في المشفي، وبداخل الغرفة التابعة لقسم العظام، تجلس ليلى على طرف الفراش، تمد ساقها على مقعد خشبي، وكان الطبيب يلف الجبيرة على كاحلها. تأوهت ليلى: اااه براحة يا دكتور. الطبيب: معلش استحملي، خلاص خلصت. والدتها بقلق: وهتفضل رجليها في البتاعة دي قد إيه؟ عشان خطوبتها بعد أسبوع؟ الطبيب: والله على حسب، أسبوعين تلاتة مع العلاج طبعًا والراحة، ورجليها ما تلمسش الأرض، وألف مبروك.
ليلى ترمق والدتها بسخط: يعني أنتِ كل اللي همك الخطوبة من سي زفت، ومش همك بنتك اللي كنتِ زمانك بتدفنيها دلوقتي. والدتها: أخس عليكي يا بنتي، ليه بتقولي كده؟ أنا عايزة أفرح بيكي. الطبيب أحس بالإحراج: طيب عن إذنكوا. والدتها: اتفضل يا دكتور. غادر الطبيب لتقترب من ابنتها وتجلس بجوارها. والدتها: هو أنتِ ليه محسساني طول الوقت إن أنا بكرهك، كأني مرات أبوكِ مش أمك. ليلى
وقد ترقرق الدمع بعينيها: عشان عمرك ما حسستيني إنك أمي اللي بتحبني وبتخاف عليا، عمرك ما ضميتيني في حضنك وطبطبتي عليا زي كل أم بتعمل مع عيالها، كل اهتماماتك البيت والأكل ومش مشكلة أنا أولع بجاز، ده حتى يا ربي يوم ما نجحت في الثانوية العامة ومجموعي دخلني طب بيطري بدل ما تفرحي لي وتتباهي بيا عملتِ العكس وقعدتِ تحطمي فيا وتقولي لي هاتعملي إيه بالشهادة أنتِ آخرك الجواز زي أي واحدة بتتجوز وتخلف وتربي العيال. صمتت لتترك
لعبراتها الانهمار فأردفت: عارفة ليه يا ماما؟ عشان ما كنتيش بتحبيني، أنتِ ما بتحبيش حد غير إسلام أخويا الله يرحمه. نظرت والدتها إليها بحزن لتهرب دمعة من أهدابها. والدتها: أنتِ شايفاني كل ده يا ليلى؟ أنا بقيت أم وحشة أوي كده؟! كتر خيرك يا بنتي، أصل تعبي فيكِ وسهر الليالي اتنسى، وإسلام الله يرحمه كنت بحبه زيه زيك وأهو راح اللي بتغيري منه.
ليلى وهي تكفكف عبراتها: عمومًا ما عادش ينفع الكلام، بس أحب أعرفك حاجة إن ما بحبش علي ولا طيقاه، ولو جوزتيني ليه بالعافية هأتطلق ومش هتشوفوا وشي تاني. قالتها بتحدي. والدتها بنبرة غاضبة: قولي بقى حبة الدراما اللي أنتِ عاملاها دي عشان كده. ليلى بصوت مرتفع: أنا مش بمثل ولا بضحك عليكي، واللي مسكتني عشان خاطر بابا بس، عشان زعله عندي غالي أوي، غير كده أنا ما يهمنيش حد. والدتها لم تشعر بيدها إلا وهي تنهال
على ابنتها بصفعة مدوية: اخرسي يا بنت قليلة الأدب، ما عرفتش أربيكِ، ويكون في علمك يا حضرة الدكتورة لو ما اتجوزتيش علي، هأروح أنا كليتك بنفسي وهاسحب ملفك، ده غير هأبعتك على بلد أبوكِ في الصعيد، وطبعًا أنتِ أكتر واحدة عارفة إن عمك عايز يجوزك ابنه عويس اللي ما بيعرفش يفك الخط. ليلى تنظر لوالدتها بصدمة وهي واضعة يدها على أثر الصفعة ودموعها تنهمر مرة أخرى، فأحست أنها وقعت في براثن ظلم والدتها لها.
دلف في ذلك الوقت علي مبتسمًا بسماجة: حمد لله على سلامتك يا لي لي. هي ما زالت تنظر لوالدتها ولم تجبه. والدتها: ردي على خطيبك يا بت واتعدلي. قالتها وهي تنظر لها بتوعد. ليلى وهي تنظر لأسفل وهي تخبئ وجهها: الله يسلمك. علي: طيب يلا عشان نروح. ليلى بغضب: هو البعيد أعمى؟ مش شايف الجبيرة في رجلي؟ والدتها لكزتها في كتفها: اتكلمي باحترام. علي: خلاص يا ماما هي فعلًا عندها حق. فاقترب من ليلى. ليلى بريبة: أنت بتقرب مني ليه؟
قالتها لتجده وضع ذراعه خلف ظهرها والآخر أسفل ركبتيها ليرفعها وهو يحملها. ليلى بصياح: إيه اللي أنت عملته ده يا متخلف؟ نزلني. لم يجبها واكتفى بابتسامة باردة ثم أردفت: يعني أعمى وأطرش، نزلني يا علي أحسن لك، وأنتِ يا ماما عاجبك كده؟ والدتها وهي تسير خلفه: أنا ما فيش صحة أشيلك، وبعدين عمري ما هأخليهم يخرجوكي على كرسي بعجل، ده حتى يبقى فال وحش. ليلى تزفر بقوة: ربنا يأخذني وأرتاح منكوا يا رب. علي هامسًا
في أذنها: بعد الشر عليكي يا روحي، أنا ما أقدرش أعيش من غيرك. ليلى: يا أخي تطلع روحك وأخلص منك. فأنزلها فجأة لتنزل على قدمها المصابة فتصرخ: آآآآآآآه رجلييييييي. علي: معلش يا لي لي كنت لازم أنزلك عشان أشاور للتاكسي. ظلت تتأوه من الألم وأحست بعدم التوازن لأنها تقف على قدم واحدة، فلا أمامها سوى أن تتشبث بمرفقه. علي: يلا اركبي.
قالها وهو يمد يده لها لتستند عليها حتى تستطيع أن تجلس بداخل السيارة، وركب أيضًا علي بجانب السائق ووالدتها بجوارها في الخلف، وانطلقت السيارة. على مقربة من منزل صلاح السويفي، يصف باسل سيارته على جانب الطريق وبجواره مايا. باسل: طبعًا زي ما اتفقنا أنتِ هتمثلي عليها دور الندم وإن ما لكيش حد غيرها وإنها تقف معاكي في المصيبة اللي أنتِ فيها دي، فاهمة؟ مايا ترمقه باحتقار: فعلًا مصيبة وأنت السبب. باسل وهو
يجذبها بقسوة من مرفقها: هو أنا السبب لوحدي يا روح أمك؟ ما بلاش أتكلم وأنتِ عارفة لساني زفر. مايا وهي تبعد يده عنها: خلاص ابعد إيدك عني. باسل: طيب انزلي يلا يا ست الحسن والجمال، وما تنسيش إن لو عقلك صور لك إنك ما تسمعيش اللي قلت لك عليه، أنتِ طبعًا عارفة هأعمل لك إيه يا حلوة. رمقته بنظرات كراهية وحقد وهي تفتح باب السيارة ثم نزلت وهي تصفق الباب بقوة ثم مشت إلى أن وصلت أمام البوابة ليوقفها أحد الحراس.
الحارس: واقفة ليه هنا؟ اعتدلت من نظارتها الشمسية التي تخفي وهن عينيها: أنا مايا صاحبة سيلين السويفي. الحارس: طيب خليكِ ثواني. تركها وذهب ليبلغ المسؤول عن فتح البوابة الإلكترونية حتى يتصل بشهاب الذي كان بالشركة وأبلغه فطلب منه أن يتحقق من بطاقة هويتها، فعاد لها الحارس ثم أردف: بطاقة حضرتك لو سمحت. مايا: أنت عارف بتتكلم مع مين؟ إيه بطاقتك دي؟ لو سيلي عرفت هترميكوا في الشارع.
الحارس بصوت أجش: معلش يا آنسة دي تعليمات شهاب بيه. زفرت بضيق: لما نشوف آخرتها إيه. قالتها ثم أخرجت من حقيبتها البطاقة فأردفت: أهي. أخذها الحارس وتفحصها وهو يقلبها ثم أعطاها لها فتحدث بجهاز السماعة المتصل بأذنه: افتح البوابة للآنسة. لتفتح البوابة ودلفت مايا للداخل وهي ترمق الحارس من خلف نظارتها بسخط، ليغادر باسل بسيارته وارتسم على محياه ابتسامة خبيثة.
بداخل حديقة المنزل، تجلس سيلين وهي تقرأ مجلة فنية لترى آخر صيحات الموضة حتى رفعت بصرها لترى القادمة نحوها فتعجبت قليلًا. مايا وهي تعانقها: سيلي حبيبتي وحشتيني أوي. بادلتها بنظرات باردة: والله لسه فاكرة؟ مايا: والله يا سيلي كنت تعبانة خالص الأيام اللي فاتت وأنتِ طبعًا عارفة المصيبة اللي أنا فيها ومش عارفة أتصرّف فيها إزاي. سيلين وهي تترك المجلة لتضعها على المنضدة التي أمامها ثم
عقدت مرفقيها أمام صدرها: ومين صاحب مصيبتك يا مايا؟ مايا بتوتر: إيه؟ مش فاهمة؟ سيلين: مين اللي هببتي معاه عملتك الزفت دي؟ إيه بكلمك هيروغليفي؟ مايا: ده واحد ما تعرفيهوش اتعرفت عليه لما كنت في حفلة الساحل وأنا كنت متقلة الشرب وكده وما حستش بنفسي غير لما صحيت و... لتقاطعها سيلين: خلاص أنا ما يهمنيش حاجة، أهم حاجة إنك تكوني بخير وكويسة.
شعرت مايا بالحسرة والندم على ما تنوي فعله مع باسل ضد صديقتها لكن لم يكن أمامها خيار آخر هكذا تبرر لنفسها ما ستفعله. سيلين: مالك سرحتِ في إيه؟ مايا: ما فيش، أصل بابي ومامي وحشوني أوي ومش هيرجعوا غير على الإجازة الكبيرة. سيلين: وفيها إيه ما هم على طول كده، إيه الجديد؟ شعرت بغصة في قلبها لتطلق العنان لعبراتها وتعالت شهقاتها، نهضت سيلين لتعانقها وهي تمسد على ظهرها. سيلين: مالك يا مايا في إيه؟ قلقتيني عليكي يا بنتي.
مايا ببكاء شديد: أنا تعبانة أوي يا سيلي ومش قادرة أستحمل خلاص. سيلين: خلاص اهدي يا حبيبتي وكل شيء هيتحل إن شاء الله، كفاية بقى. انتهت مايا من البكاء وهي تمسح عبراتها بمنشفة ورقية حتى هدأت. مايا: معلش يا سيلي أنا بأوجع دماغك بمشاكلي.
سيلين: بس يا بت يا عبيطة، إحنا أخوات ولو ما سمعتش ليكي ووقفت جنبك في محنتك ما أستاهلش أكون صديقتك، وبعدين بقى أنا مش هأسيبك تروحي النهاردة هتبيتي معايا عشان أحكيلك حاجات كتير خالص حصلت الأيام اللي فاتت. مايا بشبح ابتسامة: تصدقي نسيت، ألف ألف يا سيلي وربنا يتمم لكوا على خير. ثم أردفت بداخلها: ويبعد عنكوا شر باسل يا رب.
وصل شهاب ليدلف بسيارته إلى الداخل ثم صفها جانبًا لينزل منها وأغلق الباب ثم اتجه مبتسمًا نحو سيلين ليتعجب من ظهور مايا صديقتها التي كانت تختفي الفترة الماضية. شهاب: هاي، أزيكوا عاملين إيه؟ مايا كانت تنظر بتوتر له من طرف عينيها: هاي شيبو. سيلين اقتربت منه لتعانقه وتقبله على وجنته: حمد لله على السلامة يا بيبي. شهاب وهو يضمها إليه أكثر: آي ميس يو يا حبي.
بينما مايا نظرت إليهما بحزن مرير لتلعن نفسها وتلعن ذلك الباسل الذي جعل من حياتها جحيم ويريد منها أن تدخل بصديقتها إلى ذلك الجحيم أيضًا. سيلين مبتسمة: يلا يا ميوي تعالوا ندخل جوه عشان زمانهم حضروا الغدا وأنا جعانة أوي. شهاب: شفتِ صاحبتك يا مايا بقالها كام يوم بتاكل كتير، خليها لما تتخن ودريس الفرح ما يدخلش فيها. سيلين بحزن مصطنع: كده يا شيبو؟ أنا زعلانة منك ومش هأكلمك تاني.
شهاب وهو يحاوطها بذراعه: وأنا ما أقدرش على زعلك يا قلب شهاب. قالها وأعطى لها قبلة على وجنتها ثم دلفوا للداخل وخلفهم مايا تعتصر ألمًا بداخلها. في المخفر بداخل المكتب، يقف خالد أمام مكتب الضابط ويجلس تيمور على المقعد ويقابله يجلس المحامي الذي جلبه من أجل صديقه. الضابط وهو يملي على كاتب المحضر: يخلي سبيل المتهم، ثم نظر للبطاقة الشخصية ثم أردف: خالد حافظ سراج الدين المقيم بقرية... التابعة لمركز الداخلة.
محافظة الوادي الجديد، وذلك بكفالة مادية قدرها ألفان جنيه، وعدم التعرض مرة أخرى للآنسة ليلى محيي عبد الشافي... ويقفل المحضر في ساعته وتاريخه. قالها وهو يلقي أمامه بطاقته: خد بطاقتك يا دكتور... وياريت تكون حضرتك اتعلمت من اللي حصل. خالد: حضرتك مش مصدقني ليه يعني، أنا هاجي من بلدي لآخر الدنيا عشان أعاكس! الضابط: عمومًا خلاص الموضوع انتهى، بس ابقى خد بالك المرة الجاية وابعد عن الأمين علي واتقي شره... تقدروا تتفضلوا.
نهض تيمور والمحامي ليغادرا المكتب وبرفقتهم خالد، إلى أن خرجوا من المخفر. تيمور: كفارة يا صاحبي. خالد: أبوس إيدك أنا مش طايق نفسي، فبلاش خفة دمك دي الساعة دي. تيمور: اللي تشوفه يا صاحبي... ثم قال للمحامي: متشكرين لحضرتك يا متر. المحامي: على إيه يا دكتور تيمور، ده شغلي... معلش أنا همشي بقى عشان ورايا محاضر ناس كتير. تيمور: سلام يا متر... ثم أردف: يلا نروح على بيتنا عشان أمي مستنيانا وزمانها محضرة العشا.
خالد وهو يرتدي نظارته: لا روح أنت وأنا هتمشى مع نفسي كده شوية وهحصلك. تيمور وهو يده على كتف خالد: بشوقك يا صاحبي، هستناك... يلا باي. غادر تيمور... وكاد خالد يمشي في الاتجاه الآخر لكنه تذكر كلمات ليلى عندما أخبرته عن صقر، فدلف إلى القسم فقابله أمين شرطة آخر: إيه لحق يوحشك القسم؟ ... قالها بسخرية. خالد بامتِعاض: لا أنا جاي عشان أسأل عن النقيب صقر الهواري.
الأمين: ما قولنالك إنه إجازة ولسه جاي لنا قرار بوقفه عن العمل لمدة شهرين. خالد ويزفر متضايقًا ويحك رأسه من الخلف: ده إيه الحظ ده... طيب معكش رقم تليفونه؟ الأمين وهو يتلفت يمينًا ويسارًا: أنت عايزه ضروري أوي كده؟ قد فهم خالد ما يرمي إليه فأخرج من جيبه بعض الورقات النقدية ليدسها في يد الأمين وهو يقول: اتفضل. الأمين وهو ينظر للورقات بيده ثم وضعها مسرعًا بجيب بنطاله قبل أن يلاحظه أحد: طلع موبايلك وسجل ورايا.
أخرج خالد هاتفه وضغط على لوحة الأرقام: ها؟ الأمين: 010............ ضغط زر الاتصال ووضع الهاتف على أذنه ليجده غير متاح... فأعاد الاتصال مرة أخرى ليجد نفس الشيء. الأمين: إيه مابيردش؟ خالد: بيديني غير متاح... تنهد ثم أردف: طيب ما تعرفش عنوانه فين؟ الأمين: آخري أديك نمرته لكن العنوان مينفعش. خالد: بالله عليك عايزه في مسألة ضروري أوي... فكر خالد قليلًا ليردف: عايزه في مسألة حياة أو موت... فأخرج من جيبه مرة أخرى ورقات
نقدية ليعطيها له ثم أردف: وحياة أغلى حاجة عندك. نظر الأمين بمكر: حاضر عشان ورحمة الغاليين بس... ليخرج ورقة شاغرة وتناول القلم الذي يضعه خلف أذنه ليدون العنوان في الورقة التي يسندها على كف يده... ثم أعطاها له. خالد: متشكر لحضرتك جدًا. الأمين: العفو يا دكتور... إحنا في الخدمة. ليغادر خالد ويقول في سره: خدمة يا واطي ده أنت لاهف مني 100 جنيه بحالهم.
مشى إلى أن وقف أمام المخفر ليستقل سيارة أجرة خاصة وأملى العنوان على السائق لينطلق به نحو منزل صقر. _في منزل صقر الهواري: تجلس كل من رنيم التي تتحدث بالهاتف مع إياس... وفيروز التي تتصفح صفحتها الشخصية على الحاسب المتنقل الخاص برنيم. رنيم بصوت أنثوي جذاب: وأنت كمان واحشني أوي أوي أوي يا إيسو. إياس على الجانب الآخر: روح وقلب وعقل إيسو... تعرفي يا روحي أنا كان نفسي لما أجيلكوا بكرة نتفق على جواز على طول.
رنيم بخجل: جواز على طول كده مرة واحدة! إياس: وفيها إيه؟ كل حاجة ممكن تجهز في أقل من أسبوع، وبعدين إحنا نعرف بعض من وإحنا عيال، إيه لازمتها الخطوبة يعني؟ رنيم: ماليش دعوة، دي أوامر صقر أخويا حبيبي ولازم أسمع كلامه. إياس: وإشمعنا بتسمعي كلامه في دي يعني وأخويا وحبيبي؟ رنيم: ومالك غيران ليه كده؟ إياس: ده أنا بحبك وبموت فيكي وبغير عليكي من الهوا اللي بيلمس شعرك وخدودك اللي عايزين يتاكلوا أكل.
اكتست الحمرة وجهها بشدة ولم ترد. إياس نظر لشاشة الهاتف ليرى هل أغلقت أم لا، فعلم أنها تصمت فأردف: رونيييي حبيبي، أنتي مكسوفة يا حبي؟ رنيم: بس بقى فيروز معايا في الأوضة. إياس: خلاص وزعيها بره. رنيم: هههههههههه أوزعها؟ طيب هقولها. فيروز وهي تنظر لشاشة الحاسب وبصوت جلِي: سمعاكوا... وعاملين تنموا عليا آه يا أندال... فنهضت وتركت الحاسب على التخت فأردفت: أنا أصلًا كنت خارجة عشان هاروح أحضر العشا.
إياس: قولي لها يا حبي تعمل حسابي في العشا. رنيم: ههههههه حاضر... فيروز إيسو بيقولك اعملي حسابه في العشا. فيروز وهي تغادر الغرفة: قولي له اتفضل معانا بس هتتعشى أنت وصقر لوحدكوا. رنيم: سمعتها؟ إياس: ههههههه آه، قولي لها يا ساتر يا رب، ليه كده يا فيروز، شكلك بتعزيني أوي. تركتها وأغلقت الباب خلفها ثم دلفت إلى المطبخ وظنت أن صقر مازال نائم ولم يستيقظ بعد.
وقفت أمام الطاولة الرخامية وأمامها قطعة خشبية تقطع عليها الخضروات بالسكين، وكانت مندمجة وتغني بصوت عذب: موعودة بيك تبقى أنت بختي وقسمتي... موعودة بيك من قبل ما أتقابل معاك. وفجأة لتصمت عندما شعرت بحرارة خلفها لتلتفت وبيدها السكين لتشهق بذعر: هاااااااااا. ليمسك منها السكين مسرعًا فانجرحت يده بسبب أنه أمسك من جهة النصل. فيروز بذعر وخوف عليه: حبيبي أنا آسفة والله ما كنت أقصد. صقر وهو
يترك السكين على الرخام: ولا يهمك يا قلبي، أنتي كنتي هتموتيني بس.... قالها ساخرًا. فيروز: ألف بعد الشر عليك يا حبيبي. صقر: بتخافي عليا أوي كده؟ فيروز بنظرات عشق: وأنا ليا مين غيرك يا حبيب. صقر وهو يضع يده على قلبه ويتأوه متصنعًا: آآآآه قلبي الصغير لا يتحمل. زمت شفتيها لأسفل بحركة طفولية: طيب امشي بقى من وشي. ضحك ليضمها على صدره ويمسد على شعرها: أنا مقدرش أبعد عنك يا روحي... أنتي تقدري؟
ابتعدت لتنظر لعينيه: ده أنا أموت. صقر وهو يمسك وجهها بين كفيه: بعد الشر عليكي يا عمري، أوعي تجيبي سيرة الموت دي تاني أنتي فاهمة. أومأت له برأسها بالموافقة فشعرت بسائل ما على وجنتها لتتحسس بيدها لتجده دماؤه فشهقت بذعر: إيه ده؟ نظر لكف يده فضم قبضته: عادي ده جرح بسيط. فيروز: بسيط إزاي؟ تعالى عشان أطهرهولك وألفلك عليه شاش. صقر: يا حبيبتي أنتي مكبرة الموضوع ليه؟
تركته لتسرع نحو المرحاض لتدلف وذهبت لتفتح الخزانة المعلقة أعلى حوض الماء وفتحتها وأخرجت منها علبة الإسعافات الأولية وخرجت مسرعة لتضعها جانبًا وأخرجت مطهرًا ولفافة من الشاش الطبي وأخذت تنظف الجرح وتطهره ثم لفت حول يده عدة لفافات من الشاش حتى انتهت فأمسكت بالعلبة وذهبت لتضعها في مكانها فأمسكها من كتفيها وهي وجهها بوجه ليحدق في عينيها بنظرات العشق والهيام ثم أردف: ربنا يخليكي ليا وما يحرمني منك أبدًا...
ثم انحنى ليعطيها قبلة على رأسها بحب وحنان. ثم رن جرس المنزل. فيروز: ومين اللي بيخبط دلوقت ده؟ صقر وهو متجه نحو الباب: سيبي اللي في إيدك وادخلي جوه عند رنيم. فيروز: حاضر... قالتها لتدلف إلى غرفة رنيم. بينما فتح صقر الباب ليجد الواقف أمامه. خالد وهو يشبه عليه: السلام عليكم... حضرتك النقيب صقر الهواري؟ _صقر وهو يتذكر ملامحه أيضًا: آه أنا، خير؟ خالد: أنا كنت عايز أسألك لو تعرف مكان فيروز. صقر صمت قليلًا
لينهمك في التذكر: أنا شوفتك قبل كده؟ خالد: أنا ابن عمها. صقر يرمقه من أسفل لأعلى: هو أنت بتاع الواحات اللي ابن عمك اتحبس في مخدرات؟ خالد بامتِعاض: ما هو حضرتك اللي حبسته... وعمومًا ده مش موضوعنا، أنا جاي أسأل على فيروز عشان آخدها ونسافر البلد لمرات عمي. صقر وهو يجز على أسنانه في محاولة كبت غضبه: تعالى اتفضل جوه مش هينفع نتكلم على الباب كده...
فدلف خالد إلى الداخل وخلفه صقر الذي أغلق الباب وكان يشبك أصابع يده ليثنيهم حتى أصدروا صوت طقطقة ويحرك رأسه يمينًا ويسارًا حتى صدر صوت طقطقة فقرات عنقه. خالد: آسف لو كنت أزعجت حضرتك. صقر: لا خالص مفيش إزعاج ولا حاجة... كنت بتقولي إيه على الباب أصل ما سمعتش... قالها بسخرية. أدرك خالد سخريته فقال بنبرة مرتفعة وصلت إلى مسمع فيروز ورنيم: بقولك أنا عايز فيروز عشان آخدها ونسافر لمامتها. سمعت صوته من الداخل لتقترب من الباب.
رنيم: طيب هقفل دلوقت يا حبيبي هشوف حاجة كده وهكلمك تاني... باي... قالتها وأغلقت المكالمة... ثم أردفت: إيه الصوت اللي بره ده؟ فيروز: ده حد رن الجرس وصقر فتح له وشكله معاه بره. رنيم: طيب وأنتي رايحة تعملي إيه؟ فيروز وهي تسترق السمع: أنا عارفة الصوت ده... قالتها وهي تمسك مقبض الباب وتديره. بينما بالخارج... خالد بنبرة غاضبة: هو أنت بتكلمني بالأسلوب ده ليه... على فكرة فيروز دي بنت عمي. ليقترب منه صقر وكاد يوجه له ضربة....
فتحت فيروز الباب وركضت للخارج. فيروز بدهشة: خالد!!! لينظر كلا منهما لها، خالد بصدمة وسببها وجودها بمنزله، وصقر كان ينظر لها بغضب مستطير. خالد ينظر بسخرية: ما فيروز عندك أهي، مخبيها عندك ليه إن شاء الله؟ صقر وهو يقبض على يده بقوة: فيروز خشي جوه دلوقت. فاتجه خالد نحوها ليمسك بيدها ويقول له بتحدي: تخش فين؟ أنت بتستعبط أنت ولا خطيبها ولا جوزها. ولولا إن أنا عارف أخلاقها كويس كان هيبقى ليّا معاكوا تصرف تاني.
صقر لم يستمع له لأنه منشغل بنظرة مظلمة ليد خالد الممسكة بيد فيروز، وهي لاحظت تلك النظرة التي رأتها من قبل في عينيه عندما أطلق على فارس بالنادي. فتركت يده على الفور وقالت: صقر خالد ما يعرفش اللي بينا، فاهدأ عشان خاطري وأوعى تتهور. قالتها وهي تقترب منه بحذر ثم أردفت: بالله عليك ده ابن عمي وبيعتبرني زي أخته. لتجده ما زال بتلك العينان المظلمة وعروق عنقه بارزة. ظلت تقترب حتى أصبحت أمامه مباشرة وهي تخشى أن تحدث كارثة.
فيروز بنبرة راجية: صقر أنت سامعني؟ وفجأة دفعها من أمامه ليسرع راكضًا نحو غرفته ليدلف إلى الداخل وصفق الباب خلفه بقوة. خالد بصياح: إيه المجنون اللي حضرتك قاعدة معاه ده، وإزاي يا فيروز تقعدي مع شاب أعزب في شقة لوحدكوا؟! خرجت رنيم: على فكرة يا حضرة أنا قاعدة معاهم وأبقى أخته، وأخويا بيخاف على بنت عمك أكثر من نفسه. فيروز وهي تنهض
من الأرض بسبب دفعه لها: خالد أرجوك اسكت ووطي صوتك، أنا كده كده كنت هأسافر بس مستنية عشان لسه هاروح بكرة النيابة. أوقفها صوت مدوي لحطام أشياء تلقى بالأرض لتركض نحو غرفته وفتحت الباب لتجده يقلب غرفته رأسًا على عقب ويجلس على الأرض في وضع الجثو وجرح يده أصبح مغمورًا لتسيل منه الدماء بغزارة. فيروز بذعر: صقر!!! اتجهت نحوه لتمسك بيده وهي تلتقط منشفة قطنية لتسد بها الجرح الغائر ثم أردفت
وهي تحاول أن تجعله ينهض: قوم يلا على المستشفى. قوم يلا دمك بيتصفى. دلف إليهم خالد ورنيم التي صرخت: إيه اللي عملته في نفسك ده! خالد لم يستوعب ما يحدث: يده اتفتحت؟ فيروز بدموع: آه يا خالد ده جرح كبير أوي. اقترب خالد لينحني: طيب قومي هاتي لي خيط وإبرة وشاش وقطن ومطهر بسرعة، وسيبي الفوطة أنا همسك له يده. نظرت له ثم لصقر الذي لم يرَ أمامه وكان ينظر للفراغ. تركته وركضت للخارج وفي ظرف دقيقة جلبت كل ما طلبه منها.
خالد: الضمي الخيط في الإبرة وامسحيهم بالبيتادين كويس. فعلت ذلك ثم أعطته الخيط فأزال المنشفة ليجد الدماء تذرف من الجرح بغزارة وقبل أن يضع الإبرة بكفه قال خالد لصقر: معلش استحمل هي هتوجعك جامد بس ده أحسن حل عشان نوقف النزيف ده. صقر ويزفر بقوة وألم: أنجز بسرعة. فغرز خالد الإبرة في جلد باطن كفه ليتأوه صقر بأنين مكتوم، حتى انتهى خالد من خياطة الجرح. رنيم: طيب حضرتك خيطت له كده من غير ما تشوف أوردة بتنزف ولا لأ؟
خالد: ما تقلقيش الجرح قطعي آه بس ما وصلش للأوردة. أنا على فكرة دكتور بس نفسية ودرست الحاجات دي عملي في الجامعة. قالها ثم نهض وذهب ليغسل يده من الدماء. وظلت فيروز ورنيم مع صقر. ليصيح فيهم: اطلعوا بره. رنيم: يلا فيروز نسيبه لوحده. فيروز وهي تمسك بقرص مسكن: طيب خد دي عشان تسكن لك الألم. صاح فيها بقوة وهو يلقي بالقرص من يدها: قولت بررررررررره. فارتعبت لتنهض مسرعة وخرجت هي ورنيم لتجد الباب يصفق بقوة خلفهم.
في اليوم التالي في مكتب وكيل النيابة تجلس فيروز أمام المكتب ويجلس مقابلًا لها أيمن الذي كان خائفًا، وصقر يجلس بجوار فيروز. فيروز تنظر لوكيل النيابة بتوتر: أنا كل اللي أعرفه إن أستاذ أيمن كان واحد من رجالة بيبرس. فنظر الوكيل لأيمن ويرفع إحدى حاجبيه: طب ليه يا أيمن بتكذب في المحضر وتقول إنك المسؤول عن عملية التهريب دي؟ ليلة كبيرة أوي عليك هتاخد أقل حاجة فيها مؤبد إن كان ما وصلتش لإعدام. أيمن يتحسس
عنقه ويرتجف ليقول بتلعثم: أنا أنا... كح كح كح. الوكيل ضغط على زر أمامه ثم قال: عايز كوبايتين مايه بسرعة. مرت ثواني ليأتي الساعي الذي دلف بملامحه المرتبكة خاصة عندما التقت عينه بعينين صقر الحادة. فوضع الصينية التي عليها الأكواب على الطاولة أمام المكتب وتصنع كأنه سيتعثر فألصق شيئًا ما أسفل المنضدة بدون أن يلاحظه أحد، ثم خرج مسرعًا.
الوكيل: اتفضل اشرب يا أيمن واهدأ خالص واتكلم على مهلك واحكي لي كل التفاصيل عشان ممكن نعتبرك شاهد مالك في القضية وتطلع براءة. انفرجت أساريره ليقول: بجد!!! الوكيل: آه بجد أنا هأضحك عليك ليه أنا باتكلم في مصلحتك. أيمن وتذكر تهديدات بيبرس: بس بس. صقر: عن إذن حضرتك يا فندم.
ثم وجه حديثه لأيمن: على فكرة يا أيمن أول ما رجلك خطت الواحات وأنا عملت عنك تقرير وعرفت عنك كل كبيرة وصغيرة وعرفت من التحريات إنك متورط مع العصابة دي وهم بيهددوك دايماً خصوصًا بيبرس. صح؟ أيمن بقلق وتوتر: طيب أنا بصراحة خايف على زوجتي وأولادي ما لهمش حد غيري ولا ليَّ حد غيرهم، واللي أنا عرفته دول مافيا كبيرة أوي فأنا إيه اللي يضمن لي سلامتنا أنا وأسرتي؟
الوكيل: الحل في الحالة دي تاخد مدام حضرتك والأولاد وتسيبوا المنطقة وتسكنوا في حتة بعيد أو في محافظة تانية وطبعًا هنعين مراقبة عشان لو فيه حاجة هتبلغنا على طول. أيمن بتوتر جلي: بس أنا ظروفي ما تسمحش إني أعزل أو أأجر جديد لأن أنا شقتي إيجار قديم.
صقر: من ناحية السكن ما تشلش هم، أنا عندي شقة كانت لجدي الله يرحمه في محافظة الغربية هأدي لك مفاتيحها والعنوان وخليك فيها أنت وأسرتك لحد ما الأمور تهدأ ونقبض على شوقي ضرغام الرأس الكبيرة للعصابة. الوكيل: ها إذن كده كل حاجة اتحلت يا أيمن. أيمن ويسري القلق بداخله قال باستياء: أنا مش قدامي غير إني أتكل على الله وربنا يتولانا برحمته. فتنهد كأنه يزيل من على صدره حمل ثقيل ثم أردف: الحكاية بدأت من وأنا في وردية بليل وكنت...
ظل يسرد كل ما حدث معه منذ جعله زميله مجدي بالعمل أن يصبح عضوًا في العصابة حتى إلى إلقاء القبض عليه وتهديدات العقرب عدنان الحاروني له وكل تفصيلة كبيرة أو صغيرة. وكل ذلك يقع على مسمع فيروز التي كانت خائفة ومرعوبة كثيرًا فأمسك صقر يدها ليطمئنها.
ظل وكيل النيابة منصتًا وكان الكاتب الذي يجلس بجواره يسجل كل ما يقوله أيمن وما قالته فيروز حتى مرّ كثير من الوقت. انتهى التحقيق وخرج كلا من فيروز وصقر وكان إياس ورنيم وخالد في انتظارهم، بينما أيمن كانت تنتظره بالخارج سلمى. سلمى بحنين المشتاق: ها أيمن هيخرجوك يا حبيبي؟ أيمن: ادعي لي يا سلمى إن ربنا يعديها على خير وما حدش فينا يحصل له حاجة. سلمى بقلق: أنت تقصد إيه؟ أيمن: خدي بالك أنت من العيال.
اقترب منهما صقر: اتفضل يا أيمن دي مفاتيح الشقة اللي قلت لك عليها ودي ورقة مكتوب فيها العنوان. أيمن: شكرًا لحضرتك يا باشا وربنا يجزيك كل خير يا رب. ابتسم صقر: الشكر لله يا أيمن، ربنا معاك. تركه وغادر مع فيروز وصديقه وشقيقته وذلك الخالد الذي لم يطيق وجوده وتمنى لو أن يتخلص منه للأبد. سلمى: شقة إيه يا أيمن اللي بتتكلموا عنها؟
أيمن: ما فيش يا سلمى أنت بس خدي المفتاح والعنوان ده وروحي عليه على طول أنت والعيال لحد ما هأخرج وأجيلكوا على هناك. سلمى: حاضر ولو إن قلبي مش مطمن ومقبوض. العسكري الذي يمسك أيمن بالأصفاد المعدنية: يلا يا متهم نرجع العربية. أيمن: حاضر. سلمى خدي بالك من نفسك أنت والعيال. سلمى ونزلت عبراتها: حاضر يا حبيبي. أيمن قالتها بصوت جلي ثم أردفت: لا إله إلا الله. أيمن التف إليها وابتسم بعينيه: محمدًا رسول الله.
على الجانب الآخر خارج سرايا النيابة، تقف على بعد بمسافة تبدو قريبة سيارة بداخلها رجلين أحدهما يضع سماعات على أذنيه يقوم بخلعها ويضغط على زر لمسجل، ليرن هاتفه. الرجل: تمام يا باشا الساعي زرع الجهاز في الوقت المناسب أنا هأبعت لحضرتك التسجيل حالًا وكان... آه يا باشا كله اعترافات أيمن والبنت اللي كانت معاكوا وقت العملية... سلام يا باشا. في سيناء. الشيخ مزايد يجلس أمام صحن كبير به جمرات مشتعلة من الفحم موضوع عليها
إبريق شاي من المعدن ليقول: إيش الأخبار يا باشا زين ولا شين؟ بيبرس بابتسامة خبيثة: هو فاكر إن اللي عمله كده زين بالنسبة له لكن هتبقى شين وهباب أسود على دماغه ويا ويله مني... هأخليه يتمنى الموت ولا ما يطولوش وهأخليه يعيش الجحيم لحظة بلحظة. الشيخ مزايد: لساك ناوي تختطف زوجته؟ بيبرس بلمعان الشر بعينيه: ده كده هيبقى رحمة ليه، لازم العقاب يبقى عذاب عن حق عشان هو نسي مين هو رأس الأفعى. الشيخ: وإيش اللي هتسويه الحين؟
بيبرس: هتسمع في الأخبار قريب أوي وأوي كمان.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!