الفصل 32 | من 57 فصل

رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم ولاء رفعت

المشاهدات
20
كلمة
5,278
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 56%
حجم الخط: 18

تمددت على الأرض الباردة ليلفح جسدها الصقيع الذي يتخلل من الفتحة الموجودة بأعلى تلك الغرفة التي يعم في كل أرجائها الظلام الدامس. جسدها كان يرتجف ففتحت عينيها لتشهق بقوة وأوصالها ترتعد خوفًا. كانت لم ترَ أي شيء فتحسست بأناملها كل ما حولها لا تجد سوى الفراغ. وإذ بشعاع ضوء البدر المنير الذي يتخلل الفتحة العلوية ليدلف إلى تلك الغرفة الشاغرة. تتبعت ذلك الضوء حتى لمع بريق معدني فاقتربت بحذر لتكتشف أنها قضبان لتتضح لها

الرؤية أكثر حتى أنها انصدمت فأنها أسيرة بداخل غرفة لا يملؤها سوى الظلام المعتم وبابها كان عبارة عن قضبان معدنية. تشبثت بتلك القضبان وهي تصيح بأعلى صوت لها تستنجد بمن يسمع استغاثتها حتى ينقذها من تلك الغرفة الموحشة. ظلت تصرخ وتصيح وعبراتها كشلالات نهر منهمرة على صخور صلدة وهي الأرض التي تقف عليها حتى استكانت لتتفاجأ بأيدي من الخارج تلامس يديها بحنان لترفع بصرها وتجاهد على رؤية صاحب تلك الأيدي لتجده أمامها، ها هو

معشوقها ومن يهواه قلبها. لكن مهلًا لماذا ملامح وجهه متجهمة وكأنه كالصنم لا يبدي أي تعبير؟

لكن لم تأبه بذلك بل ارتسمت على محياها ابتسامة حب وأمل ظنت أنه أتى لكي ينقذها. فخابت ظنونها عندما ألقى بيديها بقوة لتبتعد خطوة إلى الوراء فوجدته يفتح ذلك الباب اللعين وكادت أساريرها تنفرج فأوقفها جسدها الذي كان يهوي طريحًا على الأرض بسبب دفعه لها بقوة. فصرخت منادية باسمه وهو لم يعرها أي اهتمام بل صاح بوجهها بأن تبتعد عنه ثم غادر الغرفة وهو يقفل ذلك الباب بأقفال محكمة كلما قفل إحداها صدر صوتًا مرعبًا جعلها ترتجف حتى انتهى ليتركها وحيدة خائفة ضائعة. لم يؤنسها سوى شعور واحد وهو الاختناق الذي يزهق روحها.

فيروز نهضت بذعر وهي تشهق: هااااااااااااااا. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. خير اللهم اجعله خير. التفتت بجوارها لتتناول إبريق زجاجي ممتلئ بالماء لتسكب القليل منه بداخل الكوب المجاور لها فتناولتها وارتشفت القليل. وتنهدت وهي تضع يديها على صدرها لتهدأ من روعها.

نهضت من على التخت فوجدت النافذة التي بغرفتها مفتوحة على مصراعيها لتهب رياح باردة تلفح وجنتيها التي تتشكل عليها آثار عبراتها. أغلقت النافذة بإحكام وأقفلت الستائر عليها. تذكرت شيئًا ما فتوجهت نحو خزانتها لتفتح ضلفتيها ووضعت يدها أسفل ثيابها المتراصة لتخرج هاتفها التي خبأته من والدتها حتى لا تفعل به كما فعلت بالسابق. كما أن ذلك الهاتف عزيز عليها لأنه هدية من حبيبها. وجدت الهاتف لا يعمل بسبب بطاريته فارغة الشحن. فأتت بسلك الشاحن الخاص به من درج الكومود فأدخلته بالمقبس وانتظرت بضع دقائق حتى عمل الهاتف وضغطت على زر الاتصال باسمه لتسمع جرس الاتصال ولم يجب. ظلت تحاول عدة مرات بلا فائدة. تذكرت أن لديها رقم هاتف شقيقته فهاتفتها لكي تطمئن عليه.

فأجابت: فيروز: ألو، ازيك يا رنيم؟ معلش صحيتك من النوم. رنيم بصوت ناعس: ولا يهمك يا حبي. فيروز بتوتر: هو صقر عندك؟ رنيم: مش عارفة. بس خليكي معايا ثواني أدخل أشوفه. نهضت لتخرج من غرفتها لتدلف إلى غرفته فوجدت تخته كما تركه عندما ذهب ليوصل فيروز. فأردفت: أيوه يا فيرو ده صقر شكله ما رجعش من إمبارح. هو أنتو اتخانقتوا؟ فيروز وبدأ الدمع يملأ عينيها لتقول بصوت خافت وببكاء: صقر خلاص ضاع مني يا رنيم. قالتها لتجهش بالبكاء.

رنيم: اهدي يا بنتي أنا مش فاهمة منك حاجة. بطلي عياط وفهميني ضاع منك إزاي. فيروز وهي تحاول أن لا تبكي: هقولك. سردت لها كل ما حدث حتى آخر جملة التي ذبحت قلبها.

رنيم: أنتي ما تعمليش في نفسك كده صقر بيحبك وبيعشقك وأنا أكثر واحدة عارفة أخويا. هو لما حس إنك اخترتي والدتك إنك كده بعتيه وجرحتي كرامته. لكن اللي عملتيه عين الصح. وهو بنفسه لما يهدي ويفكر هيحترم موقفك جدًا لإن اللي مالوش خير في أهله مالوش خير في الإنسان اللي هيكمل معاه حياته. فيروز: أنا تعبت يا رنيم وحاسة بإحساس العجز مش قادرة على ماما خالص وأخوكي برده فعله كمل عليا حاسة إن أنا بموت بالبطيء.

رنيم: حبيبتي ألف بعد الشر عليكي. ما تقلقيش عليه أنا هكلمه وهشوفه فين وأول ما يرجع هخليه يكلمك إن شاء الله حتى لو تخرجوا وتتقابلوا في أي كافيه. فيروز: صقر عمره ما هيسامحني خاصة إنه حاسس إني جرحته. قد أتى اتصال آخر على الانتظار لدى رنيم فألقت نظرة لتجد اسم المتصل أياس: رنيم: فيرو خليكي ثواني أرد على أياس على الويت يمكن يكون صقر عنده. أردفت: ألو يا حبيبي. أياس: بترغي مع مين الفجر كده. رنيم: دي فيروز بتكلمني.

وقالت له بإيجاز ما حدث. أياس ضحك: سبحان الله فعلًا اللي عمله معايا أهو حصل معاه. رنيم بجدية: أنت شمتان فيه؟ أياس: مش قصدي يا قلبي. بس أخوكي محتاج اللي يفوقه. وشكل مامة فيروز ناوية تربيه من أول وجديد. رنيم: ماشي يا أياس البت هاريه نفسها عياط وأخويا ما رجعش البيت وأنت عمال تضحك وتتريق. زفر بضيق: ما أنتِ عارفة أخوكي لما بيحصل معاه مصيبة وبيتخنق بيسافر إسكندرية ويقعد على البحر ولما نفسيته بتهدى بيرجع تاني.

رنيم: طيب جزاء ليك قوم البس وسافر له. أياس: نعم يا أختي دي إسكندرية في الوقت ده بيبقي فيها نوة والطريق بيبقي كله مية ومطر ومش ناقص حوادث. رنيم بغضب وبنبرة تهديد: طيب والله يا أياس لو ما قمتش دلوقت وروحت له اعتبر إن ما حصلش قراية فاتحة ولا أنا خطيبتك من الأساس. أياس بصوت غاضب: أنتي بتهدديني؟ رنيم بتحدي: أهًا وبتكلم جد ومش بهزر. وسلام بقى عشان أروح أشوف الغلبانة اللي سايبها على الويتينج. باي.

أغلقت المكالمة لتجد فيروز قد أغلقت أيضًا. قامت بالاتصال عليها. فيروز: كلمتي صقر؟ رنيم: قومي البسي واجهزي عشان هعدي عليكي عشان مسافرين إسكندرية. فيروز: أنتي بتهزري ماما أصلًا حالفة ما أنا خارجة من البيت غير على الجامعة لما الدراسة تفتح. رنيم: ماليش فيه اتصرفي. نص ساعة وهستناكي على الكورنيش باي.

ألقت فيروز هاتفها جانبًا لتتسحب لتلقي نظرة على والدتها في الغرفة الأخرى فوجدتها تغط في سبات عميق. ثم نظرت لهيئتها وجدت أنها ما زالت بثيابها منذ الأمس فدلفت للمرحاض بهدوء شديد واغتسلت وجهها فخرجت مسرعة وأخذت من غرفتها معطفًا ثقيلًا وحقيبتها الخاصة ثم غادرت المنزل وارتدت حذاءها بالخارج وذهبت لتنتظر رنيم.

_وبعد مرور عدة ساعات، في محافظة إسكندرية وهي حقًا كما أُطلق عليها لقب عروس البحر من جمالها الساحر وشواطئها الخلابة وارتطام الأمواج بالصخور لتعزف أجمل سيمفونية تطرب لها الآذان.

يجلس على رمال الشاطئ شاردًا في أمواج البحر المتقاذفة وبيده قنينة من الخمر وبجواره أيضًا زجاجتين مثلها فارغتين. يرتشف الخمر ظنًا منه أنه سينسيه ما مر به منذ الأمس لكن هيهات كلما تذكر وجهها ونظرات عينيها التي ترجوه وتقول له لا تتركني وكانت إجابته في منتهى القسوة عليها يشعر بأنه يريد صفع نفسه بآلاف الصفعات.

جاءه صوت من خلفه: كالعادة لما بتتخنق وتحس إن الدنيا قفلت في وشك بتيجي تقعد قدام البحر بس الجديد إن أول مرة أشوفك تشرب بيرة. لم يعره أي اهتمام وظل يشرب. وكاد يشرب مرة أخرى لتوقفه يد صديقه وهو يأخذ منه القنينة ويلقي بها لأمواج البحر لتحملها بعيدًا. صقر بثمالة وبنبرة غاضبة: عايز مني إيه؟ قالها بصوت مدوٍ لينهض وهو يستند على الرمال ثم وقف وأردف ليشير نحو نفسه ويقول بسخرية: أنا يتعمل معايا كده!

أنا على آخر الزمن أتذل عشان بحب. ضحك بسخرية ثم أردف: يلعن أبو الحب اللي يبهدل الواحد كده. خليها جنب أمها تنفعها. ليأتي صوتها يعزف على أوتار قلبه لحن العشق: أنا اخترتها لكن بحبك ومقدرش أبعد عنك. التفت لمصدر الصوت ليتأكد أنه لا يتخيل بسبب أنه ثمل فاتسعت عيناه عندما رآها تقف أمامه فقال لها بنبرة عتاب: أنتي إيه اللي جابك هنا؟ كان ينظر لها أياس القريب منه لتأتي رنيم وتسحبه نحو سيارتها لتتركهما معًا.

اقتربت فيروز بنظرات عاشقة لتجيب على سؤاله وهي تضع يدها على قلبه: أنا جيت عشان ده. أزاح يدها عن موضع قلبه ويتحاشى النظر إليها: كدابة. فيروز: لا مش كدابة وأنت عارف كويس مشاعري إيه ناحيتك ومهما كنت بتقسي عليا برده بحبك. صقر: قولتيلي لاء ليه؟ فيروز: عشان مينفعش أبيع أمي. فكر واعقلها هل كنت هتأمن على نفسك مع واحدة باعت أعز الناس ليها؟ صقر: ومحمد قصدي خطيبك؟

فيروز: أنا زيي زيك معرفش حكايته إيه أنا اتفاجئت لما روحت ولقيته بيقول إنه ابن خالي. صقر: وإيه المطلوب مني دلوقتي؟ فيروز: إنك تصبر شوية لغاية ما الأمور تهدى وماما. فقاطعها بصوت مرتفع وبسخرية: قصدي أتذل لآمال هانم عشان حضرة جنابها ترضى عليا وتجوزني بنتها صح؟ فيروز بغضب: لو سمحت أتكلم على ماما عدل. صقر وهو يشيح بيديه في وجهها: أنا أتكلم زي ما أنا عايز ويلا امشي من هنا وانسى واحد اسمه صقر كان بيحبك في يوم من الأيام.

قالها وترنح ولم تعد ساقيه تتحمل الوقوف ليقع وهي في لحظة أمسكت بيه ليتشبث بها وأردف: أنا بحبك قوي يا فيروز أرجوكي ما تبعديش عني. قالها ليغيب عن الوعي تمامًا. صاحت فيه برعب: صقر قوم يا حبيبي وأنا كمان بحبك والله. حاولت جاهدة الإمساك به لكن بسبب ثقل جسده لم تستطع التحمل فنادت على أياس. فأسرع إليها وهو يحمله عنها ليصبح صقر في المنتصف وأياس وفيروز يحملانه. أياس: ما تخافيش هو متقل في الشرب جامد شيء طبيعي يقع من طوله.

قالها واتجهوا به إلى السيارة ليدلفوا إلى الداخل. فكانت فيروز وصقر النائم برأسه على فخذيها يجلسون بالمقعد الخلفي، ورنيم في المقدمة وإياس يقود السيارة. كانت تتأمل في ملامحه وهو يغط في سبات عميق، وتتداعب بأناملها خصلات شعره، ويدها الأخرى تتحسس شعر ذقنه المنبت، وتبتسم بسعادة وتقول بداخل نفسها: "شكلك حلو أوي وأنت نايم كأنك بيبي صغير... آه لو تعرف أنا بحبك قد إيه ومش بستحمل عليك أي حاجة."

بعد قطع مسافة كبيرة من الإسكندرية إلى أن وصلوا أخيرًا لمدينة القاهرة، حتى وصلوا أمام منزل صقر. نزل إياس ثم رنيم، وفيروز لم تستطع أن تتحرك وصقر نائم على قدميها، ففتح إياس باب السيارة وهو يحمل زجاجة مياه مثلجة. فيروز بتساؤل: أنت هتعمل إيه؟ إياس وهو يفتح غطاء الزجاجة: انزلي أنتي بس عشان هدومك ما تتغرقش. فيروز: أنت عايز تدلق عليه ميه مثلجة، حرام عليك الجو ساقعة. إياس: ومش حرام أشيله وضهري يتكسر؟ قومي أنتي بس وملكيش دعوة.

نزلت فيروز ليسكب إياس الزجاجة على وجه صقر الذي استيقظ وهو يشهق بقوة ليفتح عينيه ووجد إياس يضحك ساخرًا منه. صقر بصياح: أنت غبي يا واد؟ إياس: هههههههههه أعملك إيه؟ أنت نايم زي القتيل وبصراحة مش قادر أشيلك لتجيبلي الغضروف يا عم. صقر وهو يمسح وجهه من الماء وبدأ يستعيد وعيه بعد أن كان ثملًا، فنزل من السيارة وهو يلعن صاحبه، ليجدها تقف وتنظر له. فاقترب منها وهو يزفر بضيق: أنتي بتعملي إيه هنا؟

إياس: كانت معانا وإحنا بنجيبك من الإسكندرية وأنت سكران. فحك رأسه قليلًا ليتذكر عندما وقع بين ذراعيها، فحدق في عينيها بدون أن ينبس بكلمة، ثم أمسكها من يدها وهو يقول: إياس خد رنيم واقعدوا في أي كافتيريا. فيروز بقلق: أنت واخدني فين؟

صقر لم يرد عليها ليسحبها خلفه ويدلف بها إلى المصعد وهو ما زال يحدق بها بدون أي تعابير على وجهه، حتى وصلا للطابق الذي يوجد به منزله، ليخرج من جيبه المفتاح ويفتح الباب ثم يدلف إلى المنزل ويده ما زالت ممسكة بيدها بقوة. فيروز بصياح وصوت دوّي: ممكن تفهمني فيه إيه ولا ساحبني وراك زي الكلبة ومش بترد عليا؟ صقر ببرود: صوتك ما يعلاش. فيروز بعناد: لا هيعلى عشان أنت عايز كل حاجة تبقى على مزاجك وأنا أولع بجاز.

انتابها البكاء لتذرف عبراتها، فشعر بالاختناق ولام نفسه، فاقترب منها وهو يمسكك وجهها بيده والأخرى يمسح دموعها: خلاص ما تعيطيش. قالها ثم جذبها ليدس وجهها على صدره وتزداد في البكاء. وهو يمسد على ظهرها بحنان: أنتي بتعيطي ليه دلوقت؟ ابتعدت برأسها لتنظر له كالطفلة: عشان بتظلمني وبتقولي إن أنا مش بحبك غير نظرة عينيك ليا إمبارح وكلامك اللي دبحني.

تنهد بألم ليردف: لأن مهما وصفتلك إحساسي كان إيه إمبارح عمرك ما هتحسي باللي كنت حاسس بيه. فيروز: وكان عليك لوحدك برضه؟ ولا أنا اللي أخدت الإهانة من أمي قدامك أنت واللي اسمه محمد؟ ابتعد عنها قليلًا وبنبرة استفزازية: وخطوبتكم إمتى! فيروز وهي تمسح

دموعها لينتابها الغضب: قول بقي كده إن أنا مش مهم اللي حصلي ولا الكلام اللي سمعته واستحملته عشانك وكل اللي همك محمد إن كان هيخطبني ولا لأ. صمتت لتأتي لها فكرة تعاقبه بها على غيرته التي أصبحت غير طبيعية فأردفت: إيه رأيك بقي أنا هخلي ماما تتصل بمحمد وتقوله إن أنا موافقة ويجي يخطبني.

ليجيب عليها برد غير متوقع: ألف مبروك يا عروسة وما تنسيش تبقي تعزميني ده حتى خطيبك يبقى صاحبي وأنا بعز أصحابي أوي. قالها ببرود هادئ بعكس ما بداخله من نيران متأججة عندما تخيل هذا يحدث. فيروز وترمقه بسخط: بقي كده يا صقر!!!! صقر وهو يولي ظهره إليها وبنبرة آمرة: اطلعي برة. اتسعت حدقتاها في صدمة: أنت بتطردني؟ صقر وبلهجة صارمة: آه وياريت ما أشوفش وشك تاني خالص وانسى كل اللي ما بينا واعتبريه كان وقت لطيف قضيناه مع بعض.

تنظر له غير مصدقة لتقترب منه حتى التفت لها ليصبح في مواجهتها لتقول: أنت أكيد بتهزر وعايز تردهالي صح؟ صقر وبنظرات حادة: كل اللي قلتهولك هو صح. فاقترب منها أكثر لينحني إلى شفتيها ويطبع عليهما قبلة رقيقة ثم أردف: ودي قبلة الوداع. لم تشعر بكفها وهي تنهال على وجنته وهي تصفعه بقوة وترمقه بنظرات نارية ثم ركضت وفتحت باب المنزل وخرجت ودموعها تنهمر من عينيها. _قد مر شهران على الجميع وكانت الأمور كما هي.

فبالنسبة لصقر وفيروز كان العناد يتملكهما فلم يتحدثا أو يتقابلا على الإطلاق طوال تلك الفترة، على الرغم من محاولة كل من رنيم وإياس اللذين سعيا إلى مصالحتهما لكن الكبرياء كان منتصرًا في كل مرة. وكان ما يشجعها على ذلك انشغالها بدراستها والمذاكرة.

إياس ورنيم اكتفيا بعمل حفلة خطوبة صغيرة عائلية بداخل منزل صقر. وقامت رنيم بدعوة فيروز التي ذهبت لها في وقت آخر لم يكن صقر بالبيت حينها لتهنئها، وأعطتها هدية عبارة عن سلسلة فضية يتوسطها اسم رنيم بالإنجليزية.

بينما ليلى كانت تصعد لفيروز بدون علم والدتها المتسلطة لترى خالد الذي قد أتى في زيارة لزوجة عمه أكثر من مرة وفي كل زيارة كان يتأكد من مشاعرها اتجاهه وكذلك نظراتها تبادله تلك المشاعر أيضًا. وبالنسبة إلى حفل خطوبتها قد تأجل بسبب وفاة والدة علي إثر أزمة قلبية. وعلي كان حزنه على فراق والدته يشغله عنها تلك الفترة، كما أن دراستها كانت حجة قوية لكي لا يأتي لزيارتهم.

ولنأتِ إلى علاقة شهاب وسيلين التي تزيد علاقة حبهما يومًا بعد يوم. فكان يوصلها إلى الجامعة وهو عائد من الشركة يأخذها في طريقه ولا يفارقها أبدًا كظلها. وهي كانت ترافقه كل الحفلات الخاصة بالعمل وكذلك كل عشاء عمل الذي ينتهي بمشكلة بينهما وذلك بسبب غيرتها عليه من المدعوة كاميليا الزيان التي لا تيأس أبدًا في محاولتها بإغراء شهاب سواء بنظراتها الجريئة والوقحة ولا لمساتها التي تتعمدها عندما تكون على مقربة منه.

مايا قد قررت أن تنتقل لسكن آخر بدون علم باسل أو أي شخص آخر، فلا أحد يعلم عنها أي شيء، فعزمت على انعزالها عن كل من يعرفها بسبب حملها التي لم تستطع أن تجهضه وكذلك تتجنب ذلك القذر الذي يريد منها الغدر بصديقتها تحت تهديداته المرعبة لها. بينما هو كان يبحث عنها في كل الأرجاء كالمجنون وأرسل العديد من رجال عمه للبحث عنها ولكن بدون جدوى، فازدادت نيران غضبه فأقسم بأن عندما يجدها ليجعلها تتمنى الموت مما سيفعله بها من عذاب.

محمد كان يذهب دائمًا للاطمئنان على عمته وخاصة في الأوقات التي لم تتواجد فيها فيروز بالمنزل. وعلم بمرضها فتكفل بعملية زرع الكلى التي نجحت فتعافت. فارس بعدما تعافى غادر المشفى وسافر إلى أوروبا على طائرة خاصة ليكمل علاجه ويقوم له الأطباء بعملية ليعود للمشي مرة أخرى وكان المتكلف بكل ذلك صقر على الرغم من رفض فارس لكن صقر أصر لأن ذلك كان خطأه.

ومرت أيضًا تلك الأيام على أيمن وسلمى بسلام حيث عادت حياتهم الطبيعية وعادوا إلى منزلهم بعدما طمأنه صقر الذي كان يتابع القضية وهو موقوف عن عمله حيث تم القبض على معظم أفراد العصابة وبالأخص زعيمهم شوقي ضرغام لكن لم يصدر عليه حكمًا بعد فما زالت التحقيقات مستمرة حين يتم البحث المستمر عن بيبرس الذي سافر إلى دولة فلسطين عبر غزة وهو متنكر حتى وصل إلى مدينة صفد رأس مسقطه. ومن هناك يتابع كل ما يحدث في مصر عن طريق عدنان الحاروني وساشا التي تم إخلاء سبيلها لعدم وجود أي أدلة ضدها.

وهكذا مرت الأيام على الجميع حتى وصلنا إلى الأحداث التي ستقلب مصائرهم، فهناك من سينتهي مصيره إلى النهاية السعيدة وهناك من سيؤول مصيره إلى الجحيم. فهكذا هي الحياة لم تسير على وتيرة واحدة فلا بد من يوم لك والآخر يوم عليك. _يدلف إلى منزله بعد عناء يوم شاق حيث إنه يعمل الآن في مجال طلاء الحوائط بعد أن جاء قرار بوقفه عن العمل كفرد أمن بالمتحف المصري.

سلمى تعد الغداء في المطبخ وكانت تقلب بالملعقة في داخل إناء من الألومنيوم. أيمن يتسحب بهدوء من خلفها حتى يفزعها. فصاح بجوار أذنها: هااااااااااااااااااااااااع! سلمى بفزع وهي تضرب الملعقة في وجهه: عااااااااااااا... ثم صمتت وهي تأخذ أنفاسها بصعوبة. أيمن: آآآآآآي عيني يخرب عقلك، هو الواحد ما يعرفش يخضك أبدًا غير لما تعمليلو عاهة.

سلمى بغضب: أحسن عشان قولتلك مليون مرة أنا بكره الحركة دي وأنت مش هتسكت غير لما يجيلي سكتة قلبية وأموت وترتاح مني. أيمن وهو يعانقها: ألف بعد الشر عليكي يا روح قلبي... أنا آسف والله مش هكررها تاني. قالها وأعطاها قبلة على رأسها. سلمى بابتسامة: خلاص أمري لله هسامحك بس أول وآخر مرة... أنت فاهم؟ قالتها وهي تشير في وجهه بالملعقة. أيمن وهو يستنشق باستمتاع: الله أنتي عاملالنا ملوخية... تصدقي كان نفسي فيها.

سلمى: ما أنا عارفة من غير ما تقول وكمان عملالك حاجة أنت بتموت فيها. أيمن: ما تكمليش أوعى يكون اللي في بالي. سلمى وهي تومئ له بالإيجاب: آه. فتح أيمن باب فرن الموقد لتتسع عينيه بالفرح: يا سيدي يا سيدي حمام محشي. سلمى: وبالفريك كمان ومش بس كده عملتلك طاجن كوارع بس لسه هدخله الفرن. أيمن بابتسامة ماكرة: أوبااااااااااا ده إحنا كده هتبقى سهرتنا صباحي. سلمى وقد احمرت

وجنتاها بعد أن فهمت مقصده: على فكرة أنا عملتلك الأكل ده عشان يقويك ويديك طاقة وتقدر على شغلك المتعب ده. أيمن وهو يغمز لها بعينه: ما هو كله شغل يا سلومتي. سلمى بتذمر: على فكرة أنا قصدي على شغل النقاشة وبس بقي. أيمن: ههههههههههه... ما أنا قصدي على النقاشة برضه، أنتي اللي دماغك بتحدف شمال. سلمى وتزمت شفتيها لأسفل كالطفلة: كده يا أيمونتي. أيمن: بهزر معاكي يا قلب أيمونتك، وآه صح بلاش كلمة أيمون دي. سلمى: ليه؟

أيمن: بتفكرني بأيام سودة الله لا يعودها تاني. سلمى: طيب روح استحمي عقبال ما أخلص الأكل وأصحي البنات عشان تتغدوا. أيمن: طيب بعد ما تخلصي أنا جايب هدوم الشغل بالله عليكي انقعيها عشان هلبسها بكرة. سلمى: من عيوني يا حبي. قالتها وألقت له قبلة في الهواء. أيمن: تسلم لي عيونك يا جميل. قالها وبادلها نفس القبلة في الهواء أيضًا. انتهت سلمى من إعداد الطعام وأيقظت ابنتيها. كارما تقطب حاجبيها: يوووه أنا عايزة أنام مش جعانة.

سلمى: قومي يا بت وبلاش دلع، وحضّري حاجات الدرس بتاع العربي عشان أوديكي بعد الغدا. كارما: وإشمعنى كنزي مش بتروح معايا؟ سلمى: عشان أختك شاطرة في العربي مش خيبانة زيك. أيمن ويدلف إلى غرفة ابنتيه وكان يجفف وجهه وذراعيه المبتلتين: إيه الزعيق ده؟ سلمى: أحسن أهو أبوكي جالك أهو عشان تبطلي دلع. أيمن وهو يجلس بجوار كارما وبصوت حاني: إيه يا حبيبة بابا مالك؟

سلمى وترفع حاجبيها بتهكم: والله يا أيمن دلعك ليها ده هيوديها في داهية، خليك أنا أربي وأنت تبوظ من الناحية الثانية. رمقها بنظرات حادة فغادرت الغرفة فذهب خلفها: تعالي هنا. سلمى: نعم! قالتها بسخرية. أيمن: نعم الله عليكي، إحنا اتفقنا على إيه؟ سلمى: أستغفر الله العظيم، ما هو مينفعش.

أيمن: اللي مينفعش إن أنا وأنتِ نشد على العيال، لازم طرف فينا يشد والثاني يرخي، ومتنسيش دول بنات يا سلمى لازم تصاحبيهم عشان لما يكبروا يبقى سرهم معاكي وتوجهيهم للصح. سلمى: يعني أنا شريرة معاهم! أيمن: ماقولتش كده، أنا قصدي إن الطفل سواء كان بنت أو ولد زي النبتة بالضبط، كل ما تهتمي بيها تكبر وتترعرع قدامك، لكن لو قسيتِ عليها هتتدبل وهتضيع ويبقى أنتِ السبب. سلمى وأرادت تغيير الحديث: طيب يلا عشان الأكل هيبرد.

ثم أردفت: يلا يا بت أنتِ وهي عشان تاكلوا. قالتها بصياح. زفر بضيق: مفيش فايدة، كأني بنفخ في قربة مخرومة. سلمى بابتسامة مصطنعة وبسخرية: معلش هبقى أسد لك الخرم بتاع القربة المرة الجاية. نظر لها بتوعد: بتتريقي! مااااااااشي، لينا أوضة تلمنا بالليل. نظرت لأسفل وهي تضحك على حديثه.

_بعد أن كان موقوفًا عن العمل لمدة شهرين عاد لعمله مرة أخرى. وها هو يصف سيارته جانبًا أمام المخفر لينزل من السيارة بشموخ وكبرياء كعادته مرتدياً نظارته الشمسية. دخل إلى المخفر بعدما ألقى عليه العساكر التحية المعتادة، إلى أن وصل أمام مكتبه حتى دلف إليه ويغلق الباب خلفه، فدفع الباب إياس. وبصوت مهلل: حمد لله على سلامتك يا صاصا. صقر: إيه صاصا دي؟ ما تلم نفسك إحنا في الشغل، يعني لما يسمعوك العساكر يقولوا عليا إيه؟

إياس أراد استفزازه: الحق عليا كنت جاي أعزمك. صقر بتعجب: تعزمني على إيه؟ إياس وهو يكاد ينفجر من الضحك لكن حاول السيطرة على نفسه فقال: فيروز. أحس بقبضة بقلبه وكأنه سيختنق: أنت تقصد إيه؟ إياس وتصنع عدم الاهتمام: مفيش، ده فرح محمد على فيروز، خطوبة وكتب كتاب والليلة الكبيرة بعد ما تخلص امتحاناتها. صقر وأحس كمن أحد ما يقتلع قلبه ويزهق روحه فنهض بغضب وبصوت مدوٍ: أنت بتتكلم بجد؟ إياس وهو يخرج بطاقة دعوة من

ملف ورقي كان يحمله بيده: اتفضل يا سيدي، وأهي دعوة الفرح الخطوبة دي بعتها لك محمد وموصيني عليها. أخذها منه بعنف وهو يقرأها بعينين مشتعلتين بنيران الغضب فقام بطيها ووضعها بجيب سترته فكاد يغادر فأردف إياس: على فكرة فيروز هتلاقيها دلوقتي في الجامعة. سمع جملته ليقول بداخل نفسه: أبقى وريني يا هانم هتتخطبي إزاي. قالها وهو يخطو سريعًا ليصل للخارج ويستقل سيارته واتجه نحو الجامعة. إياس ما زال بمكتب صقر فأخرج هاتفه واتصل برنيم.

إياس: أيوة يا قلبي؟ رنيم: ها عملت إيه؟ إياس: ربنا يستر وما يقتلهاش، الله يخربيت أفكارك اللي هتودينا في داهية. رنيم: أعمل إيه ما إحنا تعبنا معاهم ودمغهم أنشف من الصخر، وكل واحد ماسك لي في الكبرياء والكرامة، عيال باردة. إياس: وأنا مليش فيه بقى لو حصلت كارثة، أنتِ عارفة أخوكي متهور ومجنون. رنيم: متخافيش صقر بيعشقها وعمره ما هيأذيها. إياس: طيب اقفلي يا أختي عشان هأروح على مكتبي وأتصل بأخوكي أشوفه عمل إيه.

رنيم: باي باي أيسو. إياس: باي. بينما صقر كان يقود بسرعة جنونية توشك به إلى الهلاك حتى وصل إلى الحرم الجامعي فنزل من سيارته ليدلف إلى الداخل عبر البوابة بعد أن رأى حارس الأمن بطاقة هويته. فيروز تجلس مع مجموعة من الأصدقاء ومن بينهم شباب على العشب وكانوا يضحكون ويلعبون لعبة الصراحة بزجاجة بلاستيكية فارغة. أحد الشباب بعد أن توجه طرف الزجاجة نحو فيروز: وأخيرًا جه عليكي الدور.

فيروز بمرح: بس يا ريت سؤال طبيعي وبلاش الأسئلة الرخمة. الشاب: أنتِ تؤمري يا عسل. وكان بجوارها شاب آخر معجب بها فكان ينوي أن يلمس يدها التي كانت مستندة بها على العشب وكاد يضع يده ليتفاجأ بمن يقبض على يده ويلوي ذراعه للخلف ليصرخ الشاب متأوهًا فنهضوا جميعًا بذعر. صقر وبغضب عارم: إيدك دي لو كانت لمستها كنت هقطعها لك. فيروز على الرغم من خفقات قلبها المتسارعة عندما رأته لكن كانت مرتابة

من الذي سيحدث فصاحت فيه: على فكرة ما جاش جمبي. صقر وبغضب: أنتِ تسكتي خالص وحسابك بعدين. إحدى الفتيات: مين ده يا فيروز؟ فيروز بخوف وتردد: ده ده. ليترك صقر الشاب ليدفعه بقوة ويرتطم بالأرض. ثم جذب فيروز من معصمها وهو يسحبها خلفه. أتى إليه بعض الحراس من الأمن الداخلي بالحرم. الحارس: أنت يا حضرة واخد الآنسة ورايح على فين؟ صقر بصوت أجش: خطيبتي وجاي أخدها. وقعت على مسمعها الكلمة بسعادة من داخلها. الحارس: تعرفيه يا آنسة؟

فيروز: أه خطيبي. الحارس: طيب اتفضل خدها واخرجوا عشان دي جامعة مش جنينة العشاق. قالها ساخرًا. صقر: أنت عارف أنت بتتكلم مع مين؟ الحارس: هتكون مين يعني؟ أخرج صقر بطاقة عمله ليوجهها أمام نظر الحارس فتعلثم خوفًا: آآآ أسف يا باشا. تركه صقر وغادر الحرم وما زال ممسكًا بمعصمها. فيروز تتألم: آآآه إيدي هتتخلع. صقر وهو يفتح باب السيارة ليلقي بها بعنف بالداخل ثم صفق الباب والتف ليدلف إلى السيارة وجلس ثم انطلق.

فيروز: مالك بتعمل معايا كده ليه؟ مش خلاص كنت بالنسبة ليك علاقة عابرة وانتهت راجع ليه؟ لم يجب عليها واستمر بالقيادة لينحرف عن مسار الطريق ويدخل إلى طريق آخر لا يوجد به أحد. فيروز بغضب: ما بتردش عليا ليه؟ ليرتفع صوتها أكثر وأردفت: مش كل واحد فينا راح لحاله عايز مني إيه دلوقتي؟

توقف فجأة ثم نزل من السيارة ليلتف إليها ليفتح الباب لها ليخرجها فارتعبت من عينيه التي يملؤها الغضب فتراجعت للخلف وهو يتقدم نحوها فدفعها بقوة ليرتطم ظهرها بسيارته واقترب منها حتى لا يفصل بينهما سوى أنش، لينهال على شفتيها بقبلة قوية فقام بعضها وهو يقبلها لتصرخ متأوهة فابتعد عنها وهو يحدق في عينيها بنظرات حادة. هي كانت تتلمس شفاها التي سال منها قطرات الدماء: آآآه.

ليمد يده بجيب سترته وأخرج بطاقة الدعوة ووضعها أمام عينيها. فيروز بصراخ: ابعد عنييييييي أنا بكرهك. قالتها ولم تنظر للبطاقة. صقر بصياح غاضب: اقرئي الزفت ده. فارتجفت خائفة من صياحه فقرأت لتشهق: هااااااااا... إيه ده والله ما أعرف عنه حاجة. صقر وهو يمزق الدعوة إلى فتات: إيه مش كنتِ قايلة إنك هتوافقي؟ فيروز: أنا حرة أوافق ولا ما أوافقش، ده يخصك في إيه؟ صقر وهو يجز على أسنانه: بطلي تستفزي فيا بدل ما هخليكي تندمي.

فيروز بتحدي: إيه هتضربني؟؟ كور قبضة يده ليضرب بقوة سيارته وكانت الضربة بجوار أذنها لترعبها. فحل الصمت ليقاطعه رنين هاتفها لتجد اسم المتصل رنيم فلم تجب وكانت ستضع الهاتف بحقيبتها، فأخذه بعنف من يدها ليرى من يتصل بها ومن غضبه أجاب بدون تركيز في الاسم. صقر وضعه على أذنه ولم يتكلم. فوجدها أخته التي تحسب أنه فيروز.

رنيم: خلي بالك أنا عملت مقلب في صقر عشان أخليه يعقل ويرجع لك ونفرح بيكو بقى، خدي بالك ليتجنن ويعمل فيكي حاجة. صقر وبصوت مرعب: ده أنا اللي جاي لك دلوقتي وهوريكي الجنان على حق. قالها لتغلق شقيقته وهي تشهق من الفزع. نظر لفيروز التي كانت تتألم من شفتيها التي تورمت وما زالت تنزف فشعر بالوجع من داخله لأنه جعلها تألمت فأخرج من جيبه منشفة ورقية ووضعها على شفتيها يمسح دماءها. صقر وهو يقبل جبهتها ثم أردف: أنا آسف.

أشاحت بعينيها للجهة الأخرى وعبراتها أسيرة بعينيها. صقر: فيروز ممكن تبصي لي أنا آسف إن... قاطعته وهي تصرخ في وجهه: أنا عايزة أروح وسبني في حالي بقى. صقر شعر بالاختناق: طيب خلاص تعالي اركبي عشان أروحك. لتذرف عينيها دموعها وهي تشهق بصوت جلي فشعر قلبه يحترق من أجلها فعانقها بقوة وهو يعتذر لها. فأبعدته عنها ثم دلفت إلى السيارة ليلتف إلى الجهة الأخرى وجلس ثم انطلق بالسيارة وظل الاثنان في صمت.

_تسلل إلى البناء الذي لا يسكن فيه سواها ومن حسن حظه لا يوجد حارس يؤمنه. فصعد الدرج حتى وصل إلى الطابق المنشود ووقف أمام باب المنزل فأخرج أداة حادة ليفتح بها الباب بدلًا من المفتاح. فدلف إلى الداخل بهدوء يبحث عنها، فوجدها نائمة في الغرفة، فذهب نحوها وأخذ كوب الماء من على الكومود ليسكبه بقوة على وجهها. شهقت بقوة وبفزع لتراه أمامها، حتى اتسعت حدقتاها تكادان تخرجان من محجريهما. ضحك كالشيطان وبصوت كالفحيح:

كنتي فاكرة إنك هتفضلي هربانة مني؟ توقفت الكلمات بحلقها، غير قادرة على النطق، واكتفت بوضع يديها على وجهها لتحتمي منه. ليردف: أنا هددتك بدل المرة ألف، وقولتلك يا مايا إلا أنا .. صح؟ فلم تجب، فجذبها من شعرها بقوة لتصرخ بأعلى صوتها: ااااااااااااااااااااااااااااااااااااه! باسل: هو أنا لسه عملت فيكي حاجة؟! فأقترب بجوار أذنيها وبصوت مرعب: ده أنتِ أيامك معايا أسود من السواد. بدأت كلماتها تخرج بصعوبة: حححح...

حقولك على كل حـ... حاجة. لم يعطها أي فرصة ليجذبها من شعرها ويسحلها على الأرض، ثم رفعها وحملها على كتفه وهي تقاوم وتضرب فيه لينزلها، فهي غير قادرة عليه، فأدخلها سيارته بعنف، ثم أخرج حبلًا من جيبه وقيد يداها، ثم أخرج الآخر وقيد قدميها، وأحكم غلق باب السيارة المجاور لها جيدًا. فجلس على مقعد القيادة وانطلق، وفي الطريق أخرج هاتفه ليتصل برقم ما: ألو... أيوة كل حاجة جاهزة؟ تمام أوي.

مش عايز حد في المكان خالص، ولو عمي سألك عليا قوله إن أنا بقضي يومين في الجونة. باي. أغلق لينظر لمايا التي كانت تتوسله: أبوس إيدك يا باسل ارحمني. باسل بابتسامة جانبية: أنتِ اللي بتعملي في نفسك كده، فاستحملي بقى. مايا بصراخ: والله ما هعمل كده تاني خلاص... قالتها ثم ارتطمت في النافذة المجاورة إثر صفعته القوية لها.

وصل أخيرًا أمام بناء كبير وقديم، على ما يبدو مخزن مهجور. نزل من السيارة ليلتف ويحملها حيث أنها فاقدة للوعي، فدلف إلى الداخل ليعلق يديها المقيدتين بسلسلة تتدلى من أعلى وقدميها مقيدتان. وبعد مرور بضع دقائق... بدأ يعود إليها وعيها لتصدر صرخة مدوية بأرجاء المكان عندما رأته أتى نحوها يحمل سيخًا رفيعًا متوهجًا. _بعد مرور يومين... يعرض التلفاز أغنية للسندريلا سعاد حسني (الدنيا ربيع والجو بديع قفلي على كل المواضيع...

سلمى بصياح من داخل غرفتها: ما توطوا الزفت ده شوية، مش عارفة أنيم العيال. يخرج أيمن من المرحاض بعدما توضأ: كارما، كنزي، وطوا التليفزيون يا حبايبي شوية عشان ماما بتنيم عمر وسليم. كنزي: حاضر يا بابا. أيمن: تسلميلي يا قلب بابا. كارما وهي تضع يديها على جانبي خصرها: وأنا أبقى إيه؟ أيمن مبتسمًا وهو يضع يده على وجنتيها: وأنتِ روح بابا. فعانقته بقوة وهي تصيح بفرح: حبيبيييييي! سلمى وهي تخرج إلى الردهة وتتنهد:

أخيرًا العيال ناموا، أنا تعبت والله... أيمن؟ أيمن وكاد يبدأ بالصلاة فتوقف: أستغفر الله... نعم يا سلمى مش شيفاني بصلي؟ سلمى: معلش والله ما مركزة... أنا كنت عايزة أقولك إن أنا مش قادرة أخرج، خد البنات وفسحهم أنت، وأنا خليني هنا وهكلم خالتي أخليها تيجي تونسني عقبال لما تيجوا. أيمن: حاضر يا سلمى... بس روحي جهزي البنات ولبسيهم الفساتين اللي اشتريناهم إمبارح، وحضري لهم شوية سندوتشات عشان لو جاعوا. سلمى:

أنا عاملة لهم بيض ملون وهحمر لهم بطاطس عشان بيحبوها، وأنت ماشي اشتري لهم فينو. أيمن: طيب وأنا؟ سلمى: الفسيخ والرنجة لما ترجع هناكلهم مع بعض عشان نفتح نفس بعض يا حبي. أيمن: حاضر يا قلبي... سيبني بقى أصلي. ذهبت إلى المطبخ فأعدت كل شيء ووضعته في علب ثم في كيس بلاستيكي. رن هاتفها فأجابت: ألو يا خالتو. الخالة: صباح النور يا حبيبتي، العيال وأيمن عاملين إيه؟ سلمى: الحمد لله كلنا بخير. الخالة:

مش ناويين تيجوا تقضوا معايا شم النسيم؟ سلمى: أنا كنت هتصل بيكي هقولك تعالي اقعدي معايا عشان أيمن هياخد البنات وهيفسحهم، وأنا مش قادرة أخرج. الخالة: ليه يا بنتي اخرجي ورفهي عن نفسك شوية بدل ما حابسة نفسك في البيت كده. سلمى: والله يا خالتو مخنوقة أوي، فاكرة الحلم اللي حكيتهولك بتاع التعبان اللي موت أيمن وضروسي اللي بيوقعوا والتعبان بلعهم؟ الخالة: يا عبيطة ما تصدقيش الكوابيس ده، هتلاقيكي كنتي واكلة ونمتي. سلمى:

لا أصلًا مش بتعشى. الخالة: ما تحطيش في دماغك يا بنتي وخليها على الله... الحمد لله جوزك وولادك في حضنك، ما تشيليش هم بقى وربك هو الحافظ. سلمى: ونعم بالله... أنا مستنياكي ما تتأخريش. الخالة: ياريت ينفع والله بس مروة بنتي كلمتني من إمبارح ومأكدة عليا هيجوا عندي يقضوا شم النسيم، عشان كده بقولك تعالوا، وأهي العيال يلعبوا مع بعض. سلمى: يوم تاني يا خالتو معلش. الخالة: طيب يا سلمى هقفل معاكي بقى عشان الجرس بيرن وشكلهم جم.

سلمى: سلميلي عليهم كتير. الخالة: الله يسلمك يا حبيبتي... سلام. سلمى: سلام. أيمن وهو يقوم بغلق أزرار قميصه: مين كان بيكلمك؟ سلمى: خالتو كانت بتقولي نروح عندها. أيمن: يعني مش هتيجي؟ سلمى: لا مروة عندها. أيمن: طيب خلاص يلا البسي ونخرج. سلمى: لا روح أنت والبنات، وأنا سيبني أريح شوية وأصحى تكونوا أنتوا جيتوا. أيمن: ماشي... البنات لبسوا؟ كنزي وكارما من خلفه: خلصنا يا بابا. أيمن:

واووو إيه الجمال ده، ربنا يحميكوا يا حبايبي وما يحرمنيش منكم... قالها وهو يعانقهم بقوة. سلمى وهي تمسك بهاتفها: استنوا بقى آخد لكوا كام صورة حلوة قبل ما تتبهدلوا... قامت بالتقاط العديد من الصور لهما وأيضًا مع أيمن. كنزي: إحنا عايزين نتصور في الجنينة. أيمن: حاضر يا ست كنزي هصوركو لحد ما تزهقوا... ها يا سلمى خلصتي الحاجة؟ سلمى: آه يا حبيبي خد وخد الإزازة دي عشان لو عطشتوا. أيمن: إيه يا بنتي كل ده؟ سلمى:

خليهم ياكلوا ويشبعوا، وخلي بالك منهم والنبي يا أيمن، خصوصًا كارما دي شقية وممكن تسرح مع نفسها وتتوه منك. أيمن: اطمني يا حبيبتي إن شاء الله خير... يلا يا عرايس. كنزي وكارما: يلا يا بابا. سلمى: آه يا جزمة منك ليها ماشيين من غير حضن ولا بوسة لماما... آه ما أنتوا لاقيتوا مصلحتكوا مع اللي بيدلعكوا. كارما وهي تعانقها: إحنا بنحبك أنتِ كمان بس بطلي تزعقي فينا كل شوية.

سلمى جذبتهم على صدرها وعانقتهم بقوة وقبلت كل منهما على جبهتها وظلت تعانقهم. أيمن تعجب من عناقها الطويل لهما: إيه يا سلومة إحنا جايين تاني مش هنهجر يعني. سلمى بابتسامة تخفي من ورائها ألم ووجع بداخلها: ما أنت عارفة لما بيبعدوا عني ببقى عاملة إزاي... دول شافهم قلبي قبل ما تشوفهم عيني يا أيمن. أيمن لاحظ عبرة هاربة من عينها: أنتِ بتعيطي؟ سلمى ابتسمت بتصنع: لا يا حبيبي دي عيني اطرفت بس...

يلا يا حبايبي روحوا مع بابا وما تسيبوش إيديه وتعالوا بسرعة ما تتأخروش عليا. كنزي وكارما: حاضر ما تخافيش، ولو بابا عاكس واحدة هنيجي نقولك. ضحك أيمن وسلمى. أيمن: أنتِ مسلطة البنات عليا؟ سلمى: هههههههه أبدًا ما أنت عارف هم بيحبوك وبيغيروا عليك قد إيه. أيمن: طيب إحنا هنمشي بقى واقفلي الباب كويس من جوه عقبال ما نجي لك. سلمى: لا إله إلا الله. أيمن: محمد رسول الله.

غادر أيمن وابنتاه تحت أنظار سلمى التي تشعر بغصة في قلبها لا تعلم ما هو سببها. توجه أيمن ليستقل مع ابنتيه إحدى سيارات الأجرة الجماعية... فأوصلتهم السيارة أمام حديقة عامة مليئة بالأعشاب الخضراء والأشجار والأزهار المتفتحة... وكثير من العائلات والأسر الذين يجلسون في حلقات وأمامهم تلك الأسماك التي تؤكل في ذلك اليوم كالفسيخ والرنجة والملوحة والبيض الملون... يركض الأطفال بمرح هنا وهناك. كنزي وهي تهلل:

بابا الحق ده فيه مراجيح. كارما: والنبي يا بابا ودينا نتمرجح شوية. أيمن: حاضر بس عن شرط أول ما تخلصوا تيجوا تاكلوا. كارما وكنزي: حاضر... كارما: هات بقى حضن كبير عشان هتمرجحنا. عانقهما أيمن وشعر بدفء قوي في أحضانهما وشعر بنفس شعور سلمى وهي تلك الغصة. على الجانب الآخر كانت تجلس سيدة منتقبة بداخل سيارة تتحدث بالهاتف: أيوة يا باشا... أيوة قدام عينيا بالظبط... لا مش معايا غير الولا زينهم...

ما تقلقش يا باشا أول ما نخلص هكلم حضرتك على طول... سلام. زينهم الجالس بجوارها: إيه ناوية دلوقتي ولا شوية كده؟ السيدة: اصبر يا أهبل لما العيال يروحوا يتمرجحوا وأنت تلهيه، وأنا سيب عليا الباقي. زينهم: افرضي العيال دي صرخت؟ السيدة: ما تبطل غبا يا ولا أومال البنج اللي معايا ده جايباه لأمي! زينهم: طيب أنا هنزل بقى عشان ألاغي الزبون وأنتِ بقى شوفي الباقي. السيدة: يلا انزل وأنا وراك.

كان يقف ويشعر بالعطش الشديد فتناول الزجاجة وشرب الماء كله لتصبح الزجاجة فارغة. كارما: بابا أنا عطشانة. كنزي: وأنا كمان. أيمن: طيب تعالوا نشتري من أي كشك إزازة مايه. وقبل أن يذهب لأي اتجاه جاء الذي يدعي زينهم وقف أمامه وصافحه بالعناق. زينهم: حبيبي يا أيمن عامل إيه يا راجل؟ أيمن بتعجب: مين حضرتك؟ زينهم: اخص عليك مش فاكرني... ده أنا عباس اللي كنت باشتغل معاك من قيمة شهر.

أيمكن، وهو يحاول التذكر جاهدًا: بصراحة لأ، مش فاكر. وفي أثناء حوار زينهم وأيمن، جاءت السيدة المنتقبة لكنزي وكارما. سألتهما بدهاء: لو سمحتِ يا قمر منك ليها، ما شفتوش بنوتة صغيرة لابسة فستان أحمر؟ كارما: أنا شفت واحدة لابسة فستان أحمر في الحتة اللي هناك دي. السيدة: طيب تعالوا معايا عشان وروني مكانها. قالتها لتعطي إشارة لسائق السيارة ليأتي نحوهم. كنزي: تعالي يا كارما، بابا قال ما نبعدش عنه.

كارما: تعالي نساعدها، دي شكلها غلبانة.

فدفعتهم السيدة أمامها لينزل السائق وهو يؤمن المكان، فوجد لا أحد يلتفت إليهم، الجميع مشغولون وصراخات الأطفال الذين يلعبون بالملاهي ساعدتهم في إمساك الطفلتين عنوة. طبقت السيدة على فم كارما بقطعة قطنية يملؤها مخدر، وكذلك السائق فعل في كنزي مثل ما فعلت السيدة، فأسرعا قبل أن يُكتشف أمرهما. وعندما شاهدهما زينهم ترك أيمن فجأة ليتوه بداخل الزحام. التفت أيمن الذي شرد لثوان في حوار ذلك الرجل الغريب، فاتسعت مقلتيه من الخوف عندما لم يجدهما.

نادى عليهما بكل ما أوتي من قوة، لم يتلق سوى همهمات الناس من حوله، فركض كالمجنون يبحث عنهم هنا وهناك، وكانت بعض الآخرين يبحثون معه، لكن باء البحث بالفشل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...