الفصل 28 | من 57 فصل

رواية عشق الفيروز "لا تظلمني" الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ولاء رفعت

المشاهدات
22
كلمة
4,399
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 49%
حجم الخط: 18

تنهد فارس: أي فهمت منيح، لكن بدي منك طلب أخير. فيروز: اتفضل. فارس: ممكن تقفي؟ تعجبت فيروز: ليه؟ فارس: اقفي وأنا بأقول لك. رضخت لطلبه فوافقته، ثم نهضت لينهض هو الآخر، وفاجأها بمعانقته لها ليقول من خلال ذلك العناق إنه الوداع الأخير بينهما. وما زال صوت قرع الخطوات مستمرًا، خطوة تلو الخطوة حتى وصل إلى المكان ليتوقف فجأة ويسبقه مناداة اسمها بصوت مثل العاصفة التي تقتلع كل شيء من جذوره: فيرووووووووووووووووز!

لحظة سكون يعلوها صوت خفقات القلب المرتعد من هول ما سيحدث. التفت إليه فارس الذي حدق به متحديًا إياه، ولا يعلم ما هو مصيره الذي ينتظره. ها هو صقر لم يشعر بيده التي امتدت لسلاحه الذي يحمله معه دائمًا في جيب بداخل معطفه. وضعه في وضع الإطلاق وقام بشد أجزائه ليضع سبابته على الزناد.

هي الدماء قد هربت من عروقها، لا تصدق هل سيقتلها حقًا أو سينتقم من غريمه الذي خشي عليها من تهور حبيبها، ليلتفت إليها ويحاوطها ليقوم بحمايتها، حيث يولي ظهره إلى من صوّب نحوه وأطلق لتخرج من فوهة السلاح رصاصة استقرت في عموده الفقري، وعلى صرخاتها المدوية التي تجمّد عليها كل من بالمكان. فيروز بكل قوتها: صقر لااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا!

انتفض جسده ليرتمي بين ذراعيها متشبثًا بها وتخور قواه وقدميه غير قادرة على الصمود، ليهبط وهو ما زال متمسكًا بها، ونظر لعينيها قائلًا بصوت يكاد يسمع من الوهن: أنا بحبك فيروز، وبضل بحبك حتى وأنا عم بموت، وأجمل شيء أنا بموت بين إيديكي حبيبتي. قالها بكل مشاعره وجوارحه حتى توقفت الكلمات في حلقه وبدأت أهدابه العليا في الإغلاق رويدًا رويدًا.

صقر كان يقف كالتمثال من صدمة ما حدث ومن ما اقترفت يداه، كان بعالم خاص به لم يستوعب ما يجري إلا أن شعر بأياد تجذبه من ذراعيه يحركونه من مكانه لإلقاء القبض عليه. بينما هي ظلت تصرخ وتبكي على الذي بين يديها، ومصدومة في من أحبته، هل الغيرة أوصلته إلى حد الجنون بأن يزهق روحًا بدون عقل أو تفكير؟ جاء رجال الإسعاف مسرعين وهم يحملون السرير المتنقل ليضعوه جانبًا، وأحدهما تفحص فارس ليقيس نبضه.

الرجل: الحمد لله لسه فيه نبض بس بطيء، ارفعوا معايا بسرعة. قالها ثم حمله هو والرجل الآخر ليركضوا به نحو سيارة الإسعاف ليضعوه بداخلها. فنهضت هي لتذهب خلفهم وكادت تصعد بداخل السيارة. رجل الإسعاف: حضرتك تقربي له إيه؟ فيروز: هو مديري في الشغل. نظر لها الرجل لبرهة ثم أردف: طيب يلا اطلعي بسرعة. فصعدت على الفور وغادرت السيارة متجهة إلى إحدى المشافي التابعة للشرطة. ***

في حي السيدة زينب بالقاهرة، يجلس خالد بالشرفة على مقعد خشبي وأمامه منضدة شاغرة، ومتجه نحوه صديقه الذي يحمل صينية متراصة عليها أطباق مليئة بمختلف الأكلات. تيمور بابتسامة: وسّع وسّع، أجمد طاجن فتة كوارع ومحشي ممبار لأجمد دكتور مجانين في البلد. خالد الذي يضحك بصوت جلي: الله يخرب عقلك، لسه زي ما أنت متغيرتش. تيمور: والله بيتهيألك يا صاحبي، أنت متعرفش حاجة.

خالد: ليه يا ابني مش أنت أبوك أول ما اتخرجنا جابلك واسطة عشان تشتغل؟ تيمور: متفكرنيش بالذي مضى، مد إيدك أنت وكول قبل ما الأكل يبرد، دي من إيد خالتك أم تيمو. خالد: تسلم إيدها، ها ما قلتليش عملت إيه بعدها؟

تيمور: مفيش غير إن صاحبك كان هيموت من الفرحة إن أنا كنت هتعين في العباسية، وقلت هبقى دكتور أد الدنيا، طبعًا من حظي الفقري كالعادة حصلت ظروف في البلد والثورة قامت وناس مشيت وناس جت، والأنيل من كده إن الراجل صاحب الواسطة مات لما كان في ميدان التحرير. خالد: لا حول ولا قوة إلا بالله.

تيمور: كانت بنته هناك مع اللي نزلوا الميدان، وراح يدور عليها، فبيسأل شاور له على مجموعة ناس ملمومة في شكل دايرة راح بعيد عنك لقى بنته جسمها مليان خراطيش وواخدة طلقة في قلبها. طبعًا مستحملش الصدمة قام طب ساكت. خالد: ربنا يرحمهم برحمته يارب.

تيمور: بس يا سيدي، طبعًا زي ما قلتلك ناس جديدة جت والنظام اتغير في الإدارة، وورقي متقبلش، وعشان أفتح عيادة خاصة عايز بنك مركزي أموّل منه عشان أأجّر شقة حتى وأدفع كهربا ومية، ده غير الضرايب اللي هتبقى بتمن الشقة. خالد: إيه ياعم الإحباط اللي أنت فيه ده؟ تيمور: والله يا خالد من كتر الإحباط والاكتئاب اللي الواحد عايش فيه بقيت مريض نفسي مش دكتور، شفت بقى!

خالد: بص يا تيمور، يمكن كلامي مش هيعجبك بس نصيحة أخوية، متستناش الحاجة تيجي لحد عندك، كافح وعافر لغاية ما تحقق اللي أنت عايزه، مش معقولة الناس المشهورة في أي مجال كده أول ما اتخرجوا طلعوا على الشهرة على طول، بالعكس بدءوا من الصفر واتمرمطوا وخلوا إيمانهم بربنا كبير وفضلوا يكافحوا لحد ما وصلوا للمكانة اللي بقوا فيها. عندك مثلًا على سبيل المثال عميد الأدب العربي طه حسين الله يرحمه ربنا خد منه نعمة البصر وكان معدي تحت خط الفقر بكتير، ده غير ظروف البلد وقتها، واتولد في بيئة مليانة بالجهل والخرافات، لكن ربنا أداله نعمة البصيرة ونعم كتير استغلها لحد ما بقى من أعظم الأدباء ومكنش واخد إعاقته ولا ظروفه حجة عشان يفشل. فهمت عايز أوصلك إيه؟

تيمور كان يفتح فاهه بعدم الاستيعاب ليردف: واد يا خالد أنت بقيت مثقف من إمتى؟ قالها ثم ضحك. خالد: تصدق إن أنا غلطان عمال أنصح وأفهم في واحد مستهتر زيك. تيمور: هههههههه خلاص يا عمنا بضحك معاك. خالد: والله ليهم حق ما يقبلوش ورقك، ده كنت خليت العاقلين اتجننوا والمجانين ينتحروا. تيمور: مقبولة منك يا خلود. خالد بعدما انتهى من تناول الطعام: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا. تيمور: أنت لحقت تاكل؟

أنجز ياعم خلص الطاجن ده بدل ما أجيبلك أمي تنفخك. خالد: لا الحمد لله كفاية كده مش قادر، أنت كمل جميلك وقوم اعملنا كوبيتين شاي عشان ألحق أتوكل وأشوف مشواري. تيمور: أنت رايح فين؟ خالد: رايح لواحدة قريبتي. تيمور وهو يغمز له: على بابا يالا؟ خالد: يعني أنت تعرف عن صاحبك كده؟ تيمور: بصراحة لاء، والله الكل يشهد بأدبك وأخلاقك، عارف لولا البت عائشة أختي متجوزة كنت جوزتهالك.

خالد: هههههههههه وربنا أنت مصيبة وملهاش حل، قوم يا تيمور ربنا يهديك. نهض تيمور وحمل معه صينية الطعام وذهب للمطبخ وجلب معه صينية عليها كوبين من الشاي. خالد: أنت لحقت تعملوا؟ أوعى تكون من مية السخان ياض. تيمور: ليه هو أنا معفن يالا، أنا كنت بأدي لأمي الصينية لقيتها بتديلي الشاي. خالد: معلش والله تعبنها معانا. تيمور: بطل يالا ولا تعب ولا حاجة، والله أنا فرحت أوي لما كلمتني وقلتلي إنك هنا.

احتسى خالد الشاي ثم ارتشف شربة ماء فنهض وهو يأخذ هاتفه ومحفظته من المنضدة: همشي أنا بقى يا صاحبي. تيمور: طيب اصبر هلبس 5 دقايق وجاي معاك. خالد: معلش يا تيمور شايلك لوقت عوزة، خليني أروح أنا خفيف خفيف. تيمور: بس كلمني قبل ما تمشي حتى أجي أوصلك للأتوبيس. خالد: حاضر يا صاحبي، يلا سلام عليكوا. قالها وذهب وأوصله صديقه عند باب المنزل بعد مصافحته. ثم نزل إلى الشارع واستقل سيارة أجرة إلى عنوان منزل فيروز. ***

بداخل رواق طويل ذو سقف متعدد الإضاءة الشديدة التي توغلت من بين أهدابه، فبالطبع إنه غير قادر على الحراك لكن يشعر بكل ما يحدث حوله، وباهتزازات السرير المتنقل المتمدد جسده عليه وتدفعه الممرضات نحو غرفة العمليات. الطبيب: النبض لسه شغال. الممرضة: والضغط يا دكتور 60 والحرارة منخفضة خالص. الطبيب: طيب يلا بسرعة على أوضة العمليات.

دلفوا جميعهم إلى الغرفة ثم أغلقوها، وكانت هي بالخارج تبكي بشدة وتدعو الله بأن ينقذه. عينيها كانتا تنظران للأسفل شاردة في كل لحظة ما حدث منذ قليل. أفاقت من شرودها عندما سمعت صوته الذي تميزه من بين آلاف الأصوات، فانتبهت له لترفع عينيها لتتقابل مع عينيه لترمقه بأشد نظرات حادة لديها. فاقترب منها لتصرخ في وجهه: ابعد عني. قالتها ثم ابتعدت عنه قليلًا. صقر وترقرقت عبراته في عينيه وبنبرة ندم: أنا مش عارف عملت كده إزاي!

بس أنا لما شفتكوا... قاطعته بصراخ: ودي يديك الحق إنك تقتله من غير ما تفهم في إيه الأول؟ ولا هو كالعادة إيدك سابقة عقلك؟ صقر شعر بالغضب لكنه أخفاه حتى لا يزيد من سخطها عليه فأردف: حطي نفسك مكاني لو لقيتيني واخد واحدة غيرك في حضني هتعملي إيه؟ فيروز بحدية: طبعًا هأغير بس مش هأقتل، أرواح الناس مش لعبة يا حضرة النقيب. صقر وهو يجز على أسنانه ويشد على قبضة يده وبصوت هادئ: حاضر يا فيروز، أنا مش هأكلمك دلوقت وهاسيبك لما تهدي.

رمقته بسخط ولم تجب عليه. خرجت الممرضة من الغرفة مسرعة وبصوت جلي: يا جماعة حد من أهل المريض هنا؟ اندفع صقر التي سبقته فيروز نحوها وقالت بنبرة خوف: هو عامل إيه؟ الممرضة: ادعوا له ربنا يقومه بالسلامة بس إحنا محتاجين نقل دم ليه وفصيلته مش متوفرة عندنا. صقر بصوت أجش: هي فصيلته إيه؟ الممرضة: O موجب. صقر: أنا نفس الفصيلة. الممرضة: طيب يا فندم تعالى حضرتك معايا ناخد عينة وبعد كده نسحب منك الدم.

نظرت له فيروز بتعجب ليرمقها بطرف عينيه وتركها وذهب خلف الممرضة. مر حوالي أكثر من 8 ساعات وما زالت تنتظر في الرواق. صقر أتى من الخارج ويحمل كيس مليء بالطعام ويعطيه لها: اتفضلي. فيروز نظرت له بصمت ثم أردفت: شكرًا مش عايزة. صقر يحدق في عينيها ووجهها الشاحب فقال لها بنبرة هادئة وهو يحذرها: مش عايزاني أتهور؟ خدي الأكل وكلي. فيروز بصوت مرتفع وبغضب: إيه هتضرب عليا نار بالمسدس؟

غضب من كلماتها فألقى ما بيده جانبًا بقوة وكاد يذهب من أمامها قبل أن يرتكب حماقة أخرى فتوقف عندما خرج الطبيب الجراح المسؤول عن حالة فارس. صقر ركض نحوه: خير يا دكتور؟ الطبيب بملامح يبدو عليها الحزن والأسف: إحنا عملنا اللي علينا والباقي من توفيق ربنا بس... *** في شقة حافظ، تجلس آمال على الأريكة المواجهة للمقعد الجالس عليه ابن أخيها. آمال: يا ترى عايز مني إيه يا ابن حماد؟

محمد بتوتر: ليه حضرتك مش عايزة تصدقيني إن بابا ما يعرفش أصلًا إني عرفت مكانك وبأقابلك؟ آمال وهي ترمقه: وهو لسه ناوي يكمل ظلمه فيا؟ محمد بتعجب: مش فاهم. آمال تنهدت ثم أردفت: شكلك ما عندكش علم بالماضي. محمد: أنا جيتلك يا عمتي عشان عايز أسمع منك هل كلام بابا صح عنك؟

آمال: أبوك ظلمني أوي يا محمد، لما كان عايز يجوزني لعمدة بلدنا اللي كان أكبر مني بـ 25 سنة عشان أجيب له الولد اللي نفسه يبقى خليفته من بعده، وأنا كنت وقتها زي أي بنت في سني بتحلم تتجوز بشاب قريب من سنها يفهمها وتفهمه.

فلما جاء اليوم الذي كنت راجعة فيه من عند خالتي، لاقيت المأذون قاعد بيكتب الكتاب. ما حستش بنفسي غير وأنا بأجري لحد ما طلعت ع الطريق الرئيسي، وركبت أول عربية قابلتني في السكة لحد ما نزلت القاهرة. وهناك اتعرفت ع ست كبيرة طيبة قوي، اتوسطت لي عند جماعة مبسوطين عشان أشتغل عندهم، وكنت بأتصل ع خالتي بأطمن ع أمي وأبويا وكمان أخويا اللي كان بيبيعني بالرخيص. محمد: ياااه يا عمتي، للدرجادي بابا كان قاسي عليكي؟

آمال: أبوكي من ساعة ما اتولدت وكان بيعتبرني عار ولازم يتخلص منه، فحب يرميني الرمية السودا دي. محمد: طيب فين جدي وتيتا وإزاي سامحين بكده؟ آمال بابتسامة ساخرة: ما كانتش فارقة مع أبويا، لكن أمي اللي بكيت عليها جامد لأنها كانت الوحيدة اللي بتقف جنبي ديما، لكن كانت بتخاف من أبوكي قوي كأنه أبوها مش ابنها. محمد: مش نفسك تشوفيهم؟ آمال بنظرة حزينة: أمي وأبويا وحشوني قوي، يا ترى لسه فاكريني ولا نسيوني؟ محمد: أومال فين بنتك؟

شعرت بالقلق من سؤاله عن ابنتها، فقالت: وعايز منها إيه؟ محمد مبتسمًا: عايز كل خير يا عمتي... بصراحة أنا شوفتها في حفلة الفترة اللي فاتت وما كنتش أعرف عنها أي حاجة غير إنها بتشتغل في بيوتي سنتر بتاع واحد صاحبي، لكن ما أعرفش إيه اللي شدني ليها قوي كده، ولما عرفت عنك كل حاجة عرفت إنها بنتك فرحت قوي. آمال: يعني أنت عايز... ليقاطعها محمد بصوت جلِي: عايز أتجوز فيروز. ***

بداخل أحد المطاعم المُطلة على النيل، يجلس كلا من إياس ورنيم على الطاولة. إياس: نفسي أفهم دلوقتي بتعيطي ليه؟ رنيم وهي تبكي: وهو اللي حصل ده سهل؟ إياس يزفر بقوة: أستغفر الله العظيم يا رب... أنتِ شايفاني عيل كاورك ولا إيه بالظبط؟ لما أشوف واحد كان بيقولك كلام وسـ... زي ده وكمان بيمد إيده عليكي، عايزاني أضرب له تعظيم سلام وأقوله كمل يا نجم براحتك؟ صمت ثم ألقى بمفاتيح سيارته

على الطاولة بعنف ثم أردف: أوووف حاجة تحرق الدم والله. رنيم وهي تكفكف عبراتها: طيب وبالنسبة لصقر اللي زمانهم بالتأكيد بلغوه بالفضيحة اللي حصلت، أعمل معاه إيه دلوقت؟ مسح كفيه بوجهه بضيق: وأعمله إيه أخوكي القفل ده، ما أنتِ عارفة إحنا من ساعة اليوم الزفت وإحنا ما بنتكلمش بعض، حتى في القسم بأخلص وبأمشي قبله عشان ما نتقابلش ونمسك في بعض.

رنيم: ما هو برضو عنده حق، ما أنتِ عارفة دمه حامي ومتهور، أحمد ربنا إنه ما فرغش مسدسه في دماغي أنا وأنت. إياس: يعني دلوقت أنا اللي غلطان؟ يعني صاحب عمري زعلان مني وممكن نخسر بعض بسبب حضرتك، وفي الآخر أطلع غلطان! رنيم: على فكرة أنا ما قولتش كده خالص، ولا أنت بتفسر على مزاجك؟ وشكرًا قوي يا أستاذ إياس على كلامك، وطلعتني أنا اللي بأخسرك صاحبك. إياس بنزق: وآخرة الحوار اللي عمالين فيه بندور في دايرة ما بتخلصش؟

رنيم: آخرتها إن أنت وأخويا كرهتوني في الخروج وعقدتوني من صنفكم ومن الحياة كلها. قالتها بصوت مرتفع. إياس ويجز على أسنانه: وطّي صوتك يا رنيم. رنيم: أوطّي ولا أعلّي ما بقتش تفرق، حاجة تقرف. إياس يرفع إحدى حاجبيه سخطًا: هي بقت كده؟ ماشي... بس حلال فيكي اللي بيعمله صقر معاكي. رنيم وقد بدا الغضب على ملامحها لتنهض وهي تقول: شكرًا وكفاية لحد كده. وهمّت بالمغادرة فنهض وأمسك بيدها: هو أنا شفاف قاعد معاكي ولا إيه؟

مش هتمشي غير رجلي على رجلك. رنيم وقد تذكرت أمر فيروز التي تركتها بمفردها فضربت كفها على جبهتها كدليل على التذكر: يا خبر أبيض أنا نسيت فيروز في النادي خالص، دي زمانها قلبت عليا الدنيا هناك. إياس: طيب يلا تعالي نروح نجيبها وأوصلكم على البيت. وقد همّا بالذهاب لكن رنّ هاتفه ليجيب: ألو... أنت متأكد؟ إزاي ده حصل؟ طيب أنا رايح على المستشفى حالًا أنا أعتبر جنبها... سلام.

أغلق المكالمة ثم زفر بقوة: يا دي المصيبة السودا اللي أخوكي لبسها. رنيم بذعر: ما له صقر؟ حصل له إيه؟ إياس: مش أخدتي فيروز معاكي النادي؟ خدي بقى عندك... أخوكي كلموه عشان الخناقة بتاعتي، فلما راح لقاها واقفة في الكافتيريا هناك ولقى واحد واقف معاها، طبعًا كعادته اتهور لكن فلتت منه ومسك المسدس وضربه، خدوا الراجل على المستشفى وفيروز معاه، وصقر مسكوه بس راح على المستشفى لحد ما يتفتح التحقيق ويحققوا معاه. وضعت

يدها على فمها في ذهول: طيب مستني إيه؟ تعالي نروح لهم. إياس: يلا تعالي عشان تخلي بالك من فيروز، زمان أخوكي بينفخها. ذهب الاثنان مسرعين إلى أن خرجا من المطعم ليعبرا الطريق إلى أن وصلا للجهة الأخرى ليجدا المشفى أمامهما ثم دلفا إليه. *** خفق قلوبهما بشدة وانحبست الأنفاس...

حتى أردف الطبيب: إحنا طبعًا لحقناه على آخر لحظة وعملنا كل ما يمكن، والحمد لله ربنا كتب له عمر جديد، بس هو في مرحلة الخطر دلوقتي وهيتنقل للعناية لمدة 48 ساعة لحد ما يفوء. شعرت هي وهو بالراحة عندما اطمأنا على حالته. الطبيب: بس في حاجة للأسف، الرصاصة اللي جت له في عموده الفقري أصابت الخلايا العصبية فبالتالي هتأثر على حركة المشي يعني مش هيقدر يمشي. نظرت فيروز لصقر في ذعر وقالت: طيب يا دكتور ما لوش عملية ويرجع يمشي؟

الطبيب: آه طبعًا إحنا في 2018 والطب على طول في تقدم، بس الأفضل ليه السفر في أوروبا هناك مستشفيات على أعلى مستوى ونسبة العمليات اللي من النوع ده بتبقى ناجحة 100%. صقر: طيب ممكن ننقله النهاردة أو بكرة بالكتير؟ الطبيب: لازم يعدي مرحلة الخطر، بعد كده ممكن يسافر في طيارة خاصة وفيها معدات طبية عشان حالته، بس كل ده تكليفه عليا وبالدولار كمان. صقر: مش مشكلة أهم حاجة يقوم بالسلامة. الطبيب: طيب عن إذنكم. فيروز: اتفضل حضرتك.

وفي آخر الرواق جاء كلا من إياس ورنيم يركضان نحو صقر وفيروز الذي كل منهما يقف بعيد عن الآخر. رنيم وقفت بجوار فيروز وهي تربت على ظهرها: إيه اللي حصل؟ إحنا جالنا تليفون من النادي وجينا جري على طول. فيروز نظرت إليها وهي تشير نحو صقر: اسألي أخوكي وهو هيحكيلك. سمع هو جملتها فأنفعل كالعادة وثار ليقترب نحوها ليمسك إياس به: اهدى يا صقر إحنا في المستشفى.

صقر رمقه بعينيه الحادة: بلاش أنت تتكلم لأن حسابي معاك بعدين عشان تعرف تتقابل مع الصايعة اللي بتستغفلني تاني. إياس بصوت غاضب: لم نفسك يا صقر أنا مراعي اللي أنت فيه. رنيم تدخلت: في إيه؟ صوتكم عالي وهيجوا يطردونا دلوقت... اهدى يا صقر شوية بقى. صقر بغضب: هو في إيه كل شوية واحد فيكم يقولي اهدى، شايفني مجنون وبأشد في شعري؟ فيروز كمن يكظم غيظه لكن لم تتحمل غضبه المتهور: لا حاسب أنت بتقتل بس.

أشاح بصره عنها وظل يضرب بقبضة يده في الحائط ويجز على أسنانه وهو يقول بغيظ: ابعدوها عني يا إياس بدل وقسمًا برب العزة لأتهور عليها وهأخليها تحصلوا جوه. رنيم أمسكت فيروز: يلا يا فيروز تعالي معايا تحت. مشت معاها وعينيها ما زالت مسلطة عليه وهي ترمقه بسخط... وصلا إلى المصعد فدلفا إليه ثم نزلا لأسفل حيث الردهة بالطابق الأرضي للمشفى. *** في أحد نوادي الليل حيث الأضواء الكثيفة والموسيقى الصاخبة...

تجلس إحدى فتيات الملهى بجواره وهي تتغنج. الفتاة: مالك يا باسل باشا بقالك يومين تقلّان عليا، ما بقيناش نعجب ولا إيه؟ باسل وهو يحاوطها بذراعه حول ظهرها العاري ويجذبها لتلتصق به: هو أنا ليا مين حد يدلّعني غيرك يا قمر؟ الفتاة بضحكة تثير النفوس والشهوات: أموت أنا فيك يا باسولتي هيهيهيهيهيهي. ارتشف من الكأس التي بيده الأخرى رشفة من الخمر ثم أردف: حلاوتك يا طعم أنت يا اللي بتظبطني ديما. الفتاة وهي

تشير إلى القادم نحوهما: الحق يا باشا، مش ده سيف بيه صاحبك؟ هو مال وشه متشلفط كده ليلي؟ انتبه له باسل: إيه يا سيفو مين اللي علّم عليك كده يلا؟ وأنا هأسوّي وش أمه بالأسفلت. جلس سيف على الأريكة الجلدية بجواره وهو يزفر بضيق ثم أخذ من أمامه كأس فارغ فنظر إلى القنينة فوجدها فارغة.

نهضت الفتاة من بجوار باسل وتأخذ الكأس من يد سيف الذي كان يحدق في جسدها الذي كان معظمه متعري بسبب ثيابها المكشوفة والفاضحة وهي منحنية بجذعها أمامه بإغراء. الفتاة: أنا بقى هأعملك حتة كوكتيل هيخليك تشيّص على الآخر يا سيفو. باسل: جرى إيه يا نوسا؟ هو أنتِ شايفاني قرطاس لب قدامك ولا إيه؟ الفتاة: فشر يا باسولتي أنت الأساس، والباقي شنط وأكياس هيهيهيهيهيهي. باسل: طيب غوري من هنا بدل ما أقطعك حتت وأرميكي في الشنط والأكياس دي.

الفتاة: ما تزوقيش طيب. قالتها وهي تذهب من أمامهما وتتمختر بخصرها. اقترب باسل من سيف: إيه الحكاية يا صاحبي؟ مين صاحب الخريطة اللي في وشك دي؟ سيف: شهاب السويفي الله يحرقه بجاز. باسل: شهاب! وإشمعنا كده؟ سيف: سيلين كانت عندي... فلم يكمل ليجد ملامح باسل غاضبة ليقول له: وكانت بتعمل إيه عندك إن شاء الله يا عم الأمور؟ سيف: أنا وسيلين أصدقاء بس يا أبو نية شمال. باسل: أنت هتقولي طول عمرك الصدر الحنين للبنات يا أبو السيوف.

سيف: هتسيبني أكملك ولا أسيبك وأمشي؟ باسل: أشجيني. سيف: المهم كانت عندي عشان رايحين مشوار كده ما ينفعش تروحه لوحدها، والغبيه نسيت تقفل باب الشقة، وأنا كنت بأخد شاور يقوم صاحبك داخل في اللحظة اللي كنت خارج فيها ولافف البشكير على وسطي، ما حستش بنفسي غير وإيدي بالبونيات في وشي من غير ما يسمع مني ولا حرف. باسل: وأنت إيدك اتشلت عشان ما تدافعش عن نفسك؟ سيف: لا يا ضبش كنت خايف للبشكير يتزحلق والبت واقفة...

أخدت ضرب لحد ما أغمي عليا، ولقيت البواب بيفوقني وحكالي على اللي عمله فيها لما أخدها ونزل. باسل وهو يرتشف من كأسه: عمل فيها إيه الهتيا ده؟ سيف: ده جرجرها من شعرها ومسح بيها السيراميك عندي غير ما نزل بيها في الأسانسير وسحلها على الأسفلت. باسل: يعني بيغير عليها للدرجادي؟ سيف: أنت أهبل يا واد؟ دي كاتب كتابه عليها وبيحبها وبنت عمه ولا فاكره قرني زيك.

باسل: ما تلم لسانك يا عم على المسا ده، أنت قلبت مزاجي الله يقل مزاجك يا أخي. سيف بضيق: تصدق إنك عيل سئيل؟ كتك قرف أنا قايم وسايبلك النايت كله. باسل يضحك ساخرًا: طيب والكوكتيل بتاع البت نوسا؟ سيف وهو ينهض متأففًا: ابقى اطفحه أنت.

قالها وغادر ليترك باسل الذي يقول لنفسه بصوت جلِي: أشطا قوي كده لقيت السكة اللي هأخليها تتعلم الأدب وتعرف مين هو باسل ضرغام، وفي نفس الوقت هأعلم عليك يا شهاب الكلب وهأخليك قنبلة الموسم أنت وحرمك المصون. *** تشرق الشمس بصباح جديد لتتوغل أشعة الشمس من النافذة الزجاجية لتدلف إلى عينيها لتستيقظ متأففة ونظرت من حولها فوجدت أنها تتمدد على تخت ذو فراش وثير وغرفة مليئة بديكورات من الطراز الحديث مطلي جدرانها باللون الأبيض...

ففي أثناء تأملها وقعت عينيها على الأريكة المخملية ذات اللون البنفسجي لتجده نائمًا في وضع الجلوس وأمامه منضدة زجاجية وعليها قنينة من الخمر وبجوارها كأس فارغ وكان ما زال مرتديًا ثيابه وحذاءه الأنيق...

فتذكرت ما حدث بالأمس على الفور، خاصة عندما تحسست وجنتيها الحمراوين من آثار الصفعات العديدة التي تلقتها، وكذلك شعرت بوخز خفيف في شفتيها. لِتنهض وتنظر للمرآة الكبيرة الموجودة بركن شاغر بالغرفة، فذعرت من هيئتها؛ فشفاها متورمة بشكل ملحوظ وبها آثار لجروح حديثة، وخط دماء متجلط بجانب فمها لينزل على ذقنها.

رفعت شعرها لأعلى تتفحص عنقها التي بها آثار خدوش وكدمات باللون الأزرق. فكانت ليلة أمس أسوأ ليلة مرت عليها من تعذيب وإيذاء نفسي وجسدي. التفتت له فجأة عندما رأت انعكاس صورته بالمرآة، قد استيقظ وظل يحدق بها بنظراته الحادة بدون أن ينبس بكلمة واحدة. نظرت له وهي ترمقه بسخط، لينهض من مجلسه ويقترب منها وهي ترجع إلى الخلف خائفة منه. شهاب بصوت هادئ وبنبرة آمرة: متتحركيش.

قالها وهو واقف أمامها ويلمس شفتيها بأطراف أنامله، وهي كانت ترتجف خوفًا منه. فأردف: أنا أعتبر كده ما عملتلكيش حاجة، أنا لو واحد غيري كان قتلك ورماكي للكلاب، لكن أعمل إيه في قلبي اللي ما هونتيش عليه. سيلين بصوت يكاد مسموعًا: حسبي الله ونعم الوكيل فيك. أمسك معصميها وضغط عليهما بقوة وقال: ليكي عين وبتحسبي عليّا؟ سيلين ببكاء: أها، عشان أنت ظلمتني وما اديتنيش فرصة أشرحلك مين ده وسبب وجودي عنده إيه. شهاب

وهو يميل على أذنها ليهمس: وحد ما يعرفش سيف عز الدين! نظرت سيلين له بصدمة: أنت تعرفه؟ شهاب: أنتِ ناسيه أنا بأشتغل إيه يا سيلي؟ بس أنا لسه ما أخدتش حقي منه، وعمومًا والده داخل مناقصة معانا، وهو عشان ما عرفش يربي ابنه فيا، يا هلا بيه في عالم شهاب السويفي. قالها ويبتسم بشر. سيلين وهي تتخلص من قبضة يديه على معصميها: أنا كنت عنده عشان رايح معايا مشوار. شهاب وينظر لها بإشارة لتكمل حديثها،

فأردفت: كنت عايزة أقابل واحد اسمه توني يبقى ديلر بأشتري منه. صمتت وهي تنظر له بخوف. شهاب: ها كملي. وضعت يدها على وجهها في وضع الحماية: هأشتري ماريجوانا.

_كانت تقف في قلب صحراء قاحلة لتشعر بآلام مبرحة بفكها السفلي، لتشعر بطعم الدماء بفمها فحاولت بصقها على الرمال التي عليها، فوجدت ضرسين لها وقعا من فمها لتشعر بألم رهيب لم تتحمله، لتصرخ بكل قوتها لتجد كائنًا ضخمًا يقف أمامها، ليقترب منها وتظهر هيئته فهو ثعبان ضخم له رأس ضخمة وجسده يلتف على أحد ما ويصرخ بقوة، فاقتربت لتجد هذا الشخص هو زوجها الذي يستنجد بها حتى لا يبتلعه الثعبان، فصرخت بصوت مرعب ليلتفت لها ذلك الثعبان ويلتهم ضرسَيها أمامها ثم ترك زوجها ورحل، لكن اقتربت منه لتراه فوجدته قد فارق الحياة فصاحت بقوة.

سلمى تستيقظ بذعر وهي تشهق بقوة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. رن هاتفها لترى من المتصل فأجابت: ألو، إزيك يا خالتو. الخالة: عاملة إيه دلوقت أنتِ والعيال؟ سلمى: الحمد لله. قالتها وكان صدرها يعلو ويهبط من أثر ما رأته في الكابوس. الخالة: مالك يا بنتي بتنهجي ليه؟ سلمى: ما فيش، كنت نايمة وحلمت بكابوس وحش. الخالة: طيب استهدي بالله واستعيذي بيه من الشيطان الرجيم. سلمى تنهدت: عملتوا إيه في حوار الزيارة يا خالتو؟

الخالة: ما أنا بأتصل بيكي عشان كده. عماد جوز مروة بنتي ليه واحد صاحبه شغال في الداخلية وليه معارف كتير، ووصاهم بأنك تزوري جوزك. سلمى بفرح: بجد يا خالتو؟ الخالة: أه يا حبيبتي. قومي بقى البسي واجهزي أنتِ والعيال وعدي هاتيهم عندي وروحي اطمني على أيمن، ربنا يفك كربه يا رب. سلمى: يا رب يا خالتو. حاضر، هأقوم في نص ساعة وجايين.

أسرعت سلمى بتجهيز ابنيها الرضيعين وابنتيها، وأعدت عدة أصناف من الوجبات السريعة ووضعتها في علب حافظة ثم في كيس بلاستيكي. كارما: ماما؟ سلمى بضيق: نعم. كارما: احنا مش هانروح نشوف بابا بقى عند البوليس؟ سلمى: لا، ما ينفعش بنات صغيرين زيك أنتِ وأختك تروحوا المكان الوحش ده. كارما: طيب لما هو مكان وحش، بابا فيه ليه؟ سلمى زفرت بضيق: يوووه بقى، أسئلتك وأنا مش فاضية لك. كارما وهي تبكي: أصل بابا واحشني أوي ونفسي أشوفه.

سلمى تركت ما بيدها وترقرقت عبراتها هي الأخرى، فعانقت ابنتها وربتت على ظهرها: ما تعيطيش يا كاروما، بابا هيجي إن شاء الله قريب، مش هيقعد كتير هناك. كارما: بس مش عايزة أروح المدرسة تاني أنا وكنزي، العيال بيقعدوا يغيظوا فينا ويقولوا لنا أبوكم في السجن وحرامي. سلمى: معلش يا حبيبتي، سيبك منهم، دول عيال وحشين ما تكلميهمش تاني. ويلا بقى البسي أنتِ وأختك الصنادل بتاعتكوا عشان نازلين. كارما: ماشي.

سلمى: ياااااا رب أنت السميع العليم، فك كربي وكرب زوجي وأبعد عننا شر ما قضيت، أنت الغفور الرحيم يا الله. انتهت سلمى والأولاد ونزلوا إلى الشارع واستقلوا سيارة أجرة جماعية وذهبت لخالتها وتركت معها أبناءها ثم ذهبت للمخفر حيث حجز زوجها. _نظر إليها بملامح خالية من أي تعابير ثم رفع معصمه لينظر في ساعته بهدوء قاتل، ليفاجئها بصفعة جعلتها ترتمي أرضًا، ليجذبها من شعرها وهو يصيح بها: مخدرات يا سيلين؟ لتصرخ فيه أيضًا وهي

تحاول تخليص شعرها من يده: أهااااااا، مخدرات وأوعى تحاسبني على حاجة ما ليش ذنب فيها. داد ما كانش بيقولي لأ على أي حاجة وسيبني براحتي أعمل اللي أنا عايزاه، فكنت منتظر مني إيه؟ قالتها وهي تصرخ وتبكي. فترك شعرها ليجذبها بين ذراعيه وهو يعانقها بقوة، حيث أنه شعر بضعفها أمامه وقوتها التي كان يعشقها أصبحت من الماضي، فهو المسؤول عن ما حدث لها من ضعف وانكسار. شهاب بصوت

مليء بالندم والاعتذار: آسف حبيبتي، آسف يا عمري، أنا مش عارف أنا عملت فيكي كده إزاي، اعذريني من كتر عشقي ليكي خلى نار الغيرة كانت عأمياني لآخر لحظة. قالها وعيناه تذرف عبراتها.

انسحبت من عناقه لها بهدوء فابتعدت لتسرع نحو المرحاض الملحق بالغرفة، لتدلف إليه ثم صفقت الباب خلفها واقتربت من كابينة الاستحمام ذات الحوائط الزجاجية لتدير مقبض المياه، فخلعت ثيابها بالكامل ثم دلفت إلى الكابينة وتنهمر على جسدها المياه حتى تزيل الآلام والأوجاع التي أحدثها لها بالأمس عندما كان يعاقبها من وجهة نظره.

_كانت تجلس منتظرة في مكتب الضابط منكسة الرأس وتنظر لأسفل وعبراتها تتساقط من عينيها. سمعت صوت فتح باب الغرفة لترفع رأسها لتتلاقى عيناها بعينيه، وفي لحظات صمت تتحدث فيها الأعين فقط حتى قاطعها شوق ولهفة وحنين، فركضت نحوه لترتمي في أحضانه وتبكي بشدة، فتأثر هو أيضًا بها ليشاركها البكاء. سلمى: أنت وحشتيني أوي أوي أوي، مش قادرة أعيش من غيرك يا أيمن.

أيمن بصوت باكي: أبوس إيدك كفاية، أنتِ كأنك جايبة سكينة وعمالة تغرزيها في قلبي. سلمى ببكاء وهي تدفن وجهها في صدره: غصب عني والله، مش قادرة أستحمل، أنت عارف كويس أنت إيه بالنسبة لي. وهو يكفكف عبراته ويقبلها على رأسها ثم أردف: والله عارف يا روحي، وأنا كمان وربنا يعلم أنا بأتعذب قد إيه في بعدي عنك من ساعة ما سيبتك وسافرت لحد دلوقتي. صمت

ثم تنهد فأردف مرة أخرى: يا سلمى أنا مش بأعتبرك مراتي وبس، أنتِ بالنسبة لي بنتي وأمي وأختي وحبيبتي وصاحبتي وكل ما تتخيليه. سلمى وهي تشتد من قبضتها في عناقها له: عارفة كل ده والله يا حبيبي، عشان كده ده بقى حالي لما بعدت عني. أبعد وجهها من صدره ليمسكه بكفيه وينظر بينبوع

حنان نابع من عينيه لها: ربنا ما يحرمني أبدًا يا كل مالي. تعرفي أنا ساعات بأصبر نفسي في اللي أنا فيه ده وبأقول الحمد لله يا واد يا أيمن إن ربنا كرمك بسلمى حتى مهما ربنا ادالك من ابتلاءات، كفاية وجودها جنبك وحبها وحنانها ليك. صمت ليردف بألم: يا بت أنا ما ليش غيرك بعد ربنا. فعانقها مرة أخرى بقوة كأنه أراد أن يدخلها بين ضلوعه ولا يتركها تبعد عنه ولو لحظة. وبعد مرور خمس دقائق على ذلك الحال،

أردف هو: بأقولك صح، فيه حد كلمك؟ سلمى: حد مين؟ أيمن: حد كلمك على التليفون أو جالك البيت وقال لك إنه تابعي وكده؟ سلمى باندهاش: لأ خالص. أيمن تنهد بارتياح: طيب الحمد لله. خلاص، ابقي خدي بالك وما ترديش على أرقام غريبة أو تفتحي لأي مخلوق غير خالتك. سلمى: أنت تقصد الناس اللي أنت شغال معاهم؟ نظر بحزن: أها يا سلمى، أوعي حد منهم يجيلك وتفتحيلوا الباب، فاهمة. سلمى: ما تخافش يا حبيبي، ربك معانا ديما وهو الحفيظ.

أيمن: ونعم بالله. دلف إليهم العسكري بعد أن طرق الباب وقال لهما: الزيارة انتهت يا حضرات. أيمن وهو يمسك بكفها ليطمئنها: خدي بالك من نفسك والعيال وما تنسيش اللي قلتلك عليه. أومأت برأسها: حاضر يا حبيبي. قالتها لتنهمر عبراتها مرة ثانية. أمسكه العسكري من ذراعه: يلا يا متهم على الحجز. ذهب معه أيمن وقبل أن يغادر الغرفة التفت إليها لتندفع هي ببكاء: أيمن. لا إله إلا الله. هو: محمد رسول الله. ثم غادر متجهًا إلى الحجز.

هي غادرت المخفر على الفور وهي تركض للخارج وتتجه لموقف سيارات الأجرة الجماعية. ونلتفت إلى سيارة تقف على مقربة من المخفر يبدو عليها الريبة وبها شخصان، أحدهما ينظر من الزجاج الأمامي للسيارة وعيناه على سلمى التي تخطو مسرعة. الشخص وهو يتحدث في الهاتف: ألو يا باشا، هي لسه طالعة دلوقت من القسم. الطرف الآخر: طيب خليك مراقبها زي ظلها ولا تغفل عنها ولو لحظة. الشخص: أمرك يا باشا. الطرف الآخر: وأول ما أديلك الأمر نفذ على طول.

الشخص: أنت تؤمر يا كبير. الطرف الآخر: طيب. يلا سلام دلوقت. أغلق الطرف الآخر المكالمة لتأتي إليه فتاة ترتدي عباءة من الزي البدوي وتخفي نصف وجهها بطرف حجابها المتدلي على كتفيها وتقول له بصوت رقيق: بيبرس بيه، جدي بيقولك الأكل جاهز الحين. ابتسم لها بيبرس بنظرات خبيثة: قوليلوا جاي يا بدر البدور. مشت الفتاة وهو خلفها ويقول في نفسه: ووريني هتعمل إيه يا أيمن لما تعرف إن أم عيالك هتبقى تحت رحمتنا. ليردف بضحكة جلية مرعبة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...