نهضت رانيا لتسير بمياعة وصوت حذائها يثير العصبية بداخل تقي، والتي كانت تقف وتحاول أن تكتم شهقاتها بصعوبة. كادت أن تخرج رانيا، ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان، حيث وجدت غيث أمامها. رانيا بدلع: غيث ازيك؟ غيث بصوت خشن وثبات أتقنه في إظهاره: ازيك مدام رانيا. خير حضرتك مشرفانا النهارده؟ رانيا بمياعة وهي تهتف بمكر: آه، كنت عايزة مدام تقي في موضوع. غيث بشك: موضوع إيه؟
رانيا: مفيش يا حبيبي، مدام رانيا كانت بتاخد رأيي إنها حابة كل شهر تتبرع للناس الغلابة اللي في المستشفى. اقتربت منهم بثبات وهي تهتف بابتسامة صفراء: مش كده يا مدام رانيا؟ صدمتها ردة فعل تقي الثابتة، وتلك الثقة التي أتقنت في إظهارها، لتبتلع ريقها بصعوبة وهي ترمش بعينيها عدة مرات في محاولة منها أن تستوعب ثباتها. تقي: ها؟
ابتسمت تقي بمكر لتقترب من غيث، والذي يقف ويتطلع إليهم بشك، لتتسع حدقتاهما معًا عندما وقفت تقي على أطرافها وقبلته من وجنتيه، لتهمس بخفوت وقد أحرقته أنفاسها الساخنة وجهه: صباح الخير يا حبيبي. تطلع غيث إلى رانيا، والتي ما زالت تحت تأثير الصدمة، ليهتف: نورتينا يا مدام رانيا. رانيا بخبث وغيره وهي تتطلع إلى تلك الواثقة: نورك يا غيث بيه. عن إذنكم، سلام يا مدام تقي. تقي بقرف: سلام.
خرجت رانيا لتبتعد تقي على الفور وهي تلتفت للذهاب إلى مكتبها، ولكن وجدت نفسها في أقل من ثانية ملتصقة بصدره عندما جذبها بقوة. شهقت بفزع لترفع وجهها وتتطلع إليه بذعر، وهي تتوقع أن يثور لما فعلته صباحًا، ولكن مهلاً! لانت ملامحها عندما وجدت ملامح وجهه خالية من أي تعبير، صامت يتطلع داخل سواد عينيها، وكأنه وجد النجوم والقمر، وكأنه وجد العالم بداخلها.
سرحت هي أيضًا في سواد عينيه وقد تناست ما حدث، وكأن العالم وقف بهما في تلك اللحظة. قطع غيث الصمت وقد أخرج حروفه بصعوبة بالغة: أنا.. آسف. وكأن اعتذاره كان إشارة لأن تنفجر في البكاء المرير، لتبكي وتبكي حتى تحولت دموعها إلى شهقات. لم يكن منه سوى أن يجذب رأسها إلى صدره وهو يهتف بوجع ونيران مشتعلة بداخله: عيطي، خرجي كل اللي جواكي. تشبثت في قميصه وهي ما زالت تبكي، حتماً إن لم تفعل ستموت. تقي وهي
ما زالت متشبتة بأحضانه: أنا.. تعبانة أوي. اهئ اهئ. وأنت بتقسي عليا، وميان أختي تعبانة، وأنا مش عارفة أعملها إيه. وبابا وحشني أوي. لترفع وجهها المغروق بالدموع وهي تهتف ببراءة: هو سابني ليه؟ وأنا مليش حد غيره. غيث بلهفة وهو يحاوط وجهها ويمسح دموعها: أنا موجود أهو، انتي مش لوحدك. حقك عليا والله ما هزعلك تاني أبداً. حاوطت عنقه بقوة ودموعها الساخنة تسيل على رقبته لتهتف بحزن: احضني أوي.
وما كان منه سوى أن يضمها بأقوى ما لديه. لم تكن لديها أقارب، لم تكن لديها أصدقاء، وعند الحزن تذهب إليه وتدفن رأسها في صدره، وكأنها تقول له: أنت ملجأي. وكان ملجأها. في منزل أمجد، وخاصة في الغرفة التي تجلس بها صبا. كانت تجلس في شرفة الغرفة وتترك لشعرها العنان يتطاير مع نسمات الهواء الباردة، وتتذكر ما حدث ليلة أمس عند وصولها إلى ذلك المنزل، والتي شعرت ولأول مرة أنها تنتمي إلى منزل ما. فلاش باك.
وصل أمجد بسيارته أمام المنزل ليركنها، ويلتفت بجسده إلى تلك الشاردة ودموعها تسيل كالشلالات، وكأنها في عالم آخر، عالم موازٍ للعالم الذي خذلها بكل قسوة. أمجد بصوت هادئ: صبا. فاقت من شرودها لتمسح دموعها بسرعة وهي تلتفت إليه، وياليتها لم تفعل، فقد اهتز قلبه بعنف بين ضلوعه عندما نظر داخل عينيها البنيتين، والتي بها سحر خاص، حتماً حركت تلك الجنية مشاعره، حركتها منذ اللقاء الأول.
لم يعترف بالحب في حياته ولو مرة واحدة، لم يكن يتوقع أن يقع أسير فتاة، فهو أمجد السيوفي الملقب بعدو الحب، بل عدو المرأة، ولكن ها هو وقع أسيرها، وكأنها السجان وهو المجني عليه. صبا بحشرجة: نعم؟ أمجد وهو يقترب منها لتبتعد هي بخوف وتلتصق بباب السيارة، لتجده يمد يديه ويمسح دموعها برقة. طول ما أنتي على ذمتي مش عايز أشوف دموعك، ممكن؟ هزت صبا رأسها ليبتعد هو ويهبط من السيارة، ويلتفت إليها ليفتح إليها الباب وتهبط.
رفعت إليه رأسها لتتطلع إليه بإعجاب، وقد اخترقت رائحة عطره أنفها، لتغمض عينيها بتأثير. أحست بأنفاسه بجانب أذنيها لتفتح عينيها بسرعة لتجده يهتف: للدرجادي ريحة البرفن بتاعتي مؤثرة؟ احمرت وجنتاها خجلاً لتهتف بعصبية: إيه اللي أنت بتقوله ده؟ لو سمحت يا أستاذ أمجد، الزم حدودك، إحنا متجوزين على ورق وبس. وضع أمجد يديه في جيب بنطاله وهو يتطلع إلى خجلها، والذي زادها جمالاً فوق جمالها، ليبتسم بمراوغة
وهو يهتف بابتسامة مستفزة: طب يلا. صبا وهي ترفع حاجبيها وتتساءل بجهل: يلا فين؟ أمجد باستغراب ومكر: نطلع البيت. إيه؟ هنبات في الشارع ولا إيه؟ صبا وهي تبتلع ريقها بصعوبة، وقد احمر وجهها أكثر، فكيف ستبقى معه في منزل واحد بمفردها؟ الفكرة نفسها مربكة حقاً. صبا: ها... طيب، اتفضل. اقترب منها أمجد ليجذب كف يديها الصغير بين كفه وهو يهتف بتأكيد: هنتفضل.
ليتجه نحو المنزل وهو يسحبها خلفه ويصعد درجات المنزل، وهي مع كل خطوة تزداد وتيرة أنفاسها، تشعر أنها عند وصولها ستنعدم من الخوف والخجل أيضًا. حتى وصلوا إلى المنزل ليفتح هو الباب ويلتفت إليها ليهتف بهدوء: اتفضلي. ظلت صبا تتفحص المنزل من الخارج بخوف، وقد ارتجف جسدها وهي تتذكر ما حدث من حمزة، أكثر شخص كانت تثق به، ولكنه في النهاية خذلها وكاد أن يؤدي بحياتها إلى الدمار.
لتسقط دموعها رغماً عنها، وهي خشية أن تدلف أو حتى تثق بشخص. كل ذلك وأمجد يقف ويتطلع إليها بغموض، وقد فهم ما تشعر به بالحرف. أمجد: أنا مش حمزة. رفعت رأسها إليه بعدم استيعاب، ليهتف هو: يعني متقلقيش، مش هخذلك، لإن مش حمزة ده أولاً. ثانياً، أخواتي الاتنين متجوزين أخواتك، يعني لو أنا فكرت أضرك، مستحيل أخواتك يشفعوا لأي حد قريب مني. ممكن تدخلي؟
وها للمرة الثانية قد أقنعها، لتهز رأسها باطمئنان وتدلف بخطوات بطيئة، ليدلف أمجد خلفها ويغلق الباب. أمجد: دي أوضتك اللي هتنامي فيها، وأنا في الأوضة اللي جنبك. ولو احتاجتي أي حاجة في أي وقت، خبطي عليا. في أكل في التلاجة لو حابة تاكلي. تصبحي على خير. ليدلف كل منهما وبداخله مشاعر مختلفة. باك. فاقت صبا من شرودها على صوت صراخ بالأسفل، لتنظر وتجده أمجد يكيل اللكمات لشخص ما.
اتسعت عيناها بصدمة، فكان الرجل وجهه ممتلئ بالدماء، وأمجد يصرخ به، والجميع ملتفون حوله يحاولون إبعاده، ولكن دون جدوى. أمجد بصراخ وهو يسبه بأبشع الألفاظ: بقيت بتبص على مراتي يابن *****، والله ما هسيبك، هموتك النهارده. استمعت صبا إلى صراخه وقد علمت سببه، لتبتسم بداخلها على تلك الغيرة. صبا بصوت عالٍ: أمجد خلاص، سيبه عشان خاطري. رفع وجهه ليجدها صبا، ليبتعد عنه على الفور، فكيف له أن يرفض طلبًا لأجلها.
أمجد وهو يركل في معدته: قومي من هنا، ورحمة أمي لو شوفتك هنا تاني ما هرحمك. ليتجه نحو المنزل وهو يتوعد لها بأن يجعلها ترتدي الحجاب، وإن كان رغماً عنها، ولكن لن يرى أحد خصلة من شعرها. تمنى لو يخفيها عن عيون الناس لتظل له فقط. في الفيلا، وخاصة في غرفة ميان ويونس. كان يونس يجلس على الأريكة يتطلع إلى ميان بحزن وندم على ما وصلت إليه بسببه. تململت ميان لتفتح عينيها ببطء وهي تحاول استيعاب أين هي وماذا حدث.
لتلتفت بجسدها وتجد يونس يجلس ويتطلع إليها بوجه خالٍ من أي مشاعر. وأخيرًا استوعب عقلها أين هي، استوعبت ما حدث أمس وجعلها بتلك الحالة. لتنتفض من الفراش. ميان بعصبية: أنا إيه اللي جابني هنا؟ يونس ببرود: أنا. ميان بعصبية أشد: وإنت إزاي تجيبني أوضتك بعد ما طلقتني؟ إنت مجنون! أنا مش مراتك عشان أبقى في أوضتك. يونس وهو ينهض ويضع يديه في جيب بنطاله ليسير إليها ببطء، وهي مع كل خطوة تزداد وتيرة أنفاسها، حتى وصل أمامها.
ليميل بجسده قليلاً بجانب أذنيها، وهو: أنا مقلتلكيش؟ ميان وهي تبتلع ريقها وتهتف بتوتر: قـ.. قولتلي إيه؟ يونس ببطء وخفوت: أصل أنا رديتك النهارده. اتسعت حدقتاها بصدمة لتهتف بصدمة: إيه؟ يونس وهو يبتعد عنها ليقف بثبات ويهتف ببرود: زي ما سمعتي، أنا رديتك. ميان بصراخ وقد فاض الكيل: لأ، أنا مش تحت أمرك. أنا مش موافقة ومش هكمل معاك، فاهم؟ مش هكمل معاك. وإنت هتطلقني ورجلك فوق رقبتك. أنا بكرهك! يونس وهو يشد على
شعره ويجض على أسنانه بعنف: ميان، أنا ساكت ومتحمل بالعافية. احترمي نفسك وإنتي بتكلمي جوزك. وارضي بالمكتوب، إنتي مراتي، وطلاق مش هطلقك تاني يابت الناس. وكلمة زيادة وقسمًا عظيمًا هكسرلك إيدك عشان لا تبقى إيد ولا رجل. فاهمة؟ لم ترد، وإنما كانت تتطلع إليه بذعر من حالته تلك، والتي لم ترها من قبل، فحتى وإن كان يصرخ في وجهها دائمًا، ولكن اليوم مختلف، فقد كان حقًا مرعبًا، ولأول مرة تخشى منه هكذا.
يونس بحدة: اعملي حسابك بليل هاخدك وهنروح للدكتور اللي هيتابع حالتك. ودلوقتي الأكل هيجيلك، يخلص كله وتاخدي العلاج، لو منفذتيش اللي قولت عليه مش هيحصلك كويس. قال جملته ليخرج ويصفع الباب خلفه بغضب، فهو بالفعل غاضب وقد توعد أن يقتل حمزة على ما فعله بشقيقته. في المساء، كانت تقف تقي أمام المرآة في غرفتها وهي مترددة، أتذهب أم تثق به؟ ليجيبها قلبها على الفور: إلى الذهاب إلى ذلك المكان.
بعد فترة، وصلت إلى تلك العمارة الراقية وهي تدعو ربها أن يكن ظنها في محله، ولن تجد غيث. لتسير بخطوات بطيئة وتصعد درجات السلم ببطء ورعشة، تناجي ربها ألا يصبح ما قالته رانيا صحيحًا. حتى وصلت إلى باب المنزل لتغمض عينيها بخوف وهي تضع يديها على المقبض. بعد ثوانٍ، فتحت لها رانيا وهي تبتسم بخبث، وقد كانت ترتدي فستانًا أسود قصيرًا إلى ما قبل الركبة، وتترك لشعرها العنان، وتضع كمية لا حصر لها من مساحيق التجميل. تقي
وهي تبتلع ريقها بصعوبة: فـ.. فين غيث؟ رانيا بخبث: اتفضلي. دلفت بخطوات مرتعشة لتتسع عيناها بصدمة عندما وجدته يجلس على الأريكة بارتياح وبجانبه مجموعة من المحرمات والخمور. انتفض غيث بصدمة عندما وجدها، ليتطلع إلى رانيا، والتي تبتسم بخبث. ليجدها تنظر إليه بشماتة. تطلع مرة أخرى إلى تلك المصدومة، والتي سقطت دموعها الساخنة على وجنتيها. غيث وهو يقترب منها ليهتف بلهفة: تـ.. تقي، إنتي فاهمة غلط، أنا...
قطع جملته عندما نزلت صفعة على وجنتيه بقوة، لتهتف بدموع وغضب: إنت حيوان حقير. ورقة طلاقي توصلي النهارده، ولو موصلتليش هرفع قضية خلع عليك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!