التفتت تقي بخوف لتتطلع إلى هيئة غيث المرعبة، بداية من عروقه البارزة إلى خطوات قدمه السريعة، وكأن الأسد سينقض على فريسته. لتتمسك بملابسها بخوف. سامر بصدمة: غيث بيه. غيث وهو يقترب منهم ويهتف بغضب: إيه اللي أنت قلتهولها ده؟ سامر بخوف وهو يبتلع ريقه بصعوبة: أنا معجب بالدكتورة من زمان وحبيت أدخل البيت من بابه. غيث وهو يحاوط كفها الصغير بين كفه ليهتف وهو يجز على أسنانه بصوت عالٍ: الكل يتجمع هنا.
وفي أقل من ثانية قد اجتمع الجميع ملتفين حوله بذعر وارتعاشه في أجسادهم، فهم يعلمون أن سيد عملهم لن يتهاون في أي تقصير أبداً. غيث بحده مرعبة: بالنسبة للناس الجديدة هنا، أنا غيث الجبالي، طبعاً الكل عارف أنا مين، أنا العمده، وأكون صاحب المستشفى دي أنا ويونس أخويا. واللي واقفة جنبي دي تبقى حرم غيث الجبالي، واللي هيفكر بس يقرب منها هكسرله إيده ورجله، انتوا فاهمين؟ الجميع بخوف: فاهمين.
كانت تقي تتطلع إليه بصدمة، فهو لم يخبرها أن المستشفى ملكه، وأيضاً صدمتها رد فعله غير المتوقعة. ولكنها لن تتجرأ أن تتفوه بحرف واحد مطلقاً، فهي لا تعلم رد فعله عند العصبية، لامحالة سيعاقبها. غيث بصراخ أرعبهم: يلا، هتفضلوا واقفين؟ وفي ثوانٍ قد ذهب الجميع، بل هرولوا إلى العمل، وأولهم سامر، وكأنه كان في سجن وأخيراً تحرر منه. لم يتفوه غيث بحرف، وإنما سحبها وتوجه نحو مكتبه، ليفتح الباب ويدلفوا ليغلقه بعدها.
تخطته تقي لتندفع داخل أحضانه وعيناها مغرورقة بالدموع، وكأنها تطلب منه أن يخفف عقابه، والذي ليس لها ذنب فيه. تقي بشهقة: أنت قلتلي وقت ما تبقي خايفة، تجري على حضني من غير استئذان، وأنا خايفة منك، بس جريت في حضنك. غيث بذهول من خوفها، ليلف ذراعيه حولها بحنان: اهدي يا تقي، أنا مش هعملك حاجة، أنا عارف إنك ملكيش دعوة بالموضوع، اهدي. تقي وقد توقفت عن البكاء: بـ بجد؟ غيث بهدوء: بجد. تقي: أنت ليه مقولتليش إنك صاحب المستشفى؟
غيث بمرح: حبيت أعملك مفاجأة، بس منه لله الخرابة سامر، خلاني أتعصب. ابتسمت تقي برقة وهي تنظر داخل عينيه بهيام، وكأنها تخبره بتلك النظرة أنها أحبته، أو بالمعنى الصحيح، هي تحبه منذ فترة سراً. غيث وهو ينظر أيضاً داخل عينيها والتي بها سحر غريب: يلا عشان تفطري. تقي برقة: لا، أنا مش قادرة، أنا هروح على شغلي. غيث: أنا نزلتك من البيت من غير فطار، مينفعش طبعاً، أنا طلبتلك أكل عشان تفطري، مفيش شغل غير لما تفطري، يلا اقعدي.
تقي بطاعة وحب: حاضر. في الفيلا، عندما ذهب حمزة وترك صبا، دلف إلى الداخل ليقابله بوجه متهجم. حمزة: في إيه يا يونس؟ يونس بغضب: مفيش يا حمزة، أصل أنت معملتش حاجة تضايق. حمزة: معلش صدقني، أنا نسيت. وبعدين أنت إزاي كنت مخبي عنها حاجة زي كده؟ يونس وهو يمسح وجهه بعصبية: كنت هتزفت أقولها، كنت هتزفت، بس مش بالطريقة دي. حمزة: طب، اهدي بالله عليك، ما تزعل مني. يونس: خلاص يا حمزة، محصلش حاجة، عن إذنك. حمزة: رايح فين طيب؟
يونس: هروح شغلي، سلام. طلقني الأول يا يونس بيه. أغمض يونس عينيه بقوة وقبض على كف يديه بعنف وهو يتنفس بحده، ليلتفت إليها ويرفع رأسه وعينيه تطلق شرارات، فهو أكثر ما يكرهه هو تلك الكلمة. يونس بحده: ادخلي أوضتك. ميان بغضب: مش هدخل، أنا عايزاك تطلقني ودلوقتي حالا، ولو على اللي عملته عشاني امبارح، متشكرين لسيادتك، أنا مستغنية عن حمايتك وأقدر أحمي نفسي بنفسي.
يونس وهو يصعد درجات السلم ببطء قاتل، ومع كل خطوة كانت تزداد حدة تنفسها بخوف، وكأن ملك الموت هو من يقترب منها. ليشحب وجهها وترمش عينيها عدة مرات بخوف. حتى وصل أمامها ورد فعله قد فاجأها، فقد سحب يديها بهدوء وتوجه نحو غرفتهم ليغلق الباب ويحاصرها بينه وبين الباب، ليهتف بهمس بجانب أذنيها: عيدي كده اللي قلتيه ياقطة. ميان بتوتر: أنت مقرب كده ليه؟ يونس بصوت حاد نسبياً: قولتلك، عيدي اللي قلتيه. ميان
بخوف وهي منكمشة على نفسها: بقولك أنا عايزة أطلق، طلقني. يونس وهو يجذبها من خصرها حتى التصقت به، ليهمس أمام وجهها بغضب وأنفاس حادة: قسماً بالله ما هطلقك، أنا مش بطلق، ولو سمعتك بتقولي الكلمة دي تاني، هيبقى فيها موتك، فاهمة! ميان وهي تحاول الإفلات لتتحدث بغضب: ابعد عني، أنت اتجننت. يونس وهو يهمس بجانب أذنيها: اعتذري.
ميان وهي تدفعه بقوة وغضب: مش ميان الشافعي اللي تعتذر يابن الجبالي، وأنت هتطلقني ورجلك فوق رقبتك، أنا مش هكمل مع واحد خاطب، أنا مرضاش أكون زوجة تانية ليك، حتى لو لسه خاطب، أنا هكون التانية. يونس بصراخ هز أرجاء الغرفة وجعلها ترتعش من الخوف، حيث تحول إلى وحش غاضب: مش هطلقك يابت الشافعي، مش هطلقك، وعقابك كبير أوي على اللي حصل ده، وأوله مفيش خروج من الأوضة دي. لما تتعلمي إزاي تحترمي جوزك ومتعليش صوتك عليه، ابقي أخرجك.
وبالفعل في خلال ثوانٍ قد خرج من الغرفة وأغلق الباب بالمفتاح، لتهرول ميان نحوه وتطرقه بقوة ودموع: افتح الباب، افتح، أنت مش من حقك تحبسني، افتتتتتتحلي. هبه: حرام عليك يا يونس، إحنا من إمتى بنتشطر على ولاية. يونس بحده: محدش ليه دعوه، مراتي وأنا حر، يا أمي لو سمحتوا محدش يتدخل ما بينا. ليهبط إلى أسفل وقد ذهب حمزة. هبه من الخارج: اهدي يا بتي، هو أكيد هيخرجك لما يهدى. ميان بغضب: خليه يطلقني، أنا مش عايزاه.
هبه بشفقة: لا حول ولا قوة إلا بالله، يا بنتي استهدي بالله بس، أنا هنزل تحت أحاول أقنعه يخرجك. في مكان آخر، ولأول مرة نذهب إليه، وفي باريس تحديداً، في إحدى الفنادق الراقية والمطلة على برج إيفل، كان يجلس شاب في منتصف العشرينات ويحتسي كوباً من القهوة الدافئة، عكس الطقس شديد البرودة، وهو يتأمل ذلك المنظر الرائع من الأعلى.
ليقطع شروده صوت رنين هاتفه، ليميل بجسده قليلاً ويلتقطه من الطاولة أمامه، ليبتسم بهدوء وقد علم من على الفور. الشاب: وحشتيني. ميان ببكاء: أمجد، وأنت أوي. أمجد بقلق: مالك يا روحي، في إيه؟ ميان: بابا مات يا أمجد. أمجد بصدمة: إيه؟ سردت له ميان كل ما حدث حتى زواجها هي وشقيقتها، ولكن الغريب أنها لم تخبره بما حدث منذ عدة دقائق. أمجد: أنا هنزل مصر على أول طيارة يا حبيبتي. ميان بفرحة: بجد يا أمجد؟ هتنزل؟ أنا محتاجالك أوي.
ومع انتهاء جملتها، شهقت بخوف ورمت هاتفها أرضاً عندما فتح باب الغرفة على مصرعيه، ودلف يونس بهيئة لا تبشر بخير مطلقاً. في مكان مجهول، كان يجلس شابان يبدو عليهما الفساد ويتحدثان بشر. الشاب 1: يا سطا، أنت ليه بتعمل كده؟ الشاب 2 بشر: عشان آخد حق أبويا منهم. الشاب 1: وأنت هتاخده إزاي منهم؟ دول ينسفوك. الشاب 2: لا، ما أنا عندي الطريقة اللي تكسرهم. الشاب 1: وإيه هي؟ الشاب 2: صبا أختهم. الشاب 1: إزاي وأنت...
قاطعه بحدة: ميخصكش، أنا هتصرف في الموضوع، يالا طرقنا. الشاب: طيب، سلام، بس خد بالك، مهمتك مش سهلة. ليخرج فوراً ويتركه ينظر أمامه بشر كامن في عينيه ويتوعد لهم بالكثير. انتهت تقي من عملها لتقرر الذهاب إلى غيث كي تخبره أنها أنهت عملها وستذهب. طرقت الباب ليسمح لها بالدلوف. انكمشت ملامح وجهها إلى الغيرة عندما دلفت ووجدت فتاة تجلس أمامه بملابس فاضحة وتضع مساحيق تجميل تُخفي ذلك الوجه الحقيقي لها. غيث: تعالي يا تقي.
توجهت تقي مباشرة إلى غيث لتحاوط عنقه وتقبله من وجنتيه بقوة وهي تهتف برقة: وحشتني أوي يا قلب تقي. ابتلع غيث ريقه بصعوبة وقد تصبب عرقاً وظل يفتح عينيه ويغلقها عدة مرات بصدمة من تلك الجرأة. غيث بارتباك: أعرفك يا حبيبتي، مدام رانيا. مدام رانيا، أعرفك تقي مراتي. تقي بابتسامة قرف: أهلاً وسهلاً. رانيا بابتسامة صفراء: أهلاً. غيث: خلصتي شغل يا بابا؟ تقي: آه، كنت جاية أقولك إني هروح. غيث: طيب، هتلاقي تحت السواق مستنيكي.
تقي: وأنت مش هتروح يا حبيبي؟ غيث: لا، أنا لسه قدامي شوية حاجات. تقي بغيره وهي تنظر إلى رانيا: طيب، سلام. ذهبت تقي لتغلق الباب خلفها. غيث: إيه اللي جابك هنا يارانيا؟ رانيا: جايه أشوف جوزي. غيث بغضب: رانيا، إحنا متجوزين لأسباب معينة، وأظن إنتي عارفاها، فبلاش جو جوزي وحبيبي والكلام ده. رانيا بخبث وهي تضع يديها على بطنها: لا، ما هو انت جوزي وأبو ابني كمان يا غيثي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!