ذهبت وبدون أن تنظر من العدسة التي تتوسط باب المنزل، فتحت الباب لتبتسم لمحمد: _السلام عليكم يا عمتو. ليدلف وهي ترحب به: _يا أهلًا وسهلًا يا حبيبي. ثم التفتت لتغلق الباب حتى منعتها يد أخرى لتتسع حدقتيها غير مصدقة ما تراه.
التقت العيون بشوق ولقاء، فهي لم ترها منذ بضع سنين، حيث عوامل الزمن تركت آثارها الواضحة من تجاعيد على ملامح وجهها، وبالرغم من ذلك تراها كأنها تركتها منذ أمس. لم تشعر آمال بحالها عندما ارتمت بين ذراعي الحاجة زهرة والدتها وأخذت عبراتها تتساقط، أخيرًا التقت بمن هي أحن عليها من أبيها وشقيقها. آمال بصوت بكاء مكتوم: _أمي وحشتيني قوي قوي. قالتها لتتوالى شهقاتها. زهرة التي أدمعت عينيها في صمت حتى قالت بنبرة تكاد مسموعة:
_بتي يا نور عيني. محمد مبتسمًا: _طيب ادخلوا الأول جوه وسلموا على بعض براحتكوا. آمال وهي تحاوط والدتها بذراعها واليد الأخرى تساندها من يدها: _تعالي يا أمي اتفضلي. دلفوا إلى الداخل لتتأمل زهرة حال منزل ابنتها وهي تتجول نظراتها لجميع الأركان والأثاث. وصلوا لدى الأريكة لتجلس الحاجة زهرة وتحدق بابنتها التي تشبهها كثيرًا عندما كانت بنفس عمرها. جلست آمال بجوارها: _عاملة إيه يا أمي وأبويا أخباره إيه؟ نفسي أشوفه قوي.
زهرة بملامح معاتبة: _تو ما افتكرتينا يا آمال؟ خلاص عشان جوازه ما كانتش على يدك تهربي ولا كأن ليكي أم ولا عيلة عاد. نظرت آمال لأسفل بخجل: _ما كان على يدك يا أمي ولا نسيتي عمايل أخويا فيا وقتها؟ كان عايز يبيعني لواحد قد أبويا وأكبر كمان وأنتوا كنتوا موافقينه. زهرة: _أني يا بتي؟ نسيتي واجفتي في وش أخوكي وأبوكي ولا البهدلة اللي اتلجتها منهم.
فيروز ما زالت داخل المرحاض لكنها انتهت وارتدت ثيابها لتفتح الباب بهدوء لتسترق السمع. آمال وهي تكفكف عبراتها: _خلاص يا أمي ما عادش منه فايدة الكلام ده. أهم حاجة إني شوفتك قبل ما يجرالي حاجة. محمد: _على فكرة يا عمتو جدتي عارفة كل حاجة عنك، بس مش أنا اللي قولتلها. تعجبت آمال: _إزاي؟ زهرة: _كنتي مفكرة إن خالتك هتخبي عليا إياك. آمال:
_خالتي آخر مرة روحت عندها كانت فيروز لسه طفلة صغيرة وما عرفتش أروحلها ولا هي تجيلي لما ابنها شاف ناس غريبة بتحوم حوالين بيتها، ساعتها شكينا إن حماد باعت رجالة يعرفوا مكاني. زهرة: _ما تخافيش يا بتي من أخوكي عمرو ما هيأذيكي واصل. آمال:
_هو لسه هيأذيني ما هو آذاني من زمان، كفاية خلاني هربت كأني عملت عاملة وجيت على مصر وربنا واقفلي واحدة بنت حلال وعشان أعرف أصرف على نفسي ومبقاش عالة على حد خدمت في البيوت عشان ما كانش معايا ولا ورق ولا بطاقة تخليني أشتغل أي حاجة تانية. محمد: _هقولك حاجة يا عمتو، بابا لو كان عايز يعمل فيكي حاجة كان عمل من شهرين فاتوا. زهرة: _كيف يا ولدي؟ محمد:
_لما سافرت الواحات عشان أروحلها وأقابلها عرفت بعد ما رجعنا من السفر إن بابا كان باعت ناس يراقبوني وعرف مكان عمتي هناك وهنا، واللي أكد لي كده حاجة ما رضيتش أحكيها لعمتي لتضايق، وهي لما عملت عملية زرع الكلى مش أنا اللي دفعت مصاريف العملية. قالها ليجد علامات الاندهاش على ملامح آمال. ليردف:
_جيت أدفع في الحسابات قالوا لي إن في فاعل خير اتكلف بحالتها فشكيت في الموضوع. روحت الشركة وراجعت حسابات بابا لقيته محول من حسابه الخاص للمستشفى كل التكاليف علاج وعملية. زهرة: _ولدي وأني خبراه زين، من بره تحسه كأنه حجر صوان جاسي، لكن جلبه كيف الحليب عمرو ما هيأذيكي يا بتي، أنتي خيتو الوحيدة وما لوش غيرها. وبعدين إحنا عاملين نتحدثوا كتير ونستوني أسأل على عروستنا، فين بتك يا حبيبتي؟ آمال: _ثواني يا أمي هجيبها وأجي.
قالتها ثم نهضت لتذهب نحو المرحاض المتفرع من رواق صغير بعيدًا عن الردهة، فوجدت فيروز واقفة في ذهول. آمال وهي تهمس لها: _تعالي سلمي على جدتك وأنا هفهمك كل حاجة بعدين. خرجت إليهما لتقع عيناه عليها وقلبه يخفق بشدة. فيروز بخجل: _السلام عليكم.
في غرفة الأجهزة الرياضية، مرتدياً ثيابه الرياضية وهو بنطال من القطن أسود اللون وتي شيرت بدون أكمام، يمارس رياضته على جهاز الأوربتراك. كلما تذكر ما حدث بينهما بالأمس يلوم نفسه عندما صفعها ليزيد سرعته على الجهاز ويفرغ شحنة الغضب ذاك. خرجت من غرفتها وهي تعقد العزم على محاسبته على صفعته لها وكيف تجرأ على ذلك، حيث من وجهة نظرها أنها غير مخطئة بل هو الذي جعلها تغضب من إثارته لغيرتها. سيلين تنادي إحدى الخدم: _يسرية. قالتها
لتأتي إليها الخادمة مسرعة: _تحت أمرك يا سيلي هانم. سيلين: _شهاب بيه فين؟ يسرية: _بقالوا أكتر من ساعتين في صالة الجيم تحت يا هانم. سيلين: _طيب. يسرية: _أحضرلك الغدا يا هانم لحضرتك أنتي وشهاب بيه؟ سيلين: _ميرسي مليش نفس للأكل. أومال فين داد؟ يسرية: _الباشا خرج من بدري ومش هيرجع غير بالليل. سيلين: _أوك.
قالتها ثم مشت نحو غرفته وهي تفتح الباب لتدلف إلى الداخل تتأمل كل محتوياتها جيداً فكل شيء مرتب وأنيق حتى غرفة ثيابه الملحقة بداخل غرفته يملؤها رائحة عطره التي لم تعشقها إلا من فترة قريبة. انتهى من ممارسته للرياضة فخرج من الغرفة ليتجه إلى الدرج ثم صعد إلى الأعلى، أدار مقبض الباب ثم دلف إلى غرفته وقطب حاجبيه عندما سمع صوت في غرفة الثياب فاتجه إليها ليراها تحتضن قميصه وهي مغمضة العينين ولم تشعر بوجوده. شهاب بصوت أجش:
_أحم، بتعملي إيه عندك؟ انفزعت لتجيب بتعلثم: _أنا.. عايزة.. كنت.. و. نظر لها بتعجب حيث لا يفهم منها شيئاً، فانتبهت لقميصه الذي بين يديها فألقته جانبًا واحمرت وجنتاها خجلاً. فأردفت: _عن إذنك. قالتها لتغادر فأمسك يدها بقسوة حتى تألمت. وبصوته الرجولي: _أتمنى تكوني جاية تعتذري على اللي قلتيه ليا امبارح. شعرت بالغضب وبنبرة متمردة: _أنا ما بعتذرش لحد ومش غلطانة. أغمض عينيه الحادتين وهو يزفر حتى لا يغضب:
_يعني شايفة قلة أدبك في الكلام معايا مش غلط! بصوت مرتفع إلى حد ما: _لو سمحت أنا محترمة غصب عن أي حد، ولو اتنرفزت امبارح يبقى أنت السبب ولا أفكرك بالأيام اللي فاتت لما سيادتك كنت مقضيها ضحك ومرقعة مع كاميليا هانم اللي مفروض واحدة متجوزة وأنت واحد متجوز. جز أسنانه وبغضب: _صوتك ما يعلاش يا سيلين قدامي، وهتعتذري غصب عنك طالما بتعاندي في الغلط. سيلين: _مش هعتذر ومش غلطانة. شد من قبضته أكثر فتأوهت: _آه سيب إيدي هتكسرها.
شهاب: _ما أنا ناوي أكسرها وأكسر دماغك لو ما اتعدلتيش. تملكها كبرياؤها لتصيح في وجهه: _ما عاش ولا كان اللي يكسرني. شهاب: _يعني أنتي شايفة كده؟ سيلين بتحدي: _آه. قالتها وهي تسحب يدها من قبضته بقوة لتهم بالخروج ليسبقها وهو يجذبها من شعرها المنسدل وهو يقوم بلفه على قبضته فآلمها بشدة فصرخت: _آه سيب شعري يا حيوان. اسودت عيناه من الغضب ولم يشعر بنفسه وهو يجذبها ليلقي بها على تخته لترتطم فوقه، وفي برهة كان يعتليها ممسكاً
فكها بقبضته: _اعتذري يا سيلين بدل وقسم بالله هتشوفي شهاب غير اللي تعرفيه تاني. اتسعت عيناها خوفاً من ملامحه التي تراها لأول مرة فأخذت تبعده عنها وهي تدفعه في صدره وهو لم يتزحزح أنشاً واحداً وزاد من قبضته لتشعر بفكها سينخلع في يده. فقالت بصعوبة: _أنا آسفة أنا آسفة.
فأرخى قبضته عندما سمع أسفها ورأى عبراتها تذرف بخوف. شعر بغصة في قلبه لأنه آلمها وجعلها تبكي وأنه قد بالغ في ردة فعله معها. فاقترب بوجهه لتلامس شفتيه وجنتها ويطبع قبلة يعتذر بها عما فعله. فضمها إليه ليدس رأسها في عنقه واشتد من عناقه لها حتى شعر بتوقف شهقات بكائها لأنه يعلم أنها تشعر بالانكسار فكلمة الأسف لديها تجرح كبرياءها وقالتها مرغمة عنوة عنها. أبعدها لينظر في عينيها واعتذر بنظراته لم يجد هذا اعتذاراً كافياً.
فألتقم شفتيها كأنه يلتقم فاكهة من الجنة ليتذوقها برقة ليحس بذراعيها التي تحاوط عنقه وهي تبادله بنفس إحساس القبلة. يدها كانت تداعب خصلات شعره خلف أذنه فأثارته تلك المداعبة ليزيد من قوة قبلاته لها فأنهال على وجهها بأكمله كأنه سيلتهمها لينزل على عنقها وهو يطبع ملكيته الخاصة. لينهض قليلاً فأمسك بيديها ليرفعها فوقها بيد واحدة والأخرى أخذ يتحسس بها على جبهتها ثم وجنتيها ثم شفتيها ثم جيدها وهو يتلمس علامات قبلته ليشعر بأنه
لم يرتو كفاية من أنهار عشقها وأنه سيفقد السيطرة ويفعل شيئاً ليس هذا وقته بعد فكلها أيام معدودة على موعد الزفاف على الرغم أنها زوجته قانوناً فأراد ألا يحرمها من إحساس فرحتها كعروس في ليلة الزفاف. فابتعد عنها لينهض من فوقها وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة ونظر لها فوجدها مغمضة العينين وتنتظر المزيد منه.
فقال بصوت أجش: أصل يا أمي فيروز متعرفش حد غيري أنا وخالتي شريفة وعيالها، وأهل أحمد الله يرحمه وزمانهم جايين دلوقت من السفر. فكل الحكاية إنها متضايقة مني إزاي مش معرفاها إنكم عايشين أنتِ وبابا وأخويا وولاده. محمد: خلاص يا عمتو متضغطيش عليها عشان تستعد لبكره. آمال: آه فكرتني يا ابني ده أنا ناسية. زهرة: على العموم أكده ولا كده كنا ماشيين عشان حاجزين في الفندق. آمال: ده اسمه كلام يا أمي...
جرى إيه يا محمد بيت عمتك موجود وتروحوا تباتوا في فندق! زهرة: ما هو ما يصحش يا بنتي جايلك أهل جوزك الله يرحمه هنبات كلنا كيف يعني؟ محمد: معلش يا عمتي جدتي عندها حق... وإن شاء الله هنجيلك بكره من بدري. آمال: كده يا أمي ماشي مكتوب عليّ البعد عنك على طول. نهضت زهرة من مقعدها لتربت على كتف آمال: متزعليش يا بنتي بكره هنجعدوا مع بعضينا لحد ما تزهقي، وبعدين أنا بعد بكره معاوده على البلد عشان أبوكي ما يزعجش ويبهدل الدنيا...
وإلا صح أنتِ مش ناويه تدلي على البلد ولا إيه؟ ولا أنتِ خلاص قطعتِ رجليكي من هناك. آمال: مينفعش يا أمي إلا لو أبويا بعتلي مش هروح أفرض نفسي. زهرة: ده أبوكي يا بت كيف يعني تفرضي نفسك عليه... ده لو عرف إن عرفت مكانك كان جه معايا وخدك أنتِ وبنتك على البلد. آمال: متقلقيش يا أمي أنا مستنيه لما فيروز إن شاء الله تخلص دراستها وتتجوز وأطمن عليها هاجي أقعد معاكوا بس الأمور تهدى قبلها. زهرة: بشجعك يا بنتي...
يلا يا ولدي أنا هروح أغسل يدي وأتوضأ وأصلي المغرب وننزل قبل ما الناس تيجي. بعدما أدت فرضها ضمت ابنتها بعناق لمدة دقائق... وصافح محمد عمته ونزلا الاثنان ليستقلا سيارته وذهبا إلى الفندق. بينما فيروز بالداخل كان معها مكالمة هاتفية مع صقر. فيروز بصوت رقيق وناعم: وعارف أنا كمان بحس معاك بإيه لما بتكون جنبي... بحس بأمان عمري ما حسيته في حياتي بحس إن ليا ضهر وحماية. صقر: وبس؟ ابتسمت بخجل: وحبيبي وإن شاء الله خطيبي.
صقر: ونسيتِ جوزك. فيروز: جوزي ده أقولهالك لما نكتب الكتاب. صقر: ما أنا ناوي نكتب الكتاب مع الخطوبة. فيروز: بجد؟! قالتها بفرحة مهللة... ثم هدأت قليلًا لتردف: قصدي يعني ده بجد؟ صقر: ومالك غيرتِ نبرة صوتك ليه مش كنتِ فرحانة من ثواني. فيروز: مفيش بس خايفة لماما تعترض. صقر: سيبهالي أنتِ وملكيش دعوة أنا هقنعها بطريقتي. فيروز: لا أنا عرفاك لو حبت تضغط عليك وتستفزك هتقوم هابب فيها وفينا. صقر: هابب!!!
أنا بتتكلمي بأجور يا حبيبتي. فيروز: هههههههههه لا بكلم مجنون فيروز. صقر: فيروووز... أنا مبحبش الكلمة دي... قالها شبه غاضبًا. فيروز: ههههههه على فكره مش أنا اللي بأقول عليك كده مجنون. صقر: ماشي يا فيروز أخطبك ونتجوز بعدها وأعرفك مين هو المجنون. فيروز: إيه هتقتلني! صقر بابتسامة ونبرة ماكرة: هقتلك بس بطريقة تانية هبقى أقولك عليها بعدين لما نتجوز. فيروز بعدم فهم: لا يا حبيبي لازم أعرف ولا العمر ببعزقه وخلاص.
صقر: أنصحك بلاش تعرفي دلوقت. فيروز: لا قول. صقر: هههههههه ما بلاش... لو قولتلك خدودك هيبقوا زي الطماطم وهتقوليلي أنت قليل الأدب وسافل والكلام ده. أخيرًا أدركت ما يقصد فتفوهت: هااااا يا قليل الأدب... طيب لما تيجي بكره هقولهم أنا مش موافقة عليك. صقر: كذابة ده أنتِ موافقة وموافقة أوي كمان... يعني تقدري تبعدي عني خالص؟ فيروز: ما أنت عملتها الأيام اللي فاتت وهونت عليك.
صقر: ما يبقاش قلبك أسود بقي ما اتكلمنا وقولنا خلاص نقفل الموضوع ده ولا إيه. فيروز: طيب خلاص خلاص... ما قولتليش هتيجي إمتى بكره؟ صقر: مش لسه بتقولي إنك مش موافقة هاجي بقي أعمل إيه؟ ... قالها مازحًا. فيروز: كده؟؟؟ ما... لم تستكمل حديثها عندما دلفت والدتها: اقفلي عشان عايزة أكلمك في حاجة. فيروز شعرت بالإحراج: ألو أيوه هكلمك بعدين أوك... سلام... أغلقت المكالمة ثم أردفت: ينفع اللي حضرتك عملتيه كده يعني؟
آمال: آه ينفع لأنكم لسه مش مخطوبين رسمي... والمفروض تعززي نفسك عشان يحس بغلاوتك ويبقي مشتاق ليكي على طول. فيروز: يوووه بقي هندخل في أسطوانة كل يوم. آمال: براحتك وخلي دماغك الجزمة ده ينفعك وبكره هتقولي يارتني سمعت كلامك يا ماما... عمومًا كنت عايزة أتكلم معاكِ قبل ما عمك وابنه ييجوا. فيروز: اتفضلي سمعاكي. آمال: إيه قلة الذوق اللي عملتيها قدام جدتك وابن خالك.
فيروز: الموضوع ده بالذات ما يخصنيش دي مامتك أنتِ وأهلك وزي ما أنتِ ما كنتيش بتجيبيلي أي سيرة ولا حاجة عنهم اعتبريني لسه ما أعرفش حاجة. آمال: طيب والله يا... قاطعها رنين جرس المنزل لتنظر والدتها لها بامتعاض فخرجت إلى الردهة لتفتح الباب. حافظ: السلام عليكم. ما زالت تغط في سبات عميق فكم من ليال لم يعرف النوم طريقًا لأهدابها...
أخذت تتقلب على يمينها ويسارها وعلى الأرجح أنها ترى كابوسًا موحشًا من ذكريات تلك الأيام التي نالت فيها شتى ألوان العذاب... استيقظت وهي تصرخ صرخة مدوية سمعها كل من بالقصر... عااااااااااااااااااااااا...
فأخذت تنظر يمينًا ويسارًا تتفحص ما حولها حتى وقعت عينها على صورته المعلقة بطول الحائط المقابل للتخت فلما لا حيث لديه اضطراب الشخصية النرجسية التي تتفاخر بذاتها دائمًا ولا يتعاطف مع الآخرين ولديه ميول سادية فيتلذذ بتعذيب غيره كما فعل في تلك المسكينة... عندما سمع صراخاتها ركض وهو يصعد الدرج حتى وصل غرفته ودلف إلى الداخل ليجدها متكورة في نفسها وترتجف وعينيها تحدق بذعر نحو صورته. ضحك ساخرًا: هي صورتي بتخوف للدرجادي؟ ...
قالها لتلتفت إليه لتتزايد رجفة جسدها مع شهقات رعب وهي تسحب الغطاء لتدثر جسدها وكادت تغطي وجهها لأنها لا تريد أن تراه فأمسك بالغطاء ليجذبه بقوة ويلقي به في الأرض. أردف بنظرات الذئب: ما تهدي يا حلوة عفريت قاعد معاكِ أنا ولا إيه... الله يرحم ليالي الشقاوة اللي كانت ما بينا... قالها واقترب منها فوضع يده فوق بطنها فأردف: حتى الصغنن اللي جوه شاهد على كده. صرخت بوجهه وهي تلقي بيده من عليها: ابعد عنيييييييي...
ابعد عني بدل وقسمًا بالله هقتل نفسي واللي في بطني عشان أرحمه من واحد زيك معندوش ضمير ولا رحمة. أطلق ضحكة مدوية اخترقت أذنيها لتضع يديها عليهما: عارفة يا مايا يوم ما تفكري بس تنتحري مش هخليكِ تعمليها أصلًا لأن العذاب اللي شوفتيه ده كوم واللي ممكن تشوفيه بعد كده ده كوم تاني خالص... فاهمة يا بيبي... وبعدين ابني اللي في بطنك ده سيادتك هتقومي بالسلامة أنتِ وهو وأنا هاخده وهربيه بمعرفتي. مايا: ده بعدك...
ابني أنا واللي هربيه بعيد عنك ومش عايزة منك أي حاجة هاخده وهسافر في أي حتة بعيد عن وشك... قالتها بانفعال. رفع أحد حاجبيه ساخرًا: وحياة أمك!! أحب أعرفك أنتِ لو سافرتِ لجوف الأرض برضه لأجيبك ولا أنتِ ناسية أنا أبقى مين؟ مايا: حسبي الله ونعم الوكيل فيك. باسل: اشتمي وحاسبيني براحتك خلي رصيدك عندي يعلى... اللي مصبرني عليكِ بس اللي في بطنك والمصلحة اللي هتقضيها. توقف عند سماع طرقات الباب... باسل: مين.
الخادمة: الأكل يا سي باسل. باسل: ادخلي يا زوزو. لتدلف الخادمة التي ترتدي جيبًا سوداء قصيرة وضيقة للغاية وعليها قميص أبيض الذي يجسد مفاتنها... تتمايل بخصرها وهي متجهة نحو باسل الذي ينظر إليها كالذئب فوقفت أمامه لتضع صينية الطعام على الطاولة الزجاجية أمام الأريكة المخملية ذات اللون الأسود وتتعمد بأن تميل بجذعها للأمام... ومايا تنظر إليهما الاثنان بازدراء واحتقار لأنها استنتجت العلاقة بينهما. زوزو: تؤمر بحاجة يا سيدي؟
باسل: لا... خدي الباب في إيدك... قالها لتغادر وهي تتمايل وقبل أن تغلق الباب غمزت له بإحدى عينيها. نظر هو لمايا ليجد علامات الغضب على وجهها ليردف: إيه يا ميوي أنتِ بتغيري عليّ ولا إيه. مايا: بلا قرف أنا قرفانة من وساختك مش أكتر. زفر بغضب: بت أنتِ لمي لسانك وقومي عشان تطفحي عشان اللي في بطنك ده وعشان كمان بعد ما تخلصي هاخدك تقعدي في مكان تاني. مايا: أومال إحنا فين؟ باسل: زي ما أنتِ شايفة في قصر عمي المتواضع...
وبصراحة ببقى عايز أخرج أسهر شوية وخايف أسيبك لوحدك أجي ألاقي رجالة عمي مخلصين عليكِ ولا حاجة. ارتعبت: هو عمك عارف إني أنا هنا؟ باسل: آه وبيقول عليكِ زبالة وبلاش أقولك إيه تاني لتزعلي... قالها بسخرية. مايا: ده من ذوقك أنت وعمك. باسل: يا رب يسمعك عشان أخلص منك... يلا بقي مش هتحايل عليكِ قومي كلي. نهضت من على التخت بتثاقل فما زال الوهن يتملك من جسدها...
جلست على الأريكة لتتناول الطعام بنهم، فالحمل يجعلها تشعر بالجوع الشديد خاصة بسبب معاناة الأيام السابقة. في اليوم التالي... تعد آمال العديد من أصناف الطعام المختلفة، وتساعدها في ذلك كل من ليلى وفيروز. آمال: خلصتي شوي الفراخ يا فيروز؟ فيروز وهي تدير مقبض الفرن لتطفئه: أه يا ماما خلصت وسلقت المكرونة. ليلى: وأنا خلصت السلطة وطفيت على حلل المحشي. آمال: عقبال لما أطبخلك في يوم فرحك يا ليلى. نظرت
ليلى إلى فيروز التي قالت: ادعيلها يا ماما إن خطوبتها ما تتمش. آمال بامتعاض: ليه؟ كفى الله الشر. ليلى: ما بحبوش يا أمولة، وأمي غصباني على الجوازة دي وأنا نفسيتي زفت وربنا. آمال: ده أنا كده ليّا قعدة مع أمك. ليلى بقلق وتوتر: لا لا لا والنبي بلاش. آمال: بلاش ليه؟ ليلى خشيت من والدتها أن تقوم بإحراجها، كما أنها لا تعلم أنها لديهم في المنزل: أصل خالتي كده كده هتكلمها فما فيش داعي يعني.
آمال: طيب يا حبيبتي، عمومًا أنا موجودة أهو لو احتجتيني في أي وقت. ليلى وهي تقبلها في وجنتها: ربنا يخليكي ليّ يا أمولة يا عسل... يا ريتك كنتي ماما. آمال: ربنا يخليلك مامتك، هي ست طيبة وغلبانة بس عيبها واخدة كل حاجة عافية. فيروز: أمولة وعسل! تعالي يا أختي شوفيها من شهرين كنت ناقص أرمي صقر من البلكونة وأنا وراه. آمال ترمقها بغضب: ماشييي أحنا لسه فيها، وأنتِ عارفة كويس الكلمة هتبقى كلمتي وعمك يدوب هيكلموا في الاتفاقات.
فيروز: اعملي اللي تعمليه يا ماما، مش كل شوية هتزليني. ليلى: إيه يا أمولة أنا حسدتك ولا إيه هههههههه اهدوا يا جماعة وصلوا على النبي. آمال وفيروز: عليه أفضل الصلاة والسلام. آمال زفرت بقوة: أنا هروح أكلم جدتك أشوفها اتأخروا ليه. ليلى بتعجب: إيه ده يا فيرو أنتِ مش ستك أم أبوكي شبعانة موت من زمان. فيروز وهي تلوي فمها جانبًا بسخرية: ماما قصدها على مامتها. غرت فاها باندهاش: ده حصل إزاي يعني!!!
فيروز: بقولك إيه اطلعي من دماغي دلوقت، هبقى أحكيلك في وقت تاني. ليلى: طيب. عندما أتت ليلى كان خالد غير موجود حيث كان يؤدي صلاة الظهر بالمسجد، فها هو انتهى حتى وصل للمنزل وصعد الدرج حتى وصل أمام الشقة وطرق الباب عدة طرقات متتالية. فيروز وهي تغسل الصحون: روحي يا لي لي افتحي هتلاقي عمي أو ابنه.
لم تنتبه ليلى إلى الكلمة الأخيرة التي تفوهت بها فيروز فذهبت لتفتح الباب حتى تفاجأت، وهو يبتسم لها مازحًا: إيه ده دكتورة الكتاكيت! ليلى بابتسامة صفراء: أحسن من دكتور المجانين... قالتها على الرغم من نظراتها له تقول أشياء أخرى، فأرادت أن تقول له إنني اشتقت لك على الرغم من رؤيتك مرة واحدة لكنها كانت مرة بآلاف المرات، فكيف أحببتك من لقاء واحد فهل هذا هو الحب من أول نظرة. خالد: هفضل متذنب على الباب كده كتير؟
ليلى وتحولت ابتسامتها إلى الهدوء وبعض الخجل: اتفضل... قالتها لتذهب إلى فيروز. التي لاحظت أن الابتسامة لا تفارق محياها وخفقات قلبها تكاد مسموعة إليها. فيروز تنظر لها بنصف عين متعجبة: إيه ده الانشكاح اللي أنتِ فيه ده؟ ليلى: ها انشكاح إيه؟ فيروز: أه فهمت... يبقى اللي كان بيخبط خالد. رن هاتفها من داخل غرفتها. ليلى: روحي شوفي أستاذ صقر هتلاقيه بيرن عليكي.
تركت ما بيدها وركضت نحو غرفتها فألتقطت هاتفها من فوق الكومود لتفصل الشاحن من المقبس. فيروز: ألو أيوه يا حبي. صقر: عروستي الجميلة عاملة إيه؟ فيروز: عروستك طالع عينها من الصبح في المطبخ، وعملتلك فراخ مشوية أحسن من فراخ تكا نفسها. صقر: أموت أنا في حبيبي اللي مدلعني... تعرفي أنا من عشاق المشاوي. فيروز: وأنا كمان. صقر: وأنتِ كمان بتعشقيها؟ فيروز: أه. صقر: طيب وأنا؟ فيروز: لما تيجي هبقى أقولك.
صقر: ما فيش حتة تصبيرة لحبيبك؟ فيروز: خلاص بقى أنا مش لوحدي على فكرة. صقر: ليه مش أنتِ ومامتك وليلى بس؟ فيروز وتذكرت أنها لم تخبره بوجود خالد ومحمد وتخشى بالأخص وجود محمد فقالت: لا عمي وجدتي. صقر بتعجب: جدتك! فيروز: أه مامت مامتي. صقر: تصدقي إن أنا ناسي أسألك على حكاية محمد اللي طلع ابن خالك، وأنتِ بتقوليلي جدتك، وإزاي ما تعرفيش إن أهل مامتك عايشين. فيروز: دي حاجة خاصة بماما ما ليش دخل فيها...
قالتها لتشعر بالقلق فإنها لا تريد أن يعلم بماضي والدتها وهي بالأساس لا تعلم سوى نصف أسرار والدتها والنصف الآخر غير متوقع بالمرة، ستشاء الظروف فيما بعد أن تعرف كل الخبايا والأسرار. صقر: مالك يا حبيبتي صوتك حزين ليه؟ فيروز: ما فيش... أنا هقفل معاك عشان لسه ورايا حاجات كتير هعملها، وأول ما تخلص وتنزل كلمني عشان أكون جاهزة. صقر: حاضر يا روحي... خدي بالك من نفسك. فيروز: حاضر... سلام... قالتها فأغلقت المكالمة.
وذهبت لتنتهي من كل ما كلفتها به والدتها... ثم دلفت إلى المرحاض لتستحم ثم ذهبت إلى غرفتها وجلست معها ليلى التي كانت تساعدها لتتزين وترتدي ثوبها الرائع. يجلس بالشرفة شديدة الاتساع الملحقة بمنزله الموجود أعلى التل، حيث مكان شديد الروعة من الخضرة التي تحاوط المنزل في منظر خلاب تسر له العيون...
يجلس على المقعد المصنوع من الخوص ويمدد قدمه على مقعد آخر وبيده كأس من النبيذ يرتشف منه عدة رشفات وهو يتأمل الطبيعة الجبلية من مكانه... أخرج هاتفه من جيب سترته الجلدية ليفتح أحد الملفات الذي يضع لها رمز حماية حتى لا يراها أحد غيره... كتب الرمز السري لينفتح الملف فيتأمل صورها بتمعن كأنها حقيقية أمامه... فوضع هاتفه على المنضدة المجاورة له فأغمض عينيه وأرجع رأسه للخلف
فتنهد باشتاق وبصوت ثمل: وحشتيني أوي وحشتيني أوي أوي... لولا إن أنا هربان كنت زماني خدتك وعيشنا مع بعض وما فارقكيش ولا لحظة يا برنسيس. أوقف تفكيره رنين هاتفه ليفتح عينيه ويرى من المتصل فوجد رقم صديقه فأجاب بثقل: إبراهام. إبراهام: فينك بيبرس أنا مستنيك من بدري في النايت. بيبرس: ما ليش مزاج أسهر النهاردة. إبراهام: ليه روحت المعبد وتوبت! قالها ساخرًا. بيبرس: أنا مش رايق خالص لأي هزار، سيبني في حالي.
إبراهام: أوك يا صديقي بس أنا كنت عايزك في مهمة وأنت الوحيد اللي هتخدمنا فيها. بيبرس: أخدمكم مين؟ إبراهام: جهاز مخابرات بلدك يا بيبرس... والخدمة دي طالبها منك دانييل مزراح. بيبرس: الله يحرقه ويحرق أيامه، ده عايز مني إيه؟ إبراهام: لما هقابلك أقولك، ما ينفعش يا حبيبي في الفون، كله بيتراقب دلوقت والحاجات دي أسرار. بيبرس: أوك لما أشوفك بقى... شالوم.
أغلق المكالمة ليترك الهاتف ويدلف إلى الداخل وذهب ليدخل إلى المرحاض وفتح صنبور المياه ذو المصفاة متعددة الثقوب لتنهمر المياه فوق رأسه حتى يفيق من تلك الثمالة وإلى أن انتهى حتى استعاد وعيه وتركيزه فذهب لغرفته وأبدل ثيابه ليبحث عن هاتفه فتذكر أنه بالشرفة... فذهب ليأخذه فوجد رقم متصل وبجانبه كلمة إيجيبت بالإنجليزية فعلم أنه الرجل الذي كلفه بمراقبتها. بيبرس: ألو في جديد؟
الرجل: أه يا باشا عندهم ناس ولسه طالع حالا الواد الظابط بتاع عملية جبل الحلال. بيبرس: وده بيعمل إيه؟ الرجل: ده لابس اللي على الحبل ومتشيك ومعاه بوكيه ورد وعلبة شيكولاتة ومعاه حتة بت إيه فورتيكة عايزة تتأكل أكل. بيبرس: هههههههه دي تبقى أخته يا بأف... خلاص خليك مراقب الدنيا زي ما أنت وبلغني أول بأول. الرجل: اعتبره حصل يا باشا. بيبرس: يلا سلام.
أغلق المكالمة ليجز على أسنانه حتى اصطكت بعضها فوق بعض ووجهه مقتضب بشدة ليتناول كل ما أمامه من كؤوس فارغة وزجاجات الخمر ويلقي بها بقوة لتصبح حطامًا ليزمجر كأنه زئير الليث: أوعدك يا سيادة النقيب إن ما هخليك تتهنى عليها أبدًا وهاخلص من اللي أنا فيه وهتكون ليّ أنا بس. قالها ليدلف إلى الداخل واتجه نحو الطاولة الرخامية (البار) ليأخذ قنينة من الخمر ويحتسي منها بنهم...
تاركًا هاتفه على الطاولة الذي ما زال مفتوحًا على صورها... وبالأخص تلك الصورة التي التقطها لها عندما كانت مختطفة لديه وهي غائبة عن الوعي حيث قد جردها من جميع ثيابها تمامًا ليصبح جسدها عاريًا والتقط لها العديد من الصور وهي نائمة كالحور. في منزل فيروز... وخاصة في الردهة حيث يجلس حافظ وبجواره نجله خالد والجهة الأخرى الحاجة زهرة وابن نجلها محمد... ويجلس أمامهم صقر وشقيقته رنيم وبجواره إياس الذي وصل متأخرًا للتو...
خرجت آمال مرتدية ثيابًا أنيقة... وبترحيب مبتسمة: يا أهلًا وسهلًا نورتونا يا جماعة. جميعهم: ده نورك يا أم فيروز. خالد: ده العريس هو اللي منور القعدة كلها، اليوم يومه بقى، قالها ثم ابتسم ليبادله صقر ابتسامة صفراء... لأنه كان لا يعلم بوجوده ولا بوجود محمد الذي قطع علاقته به تمامًا منذ فترة. حافظ: طبعًا حضرتك يا صقر بيه عارفنا كويس أنا وابني. صقر باحراج: أحم... أه طبعًا عارف حضراتكوا وليّ الشرف...
ويا ريت ما تزعلوش مني ده واجبي المهني ولو عملت عكس كده يبقى ما استحقش اللي أنا فيه دلوقت. حافظ: طبعًا يا ابني أنا مقدر ده. صقر: هدخل في الموضوع على طول بدون أي مقدمات، طبعًا طنط آمال عارفة شغلي وظروفي المادية الحمد لله، غير إن والدي الله يرحمه سايب لنا أملاك كتير وشراكة ما بينا وبين رجل الأعمال المعروف صلاح السويفي. قالها بينظر محمد بامتعاض متعجبًا من ذلك.
أردف صقر: فأنا يشرفني يا عمي أطلب إيد الآنسة فيروز على سنة الله ورسوله. حافظ: وشرف لنا طبعًا أحنا كمان إن بنتنا تكون زوجة ليك، بس طبعًا لازم نسمع موافقتها. فيروز وليلى بالداخل تسترقان السمع... لتنفرج أساريرهما ويهللا بصوت منخفض. ليلى: ألف مبروك يا قلبي. فيروز وكادت تدمع عينيها: الله يبارك فيكي يا لي لي، عقبالك مع الإنسان اللي بتحبيه. ليلى: ياااارب يا فيرو يا رب... آمال
وهي تطرق على باب الغرفة: فيروز يلا عشان عايزينك بره. فيروز وشعرت كأن قلبها سيقف من شدة خفقاته: لي لي كل حاجة مظبوطة؟ الميك آب وشعري والفستان حلو؟ ليلى: الله أكبر عليكي، عايزة تتبخري، ربنا يحميكي من العين... فيروز كانت مرتدية الثوب الذي اشتراه لها صقر، وكانت ترتدي حذاء أحمر قاني مخملي، وترفع شعرها لأعلى في شكل فني جذاب ليتدلى منه خصلات على جبهتها لتجعلها أكثر جاذبية وجمالًا، ووضعت القليل من مساحيق التجميل.
تنهدت وهي تأخذ أنفاسها بصعوبة، ووجنتاها شديدتا الحمرة من الخجل. فتحت باب الغرفة لتتقدم بخطوات هادئة تحت أنظارهم جميعًا، وكان حال كل منهم كما يلي: خالد منبهرًا بجمالها لكنه يحمل مشاعر الأخوة تجاهها. محمد كان يتمنى أن تلك الحورية تكون من نصيبه وله فقط، فإنه ينظر لها بنظرات لاحظها كل من آمال وجدته التي تمنت ذلك أيضًا. بينما صقر حدق بها كأنها الجنة بعينها، غير مصدق هل كل ذلك الجمال له وستكون زوجته؟
تمنى لو أخذها وذهب بها نحو مكان لا يوجد به سواهما فقط. قاطع تلك الأجواء صوت حافظ: إيه يا فيروز عايزين نسمع ردك. فيروز: اللي تشوفه يا عمو... قالتها وهي تنظر لأسفل بخجل. حافظ: يبقى على بركة الله ونقرأ الفاتحة. صقر: بس أنا كنت عايز أطلب من طنط آمال إن هتكون الخطوبة ومعاها كتب كتاب. آمال التي كانت تراجع في نفسها ما تخطط إليه: لأ طبعًا هي خطوبة بس، وأول ما تتخرجي هتتجوزوا.
صقر: أنا كان قصدي عشان لما أخرج معاها أو أقعد معاها ما يبقاش فيها حرمانية. آمال: ما أنتم هتخرجوا براحتكم بس هيبقى معاكم محرم. نظر لها كلا من صقر وفيروز لتردف آمال: خالد هيكون معاكم وأهو في مقام أخوها. رنيم بابتسامة: أخوها إزاي يا ماما آمال؟ وده ابن عمها يعني يجوز لها مش من محارمها. آمال: أنا قلت اللي عندي ولو مش عاجبه خلاص يستنى لما تخلص الترم ده، بس طبعًا ممنوع أي اتصال أو يشوفوا بعض.
إياس: إيه مالكوا قفشتوا كده ليه؟ على فكرة يا صقر طنط عندها حق... لينظر له وهو يغمز بعينه. جز صقر على أسنانه وهو يحاول تهدئة نفسه من الغضب: حاضر اللي حضرتك تؤمري بيه. رمقته بامتعاض: خلاص نبقى نقرأ الفاتحة كده. حافظ: صدق الله العظيم، قالها بعدما انتهوا. تعالت زغاريد من الحاجة زهرة ومن آمال ليهنئون جميعهم فيروز وصقر في تهليل ومباركات... لتدمع عينا آمال من الفرح لأنها ترى ابنها قد كبرت وأصبحت عروس.
_وصلت برفقته إلى منزل في مكان نائي... ليدلفا إلى الداخل. باسل: واقفة عندك ليه ولا عايزاني أشيلك وأدخلك؟ مايا وهي تتفحص المنزل لتشعر بانقباضة في قلبها: باسل. باسل: نعم عايزة إيه؟ مايا: حرام عليك اللي أنت ناوي تعمله فيها، أنت مش خايف من ربنا؟ زمجر ليقول بنبرة تهديد: جرى إيه يا ست الشيخة؟ شكلك عايزة تتشتمي وتتهزأي. رمقته باحتقار: طيب هنعمل إيه دلوقت؟ اعملي زي ما قلتلك في العربية بالضبط.
بينما في منزل سيلين كانت تجلس في الحديقة تغمض عينيها لتستمتع بنسمات الهواء التي تداعب خصلاتها ووجنتيها... تتذكر ما حدث بالأمس لتشعر برجفة في جسدها من الخجل... رن هاتفها لتشعر بانقباضة جعلت القشعريرة تسري بجسدها فأجابت: ألو مين؟ مايا: أيوه يا سيلي أنا مايا. سيلين: ده رقم مين ده؟ مايا: ده رقم لسه شارياه جديد... المهم كنت عايزاكي بسرعة بالله عليكي. سيلين: مالك يا بنتي قلقتيني عليكي.
مايا: تعبانة أوي يا سيلين والحتة اللي ساكنة فيها ما عرفش فيها دكاترة ومعيش عربية وخايفة. سيلين: بس الوقت... قاطعتها مايا: بليز يا سيلي أنا محتاجاكي أوي مليش غيرك. سيلين: أوك... الحمد لله شهاب هيبات في الشركة الليلة... وأنا هتصرف وهحاول أزوغ من السيكيورتي اللي قرفني في أي مشوار ده. مايا: حاضر وأنا مستنياكي ما تتأخريش بالله عليكي. سيلين: أوك سيبيني بقى أروح أغير هدومي بسرعة عشان ألحقك. مايا: أوك باي. أغلقت
المكالمة ليبتسم الآخر: هههههههههه الله عليكي يا بت يا ميوي ده أنتي ممثلة بارعة. مايا وترمقه بسخط: منك لله زي ما خليتني أخون صاحبتي وأشارك في اللي هتعمله فيها. باسل كاذبًا: ما يبقاش قلبك رهيف يا ميوي، دي كلها كام صورة عريانة ليها بس أهددها بيها كل شوية. مايا: وهتستفاد إيه وهي يعتبر متجوزة؟ باسل: ما تلميش فيه وخليكي في حالك... وخدي بالك لما تتصل بيكي. أبدلت ثيابها وأخذت حقيبتها الجلدية...
فخرجت إلى الشرفة حتى جاءت إليها فكرة ماكرة... خرجت لتهبط الدرج وذهبت إلى اللوحة المفاتيح الكهربائية الرئيسية للمنزل كله بالحديقة والبوابة الإلكترونية التي تركها الحارس الخاص بها وذهب إلى المرحاض ونسي إغلاقها تمامًا. قطعت سيلين الكهرباء عن كل مكان بداخل وخارج المنزل فتسللت ولم يراها أحد حتى وصلت إلى البوابة فتنفست الصعداء عندما وجدتها مفتوحة ومواربة... خرجت وظلت تركض حتى ابتعدت عن المنزل واستقلت سيارة أجرة خاصة...
ثم اتصلت بمايا التي جعلتها تخبر السائق بالعنوان ليذهب بها هناك في غضون نصف ساعة... ترجلت من السيارة لينقبض قلبها رهبة وخوف من ذلك البناء الموحش والمنطقة النائية التي لو قتل أحد ما فيها لا يشعر به الآخرون حتى يأكله الدود إلى أن يصبح ترابًا... دلفت إلى الفناء لتتجه إلى المصعد لتجد ورقة معلقة عليه بالخارج مدون عليها... مغلق للصيانة. سيلين: إيه الحظ ده أنا لسه هطلع الدور العاشر الله يسامحك يا مايا...
ليفزعها صوت رنين هاتفها لتجد شهاب المتصل فأجابت والقلق يتملك منها: ألو أيوه يا حبيبي. شهاب: عاملة إيه دلوقت؟ سيلين: قاعدة في الجاردن بشم شوية هوا. شهاب: طيب خدي بالك من نفسك عشان زي ما قلتلك الصبح أنا هبات. سيلين: أوك يا حبيبي تيجي بالسلامة... فوجدت مايا على الانتظار... فأردفت: طيب أنا هقفل دلوقت عشان معايا ويت. شهاب: مين الـ... لم يكمل حتى أغلقت على الفور لتجيب على مايا.
سيلين: أيوه أنا تحت البيت وهطلع السلم عشان الأسانسير الزفت ده عطلان سلام بقى. شهاب بعدما أغلقت معه بدء القلق يسري في قلبه ليشعر أن نبرة صوتها كانت كما تخبئ شيئًا ما لا تريده أن يعرفه... فقاطع تفكيره اتصال أحد حراس المنزل. شهاب: ألو نعم.
الحارس: الحق يا شهاب بيه النور كان فاصل من الفيلا والجنينة حتى البوابة، ولما عرفنا إنه فاصل من لوحة الكهربا بفعل فاعل جريت أطمن على سيلي هانم ليكون دخل حرامي ولا حاجة، قلبت عليها الفيلا وكل حتة مش موجودة. بغضب عارم وصوت مدوٍ: إزاي مش موجودة يا كلاب أومال أنتم لازمتكم إيه؟ ارتب الحارس: والله يا بيه ما كانش فيه حاج... لم يكمل حديثه ليغلق شهاب المكالمة على الفور...
فأخذ أشياءه الخاصة من الهاتف ومفتاح التحكم بسيارته ونزل مسرعًا ليتجه نحو المنزل... وظل يهاتفها لكن كانت الشبكة منعدمة من هاتفها لعدم وجود دعم في هذه المنطقة لتلك الشبكة... أخذ يضرب المقود بقوة وأخذ يسب ويلعن ما حدث. وصلت بعد معاناة إلى الطابق العاشر لتجد باب المنزل مفتوحًا فخشيت أن يكون حدث لصديقتها مكروه...
فركضت إلى الداخل وكادت تنادي عليها ليأتي من خلفها ذلك الشيطان وهو يضع على فمها وأنفها محرمة قطنية ممتلئة بالمخدر... أرادت أن تقاوم لكن تعب صعود الدرج مع المخدر الذي يكممها به كفيلان لسقوط جبل... لتفقد وعيها بين ذراعيه...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!