يا ترى بتعملي إيه يا سيلين من ورايا؟ نعود لمنزل مايا مرة أخرى. سيلين تمسد على جبهة مايا التي بدأت تفيق رويدًا: ليه كده يا مايا؟ ليه ترخصي نفسك كده؟ ويا ترى مين الحيوان اللي عامل فيكي كده؟ استوقفها همهمات مايا التي كانت تردد: باس... باسل... حرام عليك... متسبنيش. سيلين حاولت تقترب بأذنها منها لتستمع لما تقوله: مايا بتقولي إيه؟ مش سامعة منك حاجة.
مايا عادت لوعيها وفتحت عينيها ثم نظرت لسيلين ونهضت... فساعدتها سيلين على النهوض وأسندت ظهرها على وسادة خلفها. سيلين: حمدلله على سلامتك. مايا بوهن: سيلي أنا حصلي إيه؟ سيلين وتنظر إليها بارتباك: أنتي تعبتي وأغمى عليكي، وجبتلك الدكتور ويدوب لساكي صاحية. مايا: وقالك إيه؟ سيلين وهي توجه نظرات استفهام وغضب لها. مايا: مالك بتبصيلي كده ليه؟ سيلين: أنتي عملتي علاقة مع حد؟ مايا بتوتر: علاقة!!! مش فاهمة.
سيلين: متستهبليش، أنتي فهماني كويس. مايا بتصنع: بقولك إيه أنا تعبانة ومش فايقة لألغازك وأسئلتك دي. سيلين وهي ترمقها وتعقد ساعديها أمام صدرها: أنتي حضرتك حامل يا هانم. مايا بصدمة وذهول شهقت بقوة: إيه؟؟؟ سيلين: زي ما سمعتي، الدكتور قال اللي حصلك نتيجة إنك حامل... ها الدكتور هيكدب هو كمان؟ مايا كانت تلطم على صدغيها وتقول: يا دي المصيبة يا دي المصيبة. سيلين اقتربت منها وأمسكتها من كتفيها:
اهدي دلوقت كده وقوليلي أنتي حامل من مين. مايا توقفت فجأة وقد ألجمها سؤال سيلين وخشيت من أن تعلم بعلاقتها بباسل التي تبغضه. مايا: معرفش. سيلين: هو إيه اللي متعرفيش؟ أنتي هتستهبلي يا مايا؟ يعني حملتي من الهوا؟ مايا: بقولك إيه يا سيلي، سيبيني أنا عايزة أنام، أنا تعبانة ومش عايزة أشوف حد. سيلين غضبت من أسلوب صديقتها الفظ فوقفت قائلة:
تصدقي إن أنا غلطانة إني خايفة عليكي، وعمومًا شكرًا يا مايا، أنا ماشية ومش هتشوفي وشي تاني، وشوفي مين اللي هيساعدك في مصيبتك دي. قالتها وغادرت المنزل بأكمله. وتركت مايا في حالة يرثى لها تبكي وتتألم: أعمل إيه يا ربي في المصيبة دي؟ وخايفة أقوله يبعد عني وأنا بحبه ومقدرش أبعد عنه خالص. صمتت ثم نهضت لتبحث عن هاتفها واتصلت على رقم باسل. مايا: ألو يا باسل... ***
في منزل صقر، دلف لمنزله متجهًا نحو غرفته فلاحظ صوتًا يأتي من الغرفة الأخرى ففتح بابها ثم اندهش وقال: لسه فاكرة إن ليكي بيت؟ رنيم ببرود: والله أنا حرة أروح وأجي زي ما أنا عايزة. أثارت كلماتها غضب صقر فاقترب نحوها ليجذبها من شعرها فأوقفه صوت رنين جرس باب المنزل. أردف قائلًا وهو يشير لها بأصبعه السبابة: والله لأربيكي يا رنيم من أول وجديد بس لما أفضى لك بس.
ترك الغرفة فغضبت من تحذيره لتركض وراءه وكادت تتحدث فأوقفها عندما فتح أخيها الباب، دلف إياس الذي كان يرمقها بنظرات نارية... وبادلته بذات النظرات وهي تقول: أنا داخلة أوضتي عن إذنكم. صقر: استغفر الله العظيم يا رب، ألاقيها منك ولا من اللي مش عارف أراضيها فين. ثم نظر لإياس الذي كان ينظر نحو غرفة رنيم. صقر: أنت يا زفت واقف عندك ليه؟ إياس: ها؟ كنت بتقول حاجة؟ صقر: تعال جوه وقولي عملت إيه.
دلف الاثنان لغرفة المعيشة وأخرج إياس ورقة من جيب بنطاله وقال: اتفضل يا سيدي، دي بيانات الرقم الخط باسم آمال عبد الرحيم الأسيوطي وعنوانها اللي أنت عارفه. أمسك صقر بالورقة وقام بتمزيقها لفتات وصرخ بوجه صديقه بصوت مخيف: وحياة أمك جاي تهزر!!!! إياس: ما تلم نفسك يا صقر، أنت بتتكلم مع صاحبك مش مع واحد متهم. صقر وهو يمسح وجهه بكفيه ليهدأ وزفر بقوة: الصبر من عندك يا رب...
يا بني آدم افهم، بقولك دول سافروا ومش عارف راحوا فين، فأنا عاوز أعرف مكانهم عن طريق الرقم ده، فهمت ولا أفهمك تاني. إياس: صعب والله يا صقر، خاصة إنه الظاهر تليفونها عادي مش تاتش ولا فيه جي بي إس نقدر نوصلهم بيها. صقر وهو يكظم غيظه: طيب متشكرين لخدماتك يا عم إياس. قالها وهو يشير إليه بالذهاب. إياس وهو يرفع أحد حاجبيه: أنت بتطردني يا صقر؟
صقر: أنا مش طايق نفسي ولا طايق اللي جوه دي ولا طايق أي حاجة، أوسخ إحساس لما تحس إنك عاجز ومش قادر توصل للإنسانة اللي أنت بتحبها... وطبعًا أنت مش حاسس بيا، خطيبتك معاك. إياس قاطعه بصوت جلي عن قصد: ومين قالك إن أنا بحب خطيبتي؟ رن هاتف صقر ليوقف حديثهم، أخرجه من جيب بنطاله ونظر فيه ليجد رقم غير مسجل وبجانب الرقم مكتوب بالإنجليزية الوادي الجديد فتعجب. إياس: مين؟ صقر: ده رقم غريب ومكتوب جنبه إنه من الوادي الجديد.
إياس: طيب ما ترد. فتح صقر وأجاب: ألو...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!