غيث وهو ينتفض كمن لدعته عقرب: انتي بتقولي إيه؟! وضعت رانيا ساقًا فوق الأخرى بميوعة وهي تهتف بمكر: إيه يا غيث بيه مالك خوفت كده؟ غيث وهو ينهض بغضب ويجذبها من ذراعيها كي تقف أمامه: قوليلي حامل منين وأنا... قاطعته رانيا بجراءة وهي تهتف: ماهو ده اللي هقوله للست تقي مراتك لو فكرت بس تغدر بيا وتطلقني! غيث وهو يتركها بصدمة: يعني إيه؟! رانيا:
يعني أنا مش حامل ولا حاجة يا غيثي، بس لو فكرت تُغدر بيا صدقني هخليها تكره اليوم اللي اتجوزتها فيه... هخليها تكرهك أنت شخصيًا! دفعها غيث بقوة على الكرسي خلفها ليقذف ما على المكتب بغضب وهو يصرخ بكلام غير مفهوم... كل ذلك وتلك رانيا تجلس ببرود وكأنها لم تفعل شيئًا. غيث وهو يتنفس بحدة: امشي من قدامي دلوقتي. نهضت رانيا وهي تتمايل بميوعة وصوت كعب حذائها في الغرفة يصدر صوتًا يزعجه، فوجودها من الأساس مزعج...
ليلتف ويجلس خلف مكتبه وهو يغمض عينيه، وقد فرت دمعة هاربة من عينيه... دموع! غيث الجبالي يبكي؟ ولأجل من؟ لأجل تقي أم لأجل خوفه من تلك رانيا؟ بالتأكيد غيث الجبالي لن يخاف أحد، ولكنه يخاف أن تتركه تقي، يخاف فكرة ابتعادها... أحبها ولكن كيف أحبها في يوم واحد؟ سنترك ذلك للأحداث... لينهض بثقل وهو يترنح من ذلك الدوار الذي يداهمه، ليلتقط متعلقاته ويحاول الوقوف بثبات ليخرج من الغرفة ويسير بثقة عكس ما بداخله من ضعف. ***
مع انتهاء جملتها شهقت بخوف ورمت هاتفها أرضًا عندما فتح باب الغرفة على مصرعيه ودلف يونس بهيئة لا تبشر بخير إطلاقًا، لتجده يقترب منها ببطء قاتل وكأنه متعمد أن يقتلها ألف مرة قبل أن يصل أمامها... نهضت ميان وارتعشت شفتيها بخوف حقيقي وتحول لون وجهها إلى الأحمر من دموعها والتي سقطت فورًا... حتى وصل أمامها. يونس بهدوء ما قبل العاصفة: بتكلمي مين؟ ميان بخوف: د... ده... يونس بصراخ جعلها ترتجف في وقفتها: ردي بتكلمي مين؟
مين اللي انتي محتاجاله ده؟ ميان بسرعة وخوف: ده أمجد أخويا في الرضاعة. يونس وقد بدأت وتيرة أنفاسه في الهدوء تدريجيًا: وهو فين سي أمجد؟ لم ترد ميان، وإنما كانت ترتعش بخوف حقيقي، فهي تخشى الصوت العالي. يونس بعصبية: ردي عليّ. ميان بشهقات: ع... عايش في باريس و... وهو هيجي على أول طيارة لمصر بعد ما عرف إن بابا مات... يونس وهو يميل برأسه بجانب رأسها ليهمس وهو يجز على أسنانه بقوة:
لما أستاذ أمجد يجي هيسلم ويمشي عشان يكون في علمك بس... اللي انتي محتاجاله مش هيفيدك... أنا بس اللي تحتاجيلي أنا بس اللي تتكلمي معاه أنا بس، فاهمة؟! ميان وهي تنظر داخل عينيه برجاء: انت ليه بتعمل معايا كده؟ أنا عملتلك إيه؟ يونس بخشونة: تصرفاتك تضايق. ميان ببكاء: انت ليه مش حاسس بيا؟ ليه مش قادر تحس إن بابا مات من يومين وأنا اتجوزت واحد معرفهوش، وفي البداية معاملته كانت حلوة معايا...
واتاري من ورا المعاملة دي سر مخبيه عليا وهو إنه خاطب وهيجوز غيري، عايزني أتصرف إزاي؟ يونس: كنت هقولك إني خاطب بس مكنتش هقدر أقولك في الظروف دي. ميان: ط... طب خطيبتك موافقة إنك تتجوز غيرها؟ يونس بغموض: أيوه. ميان بعصبية: بس أنا مش موافقة أبقى رقم اتنين في حياة حد يا يونس بيه. يونس ببرود: وأنا قولت مش هطلقك يا ميان... ويا ريت متتعبيش نفسك وتفضلي كل شوية تقولي طلقني...
واعملي حسابك إحنا بكرة هنروح نعيش في بيتنا الجديد... ويالا عشان نتغدى. ميان بتعب: لا مش هاكل حاجة. يونس وهو يقبض على معصمها ويضغط عليه بقوة: مبحبش كلمة لأ يا ميان، عايز أسمع حاضر ونعم وبس. ميان بألم وبكاء: آآآه إيدي! أرخى يونس قبضته ليخرج من جيب جلبابه الصعيدي الأبيض منديل ويقربه من عينيها ليمسح دموعها برقة عكس ما كان عليه منذ دقائق، وكأنه بشخصيتين مختلفتين... يونس بجدية: مش عايز حد يشوف دموعك...
اللي بيحصل هنا أياً كان ميخرجش بره الأوضة، سامعة؟! هزت ميان رأسها بتعب وقد فقدت القدرة على الجدال أكثر من ذلك... ليهبطوا إلى الأسفل. في الأسفل، وصلت تقي إلى الفيلا وجلست بتعب على أقرب أريكة... رفعت رأسها لأعلى عندما استمعت إلى صوت أقدام تهبط لتجدها ميان وبجانبها يونس الذي يمسك كف يديها. ميان بفرحة وهي تفلت كفها من كفه وتهرول إلى أسفل: تقي!
لتهرول إلى شقيقتها وتضمها بقوة وكأنها كانت تحتاج إلى هذا العناق، لتضمها تقي أيضًا بقوة وتبكي الفتاتان وكأن هذا العناق ذكرهما بوفاة والدهما. كان يونس يقف وينظر إليهما بشفقة، وخاصة على ميان، فدموعها مست قلبه بل جعلته يتحرك بعنف وغضب وهو يتمنى ألا تبكي إطلاقًا!
حتى اقترب منهما ليجذب ميان وبدون مقدمات إلى صدره وهو يربت على ظهرها برقة، والغريبة أنها لم تمانع، وإنما حاوطت خصره وظلت تشهق بقوة وعنف، ليتركها يونس تفرغ شحنة بكائها التي بللت جلبابه الصعيدي... كانت تقي تقف بدموع أيضًا وهي تتمنى في ذلك الوقت وجود غيث، فهي بحاجة إلى عناق تُفرغ فيه شحنة بكائها وغضبها وغيرتها عليه... وكأن القدر يُحالفها في هذا الوقت، حيث وجدته يدلف بهيئته الساحرة الرجولية والتي تُسلب قلبها وعقلها...
لم تفكر، وإنما هرولت إليه لتضمه بقوة، حتى أنه صدم من رد فعلها غير المتوقع، ولكنه لف ذراعيه حولها ليستمع إلى صوت شهقات مكتومة، ليبعدها عنه برقة وهو يهتف بقلق: تقي حبيبتي مالك؟ تقي: م... مش قادرة أتكلم، احضني بس. غيث ليونس: في إيه يا يونس مالهم؟ يونس بحزن: الظاهر إنهم افتكروا والدهم. حملها غيث برقة لتضع رأسها على صدره وتغمض عينيها...
حتى صعد إلى الأعلى نحو غرفتهم ليسندها بذراع ويفتح الباب بذراع آخر، حتى دلف لينزلها بهدوء وهي مازالت في أحضانه. غيث برقة وهو يربت على ظهرها: تقي اهدي ياحبيبتي وادعيله. تقي بشهقات: م... مش قادرة يا غيث، مش قادرة، بابا وحشني أوي. أغمض غيث عينيه بحزن وهو يضمها بقوة أكبر حتى هدأت بعد فترة، لتبتعد عنه بخجل وهي تضع عينيها في كل الاتجاهات سوى عينيه. غيث بحنان: هديتي؟
هزت تقي رأسها بالإيجاب، لتجده يمسح دموعها بأطراف أصابعه برقة. تقي: غ... غيث أنا عايزة أنزل أطمن على ميان. غيث وهو يجذب كفها برقة: يالا. هبطوا إلى الأسفل ليجدوا ميان تجلس وبجانبها هبة وصبا ويخففون عنها، وهي تبتسم، لتبتسم بفرحة على ابتسامتها وتتطلع إلى غيث بامتنان على وجود عائلته بجانبهم... ليهبطوا ويجلسوا بجانبهم، حتى مرت أكثر من ساعتين وقد انتهوا من الطعام ويجلسون أمام التلفاز. غيث بهمس:
بس تعالي هنا، صحيح إيه اللي حصل النهارده ده؟ تقي بخجل وقد احمرت وجنتاها وهي تفهم ما يرمي إليه: إيه؟ غيث بمكر: ده باين القطة طلعت بتخربش. كادت أن تتحدث، ولكن قطع حديثهم صوت الحارس وهو يهتف بغلظة: غيث بيه، في واحد برا عايز يقابلك. غيث بأستغراب: واحد مين ده؟ الحارس: مقالش اسمه يا بيه. غيث: طب خليه يدخل. خرج الحارس وبعد دقائق قد دلف ذلك الشخص، وأول من صرخت باسمه هي تقي عندما ابتعدت سريعًا عن غيث وهرولت إليه لتضمه
باشتياق وهي تهتف بفرحة: أمجددد! انتفض غيث بفزع عندما ابتعدت عنه بتلك الطريقة وصرخت باسم شخص آخر... بل وهرولت إليه لتضمه... نهض بسرعة وقد كان صدره يهبط ويصعد بعنف وعروقه برزت من الغضب وتحولت عينيه إلى اللون الأحمر القاتم، وقد كانت حالته يرثى لها، ليصرخ بصوت هز أرجاء الفيلا: تقييييييي!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!