الفصل 9 | من 12 فصل

رواية عشق الغيث الفصل التاسع 9 - بقلم ايمان شلبي

المشاهدات
22
كلمة
2,317
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 75%
حجم الخط: 18

ظلت جملة "طالق!! " تتردد في أذنيها أكثر من مرة وكأنها في حلم. حسناً، حسناً، لم يكن حلماً بل كابوس. تردد فيه صدى جملته القاتلة المدمرة. أحست بنخزة في قلبها وكأن خنجراً مسموماً قد غرز فيه، فما قاله ليس بالهين. ظلت تتطلع إليه بصدمة. حقاً، صدمتها ردة فعله. كانت تعتقد أنه سيفرح، ولو يضمها حتى، ولكن في النهاية قد طلقها. ميان بحشرجة: يونس ليه... ليه يا يونس؟ نظر إليها

يونس بحزن ليهتف بألم: عشان انتي متستاهليش تبقي مع واحد زيي... انتي تستاهلي الأحسن... وبرااااا! صرخت بها ميان مقاطعة إياه، وقد تفتت حنجرتها من صراخها النابع من الوجع. دموعها سقطت كالسيول، سيول ستتحول إلى فيضان سيغرق تلك الغرفة. ولكن حالتها تلك لا تضاهي النيران المشتعلة بداخلها. كاد أن يتحدث، ولكنها قطعته مرة أخرى بصراخ أكبر.

لينهض بثقل وهو يموت بداخله ألف مرة على ما وصلت إليه بسبب غبائه. خرج يونس بخطوات ثابتة، عكس الاضطراب بداخله. ليتجه نحو مكتب الطبيب، ويوصي جميع من في المستشفى على حالتها. وإن كان بعيداً بجسده، وإن كان لا يمكنه رؤيتها مرة أخرى، ولكن ستظل روحه تحاوطها أينما كانت. سيستعيدها مرة أخرى. لقد أقسم بداخله أن يستعيدها، ولكن بعد أن يتغير، يكن يونس آخر لأجلها، لأجل تلك الرقيقة التي في خلال يومين قد حركت مشاعر بداخله.

أما عن تلك المسكينة، فقد كانت تجلس ودموعها تنزل على وجنتيها بغزارة، تتطلع أمامها بشرود. ودت لو كان والدها بجانبها لتختبئ في أحضانه من هذا العالم القاسي المرعب الظالم. لتتمتع بدفء أحضانه، تطمئن بحديثه الدافئ الحنون. ولكن أين هو؟ قد تركها أيضاً، تركها وسط غابة مليئة بالذئاب البشرية، وأول من دمرها كان يونس. يونس حبيبها، من تمنته في كل صلاة، من كان دعاؤها في قيامها. قد تخلى عنها. تمنت لو قتلها ولم يتفوه بذلك الحديث.

آااااااااااااااااااااااه! صرخت ميان بوجع وضياع، لتهز أرجاء الغرفة بل المستشفى بأكملها. دلفت الممرضات على صراخها ليقتربن منها، ولكنها ظلت تهز رأسها بهستيرية شديدة وهي تهذي: لاااا... لاااا... محدش يقرب مني... سيبوني أموت... أنا عايزة أموووت... أااااه... اهئ اهئ... سيبوني والنبي. ظلت تهذي بهستيرية، والجميع يقف على بعد مسافة منها ويشفقون على حال تلك المسكينة. ولكن هناك من يقف في الخارج وقد سقطت دموعه. سقطت!

حقاً دموع يونس الجبالي تسقط. "شكلك بتحبها؟ مسح يونس دموعه سريعاً، ليلتفت إلى المتحدث ويجده الطبيب المسؤول عن حالتها. يونس بجدية: مش مراتي. الطبيب: عينيك بتقول كلام كتير. يونس وهو يتنهد بحزن: للأسف محدش هيقدر يفهمني. ليسترد حديثه قائلاً وقد عادت إليه جديته: أنا همشي... عايز الكل يخلي باله منها... ولو حصل أي حاجة زي ما فهمتك... تتصل بيا فوراً. الطبيب باستنكار: هتمشي وتسيبها؟ احتَدت ملامح يونس ليهتف بحدة: شيء ميخصكش.

ليلفت بجسده وقد أوشك على الرحيل. تسمرت قدماه في الأرض عندما استمع إلى حديث ذلك المعتوه، والذي جعل النيران تغلي بداخله. "لو مش هاك اوي سيبها للي يقدرها! التفت يونس بجسده سريعاً ليقترب منه بخطوات واسعة وسريعة، ليجذبه من تلابيب قميصه بعنف، وقد برزت عروق رقبته وأطلقت عينيه شرارات تكاد أن تحرق المستشفى بأكملها. يونس وهو يجز على أسنانه بعنف ليهدر بغضب: سمعني كده... انت قلت إيه؟!

ابتلع الطبيب ريقه بصعوبة بالغة، ولكنه هتف بثبات عكس ما يشعر به من رعب: زي ما سمعت كده... سيبها للي يقدرها. وفي أقل من ثانية، كان مطروحاً أرضاً أثر لكمة يونس القوية. ليجلس يونس فوقه وهو يكلمه مرة تلو الأخرى لما تفوه به. فكيف له أن يتفوه بذلك؟ يونس وهو يلهث بقوة، وقد اجتمع بعض الأطباء لتخليص ذلك القابع أسفله: عايز تتجوز مراتي يابن الكلب... بتبص على حاجة غيرك... وحياة أمي ما هسيبك.

وأخيراً استطاع الأطباء تخليصه، لينهض هو من أسفله ويركض سريعاً خوفاً من أن يقتله. نهض يونس وهو يدفع كل من أمامه بغضب، ليتجه نحو غرفة ميان، وقد قرر ألا يتركها في تلك المستشفى ولو دقيقة واحدة. دلف ليجدها قد نامت بفعل تلك الحقنة المهدئة. اقترب منها بخطوات ثابتة جامدة، ليضع يداً أسفل قدميها ويد خلف ظهرها، ويحملها برقة عكس ما كان عليه منذ دقائق. بعد فترة، كان ينطلق بسيارته نحو الفيلا وهي تقبع في الخلف. *** في فيلا الجبالي.

صدعت جملة المأذون: "بارك الله لكم وبارك عليكم وجمع بينكم في خير". كانت تلك الجملة لها شعور مختلف من جهتين. فكانت تشعر صبا بحزن العالم أجمع على ما وصلت إليه. شعورها بالخذلان يقتلها ألف مرة. تطلعت إلى ذلك المدعو بزوجها، لتجده يجلس ويتطلع إليها بغموض. لتُشيح وجهها بعيداً بخجل وهي تُفرك أصابعها بتوتر.

أما عن أمجد، فكانت ملامحه جامدة لا توحي بأي شعور. ولكن هو بداخله يكاد يقسم أن دقات قلبه سيستمع إليها الجميع. كاد أن يطير من الفرحة. وكأن القدر حالفه تلك المرة، وكأن أمنيته قد تحققت على الفور. فمنذ رؤيتها وهو يدعو ربه أن تكون من نصيبه. تلك الجنية، تلك من سلبت عقله بل سلبت روحه أيضاً. أقسم ألا يتركها. فمنذ متى وأمجد السيوفي لم يفِ بوعده؟

فوعد الحر دين. لذلك هو لن يتركها، وإن كانت هي ترفضه، وإن وقف العالم ضده، وإن طبقت السماء أرضاً... ستظل زوجته إلى النهاية. فاق كلاهما على صوت غيث وهو يهتف ببحة صوت رجولي: مش عارف أقولك إيه يا أمجد. أمجد بثبات: ولا حاجة يا غيث... أنا متأكد إن أي حد مكاني كان هيعمل كده. لينهض بثبات وهو يتنهد بإرهاق بادٍ على ملامحه: يلا يا غيث... احنا هنستأذن. يلا يا صبا. غيث: تمام. نهضت صبا سريعاً كمن لدغها عقرب، لتهتف بذعر: يا...

يلا فينا. اقترب منها غيث ليجذب كف يديها ويضغط عليه برقة، وكأنه بذلك يبث في قلبها الطمأنينة: حبيبتي... إحنا مش اتفقنا إنك هتتجوزي أمجد وهتروحي معاه؟

هزت صبا رأسها ودموعها تسقط على وجنتيها. ليجذبها غيث إلى أحضانه وقلبه يحترق عليها. فصبا ليست شقيقته، بل ابنته، تربية يده. ومن وقت وفاة والده وهو يعتبرها مسؤولة منه. أقسم من يومها ألا تسقط دمعة من عينيها، ولكن ها قد أخلف وعده. قد سقطت دموعها اليوم. لتطلق عينيه شرارات الغضب وهو يقسم بداخله أن تكون نهاية حمزة على يده. غيث وهو يقبل أعلى رأسها: متعنيطيش يا حبيبتي... أوعدك في أقرب وقت هترجعي البيت...

أوعدك مش هسيب حقك أبداً. أمجد باستنكار بداخله: هه... إن شاء الله... ده لو سابها ترجع لكم تاني. ليهتف بنفاذ صبر: يلا يا صبا. غيث وهو يبتعد عنها ليتجه نحو أمجد ويتحدث إليه بهدوء: أمجد... صبا في عينك. ليهتف بحذر وقد أرسل إليه نظرات تحذيرية من عينيه: لو صبا اشتكتلي منك صدقني مش هيحصل كويس. أمجد وهو يجذب كف يديها ليجعلها تقف بجانبه، بل كانت ملتصقة به، ليهتف ببرود: متقلقش يا غيث بيه... صبا في عيني... عن إذنك.

لم ينتظر رده، وإنما ذهب وهو يجذب صبا المذهولة من ردة فعله، والتي أرسلت الرعب بداخلها. فيبدو أن غيث قد تسرع في موافقته على ذلك المعتوه. خرجوا من الفيلا لتجذب صبا كفها. التفت إليها أمجد ليهتف بهدوء: مالك يا صبا؟ ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تهتف بارتعاشة حاولت في إخفائها بصعوبة، ولكن قد لمحها أمجد: م... مفيش... إحنا هنروح فين؟

اقترب منها أمجد لتبتعد هي إلى الخلف، وكلما اقترب تبتعد، حتى كادت أن تتعثر، ولكن سبقتها يديه والتي التفت حول خصرها، لتضع هي يديها بتلقائية على عضلات صدره، ليرتجف قلبه بعنف بين ضلوعه. وهي أيضاً كادت أن تنصهر من قمة خجلها، وقد احمرت وجنتيها وظهر بريق لامع من عينيها البنيتين، جعلت من ينظر إليها يقع أسيراً لتلك العيون. وأخيراً قد فاق أمجد أولاً، ليعتدل في وقفته ويجعلها تقف وهو ما زال محاوط خصرها، ليهتف

بهدوء وأنفاسه تحرق وجهها: متقلقيش ياصبا... أنا مستحيل أضرك... خليكي واثقة من ده... أنا عندي أخوات بنات وعارف إن كما تدين تُدان.

هزت صبا رأسها عدة مرات، وهي لا تنكر أن حديثه قد أرسل بداخلها بعض الهدوء والطمأنينة. ليبتعد هو عنها ويجذب كف يديها متجه نحو سيارته، ليفتح لها باب السيارة. لتتطلع إليه صبا بإعجاب. فكم هو وسيم. تشعر بشعور لأول مرة يراودها، فأقترابه يُرسل القشعريرة بداخلها. لتفيق سريعاً وتدلف السيارة. أما عن أمجد، فقد تيقن أنها أعجبت به وبشخصيته، ليبتسم بثقة وهو يلتف إلى الجهة الأخرى ويجلس خلف مقود السيارة، متجه نحو منزله، لتبدأ حياة أخرى بالنسبة له، وأيضاً لصبا.

*** في الصباح، وخاصة في المستشفى التي تعمل بها تقي، كانت تجلس خلف مكتبها وهي شاردة حزينة، وتتذكر ما حدث صباحاً. فلاش باك. نهضت تقي صباحاً لتجد غيث يكبلها بقوة. ظلت تتطلع إلى ملامح وجهه الهادئة عكس ما كان عليه ليلة أمس. لتتذكر ما حدث، لتسقط دموعها بعتاب. فها هي بين أحضانه، ولكن هو لن يعتذر حتى.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...