الفصل 31 | من 57 فصل

رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم ولاء رفعت

المشاهدات
17
كلمة
5,166
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 54%
حجم الخط: 18

في محافظة الغربية، وتحديدًا بمدينة طنطا، وفي إحدى القرى التابعة لتلك المدينة. سلمى ترتدي عباءة قديمة يملؤها الغبار من تنظيف المفارش والسجاجيد التي تركت منذ سنين بدون تنظيف، حيث كان المنزل مغلقًا. سلمى بصوت متحشرج بسبب سعالها من الغبار: كح كح كح... مش معقول كمية التراب دي، أنا حاسة إن عقبال ما أخلص هكون موت من التراب ده. خالتها وهي تمسك الوسادة

لتضعها بداخل فرشها الخاص: ما أنا قولتلك بلاش سفر ولا بهدلة وتعالوا عندي، يعني هم هيعرفوا مكاني إزاي؟ قالتها لتنتهي من الوسادة وتلقي بها على التخت. سلمى: مكنش ينفع يا خالتو، بالتأكيد الناس دي عارفين بيتك عشان كده مينفعش أسيبك لوحدك. خالتها: يا ضنايا أنا مش خايفة على نفسي قد ما أنا خايفة عليكي أنتي والعيال وأبوهم... أنا كده كده ست كبيرة وفايتة الدنيا. سلمى

وهي تقترب منها لتعانقها: بعد الشر عليكي يا حبيبتي، ده أنا مليش غيرك بعد أمي الله يرحمها. خالتها: الله يرحمها ويرحم جميع موتانا... تنهدت ثم أردفت: المهم خلاص كده خلصنا تنضيف وفرشنا، ناقص إنك تمسحي الأرضية. أنا هاروح أغير اللي عليا وهاخد دش، وهاخدلك البنات أتمشى بيهم شوية تكوني خلصتي وفرشتي السجاد. سلمى وهي تجلس بأريحية وتمسح بظهر يدها جبينها من قطرات العرق: ياريت بجد أحسن ما يقعدوا يتنططولي وأنا بمسح ويلبخّوا الأرض.

خالتها: هههههههه ربنا يخليهملك ويباركلك فيهم وتفرحي بيهم يارب. سلمى: ياااارب يا خالتو، ده أنا بحلم باليوم اللي هياخدوا فيه شهادة الكلية، وبعدها أشوفهم بالفستان الأبيض، والاتنين في ليلة واحدة يااااه... تفتكري الواحد ممكن يعيش للحظة دي؟ خالتها: ربنا يخليكي ليهم يا بنتي أنتي وأبوهم، وتعيشوا وتشوفوا أحفادهم كمان.... وكفاية كلام بقى، خليني أنزلهم وأجيلك قبل ما الدنيا تليل.

ذهبت الخالة ومعاها الفتاتان التوأم اللتان كانتا تركضان في سعادة ومرح، وأحضرت لهما الخالة الحلوى وبعض الألعاب الخاصة بالفتيات. بينما سلمى كانت منهمكة في فرش السجاجيد بعد أن جفت الأرضية من الماء، ثم دلفت بعد ذلك إلى المرحاض لتستحم، ثم خرجت بعد أن انتهت فاتجهت نحو إحدى الغرف وارتدت بيجامة قطنية ضيقة إلى حد ما ووقفت أمام المرآة لتصفف شعرها المبتل. سمعت طرقات مدوية على باب المنزل فحسبت أنها خالتها...

فتحت الباب لتتفاجأ بالذي يقف أمامها لتتسع حدقتيها وتضع يديها على فمها ثم صاحت بصوت جلي. في منزل صقر الهواري. رنيم تجلس على المقعد أمام المرآة ترتدي ثوبًا زهري اللون يناسب بشرتها الحنطية وذو مظهر أنيق، حيث ضيق من الأعلى ليبدأ بالاتساع من خصرها، فهو يشبه كثيرًا الأثواب التي كانت موضة بفترة الخمسينيات من القرن الماضي. فيروز وهي تضع لرنيم التي كانت تغمض عينيها بعض الحمرة

على وجنتها بالفرشاة: كده خلصنا يا جميل، يلا فتحي عيونك. فتحت عينها لتنظر بصورتها المنعكسة بتمعن: واوووو فيري نايس، حلو أوي يا فيروز، تسلم إيدك فعلًا أنتي فنانة. فيروز مبتسمة: عقبال يا حبي لما أعملك الميك آب بتاع ليلة زفافك. رنيم وهي ترفع يديها في وضع الدعاء: ياااارب يا فيروز. يطرق على الباب من الخارج ليقول بصوت أجش: ها خلصتوا؟ رنيم منادية عليه: تعالي يا صقر ادخل.

فتح الباب ليدلف إلى الغرفة ويتأمل شقيقته بانبهار، ليفتح ذراعيه لها وهي تركض نحوه لترتمي بينهما فيضمها إليه: كبرتي يا حبيبتي وبقيتي عروسة. رنيم وهي تنظر له بشجن: أنا كان نفسي مامي تبقى معايا في اللحظة دي. تبدلت ملامحه من البسمة إلى التجهم ثم انتابه الغضب فأبعدها عنه ثم ولاها ظهره، لتحزن رنيم وترقرقت عباراتها بعينيها وكاد يغادر الغرفة... لتنادي فيروز: صقر. التفت إليها وأجاب مقتضبًا: نعم!!

فيروز بغضب: أنت ماشي وسايب أختك زعلانة وهتعيط. صقر ببرود: وأنا أعملها إيه؟ رنيم وهي تمنع نفسها من البكاء وبصوت مختنق: سيبيه يا فيروز، هو على طول كده كل ما أجيبله سيرة مامي يقلب خلقته كده ويسيبني ويمشي. صقر زفر بقوة وهو يتألم من داخله بسبب ما تشعر به شقيقته من فقدانها لوالدتهما، فضمها إليه ليمسد على شعرها المنسدل ويغمض عينيه وبنبرة ألم: ادعيلها يا حبيبتي بالرحمة...

فأمسك بظرف ذقنها ثم أردف: وبعدين في عروسة زي القمر كده تعيط وتزعل في يوم زي ده. رنيم بابتسام: ربنا يخليك ليا. صقر: ويخليكي ليا يا روني. فيروز وهي تقف بجوارهما لتمزح وتقول بمزاح: الله الله وأنا هنا كيس جوافة واقف معاكو؟ تركت رنيم صقر لتعانق فيروز: لا يا حب أنا أقدر، أنتي أختي يا فيرو اللي ربنا عوضني بيها. صقر بمرح: وأنا مليش حضن أنا كمان؟ قالها وهو ينظر لفيروز التي خجلت كثيرًا.

رنيم بسخرية: حضن إيه يا عم الحبيب، أنا أوضتي طاهرة وهتفضل طول عمرها طاهرة... ههههههههههه. قالتها ليضحك جميعهم. صقر وهو يضربها بخفة على مؤخرة رأسها: طيب يلا يا لمضة قدامي عشان عريسك وأهله مستنيين من بدري. رنيم: ماشي... يلا يا فيرو. وقفت فيروز بمكانها بتوتر ثم قالت: معلش اطلعوا أنتوا وأنا هخليني هنا. صقر وهو يمسك بيديها: لا هتطلعي وهتقعدي معانا ولا أنتي مش عايزة تفرحي لرنيم؟

فيروز: لا خالص، ربنا اللي عالم أنا فرحانة ليها قد إيه هي وإياس، بس الحكاية هي إن أنا مليش في الجو ده. صقر بنظرات حب: طيب لو قولتلك عشان خاطري؟ هتكسفيني؟ نظرت بخجل وبنبرة هادئة: لا طبعًا مقدرش أكسفك. وقفت بينهما رنيم وهي تضع يديها على كتف كل منهما: الله يسهلووووو... فغمزت بعينها لصقر. صقر مبتسمًا: شوفتي جبتلنا الكلام. ضحكت فيروز ثم أردفت: طيب يلا عشان زمان إياس هيولع فينا. انفرجت أساريرها

وهي تهلل بفرح عارم باسمه: أيمن حبيبي! أيمن وهو يدلف إلى الداخل مغلقًا الباب خلفه ليجذبها بين أحضانه وهو يعانقها باشتياق وحب وعشق مكنون في قلبيهما، هامسًا لها بصوت حنون: وحشتيني يا نور عيني وحياتي. ثم أعطاها قبلة رقيقة على شفتيها... وحشتيني يا زوجتي وحبيبتي... ليعطاها قبلة أخرى أقوى من سابقتها.... وحشتيني يا أم ولادي وبناتي وأمي أنا كمان وأختي وبنتي وكل ما ليا يا سلمى قلبي وعقلي وروحي وعنيا...

لينهل على وجهها بأكمله بقبلات عاشق مشتاق ليحاوطها من خصرها ثم يرفعها لأعلى ويدور بها في كل الأرجاء. سلمى بصياح وجنون: بحباااااااااااااااااااااااااااااااااك. فأنزلها ليضمها أكثر فأكثر لايريدها أن تبتعد عنه... ما أجمل الحب والعشق بين زوجين مهما مرت عليهم الصعاب والمحن يظلان بنفس المشاعر والأحاسيس التي تربط قلبيهما. صدره يعلو ويهبط بقوة أثر عناقه القوي لها: عاملة إيه يا حبيبي؟ سلمى وقد تبدلت ملامحها من

السعادة إلى الوجوم والحزن: كنت بموت من غيرك يا أيمن. أيمن: بعد الشر عنك يا عمري. قالها وهو يضع رأسها على صدره. سلمى وهي ترفع رأسها لتعود به للواقع الأليم: وآخرتها إيه يا أيمن؟ ليتنهد ثم قال: مش عارف والله ما عارف هترسي على إيه، أنا كل اللي شايل همه هو أنتي والعيال... وبدعي ربنا ليل ونهار إن يحميكوا وإن لو حصل أي شر يجي فيا أنا بعيد عنكوا. سلمى بخوف وهي تضع يدها على وجنته: بعد الشر عنك يا حبيبي ربنا يخليك لينا.

أيمن: أنا يا سلمى شوفت الموت بعنيا الأيام اللي فاتت، حسيت إن الدنيا دي ملهاش أي لازمة وكل خوفي عليكوا أنتوا. سلمى وهي ترتمي بين أحضانه وتمسد على شعره خلف رأسه: متخافش يا حبيبي ربنا هو الحافظ وإن شاء الله هينتقم من الناس الظلمة وهياخدوا جزاءهم. أيمن: يااااارب آمين.... أومال فين خالتك والبنات؟ سلمى: خالتي خدتهم تفسحهم عقبال ما خلصت مسح الشقة وفرشتها وعمر وسليم رضعتهم ونيمتهم ومش هيصحوا غير على بليل. أيمن وهو يبعدها

عنه وعينيه تلمعان بمكر: يعني الدنيا كده أمان!! سلمى بعدم فهم: هي إيه اللي أمان؟ أيمن ويغمز لها بعينه: تعالي جوه وأنا هقولك إيه هو الأمان والحنان... قالها وهو ينهض ويمسك بيدها متوجهًا لإحدى الغرف. سلمى أوقفته بعدما أدركت مقصد حديثه: مش هينفع يا قلبي... قالتها ووجنتيها متوردتان من الخجل. أيمن وهو يهمس في أذنها يسألها عن شيء ما ليزداد وجهها احمرار ثم أردفت: لا... وبطل بقى. أيمن ضحك من خجلها: مالك مكسوفة أوي كده ليه؟

على فكرة أنا جوزك وأبو عيالك... قالها بمزاح وسخرية. توقف عندما سمع طرقات الباب. سلمى: هتلاقيهم العيال وخالتي. أيمن يمسك يدها: ادخلي أنتي جوه وأنا هفتح ممكن ما يطلعوش هم. دلفت هي إلى الغرفة وذهب ليفتح الباب ليتفاجأ بابنتيه برجوعه. كارما وكنزي وهما يعانقانه: بابا وحشتنا أوي يا بابا. أيمن وهو يقبلهما على رأسهما: وحشتوني أوي يا حبايب بابا... ثم انتبه لخالة سلمى ليصافحها ثم أردف: إزيك يا خالتي عاملة إيه؟

الخالة: الحمد لله يا بني حمدالله على سلامتك وعلى رجوعك لمراتك وعيالك. أيمن: الله يخليكي لينا يا غالية. ثم دلفا إلى الردهة. تمسك كنزي دمية على شكل فتاة شقراء: بص يا بابا تيتا جابتلنا إيه، باربي اللي كان نفسي فيها أنا وكارما. أيمن مبتسمًا: ربنا يخليكي ليهم يا رب... يلا اشكروا تيتا. كنزي وكارما: شكرًا يا تيتا. الخالة: الشكر لله يا حبايبي... قالتها لتنهض: هستأذنك يا بني أقوم ألحق أصلي العصر قبل ما المغرب يأذن.

أيمن: اتفضلي يا خالتي واللهم تقبل. الخالة: منا ومنكم آمين... قالتها ودلفت إلى المرحاض لتتوضأ. كارما تنظر عابسة لوالدها... ليلاحظ ذلك فسألها: مالك يا كارما مكشرة ليه؟ كارما بنبرتها الطفولية: عشان لسه فاكرة حاجة وزعلانة منك. أيمن واقترب منها ليجلس بجوارها ويحاوط ظهرها: وحبيبتي كاروما زعلانة من بابا ليه؟ كارما: عشان أنت سرقت ودخلت السجن. شعر بغصة

في قلبه ثم حاول الابتسام: أنا مسرقتش حاجة يا حبيبة بابا، مين اللي قالك كده؟ كارما: العيال في الشارع والمدرسة. حبس عبراته في عينيه ليقول بنبرة هادئة: متصدقيش العيال الوحشة دي... أنا مسرقتش حاجة والدليل أنا معاكوا دلوقت. كارما: طيب ليه البوليس جه خدك وصورتك جت في نشرة الأخبار؟ خرجت سلمى التي انتهت من تمشيط شعرها وصاحت بضيق: كارما يلا خدي أختك وخشوا غيروا هدومكوا واغسلوا إيديكوا عشان تتعشوا وتناموا.

كنزي: عايزين نقعد مع بابا شوية. سلمى وهي تحدق بهما وتحذرهما بإشارة من إصبعها: أنا قولت إيه؟؟؟؟ كنزي وكارما عابسي الوجه ليتأففوا: أووووووف... على طول تفضل تزعق فينا... قالاها بصوت يكاد مسموعًا. سلمى بضيق: بتبرطموا بتقولوا إيه؟ كنزي وهي تدلف الغرفة وتلقي بدميتها على التخت وبصوت مرتفع: مبنقولش.... ثم صفقت الباب. سلمى ابتسمت: وربنا بناتك دول هيجننوني.

أيمن بضحك: ههههههههههه أومال لما عمر وسليم يكبروا ويطلعوا أشقية بقى ويطلعوا عينك هتعملي إيه! سلمى: لا ما أنا ناوية أسيبلك مسؤولية تربيتهم، أنت ربي الصبيان وأنا خليني في البنات. أيمن ينظر حوله يمينًا ويسارًا بمزاح مبتسمًا: أنتي بتكلميني أنا؟؟ قالها وهو يشير بيده على نفسه. سلمى بسخرية: لا بكلم خيالك.... قالتها ثم نهضت. أيمن: رايحه فين؟ سلمى وهي تتجه إلى المطبخ: هاحضر العشا قبل ما البنات وخالتي يناموا. أيمن وهو

يتمدد على الأريكة بأريحية: آآه بالله عليكي يا سلمى بسرعة عشان هموت من الجوع. انتهت من إعداد العشاء ليتناولوه في سعادة ودفء، لينتظرهم قريبًا مصير محتوم سيقلب سعادتهم تلك إلى جحيم، يكون الموت أهون منه آلاف المرات.

خرجوا ثلاثتهم واتجهوا إلى الردهة حيث يجلس كل من إياس مرتديًا بدلة كلاسيكية باللون الرمادي القاتم فيبدو جذابًا، وبجواره والدته التي ترتدي بدلة نسائية ذات رونق كلاسيكي وشعرها مرفوع لأعلى في شكل أنيق، وفي المقعد المقابل يجلس نور الدين والد إياس. التفت الجميع لرنيم التي اتجهت إليهم في خجل، فذهبت لتصافح والده أولًا، ثم والدته التي كانت تتفحصها من رأسها لقدمها كعادة الحموات. وأخيرًا إياس الذي كان منبهرًا بجمالها، وهي كذلك منبهرة بوسامته وجاذبيته، فأعطاها باقة الأزهار ذات اللون الأحمر القاني ليخفق قلبها بقوة، ليشرد في عينيها وهو ما زال ممسكًا بيدها.

تنحنح صقر: أحم.. هنفضل واقفين كده كتير؟ التفتا إليه ليتركا أيديهما ثم جلس كل منهما على المقاعد، بينما فيروز التي تقف بعيدًا جلست على مقربة منهم. نور الدين: طبعًا يا صقر أنت عارف إن والدك الله يرحمه كان من أعز أصحابي، وأنت وأختك كنتوا متربين مع إياس وأنتو صغيرين، وهو صاحبك وأنت عارفه كويس. فإحنا جايين نطلب أيد الآنسة رنيم أختك لابننا إياس على سنة الله ورسوله. تلون وجه رنيم بالحمرة خجلًا وقلبها تزداد خفقاته بشدة.

صقر بابتسام: والله يا عمي أنا يشرفني إن إياس يتجوز رنيم. ثم نظر لشقيقته ثم أردف: وأنتِ إيه رأيك يا عروسة؟ لتنظر بخجل لأسفل وبصوت رقيق: اللي تشوفه يا صقر. نور الدين مازحًا: فكري يا بنتي قبل ما تدبسي ابني ده فلاتي وبتاع بنات. ضحك صقر: ما أنا بقول كده برضه. ونظر لصديقه الذي استشاط غيظًا. إياس: بقي كده يا صاحبي أنت وبابا تتفقوا عليا! مااااشي ليك يوم عن قريب. وكده كده أصلًا روني عارفة عني كل حاجة.

ثم التفت لوالدته التي كانت صامتة طوال الوقت ثم أردف: إيه يا ماما مالك ساكتة ليه من أول ما جيتي؟ رمقته ببرود: عادي وأنا هقول إيه باباك اللي بيتكلم. قالتها ثم أمسكت هاتفها وتصنعت أنها منشغلة بشيء ما. نور الدين: إيه يا جماعة مش ناويين تقرأوا الفاتحة؟ فرفع الجميع أيديهم ثم قرأوا سورة الفاتحة. وبعد مرور ثوانٍ... صقر: صدق الله العظيم. نور الدين: مبروك يا ولاد. فيروز

ركضت نحو رنيم فعانقتها: مبروك يا حبيبتي وربنا يتمم لكوا على خير. رنيم: عقبالك يا فيروز أنتِ وصقر. صقر وهو يغمز لفيروز: خلاص هانت. اقترب نور الدين ليصافح رنيم ليبارك الله، وتعانق كلا من إياس وصقر. صقر وهو يربت بقوة على ظهر إياس: مبروك يا صاحبي. وخلي بالك منها لو جاتلي في يوم زعلانة منك أنت حر. إياس: ههههههههه عرفك مجنون.

وكان الجميع فرحًا ويتبادلون المباركات والتهنئة، بينما ظلت منى والدة إياس تجلس في مقعدها وعلى وجهها الوجوم.

تتلفت من حولها خشية أن يراها أحد من بالمنزل، فخرجت من نافذة الشرفة المطلة على الحديقة واختبأت خلف شجرة متدلية الغصون، فأخرجت هاتفها الذي كان على وضع الصامت طوال الوقت، فوجدت العديد من المكالمات الفائتة حوالي ثلاثون مرة من ذلك الشيطان المدعو باسل. فضغطت على اسمه بالاتصال ثم وضعت الهاتف على أذنها وهي تتلفت حولها، حتى جاء رده عليها. مايا بتوتر: ألو أيوه يا باسل. باسل بنبرة غاضبة: إيه يا بت ما بترديش عليا ليه؟

مايا بصوت منخفض: ما كنتش هأعرف، سيلين كانت قاعدة معايا طول الوقت ولسه سيباها ونزلت عشان أكلمك. باسل: ها وعملتي إيه معاها؟ مايا: سيلي على الرغم من القوة اللي بتظهرها قدام الناس بس هي طيبة خالص وما تستاهلش اللي أنت ناوي لها عليه، حرام عليك. باسل: هو أنا موديكي عشان تعرفيلي أخبارها وتصالحيها ولا عشان تقوليلي فيها شعر؟ جرى إيه يا بت فوقي يا مايا بدل ما أفوقك وأنتِ عارفة ممكن أعمل معاكِ إيه ولا وحشك الحزام يا حلوة؟

ارتجفت ثم قالت بخوف: حح حاضر بس اللي عرفته إنها مش بتخرج غير مع شهاب، ولو هو مش معاها بتخرج ومعاها اتنين سكيورتي زي ظلها. باسل وبصوت غاضب اخترق أذنها: اسمعي يا بنت الـ... أنا ما عنديش صبر على دلعك ده، انجزي اخلصي واقنعيها تخرج معاكِ لوحدها أنتِ فاهمة ولا أفهمك بطريقتي؟ مايا وهي تزيح الهاتف من على أذنها وتلتفت خلفها لتتسع حدقتيها بخوف وذعر من الذي يقف أمامها، فضغطت على زر إغلاق المكالمة توًا وبدا على ملامحها الارتباك.

شهاب بنبرة شك: إيه اللي موقفك هنا والدنيا برد؟ مايا بارتباك وكأن الدماء تسحب منها: أأنا كنت مخنوقة شوية فقلت أتمشى شوية في الجنينة يمكن أفوق. شهاب بعدم اقتناع: أومال فين سيلين؟ مايا: فوق سيباها نايمة. شهاب وهمَّ بأن يدلف إلى الداخل: مش هتطلعي لها؟ مايا: لا قصدي شوية كده وهأطلع. شهاب: أوك عن إذنك. مايا: اتفضل. تركها لتتنهد والخوف يساورها،

فقالت لنفسها: يا دي المصيبة ليكون سمعني وأنا بكلم الزفت ده، يا ترى سمع إيه وهيروح يقول لسيلين؟ فحاولت الاتصال به لتخبره لتجد هاتفه غير متاح، ثم وجدت رسالة نصية في محتواها: (وديني لأعرفك تقفلي السكة في وشي إزاي يا..... شعرت قليلًا بالدوار فدلفت إلى الداخل. وبداخل الملهى الليلي والموسيقى الصاخبة تعج بالأرجاء، يجلس هو بجوار الطاولة الرخامية المليئة بزجاجات الخمر والكؤوس الفارغ منها والممتلئ.

شرب آخر رشفة بكأسه ليضعه بقوة حتى أصدر صوتًا جليًا ثم قال لـ (البارمان) بصوت ثمل: أنت يا زفت صب لي كأس ثاني واتوصى شوية. لتأتي من خلفه فتاة ترتدي ثياب تكشف من جسدها أكثر ما تغطي وتلف ذراعيها حول عنقه وبنبرة مغناج: مش كفاية بقى شرب يا باسل. باسل وهو يزيح ذراعيها من على عنقه ويصيح فيها: وأنتِ مالك هو أنتِ اللي بتدفعي؟ الفتاة: خايفة عليك.

باسل: خليكِ في حالك يا أختي وغوري من وشي عشان أنا عفاريت الدنيا بتتنطط قدامي دلوقتي. الفتاة بسخرية: ما هو لازم يتنططوا مش مقعدهم معاك في النايت. باسل بضيق: بطلي خفة دم أمك دي على المسا وامشي من هنا يلا. الفتاة: ماشي يا باسل بكرة تيجي تسألني هأقولك كان فيه وخلص يا عنيا. باسل وهو يجذبها من شعرها: مش باسل ضرغام اللي يتقالوا لأ يا زبالة. الفتاة تتأوه بخوف: آآآآه حقك عليا ده أنا كنت بهزر معاك.

باسل: وأنا ماليش في الهزار وعقابًا ليكِ هتروحي معايا ومن غير فلوس وإلا إذا..... الفتاة: حاضر حاضر أنا تحت أمرك بس سيب شعري. باسل: أيوه كده صنف و......... ما بيجيش غير بالعين الحمرة. ثم أردف مع نفسه: وأنتِ يا مايا الكلب لحسابك عسير معايا عشان تبطلي تلوعيني وتصيعي عليا.

بينما عندما صعد شهاب الطابق العلوي فأراد أن يطمئن على سيلين قبل أن يذهب للنوم، فطرق الباب عدة مرات فلم تفتح حتى أدار المقبض ليفتحه ويدلف إلى الداخل باحثًا بعينيه في كل أرجاء الغرفة لم يجدها، وكاد يغادر حتى وجدها تخرج من المرحاض وملفوف حول جسدها منشفة قطنية كبيرة وتمسك بيديها منشفة صغيرة تجفف بها شعرها المبتل. ظل محدقًا بها كأنها لوحة فنية أمامه، ففزعت عندما رأته: شهاب!! أنت جيت إمتى؟

شهاب وهو يقترب منها وأنظاره تتجول على كل ملامحها وبنبرة هادئة: لسه جاي يا حبيبتي. فَنَظَرَت من حولها: أومال فين مايا؟ شهاب: لقيتها واقفة تحت في الجنينة وأول ما شافتني ارتبكت، الظاهر كانت بتتكلم في الموبايل وخايفة لحد يسمعها. سيلين: مايا دي غلبانة وطيبة خالص، هي بس بتمر بظروف نفسية صعبة شوية عشان كده تلاقيها على طول خايفة وحزينة. شهاب واقترب منها أكثر محاوطًا خصرها بيديه: هو احنا هنفضل نتكلم عن صاحبتك كتير؟

قالها وهو يحدق بشفتيها كالظمآن عندما يرى الماء أمامه. سيلين بصوت رقيق: بس بقى يا شيبو واخرج بره يلا عشان ألبس عشان الجو ساقعة وأنا بالبشكير. فضمها بقوة وهو يحاوطها بجسده ثم همس في أذنها: لسه سقعانة؟ فشعرت بحرارة جسده التي بثتها نيران عشقه وجنونه بها لتومئ له بعينيها بالنفي.

فاقترب بشفتيه من جبهتها ليطبع قبلة حانية، ثم أنزل على عينيها ثم أنفها فوجنتيها ثم ذقنها ليصعد إلى شفتيها ليبث فيهما مشاعر الحب والعشق والهيام، وهي تجيب عليه بتلك المشاعر التي جعلته يزيد من قوة قبلته أكثر فأكثر حتى تمنى أنها لو كانت تلك اللحظة هي ليلة العمر ليبحر بها في عالمه الخاص. واستوقفهم مايا التي دلفت بدون أن تستأذن فشعرت بالإحراج الشديد فغادرت وهي تغلق الباب قائلة: أنا آسفة.

شهاب: شوفي صاحبتك وأنا نازل المكتب هأعمل شوية حاجات وطالع أنام. تصبحي على خير يا قلبي. قالها وهو يعطيها قبلة على يدها. سيلين: وأنت من أهله يا حبيبي. غادر الغرفة ليجد مايا تقف أمام الباب بخجل، ألقى نظرة عليها بطرف عينيه ثم هبط الدرج متجهًا إلى مكتبه. دلف إلى مكتبه ليمسك بهاتفه واتصل برئيس الحرس بالمنزل ليأتي إليه في خلال دقيقة. الحارس وهو يدلف إلى المكتب: تحت أمرك يا شهاب بيه.

شهاب وهو يرجع ظهره للخلف ويضع ساق فوق الأخرى وبيده قلم يضغط عليه عدة مرات: عايزك يا منير تاخد بالك من صاحبة سيلين هانم كويس. منير: قصد حضرتك آنسة مايا؟ شهاب: وهو في حد غيرها موجود بطل غباء. منير: اللي تشوفه سعادتك يا باشا. شهاب: صلاح بيه رجع من السفر ولا لسه؟ منير: لسه يا باشا. شهاب: طيب خلاص روح شوف شغلك وزي ما فهمتك، البنت دي طول ما هي بالفيلا ما تغيبش عن عينيك ولا لحظة وتبلغني لو أي حاجة حصلت.

منير: اعتبره حصل جناب. عن إذنك حضرتك. شهاب يزفر بقوة ثم يسند كوعيه على المكتب ويقول: وبكرة هأعرف إيه اللي وراكِ ومخبياه يا مايا. بداخل سيارته الفارهة يمسك بالمقود بيد والأخرى ممسك بيدها ويقبلها من كفها من حين لآخر. سحبت يدها بهدوء وهي تنظر من النافذة المجاورة لها شاردة. صقر وهو ينظر للطريق أمامه: مالك يا حبي شيلتِ إيدك ليه؟ تنهدت ثم قالت: ما فيش كنت بتفرج على الشارع والناس وسرحت شوية. صقر ينظر لها بتعجب

ثم عاد بنظره إلى الطريق: بتكدبي عليا؟ فيروز بتوتر: أكذب عليك في إيه؟ مش فاهمة قصدك. صقر: لأن أنا رأيت في عينيكِ من إمبارح في قراية فاتحة رنيم كلام كتير بتحاولي تخبيه لكن عينيكِ حكتهولي. فيروز: ده أعتبره حب ولا استجواب؟ صقر: هو أنتِ ليه بتحسسيني كل ما أسألك كأني بسأل واحد بيحقق معاه؟ فيروز: عشان أنت فعلًا أسلوبك كده والمفروض تغيره. زفر بقوة متضايقًا: وليه النكد ده؟

أنا عارف إنك متضايقة عشان لسه ماخدتش خطوة في علاقتنا بس أنا والله ناوي أقابل والدتك وأتكلم معاها والحمد لله إنها رجعت من البلد عشان أروح أطلب إيديكِ منها وتكوني خطيبتي رسمي وممكن نكتب الكتاب مع الخطوبة وأول ما تخلصي دراستك نتجوز. فيروز وكادت تهلل من الفرحة لكن تصنعت بأن الأمر بالنسبة لديها شيء عادي لتقول: لا خليها خطوبة بس. صقر ويرفع إحدى حاجبيه: ليه؟ فيروز: هو كده وخلاص. قالتها وهي تكتم ابتسامتها. صقر: آآآها فهمت.

أمسك يدها ليطمئنها قائلًا: "فيروز أنا بخاف عليكي أكتر من نفسي، وعمري ما هتجاوز معاكي حدودي إلا لما تكوني مراتي قدام ربنا والناس. وبالنسبة للكام مرة اللي فاتوا، ده من كتر حبي فيكي مبقدرش أسيطر على نفسي لما بكون قريب منك، بحس إن كل حاجة فيكي بتناديني." توقف بالسيارة فجأة، ثم أردف وهو يلمس كل ما يذكره:

"شعرك بعشق ريحته اللي زي ريحة الياسمين. عنيكي اللي زي البحر، ببقى عايز أفضل أعوم فيه لحد ما أغرق فيهم وأدوب. وخدودك اللي بعشق لونهم لما بتتكسفي وبيحمّروا." ثم لامس شفتيها بأطراف أنامله ليردف: "وشفايفك بلاش أقولك أحسن، لما بشوفهم قدامي بحس بأيه... فيروز بخجل وهي تنظر للجهة الأخرى: "يوه بقى بس! صقر: "ههههههههههههه الصبر بس يا حبي لما نتجوز هخليكي تبطلي كسوف خالص."

قالها ثم انطلق بسيارته وهو يستمتع برؤية ملامح وجهها الخجولة. وصلوا أخيرًا إلى المنطقة التي تقطن بها. فيروز: "نزلني هنا أحسن، مش عايزاك تنزلني قدام البيت." صقر تنهد وقال: "أنا أصلاً طالع عشان عايز أتكلم مع والدتك شوية، وأغير أي فكرة غلط واخدها عني." فيروز: "أرجوك مش دلوقتي، أنا هحكيلها كل حاجة وإنك بتحبني وعايز تطلبني منها، يعني أمّهدلها الموضوع بدل ما أنت تيجي وهي تعند معاك." صقر:

"حاضر اللي تشوفيه يا روحي، دي مامتك وأنتِ تعرفي طباعها كويس." فيروز: "إيه ده! نسينا نتصل نطمن على خالد، زمانه وصل البلد من بدري." صقر: "نعم يا أختي؟! فيروز: "بالله عليك كفاية غيرتك اللي بقت زيادة عن اللزوم دي، أنا كده مش هعرف أعيش معاك حياة طبيعية." صقر بسخرية: "ليه يا أختي! هتتجوزي واحد مجنون؟! فيروز وكادت تموت من الضحك: "هههههههههههههه آه فعلاً أنت مجنون." صقر متضايقًا: "فيروووز! ما تخلينيش أتنرفز عليكي."

اقتربت منه وهي تمسك وجنتيه وتقرصهما: "يا لهوي يا ناس على شكل حبيبي المجنون لما بيتنرفز، بيبقى شكله عسل." صقر: "طيب يلا انزلي بدل ما أخطفك في حتة بعيد وأوريكي الجنان على حق." فيروز وهي تنزل من السيارة وقبل أن تغلق الباب نظرت له مبتسمة وبنبرة دلال: "سلام يا مجنون فيروز."

قالتها لتغلق الباب بسرعة قبل أن تأتي في وجهها علبة سجائره التي ألقاها عليها وهي تكيد فيه. ظل واقفًا حتى رآها وهي تدلف لفناء المنزل. وكاد ينطلق بسيارته لكنه سمع رنين هاتف يأتي من أسفل المقعد المجاور له ليلتقطه ثم ابتسم ابتسامة ماكرة. *** تقف أمام مرآة بطول الحائط وهي تستند على كتف خالتها لترى الفستان الذي ستأجره من أجل حفلة خطوبتها والذي سيتم فيه عقد القران. ليلى: "مش عايزاه، وحش! إيه القرف ده؟ خالتها: "وحش إيه!

حرام عليكي ده الفستان كأنه متفصل عشانك." وكادت تدمع لتقول بصوت متحشرج: "أنا تعبانة قوي يا خالتو ومش عارفة أعمل إيه مع ماما ولا البارد التاني اللي عارف إن أنا مش عايزاه ولا طايقاه وبرضو عايز يتجوزني." خالتها وهي تعانقها بحنان:

"اهدي يا حبيبتي وماتعيطيش. إن شاء الله ربنا هيحققلك كل اللي أنتِ عايزاه. أنتِ بس طوّعي أمك دلوقتي لأنك عارفة دماغها أنشف من الحجر، وياما طلعت عيني وأنا صغيرة وكانت برضو هتدبسني هي وجدتك في واحد عرفت إنه دلوقتي متجوز اتنين وبيبدل في التالتة ويطلق ويجيب غيرها. لكن أنا نفذت اللي في دماغي بس بذكاء ومقعدتش أعمل زيك أزعّق وأثور." ليلى: "قوليلي عملتي إيه وأنا هعمل زيك." خالتها:

"مش هينفع نقعد نرغي ومعطلين الناس كده، اقلعي بس الفستان عقبال ما أحاسب عليه وأحجزه، ونروح على عندي وأحكيلك يا قمر عملت إيه وهفهمك تعملي إيه أنتِ كمان." ليلى بابتسامة أمل: "حاضر." خالتها: "هستناكي بره." ليلى أشارت إليها نحو قدمها المصابة. خالتها: "يوه والله نسيت! خلاص خلصي واندَهي عليا وهاجي أسندك. بس انجزي."

انتهت من خلع الثوب وهي تجاهد بأن تجعل قدمها للأعلى وهي تستند إلى الحائط بظهرها، فنادت على خالتها التي انتهت من إجراءات تأجير الثوب فغادرا المتجر. ويقفان منتظرين سيارة أجرة حتى تفاجأت بسيارة تقف أمامها وينزل منها علي وشقيقته عبير. فنظرت ليلى إلى خالتها باستغراب لتبادلها خالتها أيضًا نفس النظرات. علي بابتسامته السمجة: "خلصتوا؟ الخالة: "آه ومروحين عشان ورانا حاجات كتير." عبير:

"إحنا اتصلنا كتير على التليفون عندكوا ومحدش رد عشان كنا عايزين ليلى ومامتها عشان نجيب لها الهدايا بتاعة الخطوبة. روحنا لقينا مامتك بتقول لنا إنكوا بتحجزوا الفستان وإن نيجي ناخدك أنتِ وخالتك ونروح نجيبلك الحاجات." ليلى بابتسامة مصطنعة: "ميرسي، أنا مش عايزة هدايا." علي: "ما ينفعش يا لي لي، دي تبقى عيبة في حقي." عبير: "دي عاداتنا يا ليلى إن لما واحدة فينا بتتخطب خطيبها وأهله بيجيبوا لها هدايا هدوم وحاجات في جهازها."

الخالة: "طيب ما ينفعش وقت تاني؟ علي: "مش هينفع، أنا يدوب أخدت إذن من الشغل بالعافية، كله يهون عشان خاطر ليلى حبيبتي." ليلى في نفسها: "حبك برص وعشرة خرس يا بعيد." عبير: "طيب يلا اركبوا العربية." دلفت للسيارة ليلى وخالتها وعبير في المقاعد الخلفية، بينما علي جلس بجوار السائق حتى وصلوا إلى منطقة خاصة ببيع كل لوازم العروس من ثياب ومفارش. فنزلوا جميعًا وتوجهوا نحو متجر مخصص لبيع الثياب الخاصة للعروس (اللانجيري)

. وقف علي أمام فاترينة العرض حيث يعرض فيها أحدث صيحات الموضة لتلك النوعية من الثياب. وكان شاردًا ويقول لنفسه: "يا لهوي على الأسود القصير ده هيبقي جامد على البت ليلى، وهي ما شاء الله عود ومشدود وربنا لأخلي عبير تجيبهولها." قالها ثم قام بمناداة شقيقته التي بالداخل فخرجت إليه. عبير: "نعم يا علي! ما ينفعش تدخل المحل ما أنت عارف." علي: "أنا بنده عليكي عشان حاجة تانية." فأشار إليها نحو الفاترينة ثم أردف:

"شايفة البتاع الأسود ده؟ عبير بضحك: "يخرب عقلك! يعني بتناديني عشان كده، ماله يا سيدي؟ علي: "اشتريهولها عشان خاطري." عبير بنبرة سخرية ومزاح: "ما تهدى يا واد في إيه! اتقل كده ده أنت شكلك مدهول والبت هتفلت منك." علي: "بموت فيها يا عبير، اعذري أخوكي بقى." عبير: "طيب يا عم العاشق خليني أدخل عشان ما نأخرش البت وخالتها." أردفت وهي تغمز له بعينها: "وهشتريلها الأسود القصير." علي بفرح جلي: "حبيبة قلب أخوكي يا بيرو."

ثم أرسل لها قبلة في الهواء. عبير وتدلف إلى المتجر: "آه يا بكاش." وبعد مرور وقت طويل انتهوا من الشراء. ثم ذهبوا ليستريحوا أمام محل عصير القصب حيث يجلسون حول منضدة بلاستيكية مستديرة. علي: "هتشربوا إيه يا جماعة؟ عبير: "هات لي واحدة قنبلة وخليه يكتر الفاكهة وما يحطش حلويات." علي: "وأنتِ يا ليلى وخالتك تشربوا إيه؟ ليلى لم تجب فخالتها أجابت بدلاً عنها: "شكرًا يا علي كنا لسه شاربين قبل ما نيجي." علي:

"خلاص هجيب لحضرتك زي أختي ولي لي هجيب لها فخفخينا زيي." ليلى: "أستغفرك وأتوب إليك يا رب يا رب." قالتها وهي تكظم غيظها منه. علي: "مش بتحبيها؟ هجيبلك حاجة تاني؟ ليلى في نفسها: "يا نهار أبيض على أم البرود! ربنا يشلك زي ما بتشلني يا أخي." ثم أردفت بصوت جلي: "أنت مصمم يعني؟ أجابها مبتسمًا بجبل من البرود: "آه يا حُب، ها عايزة إيه بدل ما أختارلك أنا؟ ليلى: "أمري لله. هات لي عصير مانجا." قالتها ثم ابتسمت له ابتسامة صفراء.

أتى لهم بطلباتهم ليجلس بجوارها ويهمس لها: "خلاص يا حُب كلها كام يوم وتبقى حرم الأمين علي." ليلى: "ده من عاشر المستحيلات." علي: "ما فيش مستحيل في الزمن ده يا لي لي." ليلى: "لا فيه حاجة اسمها إن ما فيش حد بيتغصب على حاجة في الزمن ده برضو." علي: "عندي أنا فيه، وهتكوني مراتي وبإرادتك كمان ولا إيه يا دكتورة؟

نهضت من مقعدها وبيدها كوب العصير وتصنعت الألم بقدمها لتسكب العصير على قميصه ذي اللون الأبيض، لينتفض هو من مكانه في محاولة تنظيف قميصه لكن بملامح هي تراها لأول مرة فكان الغضب يملأ عينيه، فارتعبت منه لترتجع إلى الخلف خشية من ردة فعله نحوها. خالتها: "حصل خير يا علي ما كانش قصدها." علي بنبرة مرعبة: "ولا تقصد! أنا لما أروح هغسل القميص بنفسي وأعصره وهنشره."

كان يتكئ على أحرف كلماته وله مقصد آخر من وراء تلك الجملة. لتخاف ليلى وتتشبث بخالتها وتقول لها بنبرة خوف: "يلا يا خالتو نمشي بسرعة." خالتها هامسة: "ما تبينيش قدامه إنك خايفة يا هبلة، كده هيستغل نقطة ضعفك، هو أهبل أصلاً ولا هيعمل حاجة." ليلى: "طيب أنا عايزة أمشي بالله عليكي، أنا لو فضلت ثانية معاه ممكن أموت." الخالة: "طيب يلا. عن إذنكوا إحنا هنروح لأن ليلى رجلها تعبت والمفروض ترفعها طول الوقت عشان تخف." علي:

"ثواني هدفع الحساب وآجي أوصلكوا." الخالة: "ما فيش داعي." علي: "خلص الكلام وقلت هاجي يعني هاجي عشان أوصلكوا." ليلى: "شوفتي يا خالتو؟ الخالة: "اهدي بقى أنتِ كمان والله لأروح لأمك المفترية دي وأخليها تعقل." غادرا المكان ليصلهم علي أمام منزل ليلى. ثم غادر وهو مبتسمًا لأنه أدرك تأثير وجهه الآخر من الشر على ليلى فجعلها تخافه وتخشاه. *** صعدت الدرج لتصل أمام منزل ليلى لتجد والدة صديقتها ترمقها بنظرات سخط واحتقار.

فيروز لم تفهم تلك النظرات فقالت ببراءة: "إزيك يا طنط عاملة إيه أنتِ وعمو وليلى؟ وحشاني ليلى قوي هي جوه؟ والدة ليلى: "لأ يا حبيبتي عقبالك كده إن شاء الله، راحت هي وخالتها تحجز فستان الخطوبة." فيروز بفرح جلي: "بجد ليلى هتتخطب! ألف ألف مبروك أنا فرحت لها قوي. أنا هطلع أطمن على ماما وهنزلها لما تيجي وأباركلها." والدة ليلى تلوي فمها جانبًا بسخط: "معلش يا فيروز خليها في وقت تاني عشان هي بالتأكيد لما ترجع هتكون تعبانة."

انصدمت فيروز من الرد عديم الذوق من تلك المرأة المتسلطة. فاكتفت بالنظر لها متضايقة ثم صعدت إلى منزلها فطرقت الباب وهي تشتاق لرؤية والدتها كثيرًا. انتظرت حتى فتح الباب. فغرت فاها بذهول من الذي يقف أمامها وهي تحاول أن تتذكره فعقلها يقول لها إنه رأته من قبل لكن لم تحتفظ بملامحه حينها. فيروز بتعجب جلي: "أنت مين؟! أشار لها بأن تدلف إلى الداخل ثم قال بصوته الرخيم: "وينفع برضو نتكلم على الباب كده؟

تعالي جوه وأنا هفهمك كل حاجة." دلفت إلى المنزل بالداخل وتبحث بناظريها عن والدتها: "هي فين ماما؟ ليجيب عليها: "عمتي لسه بتصلي." فيروز باندهاش أكثر من ذي قبل: "عمتك؟! "أنت مين أصلاً؟ أنا حاسة إن أنا شوفتك قبل كده بس مش فاكرة فين ولا أمتى بس ملامحك مش غريبة عليا." رن جرس الباب لينهض هو لكي يفتح فمنعته بإشارة من يديها: "استنى هفتح أنا، ممكن تكون ليلى صاحبتي."

اتجهت مسرعة لتفتح الباب لتجد من تخشاه في تلك اللحظة فبالتأكيد سيسئ الفهم وستحدث كارثة. فيروز بتوتر جلي: "صقر! في حاجة؟ قالتها وهي تحاول مواربة الباب. صقر مبتسمًا: "وحشتيني، قلت آجي أشوف حبيب قلبي." فيروز بابتسامة متصنعة: "وأنت كمان." صقر: "وأنا كمان إيه؟ ماشي، أنا هعديها لك بس لإنك مش عارفه تردي عشان مامتك. فيروز بابتسامة يشوبها القلق: الحمد لله، أخيرًا فهمت. ليأتي صوت الآخر الذي

وصل لمسمع صقر بوضوح شديد: مين ع الباب يا فيروز؟ تبدلت ملامح صقر وبدا الغضب على ملامحه: مين ده؟ فيروز كمن يريد أن تأتي معجزة إليها في تلك اللحظة وتختفي من أمامه قبل أن يتهور ويسبب لها فضيحة بمسكنها، أجابت بخوف ورعب: ده ده... ثواني بـ... لم تكمل جملتها لتجده يدفع الباب بقوة لترتمي هي جانبًا وتستند على الحائط لتجنب الوقوع. صقر بصدمة جلية: محمد! وكان الآخر واقفًا بنفس تلك الصدمة والذهول: صقر!

خرجت السيدة آمال بعد أن انتهت من أداء فرضها وتنظر إليهم جميعًا بتساؤل: إيه الدوشة دي في إيه؟ فيروز ركضت نحو والدتها وهي تعانقها: ماما وحشتيني أوي. بادلتها نفس العناق لكن بنبرة باردة: كنتي فين الأيام اللي فاتت؟ والأستاذ ده بيعمل إيه هنا؟ قالتها وهي تشير نحو صقر. زفر صقر بضيق: أنا كنت جاي أدي لها تليفونها. لتزيد جملته من الطين بلة. آمال متسائلة: يعني الهانم قبل ما تيجي كانت معاك؟ ثم نظرت

لفيروز بتوعد لها فأردفت: معنى كده كنتي بايتة عنده الأيام اللي فاتت؟ فيروز بنبرة رجاء: يا ماما أنتي فاهمة غلط، اصبري أشرح لـ... لم تكمل بسبب الصفعة التي تلقتها من والدتها فانهارت في البكاء. محمد متضايقًا: ليه كده يا عمتي، اسمعيها الأول. صقر بدهشة تحيره أكثر: عمتك! محمد: أنا أبقى ابن خال فيروز. لتكمل آمال متحدية صقر بنظرات حادة: وخطيبها إن شاء الله.

وقعت الجملة على مسمعه كوقع الصاعقة، لتصمت فيروز بصدمة وهي تحاول أن تكفكف عبراتها ثم صاحت بصوت دوى في جميع أرجاء المنزل: وأنا مش خطيبة حد. قالتها لتنظر إلى صقر الذي عقب قائلًا بصوت قوي يملؤه الغضب: فيروز خطيبتي أنا. آمال بنبرة تحدي مرة أخرى: وأنا مش موافقة لإن ابن خالها قرأ معايا فاتحة ويعتبر في حكم خطيبها. محمد وهو ينظر متعجبًا لحديث عمته: عمتو...

آمال: اسكت أنت يا محمد، بنتي وأنا حرة فيها وعارفة مصلحتها فين، وعمري ما هديها لواحد عمال يصيع لي معاها، وكمان بكل بجاحة ياخدها عنده تقعد الأيام اللي فاتت في شقته، ده يبقى اسمه إيه غير سفالة وإن ما عرفتش أربي. فيروز أجهشت في البكاء ليشعر هو كأن قلبه يعتصر ألمًا فصاح بوالدتها: أنتي ليه حضرتك على طول بتحكمي قبل ما تسمعي الواحد؟

هي فعلًا كانت عندي بس طول الوقت قاعدة مع أختي اللي عايشة معايا يعني مش مختلي بيها زي ما حضرتك فهمتي. آمال: برضه مينفعش، وسبق وقولت لك قبل كده إحنا صعايدة والمسائل دي ما فيهاش هزار، وبنتي لو غلطت تتجمل نتيجة غلطها، وأنا مش بعاقبها أنا هديها لابن خالها اللي جالي البيت من بابه مش من الشباك يا ابن الأصول. قالتها وهي ترمقه بسخط. ظل يضغط على أعصابه حتى لا يرتكب فعلًا أحمق فاستعاذ بالله

واستغفره حتى هدأ ثم قال: طيب حضرتك أنا قدامك أهو وبقول لك أنا طالب إيد فيروز وعايزها تكون أم ولادي. آمال بنبرة استفزازية: وأنا بقول لك مش موافقة، وأهي بنتي عندك اسألها لو هتوافق وهتجوزك غصب عني يبقى تنسى إن ليها أم وهفضل غضبانة عليها ليوم الدين. فيروز وضعت يديها على فمها وهي تشهق باكية من صدمتها من قسوة كلمات والدتها. صقر وعروقه تنبض بقوة والنيران مشتعلة بداخله ليود أن يحطم ويهدم كل ما يقابله...

لينظر متسائلًا وحدقتيه متسعة من الغضب وبصوت مرعب: وفيروز مش هتكون غير ليا، والراجل اللي يفكر بس إنه يبص لها ساعتها هادفنه مكانه وهو صاحي. محمد: اهدى يا صقر، مينفعش تتكلم مع عمتي كده مهما كان دي بنتها و... قاطعه صقر بنبرة مرعبة ومحذرة: اخرس أنت وربنا لولا بس إن إحنا كلنا مع بعض عيش وملح في يوم من الأيام كنت خليتهم يترحموا عليك دلوقت... ثم أردف موجهًا حديثه لآمال: يعني ده آخر كلام عند حضرتك؟

آمال: آه وقرار مش راجعة فيه. صقر بدون إدراك جذب فيروز من يدها بقوة وهو يصيح: تعالي معايا هنروح للمأذون أكتب عليكي. محمد أسرع نحوه ليمسك بيده وهو يصيح فيه بنبرة غاضبة: واخدها ورايح على فين هي مالهاش أهل يوقفوك عند حدك؟ ليترك فيروز ويوجه لكمة بعظم قوته لمحمد الذي وقع أرضًا من شدة وقوة اللكمة ثم أردف: يلا يا فيروز. فيروز تسمرت في مكانها وتذرف دموعًا وتصرخ: مش هينفع أجي معاك. صقر بصياح: يعني إيه؟

فيروز وهي تعتصر ألمًا: يعني دي أمي ومقدرش استغنى عنها لإني ماليش غيرها ومقدرش أبيعها بسهولة. صقر نظر لها والغضب يتطاير كالشرار من عينيه: خليكي فاكرة اللحظة دي كويس عشان ما تلومنيش بعد كده. صمت ليوقع على مسامعها صوت الرعد الذي قسمها لنصفين: لإني هنسى إن في يوم من الأيام إني حبيتك أو عرفتك. اتسعت حدقتاها بعدم تصديق حديثه الذي كان أقسى من الصخر على قلبها.

رمقها من أسفل لأعلى باحتقار ثم غادر وهو يدفع الباب بقوة لينخلع من مكانه. تاركًا إياها وهي تجثو على الأرض وتضرب وجنتيها بصفعات متتالية مما وصل بها الحال. محمد هم بالمغادرة مستأذنًا عمته التي بداخلها يحترق من أجل رؤية ابنتها هكذا... لكن لماذا فعلت ذلك؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...